Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٣٠١ - الحكم قوة، مثل قوله تعالى: ((ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما، فإن ذلك يشمل الضرب، وهو أكثر استحقاقاً للنهى من التأفيف، والأذى فيه أكثر، وهو سبب النهى . (وثانيهما) إثبات الحكم فى الأقل، لأن القلة تقتضى قوة فى الحكم لا تكون فى الكثرة مثل قوله تعالى: ((ومن أهل الكتاب من تأمنه بقنطار يؤده إليك ، ومنهم من إن تأمنه بدینار لا يؤده إليك »، لأن من اؤ تمن على الكثير يؤتمن على القليل . فمن اؤ تمن فى قنطار يؤتمن فى دينار ، وهذا المثال يشمل النوعين ، لأن القسم الأول من الآية الكريمة يثبت حكم الأكثر فى الأقل بالأولى، والقسم الثانى منها اعتبر النفى الأكثر؛ لأنه نفى الأقل ، إذ من لا يؤتمن على دينار بالأولى لا يؤتمن على قنطار . ٩٨ - هذه دلالات القرآن الكريم، وقوتها عند مالك رضى الله عنه، ومرتبتها فى الاستدلال ، يقدم النص ، ثم الظاهر ، ثم المفهوم بالموافقة ، ثم بالمخالفة ، ولكن من أى نوع بيان القرآن من ناحية الإجمال والتفصيل؟ يجب ذكر هذا بكلمة موجزة. بيان القرآن القرآن الكريم هو المصدر الأول لهذه الشريعة ، وهو كليها الذى اشتقت منه أصولها وفروعها، وأخذت منه الأدلة قوة استدلالها، وإذا كان القرآن كذلك فلا بد أن يكون بيانه للشريعة إجمالا يحتاج إلى تفصيل ، وأحكامه عامة تحتاج إلى تبيين ، لذلك كان لابد من الاستعانة بالسنة لاستنباط بعض الأحكام منه ، أو لتتميم بيانه إن كان مجملا ، أو التقرير ما لا يحتاج إلى بيان منه بتثبيته فى قلوب المؤمنين . وإن المستقرى للآيات القرآنية المبينة للأحكام الشرعية يجد بعض هذه - ٣٠٢ - الأحكام لا يحتاج إلى بيان، مثل آية حد القذف، وهى قوله تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون)). وكذلك الآية التى تبين اللعان وطريقته، وهى قوله تعالى: ((والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين)). ففى هذه الآية يتبين اللعان ، والحال التى يجب فيها، وقد بينت السنة الآثار المترتبة عليه . وبعض آى القرآن المتعلقة بالأحكام يحتاج إلى بيان ، كأن يكون مجملا فيحتاج إلى تفصيل ، أو فيه بعض الخفاء فيحتاج إلى تفسير أو تأويل ، أو يكون مطلقاً فيقيد، ولقد اتفق العلماء على أن السنة هى التى تتولى البيان ، يستوى فى ذلك فقهاء المدينة وفقهاء العراق، وإن كان ثمة فرق بينهما ، فهو أن فقهاء العراق يحدون مواضع الحاجة إلى البيان ، وفقهاء المدينة يوسعون مواضع الحاجة، فالخاص عند العراقيين لا يحتاج فى القرآن إلى بيان، ويعدون كل بيان له زيادة فكل ما جاء فى السنة متعلقاً بموضوعه ، فهو زيادة عليه لا تقبل إلا إذا كانت فى قوته من حيث الثبوت ، ويرى فقهاء المدينة ومن سلك مسلكهم أن كل ما صح من الآثار فى موضع من المواضع التى ذكرها القرآن ، فهو مبين له ، مخصص لعمومه أو مقيد لمطلقه ، أو مبين الخاصه . وفى الحق إن السنة بيان للقرآن الكريم فى شرائعه ، فالزكاة والصوم، والصلاة ، والحج كل هذه شرائح جاءت مجملة فبينتها السنة ، والربا بأقسامه جاء فى القرآن مجملا وبينته السنة ، وكثير من أحكام الأنكحة جاءت - ٣٠٣ - مجملة ، فبينتها السنة، فهى إذن بيان القرآن الكريم، وترجمانه ، ولقد قال اللّه تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولذلك جاء فى بعض كتب الشافعى، تلميذ مالك اعتبار الكتاب والسنة أصلا واحداً، هو أول الأصول، ومرجعها . والآن نمسك القلم خشية الاسترسال فى علم الكتاب، وإن المدى فيه واسع بعيد، ونتجه إلى السنة . ٢ - السنة ٩٩ - كان مالك رضى الله عنه إماماً فى الحديث، كما كان إماماً فى الفقه، وموطؤه كتاب حديث ، وكتاب فته، ولعله أوضح الأئمة المجتهدين جمعاً بين الإمامة فى الفقه والحديث من غير خلاف، فهو رأو من الطبقة الأولى فى الحديث ، وهو فقيه ذو بصر بالفتيا ، واستنباط الأحكام ، وقياس الأشباه بأشباهها ، ومعرفة مصالح الناس ، وما يكون ملائما لهامن الفتاوى من غير ابتعاد عن النص ولا هجر المأثور من الأقضية والفتاوى المنسوبة للسلف الصالح رضى الله عنه. ولقد تكلم بعض الناس مخطئين فى رواية الشافعى وأبى حنيفة ، ولم يستطيعوا مع تحيفهم أن يتكلموا فى مالك الرواية ، وأنكر بعض العلماء، ومنهم ابن جرير الطبرى على أحمد بن حنبل أن يكون فقيهاً ، وقالوا إنه محدث ، لا فقيه ، ومالك وحده هو المحدث الذى يعد فى الرعيل الأول بالإجماع ، والفقيه البصير بمواضع الفتوى ومصادرها بالإجماع. هذا أمر مقرر ثابت مجمع عليه بين علماء الحديث والفقه . فالإمام البخارى الذى يعد كتابه أصح كتب الحديث ، وأقواما نسبة - ٣٠٤ - يعتبر سند مالك فى بعض أحاديثه التى رواها أصح الأسانيد وهو: مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة . ويقول أبو داود صاحب السنن: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ، ثم مالك عن الزهرى عن سالم عن أبيه ، ثم مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة ، ولم يذكر أحداً غير مالك . وهذه الشهادة من أهل الفن تدل على أمرين يضعانه فى الطبقة الأولى بين المحدثين ، كما قرروا . (أحدهما ) أنه ثقة فى نفسه ، وأنه عدل ضابط لا مجال للطعن فى روايته من حيث شخصه وقوة ضبطه ، وقد تكلم الناس فى غيره فى ذلك المقام . ( ثانيهما) أنه حسن الاختيار لمن يروى عنهم ، فهو ورجاله الذين يروى عنهم فى المرتبة الأولى، إذ يعتبر البخارى أصح الأسانيد هو وبعض رجاله ، ويعتبره أبو داود هو ورجاله يحتلون المراتب الأولى الثلاث فى قوة السند ، فهو إذن ثقة يحسن وزن الرجال بشهادة أهل الخبرة المحققين العالمين بهذا الشأن . وقد علمت عند دراسة شيوخه کیف کان ینتقی من يلقى عنهم الحديث، وسنبين عند الكلام فى حجية الأحاديث عنده كيف كان يتشدد فى شرط العدالة والضبط فى الرواة . شريعة السنة بالنسبة للقرآن ١٠٠ - ما تدل عليه السنة ثلاثة أقسام : القسم الأول: ما هو تقرير لأحكام القرآن ، وليس فيه جديد عليه ، ولا توضيح لمبهم ، ولا تقييد لمطلق، ولا تخصيص لعام ، مثل صوموا - ٣٠٥ - لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فهذا الحديث مقرر، ومؤكد لمعنى قوله تعالى: (( شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن)). والتقسيم الثانى: سنة تبين المراد من القرآن الكريم ، وتقيد مطلقه ، وتفصل مجمله. ومن بيان المراد - حديث النبي صَّ ه الصحيح الذى يبين أن الظلم فى قوله تعالى: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، هو الشرك. ومن بيان المجمل بيان الصلاة والزكاة والحج ، ففى هذه العبادات كان القرآن الكريم مجملا، قد أمر بالصلاة، ولم يبين أركانها وأوقاتها ، وقد بينها النبى صَّ له بالعمل، وقال: صلوا كما رأيتمونى أصلى، وأمر بالزكاة، وتولت السنة البيان ، فبينت زكاة النقدين ، وزكاة الزرع والثمار ، وزكاة النعم، وزكاة الحج ، وكذلك الحج جاء فى القرآن الكريم مجملا ، وبينت السنة النبوية مناسكه، ومن المجمل أيضاً قوله تعالى:(( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه)) فإنه مجمل فى النصاب الذى يقطع به ، وفى شروطه ، وقد بينت السنة ذلك ، على اختلاف بين الفقهاء حول الأحاديث المبينة المقدار الذى تقطع فيه اليد . ومن المجمل عند المالكية المشترك ، هو الذى يدل على أحد معنيين أو معان بأصل وضعه ، كلفظ القرء فى قوله تعالى ((والمطلقات يتربصن بأنفسمن ثلاثة قروه)، فإنه يطلق على الحيض ، وعلى القرء، والسنة هى التى بينت، على اختلاف بين العلماء فى هذا البيان . ومن البيان تخصيص العام ، فإن مالكا كما بينا يقرر أن السنة الخاصة تخصص عام القرآن بشروط سنذكرها ، ولو كانت خبر آحاد، إن كان له معاضد، لأنه حيثما التقى العام بالخاص عنده كان العام مخصصاً به ، إن عاضد السنة أمر آخر . ومع هذا النظر عند مالك يفرق عنده بين بيان السنة للعام بتخصيص، (٢ ٢٠ - مالك) 1 هـ ٣٠٩ - وبيانها للمجمل ، فإن المجمل لا يمكن العمل به من غير بيانها ، أما العام فإنه يعمل بعمومه، ولو كان الاحتمال يدخل دلالته عنده ، ولكن الرجحان دلالته على كل احتمال آخر يعمل بها حتى يقوم دليل على التخصيص ، ومن ثم كان الفرق بينه وبين المجمل ، وإن كان لسنة الآحاد بيان فيهما عند مالك وتلاميذه . ٠ ( القسم الثالث ) سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب ، فتبينه بياناً مبتدأ كالحكم بالشاهد واليمين عند مالك ، إذا لم يكن للمدعى شاهدان ، بل له شاهد واحد، فإنه يحلف وتسمح شهادة ذلك الشاهد، وتكون يمينه أى المدعى قائمة مقام الشاهد الثانى لأثر صح عنده فى ذلك، ومنها تحريم الرضاع، بحيث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والرهن فى الحضر، والقرآن قد ذكر الرهن فى السفر، فى قوله تعالى: ((وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ، وميراث الجدة(١) . ١٠١ - هذه أقسام السنة بالنسبة للقرآن، وقد كانت بياناً له ، أو آتية بحكم قد استقلت ببيانه ، وإن كانت فى أصل حجتها تعتمد على القرآن(٢). وهناك أمر يبينه العلماء مختلفين فى بيانه ، وهو إذا تعارضت السنة مع ظاهر القرآن ، سواء أ كان ذلك الظاهر عاماً، كما اعتبر مالك دلالة العام ، أم كان غير عام فقد اختلف فى ذلك العلماء ، فبعضهم اعتبر السنة مخصصة لظاهر (١) يرى بعض العلماء أن كل ما تشتمل عليه السنة من أحكام إنما مرجعه إلى الكتاب وقد بينه الشافعى فى الرسالة ، وبيناه عند دراستنا للشافعى. فارجع إليه ، ولا نريد هنا تكرار بيانه . (٢) قد بين الشافعى فى رسالته حجية السنة بأدلة مستفيضة لخصناها ووضحناها عند دراسته ، فارجع إليها . - ٢٠٧ - القرآن حيثما التقت به ، لأن السنة بيانه ، ودلالة الظاهر احتمالية، فهو قريب من المجمل ، وإن لم يكن مجملا ، والسنة هى التى تبين المجمل ، وتوضح المراد من المبهم، كما ظهر فى تبيينها للظلم بأن المراد به الشرك فى قوله تعالى: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)). وقد أخذ بذلك الرأى طائفة كبيرة من السلف الصالح ، وعاضده ابن القيم وقال فيه: « لو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن ، وبطلت بالكلية ؛ فما من أحد يحتح عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته ، إلا يمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها ، ويقول هذه السنة مخالفة لهذا العموم، أو هذا الإطلاق ، فلا يقبل ، وهؤلاء الروافض ردوا حديث (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) بعموم آية. ((يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .. )، وما من أحد رد سنة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك)، (١). وقد خالف ذلك آخرون . ١٠٢ - ومن أى القبيلين إمام دار الهجرة مالك، وشيخ الفقه الحجازى فى عصره؟ . لقد وجدناه فى بعض الأحوال يقدم ظاهر القرآن على السنة ، وفى بعض الأحكام يجعل السنة حاكمة على ظاهر القرآن ، فكان لابد من تلمس السبب فى الأمرين ، لنستنبط منه الضابط الذى كان يسير عليه . ولقد وجدناه يأخذ القرآن الكريم، ولو كانت دلالة اللفظ من قبيل الظاهر فقد رد حديث « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أکل کلذى مخلب من الطير ، إذ مشهور مذهب مالك إباحة أ كل الطيور ((ولو كانت (١) راجع الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية. صيوي ٣٠٨ - ٠ ذا مخلب)، وأخذ فى ذلك بظاهر القرآن الكريم : ((قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أودماً مسفوحاً أو لحم خنزير )) (١) وترك الحديث، وضعفه لهذه المعارضة . أما حديث النهى عن كل ذي ناب من السباع ، فقد أخذ به، وحمله على الكراهة ، لا على التحريم ، فكأن الآية على ظاهرها ، هذا ما ذكره المالكية منسوباً لمالك، ولكن فى الموطأ تحريم كل ذي ناب من السباع أخذاً من صريح الحديث . وقد وجد ناه أيضاً يحرم أكل الخيل لظاهر القرآن الكريم ,والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، فلم يذكر طعامها، فكان ظاهر القرآن تحريمه ، وقد ورد فى صريح بعض الأحاديث تحليلها . وقد قدم صريح السنة فى الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها على ظاهرة وله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)). ١٠٣ - وقد اهتدى المالكية على ضوء الاستقراء إلى أن مالكا يقدم ظاهر القرآن على السنة ، وهو فى ذلك كمأبى حنيفة ، إلا إذا عاضد السنة أمر آخر فإنها فى هذه الحال تعتبر مخصصة لعموم القرآن أو مقيدة لإطلاقه ، فإذا عاضد السنة عمل أهل المدينة ، كما ذكر فى حديث النهى عن أكل كل ذي ناب من السباع فإن السنة يؤخذ بها، وتعتبر مخصصة لما اشتمل عليه ظاهر النص، ولذلك جاء فى الموطأ بعد حديث النهى عن أكل كل ذى ناب ((وهو الأمر عندنا)، وهذا يفيد أن أهل المدينة على ذلك . وكذلك إذا عاضده إجماع ، كما هو الشأن فى حرمة الجمع بين المرأة (١) بين الشافعى فى الرسالة أن المراد بنفى التحريم هنا خاص بموضع السؤال، وهو ما كان يأكله العرب ويحرمون بعضه كالسائبة والوصيلة والحام ( راجعها وراجع دراستنا للشافعى ص ٢٦١). - - ٣٠٩ - وعمتها، والمرأة وخالتها ، فإن الإجماع قد انعقد على ذلك ، فكان هذا مزكياً للسنة، فكانت مخصصة لعموم الآية . فما لم تعاضد السنة بإجماع ، أو عمل لأهل المدينة ، أو قياس ، فإن النص يسير على ظاهره، وترد السنة التى تعارض ذلك الظاهر، إذا كانت روايتها بطريق الآحاد، أما إذا كانت متواترة ، فإنها ترتفع إلى مرتبة نسخ القرآن عنده، فبالأولى ترتفع إلى تخصيص عامة ، و تقیید مطلقه، و تر جيحالاحتمال فی ظاهره وذلك إعمال للنصین، وأخذ بهما . وقد وجدناه أخذ بذلك الأصل ، وهو تقديم الظاهر على خبر الآحاد إن لم يكن معاضدً - فى رد خبر ((إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم، فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب)) لمعارضته اظاهر القرآن، وهو قوله تعالى : ((وما علمتم من الجوارح مكلبين، فإباحة ما يصطاده يدل على طهارته ، فيرد ما يدل على نجاسته . هذا نظر مالك إلى عموم القرآن الكريم مع السنة ، وتراه فى نظر يتقارب مع فقهاء العراق ولا يتباعد عنهم ، وإن كانوا هم قد حكموا بأن العام قطعى فى دلالته ليس فيها احتمال ناشىء عن دليل ، وقال هو إنها من قبيل الظاهر، ولكنه قدم الظاهر على الخبر؛ إن لم يعاضد بأمر آخر من إجماع ، أو عمل أهل المدينة أو قياس . الرواية عند مالك ١٠٤ - الأحاديث النبوية، تثبت بالسند المتصل بأحد طرق ثلاثة: بالتواتر ، أو بالاستفاضة والشهرة ، أو بخبر الآحاد . وقد عرف القرافى الخبر المتواتر بأنه خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل فيه تواطؤهم على الكذب عادة . وهذا التعريف يقتضى أن تكون - ٣١٠ - سلسلة السند كلها متواترة ، بحيث يتلقى الحديث أقوام عن أقوام . حتى يتصل السند بالنبي صلى الله عليه وسلم. وبذلك يتميز المتواتر عن المستفيض أو المشهور عند الحنفية ، وهو الحديث الذى تكون الطبقة الأولى أو الثانية فيه آحاداً ، ثم يشتهر بعد ذلك وينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب ، ولقدقال صاحب كشف الأسرار : والاعتبار للاشتهار فى القرن الثانى والثالث ، ولا عبرة للاشتهار فى القرون التى بعد القرون الثلاثة ، فإن عامة أخبار الآحاد اشتهرت فى هذه القرون ، ولا تسمى مشهورة (١) . والمتواتر يفيد العلم ضرورة ، أى لا يكون لدى الفقيه مجال للتكذيب (٢) . والمستفيض قال فيه بعض العلماء: ((إنه ليس كحديث الآحاد ، من حيث إثباته للظن ، بل يفيد علم الطمأنينة ، من حيث إنه اشتهر فى طبقة التابعين ، حيث العهد قريب، وأعلام السنة قائمة ، والآثار بينة ، وشهرته فى ذلك الإبان رادة لمظنة الكذب أو الخطأ فى النقل ، ولقد حسبه بعض العلماء فى مرتبة المتواتر ، من حيث إفادته اليقين ، ولكن لا بطريق الضرورة كالمتواتر ، بل بطريق النظر والاستدلال . وبعض العلماء يعدونه كخبر الآحاد من حيث إنه يثبت الظن مثله . وهكذا ترى اختلاف العلماء فى المشهور ، ويظهر أن مالكا رضى الله عنه برفع المشهور عن خبر الآحاد، لأن ما يشتهر فى طبقة التابعين ويستفيض ، فهو رواية أقوام عن الصحابة ، وليس ذلك مما يكون مجالا للريب عنده . ١٠٥ - وأما خبر الآحاد فهو ما لم يروه جماعة فى القرون الثلاثة (١) راجع هذا البحث فى دراسة أبى حنيفة ، وهنا نقصر الدراسة على النظر المالكى دون سواه . (٢) قد بينا ذلك في فقه أبي حنيفة . فلا نكرره هنا، وتحيل القارىء عليه. - ٣١١ - الأولى وهو حجة عند جمهور المسلمين ، بل يكاد بکون حجة بإجماعهم، ولكن العلم به يفيد ظناً ، وإن كان العمل به واجباً ، ويقول الشاطبى إن العمل بأخبار الآحاد واجب، لأنه وإن كان عملا بدليل ظنى هو يعتمد على القطعى ، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن تتبع الرسول فى كل ما جاء به ، فقال تعالى: ((وما آتاكم الرسول نفذوه، وما نها كم عنه فانتهوا))، وقال تعالى ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وإذا كان طريق الوصول إلى قول، الرسول فهو كدلالة القرآن إن كانت ظنية لا يمنع ذلك وجوب العمل بها ، وقال الشاطى فى هذا : ((والظن الراجع إلى أصل قطعى إعماله ظاهرَ، وعليه عامة أخبار الآحاد ، فإنها بيان للكتاب، لقوله تعالى (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، ومثل ذلك ما جاء فى الأحاديث من صفة الطهارة الصغرى والكبرى ، والصلاة والحج مما هو بيان لنص الكتاب ، وكذلك ما جاء من الأحاديث فى النهى عن جملة من البيوع ، والربا وغيره من حيث هى راجعة إلى قوله تعالى: ((وأحل الله البيع وحرم الربا، وقوله تعالى ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)) إلى سائر أنواع البيانات المنقولة بالآحاد)، (١). فالعمل بخبر الآحاد ، وإن كان ظنياً يعتمد على أصل قطعى ، وهو كتاب الله سبحانه وتعالى: وكونه ظنياً لا يمنع العمل به. × ١٠٦ - ولقد قسم ابن رشد السنن فى النظر المالكى إلى أربعة أقسام على حسب طرق روايتها وموضوعها : القسم الأول: سنة لا يردها إلا كافر يستتاب، فإن تاب ، وإلا قتل، وهى ما نقل بالتواتر، فصل العلم به ضرورة، كتحريم الخمر، وأن الصلوات خمس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالآذان، وأن القبلة إلى الكعبة، وما أشبه ذلك . ۔ (١) الموافقات الشاطى ص ١٧ = ٠٣ ٠ ٠ ٠٫٠٠ ٠ - ٣١٢ - القسم الثانى: سنة لا يردها إلا أهل الزيغ، والزلل والتعطيل، إذ قد أجمع أهل السنة على تصحيحها ، وتأويلها ، كنحو أحاديث الشفاعة ، والرؤية وعذاب القبر، وما أشبه ذلك بما موضوعه اعتقاد، ولم يكن متواتراً فى سنده ، وأجمع أهل السنة على صحة الرواية، وإن لم تبلغ مبلغ التواتر . القسم الثالث: سنة توجب العلم والعمل ، وإن خالفها مخالفون من أهل السنة وذلك نحو الأحاديث فى المسح على الخفين ، لأنها مشهورة قد أخذت بها جماهير المسلمين ، والمخالفون قليلون . القسم الرابع : سنة توجب العمل ، ولا توجب العلم، وهى ما ينقله الثقة عن الثقة ، وهو كثير فى كل نوع من أنواع الشرائع ، والعمل به واجب، وإن كان احتمال الكذب وارداً مرجوحاً ، ومثل ذلك الحكم بشهادة الشاهدين العدلين وإن كان الكذب والوهم جائزاً عليهما فيما شهدا به(١). ١٠٧ - ولقد شدد مالك فى قبول الرواية، كما بينا فى ترجمة حياته؛ ولذلك كانت سلسلة رواياته أقوى الأسناد ، ويسمى بعض المحدثين بعض أسناده السلسلة الذهبية . ولقد نقلنا لك أنه كان يقول: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ من سواهم ، لا يؤخذ من سفيه ، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعته ولا من كذاب يكذب فى أحاديث الناس ، وإن كان لا يتهم على حديث رسول اللّه عَّ التّ ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحمل وما يحدث به)) . وكان يقول: «أدركت بهذا البلد مشيخة لهم فضل وصلاح يحدثون، ما سمعت من أحد منهم شيئاً ، فقيل له يا أبا عبد الله؟ قال لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون)). (١) أخذت هذه الأقسام مع بعض التوضيح من المقدمات الممهدات لابن رشه ج ١ ص ١٧ طبعة الساسى . حالته -- ٣١٣ - وإن هذا الكلام ليدل على ما كان يشترطه فى رجاله من شروط ، فهو يشترط العدالة المعروفة، فلا يقبل من غير عدل، ولا يقبل من مجهول ، لأن من يرد العدول ، إذا كانوا لا يعرفون ما يحملون أحرى بأن يرد من لا يعرف ، فعساه ليس بعدل ، وعساه إن كان عدلا لا يعرف ما يحمل وما يدع ، بل إنه ليشترط فى الراوى ما هو أكبر من العدل ، وهو ألا يكون سفيها ، فيه حمق وجهل ، وعدم اتزان ، والحمق قد يجتمع مع العبادة والتقى، ومالك لا يقبل من التقى الأحمق ، ولا من العابد الذى لا يزن الأمور بميزانها الصحيح . ويشترط مع الشرطين السابقين شرطين آخرين (أحدهما) ألا يكون صاحب بدعة يدعو إلى بدعته ، فمن يسميهم أهل الأهواء، وهم أصحاب الفرق المختلفة لا يقبل روايتهم، خشية أن تدفعهم المذهبية لأن يقولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، ولأنهم بانتحالهم ما ينتحلون يعتبرون فى نظر مالك ومن يسلك مسلكه فاسقين بهذا الابتداع، وإن فسق النفس والعقل عنده أقوى من فسق الجوارح. (وثانيهما) الضبط والفهم ، ومعرفة معانى الحديث، ومراميه وغاياته، ولذلك لم يقبل رواية من لم يعرف ما يحمل ، وقد رد أحاديث كثيرين من معاصريه، مهما تكن عدالتهم ما داموالم يكونوا من أهل هذا الشأن ، وإن أحدهم لو اؤ تمن على بيت مال ما خان ، کما ذكرنا ذلك عنه فی بیان من تلقى عليهم ، ومن أخذ عنهم . ١٠٨ - هذا ويجب أن يلاحظ أن يستوفى شروط مالك فى الرواية ويقبل الأخذ عنه لا يعفى ما يأخذه عنه من الدراسة والتعميق فى فهم الحديث الذى رواه، والربط بينه وبين ما اشتهر من القواعد الشرعية ، واستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وما اتفق عليه الناس في عصره، وما عليه أهل المدينة ، فإن لم يشذ عن شيء من ذلك أفتي به، - ٣١٤ - وأخذ بمضمون أحكامه، وإن لم يتفق مع كل هذا رده، لأنه لم يرتض الشاذ من العلم ، ولعل هذا يتفق مع القاعدة الفقهية التى يقرر علماء الأصول من المذهب المالكى، وهى أن ما يروى بطريق الآحاد، وهو من شأنه أن يروى بطريق التواتر ترد فيه رواية الآحاد ، كمة واعد الشرع من وجوب الصلاة والزكاة والحج، والصوم، ومواقيت هذه الفرائض، وأحكامها، ولذلك كان مالك إذا علم غرابة حديث رده مع كون رواية ثقة ، فقد كان ينفر من الغريب ويشك فيه ، ولو استوفى راويه كل شروطه(١). ولقد لوحظ أنه كان يروى أحاديث ، ويدونها ، ولكنه يفتی بخلافها، ولعل تلك الفتوى كانت بعد أن علم فيها عيباً اقتضى ردها ، وتكون بعد أن نقلت عنه ، فمثلا روی حدیث خيار المجلس ، ولم يأخذ به ، وروی حديث ولوغ الكلب فى الإناء، ورده لمخالفته صريح القرآن ، ثم قال ماهو بالموطأ ولا الثابت. وفى الجملة كان مالك يرد أحاديث الثقات أحياناً إذا وجدها تخالف المشهور المعروف من أحكام الإسلام ، ولذلك كان القياس أحياناً يقف مع (١) هذه قاعدة يذكرها العلماء ولكن لوحظ أن بعض قواعد الإسلام قد ثبتت بأخبار آحاد ، ولذلك قالوا فى الرد على هذا ما نصه : (( الأحاديث لها حالتان أول الإسلام قبل أن تدون وتضبط، فهذه الحال إذا طلب حديث ولم يوجد ، ثم وجد لا يدل على كذبه ، فإن السنة كانت مفرقة فى الأرض فى صدور الحفظة . الحال الثانية بعد الضبط التام وتحصيلها إذا طلب حديث فلم يوجد فى شىء من دواوين الحديث ولا عند رواته ، دل ذلك على عدم صحته ، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يكون ديوان ولا راو ، إلا كشف أمره فى جميع أقطار الأرض » شرح التنقيح القرافى ص ١٥٤ . - ٣١٥ - أخبار الآحاد موقف التعارض ، فيدرسهما مالك ، ويرجح أحدهما على الآخر ، وأحياناً يرد خبر الآحاد ، ولذلك مكان من البيان . ١٠٩ - قبول مرسل الحديث: ومالك رضى الله عنه كان يقبل المرسل من الأحاديث ، والبلاغات ، ويظهر أنه فى ذلك كان يسير على ما يسير عليه أكثرفقهاء عصره، فالحسن البصرى وسفيان بن عيينه، وأبو حنيفة رضى الله عنهم كانوا يأخذون بالمرسل من الأحاديث، ولا يردونه. وإنك تفتح الموطأ فتجد فيه الكثير من المرسلات ، ومن ذلك حديث الجلد ، وهذا نصه : (((قال مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى، فدعا له رسول اللّه مَّ الله بسوط، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلد، ثم قال : أيها الناس قد آن أن تنتهوا عن حدود الله تعالى ، من أصاب من هذه القاذورة شيئاً، فليستتر بستر الله. فإنه من يدى صفحته لنا نقم كتاب الله(١))) . ومنه حديث الشاهد والیین فهو مرسل عن طريقه ، وهذا نصه كما فى الموطأ قال مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد(٣))). وترى أن السند فيه فقط جعفر الصادق بن محمد بن علی زین العابدين ، والصحابى بيقين ليس فيه ، فهو مرسل لم يذكر فيه الصحابى على أقوى الفروض ، ومع ذلك أخذ به مالك رضى الله عنه ، واعتبره . ومن المرسل أيضاً رواية ماصنعه النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر، فقد قال مالك: «عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله (٢) الموطأ ج ٣ ص ١٨٠: (١) الموطأ جـ ٤ ص ٠١٢ - ٣١٦ - عليه وسلم قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر ، أقركم فيها ما أقركم الله ، على أن الثمر بيننا وبينكم(١) ) . ومن البلاغات التى اعتمد عليها ما جاء فى الموطأ فى متعة الطلاق : مالك بلغة أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له فمتع بوليدة ( أى أمة سوداء). وتری من هذا أنه اعتمد فى إخباره عن عبد الرحمن بن عوف الصحابى على بلاغ بلغة، ولم يذكر من الذى بلغ ، ولم يذكر السند إلى عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه . ١١٠ - ولماذا كان مالك يقبل المرسلات، ويقبل البلاغات، ويفتى على أسسها، مع أنه هو الذى كان يتشدد فيها ؟ والجواب عن ذلك هو أن قبول المرسل إنما كان من رجال وثق بهم وانتقاهم ، فهو كان يتشدد فى البحث عن الرجل الذى يكون ثقة ، فإذا كان مستوفياً لكل شروطه اطمأن إليه، وقبل منه مسنده وقبل مرسله وبلاغاته ، فالتشدد فى الاختيار هو سبب الاطمئنان وقبول الإرسال . وإن قبوله المرسلات على هذا الاعتبار ليس دليلا على أنه يجيز الإرسال. بإطلاق ، ويجيز قبول المرسل بإطلاق ، بل يجيز إن كان الإرسال من مثل من قبل منهم إرسالهم ، فالعبرة بشخص من أرسل ، لا بالإرسال فى ذاته . ١١١ - ويظهر أن قبول المرسل من الأخبار كان أمراً شائعاً فى عصر مالك لأن الثقات من التابعين كانوا يصرحون بأنهم يرسلون اسم الصحابى إذا كانوا قد رووا الحديث عن عدة من الصحابة ، فلقد روى عن الحسن البصرى أنه كان يقول ((إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا ، وعنه أنه قال : «متی قلت لکم حدثنی فلان ، فهو حديثه لا غیر ، ' ج ٢ ص ١٩٦٤. الموطا - ٣١٧ - ومتى قلت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سمعته من سبعين أو أكثر ». ولقد روى أن الأعمش قال ((قلت لإبراهيم إذا رويت لى حديثاً عن عبد الله فاسنده لی ، فقال إذا قلت حدثنیفلان عن عبد الله ، فهو الذی روی لى ذلك، وإذا قلت قال عبد الله، فقد رواه لى غير واحد)). ويظهر أن الإرسال کان کثیراً قبل أن یکثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كثر اضطر العلماء إلى الإسناد ليعرف الراوى، فتعرف نحلته ، ولقد قال ذلك ابن سيرين: ((ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة » . لهذا قبل مالك كما قبل أبو حنيفة المرسل فى الحدود التى لاحظناها، وهى أن يكون الذين أرسلوا من الثقات . الرأى والحديث عن مالك ١١٢ - ذكرنا عند التمهيد لدراسة مالك رضى الله عنه أننا فى هذه الدراسة سنرى أن مالكا رضى الله عنه لم يكن فى اعتماده على الرأى مقلا، كما توهم عبارات الذين كتبوا فى تاريخ الفقه الإسلامى، حتى إنهم ليقسمون الفقه إلى فقه الأثر ، وفقه الرأى ، ويعدون موطن الأول المدينة، ويعدون موطن الثانى العراق ، ويذكرون أن مالكا فقيه أثر ، وأن أبا حنيفة فقيه رأى . وقلنا إن هذه القضية تلوح لنا غير صادقة بالنسبة لمالك ، وإن كانت صادقة بالنسبة لأبى حنيفة، وقلنا إنا وجدنا ابن قتيبة بعد مالكا فقيه رأى، وذكرنا فى بيان حياة مالك أن معاصريه كانوا يعتبرونه فقيه رأى، حتى ليسأل بعضهم فى عصره من المرأى بالمدينة بعد ربيعة ويحيى بن سعيد؟ فیجاب بأن مالکا له من بعدهما . - ٣١٨ - ١١٣ - وفى هذا المقام نواجه الموضوع، فإن مالكارضى الله عنه كان يدرس المسائل الفقهية دراسة خبير ، يزنها بميزان المصالح ، ويزنها بميزان القياس ، ويدرس الأحاديث النبوية ، على ضوء هذه الموازين، ويوازن بينها وبين عموم القرآن الكريم، فيختبرها ذلك الاختبار الدقيق العميق ، وفى هذه الدراسة نرى مالكا رضى الله عنه الفقيه ذا الرأى الذى لا يحيد عن الدين ، كما رأيناه من قبل المحدث الراوى الثقة. ١١٤ - وإن مقدار أخذ مالك بالرأى ليبدو جلياً فى أمرين: ( أحدهما) فى مقدار المسائل التى اعتمد فيها على الرأى سواء أ كان بالقياس أم بالاستحسان ، أم بالمصالح المرسلة ، أم بالاستصحاب ، أم بسد الذرائع الخ، وإن ذلك لكثير ، وافتح المدونة تجد الكثرة بينة واضحة ، بل إن تعدد طرائق الرأى عنده أكثر من غيره ليجعل له القدح المعلى فيه ، فإن كثرتها تشير إشارة واضحة إلى كثرة اعتماده على الرأى، لا إلى قلته . ( ثانيهما) عند تعارض خبر الآحاد مع القياس وهو أحد وجوه الرأى، وهنا نجد أنه يقرر الكثيرون من المالكية أنه يقدم القياس ، وإنهم بالإجماع يذكرون أنه أحياناً قد أخذ بالقياس، ورد خبر الآحاد، ولنتركهم هم يحكون مذهبه ، حتى لا يقال إننا تزيدنا عليهم لتأييد وجهة نظرنا، فى فقه مالك ، وهو أنه فقه يكثر فيه الرأى ولا يقل . قال القرافى فى تنقيح الفصول عند الكلام فى التعارض بين خبر الآحاد مع القياس : (( حكى القاضى عياض فى التنبيهات ، وابن رشد فى المقدمات فى مذهب مالك فى تقديم القياس على خبر الواحد - قولين ، وعند الحنفية قولان أيضاً ، حجة تقديم القياس أنه موافق للقواعد من جهة تضمنه لتحصيل ١ - ٣١٩ - المصالح أو درء المفاسد، والخبر المخالف لها يمنع من ذلك، فيقدم الموافق للقواعد على المخالف لها . ((وحجة المنع ( أى منع تقديم القياس على الخبر ) أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله، بيان الأول ( أى كون القياس فرع النصوص ) أن القياس لم يكن حجة إلا بالنصوص ، فهو فرعها ، ولأن المقدس عليه لابد أن يكون منصوصاً عليه ، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين ، وأما أن الفرع لا يقدم على أصله ، فلأنه لو قدم على أصله أبطل ، ولو أبطل أصله لبطل . (( والجواب عن هذه النكته (أى الجزء الأخير وهو دليل كون الفرع لا يقدم على أصله ) أن النصوص التى هى أصل القياس غير النص الذى قدم عليه القياس فلا تناقض ، فلم يقدم الفرع على أصله ، بل على غیر أصله، (١) . ١١٥ - وإن هذا الكلام يستفاد منه ثلاثة أمور : (أولها) أن مالكا رضى الله عنه يخرج كثيرون من أتباعه مذهبه على أنه يقدم فيه القياس على خبر الآحاد ، وأن علماء مذهبه فى ذلك على قولين ، كما أن علماء المذهب الحنفى فى ذلك على قولين ، فكما أن فى مذهب الحنفية من يحكمون بتقديم القياس على خبر الأحاد ، فكذلك عند المالكية من يقول إن مالكا يقدم القياس على خبر الآحاد ، بيد أن الذى يقول هذا القول من الحنفية وهو عيسى بن إبان وفخر الإسلام يقول إن خبر الآحاد يقدم عليه القياس إذا كان الصحابى الذى رواه غير «قيه، وقد انتهينا فى دراستنا لأبى حنيفة إلى أن ذلك التوجيه ، لايصور رأيه، وأنه إذا رد خبر الآحاد أحياناً وقبل القياس ، فليس لأنه يقدم القياس بإطلاق بل لأن بعض الأقيسة (١) شرح التنقيح ص ٧٦١ : ١ = ٠ - ٢٢٠ - قطعى ، أو لأن سند خبر الآحاد لم يكن مقبولا عنده ، فهل ذلك النظر هو نظر مالك ؟ سنبين ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. (ثانيها) أن عبارته هذه يلوح منها أنه يرى أن مذهب مالك تقديم القياس على خبر الآحاد ، بل إنه ليصرح بذلك فى مطلع كلامه ، فيقول: القياس مقدم على خبر الآحاد عند مالك ، ثم يحكى الاختلاف ، فهو بصريح العبارة يرجح أن ذلك مذهب مالك ، ولذلك ينتقد حجة من يرى عدم تقديم القياس، ويترك حجة من يرون تقديم القياس من غير نقد، فتكون لها نتيجتها، بل إنه يأتى بالعماد الذى أقيم عليه استدلال المخالف فينقضه من أساسه ، إذ أن أساس منع تقديم القياس على الخبر هو تقديم الفرع على الأصل ، فيبين أن ذلك الأساس غير صحيح؛ إذ الأصل الذى أخذ منه القياس غير الخبر الذى قدم عليه ، وإذا كان ذلك عماد الاستدلال وقد انهار ، فإن الدليل كله ينهار . (ثالثها) أنه يشير إلى أن أساس الأقيسة جلب المصالح ودرب المفاسد، وذلك توجيه حسن للفقه المالكى ، إذ أن ذلك هو أساس الرأى عنده، مهما تعددت ضروبه ، واختلفت أسماؤه ، فالرأى سواء كان بالقياس أم كان بغيره من الاستحسان أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع ، قوامه جاب المصالح ودرء المفاسد. ١١٦ - هذا نص من نصوص الكتب التى ألفها فقهاء مالكيون، وذكروا فيها آراء إمام المدينة عندما يتعارض الخبر مع القياس، وإن القرافى الذى نقلنا عنه هذه العبارة مكانته فى الفقه المالكى، فهو جامع قواعده ، ومن مؤصلى أصوله ، ومن النافذين إلى لبه ، والمخرجين فيه ، والموجهين لأحكامه توجيهاً جعلها مرنة صالحة للتطبيق ، ملائمة لمصالح الناس ومألوفهم. ١١٧ - ولقد أحصى الشاطى فى الموافقات طائفة من المسائل أخذ فيها مالك بالقياس أو المصلحة ، أو القاعدة العامة وترك خبر الآحاد ، لأنه م