Indexed OCR Text

Pages 441-460

- ٤٤١ -
كابن حامد ، والقاضى، وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسى
رحمة الله عليهم أجمعين، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا لا يحصل الوثوق من
تصحيحهم لمذهب أحمد ، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن
فرضناه جاء بعد هؤلاء . وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم جاز له أن
يتصرف فى الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويصحح منها
ما أدى اجتهاده إليه، وانقهم أو خالفهم وعمل بذلك وأفتى ، وفى عصرنا
من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
الحرانى حرسه اللّه تعالى، فإنه لا يتوقف فى الفتيا على ماصححه الأصحاب
من المذهب، بل يعمل ويفتى بما قام عليه الدليل عنده ، فتكون هذه خاصة
بمذهب أحمد ،.
٢٦٧ - ونرى من هذا أن تصحيح الأقدمين لأقوال الإمام أحمد ،
والأوجه التى تنسب إليه ، والتى لا تنتسب لم يقيد كل المتأخرين أنفسهم
بهذه التصحيحات، بل فتحوا لأنفسهم باب الترجيح والتصحيح والتخريج ،
وبذلك استمر نماء المذهب الحنبلى، ولقد فتح ابن قيمية وتلاميذه ذلك
الفتح، ولم يكتفوا به، بل إنهم فتحوا باب الاجتهاد المطلق، وإن كان
منقسباً لمذهب أحمد ، فترى ابن تيمية وتلاميذه يخرجون ويفتون ،
ويجتهدون مطلقين ، غير مقيدين إلا بالأدلة والأصول التى قيد الإمام
أحمد نفسه فى استنباطهم ، فذهبوا إلى المعين الأصلى الذى استقى الإمام
أحمد منه فتاويه ، واستقوا منه ، ووصلوا إلى نتائج تعد جديدة فى الفقه
الذى انتهى إليه الأئمة الأربعة، ولابن تيمية فى ذلك الكثير، فهو قد أفتى
بأن الطلاق الثلاث بلفظ لا يقع إلا واحدة ، وأن الطلاق المعلق إذا
قصد به الحلف لا يقع به شىء ، وقرر ابن القيم أن طلاق الغضبان
لا يقع ، وهكذا تجد الكثير الذى انفرد به ابن تيمية وتلاميذه عن
المذاهب الأربعة .

- ٤٤٢ -
ولقد حمل ابن تيمية وتلاميذه علم الاجتهاد المطلق فى عصر
الظلمات ، أو فى عصر التقليد المطلق ودعوا إليه، وساروا فى الطليعة ، وقد
يتساءل الباحث لم كان دعاة الحرية فى الدراسة الفقهية من ذلك المذهب
الأثری ؟.
إن الجواب عن ذلك مشتق من المذهب نفسه ، ذلك بأن الإمام أحمد
كانت فتاويه تعتمد على فتاوى الصحابة بالاتباع أو المشاكلة وتعتمد على
أقضية الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالاتباع المطلق والمشاكلة بالتخريج
عليها ، فكان على المستبحر فى ذلك المذهب الجليل، ولو كان مقلداً تقليداً
مطلقاً أن يطلع على مصادره وهى فتاوى الصحابة وأقضيتهم، وقضاء النبى
عَلَّ ، وأقواله وأفعاله وهو فى هذا يحلق فى جو الفقه النبوى، فيستولى عليه
نوره، ويقبس منه قبسة محمدية فيرى أقوال المجتهدين على حقيقتها بضوئها ،
فيراها مخالفة أو موافقة لما شاهده فى السنة، وقد أشربت أرواحهم بها إذ
دنوا منها فاجتهدوا على ضوئها غير مجانبين طريقة إمامهم ، ولا
خارجين عليه ، فإن خالفوه فى بعض ما استنبط، فقد اتبعوه فى مسالكه
فى الاستدلال .
أما غير أتباع أحمد كالحنفية مثلا ، فإنهم إذا اتجهوا إلى مسالك الإمام
رحمه الله وجدوا طائفة من الأقيسة والاستحسانات وعملا عقلياً حكماً فى
ضبط الأقيسة والتفريع عليها ، فكانوا تحت تأثير سلطان الإمام الفكرى،
فكان تخلصهم ما فرع واستنبط ، ومخالفتهم فيه لا تتوافر دواعيها ، لأنهم
لم يحلقوا فى غير فقهه وتفكيره ولذلك نجد الدعوة إلى الاجتهاد المطلق
تنادى بها الحنبليون ، ثم تنادى المالكيون بضرورة الاجتهاد ، ولو مقيداً
فى كل العصور ، وكثرة الدعاة من هذين المذهبين اللذين يعتمدان على
فتاوى الصحابة ومناهج الصحابة فى الاستنباط ، وإن أكثر المالكيون من

- ٤٤٣ -
الرأى، وقلت أو ندرت الدعوة إلى الاجتهاد ولو مقيداً فى المذهبين الحنفى
والشافعى ، بل إن الدعوة إلى التقليد والاستمساك بها كانت فى أصلها من
بين أتباع هذين الإمامين .
٢٦٨ - كانت جهود الحنابلة فى خدمة ذلك المذهب والتخريج فيه
وعليه لتنميته عظيمة جداً ، ولقد قام المجدون منهم بعد أن كثر التفريع
فيه وتعددت مسائله بوضع ضوابط عامة .
وذلك أن المتأخرين من الفقهاء قد وجدوا أشتاتا من الفروع موزعة
فى الأبواب المختلفة ووجدوا أن أحكاما متشابهة ينص عليها فى أبواب
مختلفة فجمعوا تلك الأشباه والنظائر، كل طائفة متحدة الفكر والحكم فى
قاعدة ، فتكون من هذه الطوائف الفقهية قواعد تجمع المسائل الموحدة فى
قرن واحد ، وإن الاطلاع عليها يجعل القارئ. يعرف فروع المذهب الحنبلى
بأيسر كلفة ، وأقرب طريق .
وهى فوق تسهيلها للاطلاع عليه تعطى القارىء صورة واضحة عن
منطقه ومساراته واتجاهاته المختلفة، وقد ألفت عدة كتب فى القواعد ، منها
كتابا القواعد الكبرى والقواعد الصغرى لنجم الدين الطوفى، والقواعد
لابن رجب ، والقواعد لعلاء الدين على بن عباس البعلى المعروف بابن اللحام
المتوفى سنة ٨٠٣ .
٢٦٩ - وقد طبع من هذه القواعد، كتاب القواعد لابن رجب ، وقد
قال فيه صاحب كشف الظنون :
«هو كتاب نافع من عجائب الدهر، حتى أنه استكثر عليه، وزعم
بعضهم أن ابن رجب وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فجمعها ،
وليس الأمر كذلك ، بل كان رحمه اللّه فوق ذلك (١) ) .
(١) لابن نجيم الحنفى كتاب الأشباه والنظائر ضبط فيه قواعد الفقه الحنفي، ولعله حاكى
قواعد ابن رجب الطوفى لأنها أسبق منه زماناً ، ذلك لأن ابن رجب توفى سنة ٧٩٥ ،
والطوفى سنة ٧١٧ وأما ابن نجيم فتوفى سنة ١٩٦٩

- ٤٤٤ -
ولقد كتب هذه القواعد مجتهداً فى أن يرجع المسائل إلى أصولها، وأن
يج معها جميعا فى سلك واحد ، ولقد قال فى مقدمة الكتاب:
« أما بعد فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة ، تضبط للفقيه أصول
المذهب ، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان قد تغيب ، وتنظم له منثور
المسائل فى سلك واحد وتقيد الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد)».
ونرى من هذا أنه كان يرمى إلى رد الفروع إلى الأصل الفقهى الضابط
لها ، وفظم الفروع فى جامع ضابط لها ، وإنه ليذكر القاعدة ، ثم يبين
شعبها . وبعد ذلك يفرع عليها ، ولا يضن بذكر الخلاف فى الفروع
فى البناء عليها، ويذكر المشهور من المذهب، وغير المشهور ، والمصحح
وغير المصحح، بل ليذكر الخلاف فى القاعدة نفسها ، إن كانت غير
متفق عليها .
وهكذا نرى فى هذا الكتاب القيم نظريات فقهية وتفريعاً لها، ودراسة
للذهب دراسة كاية لا يتيه القارىء فيها وسط أشتات من الفروع
والجزئيات ، وتفصيلات لا طائل تحتها ، وإن كان فالوصول إلى الثمرة
بشق الأنفس .
٢٧٠ - وإننا بعد هذا الوصف الإجمالى لا نطنب فى بيان خواص
ذلك الكتاب القيم الذى قال فيه صاحب كشف الظنون: «إنه من عجائب
الدهر، ولكنن تختار بعض قواعده، ونذكرها لنعرف طريقة عرضه
للمسائل ودراستها دراسة كلية تعرف منها الجزئيات معرفة صحيحة كاملة ،
ولنختر لك من ذلك موضوعين لا ننقل قص كلامه، فإنه طويل، ولكن
فلخص لك نظره فيهما ، ونشير إلى تفريعه .
٢٧١ - أولهما: القبض فى العقود وهو القاعدة التاسعة والأربعون
وما وليها، وقد ذكر فى هذه أن القبض فى العقود على قسمين :

- ٤٤٥ -
( أحدهما) أن يكون موجب العقد ومقتضاه كالبيع اللازم، والرهن
اللازم والصداق ، فهذه العقود تلزم من غير قبض، وإنما القبض فيها من
موجبات عقودها .
(وثانيهما ) أن يكون القبض تمام العقد كقبض رأس المال فى السلم ،
وقبض العوضين فى الأموال الربوية ، وبعد هذا التقسيم العام والتمثيل له
يذكر فروع كل قسم سواء أ كانت موضع اختلاف أو موضع اتفاق ،
وبعد أن يضرب الأمثال على القسم الثانى الذى يلزم فيه القبض يذكر
اختلاف العلماء فى أن القبض فى هذا القسم شرط للإنشاء لا يوجد العقد
.من غيره، أو هو شرط للزوم ينشأ العقد من غير وجوده، ولكن لا يلزم
إلا به ، فيقول :
« اعلم أن كثيراً من الأصحاب يجعل القبض فى هذه العقود معتبراً
للزومها واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها، ومن صرح بذلك صاحب
المغنى وأبو الخطاب فى انتصاره، وصاحب القبض وغيرهم ومن الأصحاب من
جعل القبض فيها شرطاً للصحة ، ومن صرح بذلك صاحب المحرر فى الصرف
والسلم والهبة وقال فى الشرح ((مذهبنا أن الملك فى الموهوب لا يثبت بدون
القبض .. وكذلك صرح ابن عقيل بأن القبض ركن من أركان الهبة،
كالإيجاب فى غيرها ، وكلام الخرقى يدل عليه أيضاً، وكذلك ذكر القاضى أن
القبض شرط من صحة الصرف والسلم، وصرح به كثير من الأصحاب(١).
ثم بعد ذلك يستعرض الفروع ، ويبين انطباقها على القسم الأول ، أو
على القسم الثانى ، ثم يبين التفريعات على قول من يقول: إن القبض ركن
فى الانشاء، ومن يقول إن القبض شرط فى اللزوم .
٢٧٢ - وبعد ذكر ذلك يأتى فى قاعدة ثانية بتسليم الثمن، باعتباره
(١) القواعد س٧.
٠

- ٤٤٩ -
قبضاً من البائع، ويتكلم فى عقود القهرية، وهل يتوقف الملك فيها على قبض
الثمن، أو يقع الملك بدونه مضموناً فى الذمة، فيذكر أن ذلك على ضربين.
(أحدهما) التملك الاضطرارى، كمن اضطر إلى طعام الغير ومنعه،
وقدر على أخذه، فإنه يأخذه مضموناً سواء أ كان معه ثمن يدفعه أم لا ،
لأن ضرره لا يندفع إلا بذلك .
(وثانيهما ) ما عداه من التمليكات المشروعة لإزالة ضرر ما، كالأخذ
بالشفعة وأخذ البناء والغراس من المستعير والمستأجر إذا بنى أو غرس،
والزرع من الغاصب ويذكر أنه قد اختلف النظر الحنبلى فى هذا القسم من
حيث وجوب الدفع قبل الامتلاك، وقد ذكر الفرع الذى استنبط منه
ذلك الاختلاف ، وهو الامتلاك بالشفعة: أيتم قبل تسليم الثمن أم لا يتم
إلا بعد تسليم الثمن ، فقال إن لأصحابنا فى ذلك وجهين :
( أحدهما) لا يملك بدون دفع الثمن وهو محكى عن ابن عقيل،
ويشهدله بذلك قص أحمد أنه إذا لم يحضر المال، وطالت المدة بطلت الشفعة.
(وثانيهما ) الامتلاك بدون دفع الثمن مضموناً فى الذمة .
ويذكر أن تقى الدين بن تيمية قد اختار الأول ، ويذكر هو أنه
يتخرج مثله فى سائر المسائل ، فيقول: وقد يتخرج مثله فى سائر المسائل ،
لأن التسليط على انتزاع الأموال قهراً إن لم يقترن به دفع العوض حصل
ضرر وفساد ، وأصل الانتزاع القهرى إنما شرع لدفع الضرر والضرر
لا يزال بالضرر .
٢٧٢ - ويذكر بعد ذلك فى قاعدة أخرى بيان أقل ما يكتفى به من
القبض فى العقود المختلفة ، أيكتفى بمجرد التمكين والتخلية ، أم لا بد من
القبض التام بالحيازة ثم متى يعتبر الشىء فى ضمان مالكه ، أيكون بالقبض
أم لا حاجة إلى القبض .
فيذكر أن الملك إن كان بغير عقد، كالملك بالميراث، فإن الملك فيه

- ٤٤٧٠-
يتم من غير قبض، بل من غير عقد ، ولكن دخوله فى ضمان الوارث ،
أيكون من غير حاجة إلى القبض، فيذكر أن المذهب الحنبلى فيه وجهان فى ذلك:
( أحدهما ) أن الضمان يكون على الورثة بمجرد الوفاة، إذا كان المال
عيناً حاضرة يتمكن من قبضها، لأن ملكهم استقر بثبوت سبه، ولارجوع
لهم بالبدل على أحد ، والوجه الثانى أن الضمان لا يكون على الورثة
إلا بالقبض، وهذا كله فى المال الحاضر الذى يمكن قبضه . أما غيره
فلا يدخل فى الضمان إلا بالقبض ثم يسوق القول فى ذلك. والآثار المترتبة عليه.
وإذا كانت الملكية ناشئة من عقد ، فقد اتفقوا فى المذهب على أن
الضمان لا يكون إلا بالقبض . ولكن يختلف نوع القبض باختلاف نوع
العقد ، فإذا كان العقد عقد معاوضة، فإنه يكتفى من القبض بالتخلية إذا كان
المبيع معيناً غير مبهم أما المبهم وغير المعين فإنه لا يكتفى بمجرد التخلية ،
بل لابد من النقل والتسليم الكامل ثم يسترسل فى بيان ذلك ببيان مستنده
من أمهات كتب المذهب .
وإذا كان العقد عقد تبرع كالصدقة والهبة والوصية ، فالوصية يكون
الملك فيها من غير حاجة إلى القبض ( على خلاف سنبينه)، لأن الملك فيها
بالخلافة، فهى كالميراث، والملكية فى الميراث تتم من غير قبض، فكذلك
الوصية ، أما فى الهبة والصدقة ، فالقبض فيهما لابد منه على الراجح، وقد
اختلفت الروايات فى كون القبض يكتفى فيه بالتخلية والتمكين، أم لا بدفيه
من التسليم الكامل بالنقل والتسليم يداً بيد، وقد ذكر ابن رجب أن جمهور
الأصحاب يكتفي بالتخلية والتمكين ، ولكن يذكر أن صاحب التخليص ،
قال لا يكتفى بالتمكين، بل لابد من التسليم، وفرق بين الهبة والصدقة وبين
البيع، بأن القبض فى الهبة والصدقة هو السبب فى الملك وليس العقد المجرد
وحده هو السبب فيه ، ولذلك وجب أن يكون القبض كاملا ، حتى يتم
سبب الاستحقاق. والقبض الناقص يجعل سبب الاستحقاق غير محقق على
وجه اليقين ، فلا يكتفى به، وأما البيع فلأن سبب الملكية هو العقد المجرد،

- ٤٤٨ -
فيكتفى فى القبض بمجرد التمكين ، لينتقل الضمان إلى المشترى .
هذا بالنسبة للهبة والصدقة، أما الوصية فإن الضمان فيها لا ينتقل إلى
الموصى إلا بالموت كالميراث ، إذ أنه لا يمكن أن يتم العقد فيها قبل الموت
والقبول ، وإنها إذا كانت خلافة كالميراث، هى خلافة اختيارية ، تنكون
باختيار من الموصى ، وقبول من الموصى له بعد وفاة الموصى ، بخلاف
الميراث فإنه خلافة إجبارية تكون بمجرد وفاة المورث، ولكن هل ينتقل
الضمان بمجرد القبول من غير حاجة إلى قبض ، لقد قرر ابن رجب أن الضمان
يكون من وقت القبول إذا كان الموصى له عالماً بالموصى به متمكناً من قبضه،
من غير تخليه من أحد ، لأنه والورثة على سواء ، فلا يكون واجب التخلية
ثابتاً.
٢٧٤ - وإذا قبل الوصية فهل يستند الضمان إلى ما قبل القبول أم
يكون الضمان من وقت القبول فقط ، قد ذكر ابن رجب أن فى ذلك وجهين :
(أحدهما) أن الضمان يثبت مستنداً إلى ما قبل القبول ، وهو ظاهر
كلام أحمد ، ورأى الخرقى، وصرح به القاضى ابن أبي يعلى، وصاحب
المغنى والترغيب، ولم يحكوا فيه خلافاً ، ووجهة ذلك الوجه أن القبول إذا
تحقق ثبت الملك من وقت الموت، لا من وقت القبول ، وإذا كان كذلك ،
فهو فى ضمانه من وقت الموت .
والوجه الثانى أنه لا يدخل فى ضمانه إلا من وقت القبول، لأن الملك
يثبت من وقت القبول، وإن قلنا إنه يثبت من وقت الموت ، فإن ذلك
الملك الذى يثبت مستنداً ؛ لا يوجب الضمان ، فإن نقصت العين فى تلك
الفترة تنقص من مجموع التركة لا من حصة الوصية خاصة، وبذلك لاتحتسب
فى الثلث المقدر للوصية.

- ٤٩) -
٢٧٥ - هذه قاعدة القبض ، وقاعدة الضمان الناشىء من الملكية تراه
قد درسهما دراسة جامعة كلية ، وذكر الضوابط الجامعة للفروع ، ولم يقتصر
على أحكام منثورة لا رابطة بينها، بل كان ذلك قاعدة رابطة ربطاً فكرياً
دقيقاً محكماً ، ويفرع عليها الفروع المختلفة .
٢٧٦ - ولنذكر لك قاعدة ثانية وهى قاعدة الحقوق ومراتب قوتها،
وهى التى جعلتها القاعدة الخامسة بعد الثمانين ، وقد جعل الحقوق مراتب
خمساً من حيث قوتها ، ومن حيث المطالبة بها .
(أولا) حق الملك، وهو أقواها ، سواءأ كان هناك مانع من الاستغلال
والتصرف أم لم يكن، ومنها كما ذكر ابن رجب التركة المستغرقة فى الدين ،
فان الورثة يملكونها على رواية فى المذهب ، ولكن هناك مانع من التصرف
فيها، والاستيلاء على منافعها ، حتى يسدد ما عليها من دين .
وهذه المرتبة أقوى المراتب، والحق فيها أقوى أنواع الحقوق ، وإن
کانت ھی فی ذاتها در چتین :
( إحداهما) الملك المطلق من غير أى مانع ،.
(وثانيهما ) الملك الذى يكون مع المانع .
( وثانى المراقب ) حق الامتلاك، وهو أن يكون للشخص الحق فى أن
يملك من غير أى مانع يمنعه؛ اذا توافر سبب الملكية، ولكن لم يوجد
شرطها ، ومن ذلك حق المضارب فى الربح اذا ظهرت ثمرات الشركة ولم
تتم القسمة ، فعلى رواية يكون مالكا قبل القسمة ، وعلى رواية لا يكون
مالكا ، ولكن يكون له حق الامتلاك بالوجود سبب الملكية المتفق عليه،
ولكن لم يوجد شرطها ، وهو القسمة ، إذ أن تمامها يكون بالقسمة الجبرية
بالقضاء، والاختيارية بالرضا . وقد ذكر لهذا القسم فروعا كثيرة ، منها
حق الزوج فى نصف الصداق اذا طلق قبل الدخول ، فانه يكون له حق
(٢ ٢٩ - ابن حنبل)

- ٤٠٠ -
الامتلاك فيه لا الملك بالفعل ، ووجد وجه ثان أنه من قبيل الملك لا حق
الامتلاك .
ومنها حق الموصى له بعد موت الموصى . وفيه وجهان قيل إنه حق
ملك وقيل إنه حق امتلاك .
: . ومن المقرر أن حق الامتلاك يورث كحق الملكية، بيد أن حق
الملك يملك المنافع ، وحق الامتلاك لا يملك المنافع .
وثالث الحقوق حق الانتفاع، وهو ليس ملك عين ولامنفعة ولا حق
امتلاك لواحد منهما، ولكنه يقتصر فى الانتفاع المجرد من غير أن يكون
له فى أى وقت ملكية منفعة وهو يثبت لصاحب انتفاع فى ملك غيره ،
ومن ذلك حقوق الجوار ومنه وضع خشب على جدار جاره إذا لم يضره
ذلك، وقد ذكر فروعاً لهذا الحق ، وهى موضع خلاف ونظر ، ولم
يذكره متميزاً تميزاً واضحاً.
( ورابعها) حق الاختصاص كما يعبر ابن رجب ، وذلك يكون لمن
يجتاز عيناً لا تقع تحت الملك، ولكنها اذا تحولت إلى حال أخرى تكون
ملكا، أو كانت لا تقع تحت الملك، ولكن يمكن الانتفاع بها، ومن
ذلك من يجتاز خمراً ثم تصير خلا، فإن المسلم لا يملك الخمر، ولكنها إذا
صارت خلا تصير ملكا، ففى الفترة بينهما لا يكون مالكا ، ولكن يكون
له حق الاختصاص بها ، ومن ذلك مرافق الأملاك، وحق من يحتاز أرضاً
مواتاً ، وهو فی سبیل إحيائها .
(وخامسها) حق التعلق، وهو أن يكون لشخص حق ، ويكون
استيفاؤه من عين معينة ، ومن ذلك حق المرتهن فى الرهن ، وحق الوفاء
فى التركة، وحق الزكاة فى النصاب ... وهكذا غير ذلك من الفروع.
٢٧٧ - وإن القارئ لهذا الكتاب الذى قال أهل الخبرة إنه
من عجائب الدهر يرى كيف وضع النظرت يا الجامعة ، وكيف أن الفقه

- ٤٠١ -
الإسلامى ليس حلولا جزئية لا تربطها قاعدة، ولا يضبطها ضابط فكرى،
بل أسس جامعة ضابطة ؛ ولو أن فقهاً كان يعد حلولا جزئية لكان الفقه
الحنبلى، لأنه فقه يقوم على الآثار السلفية ، سواء أكانت أحاديث عن
الرسول صلى الله عليه وسلم أم كانت أقضية وفتاوى للسلف الصالح وكان يفتى
فى الواقع، ولا يفرض فروضاً، ولا يجمع المسائل فى قياس فيجعل العلة
مطردة ، ومع هذه المظاهر الخاصة بالفقه الحنبلى، قد جمعت قواعده
وضبطت مسائله فى ضوابط، جامعة لا تشذ فروعها، وتستقيم أحكامها ،
فدل ذلك على أنه لم تكن الفتاوى حلولا تعتمد على الخواطر السانحة ، بل
كانت تعتمد على مناهج ومسالك ثابتة ، بعناصر وثيقة الربط .
وإذا كان ذلك فى الفقه الحنبلى، فلابد أنه كان فى الفقه الحنفي ،
والمالكى والشافعى ، ولذلك وجدت هذه القواعد والضوابط فى مذاهب
الفقه الإسلامى ، فكان فى المذهب المالكى القواعد لابن جزى والفروق
للقرافى . وفى المذهب الشافعى القواعد العز بن عبد السلام ، وفى المذهب
الحنفى الأشباه والنظائر لابن نجيم وتتفاوت مراتب هذه الكتب فى قوة
ربط القواعد للفروع، وضبطها للأحكام بمقدار قدرة كاتبها على التغلغل
فى أسرار المذهب، وفهم العناصر المشتركة بين مسائله، وجمع الأشباه
مع أشباهها ، والنظائر مع نظائرها ، ولكل نصيب من الفضل فى خدمة
مذهبه خاصة ، والفقه الإسلامى عامة .
٢٧٨ - هذه صورة لما قام به الفقهاء فى المذهب الحنبلى ، من تخريج
نماه ووسع أفق الاجتهاد فيه ، ومن دراسة لأصوله، وبيانه لأدلته، وإثبات
لصحة الاجتهاد فيه ، ثم بعد ذلك جمعوا أشتاته ، وضبطوا مسائله ، فهلوا
سبيل معرفته وطريقة التخريج عليه ، واستنباط ما لم ينص عليه.
وكانوا فى كل عصورهم أسبق فقهاء المذاهب إلى فتح باب الاجتهاد

- ٤٠٢ -
والتحليق فى سماء الكتاب والسنة ، وعدم الوقوف عند حدود ما استنبطه
الأئمة لا يتجاوزونه ولم يغلقوا باب الاجتهاد كما جاء على أقلام غيرهم من
الفقهاء المستمسكين بمذاهبهم، والذين يتولون النصوص إذا لم تكن متطابقة
مع أقوال أثمتهم ، ولم يضيقوا واسعاً ولم يحجروا على العقول .
وكان فيهم بتهدون، إن لم يكن فى كل العصور، ففى جلها، وإن خلت
عصور من مجتهدين فيهم فلتقاصر الهمم ، لا لدعوة إلى الوقوف ، والجمود
على آراء معينة .
وحسبك أن تعلم أن من رجال هذا المذهب ابن تيمية ، وابن القيم
وغيرهما من جددوا هذه الشريعة، ولا نقصد بالتجديد ما يفهمه العامة من
معنى الكلمة، وهو أن يفوزوا على الدين وأن يخرجوا على أحكامه ،
إنما النجديد أن تأتى بالقديم على حقيقة معناه ، وتغذيه بعناصر الحياة ،
وتكسبه من وقائعها، ومما جد فيها من شئون الفكر والاقتصاد والاجتماع
ثروة جديدة لم تكن . فليس التجديد تقليداً للمحدثين مجرداً، ولا اتباعاً
للمبتدعين مندفعاً، إنما التجديد إحياء القديم متغذياً من وقائع الحياة ، وقد
خلع ربقة الجمود التى نسجتها التقاليد الفاسدة، والعادات الموروثة التى ليست
من الدين، وكذلك كان ابن تيمية وتلميذه، وكذلك ينبغى أن يكون المجدد
فى الإسلام .
انتشار المذهب الحنبلى
٢٧٩ - قل المعتنقون لمذهب أحمد فى كل البلاد الإسلامية فى الأعصر
السابقة ، حتى أنهم لم يكثروا فى سواد أمة قط فى الماضى ، ومع كثرة
العلماء فى هذا المذهب ومع قوتهم فى الاستنباط والاستدلال ، وإطلاقهم
لأنفسهم الحرية، فى الاستنباط وإن تقاصرت الهمم فى بعض العصور ،

- ٤٠٣ -
كان أتباع المذهب من العامة قليلا ، حتى أنهم لم يكونوا سواد شعب من
الشعوب ، وقتاً من الأوقات إلا ما كان من أمرهم فى نجد، فى القرن الماضى،
ثم فى بلاد الحجاز كلها فى القرن الأخير ، وكان مما يثير الفكر أن كان فيه
الفطاحل من العلم، ولم يكن لهم من العامة أتباع ، حتى لقد قال بعضهم
فى ذلك :
يقولون لى قد قل مذهب أحمد وكل قليل فى الأقام ضئيل
ألم تعلموا أن الكرام قليل
فقلت لهم مهلا غلطتم بزعمكم
عزيز وجار الأكثرين ذليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا
٢٨٠ - وهنا يثار سؤال لم كانت، هذه القائلة؟ ولقد أثار الباحثون
ذلك السؤال وتصدوا للإجابة عنه ، وقد أجاب ابن خلدون عنه ، فقال :
(( وأما أحمد بن حنبل فقده قليل ، لبعد مذهبه عن الاجتهاد ،
وأصالته فى معاضدة الرواية ، وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام
والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظاً للسنة ،
ورواية الحديث )).
وإن ذلك لا يصلح تعليلا لهذه العلة ، لأن الأصل غير صحيح ، فليس
ذلك المذهب قليل الاجتهاد، فقد علمنا أنه المذهب الذى فتح باب الاستنباط
على مصراعيه فى غير النص ، وأن كثرة المتقدمين، أو كلهم هم الذين قرروا
أن باب الاجتهاد المطلق لا يغلق قط، وأنه ظهر فيه العلماء الذين درسوا
أعراف الناس فى العصور المختلفة ، وواءهوا بينها وبين مصادر الشرع،
واستنبطوا تحت ظل الكتاب والسنة ومن أضوائهما أحكاماً صالحة
متناسبة، وإن مصر عند ما أرادت تعديل المعمول به فى الأحوال الشخصية
والوقف والمواريث والوصايا وجدت فى هذا المذهب معيناً لا ينضب
7

- ٤٥٤ -
من الأحكام الصالحة ، فاقتبست منها الكثير ، بل لقد اقتبس منها ما يعد
تجديداً للمعمول به تجديداً يوافق بعض المطالب الاجتماعية التى يطالب بها
بعض الباحثين فى الاجتماع ، فلقد اقترحت لجنة الأحوال الشخصية التى
ألفت سنة ١٩٢٦ العمل به فيما يتعلق بلزوم شروط الزواج التى تشترطها
المرأة كألا يتزوج عليها وتحو ذلك ، ولكن لم يؤخذ بذلك الاقتراح،
لأنه تجديد لم تكن قد تهيأت الأذهان له .
وإن سلمنا صحة هذه الدعوى التى يدعيها ابن خلدون تسلما جدلياً،
فقررنا أن الاجتهاد فى المذهب الحنبلى قليل ، مع أن كل الأسباب التى بين
أيدينا تناقض ذلك ، فلن نسلم أن العامة يتبعون المذاهب لقلة الاجتهاد
أو كثرته ، إنما العامة بتبعون المذاهب لوجود الدعاة إليها ، وذوى
السلطان المعتنقين لها ، وعندئذ يكون العامة تابعين لهم ، وقد توجد
أحوال أخرى غير السلطان أذاعت المذهب أو أخملته عند العامة، ولكنها
شئون تتصل بسياسة الاجتماع وشئون الجماعة ، واتصال الإمام والمفتين
فى مذهبه بهم، وليس ليكون الاجتهاد قليلا أو كثيراً دخل فى القلة أو
الكثرة ، لأن العامة لا يدرسون الدليل ، ويعرفون قوة الاجتهاد فيه
وضعفه، ولكنهم يتبعون لثقتهم بالقائل، وفهمهم لما يقول، وعدم اشتهاره
بينهم بالزيغ فى العقيدة أو الانحراف فى الدين .
٢٨١ - وإذا لم يصلح ما ذكره ابن خلدون سبباً لقلة اتباع هذا
المذهب من العامة ، فلنبحث عن الأسباب فى غير ذلك ، فإن القلة ثابتة
لا ريب فى ذلك ، وعلى الباحث تعرف أسبابها .
والواقع أن جملة أمور تضافرت فمنعت ذلك المذهب الخصب من الذيوع
والانتشار بين العامة، ومن هذه الأسباب أنه جاءآخر المذاهب الأربعة
وجوداً، وكان أحمد وأتباعه من بعده لا يقربون السلطان ولا يحبون
الولاية، ولا يسعون إليها، ولا يريدونها تقليداً لإمامهم، واتباعاً لمسلكه،

- ٤٠٠ -
وإذا كان سلطان القضاة قد كان له أثره فى نشر المذهب الحنفى بين أهل
العراق ، ومذهب مالك بالأندلس والمغرب ، فإن عدم تولى الحنابلة
القضاء قد كان سبباً فى قلة ذيوع المذهب الحنبلى بين العامة ، وإن كان له
علماء اجتهدوا فيه، وأخلصوا النية فى اجتهاده.
وإذا كان أبو حنيفة قد جافى السلطان ، ولم يتول له ولاية ، فإن
تلاميذه فى حياته، ومن بعده تولوا القضاء، فزفر تولى فى حياته قضاء
البصرة، وأبو يوسف ومحمد توليا القضاء الرشيد، وكان أبو يوسف القاضى
الأول للدولة لا منافس له، أما أحمد فلم يتول ولاية، وكذلك تلاميذه من
بعده، وقليل منهم من تولى القضاء بعد توالى طبقات لم يتوله منها أحد ،
ولقد لاحظ هذا المعنى ابن عقيل الحنبلى ، فقال :
«هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، لأن أصحاب أبى حنيفة والشافعى ،
إذا برع أحد منهم فى العلم تولى القضاء وغيره من الولايات ، فكانت
الولاية سبباً لتدريسه واشتغاله بالعلم، فأما أصحاب أحمد ، فانه قل منهم
من تعلق بعارف من العلم إلا يخرجه ذلك إلى التعبد والزهد ، لغلبة الخير
على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم (١))).
٢٨٢ - ومن الأسباب التى كان لها أثر فى عدم ذيوع المذهب بين
العامة أن الحنابلة الذين اتبعوا أحمد فى حياته ، وكثروا بعد وفاته ،
لما قال من المنزلة بسبب المحنة الكبرى التى نزلت به كانوا متعصبين أشد
ما يكون التعصب ، وإن التعصب من العالم يجعله يذود عما يؤمن به بالدلل.
أما العامة فان تعصبهم يجعلهم يستمتكون بألفاظ لا يفهمون مقاصدها ،
ولا يدركون مراميها ، وقد وجدنا التعصب عند الخوارج دفعهم
(١) المناقب لابن الجوزى ص ...

- ٤٥٦ -
إلى الاستمساك بألفاظ، والقتال دونها، وأباحوا دماء المسلمين لأجلها، وذلك
لأن الفكرة انتقلت من الخاصة إلى العامة من البدو وإن ذلك التعصب قد
حدث فى آخر حياة أحمد ومن بعده من عدد كثير فى بغداد وغيرها من بلاد
العراق، وكان موضوع مناقشتهم مسألة خلق القرآن، فخاضوا فى هذه المسألة
على غير علم، وحتى لقد كان يكفى أن يقول الرجل غير مخلوق حتى يستجاز
قوله ، وإن تردد ولو للتروى والتفكير بذ ورد .
ولقد استنكر المفكرون من الأمة تلك الحال ، حتى لقد ألف ابن
قتبية الذى كان يعيش فى ذلك العصر رسالة وصنف فيها كيف كانت الاختلافات
تجرى بحدة وعنف بين الذين لا يعلمون فى هذه المسألة ويتكاءون من غير
بينة ، وكيف كمان المحدثون وعلى رأسهم الحنابلة يكفرون ، أو يحكمون
بالبدعة على كل من لا ينطق بكلمة قديم مضافة إلى أى شىء يتصل بالقرآن.
وقال فى وصف المحدثين ، ثم الحنابلة :
,كان آخر ماوقع من الاختلاف أمراً خص بأصحاب الحديث الذين لم
يزالوا بالسنة ظاهرين، وبالأتباع قاهرين ، يداجون بكل بلد ، ولا يداجون
ويستترمنهم بالنحل، ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس، ولا يستغشون،
لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا ، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا ، ولا تسير
الركبان إلا بذكر من ذكروا، إلا أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله
تعالى أصلا فى الدين ولافرعاً فى جهلها سعة ، وفى العلم بها فضيلة، فما شرها
وعظم شأنها ، حتى فرقت جماعتهم وشقتت كلمتهم، ووهنت أمرهم ، وأشمتت
حاسديهم)).
وهذه المسألة التى كانت بها هذه الشدة واللجاجة فى الخصومة والعداوة،
هى مسألة خلق القرآن ، فإنها كانت محنة لأحمد في حياته من الأمراء

- ٤٥٧ -
والخلفاء ، ثم كانت محنة الفكر من بعده . فالعامة لا يقبلون قولا من أحد
إلا إذا قدمه بوصف القدم لما يتصل بكتاب الله تعالى.
ويصف ذلك ابن قتيبة وهو ممن شاهد وعاين، فيقول: ((ربما ورد
الشيخ المصر: فقعد للحديث ... فيبدءونه قبل الكتاب بالمحنة ، فالويل له
إن تلعثم، أو تمكث، أو سعل ، أو تنحنح قبل أن يعطيهم مايريدون ،
فيحمله الخوف من قدحهم فيه ، وإسقاطهم له على أن يعطيهم الرضا، فيتكلم
بغير علم ، ويقول بغير فهم فيتباعد من اللّه فى المجلس الذى أمل أن يتقرب
فيه، وإن كان من يعقد على مخالفتهم سام نفسه إظهار ما يحبون ليكتبواعنه.
وإن رأوا حدثاً مسترشداً، أو كهلا متعاماً سألوه؛ فإن قال لهم أنا أطاب
حقيقة هذا الأمر، وأسأل عنه ، ولم يصح لى شىء بعد، وإنما صدقهم عن
نفسه، واعتذر بعذره والله يعلم صدقه - كذبوه، وآذوه وقالوا: خبيث
فاهجروه ولا تقاعدوه(١).
ونرى من هذا أن هذه المسألة المتشابهة على العامة سرت إليهم ، وخاضوا
فيها، ثم انساب بعضهم إلى الكلام، فى غيرها ما يقاربها، كمالهفات، حتى
كان منهم المشبهة والمجسمة ، وهم ينتسبون إلى أحمد، وأحمد منهم براء ،"
وقد سمى هؤلاء بالحشوية والمشبهة والمجسمة .
ولسنا نقول إن العامة من الحنابلة كانوا جميعاً يقولون تلك المقالات
الفاسدة، بل كان منهم من قال ، وإن ضؤل عدده ، وما ذاك إلا لأن العامة
خاضوا فيما لا يحسن الخوض فيه ، فكان ذلك من أسباب بعد كثيرين.
٢٨٣ - ومن الأسباب أن الحنابلة كانوا يتشددون كل التشدد فى
الاستمساك بما جاء فى الفروع الفقهية ، وقد أثاروا الفتنة فى أوقات كثيرة
(١) الاختلاف فى اللفظ ص ٦٢.

- ٤٥٨ -
مما جعل الأمراء وغيرهم يتشددون فى مقاومتهم، وجعل الشافعية بشكل
خاص ينازلونهم ، ولننقل لك خبر فتنة أثاروها فى سنة ٣٢٣، وهذا نص
ما جاء عنها فى تاريخ الكامل لابن الأثير :
((وفيها ( أى سنة ٣٢٣) عظم أمر الحنابلة ، وقويت شوكتهم، وصاروا
يكبسون دور القواد والعامة ، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه ، وإن وجدوا
مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا فى البيع والشراء . ومشى
الرجال مع النساء والصبيان ، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذى معه من هو ؟
فأخبرهم ، وإلا ضربوه ، وحملوه إلى صاحب الشرطة ، وشهدوا عليه
بالفاحشة ، فأرهجوا بغداد ، فركب بدو الخرشنى ، وهو صاحب الشرطة
عاشر جمادى الآخرة، ونادى فى جانى بغداد فى أصحاب أى محمد البربهارى
الحنابلة. لا يجتمع منهم اثنان، ولا يناظرون فى مذهبهم ولا يصلى معهم إمام
إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى صلاة الصبح والعشاءين فلم يفدفيهم،
وزاد شرهم وفتنتهم ، واستظهروا بالعميان الذين كانوا بأوون إلى المساجد
وكانوا إذا مر بهم شافعى المذهب أغروا به العميان ، فيضربونه بعصيهم ،
حتى يكاد يموت فخرج توقيع الراضى بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم
فعلهم ، ويومخهم باعتقاد التشبيه وغيره ، فمنه: ((قارة تزعمون صورة
وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين ، وهيئتكم الرذلة على هيئته ،
وتذكرون الكف، والأصابع، والرجلين .... والصعود إلى السماء ،
والنزول إلى الدنيا : تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً،
ثم طعنكم على خيار الأمة، ونسبتكم شيعة آل محمد ريخ إلى الكفر والضلال
ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التى
لا يشهد بها القرآن. وإنكاركم زيارة قبور الأئمة ، وتشنيعكم على زوارها
بالابتداع وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ، ليس
بذى شرف ولا نسب . ولا سبب برسول الله مؤ لم. وتأمرون بزيارته

- ٤٥٩ -
وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء ، فلعن الله شيطاناً زين
لكم هذه المنكرات، وما أغواه)).
وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهداً يلزمه الوفاء به ، لئن لم تنتهوا
عن مذموم مذهبكم ، ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضرباً وتشريداً وقتلا
وتبديداً، وليستعملن السيف فى رقابكم والنار فى منازلكم ومحالكم)،(١).
ونرى من ذلك الخبر ، كيف تشدد العامة من الحنابلة ، حتى أثاروا
حق الدولة، وحتى ثار ضدهم الشافعية، ولهم فى ذلك الأبان منزلة بين
الناس ، ثم انظر كيف رمى أولئك العامة المنسوبون إلى أحمد بالتشيه ،
والتجسيد، وكل ذلك فوق نفرة العامة من العنف والإزعاج ، واضطراب
حبل الأمور .
وبذلك كان لهم خصوم ، واضطروا لأن يخضعوا، وبذلوا، ويقلوا
تحت سلطان تلك الخصومات المتفرقة ، خصومة من العامة ، وخصومة
من فقهاء ذوى قدم فى الجدل فى المناظرة ، وهم الشافعية ، وخصومة من علماء
الكلام ، وخصومة من السنيين أنفسهم ، عندما كثرت أفكار الحشوية بين
الحنابلة ، وأخيراً خصومة من الدولة تضطهدهم فى كل مكان ، ولم يكن شأن
ذلك الاضطهاد كشأن محنة أحمد ، فإن محنة أحمد كانت ضد الجماهير ، وعلى
غير رغبتهم ، وأما الاضطهاد فى هذه المرة، فكان استجابة للعامة الذين
نفروا من اضطرابهم وإزعاجهم، وتخريهم.
وبهذا ضعف انتشار المذهب، بعنف معتنقيه من الدهماء ، واستنكار
الناس لتصرفهم .
٢٨٤ - ومن الأسباب فى عدم نشر المذهب الحنبلى أن البلاد
الإسلامية عندما أخذ ذلك المذهب يذيع وينمو قد اعتنقت مذاهب مختلفة،
فالمذهب الحنفى كان فى العراق ، والشافعى كان فى الحجاز والشام ومصر ،
(١) الكامل لابن الأثير الجزء الثامن ص ٩٨

ء
- ٤٦٠ -
والمالكى كان فى المغرب وغير ذلك ، وقد جاء أحمد بعد هؤلاء الأئمة ،
فجاء مذهبه بعد مذاهبهم، ولكى يسود كان يجب أن يزيلها من طريقه،
أو يضعف شأنها، ولم يكن فى معتنقيه تلك القوة، ولم يكن من الدولة عون ،
بل كانت أحوال معتنقيه تنفر الناس والدولة، فاجتمع له ضعف من العامة
الذين اعتنقوه ، ومحاربة من الناس والسلطان ، وعدم وجود فراغ بملؤه.
٢٨٥ - وهكذا تضافرت الأسباب جعلت اتباع ذلك المذهب
من الناس قليلا ، وإنه فى الحقيقة لولا أصحاب أحمد الذين تتلمذوا له، وجمعوا
أفكاره ومسائله، ثم دونوا كل ما تصدى لبيأنه من أحكام فقهية ونقلوا
إلى تلاميذه لمات مذهبه، كمامات مذهب الأوزاعى بالشام ، ومذهب
الليث بمصر، ولولا العلماء الذين نبغوا فى هذا المذهب فى كل الأجيال ،
جيلا بعد جيل ما وجد الناس ذلك العام الغزير الذى يتدارسه الناس،
ويرون فيه الخصب الفكرى والحرية الطلبقة تحت ظل كتاب الله وسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما وجدنا ذلك التراث من الفقه الحنبلى
الذى كان علاجا لإصلاح الأوقاف ، وتنظيم الوصايا والمواريث.
٢٨٦ - وقد انتشر المذهب فى أول أمره فى العراق وبعض بلاد ما
ما وراء النهر ، وكانت له فى بعض الأوقات غلبة فى بغداد، ولكن لم تلبث
أن ضعفت بسبب الفتن التى كان يثيرها تشدد بعض الأتباع من العامة ،
واتخاذ العنف سبيلا لإظهار ذلك ، ثم قل المقلدون له .
أما فى مصر فإنه لم يظهر فيها إلا فى القرن السابع، ولقد قال السيوطى
فى حسن المحاضرة فى الحنابلة ما نصه :
((وهم بالديار المصرية قليل جداً، ولم أسمع بخبرهم فيها إلا فى القرن
السابع وما بعده، وذلك أن الإمام أحمد رضى الله عنه كان فى القرن
الثالث ، ولم يبرز مذهبه خارج العراق إلا في القرن الرابع ، وفى هذا القرن