Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - ١ نفسية ، وذلك كله يهبه العليم الخبير ، ولا يجىء بالمصادفة أو التربية إنما الزبية تنميه وتقويه . ولقد قال الشافعى فى فراسة مالك ((لما سرت إلى المدينة، واقيت مالكا وسمع كلامى نظر إلىّ ساعة، وكانت له فراسة، ثم قال لى ما اسمك ، قلت محمد قال يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصى، فإنه سيكون لك الشأن من الشأن » . ولقد قال أحد تلاميذه ((كان فى مالك فراسة لا تخطىء)) (١). والفراسة النافذة إلى نفوس الأشخاص التى بها يعرف كنه نفوسهم من الصفات التى يعلو بها كل من يتصدى لإرشاد طائفة من الناس أو تعليمهم، فإنه يستطيع أن يعرف خفايا نفوسهم فيعطيها ما يكون غذاء صالحاً لها، وتقوى على هضمه ، ويطب لإدوائهم، وأسقام قلوبهم. ٧٨ - وهناك فى مالك صفة خاصة هى جماع ماوهبه الله من صفات، وهى المهابة ، فقد تواترت الأخبار واستفاضت بمهابته ، ها به تلاميذه ، حتى أنه ليدخل الرجل إلى مجلسه فيلقى السلام عليهم فلا يرد عليه أحد إلا همهمة، وإشارة، ويشيرون إليه ألا يتكلم مهابة وإجلالا، فيستنكر عليهم أن يكونوا كذلك، ولكنه ما إن يملأ العين فى مالك وسمته، ويقع تحت تأثير نظراته النافذة، حتى يأخذه ما أخذهم ، ويجلس معهم كأنه على رأسه الطير. ويهابه الحكام ، حتى إنهم ليحسون بالصغر فى حضرته ، ويهابه أولاد الخلفاء، حتى أنه ليروى أنه كان فى مجلسه مع أبى جعفر المنصور، وإذا صبي يخرج ثم يرجع، فقال أتدرى من هذا ؟ قال : لا ، قال هذا إبنى، وإنما يفزع من شيبتك، بل بها به الخلفاء أنفسهم، إذ يروى أن المهدى دعاه ، وقد ازدحم الناس بمجلسه ، ولم يبق موضع الجالس، حتى إذا حضر مالك، (١) راجع المدارك ص ٠٢٩٨ - ١٠٢ - تنحى الناس له حتى وصل إلى الخليفة . فتنحى له عن بعض مجلسه ، فرفع إحدى رجليه، ليفسح لمالك المجلس ، وهكذا كان شيخ المدينة مهيباً، حتى صارله نفوذاً أكبر من نفوذ واليها، وكان له مجلس أقوى تأثيراً من مجلس السلطان من غير أن يكون صاحب سلطان ، ولقد رأى ذلك الرجل المهيب ومجلسه بعض من يقول الشعر ، فقال : والسائلون نواكس الأذقان يأبى الجواب ، فما يراجع هيبة فهو المطاع ولیس ذا سلطان(١) أدب الوقار ، وعز سلطان التقى ٧٩ - ماسر هذه الهيبة؟ وما أسبابها ؟ إنه مهما يكن للشخص المهيب من صفات عقلية وجسمية ، فهل نستطيع أن نسند المهابة إليها إستاد المسبب بالسبب ؟ إن من الناس من تتوافر فيه هذه الصفات العقلية والجسمية ، ولا يكون له هذه المهابة ، ولذلك لا نقول فى سبب هذه المهابة إلا أنه قوة الروح، فمن الناس رجال قد آتاهم الله تأثيراً روحياً فى غيرهم، يجعل لهم سلطانا على النفوس ، واجتذابا للقلوب ، فيكون لكلامهم مواضع فى النفس تبقى بها آثار القول ، وكأنما يخطون فى النفوس خطوطا" إذ يتكلمون ، وقد أعطى الله سبحانه وتعالى مالكا هذه الهبة الروحية. وكانت حياته كلها تزيدها وتنميها ، وتظهرها وتجليها ، حياة عقلية متسعة الأفق ، وعلم غزير . وحافظة واعية ، وضبط للأمور ، ونقاذ بصيرة ، وسمت حسن وقلة فى القول ، وعدم إسراف فيه ، فإنه لا يذهب المهابة أكثر من لغط القول، وكثرة الكلام التى تدفع إلى السقط، وكل سقطة فى القول تذهب بشطر من المهابة وتقرب به من الابتذال ، ومع هذا بعده عن الملق والرياء ، وتقوى وورع وإخلاص فى العمل ، وصدق فى القول ، ونزاهة وعفة فى كل مظاهر الحياة، ثم مع كل هذا عناية بالمظهر، يعنى (١) الانتقاء لابن عبد البر ص ٤٥. - ١٠٣ - بأثاث بيته وملبسه ومظهره ، بلبس أجود الثياب ، ويعنى بنظافتها ، و تنسيقها . ومع كل هذا أعطاه الله بسطة فى الجسم ، ومظهراً جسمياً ممتازاً ، ولقد وصفته كتب المناقب والتاريخ، بأوصاف من شأنها أن تجعلنا نعتقد أن الله قد آتاه بسطة فى العلم والجسم ، فقدوصفه غير واحد من تلاميذه، فقالوا « كان طويلا جسيما، عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية ، شديد البياض فى لونه، أعين، حسن الصورة، أشم الأنف عظيم اللحية ، تبلغ صدره ، ذات سعة وطول ، وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه ، ولا يحفيه، ويرى حلقه من المثلة، وكان يترك له سيلتين طويلتين، ويحتج بقتل عمر اشاربه إذا أهمه أمر » (١) . وقال تلميذه مصعب الزبيرى . وكان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأحلام عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولا فى جودة بدن ، (٢). وهكذا كانت كل صفاته الجسمية والعقلية، وأخلاقه وأحواله من شأنها أن تلقى المهابة منه فى نفس من يعرفه ومن يلقاه ، فكان ذلك مما نمى ما وهبه الله من قوة الروح، وقوة النفوذ . ٨٠ - لقد بلغت هيبة مالك حداً تنفسه عليه الملوك والخلفاء ، فقد كانوا يهابونه من غير قوة ، ولا جبروت أكبر مما يهابون السلاطين والخلفاء فى ملكهم وأسباب سطوتهم، وشكة سلاحهم . م قال سعيد بن هند الأندلسى ((ما هبت أحداً هيبتى عبد الرحمن بن معاوية ( أى عبد الرحمن بن الداخل ) فدخلت على مالك ، فهبته هيبة شديدة ، صغرت معها هيبة ابن معاوية » . (١) الديباج المذهب لابن فرحون ص ٠١٨ (٢) المصدر السابق. ـت ء - ١٠٤ - ولقد كان لشدة هيبته لا يستطيع تلاميذه أن يسألوه ، قال ابن وهب: (« قدمت المدينة فسألنى الناس أن أسأل لهم مالكا عن الخنثى ، وقد اجتمعوا ، وكنت أنا الذى أسأله لهم، فهبت أن أساله ، وهابه كل من فى المجلس أن يسأله، وقال الشافعى: ((ما هبت أحداً قط هيبتى من مالك ابن أُنس ». وكان أشد الناس هيبة له والى المدينة ، حتى إنه ليشعر بالذلة بين يديه ، ولننقل لك قصة التقاء الشافعى بمالك ، ومعه كتاب توصية من والی مکا ، ففيها بيان فراسته ومهابته عند الأمراء ومن دونهم . قال الشافعى رضى الله عنه : ((دخلت إلى والى مكة، وأخذت كتابه إلى والى المدينة، وإلى مالك أبن أنس فقدمت المدينة ، فأبلغت الكتاب إلى الوالى ، فلما قرأه ، قال یا فی، إن مشی من جوف المدينة إلی جوف مکد حافياً أهون علىّ من المشى إلى باب مالك بن أنس فلست أرى الذل ، حتى أقف على بابه ، فقلت أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه، ليحضر ، فقال هيهات ، ليت أنى إذا ركبت أنا ومن معى ، وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا، فواعدته العصر، وركبنا جميعاً، فوالله السكان كما قال ، أصابنا من تراب العقيق ، فتقدم رجل ، فقرع الباب ، فخرجت إلينا جارية سوداء ، فقال لها الأمير : قولى لمولاك إنى بالباب ، فدخلت ، فأبطأت ، ثم خرجت ، فقالت: إن مولاى يقرئك السلام، ويقول إن كانت لديك مسألة فارفعها فى رقعة، يخرج إليك الجواب ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس ، فانصرف ، فقال لها: قولى له : إن معى كتاب والى مكة إليه فى حاجة مهمة ، فدخلت ، وخرجت ، وفى يدها كرسى، فوضعته، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ طويل ، فجلس، وهو متطلس، فرفع إليه الوالي الكتاب، فبلغ - ١٠٥ - إلى هذا (( إن هذا رجل من أمره وحاله فتحدثه، وتفعل، وتصنع ، فرمى بالكتاب من يده، ثم قال سبحان الله، أو صار علم رسول الله ستظله يؤخذ بالوسائل ، فرأيت الوالى قد تهيبه أن يكلمه ، فتقدمت إليه، وقلت أصلحك الله إنى رجل مطلبى، ومن حالى وقصتى، فلما سمع كلامى نظر إلى ساعة، وكان لمالك فراسة ، فقال ما اسمك؟ قلت محمد ؛ فقال لى: «يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصى فإنه سيكون لك شأن من الشأن»(١). ٨١ - هذه صفات الإمام مالك رضى الله عنه، وقد تضافرت تلك الصفات السامية وهذه المواهب العالية ، فكونت تلك الشخصية الفذه التى مضت بذكرها الأجيال، وأورثت الناس ذلك العلم الغزير ، وذلك الفقه رامرن الذى لم يبتعد عن طريق السنة، وجادة الكتاب الكريم ، فتحت ظلهما، وفى الغذاء الصالح الذى وجده من تراث الصحابة والتابعين أخرج للناس فقهاً يتطابق مع مصالح الناس، ويساير أحوالهم ولا يتجافى عن شئون الحياة، ويأخذ بأيدى الجماعات إلى المثل العالية من التهذيب الدينى ، والخلق الحسن، والورع والتقى، والعفاف والكمال. ولقد تهيأ لهذه الصفات أن تجد شيوخاً صالحين يوجهون ، وموفقين ذوى طريقة حسنة فى الإسلام، يسيرون بها نحو الغاية ، ولنتكلم عنهؤلاء. ٢ - شيوخه ٨٢ - حدث الثقات أن رسول اللّه عَ لّم قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فى طلب العلم ، فلا يجدون عالما أعلم ، وفى رواية أفقه من عالم المدينة ، (٢). (١) راجع هذا الخبر فى معجم الأدباء لياقوت، ومناقب الشافعى الرازى. (٢) الانتقاء، والمدارك ، وتزبين الماليك، ومناقب مالك الزواوى ، والديباج لابن فرحون، ومقدمة شرح الموطأ الزرقانى. - ١٠٦ - وهذا حديث صحيح يسوقه المالكية للدلالة على تقدم مالك رضى الله عنه ، إذ أنه المقصود بهذا الحديث فى نظرهم، وإن ذلك شاهد له بالفضل والعلم دون غيره ، ولمذهبه بالترجيح على غيره ، واعتباره أ کثر من اعتبار سواه . ونحن نسوقه لغير هذا، نسوقه لبيان فضل العلم فى المدينة واستبحار علمائها وامتيازها بكثرة العلماء، وامتيازفقهائهم بعلم الآثار ، وأنه لا يوجد أحد أعلم بسنة رسول اللّه مَ ◌ّ من عمائها وأن عالم المدينة فى عصر الصحابة لا يوجد أعلى منه وكذلك فىعصر التابعين ، و کذلك فىعصر تابعی التابعين وقد نتدرج فى ذلك إلى عصر الاجتهاد . فسوق الحديث لأجل هذا ، لا للغرض الذى يسوقه له المالكية من أنه شهادة لشخص مالك، ولمذهبه بالفضل والاعتبار ، دون سواه ، ونقول إن الحديث يدل على عدم زيادة غيرهم عنهم، لا على نقص غير م . ٨٣ - سقنا هذا الحديث إذن لبيان فضل المدينة، فى عصر الصحابة والتابعين ومن وليهم ، وإن ذلك لا ينكره أحد ، ولذلك فضل بيان فيما بعد عند الكلام على احتجاج مالك بعمل أهل المدينة ؛ ولكنانشير هنا فقط إلى كثرة العلماء بالمدينة فى عصر مالك وما قبله، فقد كانت المدينة فى عصر الخلفاء الراشدين عش الصحابة، وخصوصاً ذوى السبق فى الإسلام، استبقاه عمر رضى الله عنه حوله، لفضل إخلاصهم لدینهم، ولغزير علهم، کأنه یضن بهم أن يقتلوا، وهم حملة العلم النبوى الشريف، فأبقاهم بجواره ليستشيرهم فيما يجد فى شئون الدولة من أحداث ، ولقد رأى ذلك من حسن السياسة ، فإنه خشى أيضاً أن ينقدوا سياسته عند العامة، أو يكونوا من أنفسهم طائفة ممتازة على سائر الناس ، أو يرفعهم الناس مراتب عالية، فيؤثر ذلك فى نفوسهم، فاستبقاهم لكل هذه الأسباب. فكان له بهم فائدة الاسترشاد بآرائهم، ومشاركتهم فى أمره، ليحملوا العبء، وهم خير من يحملون - ١٠٧ - ويرشدون ، لذلك بقى علم هؤلاء بالمدينة، حتى تفرق بعضهم بعد عمر فى الأمصار، وكان لهم بها تلاميذ وتابعون ، فلما جاء العصر الأموى أرز العلماء إلى المدينة الكثرة الفتن بغيرها ، ولأنها مهبط الوحى ، ومكان الجثمان الكريم ، وبها آثار الصحابة والسابقين، ولذلك كان أكثر التابعين بالمدينة ومکه. وقلیل منهم من كان بالعراق، والشام ، وأقل من ذلك من كانوا بمصر وغيرها من سائر البلدان الإسلامية. فلما جاء آخر العصر الأموى، وقد اشتدت المحن بالبيت الأموى، وتشنعت الإحن عليهم ، كان العداء يجيئون إلى الحجاز فارين بعلمهم من الفتن، حتى لقد رأينا أبا حنيفة شيخ فقهاء العراق يفر ناحياً بنفسه إلى مكة مجاوراً بيت الله، واستمر بها إلى أن سقط حكم الأمويين ، واستقر الأمر للعباسيين ، فعاد إلى الكوفة مستقره ومقامه . ٨٤ - جاء مالك فى عصر الدولة الأموية، وقد كثر العلماء بالمدينة ، وأخذ يستقى العلم من شيوخهم غلاماً صبياً ، حتى إذا ما شدا فى العلم أخذيلتقى من يأخذ عنهم العلم والحديث ، ووجد كثرة عظيمة ينتقى منها من ينهل من معارفه. ولقد روى عنه ابن أخته قوله: ((إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دینکم، لقد أدرکت سبعین ممن یقول ، قال فلان،قال رسول اللّه صَ لّ ، عند هذه الأساطين وأشار إلى مسجدالرسول صلوات الله وسلامه عليه ، فما أخذت عنهم، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا الزهرى . فتزدحم على بابه، (١) . وما كان مالك لينقد الرجال ذلك النقد ، إلا لأنه رأى كثرة من العلماء، كان يرفض أحاديث السبعين منهم، مع ما لهم من الأمانة وفضل التقى . (١) تزين المالك السيوطى ص ٠٧ - ١٠٨ - ٨٥ - نشبأ مالك فى ذلك الوسط العلى غلاماً حافظاً متقناً، وبرأ تقياً، فى معدن العلم والآثار، وأخذ العلم عن نحو مائة (١) من هؤلاء العلية، يتلقف من هنا ، ومن هناك ، لا يهمه من أى شخص يأخذما دام أميناً ورعاً تقياً ناقداً، حتى إنه ليروى أنه أخذ عن جعفر الصادق بن محمد الباقر، مع ما علمت من أنه لم يكن فى منهجه يرضى العلويين ، بل يكاد يناقض طريقهم ولكن ذلك لم يمنعه من أن يأخذ عن جعفر، وأن يتأثر طريقه، وأن يذكره بأحسن ما يذكر طالب شيخه المقتدى به ، فقد قال : ((لقد كنت آتى جعفر بن محمد، وكان كثير المزاح، والتبسم ، فإذا ذكر عنده النى مَ لل أخضر واصفر، ولقد اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال إما مصلياً، وإما صائماً ، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا على الطهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله، وما رأيته قط ، إلا يخرج الوسادة من تحته ، ويجعلها تحتى ، وجعل يعدد فضائله وما رآه من فضائل غيره من أشياخه فى خبر طويل » (٢) . وكان معنياً بالعلم بكل شىء فى عصره، ولكنه لم ينشر بين الناس إلا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم الصحابة والتابعين، ولذلك كان على علم بالفرق المختلفة ، ولكنه لم يعلن ذلك العلم للناس ، بل كان الذى يعلنه ما يتصل بالحديث وإفتاء الناس بما يعلمون به أحكام أمورهم، والحق فيها من الدین . ولذلك كانت عنايته القصوى بمعرفة آثار النبى صلى الله عليه وسلم وفتاوى أصحابه ما اتفقوا عليه ، وما اختلفوا فيه، وقد كان يقول : « لا تجوز الفتيا، إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له ((اختلاف t (١) المناقب الزواوى ص ٧ (٢) المدارك ص ٢١٠ - ١٠٩ - أهل الرأى، قال: ((لا ، اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن والحديث، (١). ٨٦٠ - وكان أخص ما يخصه فى دراسته أن يعرف فتاوى عمر رضى الله عنه، فقد كان عصره عصر ازدهار الدولة الإسلامية ، وفيه فتحت الأمصار، وكان تفتح الفكر الإسلامى لاستنباط أحكام شرعية من الدين، ولذلك عنى! بتعرف فتاويه رضى الله عنه، وفتاوى من خلفه فى المكانة العلمية ، وفى الإفتاء وفقه الدين زيد بن ثابت ، ومن خلفه ، وهو عبد الله ابن عمر . 1 ولقد قال بعض علماء الأثر , كان إمام الناس بعد عمر زيد بن ثابت ، وبعده عبد الله بن عمر ، وأخذ عن زيد أحد وعشرون رجلا ، ثم صار على هؤلاء إلى ثلاثة : ابن شهاب ، وبكير بن عبد الله، وأبى الزناد ، وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس، (٢). وهذا يدل على عناية مالك بفتاوى هؤلاء الصحابة الثلاثة ، ولقد ذكر لنا هو كيف انتقل إليه على هؤلاء الفقهاء الممتازين من أصحاب رسول اللّه عَ ل، فهو يذكر أنه وصل هذا إلى من سموا فى التاريخ الفقهى بالفقهاء السبعة من التابعين، ولكنه زاد عليهم ثامناً وحذف واحداً، ثم ذكر الذين تلقى عليهم مباشرة علم هؤلاء التابعين ، وهم مشايخه الذين تفقه عليهم ، وأخذ أحاديث رسول الله بي عنهم، وهذا نص عبارته يخاطب بها أحد الخلفاء وهو المهدى ، فقد قال : («سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم من رجال فى الروضة، وم سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم ، وسالم، وخارجة ، وسلمان، ونافع. ويقول مالك:« ثم نقل عنهم ابن هرمز، وأبو الزناد، (١) المناقب الزواوى ص ٤١ (٢) المدارك ص٦٨ - والديباج ص١٥ , - ١٢٠ - وربيعة ، والأنصارى ، وبحر العلم ابن شهاب ، وكل هؤلاء يقرأ عليهم، (٩). ٨٧ - هؤلاء الأخيرون هم أخص مشايخ مالك رضى الله عنه ، فإنه ما خصهم بالذكر إلا لمزيد اتصاله العلمى بهم، وحسن ثقته بفتاويهم ونقلهم ، وملازمته لهم، حتى تخرج عليهم ، وإن المتتبع مجرى حياته ليرى ذلك واضحاً ، فقد نقلنا أنه لازم بن هرمز نحو سبع أو ثمانى سنوات، وأن أمه كانت تحرضه على الجلوس إلى ربيعة، وهو كان يتبع نافعاً مولى ابن عمر فى غدواته وروحاته ، أما علاقته بابن شهاب فقد أوه عنها هو بهذه الكلمة المطرية المادة ((بحر العلم ابن شهاب)). والقول الجملى أن مالكا ذكر هؤلاء الخمسة ، وهم كما ذكرنا: ابن هرمز، وأبو الزناد ، ويحى بن سعيد الأنصارى ، وربيعة ، وابن شهاب ، ويصح أن نضيف إليهم سادساً درس عليه، وإن كان فى طبقته أعلى من هؤلاء الخمسة ، وهو نافع مولى ابن عمر رضى الله عنهم. وقد رأيت أنه يصفهم جميعاً بأن لهم علماً بالحديث وآثار التابعين، إذ اعتبرهم ناقلى العلم عن التابعين، والتابعون قد نقلوا علم الصحابة ، عمر الفاروق، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم. ولكنهم مع أنهم جميعاً ذوو علم بالآثار يختلفون ، فمنهم من غلب عليه الحديث وعلم الآثار ، كنافع وأبى الزناد ، وابن شهاب الزهرى ، ومنهم من غلب عليه الفقه كربيعة الرأى، ويحيى بن سعيد، أما ابن هرمز، فلم نجد له ذكراً كثيراً إلا فى أخبار مالك رضى الله عنهما، ولكن يظهر أنه كان ذا تأثير شديد فيه، وأنه أخذ منه قدراً من الثقافات الإسلامية العامة ، وكان لا يحب أن يروى عنه، ولذلك نهى مالكا عن أن يذكر أسمه فى سنده، ورضى بأن يحمل ذكره عن أن يشيع عنه النقل، وقد يكون فيه الخطأ ، فيتهم بالكذب . : (أ) المدارك ص ١٧٨ - ١١١ - وبهذا البيان نستطيع أن نقسم شيوخ مالك إلى قسمين : أحدهما أخذ عنه الفقه والرأى، والآخر أخذ عنه الحديث ، وابن هرمز(١) ، كان يلقى عليه ما يعد تثقيفاً عاماً مع علم الرواية . ولا غرابة فى أن يكون فى ربوع المدينة فقه الرأى بجوار الآثار والعلم بها، فإن ذلك معلوم مذكور ، وقد جاء خبره فى كتب تاريخ الفقه الإسلامى، وفى تواريخ الرجال ، ونوهت رسالة الليث ببعض علماء الرأى الذين كانوا فى حياة مالك ، فقد جاء فيها (( كان خلاف ربيعة لبعض من مضى ما عرفت ، وحضرت ، وسمعت قولك فيه، وقول ذى الرأى من أهل المدينة يحيى بن سعيد، وعبد الله بن عمر ، وكثير ين فرقد، وغيره كثير من هو أسن منه))(٢). (١) تطلق هذه الكنية (ابن هرمز) على عالمين جليلين (أحدهما) عبدالرحمن ابن، هرمز ولقبه الأعرج و کنیته أبو داوود ، و کان قارتاً محدثاً تابعیاً ، روی عن أبى هريرة، وأبى سعيد الخدرى ، ومعاوية بن أبى سفيان، وروى عنه الزهرى ، وأبو الزناد وخلق كثير ، وتوفى فى سنة ٠١١٧ (وثانيهما ) عبد الله بن يزيد بن هرمز، وكنيته أبو بكر ، كان مولى الدوسيين وهو فقيه مات سنة ٠١٤٨ وأيهما كان أستاذاً لمالك ؟ قال بعض الباحثين إن أستاذ مالك هو عبدالله ، لأن عبدالرحمن نحوى لافقيه؛ ولأنه فى تهذيب الرجال عنه ترجمة عبد الله إنه شيخ مالك. ونحن نميل أن من شيوخ مالك عبد الرحمن ، وذلك لأن مجموع الأخبار تفيد أن مالكا قلقى عليه وهو صغير فى أول الشباب وابن هرمز فى شيخوخه ، ولو كان قد مات سنة ١٤٨ تلقيه مالك فى كهولة لا فى شيخوخة ، ولأنه محدث عالم سنة ، لا نحوى . تلقى عن السبعة وبعض الصحابة وذكره مالك فى الرواية السابقة قبل أبى الزناد ، فهو أكبر منه، ولأن الرواية عنه فى الموطأ كثيرة ، ويتوسطها أبو الزناد ، ويقول البخارى أصح الأسانيد عن أبى هريرة هو عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة (٣٧ ١ من شرح الزرقانى للموطأ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ). (٢) رسالة اللي إلى مالك، ومنسوقها كلها إن شاء الله تعالى فى دراسات مالك .. - ١١٢ = فهذا يدل على أن فقه الرأى كان له وجود بالمدينة ، وأن له رجالا ، اشتهروا به وعوفوا، وقصدهم الطلاب لذلك . ٨٨ - ولنذكر كل واحد من هؤلاء بكلمة تبين ما أخذه عنه مالك رضى الله عنه . أما ابن هرمز فقد لازمه مالك رضى الله عنه نحو سبع سنوات أو تزيد، کان لا يخلط بمجلسه غيره وكان بعد ذلك يختلف إلیه من وقت لآخر ، حتى لقد قيل إن اتصاله العلمى به مكث نحواً من سبع عشرة سنة ، ويدعى بعض العلماء أنه اتصل به نحو من ثلاثين عاما، فإنه لما قال مالك رضى الله عنه: «إن كان الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه ظنوا أنه يعنى نفسه مع ابن هرمز وقد بينا خطأ ذلك، وقالوا إن ابن هرمز استحلفه ألا يذكره فى حديث(١). لازم مالك ابن هرمز فى صدر حياته العلمية، حتى لقد قال: كنت آتى ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل،(٢). ولقد كان يتأثر خطاه فى كثير من الأحيان ، فهو الذى أورثه قول ((لا أدرى)) إذا لم يجد الجواب فى المسألة التى سئل عنها، وأن يجهر بقول لا أحسن إذا لم يحسن القول فى أمر من الأمور . وكان مع تأثره خطاه ينقد ما يستمع إليه فقد الصير فى الماهر ، وإن ابن هرمز كان يحسن ذلك لديه، ويلقى إليه بكل نفسه، لينهه إلى الخطأ إن كان ما يقوله خطأ ، ويقر الصواب إن كان ما يقوله صوابا ، حتى لقد كان يخصههو وصاحبه عبد العزيز بن أبى سلمة بكثرة المحادثات العلمية، ولقد قيل له نسألك فلا تجيبنا، ويسألك مالك ، وعبد العزيز ، فتجيبهما، فيقول: دخل علىّ فى بدنى ضعف. ولا آمن أن يكون قددخل علىّ في عقلى مثل ذلك ، وأنتم إذا سالتموى عن الشىء، فأجبتكم قبلتموه، ومالك (١) المدارك ص ١١٦ (٢) المدارك ص ١١٧ ٠ے - ١٢٢ = وعبد العزيز ينظران فيه ، فإن كان صواباً قبلاء ، وإن كان غيره تر کام(١) ، . وهذه العبارة تدل على أمرين : (أحدهما) أن ابن هرمز كان يحادث مالكا وعبد العزيز بهذه المسائل العلمية ، وهو فى سن قد دخل فيه يسبيها ضعف فى بدنه وأنه كان يخشى أن يؤثر ذلك الضعف فى عقله . (ثانيهما) أن ما كان يلقيه كان يحتاج إلى نظر وتمحيص ، ولخص، وأنه لا يستطيع هضمه كل طالب علم، أو شاد فيه ، إنما يستطيع تمحيصه ذوو العقول القوية ، وذوو الدراسات الإسلامية الذين تأثروا بها ، بحيث لا تؤثر فيهم غيرها إن تلقوه. وهذا يهدينا إلى أن بعض ما كان يلفيه يتخير سامعه، حتى لا يضل به ، وقد استنبطنا فى بيان حياة مالك أنه كان يلقى عليه اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، ولذلك ما كان مالك يشيع كل ما تعلمه عن ابن هرمز ، لأنه لا يستطيع كل عقل أن يدرك وجه الرد على أهل الأهواء ، وما لا يدركه قد يضل، إذا ألقى عليه ، وقد بينا كيف كان تأثره بابن هرمز، فارجع إليه فى شرح حياته فى صدر كلامنا عن طلبه العلم (٢). ٨٩ - ونافع هو مولى عبد الله بن عمر ، أصابه مولاه من سي الديملم. ففقهه فى الدين، وقد أخذ عنه الحديث، ثم أخذ عن أبى هريرة، وعائشة، وأبى سعيد الخدرى ، وكان من أعلم التابعين بفتاوى ابن عمر ، ومن أدقهم رواية للحديث ، قد أخذ عنه مالك رضى الله عنهما فقه عبد اته ، وما أفتى به فى المسائل التى عرضت عليه وسئل عنها ، وهو أحد رجال السلسلة الذهبية التى قال عنها أبو داوود أنها أصح الأسانيد وهى مالك عن نافع عن ابن عمر ، وقد مات سنة ١١٧، وقيل سنة ١٢٠. (١) المدارك ص ٠١٤١ (٢) راجع ذلك فى النبذة رقم ٢٠٠١٩: ( ( م. ٨ - مالك - ٢١٤ - ولقد ذكرنا فى صدر كلامنا فى طلب مالك للعلم أنه كان يقيع نافعاً ،. كان يأتيه فى الظهيرة لا يمنعه حر الهجيرة من انتظاره، حتى يخرج من . بيته ، ثم يسأله عن فتاوى ابن عمر، ويحتمل ما فيه من حدة ، زاده إياها أنه كان قد كف بصره فى آخر حياته ، وشيخوخته، إذ أنه لم يدركه إلا فى شيخوخته ، وقد أخذ مالك منه فقه ابن عمر ، والأحاديث التى رواها عنه، وعن غيره . ٩٠ - وابن شهاب الزهرى هو العلم فى علم الحديث، وهو محمد ابن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، وهو قرشى من بنى زهرة أجداد النبي صلى الله عليه وسلم لأمه، انتهت إليه الرياسة فى الحديث فى عصره ، قال فيه الليث بن سعد فقيه مصر: ((ما رأيت أعلم منه، ويعد من صغار التابعين، لأنه لقى بعض الصحابة، ولكن أكثر أخذه عن التابعين . ولقد عاصر بعض التابعين ، ولكنه كان مقدماً عليهم ، وكان عمر بن دينار، وهو من التابعين يقول: ((أى شىء عند الزهرى؟ لقيت ابن عمر، وابن عباس، ولم يلقهما ، فقدم الزهرى مكة ، فقال عمرو احملونى إليه ، وكان فى آخر حياته مقعداً ، فحمل إليه، ولم يعد أصحابه إلا ليلا، فقالوا كيف رأيته؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشى)). وكانت له منزلة كبيرة عند الخلفاء الأمويين، حتى لقد ولاء القضاء يزيد بن عبد الملك، وكان الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يقدر حق قدره ، حتى لقد کتب إلى الآماق: « علیکم بابن شهاب ، فإنكم لا تجدون أعلم بالسنة الماضية منه ، وقد روى مالك رضى الله عنه أنه أول من دون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر من عمر بن عبد العزيز رحمه اله ورضى الله عنه . وقد كان مع علمه بالحديث فقيه أثر فقد علم فقه الفقهاء السبعة من - ٢٢٥ - التابعين رضى الله عنهم كما نقلنا عن مالك ، وقد وصفه فى ذلك النقل بأنه بحر العلم ، وقال فيه أيضاً: ((ماله فى الناس نظير، ولقد ذكر ابن القيم فى إعلام الموقعين أن محمد بن نوح جمع فتاويه فى ثلاثة أسفار ضخمة مرتبة على أبواب الفقه. مات سنة ١٢٤هـ . أخذ مالك رضى الله عنه عن ابن شهاب علم الحديث ، حتى صار أعلم الرواة عنه، وفى الموطأ أحاديث كثيرة رويت عن طريق ابن شهاب ، وقد ذكرنا أنه كان قد التقى به فى أول مرة مع أستاذه ربيعة الرأى، وأنه اختبر حفظه، وفاخر به أستاذه ربيعة، وأنه لازمه ، حتى إنه كان يذهب إليه فى أيام استجمامه ، ليروى عنه منفرداً، لأن الناس كانوا يزدحمون فى الاستماع إليه ، ومالك المتثبت التقى الأمين كان يريد التثبت دائماً مما يرويه، ولقد كان ابن شهاب معجبا بحفظه وإتقانه، حتى لقد سماه وعاء العلم ، وقد ذكرنا شيئاً من الاتصال بينهما فى شرح حياته، فارجع إليه(١). ٩١ - وأبو الزناد الذى ذكره مالك ، والذى يعد آخر أساتذته هو عبد الله ابن ذكوان ، وهو من الموالى أصله من همدان ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وقد غلب عليه أبو الزناد ، وكان ذا منزلة دينية رفيعة ، حتى ولاه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز خراج العراق ، مع عبد الحميد ابن عبد الرحمن زيد بن الخطاب وقد مات أبو الزناد فجأة فىمعقسله فى شهر رمضان سنة ١٣٠، وهو ابن ست وستين سنة(٢) وقيل إنه مات سنة ١٣١. وهو أحد أولئك الذين رووا عن الفقهاء السبعة ، وتلقى عليهم ، وقد أخذ عنه مالك رضى الله عنه ، ولم یکن ذ کره له کثیراً کذكر ابن شهاب ، وابن هرمز ، اللذين كان لهما أثر واضح فى فكره ونفسه . (١) راجع الشبذه رقم ٢٢، (٢) المعارف لابن قتيبة . ٠ ١١٩ - ولم يكن من المشهورين بالرأى ، ويظهر أن شهرته كانت بالرواية ، وفقهه فقه رواية وأثر، لافقه دراية ورأى، ولذلك نقول إن مالكا ما أخذ عنه إلا الحديث ، والفقه المأثور عن الصحابة والتابعين . ولأبى الزناد هذا ابن اسمه عبد الرحمن، كان فى سن مالك تقريبا، إذ توفى سنة ١٧٤ قد جمع رأى الفقهاء السبعة فى كتاب سماه (كتاب رأى الفقهاء السبعة ) ولا ندرى أطلع مالك على هذا الكتاب أم كان فى غناء عنه ؛ لأنه التقى بتلاميذ هؤلاء الفقهاء ، والتقى بأبى ذلك المؤلف الذى ورثه علم هؤلاء . ٩٢ - هؤلاء الذين مضى ذكرهم من شيوخه يغلب عليهم الحديث ، واتباع الآثار ، ولننتقل إلى ذكر شيخين من شيوخه اشتهرا بالرأى، حتى لقد خالف أحدهما بعد أن نضج بسبب مخالفتهم بعض المأثور عن التابعين . . أو لهما يحيى بن سعد الأنصارى، وهو من أبناء الأنصار، وينتهى إلى بنى النجار وقد كان قاضى المدينة ، وقد أخذ عن الفقهاء السبعة ، وخصوصاً سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد، وقد جاء فى التهذيب أنه أخذ عن الزهرى، والأوزاعى، ومالك ، وسفيان بن عينية ، وسفيان الثورى وغير هؤلاء (١)، ولقد قال فيه أحمد بن حنبل ((يحيى بن سعيد إنه أثبت الناس، وقد مات سنة ١٤٣ . ومع أنه كان حجة فى الفقه، قال المدينى له نحو ثلاثمائة حديث(٢). ويظهر أنه معروفا بالرأى هو وربيعة ، وعبيد الله بن عمر ، و کثیر بن فرقد وغيره كثير ، كما جاء فى رسالة الليث بن سعد إلى مالك ، وقد أخذ عنة مالك فقة الرأى ، كما أخذه عن ربيعة الرأى . (١) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال أسماء الرجال للخزرجى ص ٢٤ ج ٠٢ (٢) المصدر السابق . - ١١٧ - ٩٣ - ولننتقل الآن إلى ربيعة الرأى ، وإنه لشخصية بارزة فى الفقه المدنى ، وكان لها تأثير كبير فى حياة مالك العلمية لا تقل عن تأثير الزهرى، بل لسنا نغالى إذا قلنا إن شخصية مالك الفقهية تكونت من تأثير هاتين الشخصيتين الكبير تين المتضادتين فى ناحية ، والمتلاقيتين فى ناحية أخرى ، ولنذكر كلمة إجمالية فى ترجمته ، لنعرف ما اختص به من النواحى الفقهية فى وسط الفقه المدنى : هو ربيعة بن أبى عبد الرحمن فروخ، ويكنى أبا عثمان ، وهو من موالى آل المنكدر، وكانوا تيميين من بيت أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وقد توفى سنة ١٣٦ بالأنبار فى مدينة الهاشمية التى بناها أبو العباس عبد الله السفاح، وكان قد أقدمه أبو العباس من المدينة للقضاء. وكان قوى البيان حسن الكلام ، حتى لقد كان يكثر منه مع الإجادة ، ويقول الساكت بين النائم والأخرس ، ولقد أخذ بعض الناس عليه الكثرة منه ، حتى لقد أدعوا أنه كان إذا أخذ فى الكلام وصله ، حتى يمل ويضجر ، وزعموا أنه تكلم يوماً ، وعنده أعرابى ، فقال له ربيعة ما العى؟ فقال هو ما أنت فيه، ولکن یظهر أن ذلك من زعم خصومه ، فإن رجلا يجهر بمثل ما جهر به فى وسط المدينة لابد أن يكون له خصوم ، يتخذون من أخص صفاته مساوىء له ، فيظهر أنه كان حسن الكلام ، بليغ التأثير، وأنه كان لا يحارى فى ذلك ، فرموه بأنه كثير الكلام ، يتكلم حتى يمل ويضجر، ولنا على هذا شاهد ، فإن الليث بن سعد، ومالكا، وقد خالفاه لم يقولا فيه إنه كثير الكلام، بل لقد وصفه الليث فى رسالته إلى مالك بالبلاغة وحسن النية، فقال فى وصفه، وهو يخاصمه: « ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير ، وعقل أصيل ، ولسان بليغ ، وفضل مستبين ، وطريقة حسنة فى الإسلام ومودة صادقة لإخوانه عامة ، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له ، وجزاه بأحسن من عمله)). فترى أن الليث ، وهو يبين ما يكرهه منه من بعض الفتاوى يذكر أن له لسانا بليغاً، وأن له عقلا ... - ١١٨ - أصيلا، ولا يتفق أن يكون له هذان الوصفان مع ما يزعمه بعض الكاتبين له من أنه يتكلم ، حتى يمل ويضجر . وقد كان ربيعة أحد الفقهاء الذين تلقوا العلم على الفقهاء السبعة، كما ذكر مالك رضى الله عنه، ولذلك كان له علم بفقه الأثر وروايته، تلقى الحديث من معدنه، واستقى فتاوى الصحابة والتابعين من منبعها، ولكنه لم يأخذ ليحفظ ويتوقف ، بل أخذ ليحفظ ويبنى ويتصرف، ولذلك كانت له آراء فى المسائل التى لم يؤثر فيها للسابقين رأى ، بل ربما خالف الفقهاء السبعة أو التابعين بشكل عام فى بعض المأثورمن فتاوى ، وقد أكثر من البناء على المادة الفقهية التى بين يديه، حتى سمى ربيعة الرأى، الكثرة ما أبدى من آراء فقهية . ٩٤ - ولقد ادعى ابن النديم أن ربيعة أخذ الرأى عن أبى حنيفة. فقال: ((وعن أبى حنيفة أخذ، ولكنه تقدمه فى الوفاة)) (١) ونحن نستبعد ذلك؛ لأنا لم تر فيما بين أيدينا من المصادر أنه أخذ عن أبى حنيفة رضى الله عنهما، بل المعروف أنه لم يخرج من المدينة إلا بعد أن عرف واشتهر بالرأى، ودعى إلى الهاشمية ليتولى القضاء ؛ وبها كانت منيته، فهو خرج إلى العراق ناضج العقل ، قد تكونت طريقته الفقهية، واستقامت، بل فى الغالب الأعم أنه جلس الدرس والإفتاء قبل أن يجلس أبو حنيفة ، فإنه يروى أن أم مالك رضى الله عنه أشارت عليه أن يذهب إلى مجلس ربيعة عندما اعتزمت أن توجهه إلى طلب العلم، وقالت له: ((اذهب إلى ربيعة ، فتعلم من علمه قبل أدبه، ويقول بعض الرواة إنه رأى مالكا فى حلقة ربيعة وفى أذهشنف)،(٢). وإن تقدم مالك لطلب العلم كان وهو فى سن صغيرة فى نحو العاشرة (١) الفهرست لابن النديم ص ٠٢٨٥ (٢) الصنف بسكون النون وضم الشين وفتحها : محل القرط فى الأذن وقد يطلق على القرط نفسه . ٠٠ سلك - ١١٩ - أى فى العشرة الأولى من المائة الثانية ، وبذلك يظهر أن ربيعة كان له مجلس فقه وتدريس فى العشرة الأولى من المائة الثانية ، مع أن أبا حنيفة لم يجلس الدرس والإفتاء قبل سنة ١٢٠ أى قبل وفاة شيخه حماد بن أبى سليمان، إذ أنه لازمه حتى مات، ثم جلس مجلسه من بعده، وقد مات سنة ١٢٠. لهذا نرى ما ذكره ابن النديم غريباً ، ويقوى ذلك النظر أن ربيعة كان لا يحمد فقه العراق ، كسائر فقهاء المدينة فى عصره، ويرى أن المدينة معدن الفقه، والعراق موطن الفتن، وإذا قال عندما انتقل إليه: « كأن التى الذى بعث إلينا غير النبى الذى يعث إليهم، وقال لمالك عندما استدعاء أبو العباس إلى الهاشمية: ((إن بلغك أنى أفتيت فتوى، أو حدثت بحديث، ما كنت بالعراق، فاعلم أنى مجنون، (١). ومن هذا نرى أنه كان لا يرى الفقه إلا فى المدينة ، وإن خالف المشهور . عند المدنيين ، واختط لنفسه طريقة جديدة بينهم ، وهى مهما تكن مخالفتها للمشهور عندهم طريقة حسنة فى الإسلام ، كما قال الليث بن سعد . ٩٥ - اتجه مالك إلى طلب العلم فى مجلس ربيعة، والروايات تذكر أنه جلس عنده صغيراً ، وأنه عندما وجهته أمه لطلب الفقه، وجهته أولا إلى مجلس ربيعة ، ولكن روايات أخرى تذكر أنه لازم ابن هرمز صغيراً، وأن ملازمته له استمرت نحو سبع سنين دأبا، وأنه لم يخلط أحداً به فى هذه المدة ، فكيف نوفق بين هذه الروايات ؟ يظهر أنه ذهب إلى مجلس ربيعة فى بواكير أيامه فى طلب العلم ، ورأى أبوه وهو صغير أن استفادته منه كانت محدودة ، فاتجه إلى ابن هرمز ، ولازمه حتى أخذ كثيراً مما عنده، ونضج عقله ، وقوى على هضم علم ربيعة وطريقته الاستقلالية فى الفقه فجلس إليه ، واستمع منه واستفاد كثيراً ، واستمر يشغل أكبر حيز من فكره إلى أن جاء ابن شهاب، واستحوذ على أكثره، وكان فى هذه الأثناء يأخذ عن نافع ، وغيره من فقهاء الأثر، ولكن الجزء الأكبر من تفكير. (١) مناقب الإمام مالك الزواوى. و - ١٢٠ - کان لعلم ربيعة ، إلى أن حل محله ابن شهاب الزهرى ، وحل هو فى . المحل الثانى . أخذ مالك عن ربيعة فقه الأثر معقول المعنى متجهاً إلى البناء عليه ، لا إلى الوقوف عنده، يفتى فيما يقع من الأمور بمايراه مأثوراً، فإن لم يجد المأثور بنى عليه، وقد يخالف بعض التابعين، ويبين وجه مخالفته، وقد كان مالك يستسيغ منه ذلك فى أول دراسته علیه ، ويأخذه عنه، ويسلك سبيله، ثم خالفه بعد تلقيه عن ابن شهاب ، وقد كان يروى عنه أخبار الصحابة وآدابهم . یروی فی ذلك أنه قال : لا تمش فى حاجة تستحیی فیها، ولقد سمعت ربيعة يقول: سأل رجل أبا بكر الصديق رضى الله عنه أن يمشى معه فى حاجة ، فلما سار فى الطريق. قال (١) للصديق: خذ بنا فى غيره ، فان على طريقنا مجلس قوم استحبى منهم ، قال أبو بكر : تصحبنى فى أمر تستحى منه ؟ والله لا مشبيت معك أبداً، ولقد وجدناه يروى عنه فى الموطأ فقد جاء فى طلاق المريض مرض الموت : : « مالك أنه سمع ربيعة بن أبى عبد الرحمن يقول: بلغنى أن امرأة عبد الرحمن بن عوف سألته أن يطلقها فقال إذا حضت ثم طهرت فآذنينى، فلم تحض حتى مرض عبد الرحمن بن عوف ، فلما طهرت آذنته ، فطلقها البتة، أو تطليقة لم يكن بقى له عليها من الطلاق غيرها ، وعبد الرحمن يومئذ مريض ، فورثها عثمان بن عفان منه بعد انقضاء عدتها)). وآراء ربيعة واضحة فى فقه مالك رضى الله عنه، فربيعة كان يأخذ بعمل أهل المدينة إذا وجدهم على أمر قد اتفقوا عليه، واعتبر ذلك أقوى فى إيجاب العمل من حديث الآحاد ، ولذلك روى عنه أنه قال: ألف عن ألف أحب إلى من واحد، عن واحد . فإن واحداً عن واحد ينتزع السنة من أيديكم(٢) .. ولقد كان مالك يجل شيخه ربيعة كل الإجلال ، فهو لا يتكلم فى (١) المناقب الزواوي ص ٤٣ (٢) المدارك ص ٣٨