Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٣٠١ - ٤ - الإجماع ١٤٨ - وجدنا ابن القيم لم يعد فى أصول الفقه الحنبلى بالإجماع، فلم يذكره فى سردها كما نقلنا، ووجدنا الرواة ينقلون عنه أنه قال : من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب ، ونقل عنه أنه قرر أن الإجماع على فرض وجودهفلا مطمع فى العلم به، وهكذا كثر القول عنه ، إما بنفى وجوده مطلقاً، أو بتفى العلم به ، أو بنفى وجوده فى غير الصحابة . ومن الحق أن نقرر حقيقة رأيه فى الإجماع من حيث وجوده ، ومن حيث حجيته، ومن حيث مرتبته فى الاحتجاج ، ولسنا نخوض فى كلام الأصوليين فى الإجماع ، فإنهم اختلفوا فى مسائله الكلية والجزئية اختلافا طويلا ، وموضع بيانها علم الأصول . ١٤٩ - وإذا اتجهنا إلى تعرف حقيقة الإجماع، فإنا نتجه إلى بيان حقيقته التى تلقاها عن شيوخه الذين تصدوا لهذه المسائل ، ولا نجد أحداً من تلقى عليهم قصدى لمسائل الأصول سوى شيخه الشافعى ، فلنعرف حقيقة الإجماع، كما جاءت على لسان الشافعى ، وكاجاءت فى كتبه. يذكر الشافعى حقيقة الإجماع ، فيقول فى كتاب إبطال الاستحسان : (( لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه، إلا لما تلقى عالماً أبدا إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر ، وما أشبه ذلك ، . ولا شك أن هذا هو الإجماع الذى حكم أحمد بعدم وجوده ، أو استبعد وجوده، أو شدد عند الاستنباط والاحتجاج به فى تحقق وجوده، كما يرجح الحنابلة وكما هو المعقول فى ذاته، فما كان أحمد من يناقشون فى المسائل مناقشة مجردة، بأن يتحرى حقائق الأشياء ، ويناقش إمكان - ٢٠٢ - ثبوتها ، أو عدم إمكانه ، وينظر فى ذلك نظراً مجرداً من غير أن تكون بين يديه فتوى يريد استخراج الحكم فيها، أو ترجيح دليل فيها ، فيضطره إلى ذلك النظر ، حاجة مست إليه . ولقد وجدنا الحنابلة يعرفون الإجماع بمثل ذلك التعريف ، فوجدنا ابن تيمية يعرفه بقوله: «معنى الإجماع أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام ، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثيراً من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ، ولا يكون الأمر كذلك ، بل يكون القول الآخر أرجح)، (١). ١٥٠ - والإجماع بهذا المعنى قد تحقق فى أمور دينية فى الاسلام كالإجماع على عدد الصلوات وأوقاتها، والصوم وحدوده، وبعض مفطراته، والديات فى الجملة، وبعض الحدود ، والقصاص، وهكذا تجد الصحابة قد أجمعوا على ذلك ، وأجمع من بعدهم عليها، حتى صارت هذه المسائل المجمع عليها ما علم من الدين بالضرورة ، ولكن الحجية فيها لم تكن الإجماع وحده ، بل كانت الحجية النصوص المثبتة ، وانعقد الإجماع على صحة هذه النصوص ، وسلامة الاستدلال بها، على ما انتهى الأمر إليه . ولكن وجد من العلماء فى عصر الاجتهاد فى عصر أبى حنيفة ومالك ، والأوزاعى، وأبى يوسف ، وغيرهما من احتج بقول عامة العلماء، أو بالإجماع فى أمور لم ينعقد فيها إجماع ، فوجدنا مثلا أن أبايوسف فى كتابه الرد على سير الأوزاعى يختلف معه فى انعقاد الإجماع فى مسألة السهم للفرسين : وإليك النص كما جاء فى هذا الكتاب : (١) فتاوى ابن تيمية جـ ١ ص ٤٠٦. - ٣٠٣ - « قال أبو حنيفة رضى الله عنه فى الرجل يكون معه فرسان، لا يسهم إلا لواحد، وقال الأوزاعى: يسهم للفرسين ، ولا يسهم لأكثر من ذلك ، وعلى ذلك أهل العلم ، وبه عملت الأئمة . قال أبو يوسف لم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه أسهم للفرسين، إلا حديث واحد ، وكان الواحد عندنا شاذاً لا نأخذ به ، وأما قوله بذلك عملت الأئمة ، وعليه أهل العلم ، فهذا مثل قول أهل الحجاز ، وبذلك مضت السنة ، وليس يقبل هذا، ولا يحمل هذا عن الجهال ، فمن الإمام الذى عمل بهذا، والعالم الذى أخذ به، حتى ننظر ، أهو أهل لأن يحمل عنه، مأمون على العلم أم لا ؟ وكيف يقسم للفرسين ، ولا يقسم لثلاثة ؟ من قبل هذا وكيف يقسم للفرس المربوط فى منزله لم يقاتل عليه ، وإنما قاتل على غيره » . ونرى من هذا كيف كان الأوزاعى يحتج بقول عامة أهل العلم وعمل الأئمة، أى يحتج بالإجماع، وأبو يوسف ينكر ذلك بل يستنكر هذا المسلك فى الاستدلال، ويرى أن هذه الدعوى لا تستقيم فى الإنتاج العلمى، بل يجب أن يذكر العلماء أو أهل العلم لتعرف حالهم ، أهم أهل لأن يؤخذ عنهم، ويحتج بأقوالهم ، أم ليسوا بأهل ، فالاحتجاج بكلمة الإجماع من غير ذكر المجمعين لاجدوى فيها . ١٥١ - والشافعى رحمه الله مع تقريره أن الإجماع حجة يؤخذ بها، إذا احتج عليه بالإجماع أنكر وقوعه فى المسائل التى يتناظر فيها ، ويضيق نطاق المسائل التى يقبل فيها الإجماع، بل إنه يكاد يحكم بامتناع وجود الإجماع فى غير الأحكام العامة التى علمت من الدين بالضرورة ، فيقول فى كتاب جماع العلم لمناظر يحتج بإجماع أهل العلم . من أهل العلم الذين إذا أجمعوا قامت بإجماعهم حجة؟. قال (أى مناظره) - ٣٠٤ - هم من نصبه أهل كل بلد من البلدان ، ففيها رضوا قوله ، وقبلوا حكمه ، ثم يبين له الشافعى خطأ ذلك النظر ، وعدم إمكانه ، فيقول : ((( ليس من بلد إلا وفيه من أهله الذين هم بمثل صفته من يدفعونه من الفقه. وينسبوله إلى الجهل ، أو إلى ألا يحل له أن يفتى ولا يحل لأحمد أن يقبل قوله وعلمت تفرق أهل كل بلد بينهم، ثم علمت تفرق أهل كل بلد مع غيرهم فعلمنا أن من أهل مكة من كان لا يخالف قول عطاء ، ومنهم من كان يختار عليه ، ثم أفى الرنجى ابن خالد، فكان منهم من يقدمه فى الفقه. ومنهم من يميل إلى قول سعيد بن سالم وأصحاب كل واحد من هذين يضعفون الآخر ، ويتجاوزن القصد، وعلمت أن أهل المدينة كانوا يقدمون سعيد ابن المسيب، ثم يتركون بعض قوله، ثم حدث فى زمانتنا ، منهم مالك ، كان كثير منهم يقدمه وغيره يسرف عليه، ويضعف مذاهبه، ورأيت المغيرة ابن حازم والداروردى يذهبون من مذاهبه ورأيت من يذمهم ، ورأيت بالكوفة قوما يميلون إلى قول ابن أبى ليلى يذمون مذاهب أبى يوسف ، وآخرين يميلون إلى قول أبى يوسف يذمون مذاهب ابن أبى ليلى ، وما خالف أبا يوسف ، وآخرين يميلون إلى قول الثورى وآخرين إلى قول الحسن بن صالح ، . ((وبلغنى غير ما وصفت شبيه بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان ، ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء فى العلم على التابعين، وبعض المباينين، يذهبون إلى تقديم إبراهيم النخعى ، ثم لعل كل صنف من هؤلاء، قدم صاحبه أن يسرف فى المباينة بينه وبين من قدموا من أهل البلدان ، وهكذا رأيناهم فيمن نصبوا من العلماء الذين أدركنا . فإذا كان أهل الأمصار يختلفون هذا الاختلاف ، فسمعت بعض من يفتى منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتى لنقص عقله وجهالته، وما كان - ٢٠٥ - يحل لفلان أن يسكت ويفتى آخر من أهل العلم، ورأيت من أهل البلدان ما كان يحل له أن يفتى لجهالته ، يعنى الذى زعم غيره أنه لا يحل له أن يسكت لفضل علمه وعقله ، ثم وجدت أهل كل بلد كما وصفت فيما بينهم من أهل زمانهم، فأين اجتمع هؤلاء على تفقه واحد ، وتفقه عام ، وكما وصفت رأيهم أو رأى أكثرهم، وبلغنى عمن غاب منهم شبيه بهذا). وتراه فى هذا يبين مسافة الخلف بين فقهاء البلد الواحد، حتى لا يمكن أن ينصب من بينهم فقهاء معترف بهم من الجميع ، ومسافة الخلف بين فقها. البلاد المختلفة فلا يمكن معها أن يجمعوا على فقه واحد عام، أو رأى واحد عام فى مسألة . مد ثم يثير بعد ذلك نظراً آخر ، وهو أصناف العلماء الذين ينعقد بهم الإجماع، أمنهم علماء الكلام أم ليسوا منهم، وهكذا يشير عجاجة قوية فى بيان من هم العلماء الذين يتألف منهم الاجماع ، حتى يصعب على الناظر، بل على الفقيه أن يميزهم بعلامات واضحة بينة ، ولقد اضطر مناظره لذلك أن يسأله ( هل من إجماع ؟) فيجيبه الشافعى : («نعم بحمد الله كثير فى جملة الفرائض التى لا يسع أحداً حلها، فذلك الإجماع هو الذى لو قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحداً يقول لك: ليس هذا بإجماع فهذا الطريق التى يصدق بها من أدعى الإجماع فيها ، وفى أشياء من أصول العلم دون فروعه ودون الأصول غيرها ، فأما أدعيت من الإجماع ، حيث أدركت التفرق فى دهرك تحكى عن أهل كل قرن ، فانظره أيجوز أن يكون هذا إجماعا، (١). ولقد صرح الشافعى فى كتاب اختلاف الحديث بأن الصحابة والتابعين لم يدع أحد منهم الإجماع إلا فى أصول الفرائض، فيقول : (١) كتاب جماع العلم، الجزء السابع من ٢٥٧. (٢٠٢ - ابن حنبل) - ٣٠٩ - وجملته أنه لم يدع الإجماع فيما سوى جمل الفرائض التى كلفتها العامة أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا التابعين ولا القرن الذين من بعدهم ولا القرن الذين يلونهم ولا عالم علمته على ظهر الأرض ولا أحد نسبته العامة إلى العلم إلا حينا من الزمان (١). فترى من هذا أن الشافعى يرى أن دعوى الإجماع لا يصر عليها عالم أو أطلق عليه الناس اسم العالم إلا فى جمل الفرائض التى علمت من الدين بالضرورة، ولا يسع أحداً إنكارها لأنها ركن الدين وبناؤه، وأما غيرها فلا يصر أحد على دعوى الإجماع فيها ، لأنه سرعان ما يتبين له أن قولا قيل لعالم على غير ما يقال . ١٥٢ - هذا هو النظر فى الإجماع الذى كان فى العصر الذى عاش فيه أحمد كثر القول فيه . ادعاه كثيرون فى الحجاج والمناظرة ، فكان يسهل على المناخار أن يقول إن عامة أهل العلم ، أو إجماع أهل العلم على مثل نظره، ويرد عليه مناظره تلك الدعوى ، وهذا النظر ، مبيناً خلاف نظره، وينسبه إلى أهل العلم، وهذا الأوزاعى إمام الشام يحسب أن عامة أهل العلم على أن الرجل يسهم له لفرسين، فيرد دعواه أبو يوسف منكراً الإجماع ، مستنكراً الاحتجاج به من غير بيان من هم المجتمعون . ثم ها هو ذا الشافعى يبين بطريقة استقرائية امتناع إجماع أهل البلدان على رأى أو على الأقل صعوبة ذلك ، ثم يقرر أن دعوى الإجماع لا يصر عليها عالم إلا فى جمل الفرائض . جاء أحمد ، فوجد تلك الدعاوى وبطلانها، ودرس على شيخه الشافعى ذلك النظر القويم ، وقد كان معجباً بعقله العلمى أيما إعجاب ، حتى كان (١) اختلاف الحديث على هامش الأم ص ١٤٧ . - ٣٠٧ - حريصاً على أن يستمع إلى عقله القوى عندما النقي به أول لقاء فى مكة، لذلك نحن نرجح أنه كان يستبعد وجود الإجماع فى غير الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ولحرصه على ألا يقول على العلماء ما لم يقولوا، أو يدعى مالا يصح - كان إذ احتج بمسألة لم يعرف فيها خلافاً لا يقول إنها من المجمع عليه، بل يقول لا أعلم فيه مخالفاً تورعاً عن ادعاء لا تتوافر فيه أسباب الدعوى وإسنادها ، ولأنه يعلم أن العلم بالإجماع أمر مستبعد، أو لا يمكن فى غير أصول الفرائض على ما قاله الشافعى ، أو ما علم من الدين بضرورة، ولا يسع أحداً إنكاره. ولقد ذكر ابن القيم أن أحمد رضى الله عنه كان بنكر دعوى الإجماع من غير حجة ، ويحكم بأنه فى ذلك كالشافعى ، فيقول فى ذلك : ((قد كذب أحمد من ادعى الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ، وكذلك الشافعى أيضا فى رسالته الجديدة على أن مالا يعلم فيه خلافا لا يقال له إجماع وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبى يقول ما يدعى فيه الرجل الإجماع فهو كذب ، من ادعى الإجماع فهو كاذب ، لعل الناس اختلفوا ما يدريه، ولم ينبه إليه، فليقل لا نعلم الناس اختلفوا، ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساخ لكل من لم يعلم مخالفا فى حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذى أنكره الإمام أحمد والشافعی من دعوى الاجماع ». ١٠٣ - ونرى من هذا أن أحمد وشيخه يسيران على منهاج واحد هو المنهاج الذى سنه الشافعى، ويقرر أن الاجماع حجة، لكن لا يقبله من يدعيه ، ويقدمه على النصوص بمجرد تلك الدعوى ، وكلاهما يرى أن المسائل التى لا يعلم فيها خلاف يكتفى بذكر أنه لا يعلم فيها خلافا ، وكون - ٣٠٨ -.. العالم تقع بين يديه مسائل لا يعلم فيها خلافا بين العلماء فى جيل من الأجيال أمر مقرر ثابت، ومن حقه، بل من الواجب عليه أن يقبل هذه المسائل ، ولا يقر غيرها؛ لكيلا يكون غريبا فى تفكيره عن علماء جيله أو عن علها. جيل سابق له ، وهو أفضل من جيله ولكن إذا وجد حديثا يخالف ذلك أخذ به ولم يلتفت إلى غيره، لأنه إذا كان يأخذ بقول العلماء ، الذى لا يعلم مخالفاً من الناس، وله أن يرفضه إذا وجد له مخالفاً من العلماء فأولى أن يرفضه بل يجب عليه أن يرفضه إذا خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن قوله هو البيان الذى ليس بعده بيان . ١٥٤ - وقذتهى من هذا إلى أمرين: (أولهما) أن أحمد رضى الله عنه لا ينفى وجود الاجماع نفيا مطلقا فى كل مسائل العلم، بل يتفيه فى الدعاوى التى كان يدعيها بعض العلماء فى جيله . كما نفاه أبو يوسف فى دعوى الأوزاعى أن رأيه عليه عامة أهل العلم، وكما كان ينفيه الشافعى فى وجه من يناظره، ولا يحتج بالإجماع ليرد الحديث الصحيح . ( ثانيهما) أن أحمد رضى الله عنه كان يقرر أن هناك مسائل لا يعلم فيها مخالفا وأن مثل هذه المسائل يأخذ بها إذا لم يجد حديثاً فى موضعها، ولا يدعى أن ذلك إجماع كامل ، بل يقول إنه لا يعلم مخالفا ، وذلك ورع فى الدين ، فوق أنه هو المبين على ما وضحنا، فيما نقلنا لك عن الشافعى رضى الله عنه. ١٥٥ - وإذكان أحمد رضى الله عنه لم ينف وجود الإجماع نفياً مطلقاً ، وأنه كان ينفى دعواه فى المسائل الجزئية بعد توافر الدليل عليها، فليس ذلك لإنكار عقلى لوجوده ، كما قال النظام وبعض الشيعة ، وغيرهم ، بل إن أحمد عندما كان يتكلم فى الإجماع ما كان الكلام يتجه به نحو الوجوده، بل كان يتجه نحو العلم به ولذلك كان يقول: ((لا أعلم مخالفاً، وهذا اللفظ كما أنه لا ينفي وجود المخالف كذلك لا يثبت وجود المخالف، فالقضية عنده قضية علم ، لاقضية وجود لأن النظر فى الوجود إمكانا واستحالة - ٢٠٩ - نظر عقلى فلسفى ، وقد خاض فيه الشافعى بنظراته الاجتماعية الفلسفية، أما أحمد فقد كان ينظر إلى الوقائع، والفتاوى فيها، من غير نظر فلسفى ، ولذلك كان يكتفى من القول فى المسائل التى لا يعلم فيها مخالفاً بذلك فقط، ويكذب من يدعى الإجماع لعدم العلم بالمخالف، ولقدجاء فى كتاب المدخل فى فقه الإمام أحمد بن حنبل ما نصه : (( لا يتوهمن متوهم أن الإمام أحمد أنكر الإجماع إنكاراً عقلياً وإنما أنكر العلم بالإجماع على حادثة واحدة انتشرت فى جميع الأقطار وبلغت الأطراف الشاسعة ووقف عليها كل مجتهد . ثم أطبق الجميع على قول واحد، وبلغت أقوالهم كلها مدعى الإجماع عليها، وأنت خبير بأن العادة لا تساعد على هذا، كما يعلمه كل منصف تخلى عن الجمود والتقليد ، نعم يمكن أن يعلم هذا فى عصر الصحابة دون ما بعدهم ، لقلة المجتهدين يومئذ، وتوافر المحدثين على نقل فتاواهم ، وآرائهم ، فلا تتهمن أيها العاقل الإمام بإنكار الإجماع مطلقاً فتفترى عليه ، (١). ١٥٦ - وترى من هذا الكلام أن أحمد رضى الله عنه لم يكن نظره متجهاً فى رد دعوى الإجماع إلى ذات الوقوع، إنما إلى العلم ، والعبارة تشير إلى استبعاد الوقوع فى الجملة ، وإن لم يكن ذلك ما يعنى به أحمد رضى الله عنه. وإذا كان الرد بسبب عدم العلم ، فإذا توافرت أسباب العلم، فإنه لا يتأتى الرد والإنكار ولا يكون ذلك إلا فى عصر الصحابة ، لأن العلماء من الصحابة كانوا فى عهد أبى بكر وعمر مقيمين بالمدينة ، ولم يتفرقوا فى الأقاليم إلا بعد ذلك وبذلك كان فى الإمكان أن يجتمعوا على رأى ، وأن تتوارث الأجيال اجتماعهم ، فقد اتفقوا على جمع القرآن فى المصاحف مثلا، وعلم (١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص ١٢٩. -- ٣١٠ - إجماعهم على ذلك لمن جاء بعدهم، ولذلك جرى بعض العلماء على أن أحمد لا يعتبر إجماعاً إلا إجماع الصحابة، وذلك لأن نقله قد توافر ، وأسباب العلم ثابتة، وهو لم ينكر دعاوى إجماع من بعد الصحابة إلا لعدم توافر أسباب العلم، إذ تفرق العلماء فى البلاد ، وكثروا وصعب التلاقى بينهم، بل صعب إحصاؤهم ، ومعرفتهم معرفة صحيحة كاملة كما بين الشافعى فى جماع العلم. ١٥٧ - قد قررنا أن أحمد كان يأخذ بقول لا يجد له مخالفاً، ويستمسك به ، ويعتبره حجة إذا لم يكن ثمة حديث فى الموضوع ، وقلنا رن ذلك من فرط ورعه وتحفظه عن أن يفى فى الموضوع برأى نفسه فى وقت قد وجد فيه كل الفقهاء الذين يعلم شيئاً عن آرائهم قد قرروا ذلك الرأى ، ولم يعرف أن لهم مخالفاً قد قرر غير ما ارتأوا. وإذا كان نفى العلم بالمخالف دالا على شىء، فهو يدل على أن الأكثرين، أو جمهور العلماء على ذلك الرأى ، لأنه لو كان نقيضه مثله فى العدد، لكان له مثل شهرته ، ولظهر وعلم واشتهر بين الناس، ولعلم المخالف . ولذلك قال بعض العلماء، إن أحمد يرى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثر تخربجا لاستدلاله بقول لا يعلم له مخالفاً، إذ أن عدم العلم بالمخالف يدل على كثرة معتنقيه؛ وهو أخذه باعتباره اتفاقاً. واعتبار قول الأكثر إجماعا هو قول ابن جرير الطبرى، وأبى بكر الرازى من الحنفية ، وأبى الحسين الخياط من المعتزلة، وبعض الحنابلة، وقد خرج الطوفى قول أحمد عليه، على النحو الذى بيناه. وإذا اعتبرنا ذلك إجماعاً، فإنه يكون حجة عند أحمد كمابينا ، ومرتبته دون الحديث الصحيح، وقبل القياس ، إذ أن القياس هو أدنى الرتب وأضعفها، ولا يصير أحمد إليه إلا عند الضرورة، وقد يدفعه القياس فى هذه الحالة إلى الشذوذ والقرابة ، ولذا لم يصر إليه . ، - ٢١١ - ١٥٨ - وينتهى بنا القول بالنسبة لرأى أحمد فى الإجماع إلى أنه له مر قبتان عنده (أولاهما) وهى العليا إجماع الصحابة بل إجماع الناس فى أصول الفرائض ، وإجماع الصحابة فى المسائل التى عرضت للنظر عندهم وتبادلوا الرأى فيها، وانتهوا إلى رأى معين، فإن هذا الإجماع يكون حجة، وهو معتمد على سند من الكتاب أو السنة الصحيحة ، وهو حجة قوية لا يوجد حديث صحيح يخالفها؛ لأن الصحابة م رواة أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، فلا يمكن أن ينعقد إجماعهم ، وثمة حديث يخالفه من غير أن يذكروه، ويتبادلوا الرأى فى فهمه وتخريجه، فإن ذكر خبر بعد عصرهم يخالف إجماعهم، فهو شاذ قد وجد ما يعارضه، وأحمد كان يرد الخبر إذا وجد فى الباب ما يعارضه. المرتبة الثانية : أن يعلم رأى ويشتهر ، ولا يعلم له مخالف قط ، فهذه المرتبة الثانية من الإجماع إن سمينا مثل هذا الوضع إجماعاً، وهذادون الحديث الصحيح، وفوق القياس، لأنه إذا وجد فقيه مخالف نقض الإجماع فأولى إذا وجد خبر مخالف، وهذا النوع، أو هذه الرتبة كانت فى العصور التى وليت عصر الصحابة . ١٥٩ - ومن الخير أن نسوق بعض مسائل أخذ بها أحمد وغيره باعتباره أنه لم يعرف مخالف فيها، أو لم يخالف إلا الشواذ الذين لا يؤيه بخلافهم وقد ساق ابن القيم طائفة منها كان القياس فى الجملة أساس الاستنباط فيها فقال: ((ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارج فيإساء لى الكلاب، بقوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين)) وقال عز وجل: ((والذين يرمون المحصنات، فدخل فى ذلك المحصنون، وكذلك قوله فى الإمام: فاذا أحصن ، فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب» فدخل فى ذلك العبد قياساً عند الجمهور إلا من شذ ... وأجمعوا على توريث البفتين قياسا على الأختين)). = ٣١٢ - وهذا كله إجماع احترمه أحمد وغيره من الفقهاء، ولم يفكر فى رأى سواء. ١٦٠ - ونرى مما سبق أن أحمد لا يخضع للإجماع الذى ينطبق عليه التعريف الذى ابتدأنا به فى بيان حقيقته إلا بما كان يجمع عليه الصحابة من المسائل التى يتبادلون فيها النظر، ويتذاكرون الأحكام القرآنية والنبوية فيها ، وينتهون فيه إلى رأى يرتضونه ، ويعملون به ، أو تسير شئون الدولة على مقتضاه، إن كان أمراً يتصل بشئونها ، أما إجماع غيرهم ، فلا سبيل إلى علمه . ولقد أقر بهذه الحقيقة أهل النظر الدقيق من العلماء ، كما أشار إليها الشافعی فی مجادلاته . وقد قال الشوكانى : من أنصف من نفسه علم أنه لاعلم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب، والعكس ، فضلا عن العلم بكل واحد بالتفصيل ، بكيفية مذهبه ، وبما يقوله فى تلك المسألة بعينها، ومن ادعى أنه يتمكن الناقل الإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه ، من علماء الدنيا، فقد أسرف فى الدعوى، وجازف فى القول . ولقد قرر أبو مسلم الأصفهانى أن العلماء متفقون على اعتبار إجماع الصحابة وأن الخلاف فى غيره، وقرر أنه غير ممكن العلم به. فقال: «الحق تعذر الاطلاع على الإجماع ، إلا إجماع الصحابة ، وحيث كان المجمعون ، وهم العلماء منهم فى قلة ، وأما الآن وبعد انتشار الإسلام، وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به ، وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة، وقوة حفظه، وشدة اطلاعه على الأمور النقلية . هذا نظر أحمد فى الإجماع قد جليناه ووضحناه مع اضطراب النقل عنه والله أعلم. - ٢١٣ - ٠ ٥ - القياس ١٦١ - القياس فى الفقه الإسلامى إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لاشتراكهما فى الوصف الموجب للحكم . وقد عرفه الشوكانى بأنه استخراج مثل حكم المذكور لمالم يذكر ، بجامع بينهما ، ويقول ابن تيمية فى هذا: (((والقياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد، والقياس الصحيح هو الذى وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين والأول قياس الطرد، والثانى قياس العكس، وهو من العدل الذى بعث الله به رسوله . هذه تعريفات ثلاثة ذكر ناها ، لأنها تكشف عن حقيقة القياس فى الفقه الإسلامى ، وهو ضرورى لكل من يتصدى للفتوى، ولا يمكن أن يستغنى عنه فقيه، وهو يستمد قوته من الفطرة الإنسانية، لأنها توجب التساوى فى الحكم عند التماثل فى الأوصاف الموجبة لأن الربط بين الأشياء المتماثلة إن توافرت أسبابها ووجدت الصفات المتحدة المكونة لها، من أحكام العقل العامة ، وإن الاستدلال العقلى فيما تنتجه براهين المنطق ، قائم على ربط المائلة بين الأمور ليتوافر الشرط فى إنتاج المقدمات لنتائجها، فإن هذه المقدمات لا تنتج نتائجها المقررة الثابتة إلا بالاعتماد على البديهة المقرره الثابتة وهى أن التماثل يوجب التساوى فى الحكم . ولقد قال ابن القيم فى هذا المقام : «مدار الاستدلال جميعه على التسوية - ٣١٤ - بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين . ولو جاز التفرقة بين المتماثلين لخرق الاستدلال وغلقت أبوابه )). ١٦٢ - هذه حقيقة القياس، وإذا كانت أحداث الناس لا تتناهى، فلابد منه فى الفقه الإسلامى على قلة أو على كثرة، وقد هدى إليه القرآن ، والحديث النبوى فالله سبحانه وتعالى يذكر الأحكام، ويشير إلى عللها ، أو يصرح بأوصافها المناسبة مثل قوله تعالى: ((ويسألونك عن المحيض قل هو أذى؛ فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، وقال فى تحريم الخمر والميسر ((وإنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون، وكذلك الأحاديث النبوية فيها تصريح بالأوصاف المناسبة أو العلل ، بل فيها تصريح بالحكم بموجب القياس، ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم فى النهى عن لحوم الخمر، ((فإنها رجس ، ومن الثانى ما يروى أنه جاءه رجل يقول له: إن أبى أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يستطيع الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان يجزى ؟ قال نعم قال حج عنه، وفى هذا الخبر يرى أن النبى صلى الله عليه وسلم هدى الرجل بالقياس. فألحق أداء الحج عن أبيه العاجز عن أدائه بأداء دينه وإذا كان أداء الدين يبرى. ذمته، فكذلك أداه الحج يجزى عنه عند العجز. ١٦٣ - ومع هذه الأمور المقررة الثابتة وجدنا فريقاً من العلماء أنكر اقياس ونفاه فريقاً آخر غالى فيه، وأكثر ، فالأول ينفى العمل والمعانى والأوصاف المؤثرة، ويجوز ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام لعال ومصالح ، وربطها بأوصاف مؤثرة فيها مقتضية لها طرداً وعكاً، وأنه - ٣١٥ - قد يوجب الشى. ويحرم نظيره من وجه، ويحرم الشىء، ويبيح نظيره من وجه ، وينهى عن الشىء، لا لمفسدة فيه، ويأمر به لا لمصلحة ، بل لحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة، وبإزاء هؤلاء الفريق الثانى الذين أفرطوا فى القياس وتوسعوا جداً ، وجمعوا بين الشيئين الذين فرق الله بينهما بأدنى جامع فى شبه أو طرداً، ووصف بتخيلونه علة ، ويمكن أن يكون علته وألا يكون ، فيجعلونه هو السبب الذى علق الله ورسوله الحكم بالخرص والظن، وهذا الذى أجمع السلف على ذمه (١))). هذان فريقان اختصا فى شأن القياس : أحدهما غالى فى نفيه، حتى جرد الناس من التفكير فى شرع الإسلام، وثانيهما غالى فى إثباته فتعلق بأوصاف ظنها العلل المؤثرة، فسير الحكم على مقتضاها طرداً عكسياً، أى نفياً وإثباتاً ، وعمم هذه الأوصاف، وجعلها شاملة ووقفها فى موقف المعارضة للنصوص ، وبلغت الحال بعضهم أن وازن بين النص المحفوظ، والعلل الملتمسة . ١٦٤ - ولقد كان لأحمد المحدث والفقيه موقفاً حسناً، فكان بين ذلك قواماً فلم ينف القياس نفياً باتاً ، كما فعل الظاهرية الذين حكموا بالنصوص دون سواها ، وسهل لهم طريقهم أنهم لم يبتلوأ باستفتاء الناس، فلم يقصدوهم ، كما قصدوا أبا حنيفة ومالكا، والشافعى، وأحمد ، ولم يغال فى القياس مغالاة العراقيين الذين خلفوا أبا حنيفة وتلاميذه، فوقفوا العالى المطردة فى زعمهم فى مقام المعارضة للنصوص وفتاوى الصحابة ، أخذ أحمد بالقياس ، وقرره كما جاء فى الروضة لابن قدامة الحنبلى إذ فيها أن أحمد رضى الله عنه قال: ((لا يستغنى أحد عن القياس)) وهى كلمة حق بالنسبة للمفتى الذى يتصدى للإفتاء ، فإنه مضطر إليه لا محالة، لأن الناس يحد (١) أعلام الموقعين ج١ ص ١٧٣ ١ - ٣١٦ - لهم من الحوادث ما يقتضى قياس غير منصوص على منصوص ، ولا يستطيع الفقيه أن يجد لكل حادثة نصاً من الكتاب أو السنة أو فتاوى الصحابة ، وما دام لا يجد شيئاً من ذلك فإما ألا يفتى ، فيكون الناس فى حرج شديد، ولا يعلمون أحكام الدين فى أعمالهم، وإما أن يقيس رفعاً للحرج، وإجابة الداعى الإرشاد والهداية ، ولا يغنى التوقف فى هذا قليلا . وإذا كان أحمد قد نقل عنه ، أن القياس لا يستغنى عنه فقيه فقد ادعى. بعض العلماء أنه روى أيضاً عنه ما يجعله فى صف الذين نقلوا القياس ، فقد روى عنه أنه قال: ((يجتنب الكلام فى الفقه المجمل والقياس) فهذا النص يفيد بنصه ، وجوب تجنب الكلام فى القياس ، وبالتالى عدم الأخذ به، ولكن تأول ذلك النص أبو يعلى القاضى الحنبلى بأن ذلك إذا كان القياس فى حال النص ، فإنه غير معتبر ، بل يكون قياساً فاسداً ، ويكاد الفقهاء يأخذون بذلك على تفاوت فيما بينهم . والحنابلة جمیعاً يقررون أن أحمدبن حنبلكانيأخذ بالقياس، ويؤيدون كلامهم بعبارة وردت عنه، وبالفروع المأثورة عنه ، فإنها تومىء بطريقة استنباطها إلى أنه لم يكن من نفاة القياس بل كان من مثبقيه: ١٦٥ - أخذ أحمد رضى الله عنه بالقياس ، كما نقل عنه أصحابه وتلاميذهم من بعدهم كما نوهنا، وما كان أحمد مبتدعاً، بل كان متبعاً، فإن الصحابة الذين تخرج على فقههم ، وإن باعد بينه وبينهم الزمن قد أخذوا بالقياس ونقل عنهم ، وكثير من الأحكام التى استنبطوها بذيت عليه، وقد قال ابن القيم: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون فى النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره .. ))(١). (١) أعلام الموقعين ج١ ص ١٧٦ - ٢١٧ - ولقد قال المزنى صاحب الشافعى فى ذلك «الفقهاء من مصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا استعملوا المقاييس فى الفقه فى جميع الأحكام فى أمر دينهم ، وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل ، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها) (١). ومع أننا نقرر مع الحنابلة أن أحمد كان يأخذ بالقياس ، فاننا نقول إنه ما كان يميل إلى التوسع فيه ، بل كان يأخذ به فقط عند الضرورة ،وهو فى ذلك يسلك مسلك الشافعى، كما روى الخلال عنه ، فقد جاء فى كتاب الخلال عن أحمد: سألت الشافعى عن القياس، فقال: ((إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه))، ولأن القياس ما كان يأخذ به إلا للضرورة أى الاضطرار إلى الإفتاء، وليس ثمة نص يسعفه، ولافتوى صحابى تعينه كان لا يتجه إلى القياس، وعنده حديث صحيح، أو فتوى صحابى ثابتة، بل كان أحب إليه أن يفتى بالحديث الضعيف عن أن يقيس، ويفتى برأيه. ١٦٦ - كان أحمد يجتهد بالقياس، ولذلك كان للقياس فى الفقه الحنبلى مقام، ولعل الحنابلة أعطوه من العناية أكثرمما أعطى أحمد رضى الله عنه، وقد دفعتهم إلى ذلك حاجة الزمان ، فإن الناس قد جدت لهم أحداث اضطروا فيها إلى أن يفتوا وأن يقيوا على فتاوى الصحابة ، والأمور المنصوص على حكمها، واضطروا إلى أن يخرجوا على أقوال إمامهم، ولابد لذلك من القياس، فسلكوا طريقه واجتهدوا ، واستنبطوا . ولقد كانت الروح العلمية التى دون فيها علم الأصول ، وتوسع فيه العلماء من بعد الشافعى دافعة العلماء من مختلف المذاهب لأن يرضوا نهمتهم العقلية بالدراسات العلمية والعناية بالقضايا الكلية، والقواعد العامة للاستنباط ، فتكلموا فى طريقة استخراج الأحكام من الكتاب والسنة . (١) أعلام الموقعين ج١ ص١٧٨ - ٣١٨ - وأسهموا فى وضع ضوابط للاستنباط بالقياس ، وغيره من ضروب الاجتهاد بالرأى، كالاستصحاب، والمصالح المرسلة، والاستحسان وغير ذلك . ولقد وجدنا من الحنابلة لهذا من كتبوا فى الأصول كتابات محكمة رائعة، ومنهم على بن محمد بن عقيل البغدادى المتوفى سنة ٥١٣ هـ، ومنهم أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء المتوفى سنة ٤٥٨ ه، ومنهم أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسين البغدادى المتوفى سنة ٦٩٥هـ، ومنهم الطوفى، وسنتكلم عنه عند الكلام فى نظرية المصالح ، ومنهم العالمان الجليلان ابن قيمية ، وتلميذه ابن القيم . كتب هؤلاء فى أصول الفقه، وخاضوا فى بيان قواعد هذا العلم ، وخصوا القياس بفضل من البيان ، وخص ابن تيمية وابن القيم القياس فى الفقه الإسلامى ببيان أوفى، سلكوا فيه مسلك السلف الصالح، وخاضنا فيه على ضوئهم ، وبينوا مرامى الأقيسة التى نقلت فى فروع الإمام أحمد ووضحا المقاصد التى سيقت لها الأحكام، وعرجوا فى ذلك على مقاصد الشريعة ، وغايات الأحكام فيها، وهم فى ذلك يوضحون مناهج الصحابة ، والتابعين ، والأئمة الأربعة بوجه عام ، وأحمد بوجه خاص . ١٦٧ - وإنا نجد أن من الواجب علينا أن نقبض قبضة يسيرة مما كتبه هذان الإمامان تكون قبساً نستضىء به، ونتعرف تفكير أحمد فى أقيسته ، والمرامى العامة للفقه الإسلامى من القياس. لقد ابتدأ ابن تيمية فى رسالته فى القياس إلى بيان أن الشريعة الإسلامية كلها ما جاء به النص ، وما لم يجىء به النص متفق مع ما توجبه الأقيسة الفقهية السليمة ، وبين خطأ ما يجرى على أفلام بعض كتاب الفقه الإسلامى من المتقدمين والمتأخرين من أن هذا موافق للقياس، وذلك مخالف له وأن -- ٢١٩ -: من النصوص الشرعية ما يكون مخالفاً للقياس، بل يقرر أن كل النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة تنفق مع القياس. وهو فى هذا السبيل لا يتقيد بالأوصاف التى تعتبر عملا يعممون حكمها، كما يفعل الحنفية الذين حكموا بطرد المقاييس، بل يسند الأقيسة إلى الحكم والأغراض والمقاصد الشرعية العامة ، دون ما سماه الحنفية علة منضبطة ، فهو ينظر فى كون الأمر متفقاً مع القياس، أو مختلفاً معه، إلى كونه موافقاً للمقاصد الشرعية أولا ، وهى ترجع فى جملتها إلى جلب المصالح ودفع المضار ، ويسير فى الأمر مبينا اتفاق كل النصوص الشرعية مع المصلحة، والعدالة من غير نظر إلى العلل المنضبطة المطردة . ١٦٨ - وهو فى هذا السبيل بقسم القياس إلى قسمين صحيح وفاسد، فيقول: ((أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح ، والقياس الفاسد ، فالقياس الصحيح هو الذى وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين ، والفرق بين المختلفين، الأول قياس الطرد ، والثانى قياس العكس ، وهو من العدل الذى بعث الله به رسوله ، فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التى علق بها الحكم فى الأصل موجودة فى غير معارض يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتى الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر فى الشرع، فمثل هذا القياس لا تأتى الشريعة بخلافه ، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره ، فلا بد أن يختصر ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره ، لكن الوصف الذى اختص به قد يظهر لبعض الناس ، وقد لا يظهر ؛ وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد ، فمن رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذى انعقد فى نفسه، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت فى نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا قطعا - ٣٢٠ - أنه قياس فاسد ، بمعنى أن الصورة التى أمتازت عن تلك الصورة التى يظن أنها مثلها - بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم ، فليس فى الشريعة ما يخالف قياساً صحيحا ، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان هن الناس من لا يعلم فساد.(١). وترى من هذا أنه يقرر أمرين: ((أحدهما، أنه لا شىء من أحكام الشريعة إلا وهو متفق مع الأقيسة الصحيحة التى تحقق التساوى فى الحكم عند وجود التماثل ، والاختلاف عند وجود التفارق ، فالأشباه تتشابه فى الأحكام ، والنظائر لا تختلف ، فما من نص يجىء مخالفا الحكم فى نظائره، فلا معنى لكلمة هذا مخالف للقياس، إذ أنه ليس فى الشريعة ما يصدق عليه هذا الوصف . ثانيهما - أن الأقيسة الفاسدة هى التى تتخالف مع النصوص ، وذلك لأن القياس الصحيح يتقاضى الفقيه أن يلاحظ أمرين: هما الاتحاد فى الوصف المثبت للحكم، وألا يوجد معارض فى أحد المتشابهين أبعد التشابه بينهما أو يمنع تأثير الوصف المثبت فى الطرف الآخر ، فلا يكون مثبتاً فى هذا، فلا يكون القياس صحيحاً، وهذه قد تبدو مخالفتها للنصوص الشرعية، وفى هذه الحال لا يكون النص مخالفاً للقياس، بل يكون القياس فاسداً. ١٦٩ - ويسير ابن تيمية ومعه تلميذه ابن القيم فى إثبات أن النصوص التى ادعى مخالفتها للقياس هى موافقة للقياس، ويبين أساس هذا التوافق، ويبلغ فى ذلك الغابة . ولكن قبل أن نضرب الأمثال على ذلك ، وفتبين عمق تفكيره فى تخريجها نذكر أساس الخلاف بينه وبين الفقهاء الذين قرروا أن بعض النصوص قد يجىء مخالفاً القياس، وإن الذين أكثروا من هذه العبارة (١) رسالة القياس س٢١٧ من الجزء الثانى من مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية.