Indexed OCR Text
Pages 321-340
يُشرح ((البخاري)) مثله. وتلقّاه الناس بالقَبُول، وسارعوا إلى كتابته وقراءته عليه، وطلبَه ملوكُ الآفاق إلى بلادهم، ويوم فراغه عمل ضيافةً للناس بالقاهرة، وكان يوماً مشهوداً، وبَعُدَ صيتُه، وأملى عدَّة أمالي، وناظر، وأفتى، ودرَّس. وانعقد الإجماعُ على فضله، وانتفع به العلماء من مشايخه في فن الحديث، وسألته، وسمعتُ والدي يقول عند نظره المبهمات البخاري)) للشيخ جلال الدين البلقيني: هذه الفوائد التي فيه، الظاهر أنَّها مِنْ كلام الشيخ شهاب الدين ابن حجر. فلما اجتمع والدي بالشيخ شهاب الدين المشار إليه، [قال له: إنَّ الشيخ جلال الدِّين](١) يفسِرُ مبهمات ويعزوها إلى كُتُبِ ما أظنُّها عنده، وأنا أقول: إن هذا منك، فقال: نعم. إلى أن قال ما معناه: رأيته يوماً بحضرة والدي قال يحيى بن أكتم - يعني بالمثنَّة - فقال له والدي: هو بالمثلثة، واستند إلى ضبط النَّووي له كذلك في ((تهذيب الأسماء واللغات))، وكلٌّ منهما صحيح. فقد حكاهما المؤيَّدُ صاحب حماة في ترجمته، قال: وهو الرَّجِلُ العظيمُ المَبْطِنُ والشَّبعان أيضاً. وسمعته ذكر النَّجم المعروف بالزُّهرة مسكّن الهاء، فقال له والدي: هو بفتحها، وهو الذي في ((التهذيب)) أيضاً. بل قال: لا، بإسكانها، وكذا ضبطه في ((الجمهرة)) بفتح الهاء. وكان يسمع عليه بالمدرسة الشّرفية وهو يطالع، فيقول للقارىء: سقط لك رجلٌ تارة أو رجلان على قدر ما يتَّفِق، وهما فلان وفلان، أو فلان، ونطلبُ الكتب، فيكون كما قال. وما أحقّه بقول القائل : عَقِمَ النساء فلا يَلدن شبيهَهُ إِنَّ الزَّمَانَ بمثله لَعقيمُ وخرجنا والقاضي علاء الدين ابن خطيب النّصرية ومن شاء الله معه إلى جبرين، لنسمع عليهما (الأربعين)) لابن المُجَبِّر، فأخذ الجزء بيده، واستدعى بالدَّواة والقلم، وخرَّج أحاديثها مِنْ مسموعاته مِنْ حفظه، بأعلى مِنْ طريق ((الأربعين)). (١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). ٣٢١ إلى أن قال: وأخبرني العلاءُ ابن خطيب الناصرية، قال: أخبرنا الشيخ ولي الدين العراقي أنَّ أَوَّلَ اشتغاله بالحديث في سنة ثلاث وتسعين. ورأيت بخطي : بلغت مصنّفاتُه إلى مائتي مصنف. والذي أعرف منها «فتح الباري»، لم يُنسج على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، و((تغليق التعليق)» لم يُسبق إليه، ولم يعرّجْ أحدٌ قبلَه عليه. إلى أن قال: وبالجملة، ليس له مؤلّفٌ إلا وهو فَردّ في بابه، ويسمي مؤلفاته بألطف الأسماء، وإن اختصر كتاباً، فقد أتى فيه بزوائدَ يُحتاج إليها. وكتبَ الخطَّ المنسوبَ في أوَّلِ أمره. وكان حسنَ الشِّكالة، لطيفاً جمولاً، كثير الصَّدقات، متحرياً. ولما كان بحلب صحبةَ السُّلطان، كان له راتبُ لحم يُؤتى به إليه في كلِّ يومٍ مِنَ السلطان. فكان لا يأكلُه، ويشتري له لحماً. وعلى وجهه نور السنة، وبلغني عن العلاء البخاري أنه قال: على وجهه نور السنة. وأخبرني أنه رأى الشيخ شهاب الدين الظاهري - يعني ابن البرهان - في النّوم بعد موته قال: فقلت له: أنت ميت(١)؟ قال: نعم. فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فتغير تغيراً شديداً، حتى ظننتُ أنَّه غاب، ثم أفاق، فقال :. نحن الآن بخير. قلت: وساق باقي المنام الذي سمعتُ شيخنا يحكيه، وأورده كذلك في ترجمة ابن البرهان من ((معجمه))، لكني حذفته عمداً. قال: وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف. وقد كنت أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيته فوق ذلك. عن أحمد بن عليٍّ أحسن الخبرِ كانت مُساءلةُ الرُّكبان تُخبرني أُذْنِي بأحسنَ ممَّا قد رأى بَصَرِي لمّا التقينا فلا والله ما سَمِعَتْ (١) في (ب) «مثّ». ٣٢٢ قلت: وهذان البيتان معزوَّان لأبي القاسم محمد بن هانىء(١) الأندلسي [الشاعر المشهور] (٢)، ويقال: إنهما لجعفر بن فلاح، [ويقال: لأبي تمام. قال ابن خلكان: وهو غلط، بل هما لابن هانىء المذكور، والممدوح جعفر بن فلاح، ولفظ أولهما: كانت مُساءلة الرُّكبان تخبرني عن جعفر بن فلاح أطيبَ الخَبرِ ومن قال: ((عن أحمد بن دُؤاد))، بَدَل ((جعفر بن فلاح)»، فقد أخطأ](٣). ووقعت فيهما اتفاقية غريبة، فيحكى أنَّ العز أيْدَمُر السَّنَائي الدَّوادار أنشدهما للتاج أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبي كاتب السرّ، عندما خدم بديوانِ الإنشاء في الأيّام الظّاهرية، أول اجتماعه به، وقبل معرفة اسمه واسم أبيه، فقال: عن أحمد بن سعيد أحسن الخَبرِ كانت مُساءلة الرُّكبان تُخبرني ثم التقينا ... إلى آخرهما. فقال له التاج: يا مولانا، أتعرف أحمد بن سعيد؟ قال: لا والله. فقال: هو المملوك. فتعجَّبا من غرابة الاتفاق. ونحوه أنَّ أبا الغنائم محمد بن علي بن فارس بن علي، المعروف بابن المعلم، اجتاز يوماً ببغداد بمكان فيه زحامٌ كثير، فسأل عن سببه، فقيل: إن أبا الفرج بن الجوزي الواعظ هناك يعظ، فزاحَمَ وتقدَّم حتى سمعه، وهو يذكر، فكان مِنْ كلماته مستشهداً لبعض إشاراته: ولقد أحسن ابنُ المعلم حيث يقول: يزدادُ في مسمعي تكرارُ ذكركُم طِيباً ويَخْسُن في عيني مكرَّرُهُ (١) في (ب): ((معزوان لابن هانىء)). (٢)(٣) ما بين حاصرتين لم يرد من (ب). ٣٢٣ قال: فتعجبتُ مِن اتفاق حضوري، واستشهاده بما هو من نظمني. وهو ومَنْ حضر لا يعلمون بي. ويقُرب مِنْ هذه الاتفاقية: أنَّ الطبراني والجِعابي تذاكرا غرائب أحاديثهما، وكان الطبرانيُّ يغلبه بكثرة حفظه، والآخر يَغْلبِه بفطنته، حتى ارتفعت أصواتهما، فقال الجِعابي: عندي حديثٌ ليس في الدُّنيا إلا عندي. فقال له الطبراني: هات فقال: حدثنا أبو خليفة، حدثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، وساق حديثاً. فقال له الطبراني: أنا سليمانُ بن أيوب، ومِنِّي سمعه أبو خليفة، فاسْمَعْه مني عالياً. فخجل الجِعَابي. قال ابن العميد - حاكيها - عن مشاهدته: ما كنتُ أظنُّ أنَّ في الدنيا كحلاوة الوزارة والرئاسة التي أنا فيها، حتى شاهدتُ ذلك، فوددت أنَّ الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت کفرحه. انتهى. ويُحكى أيضاً أن الشيخ أبا الفتح أحمد بن أبي الوفاء بن الصائغ الحنبلي سافر في الطَّلب إلى خراسان، وغاب مدَّة، ثمَّ رجع إلى بلده ببغداد، وقصد الذَّرب الذي كان يعهد أهله فيه. فجلس في مسجد هناك، وسأل عن أهله، فأخبروه أنَّه لم يبق في ذلك الدرب أحد. واتَّفقَ أنه تكلّم مع قاضي الشّارع في مسألة، واختلفا فيها. فلمَّا رأى خصمُه على نفسه الغلبةَ، وقهره المذكور بالحُجَّةَ، قال: والله لو أنَّكَ أبو الفتح ابن الصَّائغ، ما سلَّمتُ إليك! فقال: يا أخي، أنا أبو الفتح ابن الصَّائغ، فقام إليه واحترمه. وفي معنى البيتين الأولين، قولُ الشّمس أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الموصلي: الفضلُ يُسنِدُه عنكم ویرفَعُهُ ما زلت أسمَعُ عن (١) إحسانكم خَبَراً أُذْني وأضعافَ ما قد كنتُ أسمِعُهُ حتَّى التقينا فشاهدت الذي سَمِعَتْ (١) في (ط): ((من). ٣٢٤ [وقول غيره: وشوَقني ذكرُ الجليس إليكم فلمَّا التقينا كنتمُ فوقَ وَصْفِهِ وكل هذا استطراد (١)]. ثم أورد أبو ذر مِنْ نظمه، إلى أن قال: وقد نظر (شرح)) والدي على ((البخاري))، وكتب عليه أماكن غالبها وَصْلُ تعاليق، أو اعتراضٌ على الذي كتبه (٢) الكاتب، لا على ما في خط والدي، أو اعتراض على من نقل(٣) والدي عنه، وكذلك نظر ((مصنّفه)) على ((الميزان)) وأورد إيرادات واردة على الحسيني، وأرَّخ وفاته. قال: وأراد الشيخ علم الدين صالح بن البلقيني أن يتقدم للصلاة عليه، فأشار السلطانُ إلى أمير المؤمنين، فتقدم وصلَّى، وختم بما أشيع أنه قاله قبل وفاته بيوم من الأبيات. [برهان الدين البقاعي] ومنهم: برهان الدين البقاعي، وهو وإن كان حالُه لا يخفى في السَّخط والرِّضا لكنّي أردت حكاية كلامه في الجملة. فقرأت بخطه في جزءٍ له سمّاه «أسد البقاع النّاهسة لمعتدي المقادسة» ما صورته: ثمَّ رحلتُ مِنَ القدس الشريف يوم الأربعاء سادس صفر، سنة أربع وثلاثين، فدخلت القاهرة المحروسة يوم الثلاثاء تاسع عشريه، فسارعت للفوز بالتَّشريف برؤية مَنْ كانت الرحلة إليه، ولم يكن التَّعويل إلا عليه، شيخُ الإسلام، وطرازُ الأنام، علمُ الأئمة الأعلام، شهابُ المهتدين مِنْ أتباع كلِّ إمام، حافظُ العصر. وأستاذُ الدهر، سلطانُ العلماء، وملكُ الفقهاء، (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) في (أ): ((ذكره). (٣) في (ب): ((ما نقل)). ٣٢٥ الذي إذا سلك بحر التَّفسير، كان التَّرجُمان، والآتي مِنْ فرائد فوائده بعقود الجُمان، أو ركب متن الحديث، كان أحمدَ الزَّمان. وأظهر من خفايا خفاياه ما لم يُسبق إليه أبو حاتم ولا ابن حِبّان. وإن تكلّم في الفقه وأصوله، عُلم أنه الشافعيُّ، وأبرز من لوايا رواياه ما لم يتجاسر عليه الإمام ولا الرافعي، أو تيمم كلامَ العرب على اختلاف أنواعه، فسيبويه والمبرِّد، وإن عرض العَرُوضَ أو الأدب على انشعاب أنحائه، فالخليل بن أحمد. متى تحدَّث : المتفنّئُون بشيءٍ مِنَ العلم، كان مالك قياده، وأستاذَ نُقَّادِه. أبو الفضل: شهاب الدين، قاضي القضاة بالديار المصرية والدول الأشرفية، خلّد الله. نِعَمَه وأَبَّد سعادته وأيَّد هممه. فمثلت بين يديه بالمدرسة البيبرسية، فسمعتُ مِنْ حفظه ((المسلسل بالأولية))، ثم كتبتُ إملاءه مع مَنْ كتب، ولازمتُ مجالسه، وكتابة مصنفاته ومحاضراته. ثم ذكر أشياء مما امتدحه بها، ليس هذا مجلُّ إيرادها. وقال في موضع آخر: لما كانت الرّحلة في العلوم دأب النُّبهاء، وكان المستحقَّ لها في هذا العصر والمنفرد بها علوًّا وبَهَاء، مولانا شيخُ الإسلامِ : علامة الأنام، حافظ العصر، عين أهل الدهر، مَنْ سارت مصنفاتُه في جميع : الآفاق، وكانت فتاويه وأماليه كالشمس في الإشراق، قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل، بارك الله في حياته، وأدام على أهل الأرض عظيم بركاته . وقال في موضع آخر: سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، علم الأئمة وإمام الأعلام، بَحْرُ الوجود، ومعدِنُ الجود، حافظُ العصر، وأُستاذُ الذَّهرِ. وفي موضع آخر: علاَّمة الدنيا، أطال(١) الله بقاءه، وأدام إلى ذرى المجد ارتقاءه. (١) في (أ): ((فنسأل الله)). ٣٢٦ [نجم الدين بن فهد] ومنهم: محدِّث الحجاز، ومفيد الدنيا. نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي، ولد الماضي، رحمه الله وإيانا(١). فقرأت بخطه في ((معجمه))(٢): الإمام العلامة علم الأعلام، عمدةُ المحققين، حافظ السنة بركة هذه الأمة، خاتمة الحُفَّاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ، عين الأعيان، مفخرة الزمان، من لم ترَ العيونُ كنظيره، قاضي القضاة شهاب الدين. إلى أن قال: وكان رحمه الله - فريدَ عصره، ونسيجَاً وحده، وإمامَ وقته. انتهى إليه علمُ الأثرِ والمعرفةُ بالعللِ، وأسماء الرجال، وأحوالٍ الرواة، والجرح والتعديلٍ، والناسخ والمنسوخ، والمشكلات. تُشَدُّ إليه الرُّحال في معرفة ذلك. محققاً فصيحاً، شديدَ الذّكاء المُفْرط، حسنَ التّعبير، لطيف المحاضرة، حسنَ الأخلاق، متينَ الدِّيانة، عديم النَّظير، وعليه مِنَ الجلالة ما يليق به، وما لأحدٍ بعدَه إلى درجته وصول، ولسان الحال يقول : هيهات أن يأتي الزَّمانُ بمثله إنَّ الزَّمان بمثله لبخيلُ ونحوه : إنَّ النّساء بمثله عقمُ(٣) عَقِمَ النِّساء فما یلِذْنَ شبیھَه وفضله أشهر مِنْ أن يُوصَفَ، وشعره أرق مِنَ النَّسيم، وقد سارت بفضائله وعلومه الرُّكبان، ورُحِلَ إليه مِنْ أقطار البُلدان، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر مِنْ أن يُنَبِّه على سيرته مثلي. فلو حلفتُ بين الرُّكن والمقام، (١) في (ب، ط، ح): (نفع الله به)). (٢) ص ٧٠ - ٧٨. (٣) في (ط): ((العقيم)). ٣٢٧ وخُلْفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، [ولم تر عينٌ](١) من رآه مثله ولا رأت عينُه مثل نفسه، لَبَرَزْت. وما أجدرَهُ بقولِ الإمام الشافعي رضي الله عنه: قل لمن لم تزعينا ـعـلـه . مَنْ رآه(٢) مـ هُ قد رأى من قبلَهُ ومن كأنَّ من رآ وقد أنشدني شيخنا القطب أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي لنفسه فيه قوله: أسْتَصْغِرُ الناس عند رؤيته لأنه لم ير له مَثَلا إلى أن قال: وكثُرَ الأسفُ عليه، لوفُور محاسنه، وكان موتُه مصيبةً يا لها من مصيبة عمَّت الأنام، وهدمت رُكن الإسلام، وأصمَّت المسامع، وأجرت المدامع، وإنها والله لَمِنْ أعظم الفجائع، وأطّمُ الوقائع، [فلقد انتقضَ الشُّؤددُ بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه](٣). كان للإسلام والمسلمين سنداً، وللدين في هذا الوقت عَضُداً، ولم يخلف في معناه مثله، ولقد كان للدنيا بوجوده الجمال والبهجة والفخر، وللناس به أَنْسٌ، ولهم منه فوائدُ. جمَّة .. ولا أعلم في المشرق والمغرب مَنْ كان يفهم هذا الشأن مثله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ورحمه الله ورضي عنه. قلت: وهو المحرّك لي لتبييض هذه الترجمة، فجزاه الله خيراً، وحلف لي مجتهداً، أنه كان يودّ لو عاش ويموت هو. قال: لأن موتي موتُ شخص واحدٍ. وصاحب الترجمة يموت به علم السُّنّة. [وقد قال: قائل : لَعمرُكَ ما الرَّزِيَّةَ هدمُ دارٍ ولا فرسٌ يموتُ ولا بَعِيرُ (١) ما بين خاصرتين لم يرد في (أ) ولا في («معجم ابن فهد)». . (٢) في (معجم ابن فهد»: رأى. (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في ((معجم ابن فهد)). ٣٢٨ ولكنَّ الرزيَّةَ موتُ حُرِّ يموتُ بفقده بشرٌ كثيرٌ](١) [ابن الشِّحنة] ومنهم: [جماعة بقيد الحياة في هذا الحين، وهو سنة ست وثمانين. منهم](٢) العلامة أحد الأعيان (٣)، قاضي القضاة الحنفية الآن، المحب أبو الفضل ابن الشحنة، (كان الله له) (٤). فقرأت بخطه في أوائل ((شرحه على الهداية)) في مذهبهم له ترجمةً مختصرة قال فيها: وألف في فنون الحديث كتباً عجيبة، أعظمها ((شرح البخاري))، وعندي أنه لم يَشرح ((البخاري)) أحدٌ قبله. فإنَّه أتى فيه بالعجائب والغرائب، وأوضحه غاية الإيضاح، وأجاب عن غالب الاعتراضات، ووجه كثيراً ممَّا عَجَز غيرُه عن توجيهه. وبلغني عنه أنه قال: إنَّ أحسن مؤلفاتي، (الشرح))، و((تغليق التعليق))، و((اللسان)). ومصنفاته تبلغ زيادة على مائة وخمسين، وطار صيتُه في الآفاق، وحصلت على انفراده في بابه كلمة الاتّفاق. هذا مع الذكاء، وصفاء القريحة، وحُسَن الاستنباط، والنّظم الحسن، والنُّكتة اللطيفة. وحُسن تسميته المصنّفات، ولطف العبارة وانسجامها، وحلاوة المنطق، [وحسن المعاشرة والصحبة والتواضع. إلى أن قال: ولم يجتمع لأحدٍ في عصره ما اجتمع له من العلوم](6) والمحاسن، فكان أكمل أهل عصره حين موته، فيما يغلب علىٍ ظنّي وأعتقده. ومحاسنه جمَّة، وترجمتُه لا يسعها هذا المكان. وقد أفردت بالتّأليف، لكني لم أقف على ذلك. وكأنه - نفع الله به (٦) عنى تصنيفي (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). وقوله: ((في سنة ست وثمانين)) لم يرد في (ط) وقد أضاف المصنف ذلك في هامش (ح) .. (٣) في (ب): ((مفخر الزمان)). (٤) في (ب): ((جمَّل الله بوجوده)). (٥) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٦) في (ب): ((رضي الله عنه)). ٣٢٩ هذا، فما علِمْتُ غيري أفردها. ثم أخبرني بذلك صريحاً [حين قرأ عليَّ سبطُه كثيراً من هذا الكتاب، وكذا ولده، لكن بعضه، كل ذلك بحضرته(١)] (٢). قال: ورافقته في بعض الأسفار، فرأيته يقومُ اللَّيلَ، وكان شيخي ورفيقي، فإني سمعتُ بقراءته على شيخنا الحافظ أبي الوفاء، وشيخ شيخي، فإنني أخذت شيئاً مِنْ نظم والدي عن القاضي علاء الدين ابن خطيبٍ الناصرية، وابنُ خطيب النَّاصرية أخذ عنه. وكانت بيني وبينه مباسطات ومكاتبات، وكان يُكرِمُني ويُحسن إليَّ، رحمه الله تعالى. وكتب لي مرة في عنوان كتاب بخطه: المحبي، شيخ الإسلام بالمملكة الحلبية. إلى أن قال: وكانْ رقيقَ الطَّبع ظريفاً لطيفاً، حسن الهيئة، له نُوزانيةٌ، ووقعٌ في النفوس، ومحبَّة في القلوب، وكانت جنازتُه مشهودةً حافلة جداً، حتى قيل لي: إنَّه لم يرَ أهلُ العصر مثلَها، ولا ما يقاربها، رحمه الله وإيانا . [شهاب الدين بن الأخصاصي] ومنهم: الفاضل شهاب الدين بن الأخصاصي الدمشقي. فقرأت بخطه في مقدمة شيء عمله بعد أن سمعته مِنْ لفظه: وكان مِمَّن حاز قصبَ السَّبقِ إلى هذه المراتب العليّة بالديار المصرية، حاكم حكامها، ومالك زمامها، رُخلة الزمان، اللاَّحق بالعلم والحلم لِمَنْ: جارى بميدان الفرسان، علم الأعلام، وشيخ شيوخ الإسلام، حافظ الدهر، وفريد العصر، طويل الباع، مديد المناقب، بسيط الأيادي بالنّدى المتقارب، فضله الوافر كامل بالحكمة وفصل الخطاب، وذهنُه المنسرحُ خفيفُ السِّباحة في بحور الآداب. شهدت له فُضلاء الممالك بالفضل البارع، فما له في (١) في (ط): ((بين يديه)). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). وورد في هامش (ح) بخط المصنف. ٣٣٠ العصر مِنْ مضارع. أحلى مِنَ النبات لفظُه المكرَّر، وكم لَبِسَ مِنْ مُفَصَّلِ المديح ثوباً محرر. خُلاصة خواصٌّ العارفين، مولانا وسيدنا، قاضي القضاة، شهاب الدين، أدام الله تعالى أيَّامه الزاهرة، وأفاض عليه ملابس نِعَمِه الفاخرة في الدنيا والآخرة، وزاده سناءً وسناً، وأبقاه بقاءً حسناً. [قطب الدين الخيضري] ومنهم القاضي قطب الدين الخيضري. فقرأت بخطه في كتابه المسمى ((اللُّمع الألمعية لأعيان الشافعية)) ترجمةٌ لصاحب الترجمة، وما أعلم أنَّه ذكر في كتابه مِنَ الأحياء غيره، قال: شيخُنا الإمام، شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، إمام الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، قدوة المحدِّثين، أستاذ المحققين، عُمدة المخرّجين، علمُ الناقدين، محطُّ رحال الطالبين، ساقي الظّماءِ (١) مِنْ صافي الماء المعين، لأنه البحر الذي لو رآه ابنُ معين، لصار فيه يعوم، أو البخاري، لكان للشُّرب منه يروم، ولو أدركه الدارقطني لحام حول حماه واستقطنه، أو الطبراني، لم يحلل من رحلته إلا عنده وكان استوطنه، لأنه حاملُ راية أهل الحديث بكَلُها، وفارس ميادين علومه كُلُّها، لو اجتمع به ابن عساكر، لكان بعسكره مِنْ بعض جُنده، أو ابن ماكولا الأمير، لصار مِنْ أنصاره وذوي رفْدِه، ولو سمع به ابن السَّمعاني، لاستمع إلى كلامه، ولو لحقه ابنُ عبد البرِ، لأقسم بارًا أنه لا يتمهَّدُ في أحواله إلا بِدُرْ نظامه. فهو صاحبُ المصنّفاتِ التي سارت بها الرُّكبان غرباً ومشرقاً، والمؤلفات التي أضحى بها شهاب سعادته في أفق السماء مُشرقاً. إمام المحدثين، كنز المستفيدين، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين. إلى أن قال: ولازم الاشتغال والإشغال والإفادة، وعرف العالي والنَّازل، وحفِظَ المُتون، ونظر في الرِّجال وطبقاتهم، ومعرفة تراجمهم، مِنْ (١) في (أ): ((الظمآن)). ٣٣١ جَرْح وتعديل، وحقّق جميعَ أنواع هذه الصِّناعة وغيرها مِنْ فقه وأصولأ وعربّيَّة، ومشاركةٍ في فنونٍ كثيرة، حتى مَهَرَ وساد على الأقران. وأقرَّ له: الأئمةُ مشايخُه بالفضل والإتقان، واغتبطوا بوجوده وانتفعوا بملازمته. حتى قال: وترقَّى وارتفعت درجتُه، واشتهر بالعلم التامِّ، والفضل الغزير، والذكاء المفرط، وتصدَّى للإفادة، وتفرد بالرِّئاسة، وشاع ذكره في الأقطار، واشتهر اسمه، وبعُدَ صيتُه، وتَبَجَّح الأئمَّةُ والفُضلَاءُ مِنْ جميع النواحي بالرّحلة إليه والأخذ عنه، وصار هو المرجوع إليه [والمعوَّلَ عند المشكلات عليه](١)، ولا تركنُ النَّفسُ إلا إلى كلامه، ولا يَعتمِدُ النَّاسُ إلا على فتواه. وصار فريدَ الدُّنيا على الإطلاق فيما نعلم، وصنّف التَّصانيف المفيدة البالغة في الإحسان، النافعة لكل إنسان. فذكر جملة منها. ثم قال: وبالجملة، فهو فَرْدُ زمانه، لم يَرَ مثل نفسه، ولا وقعت عيني على نظيره، ولا أظُنُّ أنَّ الزمان فيما بَعْدُ يسمح بمثله : حَلَف الزَّمانُ ليأتيَّنَّ بمثله حنثت يمينك يا زمانُ فكِفْرٍ: هذا مع ما احتوى عليه مِنْ دينٍ وعبادة وتواضع وصيام وقيام، واتباع للسنة في جميع أحواله، وإحسانٍ كثير إلى المساكين والفقراء. إلى آخر كلامه . ورأيت بخطّ مغربيٍّ جزءاً أفرده(٢) شيخَنا مذيَّلاً به على الحافظ ابن ناصر الدين في الحفاظ، فترجمه الكاتب بآخره، ابتدأ بتعيين مولده ووفاته، لكنه أخطأ فيهما، ثم قال: وكان أحدَ الأئمة الحُفَّاظ الذين بهم يُقتدى، وبمآثرهم يُهتدى، ومن يجب إليهم الانتها ويَحْسُنُ بهم الابتدا، وقد انتهت إليه رئاسة العلم في عصره، واشتهر في الآفاق، وانعقد على حفظه وفضله (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) في (ب، ط): ((أفرد)). ٣٣٢ الاتفاق، نوّه غيرُ واحدٍ مِنَ المشايخ الأكابر بذكره بالثناء الجميل، وساق عنه مقطوعاً من شعره. قال: وله جملةُ تصانيف تزيد على المائة، غاية في الإجادة. وشعرُه كثير. وسمع من أشياخنا البرهان الشَّامي، والبلقيني، والعراقي، وابن الملقن، وغيرهم. وله ((برنامج)) حافل ذكر فيه من شيوخه وشيوخنا نحو ستمائة إنسان، عدا مَنْ تَحَمَّل عنه مِنَ الأقران، وترجمته كبيرة، ذكرتها في غير هذا. قدس الله سره العزيز. انتهى. وما علمتُ مَنْ هذا المترجم. وإن كان بآخر التصنيف ما نصه: أملاه اقتضاباً مِنْ خَطِّ مؤلّفه علي بن محمد العلوي المحمدي الغزالي القادري الشاذلي الموحدي. فالله أعلم. [وعن بعضهم فيه: قُطعت إلى حضرته المراحل، وسارت بتصانيفه السُّفن والرَّواحل، وغدا بها الفارس والراجل. إلى غير ذلك مما يطول، ولا يستقصى به المقول](١). قلت: وقد كنتُ عزمت على إيراد التعريف بهؤلاء المترجمين، ليظهر ما خِفِيَ مِنْ أمرهم عند مَنْ شاء الله مِنَ المهملين، ثم أضربتُ عن ذلك خوف الإطالة والسآمة والملالة. وقد بان لك بما أوردته مِنْ كلامهم أنَّ صاحب التّرجمة رحمه الله تعالى، قد دخل في (١) طبقات(٢) الحُفَّاظ دخولاً متعيّناً، ولذلك ألحقه فيما ذيل به على الذَّهبي بعضُ من أسلفتُ كلامَه مِمَّن أخذت عنه. وكذا يدخل في (٢) طبقات الأئمة الشافعية، وقد أدخله فيهم غيرُ واحدٍ كما علمته. وفي (٣) طبقات أئمة الأدب، وقد أورده فيهم البدر البشتكيُّ كما سبق. وفي (٤) أعيان العصر، بل هو أحدُ الأعيان، وقد ذكره المقريزيُّ كما تقدَّم فيهم. ولو تأخر الفاسي، لكتبه في «ذيل سير النبلاء)، وفي (٥) التاريخ المشتمل على الحوادث، وعلى وفيات كل مَنْ له ذكر مِنَ الأعيان وغيرهم. (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) وردت هذه الأرقام في نسخة (أ)، وبعضها في (ط) ولم ترد في (ب). ٣٣٣ وقد أدخله شيخُنا البدر العيني فيه، لكن لم يقع لي المجلد الأخير مِنْ («تاريخه)) إلى الآن. وكذا ذكره غيرُه كما سلف. وفي (٦) قضاة مصر، وقد ترجم نفسه فيهم في مصنفه ((رفع الإصر)). وفي (٧) تاريخ مصر، وأظنُّ المقريزيَّ أدخله فيه، لكنه غاب عنّي الآن. وفي(٨) معجم الشيوخ، وقدٍ ترجمه [في معجمه] (١) غيرُ واحد مِنْ أصحابنا، وكذا (٢) البقاعي. لكني لم أقف على كلامه بعد، نسأل الله التوفيق. [وممَّن ذكره: الشهاب أحمدُ بن عبد الله الطّاوسي في ((مشيخته))، فقال: الحافظ الإمام قاضي قُضاة الإسلام، مُسند بلاد مصر والشام، الشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر. والعفيف محمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم الجُزْهي، والد نعمة الله، وكلاهما من طلبته، فقال في ((مشيخته)): الإمام العلامة، الحافظ. البارع، المتقن الضابط، الثقة المأمون، فلان. إمامَّ حافظ، متبحر في علم الحديث والأدب. وله تواليف بديعة](٣). وفي (٩) المؤتلف والمختلف، وقد أدخله فيه بعضُ مَنْ قَدَّمناهم، (١٠)، وأدخله ابنُ خطيب الناصرية في ((تاريخ حلب))، والفاسي (١١) في («ذيل التقييد)). فهذه زيادةٌ على عشرة أنواع مِنْ فنّ التاريخ وقع إدخالُه فيها. وكذا يتعيَّن إدخاله في الأذكياء والظّرفاء والكتَّاب. وقد سبقني لما أشرتُ إليه الجاحظُ، فقال في ترجمة أبي الأسود الدؤلي: كان معدوداً في طبقات مِن النَّاس، مقدماً في كلِّ منها، كان يُعَدُّ في التّابعين، وفي الشُّعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، (١) في ((معجمه)) ساقطة من (ب). (٢) في (ب): منهم الشيخ برهان الدين البقاعي، وكذا كانت في (ح)، ثم غيرت كما هنا. (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). ٣٣٤ والأمراء والنّحاة، والحاضرين الجواب، والشّيعة، والصُّلْع، والبُخْرِ، والبخلاء. انتهى. ولله در القائل: والنَّاس أكيسُ مِنْ أن يَحْمَدُوا رجلاً حتى يروا عنده آثار إحسان(١) وأنشد بعضهم: فانظر بأيّ لسانٍ ظلَّ ممدوحًا إذا سمعتَ كثيرَ المدحِ عَنْ رجلٍ ما قِيلَ فیه، وخُذْ بالقولِ تصحیحًا وربما كان ذاك المدخُ تجريحًا فإن رأى ذلك أهلُ الفَضْلِ فارضَ له أو لا فما مدحُ أهلِ الجهل رافِعَه وقال بعضهم: ثناؤك المشهورُ مسكٌ إذا ما فاح بين النَّاس لم يُكْثَمِ ويُوقع المُحرِمَ في مَغْرَمِ يُغني فتاة الحيِّ عَنْ عِطرها وقال آخر: والنَّاسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عَنَا (١) من قوله: ((وقد سبقني»، إلى هنا، لم يرد في (ب). ٣٣٥ ) فصل وإذا انتهى ما وقفنا عليه مِنْ هذا الباب، مِنْ ثناء الشُّيوخ والطلبة والأصحاب، فلنّفِ بما وعدنا به أولاً مجملاً ومفصلاً، فأقول: [الناقلون عن ابن حجر في تصانيفهم] إنَّ صاحب الترجمة - سقى الله مضجعه، وبالرحمة عمَّمه - كان إليه. المنتهى في الحفظ والإتقان، وعليه المعوَّلُ عند الشيوخ والأقران، فضلاً عَنِ الطَّلبة والشُّبَّان، حتى نقل عنه(١) غيرُ واحدٍ ممَّن تقدم في تصانيفهم، كالثقي الكرماني، حيث جعل ((فتح الباري)) مِنْ جملة أصوله في ((شرحه)) الذي عمله: على ((البخاري))، [بل اختصر مصنفه في الأوائل كما تقدم](٢). والبرماوي، حيث قال في خطبة ((شرحه على البخاري)): فما أضمُّه إليهما وصل ما أهملا مِن التَّعليقات، وتسمية ما أهملا مِنَ تفسير المبهمات، والجواب عما اعترض به الدارقطني والإسماعيلي، وعدد الأسانيد والمتون مما ليس مِنَ الواضحات. وذلك غالباً من تصانيف بعض الحُفّاظ العصريين، فإنه أشار بذلك إلى صاحب الترجمة، على ما أخبرني به بعضُ ثقات شيوخنا مِمَّن أخذ عنه. قال: بل كان صرَّح باسمه أولاً، ثم أبهمه لأمر اقتضى ذلك. والفاسي والبرهان الحلبي وابن خطيب الناصرية والمقريزي وابن الهُمام (١) في (ب): ((عنهم)). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). ٣٣٦ [وبعضهم في النقل أكثر من بعض](١). ومن غيرهم، كزاهد العصر العلامة الشهاب أحمد بن رسلان الرملي. نقل عنه في ((شرح صفوة الزّبد)) تصحيح [حديث](٢) عبد الله بن عكيم عن ابن مسعود أنه كان يقول: «اللهمَّ زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً))، فقال: قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح. وكذا نقل عنه في غير ما موضع على ما بلغني. وأرسل له بأسئلة خَفِيَ عليه الأمرُ فيها عند شرحه («للسُّننّ لأبي داود)»، فأجابه عنها. لكنه ما تيسّر الإرسالُ بها لقُرب وفاة السَّائل مِنْ زمن المسألة. نعم أعطاها شيخنا، بحضرتي، لولده عبد القادر، وقد وَفَدَ عليه بعد وفاة والده، وقال له: إن أمكن إلحاق هذه في محالّها، فلا بأس. وما علمتُ ما اتَّفق فيها، والظاهر أنَّه لم يلحق شيئاً مِنْ ذلك لوفاته أيضاً عَنْ قریب، رحمهم الله وإيانا . ثم رأيته في باب تنزيل الناس منازلهم من الأدب من ((شرحه)) نقل عنه بقوله: قال شيخنا ابن حجر. وشيخ الوقت العارف المربي شمس الدين محمد بن عمر الواسطي العمري، أكثر النقل عنه في تصانيفه بقوله: قال سيدنا ومولانا قاضي القضاة حافظ العصر. ومن جملة ذلك أنَّه صنّف كتاباً في أسباب المغفرة، فلخّص فيه كثيراً من ((الخصال المكفرة)) لشيخنا صاحب الترجمة، وكان كثيراً ما يُرسل يسأله عن أحاديث وغيرها. وأسئلته له موجودةٌ الآن عند ولده الشيخ أبي العباس، على ما أخبرني بذلك، أرجو الوقوف عليها إن شاء الله تعالى. وحكى لي بعضُ الثّقات أنَّه سمعه يقول: إن القاضي جلال الدين البلقيني أنكر على (٣) شيخه الشيخ أبي العباس الزَّاهد شيئاً، فناضل عنه (١)، (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٣) في (أ): ((عليه)). ٣٣٧ صاحبُ الترجمة، وبيَّن أن الصواب معه، فكان يرعى له ذلك. : وكذا أكثر النَّقلَ عنْه في تصانيفه التاريخية ونحوها، فقيهُ الشام التَّقيُّ ابن قاضي شهبة، وأكثرُ المتأخرين في ((طبقات الشافعية)) له مِنْ كلامه. وأكثرُ ما يقولُ: قال الحافظ، وربما وصفه بحافظ العصر (١). زاد في بعض المواطن وأدیبه. [وممن نقل عنه: الجلال المحلي والتقي الشُّمُني وآخرون، لا يمكن الوقوفُ على حصرهم، منهم عالم الحنابلة العز الحنبلي، لا سيما في الكتاب الذي ابتكرّ وضعه في المرائي المنظومة، الذي رتبه على حروف المعجم، بل عقد في كل بابٍ مِنْ أبوابه فصلاً لزيادات صاحب الترجمة فيه](٢). والتمس منه العلامة أبو البركات الغرَّاقي، رحمهما الله، إفادة ما وقف على حافظ البلاد الحلبية الأمر فيه في ((شرحه على الشفاء)» ومعظمه في الرجال. وكأن المصنف كان أوصى أبا البركات بذلك، ففعل ذلك في كثير منها، ثم تشاغل عن باقيها، لكنه التمس مِنَ السائل إفرادها في كُرَّاسة ليسهل الأمر عليه في مراجعتها، وما أظنُّه تيسّر. إلى غير ذلك مما اشتهر ذكره وانتشر. وأرسل إليه الشيخ بدر الدين العيني مراراً يسأل عن أشياء في الرِّجال وغيرها. وقد شاهد الأئمة مِنْ جلالته ما أعجز عن ذكره، مما هو دالٌّ على عظيم منزلته وعلو قدره. فمن ذلك ما حكيتُه في قصة تمتام عن البلقيني شيخ الإسلام(٣)، ومنه أيضاً ما حدَّثنا الثقةُ أنَّ حافظَ الوقت الزين أبا الفضل العراقي خرّج في ((الأربعين العشاريات)) له ((الحديث المسلسل بالآخرية))، (١) في (ب، ط): ((قال حافظ العصر)). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) انظر ص ٢٦٦ من هذا الجزء. ٣٣٨ فقال فيه - تبعاً لشيخه الحافظ الحجة أبي سعيد العلائي - إنَّ إسماعيل الصفّار آخر مَنْ روى عن الحسن بن عرفة، فذكر صاحبُ الترجمة له أن الحافظ الذهبي قال في ((تذكرة الحفاظ)) له: إنَّ علي بن الفضل السُّتوري آخر مَنْ حدَّث عن الحسن بن عرفة. فاعتذر بأنَّ سلَفه في ذلك العلائي، وأحضر ((تاريخ الخطيب))، فكشف منه ترجمة عليٍّ المذكور، فوجد فيها أنَّه حدث عن الحسن بن عرفة بأحاديث يسيرة. [وأنه ثقة](١)، وأنَّه مات سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة. فعند ذلك رجع عن تقليده الأول، وقيَّد إطلاقه بقوله: وهو آخر مَنْ حدَّث عنه بهذا الحديث. [مراسلة الحافظ العراقي لابن حجر] ومنه ما قرأتُه بخط الحافظ العراقي أيضاً فيما كتب به إلى صاحب الترجمة وصورته : الحمد لله. المسؤول مِنْ إحسانه إرسال ((مسند أبي يَعْلَى)). حتى أكتُب منه حديث عُبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه في الصحابي الذي كان يؤُمُّ أهل قُباء، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وسورة أخرى، فإنَّه رواه الترمذي عن البخاري، وعلَّقه البخاري، فقال: وقال عبيد الله بن عمر، فانظروه في ((أطراف المسند)) لأحمد، عمَّن رواه، وهل كتبتموه في ((تغليق التعليق)) في شيء مِنْ هذه الكتب أو غيرها؟ والله يُبقي مولانا في خير وعافية. انتهى. فكتب صاحب الترجمة عقب ذلك ما مثاله، وأرسل به إلى شيخه المشار إليه : هذا الحديث رواه الترمذي عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوَزدي، عن عبيد الله بن عمر، به. وروى الترمذيُّ طرفاً منه عن أبي داود السِّجستاني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن (١) ساقطة من (ب). ٣٣٩ مبارك بن فضالة، عن ثابت. وأهمل المزيَّ هذه الطريق في ((الأطراف)). وكذلك أهمل الرقم في ((التهذيب)) للترمذي على أبي الوليد، إذ ذكره في شيوخ أبي داود، وعلى أبي داود، إذ ذكره في الرُّواة عن مُبارك بن فضالة، وعلى مبارك بن فضالة، إذ ذكره في شيوخ أبي الوليد، وعلى ثابت البناني، إذ ذكره في شيوخ مبارك. وكلُّ ذلك لازمٌ له. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في ((مستخرجه على البخاري)) عن أبي دُلَف، عن البغوي، عن مُصعبٍ الزُّبيري، عن الدراوردي. وروينا هذا الحديث عالياً في ((فوائد)) أبي محمد عبد الرحمن(١) بن أبي شُريح الأنصاري، رواية عبد الأول بن عيسى، عن بيبي الهَرْئَميَّة، عنه، عن البغوي، عن مصعب بن عبد الله الزُّبيري به. لكن سياق إسماعيل بن: أبي أويس أتمُّ. ورواه ابن حبَّان في ((صحيحه)) عن أبي يعلى، عن مصعب به. ورواه الطَّبَراني في «الأوسط)) عن أحمد بن يحيى الحُلواني، عن مصعب، وقال: تفرَّد به الذَّراوَزدي عن عُبيد الله. ورواه الجَوْزقي في ((مستخرجه) عن: الدَّغُولِي، عن أحمد بن سيار، عن (٢) إبراهيم بن حمزة، عن الدِّراوردي نحو رواية مصعب. ومن هذا الوجه رواه ابنُ خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم في (مستدركه))، والبيهقي في («السنن الكبرى)). ورواه أبو نعيم في ((مستخرجه)) أيضاً مِنْ طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عن الدراوردي، نحو رواية مصعب. ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) من طريق مُحرز بن سَلَمَة : عن الدراوردي نحو رواية إسماعيل بن أبي أويس. ولم أره في ((مسند أحمد)). والله الموفق. ومنه أن العراقي المذكور لمّا كبر وتعب، وصعب عليه التّخریجُ، (١) في (أ): ((أبي محمد بن عبد الرحمن))، خطأ، وهو أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي شريح (ت ٣٩٢ هـ) السير ٥٢٦/١٦. (٢) في (أ): ((بن))، تحريف. ٣٤٠