Indexed OCR Text

Pages 341-360

- ٣٤١ -
(جـ) ومن ذلك أنه أخذ بقول القاسم بن محمد أبى بكر فى كراهة الإسقاط
من الثمن فى نظير تعجيله ، وزيادته فى نظير تأجيله ، فقد جاء فى الموطأ :
(«مالك بلغه أن القاسم بن محمد سئل عن رجل اشترى سلعة بعشرة دنانير
نقد، أو بخمسة عشر ديناراً إلى أجل، فكره ذلك، ونهى عنه(١)) .
١٣٥ - ومن هذا ترى أن مالكا كان يأخذ بأقوال بعض التابعين ،
ويجب مع ذلك التنبيه إلى أمرين:
- (أحدهما) أنه كان يوازن بين قولهم، وما ورد من السنة المشهورة،
والكتاب الكريم بظاهره ونصه ، وما علم من الأصول العامة للشرع
الإسلامى، وما اشتهر من أقيسة سليمة مقررة ثابتة، وما عليه عمل أهل
المدينة ، وما جرى عليه الناس ؛ وفى الجملة يدرس ما وصلوا إليه مع كل
ما لديه من أصول ، فإن لم يجد معارضاً لقولهم، واستأنس به قاله ونسبه
إليهم. وفى الحق إن صنيع مالك رضى الله عنه فى فقهه كان على ذلك
المنهج ، لا يأخذ فى المسألة بأصل واحد ، يعتمد عليه ، بل يجمع بين
الأصول عند دراسة كل مسألة ، فإذا كان فى المسألة آية كريمة تدل بظاهرها
على حكم دراستها على أساس ذلك الظاهر مضافاً إليه السنة المحكمة المشهورة،
وعمل أهل المدينة ، والأصول العامة ، وانتهى من هذا كله إلى الأخذ
بالظاهر . أو تخصيصه بمشهور السنة ، أو عمل أهل المدينة أو الأصول
العامة ؛ فهو يدرس المسائل ولو كان فيها نص مطبقاً عليها كل ما بين يديه
من مصادر الاستنباط، فإذا كان فيها خبر آحاد درسها على ذلك النهج الجامع
بين الأصول العامة للاستنباط ، فإذا انتهى إلى حكم جامع أخذ به ، وهذه
النظرة هى التى امتاز بها، وخالفه فيها تلميذه الشافعى، فالخبر عند الشافعى،
ولو كان خبر آحاد ، أو خبر خاصة - كما كان يعبر عنه - يأخذ به ،
(١) الموطأ = ٣ ص ٠١٣١
:

- ٣٤٢ -
ويخصص ظاهر القرآن، ويرد القياس، أما مالك فيوازن ويرجح، فالشافعى
يأخذ بالدليل السنى منفرداً . ومالك يأخذ به مقارناً دارساً فاحصاً ،
ولو کان هو راوی الخبر ، وقد دو نه فى موطنه .
(الأمر الثانى ) أنه لم يعتبر أفوال التابعى، بوصف كونه تابعاً ، من
السنة، كأقوال الصحابة الذين لازموا رسول اللّه مستقب ليه واعتبارها من
السنة بوصف كونهم صحابة لازموا الرسول وشاهدوا مواقع التنزيل.
وأدواره، وأدركوا مراميه ، ولم يأخذ بعض أقوالهم أى التابعين تقليداً
واتباعاً، بل لأنه فى دراسته انتهى إلى موافقتها، ولم يجد ما ينقضها،
ولأولئك التابعين مقام الشيوخ الذين تخرج على فقههم ، فأخذ بأقوالهم
لأنه لم يجد ما يبطلها ، وتأدى اجتهاده إلى مايوافقها ، فارتضاها
ونسبها إليهم .
١٣٦ - وقبل أن ننتهى من هذا المقام نوازن بين مالك وأبى حنيفة
رضى الله عنهما من جهة الأخذ بقول التابعى. لقد أثر عن أبى حنيفة أنه
كان يقول عن إبراهيم ، والحسن ، وابن سيرين ، وغيرهم من التابعين
إنهم اجتهدوا فله أن يجتهد کما اجتهدوا ، وإنهم رجال وهو من رجال ،
وأنه لهذا لا يعتبر قولهم حجة يجب الأخذ بها ، وأمراً معتبراً يجب اتباعه،
ولكن مع ذلك القول الذى جاهر به ، وأعلن به استقلاله الفقهى، وبعده
عن تقليد من لا يعتبر تقليده أخذاً بالسنة ، نراه فى كتاب الآثار يعلن
اختياره لآراء كثيرة قد قالها إبراهيم النخعى ، كما أخذ مالك بأقوال لسعيد
ابن المسيب ، وزيد بن أسلم ، والقاسم بن محمد ، وعمر بن عبد العزيز،
وغيرهم من كبار التابعين الذين كان فقههم مشهوراً بالمدينة .
والحق أن الدراسة العميقة لكتب الآثار لهذين الإمامين الجليلين ،
تنتهى بنا إلى اتفاق منهجهما فى هذه القضية .

- ٢٤٣ -
لقد أخذ أبو حنيفة بفتاوى كثيرة عن إبراهيم، حتى لقد تهجم على
فقهه بعض الكتاب، وزعموا أنه فقه إبراهيم، وأنه لم يتجاوز مرتبة من
يخرج عليه لكثرة ما أخذ واختار من أقوال إبراهيم، وغيره من فقهاء
التابعين بالكوفة ، وقد بينا عند دراسة أبى حنيفة بطلان ذلك القول ، مع
التسليم بأنه اختار كثيراً من آراء إبراهيم، لتوافق الرأى ، لا الاتباع
والتقليد .
وإن الدراسة الصحيحة النشأة هذين الإمامين تنتهى إلى توافق منهجهما
بالنسبة للتابعين ، وإن اختلفت عندهما أشخاصهم ، فأبو حنيفة تثقف فى
نشأته الفقهيه على حماد ، وحماد كان راوى فقه إبراهيم، فهو فى الفقه تثقف فى
دراسته الفقهية بفقه إبراهيم ثم توسع فى دراسته واجتهاده ، وخصوصاً
بعد أن جلس مجلس حماد بعدموته ، ومكث شيخاً يبحث ويحتهد نحو ثلاثين
سنة، فكان من المنطق المستقيم أن يرتضى كثيراً من آراء إبراهيم ارتضاء
المستقبل ، لا تقليد المتبع .
ومالك كذلك تثقف فى نشأته الفقهية على الفقهاء الذين تلقوا فقه
الفقهاء السبعة وغيرهم ، وكانت تلك الدراسة هى المادة الفقهية التى تخرج
عليها ، فكان من ارتباط الأمور بأسبابها أن يكون لآراء الفقهاء السبعة
مكان من الاعتبار والتقدير عنده ، يخالفها أو يوافقها ، وإن وافقها فعن
دراسة ، مقابلة الأصول بعضها ببعض ، وإن خالفها فلمعارضة ماهو أقوى
منها، وأقوم قيلا، وبذلك ترى اتحاد المنهج ، واتحاد السبب عند الإمامين ،
وإن اختلف التابعون الذين أخذ كل واحد منهما عنهم .
٤ - الإجماع
١٣٧ - اعل . الكا رضى الله عنه أكثر الأئمة الأربعة ذكراً
للاجماع واحتجاجاً به ، فإنك تفتح الموطأ فتجده فى مواضع كثيرة يذكر
:

- ٣٤٤ -
الحكم فى القضية على أنه الأمر المجتمع عليه، ويعتبر ذلك سنداً يسوغ له
أن يفتى به ، ولنضرب لذلك بعض الأمثال :
(١) جاء فى الموطأ فى ميراث الإخوة لأب قوله: (( قال مالك الأمر
المجتمع عليه عندنا أن ميراث الإخوة للأب إذا لم يكن معهم أحد من
بنى الأب والأم كمنزلة الإخوة للأب والأم سواء ، ذكرم كذكرم ،
وأنتام كأنتام ، لا يشركون مع بنى الأم فى الفريضة التى شركهم فيها
بنو الأب والأم؛ لأنهم خرجوا من ولادة الأم التى جمعت أولئك،(٢)
ثم بفروع الفروع على هذا الإجماع .
(ب) ومنها ما جاء فى ميراث الإخوة لأم ، فقد جاء فيه: ((قال مالك
الأمر المجتمع عليه عندنا أن الإخوة للأم لا یر تون مع الولد ، ولا مع ولد
الإبن ، ذكراناً كانوا أو إناثاً ، ولا يرثون مع الآب ولا مع الجد أبى
الأب شيئاً ، وأنهم يرئون فيما سوى ذلك ، يفرض للواحد منهم السدس
ذکراً كان أو أنثى، فإن کانا اثنین فلكل واحد منهما السدس ، فإن كانوا
أكثر من ذلك ، فهم شركاء يقتسمونه بينهم بالسواء، للذكر مثل حظ
الأنثین » .
(جـ) ومنها ما جاء فى الموطأ فى حكم البيع مع اشتراط البراءة من كل
العيوب ففيه: ((والأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبداً، أو وليدة ،
أو حيواناً بالبراءة ... فقد برىء من كل عيب فيما باع، إلا أن يكون علم
(١) الموطأ شرح الزرقانى ج ٢ ص ٣٦٧، والفرق الذى ذكره هو مايسمى
بالمسألة المشتركة، وهى عندما تكون وراثة الإخوة الأشقاء بالتعصيب لاتعطيهم
شيئاً ، وأولاد الأم يأخذون الثلث . فإنهم يشركونهم باعتبارهم أولاد أم ،
ولا كذلك الإخوة لأب كما ذكر مالك وتسمى المسألة المشتركة . انظر صورتها
فى بحث الاستحسان .

- ٣٤٥-
فى ذلك عيباً فكتمه، فإن كان على عيباً فكتمه لم ينفعه تبرئته ، وكان
ما باع مردوداً عليه(١)».
(د) وجاء فيه فى بيع اللحم باللحم وأن ربا الفضل يكون فيه :
((( قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا فى لحم الإبل والبقر والغنم ، وما أشبه
ذلك من الوحوش أنه لا يشتری بعضه ببعض إلا مثلا بمثلا وزنا بوزن ،
يداً بيد، ولا بأس به، إن لم يوزن ، إذا تحرى أن يكون مثلا بمثل ، يدا
بيد ، ولا بأس بلحم الحيتان بلحم البقر، والإبل، والغنم وما أشبه ذلك
من الوحوش، كلها اثنين بواحد، أو أكثر من يداً بيد ، فإن دخل الأجل،
فلا خير فيه(٢) ) .
١٣٨ - وفى هذا كله ترى مالكا يحتج بالإجماع، ويقول المجتمع عليه
عندنا، ولنتجه إلى المنقول عنه نتعرض منه تفسير كلمة المجتمع عليه ،
ولقد وجدنا ذلك النقل فقد جاء فيما نقلناه آنفاً عند الكلام فى الموطأ ،
فقد قال: ((وما كان فيه الأمر المجتمع عليه ، فهو ما اجتمع عليه قول أهل
الفقه والعلم لم يختلفوا فيه (٣)).
هذا هو تعريف الإجماع فى نظر مالك ، وهو تعريف شارح مبين
لمراده كاشف له، وهو يتلاقى مع تعريف علماء الأصول له فى الجملة ، فقد
عرفه القرافى فى شرح تنقيح الفصول ، فقال ما نصه:
(«هو اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة فى أمر من الأمور ، ونعنى
بالاتفاق الاشتراك إما فى القول ، أو الفعل ، أو الاعتقاد ، وبأهل الحل
والعقد المجتهدين فى الأحكام الشرعية (٤)).
(١) الموطأ شرح الزرقانى = ٣ ص ٨.
(٢) الموطأ شرح الزرقانى ج ٣ ص ٠١٣٨
(٣) المدارك ص ٠٣٤
(٤) شرح التنقيح ص ٠١٤٠

- ٣٤٦ -
على أن تعريف المجتهدين المكونين للاجماع فيه بحث عند مالك سنبينه.
١٣٩ - هذا هو الإجماع الذى كان يحتج به مالك رضى الله عنه،
وترى الاحتجاج به كثيراً فى كتاب الموطأ فى المسائل التى لا يعتمد فيها
على النص ، أو يحتاج النص عنده فيها إلى تفسير ، أو تكون الآية دلالتها
من قبيل الظاهر الذى يقبل الاحتمال والتخصيص .
وكلام علماء الأصول فى الإجماع كثير مفصل ، ولا نريد أن ننقله
هنا ، فلذلك موضعه فى هذا العلم، وإنما نذكر هنا ماله صلة بفقه مالك ،
وما كان يأخذ به من أنواع الإجماع المختلفة ، ومقام الإجماع عنده فى
الاحتجاج ، ومراتبه، وما يعتمد عليه عنده، وفى الجملة نتكلم من الإجماع
فيما يكون ذا صلة وثيقة بموضوعنا، وهو فقه مالك ، فتأخذ منه ما يكشف
عن منهاج له أو يشير إلى رأى فى بعض توجيهاته ، أو يكون تعليلا لبعض
الفروع المأثورة عنه، وهكذا نتعرض لما هو من صميم موضوعنا، أو يعاوننا
على توضيحه، وخصوصاً أننا عرضنا لأحكام الإجماع العامة فيما كتبناه
عن أبى حنيفة والشافعي ، فلا فكرره هنا ، ونحيل القارىء عليه ، ونكتفى
منه بما يخص مالكا .
١٤٠ - وقبل أن نتجه إلى نظر مالك نقرر قضية ذكرتها كتب بعض
الأصوليين ، وهى أن الإجماع يقدم على الكتاب والسنة ، فإن هذه القضية
تذكرها بعض كتب الأصول ، وقبل أن نبين وجه بطلانها ، نذكر
تفسيرهم لها ، حتى لا يخطىء الناس فهمها ، وإن كنا لا نرضى عنها على أى
تفسير لها .
ومرادهم أن الإجماع الذى يعتمد على الكتاب أو السنة فى سنده
يكتسب السند به قوة ، بحيث يقدم على غيره من النصوص ، ذلك لأن
الإجماع زكى السند وهو النص، وقواه إلى درجة أنه صار قطعياً لا يجوز

- ٣٤٧ -
إنكار مايشتمل عليه من حكم، وبعضهم يحسب أنه يكون كافراً إن أنكر
حكما قد ثبت بالإجماع المستند إلى النص ؛ ذلك لأن الإجماع على دلالة ذلك
النص على الحكم جعله فى مرتبة الأمر الذى يفهم من الدين بالضرورة؛
والأمر الذى يفهم من الدين بالضرورة يقيد النصوص ويخصصها. وتفسير
الكلام على ذلك الوضع يجعله مستساغاً فى الجملة ، ولا يكون فيه تقديم
مجرد الإجماع على النص ، بل تقديم نص قد أجمع عليه وعلى دلالته على
نص آخر لم يكن له ذلك الشأن .
١٤١ - ومع تخريج الكلام ذلك التخريج، لم يستسغه كثيرون
من العلماء لأن الإجماع على هذا الوضع، لم يكن إلا فى أصول الفرائض
ككون الصلوات خمساً ، وكأوقات الصلاة ، وصيام رمضان ، ووجوب
الزكاة ، وهكذا ، وهى فرائض ثبتت بالنص ، وانعقد الإجماع عليها ،
فصارت النصوص لا تقبل أى احتمال فيها ، والشافعى رضى الله عنه أنكر
دعوى الإجماع إلا فى أصول المسائل(١) وأحمد بن حنبل أنكر وجود
الإجماع إلا إجماع الصحابة .
وإن تعميم القضية قد سوغ لبعض الناس أن يعارض بعض النصوص
بدعواه الإجماع فى مسائل ، كان الإجماع فيها موضع نزاع، أو لم ينعقد
قط فكان فى التعميم تهجم على النصوص ، باستخدامه لتأييد التعصب
المذهبى ؛ بل هذا التعميم جعل بعض من لا يفهم الفقه الإسلامى، ولا أصوله،
ولا عبارات كاتبيه، يحسب أنه فى استطاعة الناس أن يجمعوا على أمر من
الأمور ، فيكون ديناً متعباً ، ولو خالف النصوص ، وهدم الأحكام
المقررة(٢).
(١) راجع كتاب جماع العلم، وبحث الإجماع فيما كتبناه فى كتابنا (الشافعى).
(٢) راجع بحث الإجماع فيما كتبناه فى كتابنا ( أبو حنيفة).

- ٣٤٨ -
ولقد رده أبن القيم فى إعلام الموقعين فقال :
((من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة ،
قال: هذا خلاف الإجماع. وهذا هو الذى أنكره أئمة الإسلام، وعابوا
من كل ناحية على من ارتكبه، وكذبوا من ادعاه، فقال الإمام أحمد فى
رواية ابنه عبد الله: من أدعى الإجماع فهو كاذب ، لعل الناس اختلفوا ،
هذه دعوى بشر المريسى والأصم ، ولكن يقول لا نعلم الناس اختلفوا
أو لم يبلغنا . وقال فى رواية المروزى كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا،
إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم ، لو قال إنى لا أعلم مخالفا . وقال
فى رواية أبى طالب هذا كذب ، ما أعلم أن الناس مجمعون ، ولكن يقول
ما أعلم فيه اختلافا ، فهو أحسن من قوله إجماع الناس وقال فى رواية أبى
الحارث : لا ينبغى لأحد أن يدعى الإجماع ، لعل الناس اختلفوا . ولم
يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة ، والسنة على الإجماع ،
وجعل الإجماع فى المرتبة الثالثة(١))).
وفى الحق إنا لانستسيغ بحال من الأحوال أن يقال إن الإجماع بوصف
كونه إجماعا يقدم على الكتاب أو السنة ، وإن بلغت بعض المسائل المجمع
عليها مبلغ الأمور الضرورية فى الدين ، فذلك لمقام النص المزكى بالإجماع.
عليه، وعلى دلالته، لا للإجماع وحده، وخصوصاً أن بعض الأئمة يجوز
استناد الإجماع إلى الأمارة ، أو القياس ، فإذا قدمنا إجماعا استند إلى قياس؛
فإنما نقدم قياسا على أص ، وذلك غير معقول إلا فى الدوائر التى رسمناها
من قبل .
١٤٢ - وسند الإجماع قد اتفق العلماء على أنه يجوز أن يكون نصا
من الكتاب أو سنة متواترة ، أو ظاهراً من الكتاب، أو خبر آحاد ،
(١) إعلام الموقعين = ٢ ص ٠١٧٩

- ٣٤٩ -
وما يكون ظنياً فى دلالته أو ثبوته إذا كان سنداً للاجماع، وانعقد الإجماع
على الحكم بمقتضاه أصبح الحكم بذلك قطعياً ، وجاءت القطعية من الإجماع
على الحكم المستفاد من النص ، لا من ذات النص ، فكأن النص أفاد الحكم
المجرد، والإجماع أفاد القطعية . ولقد ذكر عن مالك رضى الله عنه أن
الإجماع يصح أن يكون سنده قياسياً(١) فلا يقتصر السند فيه على النص من
كتاب ، أو سنة، وفى هذه الحال يرتفع الحكم المستفاد من القياس من مرتبة
الظن إلى مرتبة القطع، وتلك قد اكتسبها من الإجماع، فهو قد أفاد القطع
عند اعتماده على القياس ، كما أفاده عند اعتماده على خبر الآحاد .
١٤٣ - وهناك قضية تحتاج إلى بحث وتعرف لرأى مالك فيها ،
وهى تعريف الذين ينعقد الإجماع باجتماعهم ، ونتعرض فى شرح هذه
القضية لأمرين :
!
(أحدهما) أن مالكا - كما ينقل عنه الكتاب الذين كتبوا أصوله
يقولون إنه لا يرى أن العوام يدخلون فى عموم المكونين للاجماع ، وذلك
لأن أدلة الإجماع يتعين حملها على غير العوام، لأن قول العامى بغير مسقند
خطأ ، والخطأ لا عبرة به ، أى أن العامى لا يستطيع أن يقول قولا مؤيداً
بدليل، والإجماع لا بد له من سند يعتمد عليه ، وهو لا يتصور عن العامة،
وأيضاً فإن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم - أجمعوا على عدم اعتبار
العامة وإلزامهم اتباع العلماء .
ولقد قال بعض العلماء إنه يعتبر العامة فى الإجماع العام كتحريم الزواج
ممن طلقها ثلاثاً، وكحرمة الزنا وشرب الخمر ، أما الإجماع الخاص ، وهو
الذى يكون فى المسائل التى لا يطالب العامة بمعرفتها، يعولون فيها على الخاصة،
كبعض الأقضية ، فإن الإجماع فيها لا يدخل العامة فى آحاده ، لأنهم لم يؤتوا
بثقافتهم القدرة على فهمه، وتكوين رأى معتبر فيه ، أساسه النظر القائم
على الاستدلال الشرعى .
(١) القرافى ص ١٤٧.
:

:
- ٣٥٠ -
(ثانيهما) من هم المجتمعون من المجتهدين الذين يتكون الإجماع بهم أهم
العلماء فى عصر فى كل البقاع الإسلامية ، أو يدخل فيهم أهل البدع من
المجتهدين أم لا يدخلون ، أم الإجماع المعتبر هو اجتماع أهل المدينة على
رأى؟ لا يهمنا فى ذلك اختلاف علماء الأصول فى ذلك ، فلهذا موضعه من
ذلك العلم، إنما الذى يهمنا هو رأى مالك . ولقد اختلف العلماء فى رأيه أهو
يعتبر الإجماع يتم بإجماع علماء المدينة، أم لايتم إلا بإجماع الجميع ؟ ذلك
هو الأمر الذى يهمنا فى بحث الإجماع ، ولذلك نجليه بعض التجلية .
١٤٤ - قال الغزالى فى المستصفى: ((قال مالك الحجة فى إجماع أهل
المدينة فقط ، وقال قوم المعتبر إجماع أهل الحرمين : مكة والمدينة ،
والمصريين. الكوفة والبصرة ، وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه البقاع
قد جمعت فى زمن الصحابة أهل الحل والعقد، فإن أراد مالك أن المدينة
تجمعهم . فمسلم ذلك لو جمعت ، وعند ذلك لا يكون المكان تأثير، وليس
ذلك بمسلم، بل تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ، ولا بعدها ، بل
ما زالوا متفرقين فى الأسفار والغزوات والأمصار ، فلا وجه لكلام
مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة، لأنهم الأكثرون ، والعبرة بقول
الأكثرين. أو بقول يدل اتفاقهم فى قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع
قاطع، فإن الوحى الناسخ نزل فيهم ، فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة ، وهذا
تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثاً من رسول الله مت﴾ فى سفر
أو فى المدينة، لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة فى الإجماع ولا إجماع ..
وربما احتجوا بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، وعلى أهلها
وذلك يدل على فضيلتهم، وكثرة ثوابهم بسكناه المدينة ، ولا يدل على
تخصيص الإجماع بهم(١) ).
(١) المستصفى للغزالى جـ ١ ص ٠١٨٧

- ٣٥١ -
١٤٥ - هذا كلام الغزالى، وهو يثبت أن الإجمال فى نظر مالك
هو مايتكون من فقهاء أهل المدينة فقط ، ولا يدخل فيهم أحد من غيرهم،
ويزكى ذلك القول أن مالكا فى الموطأ كلما احتج باجتماع العلماء فى أمر،
قال هذا هو الأمر المجتمع عليه عندنا، واستقر الموطأ تجد فيه كلمة (عند)
يعقب كلمة المجتمع عليه، والعندية هى بلا ريب عندية المكان ، أى الأمر
المجتمع عليه بالمدينة ، كما يزكى ذلك أن مالكا رضى الله عنه فى رسائله ،
وفى فقهه ، كان يعتبر غير أهل المدينة تبعاً لهم فى الفقه، فمنطق القول يوجب
أن يعتبر ما يجمعون عليه إجماعاً، وعلى ذلك يكون الإجماع وعمل أهل
المدينة واحداً نوعاً من الاحتجاج، أى أن ما عليه أهل المدينة هو الإجماع،
وأن الإجماع هو إجماع فقهائها دون سواهم .
ولكن نجد القرانى فى أصوله يعد الأدلة عداً ، فيعد الإجماع حجة
وحده ، ويعد ما عليه أهل المدينة حجة أخرى مغايرة لا تدخل فى عموم
الأول ، ولا يدخل هو فی عمومها .
فتراه يقول: « الأدلة هى الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع
أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابى ، والمصالح المرسلة ،
والاستصحاب ... ،
ويتكلم فى الإجماع ، فيذكر آراء مالك فيه، مما يدل على أنه يعتبر
الإجماع نوعا من مصادر الشريعة غير إجماع أهل المدينة أو ما عليه أهل
المدينة . ولقد نقلنا لك فى صدر الكلام فى أصول مالك ما نقلناه عن المجتهدين
فى الفقه المالكى ، فقد حصروا الأدلة ، وعدوا الإجماع صنفاً قائماً بذاته من
أصوله ، غير إجماع أهل المدينة .
١٤٦ - ولا نستطيع أن نقول إن كل المالكية ينزع منزع القرافى
وراشد الذى نقلت عنه التحفة ما نقلناه فى صدر كلامنا فى أصوله ، بل لقد
وجدنا الشيخ عليش فى فتاويه ينقل عن المالكية بأن اتفاق أهل المدينة هو
الإجماع عند مالك ولذلك قال :

- ٣٥٢ -
((قد كان فى المدينة من أئمة التابعين ما ليس فى غيرها كالفقهاء السبعة
والزهرى وربيعة ، ونافع، وغيرهم. فلذلك رجع الإمام إليهم ؛ واتفاقهم
عنده إجماع، والرجوع، الإجماع والاحتجاج به ليس تقليداً ،
بل هو عين الاجتهاد ، وهذا بدمى، وقد نص عليه ابن الحاجب)).
ويقول فى الموازنة بين خبر الآحاد ، وعمل أهل المدينة .
((قد عرفت أن أهل المدينة أعلى وأكثر، وأعلم من غيرهم ، فلا يكون
الرجوع عند الاختلاف إلا إليهم ، فإذا صح الحديث ، وعمل أهل المدينة
بخلافه فلا يخلو الحال، إما أن يحكم عليهم جميعاً بالجهل ، وهذا مما يستحى
العاقل أن يتفوه به، فإن هؤلاء أعلم الأئمة، وسوء الظن فسوق، وإما أن
يحكم عليهم بتعمد مخالفة السنة والتلاعب ، وهذا أدهى وأمر، إما أن يحكم
عليهم بالعلم والعمل ، وإنهم إذا تركوا الحديث تركوه لأمر قوى ، وهذا
ماندعيه ، ومعلوم أن الإجماع حجة لابد له من مستند قد يعرف؟ وقد
لا يعرف ، فإن كان اتفاقهم إجماعا كما يقول الإمام فالأمر ظاهر، وإلا فهو
مثله ، أعنى لا بد لمخالفتهم من مستند، إذ لاسبيل لتجهيلهم ، ولا لتضليلهم،
فقد ظهر لك صريح الحق، إن كنت تقبل، والذين يحتج الإمام بعملهم ثم
التابعون الذين أدركهم، وهم لا يخرجون عن نهج الصحابة(١))).
وهذا الكلام يدل بصريحه على أن مالكا يعتبر اتفاق أهل المدينة
إجماعا يكون حجة ، فإذا أضيف إلى ما نقلناه عن الغزالى، وأن عبارته فى
الموطأ تصرح عند الاحتجاج بالإجماع هى بأنه ( الأمر المجتمع عليه عندنا)،
تنتهى إلى أن الإجماع الذى كان يحتج به مالك هو إجماع أهل المدينة .
وإن هذا هو نتيجة منطقية لاعتباره اتفاق أهل المدينة حجة ملزمة يجب
اتباعها، وأنه يرد بها خبر الآحاد ، لأنه إذا كان إجماع أهل المدينة حجة
(١) فتاوى الشيخ عليش ج ١ ص ٠٤٣

- ٢٥٣ -
وحده، فلا حاجة إلى موافقة غيرهم، ومن اعتبر اتفاقهم وحدهم ملزماًا،
فأولى أن يكون ملزماً إذا وافقهم غيرهم من علماء المسلمين .
١٤٧ - ولقد ذكر الشافعى فى اختلاف مالك ، أنه لا يمكن أن
يجمع أهل المدينة على حكم إلا إذا كان هذا الأمر موضع اتفاق بينهم وبين
غيرهم من فقهاء الأمصار ، فقد جاء فيه ما نصه :
((وإن قلتم الإجماع هو ضد الخلاف، فلا يقال إجماع، إلا لما لا خلاف
فيه بالمدينة ، قلت : هذا هو الصدق المحض، فلا نفارقه ، ولا ندعوا الإجماع
أبداً ، إلا فيما لا يوجد فيه اختلاف ، وهو لا يوجد بالمدينة إلا وجد بجميع
البلدان عند أهل العلم متفقين فيه ، لم يخالف أهل البلدان المدينة ، إلاما اختلف
فيه أهل المدينة بينهم ) (١).
وترى من هذا أن الشافعى يرى أن الاستقراء هداه إلى أن المسائل
المجمع عليها حقاً وصدقاً ، هى موضوع إجماع عند الجميع ، وذلك فى أصول
الفروض ، ويناقض المالكية فى كثير من المسائل التى أدعوا فيها إجماع
أهل المدينة ، فينكره .
وإذا كان الإجماع عند مالك هو إجماع أهل المدينة فلنتكلم على عمل
١
أهل المدينة.
٦ ٥ - عمل أهل المدينة
١٤٨ - كان مالك رضى الله عنه يعتبر عمل أهل المدينة مصدراً فقهياً
يعتمد عليه فى فتاويه، ولذلك كثيراً ما يقول بعد ذكر الأخبار والأحاديث :
الأمر المجتمع عليه عندنا ، أو يذكرها سنداً يعتمد عليه كل الاعتماد ، إذا
لم يكن ثمة خبر، ولقد جاء فى رسالته إلى الليث بن سعد ما يدل على عظيم
(١) اختلاف مالك بکتاب الآم ج ٢ ص ١٨٨
(٢٣٢ - مالك)

- ٣٥٤ -
اعتماده عليها، واستنكاره لمن يسلك غير مسلكهم ، فقد جاء فى صدر هذه
٠٫٠٠
الرسالة ما يدل على ذلك ، وقد نقلناه فيما أسلفناه ، ولنكرر نقل بعضه
لنتبين فيه وجهة نظره ، ففيها :
(( بلغنى أنك تفتى الناس بأشياء مختلفة مخالفة لما عليه جماعة الناس
عندنا ، وببلدنا الذى نحن فيه ، وأنت فى أمانك وفضلك ومنزلتك من أهل
بلدك ، وحاجة من قبلك إليك ، واعتمادهم على ما جاء منك ، حقيق بأن
تخاف على نفسك ، وأن تتبع ما نرجو النجاة باتباعه ، فإن الله تعالى يقول
فى كتابه: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الآية، وقال
تعالى: ((فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه». فإنما
الناس تبع لأهل المدينة التى بها نزل القرآن .... (١).
وفى هذا يصرح بأن عمل أهل المدينة لا يصح أن يخالف ، وأن الناس
لهم تبع ، ثم يبين بعد ذلك الحجج التى دفعته لأن يسلك ذلك المسلك .
وأساس هذه الحجة أن القرآن المشتمل على الشرائع ، وفقه الإسلام
نزل بها وأهلها هم أول من وجه إليهم التكليف ، ومن خوطبوا بالأمر
والنهى، وأجابوا داعى اللّه فيما أمر، وأقاموا عمود الدين ، ثم قام فيهم من
بعد النبي صَّ الله أتبع الناس له من أمته أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فنفذوا
سنته بعد تحريها والبحث عنها مع حداثة العهد، ثم كان التابعون من بعدهم
يسلكون تلك السبل ، ويتبعون تلك السنن، فالمدينة هذا قد ورثت علم
السنة ، وفقه الإسلام فى عهد تابعى التابعين ؟ وهو العهد الذى رآها فيه
مالك ، فإذا كان الأمر بها ظاهراً معمولا به لم يجز لأحد خلافه للوراثة
التى آلت إليهم، ولا يجوز لأحد انتحالها لبلده، ولا ادعاؤها له(٢).
(١) المدارك ص ٣٤.
(٢) الرسالة المذكورة.".
- ٠

- ٣٥٥ -
١٤٩ - هذه حجة مالك رضى الله عنه فى احتجاجه بعمل أهل
المدينة ، وإنه كان فى بعض الأحيان يقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد
لهذا المعنى الذى ذكره، وهو أن ذلك الرأى المشهور المعمول به فى المدينة
هو سنة مأثورة مشهورة ، والسنة المشهورة مقدمة على خبر الآحاد .
ويظهر أن ذلك المنهاج لم يبدأ به مالك ، فقد رأينا ربيعة الرأى شيخه
بذكر ذلك المنهج فيقول : ((ألف عن ألف خير من واحد عن واحد،
ولقد قال مالك : «قد كان رجال من أهل العلم والتابعين يحدثون بالأحاديث،
فيقول: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غيره)، وقال: «رأيت محمد
ابن أبى بكر عمرو بن حزم ، وكان قاضياً ، وكان أخوه عبد اللّه كثير .
الحديث ، رجل صدق ، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية ، قد جاء
فيها الحديث مخالفاً للقضاء يعاقبه ، يقول له: ألم يأت فى هذا حديث كذا،
فيقول بلى، فيقول له ، فما بالك لا تقضى به فيقول، فأين الناس عنه ، يعنى
ما أجمع عليه الصلحاء بالمدينة ، العمل به أقوى))(١).
وترى أن مالكا رضى الله عنه لم يبتدع ذلك المنهاج ابتداعا، بل سلك
سبيلا قد سبقه إليه غيره من التابعين وأهل العلم ، ولكن اشتهر به هو ،
لأنه لكثرة ما ابتلى به من الإفتاء، ولأنه دون بعض ما أفتى به لمخالفاً
للخبر الذى رواه هو - كان فى عصور الإسلام المتعاقبة أشهر من أخذ
به ، فنسب المنهج إليه، ولكنه فيه كان متبعاً ولم يكن مبتدعا .
١٥٠ - ونرى أن مالكا رضى الله عنه فى المأثور عنه من أقوال قالها،
أو وسائل كتبها ، يقرر أن ما عليه جماعة العلماء بالمدينة حجة يجب الأخذ به
للأسباب التى نقلناها عنه، وأن خبر الآحاد إن عارض عمل أهل المدينة
الذى عليه جماعتهم رد الخبر، وأخذ بعملهم باعتباره أثراً عن النبي صَ لّ"
(١) المدارك ص ٣٧.

- ٣٥٦ -
أوثق نقلا ، وأصدق حكاية ، والعبارات المروية عن مالك عامة تشمل
أعمال أهل المدينة التى لا يمكن أن تعرف إلا بالتوقف ، كالآذان ، وكمد
النبي صَّ الَّهِ، وغيرهما، وتشمل أعمال أهل المدينة التى يمكن أن يكون
الاجتهاد والاستنباط سبيلها كبعض الأقضية، وأحكام المعاملات بين الناس.
ويظهر أن المالكيين من بعد مالك لم يجتمعوا على ذلك التعميم ، بل فرقوا
بين مايكون طريقه التوقف والنقل، وما يكون طريقه الاجتهاد والاستنباط،
بل جاء فى كتبهم ما يفيد أن رأى مالك أن عملهم فيما يكون طريقه التوقف
فقط، فقد قال القرافى: ((وإجماع أهل المدينة عند مالك فيما طريقه التوقف
حجة خلافاً للجميع ، لنا قوله عليه الصلاة والسلام إن المدينة لتنفى خبثها ،
كما ينفي الكير خبث الحديد، والخطأ خبث ، فوجب نفيه، ولأن اختلافهم
ينقل عن أسلافهم وأبناؤهم عن آبائهم، فيخرج الخبر عن خبر الظن والتخمين،
إلى خبر اليقين ومن الأصحاب من قال إجماعهم مطلقاً حجة ، وإن كان فى
عمل عملوه، لا فى نقل نقلوه، ويدل على هذا التعميم الدليل الأول دون
الثانى، احتجوا بقوله عليه السلام: ((لا تجتمع أمتى على خطأ))، ومفهومه
أن بعض الأمة بجوز عليه الخطأ ، وأهل المدينة بعض الأمة ، وجوابه أن
منطوق الحديث المثبت ، أقوى من مفهوم الحديث النافى)، (١).
وترى من هذا أنه يقرر أن مالكا يقول إن إجماعهم حجة فيما طريقه
التوقف وأن من أصحابه من قال إن إجماعهم مطلقاً حجة ، وهو ظاهر
عبارة مالك ، كما أسلفنا، ثم يسوق حجة الذين اعتبروا إجماعهم حجة
مطلقاً، وهو الحديث ((إن المدينة لتنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد))
فإن منطوقه يفيد نفيها لكل خبث، والخطأ خبث ، فالخطأ لا يجمع عليه
أهل المدينة، ويذكر حجة الذين فرقوا بين ماطريقه التوقف ، وما يكون عن
اجتهاد، وهى أن ما يكون طريقه التوقف نقل متوافر ، فهو حديث متواتر
(١) شرح التنقيح ص ١٤٥.
١٠١٠٠

- ٣٥٧ -
أو مستفيض، وما يكون طريقه الاجتهاد، فهو استنباط يجوز فيه الخطأ ،
ولا يفتفى الضلال فى الاجتهاد إلا عن الأمة مجمعة . أما بعضها فيجوز إجماعه
على الخطأ ، وهو مفهوم المخالفة لقوله عليه السلام: «لا تجتمع أمتى على
ضلالة))، وقد رجح القرافى رأى الذين اعتبروا عمل أهل المدينة حجة ،
ووجه ترجيحه أن الأولين يحتجون بمنطوق الحديث: ((إن المدينة لتنفى
خبثها، ... الخ، والآخرين يجتمعون بمفهوم الحديث: ((ولا تجتمع
أمتى)) ... الخ، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم قدمت دلالة المنطوق
باتفاق العلماء .
١٥١ - وإنه ليبدو أن القسم الأول من إجماع أهل المدينة، وهو
ما لا يمكن أن يكون له طريق إلا التوقف، يجب أن يكون الاحتجاج به
موضع إجماع من العلماء ، لأنه نقل متواتر، أو على الأقل مشهور مستفيض.
ولقد بينه القاضى عياض فقال فيه :
((إن إجماع أهل المدينة على ضربين (١): ضرب من طريق النقل، وهذا
الضرب ينقسم إلى أربعة أنواع: (١) مانقل من جهة النبى ◌َّ له من قول،
كالآذان والإقامة وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة، فنقلهم
لهذه الأمور من قوله. (٢) وفعله كصفة صلاته وعدد ركعاتها ، وسجداتها،
وأشباه ذلك. (٣) وفقل إقراره عليه السلام لما شاهده منهم ، ولم ينقل عنه
إنكاره. (٤) ونقل تركه لأمور شاهدها منهم، وأحكام لم يلزمهم إياها مع
شهرتها لديهم ، وظهورها فيهم ، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه
عليه السلام بكونها عندهم كثيرة ، فهذا النوع من إجماعهم فى هذه الوجوه
حجة يلزم المصير إليه ، ويترك ماخالفه من خبر واحد أو قياس، إذ هذا
النقل محقق معلوم موجب للعلم القطعى ، فلا يترك لما توجبه غلبة الظن ،
وإلى هذا رجع أبو بوسف وغيره من المخالفين من ناظر مالكا وغيره من
(١) الضربان هما هذا الذى ذكره، والثانى ما يكون طريقه الاجتهاد .

- ٣٥٨ -
أهل المدينة فى مسألة الأوقاف ، والمد والصاع، حين شاهد النقل وتحققه ،
ولا يجوز لمنصف أن ينكر حجة هذا، وهذا الذى عليه مالك عند أكثر
شيوخنا، ولاخلاف فى صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء، وإنما
خالف فى تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذى بها ...
ولاخلاف بين أصحابنا فى هذا ، ووافق عليه الصير فى وغيره من أصحاب
الشافعى، كما حكا عنه الأحمدى ، وقد خالف بعض الشافعية عناداً)، (١).
١٥٢ - هذا ما كان طريقة التوقف، وقد ذكر القاضى عياض والقرافى
أن ما لكا رضى الله عنه قد احتج به وقبله، ورد به خبر الآحاد. وقد حكى
عياض أن بعض الشافعية اعتبره حجة .
والحق أنه وإن كان المالكية قد اشتهر عنهم ذلك الرأى - قد شاركهم
فيه غيرهم ، أو تبعهم فيه غيرهم ، ونحب أن نتجه إلى أولئك لنتعرف رأيهم،
وأولهم الشافعى نفسه ، فقد كان يحترم إجماعهم إن أجمعوا ، لأنهم فى
نظره لا يجمعون على أمر، إلا إذا كان ذلك الأمر موضع إجماع، وإنما كان
موضع الخلاف بينه وبين شيخه وأتباعه من المالکیة فی أمر واحد ، وهو
صحة ادعاء الإجماع ، فكانت مخالفته له فى صحة الدعوى ، وعلى ذلك كان
نقاشه ، والاختلاف بينه وبينهم.
١٥٣ - ولقد وجدنا ابن القيم فى إعلام الموقعين يقسم عمل أهل المدينة
الذى يكون أساسه النقل إلى ثلاثة أقسام : أولها نقل شرع مبتدأ عن النبى ،
والثانى نقل العمل المتصل، والثالث نقل للأماكن والأعيان ومقادير الأشياء.
والقسم الأول ، وهو نقل الشرع المبتدأ فهو ما ذكره القاضى عياض
فيما ساقه من أمثلة وأقسام ، أما القسم الثانى ، وهو نقل العمل المستمر ،
فهو كنقل الأحباس والمزارعة، والآذان على الأماكن المرتفعة ، وتثنية
الآذان ، وإفراد الإقامة .
(١) المدارك ص ٤١ .

- ٣٥٩ -
وأما نقل الأماكن والأعيان فكنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع
المنبر ، وموقعه للصلاة، وتعيين الروضة والبقيع، والمصلى، ونقل هذا جار
مجرى نقل مواضع المناسك ، كالصفا والمروة ومنى ، ومواضع الجمرات
والمزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام، كذى الحليفة وغيرها. وقد ذكر
ابن القيم بعد هذه الأقسام وتوضيحها توضيحاً بيناً - أن ذلك النقل محترم
يحتج به ، فقال: ((فهذا النقل، وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة
بالقبول على الرأس والعينين وإذا ظفر العالم بذلك قرت عينه ، واطمأنت
إليه نفسه)، (١) .
١٥٤ - ويتبين من هذا الكلام أن أخذ مالك بإجماع أهل المدينة
إذا كان مصدر الإجماع هو النقل لا مجال لنقده، بل قد تلقاه العلماء بالقبول،
وهو نقل متواتر ، لا يعارضه خبر آحاد ، ولا قیاس ، کما سنبین ، أما عمل
أهل المدينة الذى يكون أساسه الاستنباط ، فقد اختلف النقل فيه عن مالك
وقد ذكر بعض المالكية فيه ثلاثة آراء منقولة عندهم.
(أحدهما) أنه ليس بحجة أصلا، وأن الحجة هى إجماع أهل المدينة
من طريق النقل ، ولا يرجح به أحد الاجتهادين على الآخر ، وهذا قول
أبى بكر الأبهرى ولقد أنكر هو ومن قال قوله أن يكون الاحتجاج به مذهباً
لمالك رضى الله عنه أو لأحد من معتمدی أصحابه ، أى أن ذلك بعيد عن
المذهب المالكى، وقد أشرنا إلى ذلك فيما نقلناه عن القرافى .
(ثانيها) أنه ليس بحجة ، ولكنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم
وأخذ بهذا بعض المالكية، وبعض الشافعية .
(ثالثها) أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة ، وهذا مذهب قوم من
المالكية وقالوا إنه رأى مالك ، وعبارته فى رسالته إلى الليث التى نقلناها
(١) إعلام الموقعين ج ٢ ص ٠٣٠٤

٠٠
- ٢٦٠ -
تدل على ذلك المسلك الذى يسلكه القائلون لهذا القول ، وجل المغاربة من
أتباع مالك رضى الله عنه على الأخذ بذلك القول، وعلى سلوك هذا المنهج(١)
وسياق القرافى كما بينا يدل على ترجيحه ، أو على الأقل عدم تضعيفه .
١٥٥ - هذا هو عمل أهل المدينة، وقوة الاحتجاج به إذا كان نقلا.
أو كان اجتهاداً ، وقد علمت أنه لا خلاف بين المالكية ، إذا كان عملهم
أساسه النقل ، فى أنه حجة ، بل نهج غيرهم مثل منهجهم فيه ، أما إذا كان
أساسه الاجتهاد ، فقد اختلفوا فيه فيما بينهم. وإن الأكثرين من المالكية
اعتبروه حجة، كما نقلنا عن القرافى أولا ، وعن ابن القيم آخراً .
ولم نتكلم بتفصيل فى عمل أهل المدينة إذا عارضه خبر آحاد .
وتفصيل القول فيه أنه إن كان إجماع أهل المدينة أساسه النقل، فإنه
مقدم على خبر الآحاد لأنه نقل متواتر ، وخبر الآحاد لا يعارض المتواتر،
لأنه ظنى ، والمتواتر قطعى، وهذا أمر لا خلاف فيه عند المالكية .
أما إذا كان عمل أهل المدينة أو إجماعهم أساسه الاجتهاد ، فالخبر أولى
عند جمهور المالكيين ، وبعضهم قرر أن الإجماع يجوز أن يكون من طريق
الاجتهاد وأن إجماع المدينة كيفما كانت أسبابه حجة مضعفة لخبر الآحاد،
ولكن فى ذلك القول نظر إن سلمنا أن فى الإمكان أن ينقد إجماع فى أمر
ويكون أساس الإجماع القياس أو الرأى لأن أوجه الرأى متعارضة ،
والأنظار مختلفة متباينة، فجمع الأنظار كلها على نظر واحد من غير نص -
أمر هو محل نظر ، بل محل شك.
والنظر إن سلمنا وجود إجماع لفقهاء المدينة مبنى على الاستنباط
بالرأى - هو فى تقديمه على النص ، إذ كيف يقدم الاستنباط غير المعلوم
أصله على النص ، وإن هذا الرأى ولو كان موضع إجماع طائفة من الأمة
يقف أمام الخبر .
(١) إعلام الموقعين = ٢ ص ٠٣٠٥