Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٢٣i
رأى الأصول التي أخذ بها قطعية أو تعود إلى أصل قطعى، والخبر الذى
رده ظنى .
(١) ومن ذلك ما ذكر ناه أن مالكا رده، وهو حديث غسل الإناء من
ولوغ الكلب سبعاً إحداهن بالتراب ، فقد قال فيه مالك جاء الحديث،
ولا أدرى ماحقيقته وكان يضعفه ويقول : يؤكل صيده ، فكيف يكره
لعابه !! فقد اتخذ من أكل صيده الثابت بأصل قطعى وهو قوله تعالى :
((وما علىتم من الجوارح مكلبين)) دليلا على طهارة لعابه، والحديث يدل على
نجاسته ، فتعارض الحديث مع استنباط قطعى من القرآن الكريم.
(ب) وقد رد حديث خيار المجلس الذى يوجب أن يكون لكلا العاقدين
الحق فى فسخ العقد مادام المجلس لم يتفرق، فقد قال بعدروايته (( ليس لهذا
عندنا حد معروف ، فالسبب فى رده أن المجلس ليس له نهاية معلومة ،
بحيث يكون للفسخ مدة معلومة ، وإن شرط الخيار يبطل إجماعاً إذا لم تكن
له مدة معلومة، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطاً بالشرع، ولو كان
يجوز الخيار لمدة مجهولة لجاز اشتراط الخيار من غير مدة ، وأيضاً فإن
الحديث بجهالة مدته يعارض قاعدة الغرور والجهالة التى لا تثبت فى العقود.
(حـ) ومنها أنه لم يأخذ بخبر ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)،
ولا بالخبر الذى جاء عن عباس((أن امرأة أنت رسول الله يسترله، فقالت:
يارسول الله إن أمى ماتت وعليها صوم شهر؟ قال أفرأيت لو كان على أبيك
دين فقضيته ؟ قالت نعم ، قال فدين الله أحق أن يقضى، ويروى هذا الحديث
فى الحج لافى الصوم ، ويروى فى النذر لافى الصوم، وقد ردها جميعاً مالك
أخذاً بالقاعدة المستمدة من القرآن، وهى ((ألا تزر وازرة وزر أخرى،
وأن ليس للإنسان إلا ماسعى)).
((ومنها أن مالكا أفكر خبرإ كفاء القدور التى طبخت من الإبل والغنم
(م٢١ - ١٠ك)

- ٣٢٢ -
قبل القسم، فإنه يروى أن إبلا وغنما ذبحت من الغنائم قبل قسمها ، فأمر النبى
با كفاء القدور، وجعل سَّ لم يمرغ اللحم فى التراب، فرد مالك الحديث،
لأن إكفاء القدور، وتمريغ اللحم فى الأرض إفساد مناف المصلحة، والحظر
يكفى فيه بيان الخطأ فيما صنعوا، وأنهم أثموا فيما فعلوا، وليأكلوا ماذبحوه
أو يقتسموه بلا إكفاء للقدور، ولا تمريغ فى التراب فيتم التنبيه وبيان
التحريم من غير إتلاف ولا إفساد .
(٥) ولم يقصد مالك بحديث: ((من صام رمضان، وأتبعه بست من
شوال كان كصيام الدهر ، ونهى عن صيام ست من شوال ، وكان ذلك
أخذاً بمبدأ سد الذرائع، خشية أن تؤدى المداومة إلى زيادة رمضان
ووجوبها ..
(و) ومنها أنه لا يعتبر للرضاع نصاباً مقرراً، عشراً، ولاخمساً،
إطلاقاً للقاعدة المستفادة من الآية الكريمة ,وأمهاتكم التى أرضعنكم،
وأخواتكم من الرضاعة ، فإنه يستفاد من عمومها أن قليل الرضاعة وكثيرها
فى التحريم سواء ، فالحد بعشر أو خمس مناهضة لعمومها، فالرضاع يصدق
على القليل والكثير ، فليس له حد أدنى .
(ز) ومنها رد خبر المصراة، وهو ماروى عن أبى هريرة أن رسول الله
◌َّ الله قال: (( لا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد
أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر ».
ففى أحد قولى مالك رده، حتى لقد قال فيه ((إنه ليس بالموطأ ولا الثابت»
فإنه قد خالف أصل الخراب بالضمان ، ولأن متلف الشىء، إنما يغرم
مثله أو قيمته، وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا (١):
١١٨ - هذه فروع كثيرة قد نقلناها، وهى بلا شك تدل على أن
(١) راجع الموافقات = ٣ ص ٠٢٥٠٢٤،٢٣
-

= ٣٢٢ -
مالكا كان يرد خبر الآحاد أحياناً لمخالفته المقررات الشرعية ، وهل
يستنبط من هذا أن مالكا كان يقدم القياس على خبر الآحاد مطلقاً . كما
تشير عبارة القرافى؟
وقبل أن نقرر فى الموضوع ما نراه الأمر الراجح نقول إن بعض هذه
الفروع فيها خلاف عند المالكية وبعضها قد ترك خبر الآحاد لأجل ظاهر
القرآن، وقد ذكرنا فى صدر كلامنا فى السنة أنه إن عارضها ظاهر القرآن
يؤخذ بظاهر القرآن إلا إذا عاضد السنة دليل آخر مثل عمل أهل المدينة
فعدم الأخذ بخبر الرضاع وخبر الصيام عن الميت ، وخبر غسل الماء سبعاً
من ولوغ الكلب إنما هو لمعارضة ظاهر القرآن ، لا لتقديم القياس أو
الرأى على خبر الآحاد .
أما الأمور الأربعة الأخرى، وغيرها من الأمور التى ترك فيها خبر
الآحاد لمعارضته لقاعدة فقهية مقررة ثابتة من مجموع الفقه الإسلامى ،
أو من بعض نصوصه ، فإن المفهوم من كلام الشاطبي أن رد خبر الآحاد
بالرأى من غير نص بذاته إنما يكون إذا عارض قاعدة عامة مقطوعا بها من
قواعد الشرع الإسلامى التى أثبت الاستقراء لنصوصه وأحكامه فى فرو
مختلفة أنها مقررة فيه من غير شك ولا ريب .
١١٩ - وعلى ذلك لا يكون كل قياس أو رأى راداً لخبر الآحاد ،
بل القياس أو الرأى الذى يعتمد على أصل قطعى ، وقاعدة مقررة لا مجال
للريب فيها وذلك المبدأ مستقيم؛ لأن القياس المبنى على قاعدة قطعية يكون
قطعياً وخبر الآحاد يكون ظنياً والظنى إذا عارض قطعياً ؛ أخذ بالقطعى
دونه ، ولقد قال الشاطبى فى هذا المقام :
الظن المعارض لأصل قطعى، ولا يشهد له أصل قطعى مردود بلا إشكال
ومن الدليل على ذلك أمران: (أحدهما) أنه مخالف لأصول الشريعة ،

- ٣٢٤ -
ومخالف أصولها لا يصح، لأنه ليس منها، وما ليس من الشريعة كيف
يعد منها ؟
(( الثانى أنه ليس له ما يشهد بصحته، وما هو كذلك ساقط الاعتبار .. »
وهذا على ضربين (أحدهما) أن تكون مخالفته للأصل قطعية فلابد
من رده، والآخر أن تكون ظنية ، إما بأن يتطرق الظن بأنه ليس مخالفاً
للقطعى وإما من جهة كون الأصل لم يتحقق كونه قطعيا ، وفى هذا الوضع
مجال المجتهدين ولكن الثابت فى الجملة أن مخالفة الظنى لأصل قطعى يسقط
اعتبار الظنى على الإطلاق ، وهو ما لا يختلف فيه)).
وترى من هذا أنه يقرر أن مخالفة الظنى ، ومنه خبر الآحاد الأصل
قطعى يوجب رده، إن ثبت أن الأصل قطعى من غير ريب، وأن
المعارضة قائمة بينهما من غير ريب ، فإن عرض الظن فى قطيعة الأصل ،
أو فى المعارضة فذلك مجال اجتهاد المجتهدين وترجيح الأدلة حسب أوجه
النظر المختلفه .
١٢٠ - ولا يشترط مالك فقط أن يكون الأصل الذى رد به خبر
الآحاد قطعياً، بل اشترط أن يكون الخبر غير معاضد بقاعدة أخرى،أى
بأصل آخر ، ففي هذه الحال لا يرد خبر الآحاد ، وفى هذه الحال لا يكون
القطعى معارضاً بظنى فيرد الظنى ، بل يكون القطعى معارضاً بقطعى مثله ،
إذ خبر الآحاد يعتمد على ذلك القطعى الذى يشهد له فلا يرد ، وقد جاء فيه
عن ابن العربى ما نصه :
((قال ابن العربى إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع
هل يجوز العمل به؟ قال أبو حنيفة لا يجوز العمل به (١) وقال الشافعى
(١) هذا النقل عن أبى حنيفة غير دقيق، إذ تخريج الكرخى لرأى أبى
حنيفة أنه يقدم خبر الآحاد مطلقا ، وتخريج عيسى بن إبان ونفر الإسلام أنه =

- ٣٢٥ -
يجوز، وتردد مالك فى المسألة. قال ومشهور قوله والذى عليه المعول أن
الحديث إن عضدته قاعدة أخری قال به ، وإن كان وحده تركه ، ثم ذكر
مسألة مالك فى ولوغ الكاب قال: لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين:
(أحدهما) قوله تعالى ((فكاوا ما أمسكن عليكم)) (الثانى) أن علمة الطهارة
هى الحياة، وهى قائمة فى الكاب ((وحديث العرابا (وهى بيع ماعلى رءوس
النخل بمثله مراً) إن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف (١))).
هذا ما ينتهى إليه ابن العربى ، فهو يرى أن خبر الواحد إنما يرد بالقواعد
العامة إذا كانت قطعية من جهة ، وإذا كان غير معاضد بقاعدة أخرى ،
ولذلك قبل حديث المرايامع أن قبوله مخالفة لقاعدة الربا التى تمنع بيع
المثليات المتحدة الجنس متفاضلة ، أو نسيئة ، ولكن إن عارض ذلك
الحديث قاعدة الربا، فقد أيدثه قاعدة المعروف والترفيه عن الفقراء ، أو
الذين لا يملكون نخلا يحمل رطباً فيقدمون ما عندهممن ثمر فى نظير أن يأخذوا
مما تحمل النخل ، فيها سد حاجة أولئك الذين عندهم تمر مدخر ، قدمونه
ليأكلوا من التر الجديد، وفى ذلك إبعاد لفكرة الربا .
١٢٠ - وبعد هذا التقبع لأقوال أولئك العلماء الممتازين فى التخريج
فى الفقه المالكى لا نقر ما تشير إلى ترجيحه عبارة القرافى ، وهو تقديم
القياس على خبر الواحد على الإطلاق ، بل نرى أن القياس يقدم على خبر
الواحد على الإطلاق ، بل نرى أن القياس يقدم على خبر الواحد إذا اعتمد
= یقدم خبر الآحاد إذا كان راویه فقيها أو لم يسندباب الرأى فيه ، بألا يشهد
له قياس آخر ، فإذا لم يوافق قياسا آخر ؛ ولم يكن راويه فقيها يقدم القياس ،
وبذلك يتقق رأى أبى حنيفة مع رأى مالك على مقتضى ما يرجح الشاطى أنه
نظر مالك .
(١) الموافقات ص ٠١٨

٠ ٠٠
- ٣٢.٦ -
على قاعدة قطعية ، ولم يكن خبر الواحد معاضداً بقاعدة أخرى قطعية .
وإنما قدم القياس فى هذه الحال لأن خبر الآحاديكون معارضاً للنصوص
التى استنبطت منها هذه القاعدة ، والأحكام المتضافرة التى وردت من الشارع
الحكيم ، والتى تكونت منها هذه القاعدة ، حتى صارت من الأصول للفقه
الإسلامى.
١٢١ - هذا ما نراه رأياً لإمام السنة، وإمام دار الهجرة فى تعارض
خبر الآحاد مع القياس ، وتقديم القياس فى تلك الحال وبهذه القيود، وإن
كان ذلك يجعل مالكا من فقهاء الرأى الممتازين، فإنه لا يبعده عن قيام
الإمامة فى السنة، بل إنه يجعل تلك الإمامة أروع وأحكم وأدق ؛ لأن إمام
السنة ليس هو الذى يقبع كل خبر يجىء إليه من غير تمحيص فى السند
والمتن ، وقد كان مالك يمحص السند ، فیتخير من یروی عنهم ، ويشدد فى
التحرى عن أحوالهم ، وبمثل ذلك كان بمحص متن الأخبار ، فيزنها بميزان
دقيق ، وهو أن يوازن بينها وبين غيرها من القواعد الإسلامية العامة التى
استنبطت من نصوصه ومراميه ، وأشهد شتى الأحكام من فروعه ، فإن
استقامت معها قبلها ، وإن لم تستقم ردها .
هذا ويجب أن نقرر هنا أن خبر الواحد إن عاضده عمل أهل المدينة
يكون ذلك تزكية له ترفعه من الانفراد إلى مرتبة الاجتماع، فلا يرد لمعارضته
بعض القواعد له ؛ لأن عمل أهل المدينة إن عاضد خبر الآحاد قدم على ظاهر
القرآن ، فكذلك يقدم خبر الآحاد إن عارض بعض الأقيسة وعاضده عمل،
المدينة ، بل إنه فى هذه الحال لا يعد آحاداً .
١٢٢ - ومن الحق علينا فى هذا المقام أن نذكر اختلاف العلماء فى
شأن المعارضة بین خبر الآحاد ، و القیاس بعد أن حرر نا رأی مالك ، وقد
لخص تلك الآراء أبو الحسين البصرى ، فقسم القياس إلى أربعة أقسام :
(القسم الأول ) قياس مبنى على نص قطعى ، بأن كان الحكم المنصوص

- ٣٢٧ -
علیه قد نص عليه فى مصدر قطعى الثبوت، وكانت العلة منصوصاً عليها ، أو
كالمنصوص عليها، وفى هذه الحال لا يعارض خبر الآحاد القياس، لأن ما ثبت
بالقياس فى حكم كالثابت بنص قطعى، إذ المنصوص عليه قطعى ، والعلة
منصوص عليها ، وخبر الآحاد ظنى ، فلا يلبث أمام النص القطعى ، بل يرد
خبر الآحاد ، وترفض نسبته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
١
(القسم الثانى) أن يكون القياس معتمداً على أصل ظنى. والعلة ثبتت
بالاستنباط ، لا بالنص، وفى هذه الحال یقدم خبر الآحاد ، لأنه يدل على
الحكم بصريحه، والقياس يدل على الحكم بوسائط ، ولأن القياس دخلته
الظنون من كل ناحية ، فالفان دخل فى استنباط العلة ، ودخل فى الأصل
الذی بنی علیه، إذ هو ظنی . کخبر الآحاد فی ثبوته ، فلا ير جح عليه ، إذ
أن ١٠ دخله ظن واحد أقرب إلى الاطمئنان مما دخلته الظنون فى كل طرق
الإثبات به .
وقد ادعى أبو الحسين البصرى إجماع العلماء على رد القياس فى القسم
الثانى، كما ادعى إجماعهم على رد الخبر فى القسم الأول .
(القسم الثالث) أن يكون أصل القياس ثابتاً بنص ظنى ، والعلة قدنص
عليها بنص ظنى، وفى هذه الحال تتحقق المعارضة بين خبر الآحاد والقياس ،
ويدعى البصرى أيضاً إجماع العلماء على تقديم خبر الآحاد على القياس، لأنه
دال على الحكم بصريحه ، وفى ذلك نظر، فإن الرأى فيه مختلف.
( القسم الرابع) أن تكون العلة مستنبطة ، والأصل الذى بنى عليه
القياس من الأصول القطعية من نص قرآنى ، أو حديث متواتر، وهذه
الصورة موضع خلاف بين العلماء (١).
١٢٣ - هذه خلاصة أقسام القياس ، بالنسبة للقطعية فيه وفى أصله،
(١) راجع هذه الأقسام فى كشف الأسراء الجزء الثانى ص ٦٩٩.
:

- ٣٢٨ -
ومواضع اختلاف العلماء حوله عند تعارض خبر الآحاد مع القياس ، وقد
رأيت فيما أسلفنا من القول، كيف كان مالك يرد خبر الآحاد، إن تعارض
مع قاعدة من القواعد المشهورة فى الفقه الإسلامى ، التى تكون فى حكم
المقطوع به كقاعدة لا حرج فى الدين ، وقاعدة سد الذرائع ، وغير ذلك
من القواعد العامة الثابتة، المقطوع بصدقها ، وأنه يرد خبر الآحاد ، إذا
كان لم يعتمد على قاعدة ، أو لم تعاضده قاعدة أخرى .
وإن هذا النظر لايدل على مجره للسنة كما قلنا، وإن كان يدل على
إكثاره من الرأى ، وقد كان ذلك مسلك بعض السلف الصالح ، فعائشة
وابن عباس رضى الله عنهما قد ردا خبر أبى هريرة فى غسل اليدين قبل
إدخالهما الإناء بالأصل العام الثابت من تتبع الأحكام الإسلامية ، وهو
رفع الحرج، ولم تكن عائشة ولا ابن عباس بجيزان مجر السنة ، وترك أقوال
النبى صلى الله عليه وسلم غير الصحيحة الثابتة، ولكنهما لما رأيا الخبر
يتناقض مع هذا الأصل العام الثابت الذى لا مجال للشك فيه تركاه ، وحكما
بأن نسبته إلى النبي صٍَّ صحيحة ، فلم يتركا قول النبى عليه السلام، ولكن
ردا النسبة إليه .
فتوى الصحابة
١٢٤ - كان مالك رضى الله عنه فى دراسته الأولى يتجه نحو تعريف
أقضية الصحابة ، وفتاويهم، وأحكام المسائل التى يستنبطونها ، وقد علمت
کیف کان حريصاً على تعرف فتاوى عبد الله بن عمر من مولاه نافع، وكان
يترقبه فى غدواته ، ليسأله عن أقوال عبد الله ، وكان حريصاً على معرفة
أقضية عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقد تلقى فقه الفقهاء السبعة الذين
كانوا بالمدينة ، ونقلوا إلى الأخلاف اختلاف الصحابة ، ومعارفهم،
وفتاویهم، وأقضیتهم، مع أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ،

- ٣٢٩ -
ويصح لنا بعد أن تتبعنا حياة مالك رضى الله عنه بالدرس والفحص أن
نقول إن العلم الذى تخرج فيه ، وترعرع وشدا، وبنى عليه واستنبط على
أساسه، وسار على منهاجه كان فيه مع أحاديث رسول اللّه تَطّ أقضية
الصحابة وفتاويهم .
لذلك كان لفتوى الصحابى مكان من استنباطه ، يأخذ بها، ولا يخرج
عليها، ولقد كان أخذه بما عليه أهل المدينة - لأن الصحابة كانوا بها،
ولذلك جاء فى صدر رسالته إلى الليث بن سعد :
(( إعلم رحمك الله أنه بلغنى أنك تفتى الناس بأشياء مختلفة، مخالفة لما
عليه الناس عندنا ، وببلدنا الذى نحن فيه . وأنت فى أمانتك وفضلك ،
ومنزلتك بين أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك ، واعتمادهم على ما جاء
منك - حقيق بأن تخاف على نفسك ، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه ،
فإن الله تعالى يقول فى كتابه: ((والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار، الآية، وقال تعالى: ((فبشر عبادى الذين يستمعون القول ،
فيتبعون أحسنه، الآية، فإنما الناس تبع لأهل المدينة ، إليها كانت
الهجرة ، وبها نزل القرآن ، وأحل الحلال ، وحرم الحرام إذ رسول الله
مَ له بين أظهرهم، يحضرون الوحى والتنزيل، ويأمرهم، فيطيعونه، ويسن
لهم فيتبعونه ، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله وسلامه
علیه ، ورحمته وبر كاته ، .
, ثم قام من بعده اتبع الناس له من أمته من ولى الأمر من بعده ، بما
نزل بهم، فما علموه أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا
بأقوى ماوجدوا فى ذلك فى اجتهادهم ، وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف،
أو قال أمر غيره أقوى منه ترك قوله ، (١).
٠
(١) راجع نبذة رقم ١٠٢ من القسم الأول من هذا الكتاب.

- ٣٣٠ -
وترى فى هذا القول التصريح بأن الأخذ بقول الصحابة لازم ، وأن
من یقول غير قولهم، أو يقول فى أمر من فتاويهم، غيره أقوى منه بترك
قوله، وفيه الإشارة الواضحة إلى الباعث الذى بعثه على الأخذ بأقوالهم،
وهو أنهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وأن الله مدح الذین
اتبعوهم بإحسان ، ولا شك أن الأخذ بأقوالهم اتباع لهم، وهو ممدوح فى
القرآن الكريم وعهدهم بالنبى قريب ، وكانوا يحضرون الوحى والتنزيل ،
وبأمرهم النبى فيطيعونه ، ويسن لهم فيقبعونه ، فهم أعلم الناس بهذا الدين ،
وبسنن النبي الكريم، فالأخذ بأقوالهم أخذ بالسنة.
١٢٥ - ولقد كان مالك يرى أن السنة فيما كان عليه الصحابة ، فقد
رأى أن عمر بن عبد العزيز لما أراد أن ينشر السنة أمر بجمع أقضية الصحابة
وفتاويهم ، وكان يروى قول الخليفة العادل .
سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه الأمر بعده سفناً ، الأخذ بها
تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعته، وقوة على دينه ليس لأحد تغييرها.
ولا تبديلها ، ولا النظر فى رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى،
ومن استنصر بها منصور ، ومن خالفها واقبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله
ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً ، (١).
وكان يعجب بذلك الكلام ، ويستمسك به، ویری أن الآخذ به هو
السنة المحكمة ، ولقد أخذ به ، فكان الموطأ مشتملا على فتاوى الصحابة
بجوار أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، فدون هذه الفتاوى
وتلك الأقضية ، كما دون أقوال النبى صلى الله عليه وسلم، وأقضيته .
١٢٦ - ولا يجد القارىء للموطأ عناء فى نقل أمثلة من فتاوى الصحابة
التى رواها، ودونها فى الموطأ وأخذ بها ، فإنك إن قلبت صفحاته لابد أن
(١) إعلام الموقعين ج ٤ ص ١٣٢، والموافقات الجزء الرابع ص ٤٢.

- ٣٣١ -
يقع نظرك على فتاوى اصحابى أخذ بها ، وتصلح مثالا لموضوعنا ،
ومن ذلك :
(١) ما جاء فى السلف الذى يشترط فيه مكان التسليم البدل يكون بلداً
آخر غير البلد الذى جرى فيه العقد، فقد جاء فى الموطأ ما نصه: «مالك أنه
بلغه أن عمر بن الخطاب قال فى رجل أسلف رجلا طعاماً على أن يعطيه
إياه فى بلد آخر ، فكره ذلك عمر بن الخطاب ، وقال فأين الحمل يعنى
حملانه)، (١) . وترى من هذا أن مالكا منع ذلك النوع من الشرط اعتماداً
على فتوى عمر هذه .
(ب) وما جاء فى السلف أيضاً خاصاً باشتراط المسلف أفضل مما أعطى،
فقد جاء فى الموطأ: «مالك أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر ، فقال
يا أبا عبد الرحمن إنى أسلفت رجلا سلفا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته
فقال عبد الله بن عمر، فذلك هو الربا، فقال فما تأمر فى يا أبا عبد الرحمن؟
فقال عبد الله بن عمر : السلف على ثلاثة أوجه : سلف تسلفه تريد به وجه
الله ، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، وسلف تسلفه
لتأخذ طيباً بخبيث ، فذلك الربا. قال فكيف تأمرنى يا أبا عبد الرحمن؟
قال : أرى أن تشق الصحيفة ، فإن أعطاك مثل الذى أسلفته قبلته ، وإن
أعطاك دون الذى أسلفته. فأخذته أجرت ، وإن أعطاك أفضل مما أسلفته
طيبة به نفسه ، فذلك شكر ، شكره لك ، ولك أجر ما أنظرته)).
وبهذا النظر أخذ مالك، فمن اشترط فى السلف أن يأخذ أكثرمما أعطى
(١) الموطأ الجزء الثالث ص ١٤٧، وقد فسر مالك الحمل بفتح الحاء
وسكون الميم بالحملان ، بضم الحاء، والمراد به ما يحمل عليه أى أين أجرة حمله،
فيكون قرضا جر نفعا . فيكون ربا ، وفى رأيه أين الحمال بكسر الحاء وتشديد
الميم أى الضمان .
١

- ٣٣٢ -
أو خيراً مما كان له يبطل السلف ، ويأخذ ما أعطى ، والأولى أن يبقى
الأجل ويأخذ بعد انتهائه ، ويبطل الشرط .
(حـ) ومن ذلك ما جاء فى الهبة، وبطلانها بالموت قبل القبض ، أو
بالمرض قبل القبض ، فقد أخذ فيها بفتوى أبى بكر ثم عمر ، فقد جاء فى
الموطأ: « مالك عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج
النبى صلى الله عليه وسلم - أنها قالت إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد(١)
عشرين وسفاءن ماله بالعالية ، فلما حضرته الوفاة قال: والله يابنية ، ما من
الناس أحب إلى غنى بعدى منك ، ولا أعز على فقراً بعدى منك ، وإنى
کنت نخلتك جاد عشرین وسقا فلو كنت جددته واحتزته كان لك ، وإنما
هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك، وأختاك، فاقتسموه على كتاب
اللّه)، (٢) .
وجاء فيه أيضاً فى الموضع نفسه: «مالك عن ابن شهاب ، عن عروة بن
الزبير .... أن عمر بن الخطاب، قال: ((مابال رجال ينحلون أبناءهم تحلا،
ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال مالى بيدى لم أعطه أحد ، وإن مات
هو أى قرب موته ((قال هو لابنى، قد كنت أعطيته إياه، من نحل نحلة،
يحزها الذى نحلها حتى تكون إن مات، فهو باطل)، (٣) .
وقد أخذ مالك رضى الله عنه بهذين الأثرین .
١٢٧ - ولقد كان مالك يكثر من الأخذ بفتاوى الصحابة، ويعتبر
فتاويهم من السنة، وبهذا الإكثار اعتبر إمام السنة فى عهده ، على رأى
الشاطبى ، فقد قال فى الموافقات :
-
(١) جاد اسم فاعل من جد بمعنى قطع، أى مقدار ، والوسق حمل بعير ، .
ونحل أعطى والهبة كانت بلحاً .
(٢) الموطأ = ٣ ص ٠٢١٧
(٣) الكتاب المذكور .

- ٣٣٣ -
(( لما بالغ مالك فى هذا المعنى بالنسبة للصحابة، أو من اهتدى بهديهم،
أو استن بسفتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره، فقد كان المعاصرون لمالك
يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله ببركة أتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم،
وجعلهم ومن اتبعهم ، رضى الله عنهم ورضوا عنه، حزب الله، ألا إن
حزب الله هم المفلحون)).
١٢٨ - هذا نظر مالك إلى فتساوى الصحابة وأقضيتهم، ولعله هو
والإمام أحمدرضى الله عنهما أشد الأئمة استمساكا بفتاوى الصحابة، وأكثرهم
حرصاً عليها، واتخاذها قاعدة لغيرها من الأقضية والفتاوى، وأ کثروا فى
ذلك، وقد أخذوا بأقوال الصحابة وفتاويهم من غير قيد ولاشرط اشترطوه
فى عددهم ، أو فى صفاتهم ، أو فى أعمالهم ، أو جهة الرأى الذى أثر عنهم،
وإذا اختلفوا اختاروا من هذه الآراء مايكون أكثر عدداً ، وأقرب إلى أن
تكون الجماعة أو العمل عليه .
وإن هذه المسألة ، وإن اتفق على أصلها الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة،
قد اختلف مقدارها فى فقههم، فمالك وأحمد أكثروا من الاعتماد عليها ،
حتى إنها عدت ركنامن أركان اجتهادهما، وعليها تخرجوا فى دراستهما الفقهية،
وأبو حنيفة والشافعى دون ذلك أخذاً ، وإن كان المنزع متقارباً، والاتجاه
فى الجملة متحداً .
وإذا كان الأئمة الأربعة قد أخذوا بقول الصحابة فقد وجد من العلماء
من لم يأخذ إلا بأقوال الإمامين أبي بكر وعمر ، ومنهم من أخذ بأقوال
الأئمة الراشدين الأربعة. ومهما يكن أمر أولئك المختلفين ، فإن السلف
والخلف من التابعين ، ومن جاء بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون
بموافقتهم وأكثر ماتجد هذا المعنى فى علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين
فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وماذاك

- ٣٣٤ -
إلا لما اعتقدوا فى أنفسهم وفى مخالفيهم من تعظيمهم ، وقوة مآخذهم ، دون
غيرهم ، وكبر شأنهم فى الشريعة (١) .
١٢٩ - إن مالكا وسائر الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة يأخذون
بقول الصحابى ، ويصرحون بأن فتاويهم تقوم على فتاوى الصحابة دون
سواها أحيانا، ولكن نريد أن نثير مسألة هى أكان مالك يأخذ بقول
الصحابى على أنه حجة وأنه شعبة من شعب السنة، لأن قول الصحابى إما أن
يكون بنقل عن الرسول فهو سنة بلا ريب، وإما أن يكون باجتهاد ورأى،
وهم فى اجتهادهم بالرأى أقرب إلى الدين والسنة الصحيحة، إذهم شاهدوا
التنزيل، فهو إن لم يكن سنة صريحة فهو ملحق بالسنة ؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال فقرر أن الشافعى تلميذ مالك كان يرى
اتباع الصحابة إن اجتمعوا باعتبار أن الإجماع حجة ، وإن اختلفوا اختار
من أقوالهم ما يراه أقرب إلى السنة، أو يتفق مع القياس الصحيح، وإن لم
يؤثر إلا قول واحد اتبعه تقليداً ، وکان یقول آراؤهم لنا خير من آرائنا
لأنفسنا، فهو لم يأخذ بأقوال الصحابة على أنها السنة ، بل على أنها تقليدلهم،
وترجيح لبعض أقوالهم على بعضه، لأن ذلك هو الأسلم.
أما أبو حنيفة، فقد خرج رأيه فقهاء مذهبه تخريجين، فأبو سعيد البراذعى
ينقل عنه البزدوى فى أصوله: «تقليد الصحابى واجب يترك به القياس،
وعلى هذا أدركنا مشايخنا ، فالبراذعى يرى أن المشايخ ومنهم أبو حنيفة
يقلدون الصحابة، والعبارات المأثورة عن أبى حنيفة تشير إلى ذلك المعنى.
والكرخى وهو من أئمة التخريج فى المذهب الحنفى يرى أن الأخذقول
الصحابى إنما هو من قبيل السنة، ولذلك لا يأخذ به إلا فيما لا يدرك بالقياس
كالمواقيت ونحوها ، مما شأنه النقل، فيتبع الصحابى فى هذه الحال على
(١) الموافقات = ٤ ص ٠٤١

- ٣٣٥ -
أن قوله نقل، لا رأى، وعلى ذلك يكون الأخذ بقوله، لا مجرد التقليد، بل
لأنه سنة (١).
١٣٠ - ويظهر من مراجعة أصول المالكية والموطأ ، أن مالكا كأحمد
ابن حنبل يأخذ بأقوال الصحابة على اعتبارها مصدراً للفقه وأنها حبة ،
وأنها شعبة من شعب السنة النبوية ، ولذا كان العليم بها عليما بالسنة ،
والخروج عليها ابتداع، وقد جلى كونها من السنة ابن القيم فى إعلان
الموقفين بقوله :
((إن الصحابى إذا قال قولا، أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا، فله مدار
لا ينفرد بها عنا ، ومدارك نشاركه فيها ، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون
سمعه من النبى ◌َّ اللّه شفاها، أو من صحابى آخر عن رسول اللّه تَ عَلٍّ . وإن.
ما أنفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به ، فلميرو كل منهم كل ما سمع،
وأين ما سمعه الصديق رضى الله عنه والفارق، وغيرهما من كبار الصحابة
رضى الله عنهم إلى ما رووه. فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث، وهولم
يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم فى شىء من مشاهده، بل صحبه من حين
بعث، بل قبل البعث إلى أن توفى، وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم،
وبقوله وفعله وهديه وسيرته ، وكذلك أجلة الصحابة ، روايتهم قليلة
جداً ، بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، وشاهدوه، ولو روواكل ماسمعوه
وشاهدوه لزاد على رواية أبى هريرة أضعافاً مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو
أربع سنين ، وقد روى عنه الكثير ، فقول القائل لو كان عند الصحابى فى
هذه الواقعة شىء - قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم ، فإنهم كانوا
يها بون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ، ويقللونها ،
خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشىء الذى سمعوه من النبى مج مراراً،
ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(١) راجع كتابنا فى أبى حنيفة .

- ٣٣٦ ~
فتلك الفتوى التى يفتى بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه ( أحدها )
أن يكون سمعها من النى صَّهِ (الثانى) أن يكون سمعها من سمعها (الثالث)
أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفي علينا (الرابع) أن يكون
قد اتفق عليه ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتى بها وحده (الخامس ) أن
يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذى انفرد به عنا ، أو
لقرائن حالية اقترنت بالخطاب ، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان
من روية النبى صلى الله عليه وسلم، ومشاهدة أفعاله وأحواله، وسيرته،
وسماع كلامه ، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحى ، ومشاهدة تأويله
بالفعل ، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن ، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون
فتواه حجة علينا يجب اتباعها ( السادس ) أن يكون فهم ما لم يرده الرسول
صلى الله عليه وسلم وأخطأ فى فهمه)، (٢) .
وهذا الوجه السادس وجه فوضى، واحتمال وقوعه بعيد ، خصوصاً
من علية الصحابة الذين نقلوا الدين الإسلامى إلى الأجيال، وهو كخطأ النقل
عن الرسول يحتمل الوقوع ، وإن لم يكن الاحتمال قريباً .
١٣١ - هذا توجيه حسن يصح أن يكون بياناً لنظر مالك فى اعتباره
قول الصحابى حجة، وأنه يأخذ به على أنه سنة ، لا على أنه تقليد ومجرد
اتباع ، والفرق بين النظرين له نتيجة مقررة ، والتنبية إليها ضرورى ،
يمكن توجيه الفقه المالكى على مقتضى أصوله؛ إذ أنه إن أخذ بأقوال
الصحابة على أنها سنة كان من الممكن أن تكون فى موضع التعارض مع
أخبار الآحاد إن عارضتها ، ويرجح أحدهما على الآخر بوسائل الترجيح
المختلفة ، وإن كان الأخذ بها مجرد تقليد كما سلك الشافعى وأبو حنيفة على
بعض التخريجات عنده ، فإنها لا يؤخذ بها إلا حيث لاسنة .
(١) إعلام الموقعين الجزء الرابع ص ١٢٨.
٠٣

١
- ٢٢٧ -
ولقد كان الأول هو مسلك مالك رضى الله عنه ، وكان هذا من أسباب
الخلاف بينه وبين تلميذه الشافعى ، كما ترى ذلك فى كتاب الشافعى الذى
أسماه اختلاف مالك، ففيه التصريح فى مسائل بأن مالكا ترك خبر الآحاد،
وأخذ يقول الصحابى وقد نقده الشافعى لذلك وخالفه، ولتنقل لك بعد ذلك،
ما جاء فى الأم من کتاب اختلاف مالك فمنه ما يأتى :
(١) ما جاء فى العمرة فى أشهر الحج، فإن مالكا كرهها وأخذ فى
ذلك بنقل الضحاك عن عمر بن الخطاب، ولم يأخذ بنقل سعد بن أبى وقاص
عن النبى من الله فقد جاء فى الأم ما نصه:
«سألت الشافعى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال حسن غير مكروه،
وقد نقل ذلك بأمر النبى صلى الله عليه وسلم ... قلت وما الحجة فيما ذكرت
قال الأحاديث الثابتة من غير وجه، وقد حدثنا مالك ببعضها : أخبرنا
مالك عن بن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد
ابن أبى وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان ، وهما
يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل
أمر الله ، فقال سعد بئسما قلت یا ابن أخی فقال الضحاك ، فإن عمر قد نهى
عن ذلك ، فقال سعد قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه،
فقلت للشافعى قد قال مالك قول الضحاك أحب إلى من قول سعد ، وعمر
أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من سعد، (١).
من هذا نرى أنه رجح قول عمر ، ورد حديث سعد ، وقال عمر أعلم
بر سول الله من سعد ، فهو قد اعتمد قول عمر على أنه سنة، وإذا عارضها
حديث صريح راجح بينهما، وقد ترجح لديه قول عمر كما رأيت.
(١) الأم من كتاب اختلاف مالك الجزء السابع ١٩٨، والمراد بالتمتع فى
الحج أن يحرم بالحج بعد العمرة وهى الطواف ، قبل أن يرجع إلى أهله .
(م ٢٢ - مالك)

- ٣٣٨ -
(ب) ومن ذلك الحجامة فى الإحرام فقد قال إن المحرم لا يحتجم إلا
من ضرورة، أخذاً بقول ابن عمر ، وإليك نص الأم:
(«سألت الشافعى عن الحجامة للمحرم فقال يحتجم، ولا يحلق شعراً،
ويحتجم من غير ضرورة، فقلت وما الحجة ، فقال أخبرنا مالك عن يحي
ابن سعيد عن سليمان بن يسار أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم.
فقلت للشافعى فإنا نقول: (( لا يحتجم المحرم إلا أن يضطر إليه، لابد له
منه ، وقال مالك مثل ذلك ، (١) .
وترى من هذا أنه يأخذ بقول ابن عمر على أنه رواية عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ويترك الرواية الأخرى بعد أن ثبت لديه رججانها
عليها، وقد روى كليهما ، فتركه العمل بإحداهما كان عن بينة ومسلك فقهى ،
لا عن جهل بالرواية والحديث .
(جـ) ومن ذلك الطيب للمرحوم بالحج قبل تحلله فقد روى مالك
بسنده المتصل أن النبى عق كان يتطيب.
ولكن مالكا الذى روى هذا الخبر قد كان يفتى بأن ذلك مكروه
وأخذ ذلك من نهى عمر رضى الله عنه عن الطيب قبل الإحلال ؛ وذلك
لأنه يرى أن عمر أصدق نقلا عن رسول بَّ الّ﴾ (٢).
١٣٢ - بالبناء على هذه القاعدة كان مالك يقدم قول الصحابي على
بعض الأخبار إذا وازن بينهما ، ووجد من وجوه الرأى ، أو من عمل أهل
المدينة، أو من أقوال الناس ، أو من أصول الشريعة ، العامة ما يرجح قول
الصحابى، وهو فى ذلك لا يقدم قول الصحابي على السنة ولكن على اعتبار
أنه قد وردت روايتان فى السنة ، قد اختلفتا فيما تتأديان إليه ، فوازن
بينها تلك الموازنة، وانتهى إلى قبول إحداهما، ورد الأخرى ، فهو لميرد
قول الرسول بقول الصحابى، بل رد خبراً عن الرسول بخبر آخر أوثق،
وأصدق نقلًا .
(١) الأم السابع ص ١٩٦.
(٢) الأم السابع ص ٢٠٠.

- ٣٣٩ -
ولقد خالفه تدبذه الشافعى فى ذلك المسلك ، وقال عنه إنه يرد الأصل
بالفرع، ويرى الأقوى بالأضعف، ولكن الظاهر الذى يتسق به الفقه
المالكى أنه لا يقدم قول الصحابى على خبر الرسول باعتباره رأياً للصحابى
يقدمه على قول الرسول ، فمعاذ الله أن يكون ذلك مسلك إمام دار الهجرة،
وشيخ المحدثين فى جيله ، بل الحق ما ذكرناه، وهو أنه يعتبر قول الصحابى
فهماً تلقاه عن رسول اللّه مَّةٍ، فهو نقل صادق إذا لم يكن ريب فى ناقليه،
وإذا عقد الموازنة بينه وبين خبر عن الرسول مباشرة ، فليست الموازنة
إلا بين خبرين عنه عليه الصلاة والسلام ، وخصوصاً أنه لم يأخذ إلا عن
الصحابة الذين لازموه أمداً طويلا .
فتوی التابعى
١٣٣ - إذا كان العلماء قد أخذوا بقول الصحابى، على وجه التقليد
له ، أو على أنه حجة فى الشرع باعتبار قوله سنة منقولة ملتمسة من هدى
النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فإن أكثر العلماء لم يجعلوا التابعين
لهم هذه المنزلة ، فأبو حنيفة صرح بأن له أن يجتهد كما اجتهد الحسن وابن
سيرين والشعبى وإبراهيم ، والشافعى لم يذكر فى رسالته أنه يسوغ تقليدهم،
وإن كان روى عنه أنه كان يختار أفوالا لبعض التابعين فى بعض الأحوال،
ولعله فى هذه الأحوال لا يكون قد انتهى إلى اجتهاد مقر ثابت فى المسألة
مجزوم به ، فإذا رأى فيها قولا لبعض التابعين قاله ، لا على أنه اختيار
فقهی مبنى على الدليل ، ولا باعتبار أن قول التابعين حجة عندعدم غيرها،
ولا باعتبار أن تقليده جائز كالصحابى ، بل هو استئناس بقول من سبقه فى
أمرهم لم يتقرر له فيه رأى .
ولقد أخذ بعض الحنابلة بأقوال التابعين إذا لم يكن لها مخالف من أفوال
الصحابة ولا من التابعين .

- ٣٤٠ -
ومن أى الفريقين مالك ؟ يظهر أنه لم يعتبر قول التابعى فى مقام من
السنة كقول الصحابى، ولكن بعض التابعين كان لأقوالهم اعتبار عنده؛
إما لمقامهم من الفقه، أو لتحريم الصدق ، أو لمناقبهم وسابقاتهم فى الإسلام،
كعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، وابن شهاب الزهرى ، ونافع
مولى عبد الله بن عمر، ومن هم فى هذه الدرجة من العلم بالرواية ، والدراية
فى الفقه ، فكان يقبل ما يقولون من فقه إذا كان أساسه سنة، أو أتفق مع
العمل ، أو كان عليه بعض العلماء، ويظهر أنه كان يستغنى باجتهادهم أحياناً
إذا اطمأن إليه ، ولم يجد مخالفاً .
١٣٤ - ولننقل لك بعض النقول التى تؤيد ما قلنا، وتزكيه :
(١) فمن ذلك منع الإنسان من أن يبيع ماليس فى حيازته، فقد أخذ
فيه برأى سعيد بن المسيب. فقد جاء فى الموطأ: مالك عن موسى بن ميسرة
أنه سمع رجلا يسأل سعيد بن المسيب ، فقال : إنى رجل أبيع بالدين ،
فقال: (( لا تبيع ما ليس فى رحلك(١))).
(ب) ولقد أخذ فى حقيقة ربا الجاهلية يقول زيد بن أسلم ، فقد جاء
فى الموطأ :
« مالك عن زيد بن أسلم أنه كان الربا فى الجاهلية أن يكون للرجل على
الرجل حق إلى أجل قال أتقضى أم تربى ، ولقد بنى على هذا أن الإسقاط
من الدين فى نظير إسقاط الأجل هو من الربا، ولذا قال: والأمر المكروه
الذى لا اختلاف فيه عندنا أن يكون على الرجل الدين إلى أجل ، فيضع
عنه الطالب ، ويعجله المطلوب . وذلك عندنا بمنزلة الذى يؤخر دينه بعد
محله عن غريمه، ويزيده الغريم فى الدين ، فهذا هو الربا بعينه (٢))).
(١) الموطأ ج ٣ ص ٠١٤١
(٢) الموطأ ٣ ص ٠١٣٩