Indexed OCR Text
Pages 361-380
- ٣٦١ - وفرق بين هذا الإجماع المشكوك فى وجوده ، وإجماعهم على أمر منقول، فإن الإجماع الأول يكون قريباً فى حكم العقل، وإن وقع فهو توافر فقل يقدم فى الاستدلال على خبر الآحاد ، لأنه ظنى . ١٥٦ - وقد زكى التفرقة بين نوعى الإجماع من أهل المدينة عند معارضة الخبر ابن القيم فقال : ((من المعلوم أن العمل بعدانقراض عصر الخلفاء الراشدين، والصحابة بالمدينة ، كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء، والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرغبة تخالف هؤلاء ، فإذا أفتى المفتون بأمره نفذه الوالى وعمل به المحتسب وصار عملا، فهذا هو الذى لا يلتفت إليه فى مخالفة السنن ، لا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، والصحابة فذلك هو السنة، فلا يخلط أحدهما بالآخر ، فنحن لهذا أشد تحكمما، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركا وبالله التوفيق ولقد كان ربيعة بن أبى عبد الرحمن يفتى ، وسلمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا، وتنفيذ هذا، كما يظهر العمل فى بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك ، على قوله وفتواه، ولا يحوزون العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتد ذكير هم عليه)) (١) . وإنه ليختم القول فى هذا المقام ببيان أن كل عمل مجمع عليه أساسه النقل لا تخالفه سنة صحيحة قط، وكل عمل أساسه الاجتهاد لا يقدم على سنة قط ، فيقول »: (( فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة (٢). ١٥٧ - قد فصلنا القول فى عمل أهل المدينة عند مالك، وقسمنا ذلك ١ (١) إعلام الموقعين ج ٢ ص ٠٣٠٧ (٢) الكتاب المذكور ص ٠٣٠٨ - ٣٦٢ - العمل وذكرنا مقام ذلك المنزع العلمى فى أصول الاستنباط عند المالكية، وغيرهم ، وبينا كيف اضطر المخالفون أن يوافقوا المالكيين فى بعض ما اختص به أهل المدينة من إجماع يكون أساسه النقل ، وذكرنا أن عمل أهل المدينة إذا كان أساسه الاجتهاد هو موضع الخلاف بين المالكيين أنفسهم ، وأنه محال النظر . ويجب علينا أن نقرر أن مالكا رضى الله عنه عندما كان يحتج بالأمر المجتمع عليه فى بلده ما كان يقتصر على كل الأمور التى لا تعرف إلا بالتوقف، بل كان يذكر ذلك فى أمور للرأى فيها مجال ، ويأخذ بقولهم فيها ، لأنه يبتعد عن الشذوذ ما أمكن، وعبارته فى رسالته إلى الليث تزكى ذلك الإطلاق وهذا التعميم ، كما نوهنا عن ذلك ، وكما رأينا فى رد الليث، والمسائل التى جرى فيها الخلاف بينها ، فقد كانت مسائل فيها مجال ، كما رأيت فى اختلافهم فى الإيلاء، وفيمن ملكت من زوجها طلاق نفسها، ولكن هل كان مالك يقدم اجتماع أهل المدينة على الخبر إذا كان الخبر خبر آحاد ؟ : لقد علمت أنه كان يدرس الأحاديث دراسة ناقد فاحص لستنها، وأنه كان يوازن بينها وبين الأصول العامة والمبادىء المقررة الثابتة التى تضافرت المصادر على إثباتها ، فلعله كان بعد دراسة الأحاديث هذه الدراسة وعلى ضوء ما يراه معمولا به منقولا عن التابعين ، ومن قبلهم عن الصحابة ، يضعف بعض الأخبار ، وإن كان الأساس من أول الأمر رأياً ، ويأخذ به ؛ لأنه كان يكره الأغراب إذ يرى فيه شذوذاً . ١٥٨ - ولا نترك الكلام فى الاحتجاج بعمل أهل المدينة من غير أن نذكر موقف فقيه تلقى ذلك النوع من الفقه على مالك نفسه، بل قد أخذ به فى أول دراساته الفقهية المستقلة ، ثم شدد النكير عليه بعد ذلك ، ألا وهو الإمام الشافعى رضى الله عنه، ولعله أول فقيه اشتد فى نقد ذلك : - ٣٦٣ - المبدأ ، فقد نقده فى مواضع كثيرة من كتبه ، وأشد ما اشتمل عليه من نقد ما جاء فى الرسالة ، وكتاب اختلاف مالك . وقد وجدنا الشافعى فى رده الاحتجاج بعمل أن المدينة عندما كان يناقش بشأنه ، يبنى احتجاجه على أمرين : ( أحدهما) إنكار ذلك الاجتماع ، فإنه لا يسلمه فى المواضع التى تناقش حولها مع المالكيين ، والتى يذكر فيها أنها الأمر المجتمع عليه بالمدينة . (وثانيهما) أنه لا يرى أن الإجماع المبنى على الاجتهاد والاستنباط ترد به أخبار الآحاد. ولننقل لك بعض عباراته لتعلم كيف كان منهاجه فى رد ذلك النوع من الاحتجاج ، فقد قال فى الرسالة : ((لست أقول، ولا أحد من أهل العلم: ( هذا مجتمع عليه) إلا لما لا تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك ، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع وكتحريم الخمر وما أشبه هذا ، وقد أجده يقول المجمع عليه، وأجد من المدينة من أهل العلم من يقولون بخلافه، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول المجمع عليه(١)) . وترى من هذا أنه يذكر أن المسائل التى ادعى فيها إجمال أهل المدينة كان من أهل المدينة من يخالفها، ويقول فى الرد على من قدم إجماع أهل المدينة على خبر الآحاد راداً على من يناقشه . ((قلت للشافعى إنما ذهبنا إلى أن نثبت ما اجتمع عليه أهل المدينة دون البلدان كلها ، فقال الشافعى هذه طريق الذين أبطلوا الأحاديث كلها ، وقالوا نأخذ بالإجماع ، إلا أنهم ادعوا إجماع الناس، وادعيتم أنتم إجماع (١) الرسالة ص ٥٣٤ طبعة الحلبي. - ٣٦٤ - بلد، وهم يختلفون على لسانكم؛ والذى يدخل عليهم يدخل عليكم ؛ للصمت كان أولى بكم من هذا القول ، قلت، ولم؟ قال لأنه كلام ترسلونه ، فإذا سئلثم عنه لم تقفوا منه على شىء ينبغى لأحد أن يقوله ، أرأيتم إذا سئلتم من الذين اجتمعوا بالمدينة ؟ أهم الذين ثبت لهم الحديث ؟ أم ثبت لهم ما اجتمعوا عليه، وإن لم يكن فيه حديث عن رسول اللّه بَّ اليٍ(١)). وقرى من هذا أنه ينكر إجماع أهل المدينة ، ويستنكر تقديم ذلك على خبر الآحاد . وقد ذكرنا فى أول الكلام فى عمل أهل المدينة أنه لا يجد الشافعى أهل المدينة أجمعوا على أمر إلا إذا كان ذلك الأمر موضع إجماع الفقهاء فى كل البلدان . وإنما قال هذه القضية؛ لأنه لم يجد إجماعاً إلا فى أصول الفرائض كالصيام والزكاة والحج وعدد الركعات فى الصلوات ، فهو ينكر إجماع فقهاء مصر ، أو فقهاء الأمصار كلها على أمر غير الإجماع على تلك الأصول، وعلى ذلك إذا وجد إجماع لأهل المدينة ، فإنما يكون فى هذه الأصول، وهى موضع إجماع الجميع ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٦ - القياس ١٥٩ - تصدى مالك رضى الله عنه الافتاء أكثر من خمسين سنة ، وكان يقصد من مشارق الأرض ومغاربها للاستفتاء، وإذا كانت المسائل لا تتناهى، والحوادث تقع كل يوم ، فلابد من فهم النصوص ، وتعرف لمراميها القريبة والبعيدة وإشاراتها وإيماءاتها ، والبواعث لشرعيتها ، ليمكن أن يصل إلى سعة شمولها، فيعرف حكم ما يقع مما يرد فيه فتوى عن الصحابة، (١) الأم = ٧ ص ٢٤٢. - ٣٦٥ - ولا سنة مشهورة ، ولا يشمله عموم ظاهر للنص ، وإن كانت الغاية من النص تومی، إلى حكمه ، والعلة الباعثة تشير إليه ، أو تعرف به." .. لذلك كان القياس أمراً لابد منه لمثل مالك ، وإذا كان الفقه فى أدق معناه هو نفاذ بصيرة الفقيه لتعرف المراد من الألفاظ الدالة على الأحكام، فمعرفة عللها ، وتعرف غاياتها ، هو من هذا الباب ، فالفقيه لابد أن يقيس، إذ لابد أن يعرف علة الحكم ليعرف كمال المراد من الشرع، وإذا عرفت العلة ثبت الحكم فى كل ما تثبت فيه ، لأن التماثل بين الأمور يوجب التماثل فى أحكامها ، والقساوى بين الأشياء ذوات الخصائص الواحدة يوجب القساوى فيما تحمل من أحكام . والقياس فى الفقه الإسلامى هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه ، لملة جامعة بينهما مشتركة فيهما ، فهو إذن من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذی یو جب التماثل فى أحكامها، لأن قضية التساوى فى العلة أوجدت التماثل فى الحكم ، فكان لابد من التساوى فيه . ١٦٠ - إن القياس على ذلك النحو مشتق من أمر فطرى تقره بدائه العقول، لأن أساسه ربط ما بين الأشياء بالمماثلة إن توافرت أسبابها، ووجدت الصفات المتحدة المكونة لها ، وإذا تم التماثل فلابد أن يقترن به لا محالة التساوى فى الحكم على قدر ما توجيه المماثلة ، وإن الاستدلال العقلى فى كل ما تنتجه براهين المنطق قائم على ربط المماثلة بين الأمور، ليتوافر الشرط فى إنتاج المقدمات لنتائجها ، وإن هذه المماثلة لا تنتج نتائجها المقررة الثابتة إلا بالاعتماد على البديهة المقررة الثابتة ، وهى أن التمائل فى الحقيقة يوجب التساوى فى الحكم. ولقد وجدنا القرآن الكريم يستعمل قانون التساوى فى الأحكام لتشابه الصفات والأفعال فى كل تشبهاته، وإرشاداته، فيقول جلت قدرته: « أفل يسيروا فى الأرض، - - ٣٦٦ - فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها»، ويبين افتراق الأحكام عند عدم التساوى فى قوله تعالى: ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم وماتهم، ساء ما يحكمون)) ، وقوله تعالى ((أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار )). وترى أن القرآن الكريم يطبق قانون القساوى العقلى أكمل تطبيق، فيثبت الحكم عند التماثل، وينفيه عند التخالف ، ولقد تضافرت الأخبار عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالأخذ بهذا القانون المحكم، وإرشاد الصحابة إليه، يروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له بي ليه : ((صنعت يا رسول الله أمراً عظيما، قبلت وأنا صائم ، فقال له رسول الله سَ اله، أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم ، فقلت: لا بأس، فقال رسول اله مَ له: فصم)، أترى رسول اللّه صَّ الله ربط بين المضمضة بالماء فى الصيام ، والقبلة فيه ، و نبه إلى المماثلة بينهما من حيث إن کلیهما قد يؤدى إلى أمر مفطر، وربما لا يؤدى ، فليس فيه بذاته إفطار ، والإفطار فيما يحتمل أن يؤديا إليه وبالمماثلة بينهما يتساويان فى الحكم ، فإذا كانت المضمضة لا تفطر ، وكان ذلك معلوماً لعمر ، فكذلك القبلة لا تفطر ، وذلك ما أعلمه به الهادى محمد عدّ اللّهم بتطبيق قانون التساوى. ولقد تضافرت الأخبار عن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فى تطبيق ذلك المبدأ العادل فى استخراج الأحكام التى لم يجدوا عليها ظاهراً ، فيحملونها على بعض النصوص الحكم بالتساوى فى الحكم بين الأشياء المتماثلة . ورحم الله المزنى، صاحب الشافعى، فقد لخص الفكرة فى القياس وعمل الصحابة فيه أبلغ تلخيص فقال : - ٣٦٧ - «الفقهاء من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا استعملوا المقاييس فى جميع الأحكام فى أمر دينهم وأجمعوا على أن نظير الحق حق ، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس ، لأنه التشبيه بالأمور، والتمثيل عليها ،. ١٦١ - كان مالك الفقيه يسلك ذلك السبيل ، ويأخذ بالتساوى بين الأشياء فى الحكم عند تماثلها، ووجود العلة ، وقد أجمع المالكيون لذلك على أنه كان يأخذ بالقياس ، وقد رأيناه يقيس بعض المسائل التى تقع على مسائل قد علم فيها أقضية الصحابة ، فوجدناه يقيس حال زوجة المفقود ، إذا حكم بموته فاعتدت عدة الوفاة وتزوجت بغيره ، ثم ظهر حياً، بحال من طلقها زوجها ، وأعلمها بالطلاق ، ثم راجعها ، ولم تعلم بالرجعة، فتزوجت بعد انتهاء العدة، وذلك لأن عمر رضى الله عنه أفتى فى هذه بأنها لزوجها الثانى دخل بها أو لم يدخل، فقاس مالك امرأة المفقود، وقال إنها للزوج الثانى، دخل أو لم يدخل (١)، ولا شك أن هذا قياس، أساسه المماثلة بين الحالين اللتين ربط بينهما بها وإن كان قد ذكر مع ذلك اجتماع أهل المدينة فقد بين بهذا أن الاجتماع أساسه هذا القياس ، وأساس التمائل أن كلتيهما قد تزوجت بحسن نية ؛ على أساس علم شرعى ، ثبت من طريق شرعى ولكن تبين بعد ذلك خطؤه وما كان لها من سبيل تعرف به الخطأ قبل ظهوره فزوجة المفقود تزوجت على أساس الحكم الشرعى ، والمطلقة تزوجت على أساس الطلاق ، وانتهاء العدة ، وما كان لزوجة المفقود سبيل لمعرفة الحياة ، ولا للمطلقة سبيل لمعرفة الرجعية ، فالحالان (١) الموطأ ج ٣ ص ٥٧ وفى المدونة أن مالكا قال غير هذا القول وما فى المدونة هو المشهور، وخلاصته أن الأول أولى بها إن لم يدخل بها الثانى أو دخل و ثبت أنه كان يعلم بحياة زوجها . - ٣٦٨ - متما ثلتان، فلابد أن يكون الحكم متحداً . وأن يكون التساوى فى الحكم نتيجة لهذا التمائل . ١ ١٦٢ - كان مالك رضى الله عنه يقيس على الأحكام المنصوص عليها فى القرآن الكريم ، والأحكام المستمدة من الأحاديث النبوية، وفى الموطأ الكثير من ذلك، فإنك تراه يأتى فى أول الباب بالأحاديث الثابتة عنده فيه ، ثم بعد ذلك يفرح الفروع، ويلحق الأشباه بأشباهها، والأمثال بأمثالها، وكذلك كان يقيس على الأمور التى رأى أنها موضع اجتماع أهل المدينة لأنها عنده سنة، فكان يذكر فى الموطأ الأمر المجتمع عليه، ثم يفرع الفروع أخذاً بمبدأ التساوى فى الأحكام عند وجود التماثل فى الملابسات التى تحيط بالمسائل التى كان يستفتى فيها . وكان يقيس كذلك على فتاوى الصحابة ، كما رأيت فى قياسه زوجة المفقود على ما أثر من فتوى سيدنا عمر فى المطلقة التى بينا حالها آنفاً وزكى بهذا اجتماع أهل المدينة فى نظره . وفى الجملة كان يقيس على الأمور المنصوص على حكمها فى المصادر النقلية أو ما هى فى حكم النقلية عنده، وهى الكتاب والسنة واجتماع أهل المدينة وفتاوى الصحابة . وقد كانت بعض الأقيسة تقوى عنده ، لأنها تعتمد على أصول عامة فقهية تضافرت مصادر الشرع الإسلامى على ثبوتها، وصارت فى حكم المعلوم من الشرع الإسلامى بالضرورة، فكانت هذه الأقيسة ترتفع إلى مقام المعارضة لبعض النصوص الذى يثبت الحكم فيها بطريق ظنى، إما لأن دلالتها ظنية كألفاظ العموم؛ فإن دلالتها عند مالك من قبيل الظاهر الذى يدخل دلالتها الاحتمال، وإما لأن طريق ثبوتها ظنى ، لأنها خبر آحاد، فإن نسبتها إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه أمر ظنى . - ٣٩٩ ~ وقد ذكرنا فيما مضى من القول أنه كان يخصص عام القرآن بذلك النوع من الأقيسة، وكان يقدمه على خبر الآحاد ، ويضعف خبر الآحاد لمعارضته . ١٦٣ - والفقه المالكى لا يقيس فقط على الأحكام المنصوص عليها، حتى يكون حملا على النص مباشرة ، كما ذكر الشافعى فى أصوله ، بل يقيس على المسائل المستنبطة بالقياس ، فإذا تم القياس فى فرع من الفروع ، ووجد فرع آخر قيس عليه ، وقد بين ذلك المعنى ابن رشدٍ فى المقدمات الممهدات فقال : ((إذا علم الحكم فى الفرع صار أصلا، وجاز القياس عليه بعلة أخرى مستنبطة منه ، وإنما سمى فرعاً ما دام متردداً بين الأصلين ، لم يثبت له الحكم بعد ، وكذلك إذا قيس على ذلك الفرع بعد أن ثبت أصلا بثبوت الحكم فیه فرع آخر بعلة مستنبطة منه أيضاً فثبت الحكم فيه ، وصار أصلا وجاز القياس عليه إلى ما لا نهاية له )) . ((وليس كما يقول بعض من يجهل إن المسائل فروع، فلا يصح قياس بعضها على بعض ، وإنما يصح القياس على الكتاب والسنة ، والاجماع وهذا خطأ بين. إذ الكتاب والسنة والإجماع ، هى أصول الشرع ، فالقياس عليها أولا، ولا يصح القياس على ما استنبط منها ، إلا بعد تعذر القياس عليها ، فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا فى السنة ، ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصاً ، ولا وجد فى شىء من ذلك كله علة تجمع بينه وبين النازلة ووجد ذلك فيما استنبط منها، وجب القياس على ذلك(١))). ثم يبين أن ذلك المعنى قد اتفق عليه مالك وأصحابه، فيقول: «واعلم (١) المقدمات ج ١ ص ٠٢٢ ( م ٢٤ - ماك) : - ٣٧٠ ٠ أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه، ولم يختلفوا فيه، على ما يوجد فى كتبهم من قياس المسائل بعضها على بعض، وهو صحيح فى المعنى ، وإن خالف فيه مخالفون ، لأن الكتاب والسنة والإجماع أصل فى الأحكام الشرعية، كما أن علم الضرورة أصل فى العلوم العقلية ، فكما يبنى العلم العقلى على علم الضرورة، أو على ما بنى على علم الضرورة هكذا أبداً من غير حصر بعدد على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب ، ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعية تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، أو على ما يبنى عليه بصحته هكذا أبداً إلى غير نهاية، ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد (١))). × ١٦٤ - وترى من هذا أن ابن رشد يقرر أن مالكا وأصحابه يرون أن القياس لا يكون على الأحكام الثابتة من الأصول الثلاثة فقط : الكتاب، والسنة ، والإجماع ، بل يقيس القانس أيضاً على الفروع الثابتة بالاستنباط ، فيقاس عليها ما يكون مائلا لها فى مجموع أو صافها التى جعلت لها الحكم ، ويصور ذلك تصويراً حسناً يربط به بين الدراسات العقلية ، والدراسات السمعية ، ويعقد بينهما موازنة جامعة، وكما أن المسائل العقلية تعتمد على البدهيات الضرورية التى لا تختلف العقول فى إدراكها ، ثم يبنى عليها من النظريات ما تحتاج العقول فى حله إلى تأمل وتعمق فى النظر والاستقصاء، كما ترى فى الرياضة والهندسة ، تبنى على البدهيات ثم تتكون من مجموعة البدهيات النظريات ، كذلك الدراسات الفقهية : الكتاب والسنة والإجماع ، هى الأصول الضرورية التى لا يختلف الفقهاء فى أنها أصل الفقه الإسلامى ، ثم يقاس على ما ثبت حكمه عن طريقها ما يكون أقرب إليها، ثم يقاس على الأقرب ما هو الأقرب إليه، وهكذا، ويسير الفقه على تقريب المسائل ، والربط بينها ، بإلحاق كل شبيه بشبيهه وهكذا . 1 ٠٠ (١) الكتاب المذكور ص ٢٣. - ٣٧١ - ١٦٥ - وقد يقول قائل إنه لا جدوى فى هذا الكلام ، لأن من يقيس على المسألة التى استنبطت بالقياس ، فإنما يلاحظ العلة التى جمعت بين المنصوص عليه أولا ، وبين المقيس عليه ثانياً ، وما دامت العلة قد لو حظت ، فالقياس إذن هو على الأصل المنصوص على حكمه، لا على الفرع الذی استنبط بالقیاس حكمه . والجواب على ذلك أن الفائدة واضحة ، تبدو من ثلاثة وجوه ؛ أو تظهر ثمراتها فى هذه الوجوه الثلاثة: (أولها) أن مالكا كان يقيس على مسائل قد استنبطها الصحابة ، وأخذوها بالقياس فهو قد اعتبرها أصلا وقاس عليها شبيهها من المسائل ، اعتماداً على فتاوی الصحابة، فهو فی ھذا لميقس حكماً لم ينص عليه ، بل . قد قاس على حكم علم هو أنه قد أخذ بالقياس والاستنباط ، وإن ذلك بلا ريب فيما إذا لم يجد بين يديه نصاً يحمل عليه الفرع الذى بين يديه . ( ثانيها) أن قياس الفرع على أصل علم بالقياس توسيع لباب القياس؛ لأنه فى هذه الحال تتناسى العلة التى ثبت بها القياس الأول ، وتعقد موازنة جديدة بين هذا الفرع ، والآخر الذى اعتبر أصلاً له ، فتتعرف علة الحكم فيه ، وتثبت فى الفرع لاشتراكهما فى هذا الوصف ، نعم إن القضية ستقهى إلى اتحاد العملة الجديدة مع العلة القديمة، ويكون القياس واحداً ، ولكن المجتهد لا يتكلف عناء البحث عن أصل القياس الأول، بل يعتبر الفرع الثابت به أصلا مقرراً يقاس عليه . ( ثالثها ) أن هذا باب يتسع به التخريج فى مذهب المجتهد من المجتهدين؛ لأنه تعتبر الفروع التى استنبطت فيه أصولا يقاس عليها ، وبذلك يقسبع نطاق الفقه، وينمو الاجتهاد فيه والتخريج عليه، ولا تضيق الفتيا ولا تصعب ، بل يكون باب التخريج مفتوحاً، والطريق معبد) .. ٨ ٠١ - ٣٧٢ - ومهما تكن من فائدة لذلك النوع من القياس ، وهو اعتبار الفرع أصلا يقاس عليه ، فهو بكثرته فى الفقه المالكى جعله فروعا جزئية يقاس بعضها على بعضه، ولم تجعل العلة فيه جامعة كلية ، كما هو صنيع الفقه الحنفي ، فإن الفقه الحنفى جعل العلل فيه متعدية شاملة بمثابة قاعدة كلية ، وكل فرع تتحقق فيه يثبت الحكم الذى علل بها، ثم كانت كثرة الفرض والتقدير سبباً فى أن تطبق العلة على أكثر الفروع المتصورة ، فتكون كل الفروع ملحقة بالأصل الأول، ولا يقاس فرع على فرغ، بل يكون الجميع سواء فى استمدادهم من الأصل رأساً، فأفيسة الحنفي كلية، وأفية المالكية على هذا الاعتبار جزئية . ١٦٦ - ولسنا فى هذا المقام فريد أن نبين أقسام القياس، ولا أوصاف العلة ، ولا مسلكها ؛ لأن ذلك موضوعه علم الأصول، وأكثر أصول المالكية فيه تتلاقى مع أصول غيرهم ، فهى متحدة معها، غير مغايرة لها و ایس فی دراستها ما يميز الفقه المالکی ، عن سواء ، ونحن إنما ندرس فى : بحثنا ما يكون مميزاً للفقه المالكى، مشيراً إلى نواحيه التى تميزبها عن غيره، وجعل له كيانا فقهيا مستقلا عن سواه . وإن لنا أن نشير فى هذا المقام إلى أمر جدير بالإشارة ، لأنه يبين ناحية من التفكير المالكى، أو على التحقيق يشير إلى أخص ما امتاز به الفقه المالكى. وهو رعاية المصالح واعتبارها ، فإن الفقه المالكى يمتاز بين أنواع الفقه المختلفة بأنه يغلب عليه مراعاة المصالح. وإذا كان قد اعتبر المصالح المرسلة التى لم يشهد لها شاهد من الشرع بالإلفاء، أو الاعتبار، أصلا مستقلا من أصول الاستنباط، فهو قد لاحظها فى القياس وجعلها سبيلا من سبل بيان العلة وتعرفها، إذ هى من طرق الدلالة على العلة، وسميت بالمناسب . ٦ - ٣٧٣ - وقد قال القرافى فى بيانه ما نصه : ((والمناسب ما تضمن تحصيل مصلحة ، أو دره مفسدة ، فالأول كالغنى علة لوجوب الزكاة ، والثانى كالإسكار علة لتحريم الخمر ، والمناسب ينقسم إلى ما هو فى محل الضرورات، وإلى ما هو فى محل الحاجات ، وإلى ما هو فى محل النّمات ، فيقدم الأول على الثانى ، والثانى على الثالث عند التعارض، فالأول نحو الكليات الخمس ، وهى حفظ النفوس والأديان، والأنساب، والعقول، والأموال، وقيل والأعراض(١)، والثانى تزويج الولى الصغيرة، فإن النكاح غير ضرورى، لكن الحاجة تدعو إليه فى تحصيل الكف. لثلا يفوت، والثالث ما كان حثاً على مكارم الأخلاق كتحريم تناول القاذورات ، وسلب أهلية الشهادات عن الأرقاء، ونحو الكتابات ، ونفقات الأقارب ، وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب ، كقطع الأيدى باليد الواحدة، فإن شرعيته ضرورية صوتاً للأطراف. ومثال اجتماعها كلها فى صنف واحد أن نفقة النفس ضرورية ، والزوجات حاجية، والأقارب تتمة ، واشتراط العدالة فى الشهادة ضرورى صوناً للنفوس والأموال ، وفى الإمامة(٣) على الخلاف حاجية ؛ لأنها شفاعة، والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع، وفى النكاح تتمة؛ لأن الولى قريب يزعه طبعه عن الوقوع فى العار ، والسعى فى الإضرار ، وقيل حاجية على الخلاف ، ولا تشترط فى الإقرار لقوة الوازع الطبيعى . ودفع المشقة عن النفوس مصلحة ، ولو أدت إلى خلاف القواعد ، وهى ضرورية مؤثرة فى الترخص ، كالبلد الذى يتعذر فيه العدول ، قال (١) بعضهم يذكر الأعراض بدل الأديان، وقد حكى الغزالى إجماع الملل على اعتبارها ، وأنه لم تبح النفوس ، ولا شىء منها فى ملة من الملل ، (٢) المراد من الإمامة هى الإمامة في الصلاة . 1 - ٣٧٤ - ابن زيد فى النوادر تقبل شهادة أمثلهم حالا، لأنها ضرورة، وكذلك يلزم فى القضاة وولاة الأمور، وحاجية على الخلاف فى الأوصياء))(١). ١٦٧ - نقلنا هذا الكلام مع طوله لنعرف كيف اعتبر مالك المناسب دالا على علة القياس ، كما يذكر كتاب الأصول من المالكية ، وكيف خاضوا فى تطبيق ذلك الدليل ، وتوسعوا فيه ، وضبطوا كثيراً من فروع فقههم على مقتضاه ، ولذلك ذكر ما فيه خلاف فى الفروع ، الخلاف فيه فى الأصول ، فالعدالة فى الولى فى النكاح اختلف الفقه المالكى فى اشتراطها، وإذا كان الولى فاسقاً أتسقط ولايته أم لا تسقط؟)، قولان فى مذهب مالك ، والمشهور عدم سلبها اكتفاء بالوازع الطبيعى عن العدالة)) (٢). وفى الوقت الذى جعلت العدالة فى الولى فى النكاح من التحسينيات ، والراجح أنها غير شرط على الإطلاق ، قالوا إنها فى الأوصياء من الحاجيات ، فهى شرط، وقد بين ذلك القرافى فقال: (( إن الناس قد يحتاجون إلى أن يوصوا لغيرهم العدول ، وفيه خلاف فى مذهب مالك ، فيشترط فيه أن يكون مستور الحال ، وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية ، والولاية لابد فيها من العدالة ، فقد خالفنا القواعد فى عدم اشتراط العدالة فى الأوصياء دفعاً للمشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان وبین من يريد أن یعتمد عليه ،(٣) . وترى من هذا أنهم يفهمون القياس على أساس المذهب المالكى الذى يجعل المصالح أصلا قائماً بذاته، وإنه ليتضح ذلك من أنهم يقررون أن القياس الفقهى إن عارضته المصلحة أخذ بها ، فإذا كان مقتضى القياس أن تكون العدالة شرطاً ، وكان الناس فى بلد ليس فيه من ينطبق عليه شرط العدالة ، (١) القرافى ص ١٦٩. (٢) القرافى ص ١٧٠ ٠ (٣) الكتاب المذكور . - ٣٧٥ - ترخص فى قبول شهادة أمثلهم ، ويظهر أنه مثل ذلك إذا كانت الحادثة لم يشاهدها إلا من ينطبق عليهم شرط العدالة ، فإنه يترخص أيضاً فى قبول شهادة الأمثل من المعاينين . ومثل ذلك قالوا فى ولاية الأمر ، قبلوا أن يكون ولى الأمر غير عدل مع أن الأساس أن يكون عدلا ، إن وجد ما يوجب ذلك الترخص من خشية مضار مفسدة بالانتفاض عليه ، أو لم يوجد أعدل منه ، ونحو ذلك. ١٧٣ - هذا أمر سقناه لتعلم أن فقهاء المذهب المالكى يأخذون بالقياس ، ولكنهم يخضعونه فى علله لمنطقهم الفقهى وهو جلب المصلحة ودفع المضرة ، ثم إذا استقامت الأقيسة لا يجعلونها تضطرد إذا وجد فى اضطرادها ما يمنع مصلحة ، أو يجلب مضرة ، بل يترخصون فى القواعد العامة ، ويتركونها لأجل المصالح الجزئية وهذا من الاستحسان . ٧ - الاستحسان ١٧٤ - تضافرت المصادر التى تثبت أن مالكا رضى الله عنه كان يأخذ بالاستحسان ، فالقرافى يذكر أنه كان يفتى على مقتضى الاستحسان أحياناً، ويقول فيه: ((قال به مالك رحمه اللّه فى عدة مسائل فى تضمين الصناع المؤثرين فى الأعيان بصنعتهم، وتضمين الحمالين للطعام والأدام دون غيرهم)، (١) . وجاء فى حاشية البنانى فى باب الاستحقاق أن ابن القاسم روى عن مالك أنه قال: ((الاستحسان تسعة أعشار العلم))، وينقل الشاطبى فى الموافقات عن أصبغ أنه قال، « سمعت ابن القاسم يقول، ويروى عنمالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان، (٣). (١) تنقيح الفصول ص ٢٠٣. (٢) الموافقات ج ٤ ص ١١٨. : - ٣٧٩ - والأحكام التى كان الاستحسان عماد الأخذبها ، أو كان أداة الترجيح بين الأدلة فيها، كثيرة فى المذهب المالكى ، كما جاء فى موافقات الشاطبى . فمنها القرض ، فإنه فى الأصل ربا، لأنه مبادلة الدرهم بالدرهم إلى أجل ، ولكنه أبيح استحساناً ؛ لما فيه من الرفق والتوسعة بين الناس ، بحيث لو بقى على أصل المنع لكانوا فى حرج شديد. ومنها الاطلاع على عورات الناس فى التداوى ، فإن القاعدة العامة فى العورات تحريم رؤيتها ، ولكن استحسنت لدفع الضرر . ومنها المزارعة، والمساقاة ، فإن القاعدة العامة توجب منع عقودهما، لجهالة البدل فيهما ، ولكن استحسنت استحساناً. ومنها عدم اعتبار الربا فى المقادير القليلة لتفاهتها ، فأجيز التفاضل القليل فى المراطلة الكثيرة . ومنها ما ذكرناه آنفاً عدم اشتراط العدالة فى الشهود ، إذا كان القاضى فى بلد يندر فيه الشهود العدل ، وكذلك إجازة الإيصاء إلى غير العدل ، دفعاً للمشقة كما بينا فى موضعه من القياس ، وهكذا . ١٧٥ - من هذه الفروع وغیرها یتبین أن مالکا رضى الله عنه كان يأخذ بالاستحسان، ولكن ما حقيقة الاستحسان ، وما المواضع التى كان. يجيز أن يأخذ به فيها ، ويعتمد عليه فى بناء الأحكام . يظهر من استقراء المسائل التى كانت الأحكام فيها مبنية على الاستحسان أمران: (أحدهما ) أن الاستحسان كان يفتى به فى المسائل لا على أنه القاعدة ، بل على أنه استثناء منها ، أو على حد التعبير المالكى ترخص من القاعدة، فهو حكم جزئى فى مقابل أصل كلى ، كما رأيت فى الإفتاء بقبول شهادة الشاهد غير العدل فى البلد الذى لا يوجد به عدول ، وكإجازة القرض دفعاً للحرج والمشقة، ففى هذه المسائل وأشباهها كان الاستحسان ترخصاً : - ٢٧٧ - . من قاعدة عامة ، أدى اطرادها إلى وقوع ضرر ، فكان الاستحسان دفعه . ( ثانيهما) أنه أكثرما يكون الاستحسان عندما يكون موجب القياس مؤدياً إلى حرج، فالاستحسان فى المذهب المالكى كما هو فى المذهب الحنفى مقابل للقياس وإن كانت طرائق المذهبين فيه مختلفة ، وكل يسير وراء منطقه الفقهى، ولأن الاستحسان فى المذهب المالكى كان لدفع الحرج الناشىء من اطراد القياس قال أصبغ الذى أكثر من الاستحسان: ((إن المغرق فى القياس يكاد يفارق السنة ، وإن الاستحسان عماد العلم، (١) . ويقول الشاطى فى الاستحسان: ((مقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس ، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه ، وإنما يرجع إلى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التى يقتضى الناس فيها أمراً، إلا أن ذلك الأمر يؤدى إلى فوات مصلحة من جهة أخرى ، أو جلب مفسدة كذلك، و کثیراً ما يتفق فى الأصل الضرورى مع الحاجى، والحاجى مع التكميلى ، فيكون إجراء القياس مطلقاً فى الضرورى يؤدى إلى الحرج والمشقة فى بعض موارده(٢) فيستثنى موضع الحرج، وكذلك فى الحاجى مع التكميلى (٣) أو الضرورى مع التكميلى ، وهو ظاهر ، (٤). ولقد قال ابن رشد: ((الاستحسان الذی یکثر سماعه ، حتى يكون أغلب من القياس - هو أن يكون طرد القياس يؤدى إلى غلو فى الحكم (١) الموافقات للشاطي = ٤ ص ٠١١٨ (٢) كما رأيت فى اشتراط العدالة فإن ذلك الأصل دفعت إليه ضرورة المحافظة على الأنفس ، فتعميمه فى بلد لاعدل فیه یؤدی إلی مشقة ، فرخص فی ترکه . (٣) كاشتراط العدالة فى الولاية فهو حاجی ، وتعميمه فى الأوصياء يؤدى إلى الحرج . (٤) الموافقات ج ٤ ص ٠١١٦ - ٣٧٨ - ومبالغة فيه، فيعدل عنه فى بعض المواضع لمعنى يؤثر فى الحكم، فيختص به ذلك الموضع». : ومن الأمثلة الواضحة فى الاستحسان الذى كان اطراد الضوابط الفقهية مؤدياً إلى غلو فى الحكم لولاه، المسألة المشتركة فى الفرائض وهى المسألة التى يأخذ فيها الإخوة الأشقاء ميرائهم بالتعصيب، ولا يبقى لهم شىء يأخذونه بهذا الوجه ويأخذ الإخوة لأم ومثال ذلك متوفى يموت عن زوج وأم وأخوين لأم ، وأخوين شقيقين ، فإن تطبيق القياس على هذه المسألة يوجب أن يكون للزوج النصف، والأم السدس والأخوين للأم الثلث ولا شىء للشقيقين مع أنهما من أولاد الأم يدليان إلى المتوفى بالأم ، فكان غريباً ألا يأخذوا شيئاً، وأولاد الأم يستبدون بالثلث ، لذلك أشركهم عمر معهم فى الثلث باعتبارهم أولاد أم ، فكان ذلك استحساناً حسناً منه رضى الله عنه، وبذلك سن سنة الاستحسان المقيم للعدالة الدافع للحرج . ١٧٦ - ولقد قال الحنفية، كما قال المالكية، إن الاستحسان يؤخذ به إذا قبح القياس ، أو إذا كان اطراد القياس يؤدى إلى غلو فى الحكم على حد تعبير ابن رشد، فكان أبو حنيفة يقيس، حتى إذا قبح لقياس استحسن كما أثر عنه ، ولقد كان إذا قاس نازعه أصحابه المقاييس ، فإذا قال استحسن لم يلحق به أحد كما قال عنه تلميذه محمد بن الحسن . ولكن هل حقيقة الاستحسان عند المالكية والحنفية متحدة ، أو بعبارة أدق منحى الاستحسان متحد عند المالكية والحنفية ؟ قبل أن ننقل لك عبارات الحنفية والمالكية فى الاستحسان نقرر لك ما يبدو لنا من الاستحسان فى المذهبين فالذى يبدو لنا من تتبع الاستحسان فى الفقه المالكى هو أنه كان يعالج غلو القياس فيه بالرجوع إلى ثلاثة أمور: (١) بالعرف الغالب (٢) وبالمصلحة الراجحة (٣) وبدفع الحرج والمشقة. وملاحظة الضرورات الملجثة. . - ٣٧٩ - والمذهب الحنفى كان يدفع غلو القياس بملاحظة علة أخرى تخالف العلة الظاهرة فى القياس المطرد ، فالاستحسان فى بعض نواحيه عندهم معارضة بين قياسين أحدهما علته خفية قوية التأثير ، وهو ماسمى بالاستحسان ، والآخر علته ظاهرة ضعيفة التأثير . وسمى المذهب الحنفى معارضة خبر الآحاد والأخذ به فى مقابل قاعدة عامة أنتجها القياس استحساناً كما سمى الأخذ بالإجماع فى مقابل القواعد استحساناً أيضاً . وقد منع القياس، للضرورة، والعرف، كما قال الماليكية، وسماه استحساناً. فالمذهبان إذن بتلاقيان فى اعتبار المشقة والعرف الغالب موجبين للاستحسان فى مقابل القياس ، ويفترقان فى أن أبا حنيفة جعل من فروع الاستحسان الأخذ بالإجماع ، وخبر الآحاد فى مقابل القياس ، ويظهر أن المالكية لا يسمون ذلك استحساناً . كما يفترقان فى أن المالكية يأخذون بالمصلحة الجزئية فى مقابل القياس الكلى، كما لو اشترى شخص سلعة على أنه بالخيار ، ثم مات، فاختلف ورثته فى الإمضاء والرد ، قال أشهب القياس الفسخ، ولكنا نستحسن إذا قبل البعض الممضى فصيب الراد ، إذا امتنع البائع من قبوله ، أن نمضيه (١))). وترى من هذا أن القياس منع أطراده لمصلحة جزئية، وذلك لم يكن فى فروع الحنفية . ١٧٧ - ذكرنا فيما مضى من القول النقول التى نقلت عن مالك فى أخذه بالاستحسان ، وبعض الفروع المدونة فى فقهه التى كان عمادها الاستحسان وكلام بعض العلماء فى المذهب المالكى، فى منحى الاستحسان فيه . والآن نريد أن نعرف مداه فى ذلك المذهب ، واختلاف العلماء فى (١) هامش الموافقات ج ٤ ص ١٠٦ طبع التجارية. - ٣٨٠ - حقيقته عندهم ، ولنبدأ بذكر تعريفاتهم له فإنه يتبين منها مداه عندهم ، ونطاق استعماله وسنوازن بين هذه التعريفات على ضوء المعانى التى ذكرنا آنفاً على أنها أمور متفق عليها فى ذلك المذهب . يعرفه ابن العربى فى أحكام القرآن ، فيقول : «الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين)). وهذا التعريف يقرب المذهبين فى حقيقة الاستحسان، أو يوحدهما، وقد بينا فى توجيهه أنهما وإن قالا إن الاستحسان أصل من أصول الاستنباط ، قد افترقا فى توجيهه ، افتراقهم فى بعض الأصول عندهم فسمى الحنفية الأخذ بالحديث فى مقابل القياس المطرد العلة استحساناً ، وسموا إيثار الأخذ بالإجماع على القياس استحساناً، ولم يسلك المالكية ذلك المسلك ، أو على التحقيق لم يسموا ذلك استحساناً . ولقد ذكر ابن العربى تعريفاً آخر فقال: «الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته ، وقسمه أقساماً أربعة ، هى ترك الدليل للعرف وتركه للاجماع ، وتركه للمصلحة ، وتركه للتيسير ، ورفع المشقة وإيثار التوسعة ، (١) . ولكن ابن الانبارى لا يرى أن الاستحسان فى المذهب المالكى له ذلك العموم الذى يذكره ابن العربى، ويتقارب به مع الحنفية ، ويظهرأنه يرى أن ترك القياس للاجماع أو للعرف، إنما هو إيثار الأخذ بدليل على دليل، أما الاستحسان فليس إلا منعاً لغلو القياس، وأن يؤدى طرد القياس إلى ظلم أو أمر غير مستحسن فى ذاته ، أو ضيق وحرج ، فيترك القياس فى جزئية معينة، لا فى كل الأحوال، ولذلك علق على تعريف ابن العربى (١) الاعتصام جـ ٢ ص ٠٣٢١،٣٢٠