Indexed OCR Text
Pages 161-180
- ١٢١ - ولقد نقلنا عن مالك رضى الله عنه أنه يعد فى الفقهاء السبعة سالما ، وأبا سلمة ولا يعد أبا بكر بن حارث بن هشام، ولا عبيد الله بن عتبة بن مسعود(١) ، وبعضهم لا يعد سليمان بن يسار . والحق أن كون الذين نقلوا فقه الصحابة سبعة من التابعين بالحصر لا يمكن أن يكون صحيحاً من كل الوجوه ، فالناقلون كثيرون ، والممتازون منهم أكثر من سبعة ، وكل كان يختار سبعة يراهم أكثر تأثيراً من غيرهم فى نظره ، وقد أتفق على عدد منهم ، مثل سعيد بن المسيب: وعروة، والقاسم . وقد تلقى فقه السبعة ابن شهاب، ونافع مولى ابن عمر (٢)، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وربيعة الرأى، ويحيى بن سعيد، وقد ذكرنا نبذاً صغيرة عن هؤلاء الأربعة فى شيوخ مالك . ويحق علينا أن نذكر بياناً عن الفقهاء السبعة بكلمات موجزة ، ما دام العلم المدنى مديناً لهم ، وما دام مالك قد ذكرهم على أنهم الفقهاء وحملة العلم وغيرهم لهم تبع، فقد حق علينا ذكرهم . ١٢٥ - وأولهم من حيث المنزلة والمكانة فى العلم سعيد بن المسيب رضى الله عنه، وقد كان قرشياً مخزومياً، وبذلك أبرز علم العرب فى وقت كان العلم فيه للموالى، فقد جاء فى أعلام الموقعين: ((لما مات العبادلة عبد الله ابن عباس ، وعبد الله بن الز بير ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله ابن عمر صار الفقه فى جميع البلدان إلى الموالى، فكان فقيه مكة عطاء ابن أبى رباح، وفقيه اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه (١) راجع نبذة رقم ٦٨ (٢) لايعد مالك نافعاً من طبقة ابن شهاب، بل يذكره مع السبعة، لأنه من كبار التابعين . (م.١١ - ٠الك) - ١٦٢ - أهل الكوفة إبراهيم ، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراسانى، إلا المدينة ، فإن الله خصها بقرشى، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع، (١) . وقد ولد فى خلافة عمر بن الخطاب ، ومات سنة ٩٣ ، وقد حضر بذلك عصر عثمان رضى الله عنه، وعلی كرم الله وجهه ، ومعاوية، ویزید، ومروان ابن الحكم وعبد الملك ابنه ، ويظهر أنه لم يكن من الموالين لبنى أمية ، وإن کان قد عکف على الدرس لا یثیر فتنة ، ولا يحرك أحداً ، وقد كان يأخذ على معاوية أنه الحق زياداً به ، وخالف بذلك حديث النبى ستر الله: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ولقد اشتهر عنه أنه كان يستنكر أفعال الأمويين مع عدم التحريض عليهم ، حتى لقد حسب بعض الناس أنه امتنع عن الحج لأنه نذر أن يدعو عليهم فى الكعبة فقيل له فى ذلك: «يزعم قومك أن ما يمنعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على نی مروان، فقال ما فعلت ذلك ، وما أصلى لله عز و جل صلاة إلا دعوت الله علیهم». ولقد انصرف إلى الفقه أنصرافاً تاماً ، ولم يعن إلا به ، فلم يعن بتفسير القرآن ، كما عنى عكرمة مولى ابن عباس وتلميذه، وناقل فقهه وتفسيره ، وقد جاء فى تفسير الطبرى: ((عن يزيد بن أبى يزيد : كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن ، قال لا تسألنى عن آية من القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه، يعنى عكرمة)، (١) . وقد التقى بطائفة كبيرة من الصحابة، وأخذ عنهم ، وتلقى عليهم ، (١) أعلام الموقعين ص ١٨ ٣ ١ (٢) تفسير ابن جرير ج١، والعبارة تنى عن أنه لم يكن بينهما مودة، وأنه لم يثق بعلمه . - ٢٦٣ - صُّ، وقضايا أبى بكر، وعمر، وأخص ما كان يطلبه قضايا رسول اللّه ميولى وعثمان، وأخذ أشطر علمه عن يزيد بن ثابت ، وجل روايته عن أبى هريرة صهره، إذ كان سعيد زوجابنته ، وتلقی فقه عمر عن أصحابه ، حتى عد راوية فقه عمر ، وقد قال فيه ابن القيم: «راوية عمر ، وحامل علمه، وقال جعفر بن ربيعة، قلت لعراك بن مالك من أفقه أهل المدينة قال أما أفقههم، وأعلمهم بقضايا رسول اللّه محلي وقضايا أبى بكر، وقضايا عمر، وقضايا عثمان، وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثاً، فعروة بن الزبير ، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله ( يعنى عبيد الله أبن عبد الله بن عتبة بن مسعود) بحراً إلا فجرته ، قال عراك، وأفقههم عندى ابن شهاب ، لأنه جمع علمهم إلى علمه ، وقال الزهرى : كنت أطلب العلم من ثلاثة : سعيد بن المسيب ، وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير ، وكان بحراً لا تكدره الدلاء، وكنت لأتهاء أن تجد عند عبيد اللّه طريقة من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدت(١))) . اتجه سعيد إلى الفقه بكليته ، فكانت عنايته فى الحديث بمعرفة أقضية النبى صلى الله عليه وسلم، وعنايته من الآثار بأقضية الخلفاء ، وإذا كانت له هذه العناية بأقضية الخلفاء وفتاويهم، فلابد أن يبرز فى روايته على فقيه الصحابة عمر بن الخطاب ، لأن عصره هو العصر الإسلامى الأول للفقه والقضاء والإفتاء، لاتساع رقعة الدولة ، وحدوث الحوادث التى اقتضت ذلك الفقه وهذه الأقضية وتلك الفتاوى . وإذا كان ابن المسيب يقتفى آثار عمر فى القضاء والفقه ، فلا بد أنه كان للرأی قیمة کبیرة عنده، لأن رأی عمر رضى الله عنه فیما لا نص عليه من کتاب أو سنة الرسول كان كثيراً ، فلا بد أن ابن المسيب كان يجتهد فيما (١) أعلام الموقعين ص ١٨ ٠١٢ ١ - ١٢٤ - يعرض عليه من أسئلة فى وقائع لم يجد فيها نصاً من كتاب أو سنة ، أو قضاء صحابى أو فتواه ، وأن يفتى برأيه، حيث لا خروج عن الجادة ، ولا ضلال ، ولذلك أثر عنه رضى الله عنه أنه كان يفتى حيث يتهيب غيره الفتيا . ولقد جاء فى إعلام الموقعين: (( كان سعيد بن المسيب واسع الفتيا .. ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادى ، عن أبى إسحاق ، قال كنت أرى الرجل فى ذلك الزمان ، وإنه ليدخل ، يسأل عن الشىء ، فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب ، كراهية للفتيا ، وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجرى(١))). وإذا كان كذلك فأمام فقهاء المدينة فى عصر التابعين ، لم يكن يمتنع عن الرأى إن وجدت الحاجة إليه، وكان رأيه قائماً على أساس محكم الدعائم من فقه القرآن والحديث ، وأقضية النبى والخلفاء الراشدين ، هذه حقيقة نسجلها ، ولنا إليها حاجة. ١٢٦ - وثانى الفقهاء السبعة الذين كونوا الفقه المدنى فى عصر التابعين هو عروة بن الزبير بن العوام ، وهو شقيق عبد الله بن الزبير ، وابن أخت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، وقد ولد فى خلافة عثمان ابن عفان، وتوفى سنة ٩٤هـ، فهو قد أدرك الفتن التى وقعت عقب مقتل عثمان، إلى أن استقر الأمر لبنى مروان ، وقد نازع فى آخرها أخوه عبد الله بن الزبير عبد الملك بن مروان الملك ، واشتد الأمر بينهما ، ومع ذلك لم يعرف أنه خب ووضع فى الأمر ، أو استعانه أخوه فى أمر ، ويظهر أنه كان منصر فاكل الانصراف إلى الدراسات العلمية، فدرس الفقه والحديث، وكان فى الحديث كما قال تلميذه ابن شهاب بحراً لا تكدره الدلاء، وإذا (١) أعلام الموقعين جـ ١ ص - ١٦٥ - كان ابن المسيب أفقه التابعين بالمدينة ، فقد كان عروة أغزرهم حديثاً ، وقد تلقى فقه الدين عن طائفة من الصحابة ، وأخصهم أم المؤمنين عائشة رضى الله عنهما، وقد كانت مقدمة فى العلم والفرائض والأحكام ، وقد أخذ عنها القاسم بن محمد بن أبى بكر ابن أخيها ، وعروة بن الزبير ابن أختها السيدة أسماء رضى الله عنها . وكان عروة أعلم الناس بحديث عائشة ، حتى لقد قال: ((لقد رأيتنى قبل موت عائشة بأربع حجج ، وأنا أقول لو ماتت ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته)). ويظهر أنه كان معنياً بتدوين ما يتلقاه من حديث وفقه ، حتى لقد روى أنه كتب كتباً، ولكنه تهيب أن يكون مع كتاب الله كتاب، فأزال هذه الكتب ، ولقد روى ابنه هشام أنه كانت له كتب فأحرقها يوم الحرة ، ولكنه ندم ، فكان يقول بعد ذلك : لأن تكون عندى أحب إلىّ من أن يكون لى مثل أهلى ومالى. وترى من هذا أنه كان محدثاً، وفقيها ينحو نحو الأثر ، ولم تكن له جرأة ابن المسيب على الإفتاء. ١٢٧ - وثالث أولئك الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وقد مات سنة ٩٤ ، وكان متنسكا عابداً زاهداً ، حتى لقد كان يسمى راهب قريش، وقد روى عن عائشة وأم سلمة، وكان فقيهاً محدثاً ، ولم يكن جريئاً فى الإفتاء ، كماهو الشأن عند ابن المسيب ، ولقد كان يغلب على فقهه الأثر . ١٢٨ - ورابع الفقهاء السبعة القاسم بن محمد بن أبى بكر ، ابن أخى أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، وقد مات سنة ١٠٨، تلقى الحديث والفقه عن عمته، وعن ابن عباس رضى الله عنهما ، وكان محدثاً ، فاقداً للحديث فى متنه بعرضه على كتاب الله والمشهور من السنة، وكان فقيهاً ، - ١٦٦ - فاجتمع له الفقه والحديث ولقد قال فيه تلميذه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، ما رأيت فقيهاً أعلم من القاسم ، وما رأيت أحداً أعلم بالسنة منه، ويظهر أنه مع تدينه كانت فيه همة وكياسة ، واعتزام للأمور، ولذلك روى مالك أن عمر بن عبد العزيز قال لو كان لى من الأمر شيء لاستخلفت أعيمش ابن قيم، يعنى القاسم بن محمد . ١٢٩ - وخامس هؤلاء الفقهاء عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وقد روى عن ابن عباس ، وعائشة ، وأبى هريرة ، وكان أستاذاً لعمر بن عبد العزيز وأثر فى عقله ونفسه تأثيراً كبيراً ، وكان مع علمه بالفقه والحديث وحسن سمته، يقرض الشعر ، وقد مات سنة ٩٨ ، وقبل سنة ٩٩ ، وقيل قبل ذلك سنة ٩٤. ١٣٠ - وسادسهم سليمان بن يسار ، وكان مولى للسيدة ميمونة بنت الحارث زوج النبي صَّه، ويقال إنها كاتبته، ففرضت عليه مقداراً من المال يكون حراً إذا أداه، وقد أداه فكان حراً ، وحدث أنه استأذن على السيدة عائشة ، قال فعرفت صوتى ، فقالت: أسليمان؟ قلت سليمان ؛ قالت أديت ما قاضيت عليه ، أو قاطعت عليه؟ قلت: بلى: لم يبق إلا يسير، قالت ادخل أنت مملوك مابقى عليك شىء ، وقد روى عن زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وأبى هريرة ، وأمهات المؤمنين ميمونة، وعائشة وأم سلمه ، وكان فيه فهم دقيق ، فى علمه وفقهه بدراسة شئون الناس ، وتعرف أحوالهم فقد كان مشرفاً على سوق المدينة، عندما كان عمر بن عبد العزيز والياً عليها ، وقد توفى سنة ١٠٠ . ١٣١ - وسابع هؤلاء الفقهاء خارجة بن زيد بن ثابت المتوفى سنة ١٠٠، وكان فقيه رأى، كأبيه زيد ، ورث علمه، فغلب عليه ما اشتهر به أبوه، وهو الرأى والعلم بالفرائض، ولذلك كان خارجة قليل الحديث ، - ١٦٧ - كثير الإفتاء بالرأى وكان على علم كامل بالفرائض ، يقسم للناس موارينهم على كتاب الله تعالى. قال مصعب بن عبد الله: «كان خارجة وطلحة بن عبد الرحمن بن عوف، فى زمنهما يستفتيان، وينتهى الناس إلى قولهما ، ويقسمان المواريث بين أهلها، من الدور والنخل والأموال ، ويكتبان الوثائق للناس)). وكان مع علمه وفقهه، وفتياه، واتصاله بالناس فى أول أمره ، من عباد المدينة ، وقد دفعته العبادة فى آخر أمره إلى العزلة والانفراد، ولذلك لم ينتشر من فقهه وعلمه شىء كثير . ١٣٢ - هؤلاء هم الفقهاء السبعة كانوا هم ، ومن فى طبقتهم ، وفى مثل درجتهم العلمية ، وتأثر فقه الصحابة والتى الكريم - المدرسة التى كونت الفقه المدنى، وجعلت له كياناً متميزاً، أساسه الإفتاء بما أفتى به السابقون من أصحاب رسول الله صَّ له، والسير على منهاجه. والمشاكلة بين أحكام الوقائع التى لم يجدوا فيها فتوى السابقين ، فهم يجتهدون بآرائهم أحياناً ، أو فى كثير من الأحيان ، ولكن فى الدائرة التى سار فيها فقه الصحابة ولا يفرعون المسائل تفريع أهل العراق . ١ فالأمر الجدير بالملاحظة، والالتفات ، أن هؤلاء الفقهاء لم يكونوا أثريين من كل الوجوه ، بل كانوا أثريين وفقهاء يدرسون فقه السلف، ويخرجون عليه فيفتون فيما لم يجدوا فيه أثراً للنبى الكريم ، ولا لصحبه بما ينقدح فى عقولهم تخريجاً على ما اشتهر من قضاء النبي صَّة، ومن أولئك من غلب عليه علم الحديث ، وقل عنده الفقه والإفتاء كعروة بن الزبير ، وأكثرهم كان يغلب عليه الإفتاء والفقه . وإن هذا يجعلنا نعتقد أن فقه الرأى كانت له مكانة عندهم، وإن كان للأثر فيه دخل كبير، والفرق بين رأيهم ورأى أهل العراق أن أهل العراق كانوا : ھ - ١٦٨ - يفتون فيما يقع من المسائل، وما لا يقع بفروض يفرضونها وأن رأيهم لم يتقيد بالتخريج على المأثور من أقضية الصحابة ، أما المدنيون فماكانوا يفتون إلا فيما يقع من الأمور ، وفقه الرأى عندهم مخرج على المأثور من فتاوى الصحابة، وأقضية التى سِّه . ولقد تلقى فقه هؤلاء ابن شهاب، وربيعة وسائر طبقتهما، وتلقى مالك على هذه الطبقة الأخيرة ، ويلاحظ أن شيوخه كان فيهم من يغلب عليه الفقه والرأى وفيهم من يغلب عليه الحديث ، فابن شهاب يغلب على فقهه الحديث، وربيعة الرأى ويحمي بن سعيد يغلب عليهما الرأى دون الحديث. 1 وليس بغريب إذن إذا وجدنا أن الرأى مكاناً كبيراً فى فقه مالك رضى الله عنه . الرأى والحديث X ١٣٣ - يقول الشهر ستانى فى الملل والنحل: ((إن الحوادث والوقائع فى العبادات والتصرفات ، مما لا يقبل الحصر والعدد ، ونعلم قطعاً أنه لم يرد فى كل حادثة نص ، ولا يتصور ذلك أيضاً ، والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى - على قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار ، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد)). ومن أجل ذلك كان الصحابة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم أمام حوادث لا تتناهى ولا تحصر، وبين أيديهم كتاب الله تعالى، والمعروف من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقضيته، فلجئوا إلى الكتاب يعرضون عليه ما جد من حوادث، فإن وجدوا حكماً صريحاً حكموا به ، وإن لم يجدوا فى الكتاب الحكم واضحاً اتجهوا إلى المأثور عن رسول الله 1 صلى الله عليه وسلم، واستثاروا ذاكرات أصحابه ؛ ليعلنوا. - ١٦٩ - النبى صلى الله عليه وسلم فى أمثال قضاياهم ، فإن لم يكن بينهم من يحفظ حديثاً اجتهدوا آراءهم ومثلهم فى ذلك مثل القاضى المقيد بنصوص ، إذا لم يجد من النصوص ما يحكم به فى قضية بين يديه طبق ما يكون شبيهاً به ، أو ما يراه عدلا وإنصافاً ، وإن بعدت المشابهة . هكذا كانوا يسيرون ، يأخذون بالرأى، إن لم يسعفهم نص الكتاب ، أو السنة . ولقد جاء فى كتاب عمر إلى أبى موسى الأشعرى فى القضاء: « الفهم، الفهم ، فيما تلجلج فى صدرك ، مما ليس فى كتاب ولا سنة ، أعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك)) . ١٣٤ - أخذ الصحابة بالرأى . ولكن اختلفوا فى مقدار أخذهم ، ففريق أكثر منه ، وفريق أخذ به قليلا ، وكان يغلب عليه التوقف إن لم يحد نصاً من كتاب أو سنة متبعة ، فهم جميعاً كانوا يتفقون فى الاعتماد على الكتاب والسنة المعروفة إن وجدت ، فإن لم يجدوا سنة معروفة عندهم اتجه المشهورون من فقهائهم إلى الرأى. ولقد كان بعضهم يتشكك فى حفظه حديث رسول الله، فيؤ ثر ألا يحدث خشية أن يقع فى الكذب على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه . یروی أن عمران بن حصین کان یقول: «والله إن کنت لآری انی لو شئت لحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومين متتابعين، ولكن أبطأنى عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعوا کما سمعت ، وشهدوا کما شهدت ،ويتحدثون أحاديث ، ماهی کما يقولون، وأخاف أن يشبه لى ، كما شبه لهم .. وقال أبو عمر الشيبانى: (( كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا ، لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: قال رسول الله عَ ليه استقلته رعدة ، وقال هكذا ، أو نحو ذا، أو قريب من ذا)) . -- - ١٧٠ - وكان عبد الله بن مسعود هذا يؤثر الفتوى برأيه ، ويتحمل تبعته ، وإن كان خطأ عن أن يقع فى الكذب على رسول الله، ولقد قال بعد أن أفتی فی مسألة برا یه : أقول هذا برایی ، فإن كان صواباً فمن الله، وإن یکن خطأ فنى ومن الشيطان ، ولقد كان يطير فرحاً إذا وافق رأيه حديثاً نقله بعض الصحابة، كما هو المشهور فى مسألة المفوضة التى قضى لها بمهر مثلها ، فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله صلي الله قد قضى بمثل ما قضى به. والحق أن الصحابة كانوا بين حرجين دينيين أنبعثا من قوة وجدانهم الدينى؛ أحدهما: أن يكثروا من التحديث عن رسول اللّه مَ له؛ لكى يعرفوا أحكام الأحداث التى تحدث ، وفى ذلك خشية الكذب عليه . جاء فى كتاب حجة الله البالغة للدهلوى: ((قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين بعث رهطاً من الأنصار إلى الكوفة: ((إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيزاً بالقرآن ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث ، فأقلوا الرواية ». وثانيهما : أن يفتوا بآرائهم ، فيما لم يشتهر فيه أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم، وفى ذلك تهجم على التحليل والتحريم بآرائهم ، فمنهم من اختار التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقوف عن الفتيا عند عدم الأثر ، ومنهم من اختار الرأى فيما لم يعرف عن الرسول فيه سنة ، ولم يتوقف، وإن علم حديثاً بعد ذلك رجع عن رأيه إلى الحديث، وقد روى ذلك عن كثير من الصحابة ، منهم عمر رضى الله عنه . وقد عرف بالرأى من الصحابة عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعلى بن أبى طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهم . ١٣٥ - جاء بعد الصحابة تلاميذهم ، وهم التابعون ، وفى عهدهم حدث أمران خطير أن لهما شأنهما فى الاجتهاد الفقهى . = ١٧١ - (أحدهما): أن المسلمين انقسموا إلى أحزاب وشيع، وكانت ريح الخلاف شديدة عنيفة هائجة ، فكان بأسهم بينهم شديداً ، وسهل عليهم أن يتراموا بألفاظ الكفر والفسوق والعصيان، وأن يتراشقوا بقبال الموت ، وأن تشجر السيوف بينهم، لقد انقسمت الأمة إلى خوارج وشيعة وأموية، ثم كان فيها الساكنون الذين رضوا ببلاء الله الذى نزل، وبعدوا عن الفتنة، فلم يخوضوا فيها ، وكان الخوارج فرقاً مختلفة: أزارقة، وإباضية ، ونجدات ، وأسماء أخرى ، والشيعة كانوا نحلا متباينة ، ومنهم من شذ فى آرائه، حتى خرج بها عن الإسلام ، إن كان قد دخل فيه ، إذ منهم من كانوا دخلاء فى الإسلام، أظهروا الدخول فيه، لإفساد أهله ، فلا يهمهم أن يقوم عمود الدين ، إنما يهمهم أن ينقضوا أساسه؛ لتستعيد ملتهم القديمة قوتها وسلطانها أو على الأقل ليثأروا لها من أزالوا شوكتها ، أو يعيش المسلمون فى ظلام دامس ، فيطفئوا نور الله . ولقد صاحب هذا على أنه نتيجة له إن قلت الخريجة الدينية عند بعض الناس فكثر التحدث الكاذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لقد أفزع الأمر كبار المؤمنين ، وأخذوا الأهبة للقضاء على هذه الموضوعات. وكشفها، بتدوين الصحيح الثابت المعروف، ففكر عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فى تدوين السنة الصحيحة ، ودراستها ، والسير على هديها . ( ثانيها): أن المدينة قد ذهب سلطانها السياسى، وابتدأ ذلك بنقل على رضى الله عنه الخلافة إلى الكوفة، ثم نقل الأمويين لها إلى دمشق ، أما سلطانها العلى ، فقد كان بين القوة والضعف على حسب الأحوال، ولكنه فى غالبها، كان إلى القوة والعلو ، وذلك لأن العلماء فى آخر عصر عثمان تفرقوا فى الأقاليم ، وكان لهم فى كل إقليم تابعون هم المسيطرون على الجو . العلمى فيه، وبذلك تفرق العلم فى حواضر العالم الإسلامى ، فكان - ١٧٢ - فى الكوفة مدرسة ، وفى البصرة مثلها، وهكذا، ولكن لما اشتدت الفتن ، وغلا مرجلها كان أكثر العلماء يأرزون إلى بلاد الحجاز ، ويتخذون من المدينة ومكة حرماً آمناً ، إذ الحجاز فى أكثر العصر الأموى كانت الفتن فيه أقل من غيره ، وحيث كان الهدوء والاطمئنان ، فئمة العلم والبحث والاستقراء، ولذلك كانت المدينة فى عصر التابعين لها مقامها فى العلم ، وإن كان لبعض المدائن منزلة فيه، ولذلك لما جاء عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وأراد تعليم الأمة الإسلامية شئون دينها لم يتجه إلى غير المدينة يستعين بعلمائها، فأمر أبا بكر بن حزم يجمع السنن ، وحسن لعلمائها أن يتفرقوا فى الأقاليم ، ليكونوا مبعث العلم أينما كانوا .. ١٣٦ - وقد رأينا فى عصر الصحابة أنهم كانوا فريقين ، كل له منهاج ، ففريق كان يكثر من الرواية ، ويتوقف عن الإفتاء بالرأى ، وفريق كان يكثر من الرأى، ويقل من الرواية ، ويقبل ما يصح من الأحاديث، ويسير على منهاجه . وقد اتسعت الفرجة بين المنهاجين فى عصر التابعين ، وسار كل فى مدى أوسع مما سار فيه السابقون ، فرأينا الذين يؤثرون الرواية يزيدون فى الاستمساك بطريقتهم ، ويرون فيها عصمة من الفتن التى أدلهمت ، واشتدت ، إذ أنهم لم يجدوا العصمة إلا فى الأخذ بالسنة ، والآخرون يرون كثرة الكذب على الرسول ، وأسباب ذلك الكذب ، ثم يرون بسبب الأحداث التى تجد ضرورة الحكم . وبذلك وجد نوعان من الفقه ، فقه الرأى ، وفقه الأثر ، واشتهر فريقان من الفقهاء فقهاء الرأى وفقهاء الأثر . وأساس هذا الاختلاف بين الفريقين ليس فى الاحتجاج بالنسبة ، ولا فى قبولها إن صحت ، ولزوم الأخذ بها إن ثبتت بل كان أساس - ١٧٣ - الخلاف فى الفتيا بالرأى ، وفى تفريع المسائل تحت سلطانه أحياناً ، فقد كان أهل الأثر لا يأخذون بالرأى إلا اضطراراً، كما يضطر المسلم إلى أكل لحم الخنزير ، ولا يفرعون فى المسائل، فلا يستخرجوا أحكاماً إلا للأمور التى تقع ، أما أهل الرأى، فيكثرون من الإفتاء فى المسائل بالرأى ما دام لم يصح لديهم حديث فى الموضوع الذى يجتهدون فيه، ولا يكتفى بعضهم فى دراستهم باستخراج أحكام المسائل الواقعة ، بل يفرضون مسائل غير واقعة ، ويضعون لها أحكاماً بآرائهم، ولقد يجرى على ألسنة العلماء أنه كان أكثر أهل الحديث بالحجاز، وأكثر أهل الرأى بالعراق ، وذلك له أساس هو أن فقهاء المدينة كانوا يرمون فقهاء العراق بعدهم عن السنة ، وأنهم يفتون فى الدين بآرائهم ، وفقهاء العراق ينكرون ذلك ، وسنبين ذلك د من بعد . ١٣٧ - هذا هو عصر التابعين ، فلما جاء عصر تابعى التابعين ، ومن جاء بعدهم لم ينقطع الكذب على رسول اللّه مَ له، وقد ذكر القاضى عياض بعض الكاذبین وأسباب كذبهم ، فقال : («هم أنواع منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلا، إما ترافعاً، واستخفافاً، كالزنادقة وأشباههم ، وإما حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب ، وإما إغراباً وسمعة كفسقة المحدثين ، وإما تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ، ومتعصبى المذاهب، وإما اتباعا لهوى أهل الدنيا، فيما أرادوه ، وطلب العذر لهم فيما أقوه، وقد تبين جماعة من كل طبقة من الطبقات عند أهل الصنعة ، وعلم الرجال ، ومنهم من لا يضع متن الحديث ، ولكن ربما وضع اللمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها، أو يتعمد ذلك، ١ - إما للاغراب على غيره، وإما لرفع الجهالة عن نفسه ، ومنهم من يكذب ، فيدعى سماع ما لم يسمع ، ولقاء من لم يلق ويحدث بأحاديثهم الصحيحة - ١٧٤ - عنهم، ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم ، وحكم العرب والحكماء، فينسبها إلى النبي صَلّهِ﴾(١). كانت هذه الموجة من الكذب فى عصر تابعى التابعين أو عصر الاجتهاد ، وإنشاء المذاهب سباً فى أمرين : (أحدهما): اتجاه المحدثين وخصوصاً الفقهاء منهم إلى تمحيص الرواية الصادقة ، واستخراجها من بين الدخيل ، ليتميز الخبيث من الطيب، فدرسوا رواة الأحاديث؛ وتعرفوا أحوالهم ، وعرفوا الأمين الضابط للرواية الفاهم من غيره وجعلوهم فى الصدق مراتب ، ثم درسوا الأحاديث ، ووزنوها بالمعروف من هذا الدين بالضرورة ، والأحاديث المشهورة المستفيضة التى لا يشك فى صدقها ، فإن وجدوها متنافرة معها ردوها ، ثم اتجه الأعلام من الأئمة إلى تدوين الصحيح من الأحاديث ، فدون مالك الموطأ ، وجمع سفيان بن عيينة كتاب الجوامع فى السنن والآداب . وألف سفيان الثورى الجامع الكبير فى الفقه والأحاديث . وهكذا. (ثانيهما): أن الفقهاء أهل الرأى أكثروا من الإفتاء بالرأى خشبة أن يقعوا فى الكذب على رسول الله، وهم لا يتوقفون عن الفتيا. ١٣٨ - اشتهر العراق بأنه موطن فقه الرأى، واشتهر الحجاز وخصوصاً المدينة بأنه موطن فقه الأثر ، وراج ذلك النظر رواجاً شديداً. حتى أصبح فى مرتبة المقررات فى تاريخ الفقه الإسلامى ، ونحن لا نشك فى أن فقهاء الرأى فى العراق كانوا أكثر من إخوانهم فى الحجاز ، وفقها. الأثر فى الثانى أكثر ، ولكنا لا نستطيع أن نقرر أن فقه العراق جملة فقه رأى، وفقه الحجاز جملة فته أثر ، فإن الأثر كان مأخوذاً به فى العراق، والرأى كان مأخوذاً به فى الحجاز ، وقد رأيت أن الفقهاء السبعة الذين مثلوا الفقه المدنى أصدق تمثيل ، وصوروه أصدق تصوير ، كان كبيرهم (١) راجع كتاب تاريخ التشريع الإسلامى لأستاذنا المرحوم محمد الخضرى ص ٠٨٧ - ١٧٥ - ابن المسيب لا يهاب الفتيا ، حتى لقب بالجرى.، ولا يقدم على الإفتاء من لا يقدم على الرأى، ولا يوصف بالجرىء فى الفتيا من يقف عند المأثور لا يتجاوزه ، بل یوصف بالجری. من لا يقف فى دائرة المأثور ، ويكثر من التخريج عليه ، والسير على منهاجه ؛ وإن لم يكن نص فيما يفتى به. وإنك إن استثنيت عروة بن الزبير ، وأبا بكر بن عبيد بن عبد الرحمن بن الحارث تجد الجرأة فى الإفتاء وصفاً ثابتاً لبقية الفقهاء السبعة ، وإن بعضهم كان لا يقبل الأحاديث إلا إذا عرضها على كتاب الله والمشهور المعروف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ذلك صنيع المتوقفين الذين لا يفتون إلا إذا كان بين أيديهم نص صريح أو مقرب فى الموضوع الذى يفتون فيه . ولا يصح أن يكون السبب فى شهرة العراقيين بالرأى ؛ وشهرة المدنيين بالأثر أخذ هؤلاء بالمرسلات والمنقطعات من الأحاديث دون الأولين ، فإن العراقيين كانوا يأخذون بالمرسل من الأحاديث والمنقطع كما يأخذ المدنيون ؛ بل إنه فى عصر التابعين وتابعيهم وأبى حنيفة ومالك لم يكن الإسناد مشهوراً، لأنهم كانوا يقبلون إرسال من يثقون به، والعبرة بمن يحدثهم من حيث الثقة والأمانة ، ولكن شاعت الأسانيد وأصبح ذكرها ضرورياً عندما فقد العلماء الثقة المطلقة فيمن يروون عنهم . ١٣٩ - والحق أنه ما دام فقه، فالرأى لازم لابدمنه، ولكن المدارس كانت تختلف باختلاف الشيوخ الذين نقلوا عليهم ، وباختلاف الآثار الثابتة عندهم ، وإذا كان الفقهاء السبعة الذين كونوا الفقه المدنى لديهم المادة الفقهية من الآثار ، وجب أن نقرر أيضاً أن أولئك الفقهاء. نقلوا فقه صحابة. الذين اشتهروا بالرأى ، فنقلوا فقه عمر ، وفقه زيد، وكلاهما كان ذا الرأى الذى يفتى كثيراً برأيه ، والذى لا يتوقف إذا لم يجد الأثر ، ولكن المدنيين كانوا يرمون العراقيين بأن مادة الحديث -١٧٣ - التى وصلت إليهم لا تكفى لتكوين فقهائهم، أى لا تكفى ليبنى عليها الرأى الفقهى الصحيح . ولقد قال الدهاوى فى اختلاف المدارس : صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله، فانتصب فى كل بلد إمام مثل سعيد بن المسيب ؛ وسالم بن عبد الله بن عمر بالمدينة، وبعدهما الزهرى ، والقاضى يحي بن سعيد، وربيعة بن أبى عبد الرحمن فيها؛ وعطاء بن أبى رباح بمكة ، وإبراهيم النخعى ، والشعبى بالكوفة، والحسن البصرى بالبصرة، وطاووس بن كيسان باليمن، فأظمأ اللّه أ كباداً إلى علومهم، فرغبوا فيها، وأخذوا عنهم الحديث، وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم ، واستفتى فيها المستفتون ، ودارت المسائل بينهم، ورفعت إليهم الأفضية ، وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأضرابهما جمعوا أبواب الفقه جميعها، وكان لهم فى كل باب أصول تلقوها من السلف، وكان سعيدوأصحابه يذهبون إلى أهل الحرمين أثبت الناس فى الفقه ، وأصل مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر، وعائشة، وابن عباس ، وقضايا قضاة المدينة ، فجمعوا من ذلك ما يسر لهم ، ثم نظروا نظر اعتبار وتفتيش)). «وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود، وأصحابه أثبت الناس فى الفقه، كما قال علقمة لمسروق ((وهل أثبت من عبد الله)) وقول أبو حنيفة للأوزاعى إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمرو، وعبد الله هو عبد الله. وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا على رضى الله عنهما. وفتاواه ، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ، فجمع من ذلك ما يسره الله ، ثم صنع فى .آثارهم، كما صنع أهل المدينة فى آثار أهل المدينة ، وخرج كما خرجوا ، فخلص له مسائل الفقه فى كل باب ، وكان سعيد ابن المسيب لسان فقهاء المدينة ، وكان أحفظهم لقضايا عمر ، ولحديث أبى هريرة. وإبراهيم لسان - ١٧٧ - فقهاء الكوفة ، فإذا تكلما بشىء، ولم ينسباه إلى أحد ، فإنه فى الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا أو إيماء، ونحو ذلك ، فاجتمع عليهما فقهاء بلدها ، وأخذوا عنهما، وعقلوه، وخرجوه)) (١) . ويقول فى موضع آخر: ((المختار عندكل عالم مذهب أهل بلده، وشيوخه؛ لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم، وأرعى للأصول القاضية لهم، وقلبه أميل إلى فضلهم، فمذهب عمر وعثمان، وابن عمر ، وعائشة ، وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب ، فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبى هريرة ، ومثل عروة وسالم وعطاء وابن يسار ، وقاسم ، وعبد الله بن عبد الله، والزهرى ويحيى بن سعيد، وزيد بن أسلم، وربيعة - أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة، لما بينه النبي صَلّ﴾ فى فضائل المدينة، ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء فى كل عصر ، ولذلك ترى مالكا يلازم محجتهم ، ومذهب عبد الله بن مسعود ، وأصحابه ، وقضايا على وشريح والشعبى وفتاوى إبراهيم - أحق بالأخذ عن أهل الكوفة ، (٣). ١٤٠ - هذا ما قاله الدهلوى فى اختلاف الأمصار، وخصوصاً العراق والحجاز فى الاستنباط الفقهى ، وهو كلام حق ، ومما قلناه فى حياة الفقهاء السبعة يتبين أن الخلاف بین العراق والحجاز ، أو بین من يسمون فى هذا العصر فقهاء الرأى، وفقهاء الأثر ليس اختلاف منهاج، فكلهم يتفق على الأخذ بكتاب الله تعالى، ويتفق على الأخذ بسنة رسول الله صَّ له إذا لم يكن كتاب، ويسوى فى الاحتجاج بين المتصل ، والمرسل فى أصل (١) حجة الله البالغة الجزء الأول ص ١٤٣٫ (٢) الكتاب السابق ص ١٤٤ (م ١٢ - مالك) : - ١٧٨ - الاحتجاج، وإن اختلفا فى مقدار الاحتجاج وقوته ، والفريقان يستدلان بأقوال الصحابة . : ولكن الاختلاف بين الفريقين يجىء فى ثلاث أواح: أولاها - أن المدنيين عندهم أقضية أبى بكر وعمر وعثمان ، وفتاواهم؛ وفتاوى ابن عباس وعائشة، وأحاديث أبى هريرة ، والعراقيون عندهم أحاديث ابن مسعود، وفتاويه، وأحاديث على وأقضيته وفتاويه، وأقضية أبى موسى الأشعرى، وأقضية شريح، فالاختلاف من هذه الناحية اختلاف شيخ، لا اختلاف منهاج. ثانيها - أن الثروة من الآثار عند المدنيين أكثر، ويكون حينئذ الاعتماد على الآثار أكثر، وتكون مادة الفقه الأثرى الذى يتكون من أقضية الصحابة وفتاويهم ومسائلهم أخصب ، والآراء المبنية على هذه الآثار، أو المخرجة عليها أوثق حكم. ثالثها - أن التابعين كانت فتاويهم ذات منزلة عند المجتهدين فى المدينة، وكان لها احترامها ، وكانت متبعة فى كثير من الأحيان ، أما آراء التابعين فلم تكن ملزمة عند فقهاء العراق. ولذلك أثر عن أبى حنيفة أنه يقيد نفسه برأى الصحابة لا يخرج عن آرائهم. ولكنه لا يقيد نفسه بآراء التابعين. فهم رجال قد اجتهدوا فله أن يجتهد كما اجتهدوا. ولهذا الكلام نتيجة مقررة قد أنتجها المنطق . وأثبتها التاريخ، وهذه النتيجة هى (١) أن الرأى موجود عند أهل المدينة. وبمقدار ليس بالقليل لأنه ما دام الفقه . فالاستنباط من النصوص . وحمل غير المنصوص على حكمه بالمنصوص على حكمه - أمر ثابت بالبداهة. وليس الرأى الاذاك (٢٠) وأن الرأى المدنى مخرج على الآثار المروية. فهو يشبهها. ولا يشذعن منهاجها. ولا يبتعد عن الآثار إلا ما هو فى معناها. فهو فى دائرتها فى حـ ١٧٩ - الأخذ بها. وفى الاستنباط الذى يستند إلى الرأى (٣) وأن الرأى عند أهل العراق أكثر من الرأى عند أهل المدينة. لكثرة الآثار عند المدنيين . وقلتها عند العراقيين. ولأنهم استجازوا لأنفسهم أن يجتهدوا بآرائهم، ولو كان للتابعی فتوی فیما يجتهدون به . . ولعل الرأى العراقى كان يعتمد على القياس والاستحسان والأخذمن عرف أهل العراق. بينما كان الرأى المدنى لا يعتمد على المقايسات العقلية كثيراً. بل كان يعتمد على المصالح. وعرف أهل المدينة . والفرق بين عرف المدينة وعرف العراق . كالفرق بين المدينة والعراق . من حيث إنه موطن النحل والأهواء. وأهل البدع ، ومن قبل كان موطن الديانات المختلفة، وأما المدينة فموطن الإسلام، بها نما واحتمى، وبها آثار الصحابة والتابعین، فعرفها بلا شك مشتق من الإسلام ، مأخوذ من مبادئه فی کثیر من أحواله . ١٤١ - انتهينا من هذه الدراسة إلى أن الرأى بالمدينة لم يكن قليلا، كما توهم عبارات بعض الكتاب، إذ فى كل طبقة من طبقات فقهاء المدينة وجد ذو الرأى وكان له مكان فى تكوين فقهها ، ففى طبقة الصحابة كان عمر وزيد، وابن عباس ، وغيرهما ، وفى طبقة التابعين كان الفقهاء السبعة ، وخمسة منهم كانوا من ذوى الرأى ، وفى الطبقة التى تليهم كان ربيعة الرأى، ويحيى بن سعيد، و کثیر ین فرقد ، وغير كثير من هو أسن منهم ، كما جاء فى رسالة الليث بن سعد إلى مالك رضى الله عنهما . جاء مالك رضى الله عنه. فورث علم المدنيين، وقال فيه الدهلوى : وكان مالك من أثبتهم فى حديث المدنيين عن رسول اللّه مستطي ، وأوثقهم إسناداً ، وأعلمهم بقضايا عمر ، وأقاويل عبد الله بن عمر ، وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى ، فلما ١ = ١٨٠ ٤ وسد إليه الأمر حدث وأفتى: وأفاد وأجاد، (١). وإذا كان مالك قد تلقى فقه هؤلاء جميعاً . وسار على منهاجه. فهو بلاريب كان فقيه رأى وكان محدثاً ، ولذلك عده ابن قتيبة فى فقهاء الرأى ، ولم يعده من المقتصرين على الآثار لا يتجاوزونها. ١٤٢ - هذا هو الرأى والأثر ومكانهما، ومواطن غلبة الرأى ، ومواطن غلبة الحديث ، وقد انتهينا إلى أن مالكا رضى الله عنه كان محدثاً ، وكان مع ذلك فقيهاً له فى الرأى مكان كبير، ولكنه الرأى الموثق المحكم . وفى الحق إنه فى عصر مالك قد ابتدأت فيه المدارس الفقهية تتلاقى ، وأخذت المعارف بينها تتبادل ، فقد كان يجتمع الشيوخ من كل البلدان فى . مواسم الحج يتذاكرون ويتبادلون أنواع المعارف المتصلة بعلم الأثر وعلم الفقه. وقد رأيت أبا حنيفة يلتقى بمالك . وكلاهما شيخ مدرسة، ويتحدثان فى المسائل الفقهية ، ويفترقان . وكلاهما يقدر رأى صاحبه. ورأيت كيف كانت مذاكرة العلم بين الليث بن سعد ومالك بن أنس بالخطاب وبالكتاب. وكيف كان مالك معنياً بمعرفة آراء أبى حنيفة فى المسائل المختلفة . حتى إنه ايلتقى به ابن أبى حنيفة بعد موته، فيأخذ يسأله عن رأى أبيه فى مسائل عرضت لمالك، فيذكره الإبن ، وأبو يوسف الصاحب الأول لأبى حنيفة يقبل على دراسة الآثار ، وحفظها والاستشهاد بها على ما انتهى إليه من آراء، فإن رأى رأياً ارتآه من قبل يخالف السنة عدل عنه إلى الرأى الذى يتفق مع الحديث. ولقد قال فيه ابن جرير الطبرى: ((إنه كان يعرف يحفظ الحديث ، وإنه كان يحصر المحدث ، فيحفظ خمسين أو ستين حديثاً، ثم يقوم فيمليها على الناس)) . (١) حجة الله البالغة ج ١ ص ٠١٤٥