Indexed OCR Text
Pages 361-380
إبراهيم بن عبد الله، عن وكيع كما ذكرنا. وقال البيهقي بعده: رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الأشج وغيره، عن وكيع. وكذا أخرجه الحافظ أبو بكر بن مَنْجُويّة في آخر الجزء التاسع من ((فوائد أبي زكريا المُزَكِّي)» (١) من طريق إبراهيم بن عبد الله، عن وكيع، وقال بعده: أخرجه مسلم عَنْ أبي كريب وغيره عن وكيع، وكذا صنع الحافظ أبو محمد بن الأخضر في ((تخريجه لفوائد شُهدة الكاتبة)». فقد ظهر أن روايتي وكيع وجريرٍ عن الأعمش إنما هي مِنْ مسند أبي سعید . فإن كان ما وقع في ((ابن ماجه)) مِنْ جَمْعِه بين روايات الثلاثة، وجعلها مِنْ مسند أبي هريرة منه، فقد وهم في ذلك بلا شك، وإن كان لم يُخْرِّجْهُ مِنْ رواية الثلاثة إلا مِنْ حديث أبي سعيد، ووقع الخللُ في ذلك مِنَ الرّواة عنه - وهو المتبادر إلى الذهن - فيقوَى حينئذٍ أنَّ رواية أبي كُريب له عَنْ أبي معاوية إنَّما هي مِنْ مسند أبي سعيد. فتوافق رواية الأئمةِ له عَنْ أبي معاوية، ولا سيما وفيهم مثلُ أحمد بن حنبل، وأبي خَيْثَمة، وأحمد ابنِ مَنيع، ومَسدَّدٍ، والحسن بن عليّ الحلواني، وغيرهم مِنَ الحفّاظ الأثبات. فيقوِّي ما جزم به الدارقطني وغيره. وقد وقع لي هذا الحديث [عالياً جداً من حديث](٢) أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، أوردته في ((تغليق التعليق)) (٣) وهو ما قرأت على المحبِّ محمد بن محمد بن محمد بن منيع، أن عبد الله ابن أبي التائب أخبره، أخبرنا إسماعيل بن أحمد العراقي، عن شُهدة، أن ◌ِرَاد بن محمد أخبرهم، أخبرنا أبو نصر بن حسنُون، أخبرنا أبو جعفر بن البختري، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، (١) في (أ): ((المربي)»، تحريف. وهو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري، مترجم في السير ١٧/ ٢٩٥. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). (٣) ٤ / ٦٠. ٣٦١ عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، الحديث. هكذا أخرجه الحافظ أبو علي البَرداني في كتاب «فضائل الصحابة). لطراد، وقال بعده: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية .. وهذا الإطلاق يشبه ما تقدَّم عن أبي نعيم الحافظ .. وممَّن رواه عن أبي معاوية، فجعله من مسند أبي سعيد غيرُ من تقدَّم ذكرُه: الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبد الله بن هاشم، وسعيدُ بن يحيى الواسطي، وعليُّ بن حرب الطّائي، ومحمدُ بن جامع العطَّار،. وعلي بن الجعد. ورويناه في ((جُزء» علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن أبي معاوية. وكذا أخرجه أبو عبيدٍ في ((غريب الحديث)) له. وقال الجوزقي في ((المثَّفق)»: أخبرنا مكُيُّ بن عَبْدان، حدَّثنا عبد الله بن هاشم، وهو الطّوسي، حدَّثنا أبو معاوية، فذكره كذلك. وقال خيثمة بنُ سليمان في ((فضائل الصحابة)) له: حدثنا خلفُ ابن محمَّدٍ الواسطي، حدثنا سعيدُ بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، به. وكذلك رويناه في ((فوائد» أبي محمد عبد الله بن علي الأبنوسي انتقاء أبي علي البرداني له، من طريق الحافظ الفقيه أبي بكر بن زياد النيسابوري، حدثنا عليّ بن حرب، حدثنا أبو معاوية، فذكره. وستأتي رواية محمد ابن جامع قريباً إن شاء الله تعالى. وقال ابن حبان في ((صحيحه)) في النوع الثالث من القسم الثاني: أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، حدَّثنا عليّ بن الجعد، حدثنا شعبة وأبو معاوية، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي سعيد. الخُدري، فذكره. فقرن عليُّ بنُ الجعد في روايته بين شعبة وأبي معاوية . وكذا رويناه في (أمالي محمد بن إسماعيل الورّاق)) عن عُمر بن: إسماعيل بن أبي غيلان. وكذا رويناه في ((البشرانيات)) عن الوراق مثله. ٣٦٢ وهكذا رواه الإسماعيلي في (صحيحه)) عن محمد بن يحيى أبي بكر المروزي، وأبي القاسم البَغَوي، وغير واحد، كلهم عن علي بن الجعد مقروناً. قلت: ولا يصحُّ عَنْ شعبةَ إلا مِنْ حديث أبي سعيد. وقد وَهِم فيها أبو مسعود الرَّازي على أبي داود الطيالسي، فحدَّث بها عنه، عن شعبة، فقال: عَنْ أبي هريرة، حكى ذلك الخطيبُ وسيأتي. وأمَّا رواية حجاج بن نُصير الفَسَاطيطي، فَوَهِم فيها على شعبة، وقد نصَّ على ذلك أبو عبد الله بن مَنْده في بعض تخاريجه (١). وقد رواه أحمد بن حنبل في «مسنده» أيضاً عن محمد بن جعفر غُنْدَر، وأبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة مِنْ مسند أبي سعيد. [وكذا رواه أبو داود الطّيالسي في ((مسنده)) عن شعبة))](٢)، وكذا رواه أبو مسلم الكَجْي في ((السنن)) له، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة. وكذا رواه الحسنُ بن سفيان في ((مسنده)) عن عبيد الله بن معاذ بن مُعاذ عن أبيه، عن شُعبة، كما ذكره مسلم. وأخرجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) عَنِ الحسن كذلك، وأبو نُعيم في ((مستخرجه)) عن أبي عمرو بن حمدان، عن الحسن بن سفيان. ورواه أبو عوانة في ((صحيحه)) مِنْ رواية شُعيب بن حرب، عن شعبة كذلك. ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، عن عاصم بن علي، عن شعبة مثله. وكذلك رويناه في الجزء الثامن مِنْ (أمالي المَحَاملي)) رواية ابن خُرشید قُوله عنه، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن یزید بن حیان، حدثنا شبابة بن سؤَّار، عن شُعبة به. فهذا محمَّد بن جعفر غُنْدَر، وهو مِنْ أحفظ أصحاب شعبة وعلي بن الجَعْد، وهو أيضاً مِنَ الأثبات، وأبو النَّضر هاشم بن القاسم، وعمرو بنُ مرزوق، ومُعَاذ بن معاذ العنبري، وشبابةُ بن سَوَّار، وأبو داود الطيالسي، (١) في (أ، ح، ط): ((تاريخه))، تحريف. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). ٣٦٣ وهو مِنَ المُقدَّمين في حفظ حديث شعبة، وخالد بن الحارث، وشعيبُ بن حرب، وعاصم بن علي بن عاصم الواسطي، وغيرهم مِنْ حُفّاظ أصحاب شعبة، قد رووه عنه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فلا تُعادِلُ روايةُ حجاجٍ بن نصير روايتهم، بل جزمَ الحافظُ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في («مسنده)) بأنَّ الأعمشَ إنَّما رواه عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد، فإنَّه رواه عن عمرو بن علي، عن وكيع، كما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه، وقال عَقِبَهُ: هذا الحديث رواه الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواه عاصِمُ بنُ بهدلة، وزيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم قال: والطّريقان عندي جميعاً صحيحان. قلت: وروايةُ زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة لم أقف عليها بعدُ. بل وقفتُ على روايةِ زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري في المعنى. رواه ابنُ مردويه في ((التفسير)) مِنْ وجهين صالِحَيْن إلى زيد بن أسلم، به. فإن كان إسنادُ الرواية التي أشار إليها البزَّارُ صحيحاً إلى زيد بن أسلم، فتقوى رواية عاصم بها، ويصحُ قولُ البزَّارِ: إن الطريقين صحيحان، والله أعلم. وممَّن رواه عن الأعمش غيرُ مَنْ تقدَّم، فجعله مِنْ مسند أبي سعيد،، سوى مَنْ تقدمٍ: قال عبدُ بنُ حُميد في («مسنده): حدثنا أحمدُ بنُ يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله بَله: ((لا تسُبُّوا أصحابي)). الحديث. وكذا رواه خيثمةُ في ((فضائل الصحابة)) له عن الجنيني، عن أحمد بن: يونس . وكذا رويناه في الجزء الثاني من ((فوائد أبي الفتح الحدَّاد)» رواية. السُّلفي عنه، مِنْ طريق عاصم بن يوسف اليربوعي، عن إسرائيل. ورواه البرقاني في ((المصافحة)) عن عبد الله بن عمر الجوهري، ٣٦٤ حدَّثكم محمَّدُ بن أيوب، أنبأنا أحمد بن يونس، بسنده: ((لا تسِبُّوا أصحابي، دَعُوا لي أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفق [كلَّ يوم](١) مثلَ أُحُدٍ ذهباً، لم يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه)). قال البرقاني؛ استحسّنتُ قوله فيه: ((كلَّ يوم))، مع حُسْنِ إسناده. وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): حدثنا موسى بن إسحاق القوَّاس، حذَّثنا يحيى بنُ عيسى الرملي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، مثله. [وقال مُسدَّدٌ في ((مسنده)): حدثنا عبد الله بن داود الخُرَيْبي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، مثله](٢)، وهذه الطريق هي التي أشار إليها البخاري في مَنْ تابع شُعبة. ورويناه في ((فوائد)) أبي الحُسين عبد الله بن إبراهيم الزَّبيبي(٣)، حدَّثنا أبو معشر الحسن بن سُليمان بن نافع الدَّارمي البصري، حدثنا محمَّد بن جامع العطّار، حدثنا أبو معاوية، ووكيعٌ، وعبد الله بن داود، ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، به. وقال ابن أبي خَيْئَمة في ((تاريخه)): حدثنا ابنُ الأصبهاني، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: فذكر نحو حديث شريك، إلا أنه قال: ((ما بلغٍ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفَه)). وقال أيضاً: حدثنا ابنُ الأصبهاني، حدَّثنا شريكٌ عن الأعمش، عن أبي صالح، عن رجلٍ مِنْ أصحاب النبيِّ وَ﴿، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبُوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفقَ مِثْلَ أَحُدٍ ذهباً، ما بلغ رُبْع أحدهم ولا نَصِيفَه)). (١) ((كل يوم)) ساقطة من (أ). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) في الأصول: ((الزينبي))، تحريف. وهو عبد الله بن إبراهيم بن جعفر بن بيان، أبو الحسين الزبيبي البغدادي، مترجم في سير أعلام النبلاء ٢٥٨/١٦. ٣٦٥ ولا يضرُّ هذا الإبهام، لأنَّ شريكاً كان في حفظه شيءٌ بعد ولايته القضاء، فلعلَّه شكَّ فيهِ فأبهمه. وسأل ابنُ أبي حاتم أباه عن رواية شريك هذه، فقال: قد رواه أبو الأحوص عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وهو الصَّحيح. وقد تقدَّمت روايةُ إسرائيل عن الأعمش مضافةً إلى تخريج تُمَّامِ، فحصل لنا أنَّ جريراً ووكيعاً وشُعبة وعبد الله بن داود الخُرَيبي ومِحاضِرَ بنَ المورِّع، وروايته علّقها البخاريُّ، ورويناها موصولة في الجزء الثاني من ((فوائد أبي الفتح الحداد)» رواية السِّلفي من طريق أحمد بن يونس بن المسئَّب الضَّبيِّ، عن محاضر، وقد بينت ذلك في ((تغليق التعليق))(١). وإسرائيل (٢) بن يونُسَ، وأبا الأحوص سلام بن سُليم، وأبا بكر بن عياش، ويحيى بنّ عيسى الرملي، رَوَوْهُ عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد مِنْ غير خلاف عنهم في ذلك، إلا ما رواه حجاجُ بنُ نصيرٍ عَنْ شعبة، وإلا ما حكاه الخطيبُ عَنْ أبي مسعود، عن أبي داود، عن شُعبة، وإلا ما حكاه الدار قطنيُّ والخطيبُ أنَّ نصرَ بنَ علي رواه عن عبد الله بن داود. وهاتان الروايتان شاذَّتان، لأنَّ شعبة إنَّما رواه عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كما قدمناه. وكذا أبو داود، إنَّما رواه في («مسنده». عن شُعبة من حديث أبي سعيد، لا مِنْ حديث أبي هريرة. وأمَّا حجاجٌ فلا يُخْتَجُّ به إذا تفرَّد، فكيف إذا خالف! وكذا رواية عبد الله بن داود الخزيبي قد ذكرنا أنَّ مسدَّداً رواها في ((مسنده)) على الصواب الذي أشار إليه. البخاري، ومُسدَّدٌ مسدَّد، والله أعلم. وأما رواية زيدٍ بن أبي أنيسة، فقد رواها الطبراني في (الأوسط) عن أحمد بن علي الأبّار، عن مخلد بن مالك، كما تقدم إسناده مِنْ عند (١) ٤ / ٦٢. (٢) قوله: و((إسرائيل)) متمم لقوله: ((ومحاضر بن المورع)). ٣٦٦ الإسماعيلي في مسند الأعمش، وقال بعده: لم يروه بهذا السند إلا زيدُ بنُ أبي أنيسة، ورواه شعبةُ وغيرُه عَنِ الأعمش، عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد. فهذا - الطبراني مع سَعَةٍ حفظه - يجزِمُ بأنَّ شعبة إنَّما رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة. وهكذا جزم عليّ بن المديني في ((العلل)) بأنَّ الأعمش إنَّما رواه عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد، وأنَّ زائدة رواه عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: والأعمشُ أثبتُ في أبي صالح مِنْ غيره. فإمَّا أن يكون لم تقع له روايةٌ حجَّاجٍ بن نُصير، أو لم يعتدَّ بها لضعفه. وروى هذا الحديث الدارقطنيُّ في كتاب ((الأفراد)» له مِنْ طريق محمد بن عبد الملك بن أبي الشّوارب، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وذكر أنَّ بعض مشايخه تفرَّد بزيادة لفظةٍ فيه، ولم يذكر في ((العلل)) أنَّ ابن أبي الشوارب رواه لما ذكر اختلاف أصحاب أبي عوانة عليه فيه. وقد اختُلِفَ على أبي عَوَانة اختلافاً يدلُّ على أنَّه كان یشُ فیه. قال ابن شاهين: حدثنا الباغندي، حدَّثنا شيبانُ بنُ فرَّوخ، حدَّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عَنْ أبي سعید، فذكره. وسيأتي في كلام الخطيب أنَّ أبا كاملِ الجَخْدَرِي ومُسدَّداً وافقا شيبان بن فَرُّوخ على الشَّكُ فيه، وأنَّ عفان بن مسلم ويحيى بن حماد روياه عنه، فقالا: عن أبي هريرة. وأبو عَوَانةً كان يحدِّثُ مِنْ كتابه ومن حفظه، فحيثُ يحدِّثُ مِنْ كتابه، فهو ثبتٌ، وحيث يحدِّثُ مِنْ حفظه، فيشُكُّ أو يَهِمُ. وعلى هذا يُخْمَلُ اختلافُ هؤلاء الحفّاظ عنه. وروى الدارقطني في هذا الكتاب حديث محمد بن جُحادة عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وقال: تفرَّد به داودُ بنُ الزّبرقان عنه. قلت: وداود بن الزبرقان كذَّبه إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجاني، وضعَّفه ٣٦٧ الجمهور، ونقل ابنُ حِبَّان في كتاب «الضعفاء» أنَّ أحمد بن حنبل حَسَّنَّ القولَ فیه. قال الدارقطني: وخالفه الحسن بن أبي جعفر، فرواه عَنْ محمد بن جُحادة، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد. انتهى كلامه. قلت: وحديثُ الحسن هذا أخرجه خيئمةُ بن سليمان في ((فضائل الصحابة)) له عن عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّة، عن محمد بن عبد الملك الأزدي، حذَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جُحادة، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّ، قال: ((لا تقولُوا في أصحابي إلا خيراً، فوالّذي نفسُ محمَّدٍ بيده ... ))، فذكر الحديث. والحسن المذكور ضعَّفه جماعةٌ، ووُصِفَ بالصدق، وقال ابنُ عديٍّ: : إنَّ له عَنْ محمد بن جُحادة نسخةً مستقيمةً، فعلى هذا، فروايتُه لهذا الحديث أقوى مِنْ رواية داود بن الزّبرقان. وأمَّا ما وقع في «الأطراف)) مِنْ أنَّ محمد بنَ جُحادة رواه عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، فهو وَهْمٌ مِنَ المصنّف، فإنَّ محمد بن جُحادة إنَّما رُوِيَ عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، بلا واسطة الأعمش .. وقد قدَّمنا قولَ الدَّارقطني: إنَّ داود بن الزبرقان تفرَّد به عنه، وكذلك رويناه في الجزء الثالث مِنْ ((حديث أبي طاهر المُخَلْص)) انتقاء البَقَّال، قال: جدَّثنا محمَّدُ بنُ هارون - هو أبو حامد الحضرمي - حدَّثنا محمد بن معاوية - هو الأنماطي - حدَّثنا داودُ بن الزبرقان، به، وليس فيه ((الأعمش)). وكذلك هو في الجزء الخامس مِنْ ((حديث المخلص)) انتقاء أبي الفتح بن أبي الفوارس بهذا الإسناد. وكذا رويناه في الجزء السادس عشر من («البِشْرانيَّات))، قال: أنبأنا محمد بن زيد بن علي الأنصاري، حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي، به. وطالعت «مسند محمد بن جحادة))، جمع أبي القاسم الطَّبراني، فلم أجد هذا الحديث فيه، لا في ترجمة أبي صالح، ولا في ترجمة الأعمش. وكذا طالعتُ ((مسند محمد بن جحادة))، جمع أبي بكر الخرائطي، فلم أجد ٣٦٨ فيه هذا الحديث أيضاً. ومع تفرُّد داود بن الزبرقان به، فقد رُوِيَ عنه عن غير محمد بن جحادة، رويناه في الجزء التاسع من ((البشرانيات))، قال: أخبرنا ابن قانع، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا مُخْرِز بنُ عون، حدَّثنا داود بن الزبرقان، عن أبي الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَل: ((لا تسبُّوا أصحابي)). الحديث. قال أبو الفتح بن أبي الفوارس: غريبٌ من حديث أبي الأشهب، صحيح مِنْ حديث أبي سعيد. فصل وأما طريق زائدة التي ذكرها الدَّارقطنيُّ، فرواها أبو عبد الرحمن النَّسائي في ((السنن الكبرى)) له، عن حفص بن عُمر، عن حسين بن علي، ورواها أبو بكر الرُّوياني في ((مسنده)) عن أبي كُريب، ورواها أبو بكر البزَّار في «مسنده)): حدثنا أبو كُريب ويوسُف بنُ موسى، قالا: حدَّثنا حُسين بن علي - هو الجُعفي - عن زائدة - هو ابن قُدامة - عن عاصم - هو ابن أبي النّجُود - عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما بعضُ ما يكونُ بين النَّاس، فقال رسول الله وَلير ((دعوا لي أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً، لم يبلُغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه)). قال البزارُ: لم يروه عَنْ عاصم إلا زائدةُ، تفرَّد به حُسین. قلت: وكذا رويناه عالياً في ((جزء محمد بن عاصم الثقفي))، حدثنا حُسين الجعفي مثلَه سواء. ومن طريقه رواه أبو القاسم بن عساكر في ((تاريخه)) في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، وقال: المحفوظ حديثُ أبي صالح عن أبي سعيد. انتهى. ورواه ابن عساكر أيضاً من طريق محمد بن يحيى بن الضَّريس، عن حُسين بن علي، عن زائدة - أظنه عن الأعمش - عن عاصم، عن أبي صالح (١) ((وهم)) ساقطة من (أ). ٣٦٩ عن أبي هريرة. وقوله: أظنُّه عن الأعمش، زيادة لا حاجة إليها، وهي :٠(١) وَهُمْ(١) ممن رواها. وأما حُكم الدارقطنيّ وغيره بصحّة حديث أبي صالح عن أبي سعيد،: لا عن أبي هريرة، فإنه صَدَرَ بالنّسبة إلى التَّرجيح بين عاصم والأعمش، فإِنَّ الأعمش أحفظُ مِنْ عاصم وأتقن، كما تقدم. وكأن الدارقطنيَّ لم يقف على رواية زيد بن أسلم التي ذكرها البزَّارِ، أو وقف عليها ولم يعتدَّ بها، لضعف إسنادها. وقد حصل هنا خلافان: أحدهما: اختلاف الأعمش وعاصم. والأعمش أحفظُ مِنْ عاصم، فروايتُه مقدّمةٌ. والثاني: خلافُ أصحاب الأعمش عليه. وقد قدَّمنَا أنَّ الأكثر روَوهُ عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فما عدا ذلك يكون شاذاً، والله أعلم. وقد اتَّفق النُّقَّادُ على توهيم(٢) ما وقع في ((صحيح مسلم)) مِنْ أنَّه عن أبي هريرة، فتقدم حكاية ذلك عن الدارقطني وأبي مسعود الدمشقي، وكذا رأيته في ((علل الأحاديث التي في صحيح مسلم)) لأبي الفضل بن عمار الشهيد. والله أعلم. وقد ذكر الخطيب هذا الحديث في بعض تخريجه من طريق. محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن أبي عوانة كما مرَّ، وقال في الكلام عليه: خالفه عفَّان بنُ مسلم ويحيى بن حماد، عن أبي عوانةٍ، فقالا: عن أبي هريرة، وخالفهما مُسدَّد وأبو كامل الجحدريُّ وشيبانُ بن فرُّوخ عن أبي عوانة، فقالوا: عن أبي هريرة أو أبي سعيد على الشَّكُ. وكذا قال نصر بن علي، عن عبد الله بن داود الخُرَيْبي عن الأعمش، ورواه مسدَّد عن الخُرَيْبي، فقال: عن أبي سعيد وحده مِنْ غير شكُّ، ورواه زيدُ بنُ أبي أَنيسة عَنِ الأعمش، فقال: عن أبي هريرة. وكذا قال (١) في (ب، ح): ((توهم)). ٣٧٠ أبو مسعود أحمد بن الفرات الرَّازي: عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، والصحيح عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه. والله أعلم(١) . فصل [حديث رأيت عيسى وموسى وإبراهيم] وقد مرَّ بي في المطالعة في ((صحيح البخاري)) شيءٌ مِنْ حقُّه أن يُذكر هُنا، وذلك أنَّه قال فيه في كتاب أحاديث الأنبياء في قصة مريم: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، أنبأنا عثمانُ بنُ المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عُمر رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَلِّ: «رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم. فأما عيسى، فأخمرُ جَعْدٌ، عريضُ الصَّدْرِ، وأما موسى، فآدَمُ جسيمٌ سَبْطٌ، كأنه مِنْ رجال الأزْدِ)». انتهى. قال أبو مسعود في ((الأطراف)): إنَّما رواه محمد بنُ كثيرٍ عن إسرائيل، عن عثمان، عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك رواه إسحاق بن منصور السَّلُولي، وابنُ أبي زائدة ويحيى بنُ آدم وغيرهم عن إسرائيل. انتهى. وقال أبو ذر الهروي في ((حاشية الصحيح)) ما نصّه: هكذا وقع في سائر الروايات المسموعة عن الفِزبري: ((مجاهد)) ((ابن عمر)»، فلا أدري: أحدَّث به البخاريُّ هكذا، أو غلط فيه الفِرْبَري؟ لأنني رأيتُه في سائر الروايات عن ابن كثير وغيره: ((مجاهد عن ابن عباس))، وهو الصواب. حدثنا موسى بن عيسى السَّرَّاج لفظاً، حدثنا عثمان بن أحمد بن سليمان، حدثنا حنبلُ بن إسحاق، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، عن (١) أشار الحافظ ابن حجر إلى ما تقدم من كلامه على هذا الحديث في ((تغليق التعليق)) ٦٢/٤، فقال: وقد تكلمت على هذا الحديث، وجمعت طرقه في جزء مفرد. وقال في ((فتح الباري)) ٣٦/٧: وقد أمليت على هذا الموضوع جزءاً مفرداً، لخّصت مقاصده هنا بعون الله تعالى. ٣٧١ عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال قال رسول الله مَ﴾ ((رأيتُ عيسى وموسى عليهما السلام، فأمَّا عيسى، فأحمر، جَعْدٌ عِريضُ الصَّدر، وأمَّا موسى، فآدم سَبْطٌ، كأنَّه مِنْ رجال الزُطُ)). قالوا له: وإبراهيم؟ قال: ((انظروا إلى صاحبكم)). قال: ورواه عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن كثير كذلك. وهكذا رواه نصرُ بن علي، عن أبي أحمد الزُّبيري، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. [انتهى. وكذلك رواه الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده» عن أسود بن عامر شاذان، عن إسرائيل](١): وكذا رواه الطبراني في «المعجم الكبير» عن أحمد بن محمد الخُزاعي، عن محمد بن کثیر، به. وأخرجه الإسماعيلي في ((صحیحه))، قال: حدثنا الوزَّان، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا أبو أحمد الزُّبيري، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر مثل سياق حنبل بن إسحاق. بتمامه، إلا أنَّه لم يقل: قالوا له، وأما إبراهيم (٢). ولم يتعرَّض الإسماعيلي لكون البخاري قال فيه: عن ابن عمر، أو أنه وَهِمَ في ذلك كعادته في التعقّب على البخاري، فاقتضى ذلك أنَّ النُّسخة التي كان الإسماعيليُّ يخرِّجُ عليها كانت على الصَّواب، ويَقوَى الظنُّ حينئذٍ بأنَّ الوهم مِمَّن دُون البخاري. وأخرجه أبو عبد الله بن منده في كتاب ((الإيمان))، له عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن موسى بن سعيد الطرسوسي، وعن محمد المذكور، عن محمد بن أيوب، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال: مجاهد عن ابن عباس، وقال في آخره: أخرجه البخاري عن محمَّد بن كثير، فقال: مجاهد (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ط). (٢) في (أ): ((وقال إبراهيم)). ٣٧٢ عن ابن عُمر. والصواب: ابن عباس. وذكر الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) أنَّ الشيخين أخرجاه جميعاً من طريق عبد الله بن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس بلفظ: ((أمَّا إبراهيم، فانظُروا إلى صاحبكم. وأما موسى فجَعْدٌ آدمُ على جملِ أحمرَ)). الحديث. قال: ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره، قال: وزاد البرقاني في روايته: فقيل له: فإبراهيم؟ قال: ((شبيه صاحبكم)). قال: وليست هذه اللفظة عند البخاري فيه، ثم حكى كلامَ أبي مسعود المتقدِّم بمعناه. ورواية البرقاني التي أشار إليها أخرجها مِنْ طريق أبي أحمد الزُّبيري كما ساقها الإسماعيلي، وقال فيه: ((مجاهد عن ابن عباس»، على الصواب. وإنَّما كتبتُ هذا الحديث هنا لمشابهته للوهم الواقع في الحديث الذي في أوَّل المسألة، لأن أبا صالح لما كان كثيرَ الرّواية عَنْ أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً، سبق القلمُ مِنْ أحدهما إلى الآخر. إما مِنَ المؤلف، أو ممن بعده . وكذلك القول في مجاهد، لما أن كان كثير الرّواية عن ابن عباس وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما جميعاً، سبق القلمُ مِنْ أحدهما إلى الآخر، إمَّا مِنَ المؤلف أو ممَّن بعده، والله سبحانه وتعالى الموفق، لا إله إلا هو. قلت: وكفى بهذين الجوابين دلالة على وُفور باعه في سعة حفظه، ومزيد نقده واطلاعه. [القول في التفريق بين جنادة بن أبي خالد وجنادة بن أبي أميّة] ومن ذلك أن شيخه الحافظ أبا الحسن الهيثمي أورد في كتابه «مجمع الزوائد)» حديث أبي الدرداء: ((مَنْ مشى في ظُلمة ليلِ إلى مسجدٍ، آتاه الله نُوراً يومَ القيامة)) وعَزَاه للطبراني، وقال: إنَّ في إسنادَه جُنادة بن أبي خالد، ولم أجد مَنْ تَرْجَمه. فتعقّبه الحافظ وليَّ الدين العراقي بأنَّ جُنادة إنَّما هو ٣٧٣ ۔۔ ابن أبي أُمية. قال: وقد أخرج ابنُ حِبَّان حديثه هذا في ((صحيحه)) (١) فقال شيخُنا صاحبُ التَّرجمة رداً على ابن العراقي: ليس هو جُنادةٍ بنِ. أبي أمية وإن أخرج حديثه ابن حبان، فإنَّ الذي في هذا الحديث من طريق: الطبراني يُروى عن مكحول، ويروي عنه زيدُ بن أبي أنيسة. وأما ابنُ أبي أميَّةٍ، فتابعيٍّ كبير. وقد أثبت أكثرُهم صحبته، فيبعُد أن يروي عن مكحول. فالظّاهرُ أنَّه غيره، ولأنَّ زيدَ بنَ أبي أنيسة لم يلحق ابن أبي أمية، انتهى. فتعقّبه ابنُ العراقي بقوله: والذي أخرج حديثه ابنُ حبان هو عنده أيضاً عَنْ مكحول، والراوي عنه زيدُ بن أبي أنيسة، فهما واحد. ولم يقل أحد :: إنَّ جنادة بن أبي أمية اثنان، لكن ابن حبان قال لما أخرجه: هكذا حدَّثنا أبو عروبة، فقال: جنادةُ بن أبي أمية، وإنما هو جنادةُ بن أبي خالد، وجنادةُ بنُ أبي أمية مِنَ التَّابعين، أقدمُ مِنْ مكحول، وجنادة بن أبي خالد مِنْ أتباع التابعین، وهما شامیّان ثقَتان. انتهى كلام ابن حبان. فتعقّبه صاحبُ التَّرجمة أيضاً بقوله: قلت: فترجَّحت حينئذٍ راويةٌ الطبراني، وصحَّ أنَّ الحديثَ عن جُنادة بن أبي خالد، لا عن جُنادةُ بن أبي أمية، وظهر أنَّهما اثنان. وأما قوله(٢): لم يقل أحدٌ: إنَّ جنادة بن أبي أمية اثنان، فهو حَصْر مردُود. فقد جزم غيرُ واحد أنَّ جنادة بن أبي أمية اثنان، وقد أوضحت ذلك في ((كتابي في الصحابة))(٣) وبالله التوفيق. قلت: ووقع له نظيرُ هذا مع القاضي عَلَم الدين البُلْقيني في مسألة فقهية في الطلاق، أفتى أحدهما فيها، وتعقّبه الآخرُ بحيث ترددت(٤) إدارتُها بينهما، لا نطيل بإيرادها. (١) برقم ٢٠٤٦. (٢) في (أ): ((قولهم))، خطأ. (٣) انظر ((الإصابة)) ٢٥٦/١ - ٢٥٧. (٤) في (ب، ح): تكررت. ٣٧٤٠ [عنايته بالكتب] وبالجملة، فهذه أمورٌ لا تُحصر، وكَثْرَةُ حفظه ونقده أشهرُ مِنْ أن تُذكر. ولو لم يكن مِنْ ذلك إلا أنه كان قلَّ أن يقف على كتاب حديثيٍّ أو علمي أو أدبي، إلا ويُقيّدُ فيه ما لا يُستغنى عنه، إما مِنَ اعتراض على مؤلِّفه في تصرُّفه، أو مثبتاً حجة فيما نقله، أو استدراك لما لم يذَكُره أو سقط أو تحريف، إلى غير ذلك مما لا يُحتاج إلى دليل. حتى كتب على (الكشّاف)) و(حاشيته)) للشيخ سعد الدين، حتى في عدد آي سُور القرآن، أصلح في أول سورة (ص)(١) منه عدد آياتها، كما أسلفناه، وربَّما كتب ما نصه: سقط شيءٌ، أو هنا سقط، أو يشيرُ إشارةً، وله في كلُ ذلك مقاصدُ جميلةٌ . ولما عرضتُ عليه ((العمدة)) وجَد بظاهرها حديثاً باطلاً، فكتب عليه بخطه: هذا كذبٌ على رسول الله وَ لَ. وكذا لما عَرَض عليه بعضُ أصحابنا (العُمِدَة)) أيضاً، وجد فيها كتابة سندٍ، فكتب: سقط منه اثنان. وأما فهرست أبواب الكتب ومسائلها وكذا المجاميع، فهو شيءٌ كثيرٌ في علوم جمَّةٍ، يعرف بركة ذلك مَنْ أكثر المطالعة والمراجعة، خصوصاً في التَّصانيفَ التي ليست على ترتيبٍ مألوفٍ، فجزاه الله عن المسلمين خيراً. ولخّص مقاصد كثيرٍ مِنْ كُتب الأوقاف تلخيصاً يحصُل به تمامُ الغرض ٠ (١) في (ب، ط): ((سورة الحج)). ٣٧٥ في الزمن اليسير. وقفتُ مِنْ ذلك على وَقْف المارستان المنسوب للمنصور قلاوون، ووقْفِ المدرسة الشيخونية. وكان إذا رأى خطأ في شيء من الأصول القديمة، وأصلحه بالهامش(١)، یکتبُ تاریخ إصلاحه كما فعل في «البخاري»، في حدیث: كان رسول الله ◌َل بارزاً يوماً للناس، فأتاه جبريل، فضَبَّب في نسخة الناصرية على لفظ جبريل، وكتب بالهامش: صوابه رجل. كتبه ابن حجر سنة ست وعشرين وثمانمائة. قلت: وقد يسَّر الله إصلاح عدة أماكن لا بدَّ مِنْها في هذه النسخة، حيث قرىء عليَّ فيها في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، لكن أصلحت مِنْ غیر تعیین، فلله الحمد. وكتب بخطه على فتيا أجاب عنها قاضي القضاة علم الدين، وعَزَا النَّقْلَ فيها (للبحر)) ما نصه: أمَّا ((البحر)) فكثير عجائبه. وكذا كتب له في موضع آخر، فقاقع(٢) ما تحتها طائل، ودعوى لا تسوی سماعها . . والعجب أنَّه كان يُطالعُ المصنَّف، ويقيدُ عليه بخطّه الفوائد النَّفسية على عادته، ثمَّ يقِفُ عليه بعد دهرٍ، فيعيدُ نظره فيه، لظنّه أنَّه ما رآه قبلُ، وربما توهَّم أنَّ خطَّه خطّ بعضٍ مَنْ يَشْتَبِهُ خَطُّه به. فحكى لي العلامةُ الفَرِيدُ قاضي المذهب الحنبلي العز العسقلاني، قال: جئتُه يوماً ومعي مجلد، فأخذه مني، وصار يُمعن النّظر فيه، وسألني: أعلمتَ لِمَنْ هذا المجموع؟ فقلت: أظنُّه للأبناسي، فقال: ما دليلك على هذا؟ فقلت له: وجدتُ فيه . وصولاً - أو نحوه - بخطه فقال: ليست في الأبناسي هذه اللَّباقةُ، يعني: أن المجموع ليس مِنَ الفنون التي يتصرف فيها. قال: وكلُّ هذا وهو يطالعه، إلى أن أتى على آخره وقد مر بموضع عليه حاشية، فقال: وهذا خِطُّك باعتراض عليه أو نحوه. ولما انتهى وفّارقته، رجعتُ فتصفَّحت المجموع، (١) (بالهامش)) ساقطة من (أ). (٢) في (ح): ((قعاقع)). ٣٧٦ لأنظر اعتراضي فيما كتبتُه بخطي، كما أشار إليه، فإذا هو خطُّه نفسُه! قال: وكذا اتّفق لي معه؛ رأيتُ مجلداً من كتابٍ كبيرٍ في الأحكام، جمع فيه أصولاً عدَّةٌ، يشتمل المجلَّدُ على الحج، أو الصيام، وهو الغالب على ظنِّي. وعليه خطّه. فوقع في خاطري أنَّه ربما يكون مِنْ كُتبه وباقيه عنده. فأمرت الدَّلال أن يأتي به إليه ففعل، فنظره، وقال: هذا ما رأيتُه قطُّ. إلى غير ذلك مما لا يضبط. ومِنْ ذلك أن النّواجي - فيما بلغني عنه - حكى أنَّه وقف على كتابٍ غريبٍ، فأحضره لصاحب الترجمة، فأخذه منه، واستغربه. قال النَّواجي: فصرتُ في نفسي مسروراً مِنْ أجل أنّني أوقفتُه على كتابٍ لم يقف عليه، وهو يبالغُ في تصفّحه وتأمُّله، فلم ألبث أن قال: وها خطَّي عليه باعتراض أو نحوه. قلت: وهذا لكثرة ما طالع وبُعْدِ المدة بين المرتين. وماذا عسى أن يكون، فسبحان من لا يغفل. [تعقُّباته على الكتب] وقد رأيت تمام الفائدة بإيراد شيء مما كان يتعقَّبه بالهوامش ونحوها. [الأربعون التساعيات لأبي علي الصيرفي] فمنه: أنَّه نبَّه على أنَّ الحديث الثامن والثلاثين(١) من ((أربعي)) المحدِّث الشهير أبي علي الحسن بن علي اللَّخمي الصَّيرفي والتساعيات(٢) صوابُه أن يكون عُشارياً، سقط منه على المخرَّج رجلٌ ما تَنَبَّه له، وهو بين أبي الحسن بن عبد كُوية وأحمد بن عبد الرحمن بن يونس الرَّقيِّ، واستدل لذلك، ثم قال: وأظنُّ أنَّ الساقط هو أبو القاسم الطبراني الحافظ، فإن ابن (١) في (أ): ((والثلاثون»، خطأ. (٢) في (أ): ((السباعيات))، تحريف. ٣٧٧ عبدكُوية مِنَّ المكثرين عنه، وهو - أعني الطبراني - فقد أخرج الحديث المنَّه عليه في ((معجمه الصغير)» في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن المذكور. ثم · وقف شيخُنا على الجزء الذي خرَّج ابن الصيرفي الحديث منه، فوجده كما ظنَّ. [الأربعون العشاريات لابن الجزري] ونحوه ما كتبه بخطه على «العُشاريات الأربعين)» التي خرَّجها ابن الجَزَري لنفسه : هذه قد انتزعها كلَّها مِنَ ((الأربعين العشاريات)» لشيخنا أبي الفضل : العزاقي إلا الحديث الحادي عشر، فأخرجه عن الحسن بن أحمد بن الهبل، أخبرنا الفخر، أخبرنا ضياءً وغيره إجازةً، أخبرنا أبو بكر بن النَّقُور، أخبرنا علي بن عمر الحربي، حدَّثنا عُبيد الله بن عبد الله الصَّيرفي، جدَّثنا داود بن صعير حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي(١)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله وَّر، قال: «كلامُ أهل السماوات لا حولَ ولا قوة إلا بالله)). وهو مِنْ ثاني ((الحربيات))، وإيرادُ هذا في ((العشاريات)» غلطٌ منه. قال: ووقع له في خطبتها مِنَ الأوهام غيرُ ذلك، والله المستعان (٢) [الكامل لابن عدي] ومنه ما كتبه على ((الكامل)) لابن عدي، حيث قال في ترجمة مالك بن إسماعيل النّهدي: قال السعدي: كان حسنيَّاً، يعني: الحسن بن صالح، على عبادته وسوء مذهبه. : (١) في (ب): ((الشامي))، تحريف. وأبو عبد الرحمن السلمي، هو عبد الله بن حبيب بن: ربيعة. . (٢) وقال الحافظ ابن حجر في ((المجمع المؤسس)) ٢٢٧/٣ في ترجمة ابن الجزري. وخرّج لنفسه ((أربعين عشارية)) لقطها من ((أربعي)) شيخنا العراقي وغيرها، فيها أشياء ووهم فيها كثيراً، وقد بيّنت وهمه في كرّاسة. ٣٧٨ فتعقّبه بأن أبا غسَّان مالكاً، وإن كان مِنْ أصحاب الحسن بن صالح، لكن لم يُردِ السَّعديُّ نسبته إلى الحسن، وإنما قال: إنه خشَبِيٍّ، بمعجمتين، يريد: أنه رافضي قال: وشرحُ ذلك يطول، وهو معروف في غير هذا الموضع. [الأنساب لابن السمعاني] ومنه ما كتبه على ((الأنساب)» لابن السمعاني، حيث قال في ترجمة الجريري: بفتح الجيم، وكسر الرَّاء، نسبة إلى مذهب محمد بن جرير الطبري. قال: وكان منهم إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، ثم نقل عن ابن حبان أنَّه قال فيه: إنه جريريُّ المذهب، ولم يكن داعية. فتعقبه بقوله: لم ينسُبه ابن حبان لمذهب محمد بن جرير، وإنما نسبه لمذهب حَرِيز بن عثمان، وهو بالحاء المهملة، ثم راء، ثم زاي، ولو لم يكن في هذه إلا مخالفة التاريخ، فإنَّ إبراهيم المذكور في طبقة شيوخ محمد بن جرير، ومات بعد مولد محمد بن جرير بأربع وعشرين سنة، فکیف یکون علی مذهبه وهو في عداد شيوخه. [تعقُّبه أبا عليَّ الصدفي] ومنه وقد كتب الحافظ أبو علي الصَّدَفي شيخ القاضي عياض بهامش نسخته التي بخطه من ((صحيح البخاري))، قُبيل صدقة الفطر بأبواب عند قوله في (باب ما يستخرج من البحر): وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرمز، عن أبي هريرة، أن رجلاً مِنْ بني إسرائيل، فذكر حديث الخَشَبة والألف دينار: رواها عاصم بن علي عن الليث. والبخاري قد حدَّث عن عاصم، فَلِمَ لَمْ يُسند هذا الحديث، فلعله لم يسمعه من عاصم، أو لعله لم يتواطأ في روايته عَنِ اللَّيث. وقد رواه أيضاً محمد بن رُمح بن المهاجر عن الليث ما نصه: كأنَّ الصَّدفي ما وقفَ على توصيل البخاري لهذا الحديث عَنِ اللَّيث، ٣٧٩ :وهو في البيوع في بعض الرّوايات عَنِ البخاري، قال في آخره: حدثني أبو صالح، حدثنا اللَّيث بهذا، ورواه عَنِ الليث غيرُ مَنْ ذُكر. وقوله: ولعله لم يتواطأ عَنِ اللَّيث، فيه إشارة إلى أَن البخاريَّ لا يخرُجُ حديثَ مَن انفرد: برواية(١) شيءٍ لم يواطئه عليه غيره. وهو شيءٌ أشار إليه الحاكم، وجزم ابن العربي به وآخرون، وليس بصحيح، مع أنه أثبت أنَّ عاصماً تُوبع عن اللَّيث. [شرح البخاري لمُغلطاي] ومنه ما كتبه على قول الحافظ علاء الدين مُغَلْطاي في مقدمة ((شرحه للبخاري» : : وأما القطعة التي شرحها شيخُنا أبو محمد المَنْبِجِي - يعني القطب الحلبي - وإن كان معظم فوائدها عَنِ المتأخرين مُبتَّرة، وأكثرُ ألفاظهم فيها. متكرّرة، غيرُ محررة، فهي بكتاب الأطراف أشبه منها بالشَّرح. فقال ما نصه: كذا قال، وقد قال الكرماني عن ((شرح مُغَلْطاي)) ما نصه: وأمَّا الذي ألَّفه العالم المشهور بمغلطاي التُّركي المصري، فهو بكتُب تَتْمِيم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه جلٌ مقصودِ الكتاب على ضمان، ومِنْ شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان. قال شيخُنا: فعوقِبُّ مُغلطاي على إساءته على شيخه. [تعقُّبه أبا زرعة العراقي] ومنه(٢) متعقّباً على أبي زُرعة ابن شيخه العراقي فيما كتبه على الحافظ علاء الدين مُغَلْطاي الحنفي إذ كتب على بعض الأجزاء الحديثيّة - كما قرأته بخط مغلطاي -: أنبأنا به ابن البخاري، عن أبي جعفر الصَّيْدَلاَني، إلى (١) في (أ): ((من انفرد به وأنه شيء ... )). (٢) وردت هذه الفقرة في (ط) بعد الفقرة التي فيها التعقب على الحافظ ابن رجب. ٣٨٠