Indexed OCR Text

Pages 101-120

الباب الأول
[نسبه]
أما نسبه: فهو أحمد بن عليّ بن محمد بن محمد بن علي بن
محمود بن أحمد. هذا هو المعتمد في نسبه، لا أذكر زيادة، على ذلك إلا ما
قرأته بخط بعض(١) أصحابنا، بل وبخط المقريزي، وكأنه عمدته بعد أحمد،
أحمديل، فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في آخر نسخة
من (صفة النبي (9َّ)، لأبي عليّ محمد بن هارون بخط قريبه الزين شعبان،
لكن بإسقاط محمود. ونص كتابته: نَسَخَّهُ شعبان بن محمد بن محمد بن
محمد (بن محمد)(٢) بن علي بن أحمد بن أحمديل العسقلاني، فالله أعلم.
وأما ما اشتهر به، وسمعته من لفظه، أن نسبه يقرأ طرداً وعكساً، فلا
يتهيَّأ ذلك إلا بتأخير محمود عن أحمد أو بإسقاطه، وقد أخّره عنه هو فيما
قرأته بخطه، في تصنيفه ((الدّرر الكامنة))، إذ ذكر عمّ والده، فقال:
عثمان بن محمد بن عليّ بن أحمد بن محمود. وكذا فعل في كتابه في
قضاة مصر المسمى)) ((رفع الإصر))، وفي أول كتابه ((إنباء الغمر)): بزيادة
أحمد بعد محمود، بحيث صار محمودين أحمدين، ونصه: يقول العبد
الضعيف أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن
(١) (بعض)) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
١٠١

محمود بن أحمد بن حجر. لكنه خالف ذلك في حرف الحاء المهملة من
كتابه ((تبصير المنتبه بتحرير المشتبه)»، حيث ذكر عم والده أيضاً، فقال: فخر
الدين عثمان بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد. وكذا صنع في ترجمة
والده من القسم الثاني من «معجم شيوخه))، فإنه قال: علي بن محمد (بن
محمد)(١) بن علي بن محمود بن أحمد، فهذا ما علمته الآن في نسبته ..
وإنما جزمت بالأول، لكثرة ما وجدته كذلك بخطه، وإن تكرر
بخطه، كما في آخر ((شرح البخاري)) وغيره أنه أحمد بن علي بن محمد بن
محمد بن علي بن أحمد بن حجر، لكن هذا أكثر، والعلم عند الله تعالی.
[كنيته ولقبه]
ثم إنه كان يلقب شهاب الدين، ويكنى أبا الفضل، وكُني بذلك تشبيهاً
بقاضي مكة أبي الفضل محمد بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي النّويري جد
صاحبنا خطيب مكة الآن، كان الله له، إذ كان مع أبيه وهو طفل هناك.
وهكذا رواه لنا صاحب الترجمة عن أبي محمد عبد الله بن خليل العباسي،
عن والده أبي الحسن عليّ العسقلاني، أنه أخبره بذلك.
قلت: وقد جمع شيخنا كما سيأتي في تصانيفه كتاباً سماه «القصدُ
الأحمد بمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد)». وقد كناه شيخه العراقي أيضاً.
على الجادّة أبا العباس، وكذا كناه بها العلاء بن المغلي وغيرهما، وكناه
آخر أبا جعفر، وهو شذوذ.
وأما والده، فيلقب نور الدين، ويكنى أبا الحسن، ولقّبه الخوافي كما
سيأتي جرياً على عادة بلادهم غالباً علاء الدين. وكذا الموفق الآبي. وأما
جده، فقطب الدين، ويكنى أبا القاسم، وجدُّ أبيه، فناصر الدين، وجدُّ جده
فجلال الدين.
(١) ساقطة من (أ). وانظر ((المجمع المؤسس)) ١٩٦/٣ - ١٩٧.
١٠٢

[التلقيب بالإضافة إلى الدين]
قلت: وقد أفاد صاحب الترجمة فيما قرأته بخطه أن التلقيب بالإضافة
إلى الدين، إنما حدث في أول دولة الترك ببغداد، الذين طرؤوا على الديلم،
وكانوا في زمن الديلم يضيفون الألقاب إلى الدولة، فكان من أواخرهم جلال
الدولة (١) ابن بويه وكان أول ملوك الترك طغرل بك، فلقبوه نصرة الدين، ثم
انتشرت الألقاب من يومئذٍ، ولم تكثر إلا بعد ذلك بمُدَيْدَة. انتهى (٢).
ثم رأيت بخطه أيضاً فيما انتقاه من ((التدوين في تاريخ قزوين)) أنه
وُجد مخضَرٌ(٣) مضمونه أن الزلزلة لما وقعت بقزوين في رمضان سنة ثلاث
عشرة وخمسمائة، انكسرت فيها مقصورة الجامع، فنُقِضَت لِتُرَمِّ، فوجد
تحت المحراب لوح منقور فيه: بسم الله أمر العادل المظفر عضد الدين
علاء الدولة(٤) أبو جعفر بتخليد(٥) هذا اللوح ... إلى آخره. وكتب في
رمضان سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة. قال شيخنا: فيستفاد منه ابتداء التلقيب
بفلان(٦) الدين.
[نسبته]
وأما نسبته: فقرأت بخط صاحب الترجمة - رحمه الله - رأيت بخط
والدي أنه كِنانيُّ الأصل، يعني بكسر الكاف، وفتح النون، وبعد الألف نون
ثانية. وكتب شيخنا مرة، الكنانيّ القبيلة. قال: وكان أصلهم من عسقلان،
وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، فنقلهم صلاح الدين لما خرَّبها.
(١) في (ب) و (ط): ((جلال الدين)).
(٢) قال ابن تغري بردي في ((النجوم الزاهرة)) ٢٦٧/٤، في ترجمة ركن الدين أبي إسحاق
إبراهيم بن محمد إبراهيم الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ): وهو أول من لقب من الفقهاء.
(٣) في (أ): ((مختصر»، تحريف.
(٤) في (ط): علي الدولة.
(٥) في (ط): تحلية.
(٦) (بفلان)) ساقطة من (ط)، وفي (أ) ((بعلاء)).
١٠٣

قلت: وكان ذلك بعد سنة ثمانين وخمسمائة ظناً، فإن انتزاع صلاح
الدين يوسف بن أيوب رحمه الله لبيت المقدس - شرفه الله - من أيدي
الفرنج، في رجب سنة ثلاث وثمانين بعد أن أقام بأيديهم نيفاً وتسعين سنة.
ثم مات في صفر سنة تسع وثمانين.
ثم رأيت في سيرة صلاح الدين ذكر أنه نازلها في يوم الأحد سادس
عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها
قتالاً شديداً، وتسلَّمها في يوم السبت سلخه.
قال: وكان بين فتحها وأخذ الفرنج لها مِنَ المسلمين خمسة وثلاثون
سنة، فإن العدو ملكها في سابع عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين
وخمسمائة، ولما فتحها صلاح الدين رأى المصلحة في خرابها، لعجز
المسلمين عن حفظها عن الفرنج، فاستحضر الوالي بها قيصر، وهو من كبار
مماليكه وذوي الآراء منهم، فأمره أن يضع فيها المعاول، وذلك في سَحَر
ليلة الخميس تاسع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وحزن الناس
على مفارقة أوطانهم، وخسارة أموالهم، لا سيما وهو بلد نضِرٌ خفيفٌ على
القلب، مُحكمُ الأسوار، عظيم البناء، مرغوبٌ في سكنه، فلله الأمر.
[مولده]
وأما مولده: فهو في الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وسبعين
وسبعمائة على شاطىء النيل بمصر. والمنزل الذي ولد فيه بمصر معروف،
استمر في ملك شيخنا، ثم بيع بعده، وهو بالقرب من دار النحاس والجامع
الجديد. وانتقل منها إلى القاهرة قُبيل القرن حين تزوَّجه بأَمِّ أولاده، فسكن
بقاعة منكوتمر جد أبي أَمِّها المجاورة لمدرسته داخل باب القنطرة بالقرب
من حارة بهاء الدين، واستمر بها حتى مات.
[بشارة والده به]
وأما بشارة والده به: فقرأت بخط صاحب الترجمة - رحمه الله تعالى -
في ترجمة الشيخ يحيى الصنافيري من كتابه ((الدرر))، قال: كان لي أخ من
١٠٤

:
أبي، قرأ الفقه وفضل، وعرض ((المنهاج))، ثم أدركته الوفاة، فحزن الوالد
عليه جداً، فيقال: إنه حضر إلى الشيخ يحيى الصنَّافيري، فبشَّره بأن الله
تعالى سيخلف عليه غيره ويعمره، أو نحو ذلك. فولِذْتُ أنا بعد ذلك
بيسير، وفتح الله تعالى بما فتح. وكانت مكاشفاته قد كثرت حتى صارت
في حد التواتر، فإنني لم ألق أحداً مِنَ المصريين أدركه إلا ويحكي عنه في
هذا الباب ما لا يحكيه الآخر، حتى إن والدي نظم فيما شاهده منه فيما
يختص بالوالد، أرجوزة ذكر له فيها جملة من الكرامات. انتهى.
ويقال: إن لفظ الصنافيري لوالد صاحب الترجمة: يخرج من ظهرك
عالم يملأ الأرض علماً. ثم قال: لا يكون الولي لله ولياً، حتى يرى ما في
اللوح المحفوظ(١)، ويولي ويعزل، وتكون الدنيا في يده كالصَّحفة. ومات
الشيخ قبل مولد شيخنا صاحب الترجمة بسنة.
[شهرته]
وأما شهرته: فهو ابن حجر - بفتح الحاء المهملة والجيم بعدها راء -
وتلتبس بجماعة بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم، منهم وائل بن حُجْر
الصحابي، رضي الله عنه، وعلي بن حُجْر المحدث المشهور. وقد حرَّف
الصحابيَّ بعضُ متأخري الفقهاء، وحرَّف الآخر بعضُ العصريين، فحكى لي
صاحب الترجمة أن بعض الكتبيين أحضر إليه أجزاء عليّ بن حجر
المسموعة لنا، وقال ما نصه: قد ظفرت بشيء من تصانيف أبيكم، وهو
معذور، وعدَّت من اللطائف!
واختُلِف هل هو اسم أو لقب؟ فقيل: هو لقب لأحمد الأعلى في
نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالده أحمد المشار إليه. وقد أشار إلى ذلك
صاحب الترجمة في جواب استدعاء منظوم بقوله:
(١) ما في اللوح المحفوظ لا يطلع عليه إلا الله سبحانه، والمتصرف في الكون تصرفاً
مطلقاً هو الله وحده سبحانه وتعالى.
١٠٥

بن محمد بن علي الكناني المحتد
من أحمد بن عليّ بن محمد
حَجَراً وقيل بل اسمُ والدِ أحمدٍ
ولجد جدّ أبيه أحمد لقْبُوا
[أسلافه]
وأما من وقفت عليه من أسلافه ونحوهم، فمنهم: عمّ والده فخر
الدين عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود الکنانِيّ المصري
الشافعي، يعرف بابن البزَّاز - بمنقوطتين - وبابن حجر، سكن ثغر
الإسكندرية، وانتهت إليه رئاسة الإفتاء في مذهب الشافعي هناك. ذكره
العفيف المطري في ((ذيل الطبقات))، وقال: العلامة فخر الدين أبو عمرو
مفتي الثغر، وفقيه الشافعية في زمانه. تفقه به جماعةٌ، منهم: الدمنهوري
وابن الكويك. وهو والد ناصر الدين أحمد الفقيه. انتهى.
وكان بحاثاً نقالاً مات سنة أربع عشرة وسبعمائة، وابنه المذكور ناصر
الدین أحمد کان فاضلاً.
قلت: وابنه الآخر زين الدين محمد مات بالثغر في ربيع الأول سنة
اثنتين وخمسين وسبعمائة. أرجه الحافظ العراقي في ((وفياته)).
وأخو عثمان المذكور، ذكره صاحب الترجمة، فقال: قرأت بخط
المحدث نور الدين الهمذاني. توفي العدل قطب الدين محمد بن ناصر
الدين محمد بن جلال الدين العسقلاني، ابن البزاز، عرف بابن حجر - بفتح
الحاء المهملة والجيم - يوم الخميس السابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى
وأربعين وسبعمائة. سمع من جماعة من مشايخنا وأجاز له أبو الفضل ابن
عساكر، وابن القواس، وغيرهما. انتهى.
قال صاحب الترجمة: وأنجب أولاداً؛ منهم: كمال الدين، ومجد
الدين، وتقي الدين، وولي الدين، ونور الدين، وهو أصغرهم.
قلت: فأما مجد الدين: وهو محمد، فهو والد زين الدين محمد الذي
١٠٦

مات بمكة المشرفة في خامس عشري (١) رمضان سنة خمس وثمانين
وسبعمائة، ودفن بالمَعْلاة بتربة سفيان بن عيينة منها، كما وجد ذلك بلوح
هناك، وأغفل القاضي تقي الدين الفاسي ذكره من ((تاريخه"، وأفادناه صاحبنا
محدث مكة(٢)، دام النفع به.
وأما تقي الدين، فهو جد المكثر زين الدين. أبي الطيب أحمد المدعو
شعبان بن محمد بن تقي الدين محمد المذكور. الذي اعتنى به صاحب
الترجمة، وأسمعه الكثيرَ بمصر والشام وغيرهما على خلائق لا يُحصَوْنَ
كثرة. وأخذ عنه الطلبة وأضرَّ وانقطع. وكان في ظلُ شيخنا، ثم ولده.
ومات في سنة تسع وخمسين وثمانمائة. وكان مولده في سنة ثمانين
وسبعمائة، رحمه الله وإیانا.
[والده]
وأما نور الدين، فهو والد صاحب الترجمة. قال (٣): وكان مولده في
حدود العشرين وسبعمائة، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته،
وتعانى من بين إخوته الاشتغال بالعلم، فمهر في الفقه والعربية والأدب،
وقال الشعر فأجاد. ووقّع في الحكم، وناب قليلاً عن ابن عقيل، ثم تركه
لجفاء ناله من ابن جماعة لما عاد بعد صرف ابن عقيل. من أجل تحققه
بصحبة ابن عقيل.
وأقبل على شأنه، وأكثر الحج والمجاورة. وله عدة دواوين؛ منها
«ديوان الحرم)»، مدائح نبوية ومكية في مجلدة.
وكان موصوفاً بالعقل، والمعرفة والديانة، والأمانة، ومكارم الأخلاق،
(١) في (ب، ط): ((عشر))، عشري.
(٢) هو نجم الدين بن فهد المتوفى سنة ٨٨٥هـ. وكلامه هذا في كتابيه: «إتحاف الورى
بأخبار أم القرى) ٣٤٣/٣، و((الدر الكمين)). ولم يُطبع بعد.
(٣) في ((إنباء الغمر) ٧٥/٧٤.
١٠٧

ومحبة الصالحين، والمبالغة في تعظيمهم، ومن محفوظاته («الحاوي))، وله
استدراك على ((الأذكار» للنووي. فيه مباحث حسنة .. وكان ابن عقيل يحبه
ويعظمه، ورأيت خطّه له بالثناء البالغ.
ولما قدم الشيخ جمال الدين بن نباتة مصر أخيراً، أنزله عنده ببيت من
أملاكه في جواره، وطارحه ومدحه بما هو مشهور في ((ديوانه»، ثم انحرف
عنه، وانتقل إلى القاهرة، كعادته مع أصحابه في سرعة تقلَّبه، عفا الله عنه
آمین .
قرأت بخط ابن القطان، وأجازنيه: كان يحفظ ((الحاوي الصغير)»،
وينظم الشعر، وكان مجازاً بالفتوى، وبالقراءات السبع، حافظاً لكتاب الله
تعالى، معتقداً في الصالحين وأهل الخير، جعله الله تعالى منهم.
وكان قد أوصى أن يكفّن في ثياب الشيخ يحيى الصنافيري، قال :.
ففعلنا به ذلك، وهو القائل، ومن خطه نقلت:
من فضلك الوافي وأنت الواقي
يا رب أعضاء السجود عتقتها
فامنُنْ على الفاني بعتق الباقي
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى
مات في يوم الأربعاء، ثالث عشري شهر رجب سنة سبع وسبعين
وسبعمائة، وتركني ولم أكمل أربع سنين، وأنا الآن أعقله كالذي يتخيّل
الشيء ولا يتحققه، وأحفظ منه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل.
قلت: وأمه هي ابنة محمد بن براغيث، كما استفدت ذلك من ترجمة
أخيها أحمد بن محمد بن براغيث، شهاب الدين أحد الأعيان بالقاهرة. فإن
صاحب الترجمة ترجمه في ((الدرر)) (١) وقال فيه: هو خال أبي. مات في
شوال سنة ست وسبعين وسبعمائة. انتهى.
(١) ٢٥٨/١.
١٠٨

قلت(١): وديوانه السابق وقفت عليه بخطه.
وكتب الجمال ابن نباتة بخطه ما صورته :
أنشدني القاضي نور الدين ابن حجر بمصر المحروسة لنفسه من
أبيات :
واشتغل الفكرُ بما لا يطاق
واشتعل القلبُ بنار الغضا
كي أشتفي منك بطيب الثَّلاق
وقلت صلني يا حبيبي هنا
تَخسَبنْ يا هذا بزاق الزلاق
فقال لي إني غزالٌ فلا
ومن شعره يذكر صنعة أبيه في البزّ:
يزهو قماشك عزًّا
سكندرية كم ذا
فلست أطلب بزًّا
فطمت نفسي عنها
وله أرجوزة ذكر فيها وقعة بيبغا، جاء منها:
وطلع السلطان نحو القلعة فأسعد الرحمن تلك الطلعة
وله موشح أوله :
ـظْما
هل تُرى بعـد الـ
أروى بما أشتـ
ـهــي
مِنْ رَشْفِ ذاك اللَّعسِ
وكتب إليه البرهان القيراطي، وقد أهدى له المذكور صحن كنافة،
فقال :
والخدّ في ليل ذاك الصُّدغ مصباحي
بالشعر والثغر إمسائي وإصباحي
وقدّه بين سيَّاف ورمَّاح
من لي بأهيف قلبي مِنْ لواحظه
(١) ((قلت)): من (ط).
١٠٩

سكري بحلواء نور الدين يا صاحٍ
طابت حلاوة ريقٍ منه أسكرني
أُعيذُ بالشمس صحناً مثل بَدْرِ دُجاً
جاءت كنافته نحوي مملَّحةٌ
فخفض عيشي بها والثّيل مرتفع
حويتها في ليالي الصوم منه ولم
. منه(١) سرى والدجى لم يمحه ماحي
حَلاَ بها العيش في شختور ملاحٍ
جددت فيه بعرس النيل أفراحي
أقل وقد زرتُه في رفقتي ياحي
وللقيراطي في ذلك أيضاً عدة مقاطيع أخذها مضمناً، فقال:
أهدیت نور الدین صحنَ کُنافةٍ
من فيض كفّك جاده قطرُ النَّدا
مخروطة كالفضَّة البيضاءِ
وانحلَّ فيه خيطُ كلِّ سَماءِ
وقوله مضمِّناً أيضاً:
أنورَ الدِّين قد أهديت صحناً كُنافته سقاها قطرٌ مِزْنِكْ
وقد نبَّهتُ نسمة جودكم لي وقلت لها: ((ألا هُبِّي بصحتكْ))
وقوله :
أتی منك نور الدین صحنُ كُنافةٍ
وبالسُّكَّرِ المذرور خُشِن وجهُه
و قوله :
مولاي نور الدین صحنك(٢) لم يزل
صدقَتْ قطايفُك الكبار حلاوة
يروي مكارٍمَك الصحيحة عن عطا.
بفمي وليس بمنكر صدق القَطَا
وكتب إليه البرهان أيضاً يهنيه لما قدم من مكة : .
(١) ((منه): ساقطة من (ب).
(٢) في (ب، ط، ح): ((ضيفُك)).
١١٠
حلا وغدا ما في حلاوته مَنُّ
فنَغَّمَ عيشي بالهنا ذلك الصحنُ.

منازل زانها مذ جئتَها الخفرُ
تقبّل الله حجّاً جئت منه إلى
إلا درى بالمقام الحجر والحَجَرُ
ما قمت يا حجريّ البيت مستلماً
ضاهى وكم لعليٍّ بعدها عُمرُ
أكثرت حجًّا وتطوافاً فقلت لمن
يقبّل الأرض وينهي هناء بجوار ذلك البيت المحرم، والوصول لكيما
السعادة عند الظفر بذلك الحجر المكرم، والسير الذي تودُ العينُ لو اكتحلت
من إثمده بمرود، والعيش الأبيض بذي الخال الأسود والمقام بالمقام،
والسعادة التي أحلَّت مولانا بالبيت الحرام، والحِجر الذي ظفر به الفائزون
فغنموا أجوراً، وانقطع عنه العاجزون، فرأوه حجراً محجوراً. كم سكر
الساعون بين المروتين، وكحلوا نواظرهم حال السعي بينهما بالميلين
الأخضرين سروراً يتبعه سرور، ونظرة لاح لها من إشراق ما (١) وَجه مولانا
نور على نور. فهنيئاً لمولانا طوافُه وتركعه، وشربُه مِنْ ماء زمزم وتضلُّعه،
وتعبُّده الذي يقطع الزمان في اتصاله ولا يقطعه، والصاعدُ من الكلم الطَّيب
الذي يتقبّله الله، والعمل الصالح يرفعُه، لقد استفرغ وسعه في جلاء
صحائف الحسنات، وأفنى دَرّج سُلْماته، ليقعد - إذا قامت الساعة - على
أعلى الدرجات، ما سار مِنْ حَرم إلا إلى حرم. ولا ارتحل من معدن كرم
إلا إلى معدن كرم، فطوبى لإيابه بطيبة، ولله فوزه بالمقام الذي خضعت
الملائكة والملوك له هيبة. لقد اجتنى من تلك الروضة ثمار العفو يانعة،
واجتلى مِنْ حرم من انشقَّ له القمرُ شمس الرِّضا طالعة، وحبذا عودُه إلى
الأوطان بعد قضاء الأوطار، وقدومه في الوفد الذي أضاءت بُدور وجوههم
في أهله الأكدار، والرَّكبِ الذين تضوع أرواح نجدٍ عند قدومهم، لقرب
العهد من الدار.
وكتب البرهان إلى الجمال ابن نباتة أبياتاً، جاء منها مما يتعلق
بالمذكور قوله :
(١) ((ما)) ساقطة من (ح).
١١١

تسمو جريراً في الورى وصفاته
طارحت من حجرٍ أديباً درةً
والخصم ودَّ وقوفه وسكاته
وجرَيْتُما بَخرَيْنٍ حين نطقتما
وممَّن كتب عنه من نظمه: الشهاب ابن أبي حِجْلة، فإنه كتب بخطه:
أنشدني نور الدين ابن حَجَر مِنْ قصيدة في حادثة إسكندرية:
لو تَرى الأطفال لما أُسِرُوا وَينُو الأصفر في سوء ظَفَرْ
الأبيات ...
قال صاحب الترجمة: أنشدنيها سراج الدين عمر بن الصيرفي
بالإسكندرية سنة سبع وتسعين وسبعمائة، قال أنشدنا ابن حجر لنفسه في
واقعة الإسكندرية المشهورة:
وكوى القلب بنار وضَرَزْ
أيُّ خطبٍ أورثَ الجقِنَ سهرْ
زاد في الأحشاء للحين شرز
أَفَتَرْضى عن عيانٍ بخبرْ
بلسان الحال والثغر عيّر
كل شيء بقضاءً وقدز
صِيَّرت ما تُبصِرُ العَينُ أثر
وبنو الأصفر في سوء ظفَرْ
وثلاثٍ جئنِ مِنْ قبل صفرْ
يكُ فيها مثلُها منذ عَمِّرْ
بين أحباب فلم يُغْنِ الحذر
صورَ الأقمار عبَّادُ الصور.
كلَّما قيل انْطَفَتْ نَارُ الأسى
أيُّها السائل عما قد جرى
نطق الجامدُ من عبرثنا
نفذ الأمر فلازة(١) له
حصلت في الشّغر أدهى فتنةٍ
لو ترى الأطفال لما أُسروا
طرقوا الثغرّ لعشرين انقضت
عام سبعٍ بعدَ ستين ولم
يا لها من جمعة قد فَرَّقَتْ
دخلوها عنوة فانتهبت
(١) في (ب، ط): ((فلا راد))، وكتبت كذلك في (ح)، حيث كتبها المصنف بخطه في
جذاذة ملحقة بالأصل، ثم شطب الألف في الكلمة.
١.١٢

ساعة الوحشة وانشقَّ القمر
كم مليح ذبحوا فاقتربت
ومنها :
وحريقُ الباب أدهى وأمز
حبْقَرا ولَّى ومن تابعه
لم يقف للطّعن إلا ساعةً
في سبيل الله ما حلَّ(١) بنا
لكن البشرى لنا مهما جرى
من نهارٍ أو كلمح بالبصرْ
معشرَ الإسلام مِنْ هذا الخطر
مِنْ صغيرٍ وكبيرٍ مستَطَرْ
حكمة بالغة تقضي الوطز
نحن فرقان بحكم منصفٍ
· بين جنّاتٍ وحُورٍ ونَهَزْ
إن قتلانا لفي برد الرضا
وقتيلُ الروم في حرُّ سقَرْ
عندَّ ربِّ العرش في مقعده
وقال شيخنا أيضاً: أنشدني الشيخ المبارك جمال الدين أبو محمد
عبد الله بن خليل العباسي - نسبة إلى الشيخ أبي العباس الضرير، وهو شيخ
الزاوية المنسوبة إلى يحيى الصنافيري - بالقرافة بحضور شيخنا أبي إسحاق
الأبناسي في شوال سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بزاوية الشيخ بالمقسم، أن
والدي أبا الحسن عليًّا العسقلاني أنشده لنفسه (٢):
عُنيتم به مُذ زُرْتُمُ المغْنى
أحبَّتنا هنَّاكِمُ الله بالذي
حزّ بالُنا لا سيما غبتُم عنّا
سررنا لكم لكننا لانقطاعنا
وأنشدنا أيضاً أن أبي أنشده لنفسه عدة مقاطيع وقصائد.
قال صاحب الترجمة: وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان
الخواص الأسيوطي في أواخر ذي القعدة سنة سبع وتسعين بإسكندرية أن
والدي أنشده لنفسه في تاجر أهدى إلى السلطان فيلاً:
(١) في (أ): ((ما حلت))، وكانت كذلك في (ح) بخط المصنف، ثم جعلها ((حلَّ)).
(٢) انظر ((المجمع المؤسس)) ١٣٨/٣.
١١٣

غُلِبْتَ فلا تكثر مِنّ القالِ والقِيلِ
أيا بائع المفعُول صرت مقامراً
مع الرُّخٌّ بالشّامات يا صاحب الفيل
وكيلُك في تضليل نفسك واقعٌ
انتھی.
وقد تقدم أنَّه حج بولده معه وجاور، وكذا زار به بيت المقدس،
وأقام به أيضاً : .
وإذا سمعت هذا، ظهر لك أن قول القائل عن صاحب الترجمة: إنه
دخل وحده وخرج وحده، يشير به إلى أنَّه لا سلف له في العلم ولا
خلف، غير لائق، إلا أن أريد بالمنفيّ في الطرفين المثلية. وعلى كل حال،
فصاحبُ الترجمةِ لا يرضى بالتلويح بذلك، فالأولَى الإعراض عنه .:
[إخوته وأخواته]
وأثكل الشيخ نور الدين ولداً كان قد عرض ((المنهاج))، وقرأ الفقه
وفضل، كما مضى في البشارة به (١).
وترك ابنته أم محمد(٢)، ست الركب، وقد أكملت سبع سنين. فإنها
وُلدت بطريق الحجاز في رجب سنة سبعين، فسميت بذلك.
قال أخوها صاحب الترجمة(٣): وأجاز لها في السنة التي تليها أبوها،
ومن مكة: ابن عبد المعطي، ومن المدينة: نور الدين الزَّزندي، ومن
المجاورين: الكرماني شارح ((البخاري)»، ومن حلب: محمد، والحسين ابنا
عمر بن حبيب، ومن دمشق: محمد بن أحمد بن خطيب المزة، والتقي بن
رافع، ومن بعلبك: العماد بن بردِس، ومن تونس: شمس الدين بن
مرزوق، ومن مصر: الحافظ زين الدين العراقي، وأبو الفرج ابن الشّيخة
وصلاح الدين بن مسعود وآخرون.
(١) ص ١٠٤ - ١٠٥ من هذا الجزء.
(٢) في (ب، ط): ((أم أحمده، خطأ.
(٣) في ((المجمع المؤسس» ١٢٠/٣ - ١٢٢.
١١٤

ومات أبوها وهي صغيرةٌ، فنشأت نشأة حسنة (١)، وتعلمت الخطّ (٢)،
وحفظت الكثيرَ مِنَ القرآن، وأكثرت مِنْ مطالعة الكتب، فمهرت في ذلك
جداً، بحيث كان يظنُّ مَنْ يراها تقرأ مِنَ الكتاب أنها تحفظه لجودة
استخراجها .
ثم تزوجت وهي صغيرة، وولد لها محمد، فوافق ما كناها به أبوها.
وكانت بي برَّة رفيقة محسنة، جزاها الله تعالى عني خيراً، فلقد انتفعت بها
وبآدابها مع صغر سنها، وماتت شابَّةً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين
وسبعمائة. عوضها الله تعالى وإيانا الجنة، بمنّه وكرمه.
قلت: وقال في موضع آخر: كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء،
وهي أمي بعد أمي، أصبت بها. انتهى.
وقد رثاها البدر البَشْتَكِي بقوله:
وبالنّوى يرمي بلا لُبُ
كم ذا يزيد الدهرُ في حربي
يا دهرُ ضاع الطّيبُ في التُربِ
منذ سرت سيّدةُ الركبِ
بكى عليها الجوّ بالسحبِ
مطارحاً ساجعة القُصْبِ
يُجيبُه الواجب بالنَّدبِ
أخُ العلا إلا أبُو الخطبِ
يرفض أو يخفِض ذا النصبِ
إذ يتبعُ التَّغريدَ بالنَّغْبِ
فعِشْ لقيت الخيرَ مِنْ رَبِّي
طيبُ ثنا أودعتُه في الثرى
كم عَبرةٍ جاريةٍ بالأسى
آهٍ لها مِنْ زهرةٍ قد ذَوَتْ
وأغربَ البلبلُ في نوحِه
وكادَ مِنْ مكروه رُزْءٍ بها
صبراً لها يا ابن عليٍّ فما
وشيمةُ الدهر كذا لم يزل
وبينما طائرة صادحٌ
ربَّ المعالي أنت يا سيدي
(١) عبارة ((نشأة حسنة)) ساقطة من (ط).
(٢) في (أ): ((الحفظ))، تحريف.
١١٥

وأمهما معاً تِجَار ابنة الفخر أبي بكر بن الشمس محمد بن إبراهيم
الزفتاوي، أخت صلاح الدين أحمد الزفتاوي التاجر الكارميّ، صاحب القاعة
الكائنة بمصر تجاه المقياس. ما رأيت شيخنا ترجم واحداً منهما، لا في
(الدرر)) ولا في ((الإنباء)، وإنما استُفيدَ نسَبُ صلاح الدين من مكتوب وقف
قاعته ..
وكان قد تزوج ستَّ الركب شمسُ الدين محمد بن السراج عمر (١) بن
عبد العزيز الخروبي، واستولدها صلاح الدين محمداً وفوز، وأجاز لهما
بعناية خالهما صاحب الترجمة جماعة. ومات صلاح الدين قديماً.
وأما الأخرى، فإنها سافرت إلى الحجاز صُحبةَ زوجها صلاح الدين
ابن صورة، فاختلَّ عقلُها بمكة، واستمرت تهذي في الكلام جداً، لكنّها.
تستحضر أوقات الصلوات والعبادات، فتؤديها أداءً حسناً للغاية. ولاختلال
عقلها، امتنعتُ من الأخذ عنها بعد أن قصدُتها في منزلها بمصر، واستمرت.
كذلك حتى ماتت قريب الخمسين، ولم تترك ولداً. وصلى عليها خالها
صاحب الترجمة، رحمة الله عليهم أجمعين ...
وكان لصاحب الترجمة أيضاً أخٌ مِنْ أُمْهِ اسمه عبد الرحمن ابن
الشهاب أحمد بن محمد بن محمد بن عبد المهيمن البكري، كما استفدتُ.
ذلك من ترجمة أحمد المذكور من ((معجم))(٢) صاحب الترجمة، قال: إنَّه.
مهر وحصل مالاً أصله من قبل أمه، وهي والدتي، فقدَّر الله تعالى موته،
فورثه أبوه. وكان الأب داعية لمقالة ابن العربي، فمزّق ذلك مع غيره،
وأرَّخ وفاة الداعية في سنة تسع وثمانمائة ..
ومن أقارب شيخنا أيضاً: ناصر الدين محمد بن حجر، والدُ خاصّ.
التي ذكرها في وصيته هي وولدها جمال الدين. ما علمت الآن شيئاً مِنْ
أخبارهم، وإن بلغني عن خَاصّ وابنها(٣) المذكور ما لا أحبُّ ذكره، لا
(١) ساقطة من (أ).
(٢) ((المجمع المؤسس، ٤٢١/٨.
(٣) في (ط): ((وأبيها))، تحريف.
١١٦٠:

سيما وقد يسِّر الله تعالى وفاتهما. إلا أنَّ لخاص ابنةً هي الآن بقيد الحياة
في قوة، وفقها الله لطاعته وإيانا.
وقد أنشدنا(١) القطب القسطلاني (٢) لنفسه:
ومن غلطٍ جادت(٣) يد الشّوك بالورد
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه
ليظهر صنعُ الله في العكس والطّردِ
وقد يخبثُ الفرعُ الذي طاب أصلُه
وكان والد شيخنا قبل وفاته أوصى بولده صاحب التَّرجمة كبيرَ التَّجار
الزَّكيَّ أبا بكر محمد (٤) بن علي بن أحمد الخرُّوبي، فقام بأمره أحسن قيام،
وكذا أسند وصيته للشيخ شمس الدين ابن القطان لاختصاصه به.
رحمهم الله تعالى أجمعين.
(١) في (ح): أنشد.
(٢) في (ط): ((العسقلاني).
(٣) في (ح): جاءت.
(٤) ساقطة من (ب، ط، ح).
١١٧

الباب الثاني
في صفة مبدأ أمره، ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين
من أخذ عنه دراية. وكذا جملة من شيوخ الرواية، وبيان الأماكن التي
كتب بها الحديث أو العلم من البلاد والقرى، ليعلم أنه عند الصباح
يحمد القوم السُّرى. وختمتُه بأسماء مَنْ عنهم تحمَّل غير مطيل
بتراجمهم، اكتفاء ((بمعجمه))، فعليه المعوّل، معقباً ذلك بأوراقٍ مهمةٍ
من أسانيده بالكتب ونحوها مما هو متداول بين الأئمة، وإن كان هو في
(فهرسته)) قد استوفاها، لأنَّ الهِمَمَ - لقصورها - ترتاحُ للطّريقة التي
سلكناها.