Indexed OCR Text
Pages 121-140
الباب الثاني [نشأته:] أما مبدأ أمره ونشأته: فقد تقدم أنَّ أباه مات في رجب سنة سبعٍ وسبعين وسبعمائة، بعد أن كان حجَّ وزار بيتَ المقدس، وجاور في كلّ منهما، واستصحب معه ولده صاحب الترجمة، قال: وأظن أنَّ أبي أحضرني في مجاورتيه بهما شيئاً ما. وماتت أمّه قبل ذلك وهو طفل، فنشأ - رضي الله عنه - يتيماً في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه الزَّكيّ الخرُّوبي إلى أن مات، وقد راهق، لم تُعرف له صبوة ولم تضبط عنه زلة، واتفق أنه لم يدخل المكتب إلا بعد إكمال(١) خمس سنين. وممَّن قرأ عنده في المكتب: شمس الدين ابنُ العلاَّف الذي وليَ حسبة مصر وقتاً، وشمس الدين الأطروش، لكن لم يُكمل حفظَ القرآن العظيم إلا عند فقيهه ومؤدِّبه الفقيه شارح ((مختصر التبريزي))، صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق السَّفطي المقرىء. أكمله وله تسع سنین . وكان يحضر لإقرائه هو والقاضي ناصر الدين محمد ابن العلامة شمس الدين ابن القطان، سبط سيبويه الزمان البهاء بن عقيل، بمسجد لله تعالى، ملاصق لمنزل وصيه ابن القطان المذكور بدرب ابن ريشة بالقرب من موردة (١) في (ح): إكماله. ١٢١ منجنى قليوب، بشاطىء البحر. ثم لم يتهيأ له أن يصلّ به للناس التراويح على جاري العادة إلا في سنة خمس وثمانين بمكة، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة؛ فإنَّ وصيّه الماضي - وهو الخواجا زکي الدین أبو بكر بن نور الدين علي(١) الخروبي - كان قد حج في سنة أربع وثمانين، واستصحب صاحب الترجمة معه، إذ لم يكن له من يكفُلُه. وكانت وقفة الجمعة، فحجًا وجاورا، وصلَّى بالناس هناك في سنة خمس. قال: وقد كنتُ ختمت من أول السنة الماضية - يعني سنة ثلاث - واشتغلت بالإعادة في هذه السنة، فشغلَنا أمرُ الحج إلى أن قُدِّر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة. [قلت: وفي اتفاق وقوع ذلك إشارة إلى أنه يصير إمام الدنيا] (٢). [سماعه بمكة:] وسمع إذ ذاك على الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن محمد النشاوري، ثم المكي، آخر أصحاب الرضي الطبري، إمام المقام، اتفاقاً بغير قصدٍ ولا طلب، غالب ((صحيح البخاري)). وهو أول شيخ سمع عليه الحديث. وذلك بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الدمشقي الحريري - عرف بالسّلاوي - الذي صحبه صاحب الترجمة بعد ذلك، وهو - كما قرأته بخط صاحب الترجمة - لعمري إسنادٌ جِيدٌ، حصلت به مساواة كثيرٍ من الشيوخ. قال: وكان محل السماع تحت سكن الخروبي المذكور في البيت الذي بباب الصفا على يمنة الخارج إلى الصفا، ويعرف ببيت عيناء، وهي(٣) الشريفة أم الشريف عجلان. وبالبيت المذكور شبَّاكٌ مطلٍّ على المسجد الحرام، ويشاهد مَنْ يجلس فيه الكعبة والرُّكن الأسود. فكان المُسْمِعُ (١) ((علي) من (ط). وانظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) ١/ ٤٥٠. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٣) ((وهي)) لم ترد في (أ). ١٢٢ والقارىء يجلسان عند الشِّباك دون مصطبة تحت الشباك المذكور، وكان يجلس فيها مؤدبُ صاحب الترجمة ومن يدرس معه. فكان المؤدب يأمرهم عند قراءة القارىء بالإنصات إلى أن يفرغ حتى ختم الكتاب. لكن كان صاحب الترجمة ربما خرج لقضاء حاجة ولم يكن هناك ضابطً للأسماء، والاعتماد في ذلك كان على الشيخ نجم الدين المرجاني، فإنه أعلمني بعد دهر طويلٍ بصورة الحال، فاعتمدت عليه وثوقاً به. قلت: وقد صارت الدار المشار إليها بعد الثلاثين وثمانمائة مدرسةً لصاحب كلبرجة. وحضر مجلس الختم الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد الأميوطي، وكان صاحب الترجمة يشكّ في إجازة الأميوطي له، من أجل أنه ليس على يقين مِنْ سماع مجلس الختم، لكونه لم يعلم ما فاته على النشاوري منه. والله أعلم .. ثم وصل صحبة وصيّة إلى مصر محل إقامته - في سنة ست وثمانين، فحفظ كتباً من مختصرات العلوم، ((كالعمدة)) و((الحاوي الصغير»، كتاب أبيه، و((مختصر ابن الحاجب الأصلي)). و((المُلحة)) للحريري، وغيرها. وعرضها - على العادة - على جماعة مِنْ أئمَّة العصر، وكتبوا خطوطهم له بذلك. [سرعة حفظه:] وكان رحمه الله رزق في صغره سرعة الحفظ، بحيث كان يحفظ كلَّ يوم نصف حزب، وبلغ من أمره في ذلك أنَّه حفظ سورة مريم في يوم واحّد، وأنه كان في أكثر الأيام يصحح الصفحة من ((الحاوي الصغير)» ثم يقرأها تأمُّلاً مرةً أخرى، ثم يعرضُها في الثالثة حفظاً. ولم يكن - رحمه الله تعالى - حفظه بالدَّرس(١) على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأمُّلاً، كما (١) في (أ): ((بالمدرسة)). ١٢٣ سمعت ذلك مِنْ لفظه مراراً - على طريقة الأذكياء في ذلك غالباً. . [طلبه العلم:] وأما طلبه للعلم، فإنه - رحمه الله - قرأ القرآن تجويداً على الشهاب أحمد بن محمد ابن الفقيه علي الخيوطي، وبحث في سنة خمس وثمانين وسبعمائة - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - في مجاورته بمكة، على القاضي: الحافظ جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي في كتاب (عمدة الأحكام)) للحافظ عبد الغني المقدسي. [قال: وكان يعجبني سمتُه](١)، . فكان أوَّلَ شيخ بحث عليه في علم الحديث، ثم كان أوَّلَ شيخ سمع الحديث بقراءته بمصر بعد ذلك، كما سيأتي. على أني قرأت بخط صاحب الترجمة: وأول اشتغالي بالعلم في سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وكتب بالهامش تجاه سبع: ست، وصحح عليه. قلت: لكن ما قدَّمته هو المعتمد. ثم قرأ على الصدر سليمان بن عبد الناصر الإبشيطي شيئاً مِنَ العلم في السنة التي قَدِمَ فيها من مكة. وفَتَر عزمُه عن الاشتغال مِنْ أجل أنَّه لم يكن له من يحثُّه على ذلك، فلم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة، لازم أحد أوصيائه العلامة : شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن محمد بن أبي بكر بن القطان المصري، فحضر درسه في الفقه وأصوله والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئاً كثيراً من ((الحاوي الصغير))، وأجاز له هذا مع كون صاحب الترجمة (لم يحمد)(٢) تصرُّفه في ترکته كما صرح بذلك في غير موضع، وقال: إنَّ مما خصم به في حساب المأتم وتوابعه(٣) ألف مثقال. مع كون: (ابن)(٤) الخرُّوبي حسبما بلغني أنه هو القائم بذلك أو أكثره، بل قال ممَّا هو في ديوانه: (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٢) ساقطة من (ط). (٣) ساقطة من (أ). (٤) ((ابن)» ساقطة من (ب). ١٢٤ يا إله الورى فاضْلِهِ سعيرا أكل ابن القطان مالي ظلماً ربِّ وابسط له العذاب بساطاً ربِّ واجعل له الجحيم حصيرا انتھی. واشتغل بطلب ما غلب على العادة طلبه، من أصل وفرع ولغة ونحوها، وطاف على شيوخ الدراية، لكنه كان في مدة الفترة وهو في المكتب، وبعد ذلك حُبِّبَ إليه النّظر في التواريخ وأيام الناس حتى إنه ربما(١) كان يستأجرها ممَّن هي عنده، فعلِقَ بذهنه الصافي الرائق شيءٌ كثيرٌ من أحوال الرواة. وكان ذلك بإشارة شخصٍ مِنْ أهل الخير، سماه صاحب الترجمة لي وأنسيتُه، وممَّن رغَّبه في ذلكَ أيضاً: البدر البَشْتكيُّ، وأعانه عليه بإعارة ((الأغاني)) لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها. وفي أثناء الفترة سمع اتفاقاً من المسند نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم بن رزين غالب ((صحيح البخاري» بقراءة الحافظ الجمال أبي حامد بن ظهيرة الماضي قريباً في سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر [عن الخروبي أيضاً](٢)، وكان شيخنا يعارض بنسخةٍ. قال(٣): وما أظن فاتني عليه منه إلا اليسير. نعم لم أحضر مجلس الختم. وكذا سمع مِنَ الصلاح أبي علي محمد بن محمد بن علي الزفتاوي ((الصحيح)) أيضاً بقراءة ولي الدين محمد بن الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الكريم التّزمنتي، ومن أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغَزِّي، وغيرهما. ولو وَجَدَ من يعتني به في صغره لأدرك خلقاً ممَّن أخذ عن أصحابهم، إذ كان السماعُ مِنْ أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم من أصحاب (١) ساقطة من (أ). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٣) في ((المجمع المؤسس)) ٢٣٠/٢. ١٢٥ الواسطي وابن مؤمن، ثم من أصحاب ابن تاج الأمناء والأبرقوهي، ثم من أصحاب الدمياطي ممكناً، أو الإجازة منهم، لكنه لم يتّفق ذلك لفقد من يعتني بهذا الفن من الآل(١) والأصحاب في هذا الزمن الأخير. ونظر في فنون الأدب مِنْ أثناء سنة اثنتين وتسعين، ففاق فيها، حتى كان لا يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذه النَّاظم. وتولّع بذلك وما زال يتبعه خاطره حتى فاق فيه وساد، وطارح الأدباء، وقال الشعر الرَّائق والنَّثر الفائق، ونظم مدائح نبويةً، ومقاطيع، وكتب عنه الأئمة من ذلك. وكان - رحمه الله - والله عجباً في استحضار ذلك، والمذاكرة به؛ بحيث رأيت النواجي وهو ممَّنَ علمت جلالته في فنون الأدب ومداومته على خدمته، وشيخنا صاحب الترجمة يربو عليه، حتى يقضي هو العجب من ذلك. هذا وهو لم ينظر من بعد القرن في كتب الفن ودواوينه إلا اتفاقاً، كما صرح هو بذلك، بل أكثر نظمه قبل سنة ست عشرة وثمانمائة . ورأيته قد كتب بخطه على بيتين في ضمن كراسة مِن نظم البدر البَشْتَكي ما نصه: يا سيدي، أحسن الله إليكم. رأيت هذين البيتين بخطكم الكريم في «طوق الحمامة» لأبي محمد بن حزم، فلعلكم طالعتموها ونسیتم. وحبّب الله - عز وجل - إليه فنَّ الحديث النبوي، فأقبل عليه بكلِّيته، وأول ما طلب بنفسه في سنة ثلاث وتسعين، لكنه لم يكثر مِنَ الطَّلب إلا في سنة ست وتسعين. فإنه - كما كتب بخطه رضي الله عنه - رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل. فأخذ عن مشايخ ذلك العصر وقد بقي منهم بقايا. وواصل الغُدوَّ والرواح إلى المشايخ بالبواكر والعشايا. واجتمع بحافظ العصر زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، فلازمه عشرة أعوام. وتخرَّج به، وانتفع بملازمته. وقرأ عليه ((الألفية)) له و((شرحها)) له بحثاً، (١) في (أ): ((الأول))، خطأ ١٢٦ وانتهى ذلك في يوم الجمعة ثالث عشري رمضان سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، بمنزل المصنف بجزيرة الفيل على شاطىء النيل. ثم قرأ عليه ((النكت على علوم الحديث)) لابن الصَّلاح له، في مجالس، آخرها في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين. وهو أول مَنْ أذِنَ له في التدريس في علوم الحديث. وكان إذنُه له ـ على ما قرأته بخط صاحب الترجمة - في سنة سبع وتسعين. وكان طلبه على الأوضاع المتعارفة بين أهله، فقرأ وسمع على مسندي القاهرة ومصر الكثير في أسرع مدة، ووقع له حديث السلفي بالسماع المتصل عالياً عن ابن الشيخة المذكور، وعن التاج أبي محمد عبد الواحد بن ذي النون الصُّردي وغيرهما، فممَّا سمعه من التاج ((جزء سفيان بن عيينة)) يرويه عن أبي الحسن الواني صاحب صاحب السُّلفي بالسماع المتصل إليه. وهو أعلى ما يقع حينئذٍ من حديث السّلفي. وكذا وقع له حديث الرازي بالسَّماع المتصل عالياً أيضاً. وأعلى ما سمعه من الأجزاء المنثورة مطلقاً ((جزء أبي الجهم العلاء بن(١) موسى)) صاحب الليث بن سعد، فإنه وقع له بالسَّماع المتصل إلى أبي القاسم البغوي، الذي ساوى البخاري ومسلماً وغيرهما في كثير من الشيوخ، فبينه وبينه ستة أنفس، وقد مات منذ خمسمائة سنة وأكثر من عشر سنين. ويليه مما هو في نحو طبقته ((جزء ابن مخلد))، ويليه مما يلحق به لكن في الطريق إجازة - كالجزء الثاني من («حديث ابن مسعود)»، وكتاب ((البعث)) لابن أبي داود. ويليه ما في طريقه إجازتان. كالأول الكبير من ((حديث أبي طاهر المخلّص))، والثاني من الثاني منه. و((جزء مأمون بن هارون» . ودون هذه الطبقة في العلوّ قليلاً، لكن بالسماع المتصل، كالمنتخب من ((مسند عبد بن حميد))، و((مسند الدارمي)»، وهو على الأبواب، ويليهما (١) في (ب) ((أبي))، تحريف. وهو العلاء بن موسى بن عطية، أبو الجهم الباهلي البغدادي. مترجم في السير، ٥٢٥/١٠. ١٢٧ ((الجامع الصحيح)) للبخاري، وفي شرح ذلك طولٌ. وكلَّ ذلك مجموع في «الفهرست الكبير)). وأكثرَ مِنَ المسموع جداً، ووصل من الكتب الكبار شيئاً كثيراً، ووجد عنده - رضي الله عنه من النظر في التواريخ ما أعانه على معرفة الرجال في زمن يسير جداً. ولم تنسلخ تلك السنة - أعني سنة ست وتسعين - حتى اتسعت معارفه فيه، وخرّج لشيخه الإمام مسند القاهرة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي ((المائة العشارية))، فكان أول من قرأها على المخرَّجَةِ له في جمع حافل، الإمام العلامة الحافظ الناقد ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن شيخه العراقي في سنة سبع وتسعين. وكذا قرأها عليه غيره من الأعيان، ومنهم الشيخ شهاب الدين الحسيني، بعد أن كتبها بخطه .. وسمعها معه صهره الشيخ شمس الدين البوصيري العالم الصالح، وقوَّظ له جماعة من أئمة العصر عليها، وشهدوا له بالتقدم، كما سيأتي في محلُّه . . كل ذلك مع اشتغاله بغيره من العلوم، والمحافظة على المنطوق منها. والمفهوم؛ كالفقه والعربية والأصول، وغيرها من العلم المنقول والمعقول. [دراسته الفقه:] فتفقه بابن القطان الماضي، وبالإمام الزاهد الفقيه العلامة برهان الدين إبراهيم بن موسى الأبناسي، ولازمهما كثيراً. وكان الأبناسي يودّه ويعظمه، لأنه كان من أصحاب والده. وقد قال صاحب الترجمة في حقه: الإمام. الجامع بين طريقي العلم الشرعي والعلم الحقيقي. وكانت ملازمته له مِنْ بعد التسعين، بحث عليه في ((المنهاج)) للنووي، وقرأ عليه غير ذلك. وتفقه أيضاً بشيخ الإسلام، علاّمة الأعلام، المجدد للأمة المحمدية من علوم الدين ما اندرس في توالي الأيام، إلى أن أحيا الله تعالى به موات القلوب من أئمة الأنام: سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني. لازمه مدة، وحضر دروسه الفقهية، وقرأ عليه الكثير من ((الروضة))، ومن ١٢٨ كلامه في حواشيها، وسمع عليه - بقراءة العلامة شمس الدين البرماوي . (مختصر المزني)). وبالعلامة الرُّحَلة ذي التصانيف العديدة، والفوائد المفيدة الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن الملقن. قرأ عليه قطعة كبيرةً من ((شرحه الكبير على المنهاج». ولم يزل ملازماً للبلقيني إلى أن أذن له في الإفتاء والتدريس، ثم أذن له بذلك بعد إذن شيخه الحافظ زين الدين العراقي في آخرین. وقرأ في الفقه والعربية أيضاً على الشيخ الإمام نور الدين علي بن أحمد الأدمي، ولازمه كثيراً. وأول شيوخه في الفقه ابن القطان والأدمي، ثم الأبناسي وابن الملقن، ثم البلقيني، وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره. [سلسلة الفقه:] وهذه سلسلة الفقه لتستفاد مع سلسلة الحفاظ الماضية. فأقول: قد أخذ صاحب الترجمة الفقه عَنْ مَن قدمنا، فأما البلقيني، فأخذ عن جماعة؛ منهم: شيخ الشافعية الشمس محمد بن أحمد بن عثمان بن عدلان، وبقية المشايخ العالم شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن إبراهيم بن القمّاح، والإمام النجم حُسين بن علي بن سيد الكل الأسواني، والعلامة الزين أبو حفص عمر بن أبي الحرم بن الكتَّاني. وأما الأبناسي وابن الملقن، فإنَّهما ممَّن أخذ عن محقق العصر: الجمال أبي محمد عبد الرحيم الإسنائي. وأما الأدمي، أخذ هو والأبناسي - أيضاً - عن الإمام ولي الدين محمد بن الجمال أحمد بن إبراهيم المنفلوطي الملّوي. وكذا - فيما أظن - أخذ عنه ابن القطان، مع أنه أخذ عن ابن الملقن. وكان أخذ عن البهاء بن عقيل أصول الفقه، وعن العماد الإسنوي الأصلين والجدل، ولا أستبعد أن يكون أخذ عنهما الفقه. ١٢٩ والعماد أخذ عن الشرف البارزي. فأما ابن عدلان واللّذان بعده، فتفقهوا بالإمام الظهير جعفر بن يحيى التّزمنتي، والأول وحده أيضاً بقاضي القضاة الوجيه عبد الوهاب بن الحسن. البهنسي. وأما ابن الكِتاني، فتفقه بمفتي الإسلام التاج أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري بن الفركاح. وأما الإسنائي، فهو ممن(١) تفقه بجماعة، ورُوسل بالإفتاء من الشيخ شرف الدين أبي القاسم هبة الله بن البارزي. وأما الملّوي فتفقه بوالده، وبالشيخ نور الدين الأردبيلي، وما علمت الآن سندهما. فأما التزمنتي والبهنسي، فكلاهما مِمَّن تفقه بالإمام البهاء أبي الحسن علي بن هبة الله ابن بنت الجُمَّيْزي، وأما البارزي، فهو ممَّن أخذ ((المنهاج)) وغيره من(٢) منقح المذهب وليَّ الله أبي زكريا النووي. وهو ممن تفقه بالكمال إسحاق بن أحمد المغربي ثم المقدسي، والشمس عبد الرحمن بن نوح المقدسي ثم الدمشقي، والعز عمر بن أسعد الربعي. والثلاثة هم والفزاري ممَّن تفقه بشيخ الإسلام التقي(٣) أبي عمرو عثمان بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح الشهرزوري، وهو بأبيه، وهو في طريق العراقيين هو وابن بنت الجُمَّيزي بصدر العلماء وشيخ الفقهاء أبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون. زاد ابن بنت الجميزي: وبالإمام أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي. والأول(٤) تفقه بالقاضي أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي. والثاني بأبي بكر محمد بن الحُسين بن عمر الأرموي، وهما مِمَّن تفقه بأمير المؤمنين في الفقه الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي. (ح). (١) ((ممن)) ساقطة من (ب). (٢) في (ب): ((عن)). (٣) (التقي) ساقطة من (أ، ب)، وكتبت في هامش (ح) بخط المصنف. (٤) في (ب، ط): «فالأول)). ١٣٠ وتفقه العراقي أيضاً بأبي الحسن(١) محمد بن مبارك بن محمد بن الخِلِّ البغدادي، وهو بفخر الإسلام أبي بكر محمد ابن أحمد بن الحسن الشاشي، وهو بأبي نصر عبد السيد بن محمد بن الصباغ، والشيخ أبي إسحاق، وهما ممّن تفقه بالقاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطّبري، وهو بالإمام أبي الحسن محمد بن علي بن سهل النيسابوري الماسَرْجَسَيّ. (ح). وتفقه ابن بنت الجمَّيزي - أيضاً - بإمام عصره الشهاب أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطّوسي، وهو بالإمامين أبي سعد محمد بن يحيى النيسابوري وأبي الفتح محمد بن الفضل المارشكي [الطوسي، وهما ممَّن تفقه بحجّة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي. (ح). وتفقه] (٢) التاج الفزاري أيضاً بسلطان العلماء عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلمي، وهو بالفخر عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن عساكر، وهو بالقطب أبي المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وهو بمحمد بن يحيى، وهو بالغزالي. (ح). وتفقه النووي أيضاً بالكمال سلاَّر بن الحسن الإربلي، وهو بأبي بكر الماهاني، وهو ووالد ابن الصلاح أيضاً بجمال الإسلام أبي القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن البزري، وهو بأبي الحسن علي بن محمد الكِيًا(٣) الهرَّاسي والغزالي، وهما تفقها بإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجُويني، وهو بأبيه، وهو بإمام طريقة الخراسانيين أبي بكر عبد الله بن أحمد القفَّال المروزي الصَّغير، وهو بأبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي. (ح). (١) في (ط) الحسين، تحريف. (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (أ، ب). (٣) في هامش (ح) بخط المصنف: ((حش: [أي: حاشية] قال ابن خلكان: هو بفتح الكاف، ولا أعلم لأي معنى قيل له الكيا. انتهى. وقال غيره من أهل الأدب: إن معناه الأمير، وضبطه بكسر الكاف، وهو المشهور على الألسنة)). ١٣١ وتفقه العراقي أيضاً بالقاضي أبي المعالي مجلي بن جميع المخزومي، وهو بالفقيه سلطان المقدسي، وهو بالشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي، وهو بسُليم بن أيوب الرازي، وهو بالشيخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر محمد الإسفراييني. وهو بأبي القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي، وهو وأبو زيد المروزي، والماسرجسي ممّن تفقه بالإمام الكبير أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي. (ح). وتفقه أبو حامد الإسفراييني - أيضاً - بأبي الحسن علي بن أحمد بن المرزبان(١)، وهو بأبي الحسين أحمد بن محمد بن القطان. وهو والمروزي(٢) بالباز الأشهب شيخ الشافعية أبي العباس أحمد بن عمر بن سُريج، وهو بالإمام أبي القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي. (ح). وتفقه والد إمام الحرمين - أيضاً - بأبي الطيب سهل بن محمد بن سليمان بن محمد الصُّعلوكي، وهو بأبيه، وهو بإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. (ح). : وتفقه أبو إسحاق المروزي أيضاً بعبدان المروزي، وهو وابن خزيمة والأنماطي، ممَّن تفقه بالإمام الكبير الجليل أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني. وابنُ خزيمة وعبدان أيضاً ممَّن تفقه بالإمام أبي محمد الربيع المرادي. وهما ممِّن تفقه بإمام الأئمة وابن عمّ خير البرية أبي عبد الله الشافعي . (ح). وتفقه أبو سهل الصُعلوكي أيضاً بأبي علي محمد بن عبد الواحد الثَّقفي، وهو بالإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، وهو بجماعة من أصحاب الشافعي، والشافعيُّ - رضي الله عنه، ونفعنا ببركته - ممَّن تفقه بجماعة، منهم إمام دار الهجرة مالكُ بن أنس، وسفيان بن عيينة، وأبو خالد مسلمٌ بن خالد الزِّنجي. (١) في (أ): المرزباني، وانظر (البداية والنهاية)) لابن كثير ٢٨٩/١١. (٢) في (أ): ((المزني»، تحريف. ١٣٢ فالأول تفقّه بربيعة، عن أنس بن مالك، وبنافع عن ابن عمر رضي الله ...- عنهما . والثاني بعمرو بن دينار عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. والثالث بأبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. والثلاثة ممَّن أخذ عن سيِّدِ المرسلين وإمام المتقين وقائد الغُرِ المحَجِّلين ◌َّ ورضي عنهم أجمعين. ولكثير ممَّن ذكر في هذا السند مِنَ الطَّريقين شيوخٌ أخذوا عنهم الفقه. وإنما حصل الاقتصارُ غالباً على ذوي (١) الشهرة وعلو السند. وقد قرأ صاحب الترجمة الكثيرَ على البرهان التنوخي عن أبي نصر بن الشيرازي، عن ابن الجُمَّيزي. وهذا بطريق الإجازة يعلُو على ما سبق بدرجةٍ، وأنَّفقت له رواية ((مختصر المزني)) بسندٍ أعلى مِنْ هذا ورواية أحاديث الشافعي الفقهية في ضمن ((مسنده»، وسنده أعلى من سندٍ ((المختصر)) أيضاً. وأخذ ((المنهاج الفقهي)) عن الشيخ الإمام المسند المدرس نجم الدين محمد ابن الشيخ نور الدين علي ابن العلامة المحقق المتقن أقضى القضاة نجم الدين محمد بن عقيل البالسي، والإمام العلامة مسند القاهرة وشيخ القراءات برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سعيد بن كامل التَّنوخي البعلبكي الأصل ثم الدمشقي، المعروف بالشامي، نزيل القاهرة، قراءةً على الأول، وسماعاً على الثاني، برواية الأول له عن المسند أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد الصالحي، وبرواية الثاني له عن جماعة مِنَ الأئمة، منهم: العلامة أقضى القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن حيدرة بن القمَّاح، بقراءة البرهان المذكور عليه لجميع ((المنهاج)) بحثاً، وأذِنَ له في (١) في (ب): ((ذكر)). ١٣٣ إقرائه. ومنهم: قاضي القضاة بالدِّيار المصرية بدر الدين محمد بن: إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، وقاضي القضاة بالمملكة الحلبية شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم، الشهير بابن النقيب، وقاضي القضاة بالمملكة الحموية شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي، إذناً مِنْ كلِّ منهم له بالرواية عنه، والتدريس في الفقه. ومنهم العلامة علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود الدمشقي الشهير بابن العطار، إجازة مكاتبة له : منه برواية الجميع عن المؤلف بطريق الإجازة، إن لم يكن سماعاً لهم أو لبعضهم، ولو لبعضه، خصوصاً الأخير؛ لأنه كان خادم المؤلف والملازم له، والمتحقق بالتّلمذة له، حتى كان يُقال له النَّووي الصغير. وليس ببعيدٍ أن يكون سمع الكتاب المذكور على مؤلفه أو بعضه. وهذا السند إلى المؤلف أعلى ما يُوجَدُ في هذا الوقت. ووقع له(١) أيضاً حديث مسلسل بالفقهاء لكنه أودعه بعض تخاريجه، فتركتُ الإطالة به. [سلسلة أصول الفقه] وهذه طريقُه في أصول الفقه، ذكرها ابنُ القطان، أحدُ من أخذ عنه صاحب الترجمة - كما تقدَّم - الأصول، أحببتُ إيرادها هنا للفائدة، فأقول: أخذ ابن القطان أصول الفقه عن البهاء بن عقيل، والأصلين والجدل عن العماد الإسنوي. فأما البهاءُ فأخذ عن العلاء القُونَوِي، وهو عن التقي ابن دقيق العيد، وهو عن سلطان العلماء العِزّ(٢) بن عبد السلام وهو عن السيف الآمدي، وهو أخذ الأصول والجدل والخلاف عن أبي القاسم بن فضلان. (ح). وأخذ القونوي أيضاً عمَّن أخذ عن التاج أبي الفضائل الأرموي صاحب (الحاصل»، وهو عن الفخر الرازي، وهو عن أبيه والكمال السمناني. (١) في (ب): ((لنا))، خطأ. (٢) في (أ): ((العزيز)، تحريف. ١٣٤ فأما الكمال؛ فأخذه هو وابن فضلان عن محمد بن يحيى. (ح). وأما العماد الإسنوي فأخذه عن الشرف هبة الله بن النجم عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي شارح ((الحاوي))، وهو عن جده أبي الطاهر إبراهيم، ثم عن والده النجم، عن أبيه إبراهيم، وهو عن التّقي الحموي، وهو عن أبي سعد(١) بن أبي عصرون، وهو عن أبي علي الفارقي، وهو عن الشيخ أبي إسحاق صاحب ((التبصرة)) و((اللّمع)) و((شرحها)) في أصول الفقه، وعن أحمد بن علي بن برهان. فأما ابن برهان، فأخذه هو وابن يحيى عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي. زاد ابنُ بَرهان: وعن الكِيَا الْهَرّاسي، وهما مِمَّن أخذه عن إمام الحرمين، وهو عن أبي القاسم الإسكاف، وهو عن الأستاذ أبي إسحاق المروزي، وهو عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو عن أبي القاسم الدَّاركي وابن المرزبان. فأما ابن المرزبان، فأخذه عن أبي الحُسين (٢) بن القطان. (ح). وأما والد الفخر الرازي - واسمه عُمر - فأخذه عن البغوي، وهو عن القاضي الحسين، وهو عن أبي بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي، وهو عن أبي زيد المروزي. (ح). وأما الشيخ أبو إسحاق، فأخذه عن القاضي أبي الطيب الطبري وأبي حاتم القزويني. فأمَّا أبو الطيب، فأخذه عن أبي الحسن الماسرجسي، وهو وأبو زيد المروزي والدَّاركي عن أبي إسحاق المروزي، وأما أبو حاتم، فأخذه عن شيخ الأصوليين القاضي أبي بكر الأشعري، عرف بالباقلاني، (١) تحرف في (أ، ط) إلى ((سعيد))، وهو أبو سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله التميمي الموصلي. توفي سنة ٥٨٥هـ. مترجم في (السير" ١٢٥/٢١. (٢) كذا في (أ): ((الحسين))، وهو موافق لما في البداية والنهاية لابن كثير ٢٦٩/١١/١١، و(السير)) للذهبي ١٥٩/١٦، وفي (ب، ط): ((الحسن))، وهو موافق لما في طبقات الشافعية للإسنوي ١٩٨٠/٢ وابن القطان هذا هو أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، المتوفى سنة ٣٥٩هـ ١٣٥ وهو عن قامع المعتزلة وغيرها وشيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري، وهو عن أبي بكر بن علي الشّاشي، عرف بالقفّال الكبير، أول من صنف الجدل. الحَسَن من الفقهاء ودوَّنه، وشرح (الرسالة))، وهو وأبو إسحاق المروزي وابن القطان عن أبي العباس بن سُرَيج. وكان ابن القطان خاتمة أصحابه، وهو عن الأنماطي، وهو عن المُزني والربيع المرادي، وهما عن الشافعي مصنف ((الرسالة)) وهي أول شيء وُضِع في أصول الفقه. ولم يقع لصاحب الترجمة ما فيها من كلام الإمام مسموعاً، مع كون بعض شيوخ عصره - وهو السِّراج الكومي - كان يرويه سماعاً في ضمن الكتاب بسندٍ شاميٍّ، إلا أنه لم يتهيأ له سماعه منه، وقد أخذناه من غيرِ واحدٍ من أصحاب الكُومي بالسماع، فلله الحمد (١). [دراسة النحو:] وحيث ذكرنا ما تُقدَّم، فلا بأس بذكر سنده بالنَّحو، فنقول: قال شيخنا صاحب الترجمة: أخبرني بعلم النحو أبو الفرج الغزي إذناً، عن أبي النُّون يونس بن إبراهيم الدبوسي (٢)، أنبأنا العلامة النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي، أخبرني العلامة النَّحوي اللُّغوي أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكندي، أخبرني الإمام النجوي أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله سبط الزاهد أبي منصور الخيَّاط، أخبرني الإمام النَّحوي أبو الكرم المبارك بن فاخر الدَّباس، أخبرني النحوي الأستاذ أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر بن برهان العسكري الحنفي، أخبرني النحوي أبو القاسم علي بن(٣) عبد الله الدقيقي، أخبرني (١) من قوله: ((ولم يقع لصاحب الترجمة)) إلى هنا، ورد في (ط) بعد قوله: ((عنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه»، الآتي قريباً. (٢) في (ط): ((أبي الثور يوسف بن إبراهيم الدوسي))، وهو تحريف شنيع. والديوسي هو فتح الدين يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني. توفي سنة ٧٢٩هـ. الدرر الكامنة ٤/ ٤٨٤ - ٠٠٤٨٥ (٣) ((ابن)) ساقطة من (أ). ١٣٦ أبو الحسن علي بن عيسى بن علي الرُّماني(١)، أخبرني النحوي القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزُبان السِّيرافي، أخبرني أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل البغدادي، الملقب مَبْرَمان، أخبرني أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، وهو أخذ عن أبي عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، وأبي عمر صالح بن إسحاق الجرمي (٢)، وأخذ عن أبي الحسن سعيد بن مَسْعَدَة الأخفش الأوسط، وأخذ عن إمام النحاة أبي بشر عمرو بن عثمان سيبويه، وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وأخذ عن نصر بن عاصم الليثي البصري [الذي قيل: إنَّه أول من وضع العربية] (٣)، وهو عن أبي الأسود الدؤلي، وهو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه(٤). ولنرجع لما كنا فيه. وأكثر - رضي الله عنه - من التردُّد إلى العراقي المذكور، فقرأ عليه غير ما تقدم - مِنَ الكتب الكبار والأجزاء القصار الكثيرَ، وحمل عنه مِنْ ((أماليه)) جُملةً مستكثرة، واستملى عليه بعضها، وأذِنَ له في تدريس ((الألفية)) و(شرحها))، و((النكت على ابن الصلاح)) وسائر كتب الحديث وعلومه، وإفادتها، ولَقِّبه بالحافظ، وعظّمه جداً، ونوَّه بذكره. وقال: إنه لرغبته في الخير غنِيٍّ عن الوصية، زاده الله علماً، وفهماً، ووقاراً، وحلماً، وسلَّمه حضراً وسفراً، وجمع له الخيرات زُمراً. قلت: وقد استجيب دعاءُ هذا العالم الربانيّ والقطبِ النورانيّ، وكان يُحيل في كثيرٍ مما يسأل عنه عليه، وربما كتب إليه بخطه يسأله عمّا يحتاجُ إلى الوقوف عليه، كما سيأتي ذلك مبيّناً في محله. ولازم العلامة إمام الأئمة عز الدين محمد بن أبي بكر بن (١) تحرف في (أ، ح) إلى ((الزنجاني)). (٢) في (ط): ((ابن عمر صالح بن إسحاق الحربي))، تحريف. وانظر ترجمته ((إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين)» ص ١٤٥. (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ط). (٤) من قوله: ((وحيث ذكرنا)) إلى هنا ورد في هامش (ب) بخط المصنف. ١٣٧ عبد العزيز بن محمد بن جماعة في غالب العلوم التي كان يُقرئها من سنة. تسعين، إلى أن مات في سنة تسع عشرة في ((شرح منهاج البيضاوي)، وفي (جمع الجوامع)) و(شرحه)) للشيخ، وفي ((المختصر الأصلي)) لابن الحاجب. والنصف الأول من ((شرحه)) للقاضي عضد الدين، وفي ((المطول)) للشيخ سعد الدين، وغير ذلك، وعلق عنه بخطُّه أكثر ((شرح جمع الجوامع))، وأفاد فيه كثيراً، ولم يحدِّث ابن جماعة بشيء من الحديث قبل شيء قرأه عليه صاحبُ الترجمة، وهو الجزء الخامس من ((مسند السّراج)) في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين، فإنني قرأت بخط صاحب الترجمة: لم يحدِّث شيخنا بشيء قطّ قبل هذا الأوان. انتهى. وكان ابن جماعة يودُّ صاحبَ الترجمة كثيراً، ويشهدُ له في غيبته بالتَّقدم ويتأذَّب معه إلى الغاية، ويكتبُ في الاستدعاءات ونحوها تحت خطه، كما رأيت ذلك في استدعاء بخط الشرف المناوي في سنة ثمان عشرة، التمس الإجازة فيه من صاحب الترجمة وغيره من الشيوخ، فكان صاحب الترجمة أوَّل مَنْ كتب. فكتب العزّ بن جماعة تِلْوَ خطّه، مع مبالغة شيخنا في تعظيمه، حتى إنَّه كان لا يسمِيه في غيبته إلا إمام الأئمة. وحضر دروس العلامة همام الدين بن أحمد الخوارزمي، الذي اتّفق له معه ما يأتي في كائنة الهروي، وسمع من فوائده. ومن قبله حضر دروس العلاَّمة العجمي قنبُر بالجامع الأزهر. وكذا حضر دُروس غير واحد، كالبدر ابن الطنبذي (١) وابن الصَّاحب(٢)، والشهاب أحمد بن عبد الله بن حسن البوصيري، وأخذ عن الشيخ جمال الدين عبد الله بن خليل بن يوسف المارديني الحاسب المؤقّت مِنْ فوائده. لكن ما اقتصرتُ عليه مِنَ الشيوخ أعلى وأولى. (١) ((الطنبذي)) ساقطة من (أ). (٢) في (أ): ((ابن الصلاح))، خطأ. وهو بدر الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن الصاحب. توفي سنة ٧٨٨هـ. ((الدرر الكامنة) ٢٤٨/١ - ٢٥٠، و((المجمع المؤسس)) ٦٧/٣. ١٣٨ ونظر في لغة العرب، ففاق في استحضارها، حتى لقد رأيت النّواجي يأتي إليه في كلُ شهر بما يقف عليه مِنْ ذلك وشِبْهِه، فيراجعه فيه، فیزیحُ عنه إشكاله، ويرشده إلى فهمه بديهةٌ، بحيث يكثُر الآن تأسُّفي على عدم ضبط ما كنت أحضرُه من ذلك. وقرأ على شيخه العلامة شيخ الإقراء برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي الفاتحة، ومن أول البقرة إلى قوله ﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ [آية: ٥] بالروايات السَّبع، جامعاً لذلك بين طرق (١) الشاطبي و((العنوان))(٢) و(التيسير))، وأذِنَّ له الشيخ في الإقراء بذلك، وأشهد على نفسه - على العادة في ذلك - في سنة ست وتسعين وسبعمائة، وأخبره بقراءة هذا القدر المعيَّن على العلامة برهان الدين إبراهيم الجعبري(٣) نزيل بلد الخليل. وبقراءة القرآن جميعه للسبعة أيضاً على العلامة شمس الدين السَّراج والبرهان الحُكري وأبي العباس المرادي وأبي عبد الله الوادي آشي، وللعشرة على سيبويه الزمان أبي حيان، بأسانيدهم التي لا نُطيل بإيرادها. وكان شيخنا جوّده قبل ذلك كما تقدم. وقرأ على العلاَّمة أحد الأفراد في معناه البدر محمد بن إبراهيم البَشْتكي مجلساً واحداً من ((مقدمة لطيفة في علم العروض»، وكان السبب في ذلك ما سمعتُه مِنْ شيخنا غيرَ مرة، قال: كنت في أوَّل الأمر أنظم الشعر مِنْ غير تقدم اشتغال في العَروض، فسألني شخص أن يقرأ عليَّ مقدمةً في العروض سريعة المأخذِ، وأجبته لذلك، وواعدته ليوم عيَّنتُه له، ثمَّ توجهتُ في الحال مِنْ مصرَ إلى القاهرة، فاجتمعت بصاحبنا البدر البشتكي، وسألته عن مقدمة في ذلك سهلة التَّناول، فأشار إليها، فأخذتها منه، وقرأت عليه منها مجلساً، (١) في (ب، ط): ((طريق)). (٢) في (ط): ((الفنون)). (٣) في (ب، ط): ((برهان الدين بن إبراهيم))، خطأ. وهو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري المقرىء. توفي سنة ٧٣٢هـ. الدرر الكامنة ١/ ٥٠. ١٣٩ استفدت منه معرفة الفنُّ بكماله، ورجعتُ فأقرأتها السائل، ولم أحتج القراءة باقيها. هذا معنى ما حكاه. فقد كتبته من حفظي .. وكثر انتفاعه به وبكتبه في الأدبيات، ولازمه قديماً بضع سنين، [بل كان البدرُ يذكر أنه هو المشيرُ عليه في الاشتغال بالحديث](١)، ثم احتاج البشتكيُّ بعد ذلك للقراءة على صاحب الترجمة في الحديث كما سيأتي. وجَدَّ رضي الله عنه بِهِمَّة وافرةٍ وفكرةٍ(٢) سليمة باهرة، في طلب العلوم، منقولها ومعقولها، حتَّى بلغ الغاية القُصوى، وصار كلامُه مقبولاً : عند أربابِ سائرِ الطَّوائف، لا يعْدُون مقالته لشدَّة ذكائه وقوَّة باعه، حتى كان حقيقاً بقول القائل: وكان مِنَ العلوم بحيث يُقضى له في كلُ علمٍ بالجميع واجتمع له من الشيوخ الذين يُشار إليهم، ويُعوِّلُ في حل المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحدٍ مِنْ أهل عصره، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان متبحراً ورأساً في فنه الذي اشتهر به، لا يلحق فيه، فالبلقيني في سَعَةِ الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقُن في كثرة التَّصانيف، والعراقي في معرفة علم الحديث ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها، والمجد الشيرازي في حفظ اللُّغة واطلاعه عليها، والغُمَاري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام، كان حسنَ التَّصرُّف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقاً في حفظها، والأبناسي في حُسن تعليمه وجَوْدَةٍ تفهيمه، والعز ابن جماعة في تفتّنه في علوم كثيرةٍ، بحيث إنه كان يقول: أنا أقرِىءُ في خمسة عشر علماً لا يعرف علمَاءُ عصري أسماءها، والتّنوخيُّ في معرفته القراءات وعلوّ سنده فيها. وهم - مع ذلك ــ في غاية التَّبجيل لصاحب الترجمة، والتكريم والتحرُّز عن مخاطبته بغير تعظيم، بل ربما راجعوه للتفهيم. ۔۔ (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) (وفكرة)) لم ترد في (أ). ١٤٠