Indexed OCR Text
Pages 281-300
- ٢٨١ - ٧ وعلماء الأصول المالكية يقولون فى التفريق بين النص والظاهر أن النص ما لا يحتمل التأويل ، والظاهر ما يحتمل التأويل ، وقبل أن نبين احتمال التأويل عدم احتمال التأويل نتبه إلى أن قضية التفرقة بين النص والظاهر على ذلك الوجه لم يتعرض لها الشافعى فى رسالته ، ولذلك كان النص عنده هو الظاهر ، والظاهر هو النص بلا تفرقة بينهما، وقد قال الغزالى فى ذلك إنه «ينطبق على اللغة، ولامانع منه فى الشرع، والنص فى اللغة بمعنى الظهور، تقول العرب نصت الظبية رأسها . إذا رفعته وأظهرته «وسمى الكرسى منصة، إذ تظهر عليه العروس ، وفى الحديث كان الرسول إذا وجد فرجة نص، فعلى هذا حده حد الظاهر ، وهو اللفظ الذى يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى فى الغالب ظاهر ونص» (١). وترى من هذا أن الشافعى لم يذكر فرقاً بين الظاهر والنص ولكن الأصوليين من بعده فرقوا بينهما ، لأن الفروع الفقهية التى استنبطها الفقهاء من بعده ، ومن قبله ، توجب الأخذ بالتفرقة بين نوعين من العبارات ، عبارات قوية الدلالة فى الأحكام ؛ بحيث لايتطرق إليها الاحتمال ، أو الاحتمال الناشىء عن التدليل، ونصوص يتطرق إليها الاحتمال ، ولكنها ظاهرة فى معنى، ولايخطر على الذهن عند سماعها سواه وإن كانت هى فى ذاتها تحتمل غيره ، وكل له مرتبة فى الاستدلال فلا مانع من أن يطلق على أحدهما اسم ينيء عن مرتبته ويوضح موضعه من الآخر. وهؤلاء الذين فرقوا من الفقهاء بين الظاهر والنص قالوا إن النص له إطلاقان (أحدهما) أن يكون النص مالا يتطرق إليه احتمال أصلا ، كلفظ. خمسة فإنه فص فى معناه لا يحتمل الستة ، ولا الأربعة ، ومثله سائر الأعداد (ثانيهما) أن يكون النص مالا يقبل احتمالا ناشئا عن دليل ، أما الاحتمال (١) المستصفى للغزالى ص ٣٨٤ ١ - ٢٨٢ - الذى لا يعضده دليل، فلا يخرج اللفظ عن كونه نصاً على هذا الإطلاق (١)، ويقول القرافى: ((إن القسم الأول هو الأولى، فإن دلالته أقوى الدلالات لوجود ارتفاع الدلالة إلى غايتها ، وهو الذى يجعل قبالة الظاهر ، فإذا قلنا اللفظ إما نص أو ظاهر، فمرادنا القسم الأول،(٢). ٧٨ - والظاهر كما ذكر الغزالى والقرافى وغير هما يتردد فى دلالته بين احتمالين أو أكثر، ولكن دلالته على أحد الاحتمالات أرجح، فيبدر إلى الذهن بمجرد سماعه ، وهو بهذا يقترف عن المجمل بأن المجمل يتردد بين احتمالین أو أ کثر، ولکن من غير ترجيح لو أحد على غيره بل كلها سواء. وسبب الإجمال أن احتمال اللفظ لأكثر من معنى بأصل الوضع ، وذلك هو المشترك كلفظ القرء، فإنه فى أصل وضعه يحتمل معنيين أحدهما الطهر والآخر الحيض ، فذكره من غير قرينة تعين أحدهما إجمال . وإما أن يكون سبب الإجمال أمراً آخر غير الوضع اللغوى، كقوله تعالى (( وآتوا حقه يوم حصاده فإنها ظاهرة فى وجوب الزكاة ، لأنها بينت حق الفقير فيه ، وذلك لامجال للريب فيه ، ولكن المقدار الواجب لم يبين فيه ، فصار الحق محتملا القليل والكثير، ومثل ذلك لا يسمى نصاً ولا ظاهراً، بل مجملا ، ولذلك كان لابد من بيان المقدار ، فجاءت السنة وبينت أن المقدار المطلوب هو العشر . وهكذا سائر المجملات ، الإجمالى فيها إما للوضع أو لغيره ، والبيان فيها يكون من القرائن التى تخف بالقول أو من السنة . (١) يلاحظ أن الحنفية يجعلون النص أقوى من الظاهر ، ولكن يردون الأمر فيهما إلى كون الكلام مسوقاً له أو غير مسوق ، النص عند الحنفية لم يدخل فى الإطلاق الثانى ، كما يدخل المفسر والحكم فى الأول. (٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٠١٨ --- ٦, - ٢٨٣ - وبعد أن يضم البيان إلى المجمل يصير مبيناً، ويصير كالنص، أو كالظاهر على حسب قوة المبين . ٧٩ - والظاهر قد يلحق به ما يعين أحد الاحتمالين ، فيرفعه من مرتبة الرجحان إلى مرتبة القطع واليقين ، وذلك إذا ضم إليه بيان من السنة أو القرآن جعل الاحتمال الراجح نصاً، ولقد قرر فقهاء المالكية أن دلالة اللفظ العام على العموم من قبيل الظاهر ، لامن قبيل النص . ولذلك مثل القرافى الظاهر بألفاظ العموم فى دلالته عليه ، فقال : («اللفظ متى رجح احتمال من الاحتمالات قلت أو كثرت سمى ذلك اللفظ ظاهراً بالنسبة إلى ذلك المعنى ، كالعموم بالنسبة إلى الاستغراق، فإن اللفظ. ظاهراً فيه دون الخصوص)) (١) . وإذا كانت دلالة اللفظ العام المجرد من القرائن على عمومه من قبيل دلالة الظاهر ، فهى إذن دلالة ظنية عند مالك ، كما هى عند الشافعى، كما بين ذلك فى رسالته، وبذلك يختلف مالك وأبو حنيفة فى دلالة العام، ولنتكلم فيه بكلمة موجزة تجلى معناه. العام والخاص ٨٠ - يعرف القرافى اللفظ العام بأنه الموضوع لمعنى كلى بحيث يشمل الحكم كل آحاده ، فكل ما ينطلق عليه اسم العام يكون داخلا فى عموم الحكم الذى أسند إليه، فإذا قلت الإنسان البالغ مكلف بالصلاة والزكاة والحج، فكل ما ينطبق عليه اسم الإنسان داخل فى هذا الحكم، وإذا قال الشارع السارق تقطع يده فكل من يتحقق فيه الوصف ، وهو السرقة يستحق ذلك (١) تنقيح الفصول ص ١٨. i أ -- - ٢٨٤ - الحكم ، وهكذا فالعام يدل على قدر مشترك بتحقيق فى كل آحاده ، فينطبق عليه اللفظ، وينطبق بمقتضاه الحكم (١). (١) هذا تعريف القرانى للعام ، وهو ينطبق على الفروع المذهبية فى مذهب مالك ، ويفرق بينه وبين المطلق عندهم بأن المطلق موضوع لمعنى كلى نحو رجل ورقبة ولكن لم يلاحظ فى التكليف أو الحكم القدر المشترك بين آحاده ، بل يلاحظ واحد لا بعينه، فإذا قال الله تعالى (( فتحرير رقبة)) ليس المطلوب كل ما تحقق فيه وصف الرق ، بل المطلوب فيه واحد مما يتحقق فيه ذلك الوصف ، فالمطلوب فى العام كل ما يتحقق فيه الوصف المشترك والمقصود بالمطلق واحد مما يتحقق فيه القدر المشترك ، وإذا قيد المطلق صار المقصود واحداً مع ملاحظة القيد، وهكذا. وقد ترتب على الفرق بينهما على هذا النحو فى مذهب مالك فروع أربعة فقهية : أولها - قال الله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة من قبل أن يتماسا، أثبتت الوجوب فى القدر المشترك بتحققه فى صورة واحدة ، فلا يطالب بجميع الرقاب ، لأن ذلك مطلق . الثانية - قال الله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)). والتحريم هنا هو القدر المشترك حيثما تحقق ، لحرم كل ميتة ، وكل دم ، وكل خنزير . الثالثة - إذا قال لنسائه إحداكن طالق حرمن عليه كلهن بالطلاق عند مالك ، لأن مفهوم إحدی قدر مشترك بينها لصدقه علیهن ، فكل واحدة يصدق عليها ذلك ، لأن الطلاق تحريم فيرجح جانبه ، ولأن تحريم المشترك يلزم منه تحریم کل الأجزاء ، وفى ذلك كله نظر . الرابعة - إذا قال ((أعتقت أحد عبيدى، عتق عليه عبد لا بعينه، وعليه أن يختار واحداً من عبيده ، وذلك عتق الكفارة المطلوب واحد لا بعينه ، وفى الفرق بين هذه المسألة وسابقتها نظر، لأنه كان يجب التسوية لاتحاد الغرض، وإن كان يقال إن العتق لا يدل على التحريم بذاته ، وأما الطلاق فتحريم البضع بذاته ، فرجح جانب التعميم ، ولكن يلاحظ أن اللفظ ليس عاما ، فكيف نطبق أحكام العموم ؟ ( راجع هذه المسألة فى الفروق للقرافي + ١ ص ١٥٧)». - ٢٨٥ - وإذا كان اللفظ لا يطلب فيه الحكم القدر المشترك ، بل يطلب فيه البعض، فهو خاص، كقوله تعالى (( فتحرير رقبة مؤمنة)) أو قوله تعالى ((فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، فاللفظ خاص فيهما؛ لأنه لم يطلب فيه كل ما يتحقق فيه هذا الوصف ، بل واحد منه، وإن كان فى الأول مقيداً بوصف ، وكان فى الثانى مطلقاً عن القيد . ٨١ - وبهذا الكلام وسابقه يفترق النظر المالكى عن النظر الحنفى فى العام من ناحيتين ، من ناحية التعريف ، ومن ناحية الحكم ، فإن العام فى كتب الحنفية هو لفظ ينتظم جمعاً ، سواءأ كان باللفظ، أم المعنی کزيدون، والثانى مثل الأسماء الدالة على العموم من غير صيغ الجموع كالأسماء الموضوعية الدالة على الجمع، وأسماء الشرط ، وغير ذلك مثل قوم ، وجن ، وإنس ، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على الجمع . والخاص لفظ وضع لمعنى واحد على سبيل الانفراد ، أى أنه اللفظ الذى يدل على معنى واحد ، لا يقبل الشركة فى ذات الموضوع، وسواء أ كان ذلك المعنى جنساً ، كحيوان، أم نوعاً، كإنسان، وكرجل ، أم شخصاً ، كزيد ، فما دام المسمى المراد واحداً غير متعدد مقطوع الشركة ، فهو الخاص (١). ونرى من هذا فرقاً واضحاً بين المنهاجين فى التعريف ، فإن الأول اعتبر كل كلى قصد بالحكم فيه المعنى المشترك حيثما وجد عاما ، والثانى اعتبره شمول الآحاد باللفظ أو المعنى . أما الفرق من الناحية الثانية ، وهى ناحية الحكم، فهو أن المالكية قد اعتبروا دلالة لفظ العام على العموم من غير أن يصحبها قرينة من قبيل دلالة الظاهر الذی لا ینفی الاحتمال ، ولو کان احتمالا غیر ناشیء عن دليل، (١) راجع أصول الاسلام البزدوى . - ٣٨٦ ٠ فدلالته على هذا ظنية. أما الحنفية فقد اعتبروا العام فى دلالته على العموم قطعياً لا يدخله احتمال ناشىء عن دليل . ٨٢ - ويظهر أن الشاطى وهو من محققى المالكية ، يختار رأى الحنفية ويرى أن الخلاف فى دلالة العام من حيث إنها حجة مطلقاً ، أو حجة ظنية، أو حجة قطعية ، ثم الاختلاف فى حجيته بعد تخصيصه خطير، وإنه لابد من الانتهاء فيه إلى رأى يقطع الاختلاف ، وينتهى إلى رأى مقرر ثابت، وذلك بالرجوع إلى أصل الاستعمال العربى والشرعى، ثم يقول: ((إن الخلاف فيها فى ظاهر الأمر شفيع؛ لأن غالب الأدلة الشرعية عمدتها هى العمومات، فإذا عدت من المسائل المختلفة فيها بناء على ما قالوه أيضاً من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص ، صار معظم الشريعة مختلفاً فيه، أهو حجة أم لا . ولقد أدى هذا الوضع إلى شناعة أخرى ، وهى أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به فى حقيقته من العموم، وإن قيل إنه حجة بعد التخصيص، وفيه ما يقتضى إبطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلال به جملة، إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن ، لا على تحقق النظر، والقطع بالحكم، وفى هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية، وتضعيف الاستناد إليها ، وربما نقلوا فى الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال: ليس فى القرآن عام إلا وخصص إلا قوله تعالى، ((والله بكل شىء عليم)) وجميع ذلك مخالف لكلام العرب، ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التى فهموها تحقيقاً، بحسب قصد العرب فى اللسان وبحسب قصد الشارع فى موارد الأحكام، وأيضاً فمن المعلوم أن النبى تطلّ بعث بجوامع الكلم ، واختصر له الكلام اختصاراً على وجه هو أبلغ ما يكون، وأقرب ما يمكن فى التحصيل ، ورأس هذه الجوامع فى التعبير العمومات ، فإذا فرض أنه ليست بموجودة فى القرآن جوامع، بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصصات ومقيدات، وأمور أخر ، فقد خرجت تلك المعلومات عن أن 1 - ٢٨٧ - تكون جوامع مختصرة ، وما نقل عن ابن عباس إن ثبت بطريق صحيح، فيحتمل التأويل (١). وترى من ذلك الكلام القيم المحكم أن الشاطبى ينحو نحو الحنفية فى اعتبار العام قطعياً فيما يدل عليه بأصل وضعه والاستعمال، وأن الحكم بأنه ظنى، وعدم الحكم بأنه قطعى تومين لأدلة الشرع وإبطال الكليات القرآنية، وعدم الأخذ بها إلا بنوع من التساهل وتحسين الظن ، وذلك كلام معقول فى ذاته ، وفى نتائجه ، وما انتهى إليه . ٨٣ - والخاص خلاف بين العلماء فى قطعيته، ولذلك كانت مرتبته فى الدلالة أقوى عند من يحكمون بأن دلالة العام من قبيل الظاهر ، إذ أن دلالة الخاص القطعية من قبيل النص عندهم ، وما تكون دلالته من قبيل النص أقوى من اللفظ الذى تكون دلالته من قبيل الظاهر ، كما علمت . أما الحنفية، فإنهم يعتبرونها مرتبة واحدة ، ولذلك إذا تعارض الخاص والعام عندهم ، فإن كانا مقترنين فى الزمن كان الخاص مخصصاً للعام ليمكن إعمالهما معاً ، وذلك سبيل من سبل التوفيق يصار إليه إن تعذر سواه ، وإن كان بينهما تراخ اعتبر المتأخر منهما ناسخاً المتقدم ، وسواء أكان المتأخر هو العام أم الخاص ؟ فالعام قد يفسخ الخاص عندهم ؛ ويخالفهم فى ذلك غيرهم ، وقد علمت الأصل الذى قام عليه التفريغ فى ذلك . ٨٤ - والعام ، وإن كانت دلالته على كل آحاده ثابتة عند أكثر الفقهاء حتى يكاد يكون ذلك إجماعا، هو قابل للتخصيص ، أى بأن يطلق على بعض آحاده بدليل يسمى مخصصاً والتخصيص عند المحققين من العلماء ليس إخراجاً لبعض آحاد العام من الحكم بعد دخولها فى عمومه ، وإنما هو بيان إرادة الشارع الخصوص من أول الأمر ، وأن الآحاد التى يشملها (١) الموافقات ج ٣ ص ٠٢٩٢ : - ٢٨٨ كـ لفظ العام فى أصل وضعه اللغوى لم تدخل كلها فى الدلالة من أول الأمر ، ولقد جاء فى المستصفى للغزالى لبيان هذه الحقيقة ما نصه: ((إن تسمية الأدلة مخصصة تجوز ... والدليل (أى المخصص) يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع معنى خاصاً ، والتخصيص على هذا بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص ، وهو نظير القرينة التى تساق لبيان اللفظ خرج من الحقيقة إلى المجاز ). وهذا فى الحقيقة هو الأساس فى الفرق بين التخصيص والنسخ ، إذ النسخ بغير الأحكام الثابتة المقررة فإذا نسخ العام أو بعضه ، فقد تغيرت الأحكام التى كانت ثابتة لبعض آحاده، أما التخصيص فهو منع لدخول الآحاد التى لا تخص بالحكم فى عموم ما تدل عليه الصيغة من أول الأمر ، فهو يجعل اللفظ العام مقصوراً فى دلالته على بعض آحاده. ٨٥ - وعلى حسب قوة الدلالة فى لفظ العام فى أصل وضعه كان المخصص قلة وكثرة ، فالذين حكموا بأنه فى أصل وضعه ، دلالته على عموم آحاده قطعية كانت المخصصات قليلة عندهم ، لأنه لايرتفع إلى مرتبة تخصيصه إلا ما يكون مثله فى القطعية ، فعمومات القرآن الكريم عندهم قطعية فى دلالتها، وقطعية فى ثبوتها ، فلا يخصصها إلا ما يكون فى مرتبتها فى الأمرين، وعلى ذلك أحاديث الآحاد لا تخصص عموم القرآن عندهم، بل يؤخذ بعمومه، وترد، لأن أحاديث الآحاد ظنية فى ثبوتها، وإن كانت قطعية فى دلالتها فى موضوعها ، وعمومات القرآن من الحنفية قطعية فى الأمرین . وأما الذين حكموا بأن دلالة العام ظنية فقد وسعوا فى مخصصاته ؛ وأكثروا منها ، وكانت أحاديث الآحاد مما يخصص عموم القرآن عندهم فى بعض الأحوال لأنها إن كانت ظنية فى ثبوتها ، فعام القرآن ظنى فى دلالته، والظنى قد يخصص الظنى . - ٢٨٩ - وقد علمت أن المالكية يقررون أن مالكا يرى أن دلالة العام على عموم الآحاد من قبيل الظاهر لا من قبيل النص، وأن دلالة الظاهر ظنية لا قطعية ، لأنها لا تمنع الاحتمال، ولو كان غير ناشىء عن دليل ، ولذلك كانت المخصصات عنده كثيرة، إذ أن احتمال التخصيص قريب لا بعيد عنده على مقتضى ذلك النظر . ٨٦ - ولقد ذكر القرافى أن مخصصات العموم عند مالك خمسة عشر فقال : مخصصاته عند مالك خمسة عشرة(١))). ولعل هذا العدد الضخم يثير العجب فإنه يجعل باب التخصيص للعام واسعاً ولكن مع اعترافنا بأن المخصصات للنصوص العامة فى المذهب المالكى كثيرة ، وأن هذا هو المقرر الثابت الذى لا مجال للريب فيه، نقرر أن هذا العدد وهو خمسة عشر ، يشمل أموراً لاتعد من باب التخصيص عند الأكثرين، فإنهم ذكروا أن من المخصصات، العقل، والحس ، وهذه لا نعتبرها مخصصات، ولكن نعتبرها قرائن حالية توجه الاستعمال اللفظى للعام ، فتنقله من الحقيقة إلى المجاز، كما أنهم عدوا من المخصصات الاستثناء والشرط والصفة والغاية ، وهذه قيود فى القول ، لا يتم الكلام إلا بها ، وليست منفصلة ، ولذلك لم يعدها الحنفية من المخصصات ، وأقروا تقييدها للكلام؛ ولذلك لا يصح أن تحسب هذه الأمور على المالكية، لأن غيرم . (١) تنفيح الفصول ص ٩٠ وخمسة العشرة هى: ((١)) العقل ((٢) والإجماع ((٣)) والكتاب بالكتاب ((٤)، والقياس الجلى والخفى لو كان العام قرآنا أو سنة متواترة ((٥)، والسنة المتواترة بمثلها (٦)، والكتاب والسنة المتواترة ((٧)، والكتاب بخبر الآحاد ((٨)) العادات (( ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٤،١٣)) الشرط والاستثناء ، والصفة ، والغاية والاستفهام ((١٥)) الحس، وقيل إنه عند المالكية بخصص مفهوم المخالفة العام . (م ١٩ - مالك) .. 1 - ٢٩٠ - سلم بمعناها؛ وإن لم يعطها الإسم الذى أعطوا ؛ فليس تقييد العام بها موضع خلاف وإنما موضع الخلاف تسميتها مخصصاً . وأنه بعد ذلك هنالك أمور ثمانية ، منها أربعة أمور هى أيضاً موضع اتفاق بين الفقهاء، وهى تخصيص الكتاب بمثله ، وبالسنة المواترة ، والسنة المتواترة بالكتاب، وبمثلها ، وهذه أيضاً لا تعد على مالك رضى الله عنه، لأنه قد وافقه فيها غيره من الفقهاء ، وهى موضع إجماع ، إلا تخصيص السنة بالكتاب ، ففيه خلاف الشافعى رضى الله عنه . ٨٧ - إنما موضع الخلاف هو تخصيص الكتاب بالإجماع، والقياس، وخبر الآحاد ، والعادات ؛ ولنتكلم فى الخلاف بين مالك وغيره فی کل واحد من هذه الأمور . والخلاف بينه وبين غيره فى تخصيص الكتاب بالإجماع هين ، بل الكلام فيه هين ، فإنه وجدت عمومات للقرآن أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم ، على أنها مخصصة لأدلة اعتمدوها ، منها قوله تعالى: ((أو ما ملكت أيمانكم)، فإنها عامة خصصت، إذ أخرج منها الأخت من الرضاع ، وغيرها من المحرمات فى النكاح ، وعندى أن المخصص هناهو القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ((حرمت عليكم أمهاتكمالخ، فالتحريم هنا عام يشمل التحريم فيه تحريم العقد، وتحريم الوطء ، ولذلك أجمع الناس على ذلك ، فليس التخصيص بالإجماع بل التخصيص هنا هو موضع الإجماع ، والمخصص هو القرآن للقرآن . ٨٨ - والأمر كما ذكرنا فى هذه القضية ليس ذا خطر، وكذلك تخصيص العام بخبر الآحاد المعاضد بغيره ، كما سنبين فى السنة ، فإن هذه القضية لم يأخذها مالك بإطلاق ولم ينفرد بها رضى الله عنه ، بل أخذ بها من بعد الشافعى، الذى قرر مثل ما استنبط من فقه مالك من أن العام دلالته 1 ٠. - ٢٩١ - ظنية ، وإذا كانت دلالته ظنية ، خبر الآحاد الظنى فى ثبوته يخصصه ؛ لأن الظنى يخصص الظنى، أما العراقيون الذين قرروا أن العام قبل تخصيصه قطعى ، وإذا خصص يصير ظنياً(١) يصح أن يخصص بخبر الآحاد ، فإنهم لم يجعلوا خبر الآحاد فى مرتبة العام القطعى ، وهو ما إذا لم يخصص ، وتلك كانت المسائل التى اختلف فيها فقه أهل المدينة عن فقه أهل العراق ، فمالك ، ومن جاء بعده من المدنيين قررواجواز تخصيص العام بخبر الآحاد مطلقاً، والعراقيون منعوا تخصيص خبر الآحاد لعام القرآن قبل أن يرد عليه تخصيص غير.(٢)، ونقصد بالمدنيين كل من جاءوا بعد مالك ، وسلكوا مسلك المدنيين کالشافعی . ٨٩ - بقى الأمران الآخران، وهما تخصيص عام القرآن بالقياس ، وتخصيص عام القرآن بالعادات ، وهذان أمران جديران بترديد النظر ، فإن مالكا أو بعبارة أدق الفقه المالكى ، يكاد ينفرد بهما عن غيره من الفقه، أو الفقهاء ومن أحدهما يتجلى مقدار الرأى فى فقه مالك، وأنه کان فقیه رأی وأثر . أما القياس فقد قال القرافى: «قد وافقنا عليه الشافعى ، وأبو حنيفة، والأشعرى، وأبو الحسين البصرى، وخالفنا أبو هاشم فى القياس مطلقاً (أى سواء أكان جلياً أم خفياً). وقال عيسى بن إبان إن خص قبله بدليل مقطوع جاز ، وإلا فلا ، وقال الكرخى إن خص قبله بدليل منفصل جاز ، وإلا فلا ، وقال ابن شريح وكثير من الشافعية يجوز دون الخفى، واختلف فى الجلى فقيل قياس المعنى ، وقيل قياس الشبه (٢)، وقيل الجلى (١) قد جلينا ذلك المذهب فى فقه أبى حنيفة فارجع إليه، ص ٢٤٤. (٢) راجع هذا أيضاً فى المصدر السابق ، فقد بيناه فيه بإسهاب . (٣) قياس المعنى أن يكون الفرع متفقاً مع الأصل فى المعنى الذى كان علة فى الحكم، وقياس الشبه أن يتنازع الفرع أصلان ، فيلحق بأكثرهما توافقاً معه. - ٢٩٢ - ما تفهم علته كقوله مَ: ((لا يقضى القاضى وهو غضبان)) ، وقيل ما ينقض القضاء القضاء بخلافه ، وقال الغزالى إن استويا توقفنا، وإلاطلبنا الترجيح وتوقف القاضى أبو بكر ، وإمام الحرمين ، وهذا إذا كان أصل القياس متواتراً ، فإن كان خبر واحد كان الخلاف، أقوى(١)). هذا ما ذكره القرافى فى اختلاف الفقهاء فى تخصص القياس لعام القرآن . الكريم ، فيه يقرر أن مالكا يرى أن عام القرآن يخصص بالقياس ، سواء أكان أصل القياس خبر آحاد ، أم متواتراً ، وسواء أكان القياس جلياً أم كان خفياً ، ثم يذكر رأى من خالفوه. وهنا نلاحظ أن كلامه فى آراء من خالفه لم يكن دقيقاً محققاً . فقد ذكر أولا - أن أبا حنيفة يرى أن القياس يخصص القرآن مطلقاً، وإن ذلك لم ينقل عن أبى حنيفة ، إذ لم تنقل عنه أصوله ، بل الذى خرج رأيه من الفروع المخرجون فى مذهبه، وعلى رأسهم الشيخان عيسى بن إبان، وأبو الحسن الكرخى ، ولم يخرج أحد رأى أبى حنيفة فى تخصيص العام بأن القياس يخصصه قبل أن يخصص بمخصص آخر . وذكر ثانياً - أن رأى الكرخى أنه إن خص بمنفصل جاز تخصيصه بعد ذلك بالقياس، والحقيقة أن التخصيص عند الحنفية لا يكون إلا بالمنفصل كما فوهنا، فالشرط والصفة وغيرها من المتصلات بالقول تسمى قيوداً ، ولا تسمى مخصصات وذلك بلا خلاف بين الكرخى وعيسى بن إبان . وذكر ثالثاً - أن الشافعى يرى أن القياس يخصص العام ونحن نجد الشافعى فى الرسالة ، وفى كتاب جماع العلم، يقدم النص على القياس فيقول: (( العلم وجهان : اتباع واستنباط، والاتباع اتباع كتاب الله تعالى، فإن لم يكن فسنته، فإن لم يكن فقول من سلف لا نعلم له مخالفاً ، فإن لم يكن فقياس على كتاب الله (١) التنقيح ص ٠٩٠ - ٢٩٣ - جل وعز، فإن لم يكن فقياس على سنة رسول اللّه عَّ الله فإن لم يكن فقياس على قول من سلف لا نعلم مخالفاً له، ولا يجوز القول إلا بالقياس ، وإذا قاس من لهم القياس ، فاختلفوا وسع كلا أن يقول بمبلغ اجتهاده، ولم يسعه اتباع غيره فيما أدى إليه اجتهاده)). ومن هذا ترى أنه يرى أن علم القياس علم استنباط ، وعلم الكتاب والسنة ولو كان اللفظ عاماً علم اتباع، ولا يرى أن الاستنباط يكون حيث أمكن الاتباع. × ٩٠ - ولقد ذكر القرافى بعد هذا حجة المذهب الذى يختاره المالكية، وهو أن العام يخصص بالقياس ، وأداهم تقبع الفروع المأثورة عن مالك إلى أن يقولوا إنه مذهبه ، وتلك الحجة تقوم على أن القياس دليل معتمد کالنصوص ، وإن كان كل قیاس بمفرده يعتمد على نص ، يلحق على أساس علة الحكمفيه - الأصل بالفرع، فالقياس أصل كلى له اعتبار بقية الأصول. وعلى ذلك إذا تعارض العام فى عمومه مع ما يوجبه القياس من حكم ، فقد تعارض أصلان : أحدهما عام ، ودلالته قابلة للاحتمال ، وإن كانت راجحة ، والثانى خاص لا احتمال فى دلالته ومن القواعد المقررة أنه إذا تعارض أصلان أحدهما فيه احتمال الدلالة، والآخر لا احتمال فى دلالته ، كان الأخذ بما لا احتمال فى دلالته ، إذ يكون ذلك جمعاً بينهما، وإعمالا لهما، والإعمال أولى من الإهمال فإعمالهما معاً أول من إجمال أحدهما . والوجه فى أن فى الأخذ بالقياس وتخصصه للعام إعمالا لهما واضح، لأن العام يبقى فيما بقى بعد التخصيص عاملا فيه، ولو منعنا التخصيص لكان ذلك إهمالا للقياس ، ومنع اطراد علته فى ذلك الموضع من غير باعث يدعو إلى ذلك، ولا مانع يمنع العمل ، إذ دلالة لفظ العام احتمالية . ولقد وضح ذلك الدليل بمثال هوقوله تعالى: ((وأحل الله البيع، وحرم - ٢٩٤ - الربا، فإنه بظاهر عمومه يقتضى حل بيع الأرز بالأرز متفاضلا ونسيئة، لأنه بيع، وهو حلال بظاهر العموم، ونهى رسول اللّه منبطله عن بيع الذهب بالذهب والتمر بالتمر ، أو الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل يداً بيد)» يوجب القياس عليه منع بيع الأرز بالأرز لأنه كالبر بالبر فى العلة الموجب لتحريم التفاضل والنسيئة ، فلو لم تخصص عام القرآن لكان ذلك القياس مهملا، ولو خصصناه لأعملنا القياس والآية ، إذ تصير دلالتها بيان حل ما عدا الأموال التى اشتمل عليها الحديث وما يشبهها(١). ٩١ - هذه حجة المالكية أو أكثرم فى جعل القياس مخصصاً للنص العام ولنا فيه نظر من وجوه . الوجه الأول : أنه يقوم على أساس اعتبار العام فى دلالته على العموم محتملا ويدخل دلالته الاحتمال غير الناشىء عن دليل ، وقد بينا أن الشاطبى لم ير ذلك الرأى لأنه يكون توهيناً للأدلة الشرعية، وإضعافاً لعموم النصوص من غير باعث عليه ، ولأن دلالة الألفاظ يجب أن يكون لها عمومها، حتى يقوم الدليل على خلافه فلا يدخلها إلا الاحتمال الناشىء عن دليل وذلك هو نظر العراقيين وهو الأقوى . الوجه الثانى: أن من المقررات فى الشريعة أنه لا يصار إلى القياس ، إلا إذا أعوز المجتهد النص، وهنا يكون القياس حيث النص ؛ بل يلغى بعض ما يفهم من النص وذلك عكس للترتيب ؛ وسير على غير المقرر الثابت من أمور الشريعة . الثالث : إن الحديث الذى ساقه ليس فى القياس عليه تخصيص للنص ، .. لأن بيع الأموال الربوية خارج من عموم الحل ، بقوله تعالى: ((وحرم الربا)) (١) استلخصنا ذلك الكلام مما ساقه القرافى ص ٩٠، ٩١، ولنا فيه توجيه الاستدلال وتوضيحه . - ٢٩٥ - فعدم شمول الحل بيع الأرز بالأرز ، ليس تخصيصاً بالقياس ، ولكنه تخصيص بالنص القرآنى ، والحديث والقياس بينا المال الربوى ، فكان المخصص قرآناً وليس قياساً ، والفرق بين الاعتبارين عظيم لأنه على اعتبار المالكيين يكون القياس قد ألغى عموم الآية ، وعلى ما نقول يكون الذى خص عموم الآية هو القرآن ، والنص وعلته بينا النص القرآنى المخصص . الوجه الرابع : أنه فرض أن دلالة القياس لااحتمال فيها مع أن تعارض الأوصاف واستخراج للعلة من بينها يجعل للاحتمال فى دلالتها موضعاً فوق أن الأصل الذى اعتمد عليه القياس قد تكون دلالته احتمالية، وقد يكون ظنياً فى سنده. ٩٢ - لقد قلنا عند دراستنا لأبى حنيفة إن قلة الأحاديث الصحيحة عند العراقيين دفعتهم لأن يعملوا النصوص القرآنية بأوسع ما تشتمل عليه، وأن يعتمدوا على عمومها ، ويسيروا فى مناهجهم الفقهية على أساسه، والآن ونحن ندرس فقه إمام المدينة مالك نرى المدنيين أو المالكيين الذين ورثوا علم المدنيين يضيقون عموم النصوص ، فيجعلون القياس مخصصاً لعموم القرآن والحديث . أفلا نرى من هذا أن المدنيين ، وعلى رأسهم شيخهم مالك رضى الله عنه قد أخذوا من فقه الرأى بحظ عظيم ، وإن عد مالك من فقهاء الرأى ربما كان لا يقل قوة عن عد أبى حنيفة فيهم وإذا كان المشربان مختلفين فإن النهاية واحدة ولا اختلاف فى الغاية . ٩٣ - هذا تخصيص عام القرآن بالقياس، وما فيه، أما تخصيص عام القرآن بالعادة ، فهذا أمر قال فيه المالكية إنه موضع إجماع بين الفقهاء ، والمراد بالعادة التى تخصص الخطاب العادة القولية ، أی العرف البیانیالخاص الذى يوجه الاستعمال فى عصر نزول القرآن ، أى ما كان يفهمه المسلمون، - ٢٩٦ - وما يحيط بالاستعمال من شئون تقيده، لأنها تقيد القول، وتجعله فى دائر ته، ويقول فى ذلك القرافى . « القاعدة أن من له عرف وعادة فى لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه، فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عرفه ، وخصصنا عموم لفظه فى ذلك العرف، إن اقتضى العرف تخصيصاً ، أو على المجاز، إن اقتضى المجاز، وتركنا الحقيقة، وبالجملة دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة، لأن العرف ناسخ للغة، والناسخ يقدم على المنسوخ ، أما العادات الطارئة بعد النطق فلا يقضى بها على النطق ، فإن النطق سالم عن معارضتها ، فيحمل على اللغة، ونظيره إذا وقع العقد فى البيع ، فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة فى النقد وما يطرأ بعد ذلك من العادات فى النقود لا عبرة به فى هذا البيع المتقدم ، وكذلك النذر، والإقرار، والوصية ، إذا تأخرت العادات عليها لا تعتبر ، وإنما يعتبر من العادات ما كان مقارنا لها ، فكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات(١))). فالعادة التى تخصص النصوص العامة هى عادة المخاطبين فى الاستعمال ، وذلك لأن للعموم صيغاً وضعت لها ، وهى تدل على العموم بحسب ذلك الوضع اللغوى ، ولكن الاستعمال يجعل السامعين يفهمون المقاصد من القول بأقل مما يفهم من الصيغة فى عمومها اللغوى؛ وهذا النظر الاستعمالى هو ما يسمى بالعادة القولية أو البيان ، أو عرف المخاطبين فى القول، ويقول الشاطبى فى هذا المقام . ((إن العموم إنما يعتبر بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التى هى ملاك البيان ، فإن قوله تعالى : (( تدمر كل شىء بأمر ربها، لم يقصد به أنها تدمر السموات والأرض والجبال، (١) التنقيح ص ١٩٤، وقد تصرفنا فى النص قليلا . - ٢٩٧ - ولا المياه ولا غيرها مما هو فى معناها، وإنما المقصود تدمر كل شىء مرت عليه مما شأنها أن تؤثر فيه على الجملة ولذلك قال: ((فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم(١) ) . وترى من هذا الكلام أن تخصيص العام بالعرف أو العادة أمر يكاد يكون موضع إجماع، لأنه ليس إلا تفسيراً للكلام على مقتضى المقام ، وعرف الاستعمال، وليس ذلك أمراً غريباً . ٩٤ - وهناك مخصص للعام ذكره بعض المالكية، ولم يذكره القرافى فى باب تخصيص العام ، وهو المصالح المرسلة ، فقد ذكر بعض المالكية أنها تخصص العام ، وذكر ابن العربى فى أحكام القرآن فى تفسير قوله تعالى : ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة))، أن مالكا رضى الله عنه قال فى المرأة إذا كانت شريفة القدر لا يلزمها إرضاع ولدها إن قبل ثدى غيرها ، لمصلحة المحافظة على جمالها جرياً على عادة العرب فى ذلك ، وخص بذلك عموم القرآن . ولنترك الكلام فى ذلك إلى موضعه من بحث المصالح المرسلة عندمالك. ٩٥ - هذا موجز فى الكلام فى الظاهر والنص، ومقامهما فى الاستدلال عند مالك رضى الله عنه ، وقد اتجهنا إلى الكلام فى العام والخاص لما قرروا من أن دلالة العام من قبيل الظاهر ، ودلالة الخاص من قبيل النص ، وأنه لذلك حيث التقى العام مع الخاص فى موضوع حمل العام على الخاص، فكان مخصصاً له ؛ لأنه عند التعارض يقدم النص على الظاهر ، فيقدم الخاص على العام ، ويعتبر مخصصاً . وقد ذكرنا أن العراقيين لا ينظرون ذلك النظر، وأشرنا إلى رأيهم فى اعتبار العام فى قوة الخاص من حيث الدلالة ، وأنه إذا تعارض خاص وعام (١) الموافقات للشاطبي الجزء الثالث ص ٠٢٧١ - ٢٩٨ - إن لم يكونا مقترنين ، يعتبر المتقدم منسوجاً بالمتأخر ، سواء أكان المتأخر هو الخاص أم العام ، وإن كانا مقترنين فى الزمن اعتبر الخاص مخصصاً للعام باعتبار أن الاقتران الزمنى قرينة تجعل العام غير نص فى معناه ، العام وإن كان قطعياً فى دلالته لا يمنع الاحتمال الناشىء عن دليل ، والاقتران الزمنى دليل ذلك الاحتمال فاعتبر الخاص مخصصاً فى هذه الحال . والآن نترك الكلام فى الظاهر والنص إلى تفصيله فى الكتب المخصصة لعلم الأصول، ولننقل إلى الدلالات التى تؤخذ من القرآن والسنة ، وهى دلالة الاقتضاء أو لحن القول . ومفهوم المخالفة والموافقة. لحن الخطاب، وفحواه، ومفهومه ٩٦ - هذه اصطلاحات ثلاثية تبين طرائق الدلالة لبعض عبارات القرآن الكريم والسنة، وكلها أخذ به مالك رضى الله عنه ، عند عدم معارضها بظاهر القرآن ونصه ، ولذلك حق علينا أن نعرفها بكلمات موجزة توضع معناها ، ونضرب الأمثال التى تبين مراد علماء الأصول منها . أما لحن الخطاب (١)، ويعبر عنه بعض العلماء بدلالة الاقتضاء، وتعبير الحنفية عنه دائماً بدلالة الاقتضاء، فهو دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدق الكلام وذلك كقوله تعالى. « فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ... )). فإن الكلام يقتضى قولا محذوفاً. مقدراً ، وهو فضرب، (١) لحن الخطاب أصله فى اللغة إفهام الشىء من غير تصريح ، ومنه قوله تعالى: ((ولتعرفنهم فى لحن القول)). أى فى فلتات اللسان، ولقد قال المأمون: ((أيها الناس لا تضمروا لنا بغضاً، فإنه والله من يضمر لنا بغضا ندركه فى فلتات كلامه، وصفحات وجهه ونحات عينه، وأما فى الاصطلاح فهو ما ذكر في الصلب . ٠٠ - ٢٩٩ - فانفلق، ومن السنة قوله عَّ اللّج ((رفع عن أمتى الخطأوالنسيان، وما استكرهوا عليه))، فإن رفع الشىء بعد وقوعه لا يكون ، فلا بد لتصحيح الكلام من تقدير محذوف وقد قدروه بأنه الإثم، فمعنى القول رفع عن أمتى إثم الخطأ والنسيان إلخ، فدلالة الحديث على ما اشتمل عليه من أحكام هنا دلالة اقتضاء ، لأنها جاءت بتقدير محذوف لا يتم الكلام إلا بتقديره. وأما مفهومه ما يسمى مفهوم المخالفة ، ويسميه المالكية دليل الخطاب، وهى إثبات نقيض حكم المنطوق به المسكوت عنه، كقوله سراقةٍ: ((فى سائمة الغنم الزكاة (فهذا يدل بمنطوقه على وجوب الزكاة فى الغنم السائمة وبمفهومه على أن الزكاة لا تجب فى غير السائمة . ولقد يقسم بعض العلماء مفهوم المخالفة إلى عشرة أقسام باعتبار القيد الذى يقيد الكلام ، فإن أساس مفهوم المخالفة أن يكون الكلام مقيداً بقيد فيثبت الحكم فى الحال التى اشتمل عليه القيد بمنطوقه ، ويثبت النقيض فى الحال التى خلت من القيد بمفهوم ، والقيود عشرة فمفهوم المخالفة عشرة أقسام هى مفهوم العلة ، كقوله ما أسكر فهو حرام ومفهوم الصفة، نحو الحديث السابق فى الزكاة ، ومفهوم الشرط ، نحو من تطهر صحت صلانه ومفهوم الغاية نحو أتموا الصيام إلى الليل ومفهوم الاستثناء نحو: ((ولا تقبلوالهم شهادة أبداً ، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا))، ومفهوم الحصر نحو إنما الماء من الماء، ومفهوم الزمان ، ومفهوم المكان ، ومفهوم العدد ، نحو قوله تعالى: ((فاجلدوهم ثمانين جلدة))، أى لا يجوز أكثر، ومفهوم اللقب أى الإسم، نحو فى الغنم الزكاة ). هذه أقسام مفهوم المبالغة، ولم يأخذ الحنفية بشىء منه إلا بالاستثناء، والحصر ، ولم يعدوا ذلك من دلالة المفهوم ، بل عدوه من المنطوق لأن الحصر والاستثناء، يشتمل على نفى وإثبات، فمن يقول: إنما الخطيب على، ينفى ويثبت بمنطوق اللفظ، وكذلك الاستثناء فإثبات النقيض ليس من قبيل - ٣٠٠ - المسكوت عنه بل هو من قبيل المنطوق به . وخالفوا فيما عدا ذلك ، لأنهم لا يعترفون بأساس للاستنباط إلى الكلام المنطوق أو ما يقتضيه تقدير المنطوق ، أو ما يثبت باللزوم تابعاً المنطوق ؛ وليس مفهوم المخالفة واحداً من هذه الأمور . والمالكية قالوا إن المفهوم حجة إلا مفهوم اللقب ؛ وقد قالوا فى تعليل نفيه (( والفرق بين مفهوم اللقب فی کو نه لم يقل به أحد .. وبين غيره من المفهومات أن غيره من المفهومات نحو مفهوم الصفة ؛ وغيرها فيه رائحة التعليل ، فإن الصفة والشرط ونحوهما يشعران بالتعليل ، ويلزم من عدم العلة عدم المعلوم ، فليلزم عدم الحكم فى صورة المسكوت عنه وذلك المفهوم ، وأما اللقب فهو العلم ويلحق به أسماء الأجناس ؛ ففرق بين قوله عليه السلام. (( فى سائمة الغنم الزكاة)) وبين قوله: ((فى الغنم الزكاة))، فإن الأول مشعر بالتعليل دون الثانى هذا هو السبب فى انضمامه(١) . وشرط الأخذ بمفهوم الصفة ألا تخرج مخرج الغالب والعادة كقوله تعالى فى آية تحريم النساء . « ورباتبكم اللائى فى حجوركم من نسائكم اللافى دخلتم بهن)، فترى هنا صفتين ، إحداهما ذكرت على مجرى العادة والغالب فذكرها لا يدل على إثبات نقيض الحكم ، عند عدمها ، وهو الحل ، وهو وصفهن بكونهن فى الحجور، والأخرى لم تكن على هذا النحو، فذكرها يثبت نقيض الحكم، وهو الحل عند عدمها ، وهی کون الأمهات قد دخلتم بهن . ٧٩ - وحوى الخطاب، وهى ما يسمى دلالة النص عند الحنفية، أودلالة الأولى ، أو مفهوم الموافقة ، أو القياس الجلى على حد تعبير بعض الفقهاء، هى إثبات حكم المنطوق به المسكوت عنه بطريق الأولى، وهى قسمان : (إحداهما) إثباته فى الأكثر إذ يثبت فى الأقل ، لأن الكثرة تزيد (١) شرح تنقيح الفصول للقرافى ص ٠١١٩