Indexed OCR Text

Pages 221-240

- (١٢ -
وإن اختلاف الأقوال والروايات على ذلك النحو فتح بابين من
أبواب الدراسة للفقه الحنبلى عند علمائه :
(أحدهما) أن العلماء حاولوا وضع ضوابط للترشيح؛ لكى يقدموا
بعض الأقوال ويصححوا بعض الروايات دون الأخرى(وثانيهما) أنهم فى
سبيل هذه الدراسة كانوا يحاولون وضع ضوابط عامة للخصائص التى امتازبها
الفقه الحنبلى ، فكانت تلك القواعد العامة التى وضعها بعض علمائه، ولنترك
هذا إلى موضع آخر قد نعرض له فيه .
ولنتكلم فى الأول :
طرق النقل والترجيح بين الأقوال والروايات
٧٨ - لقد اختلفت الروايات عن أحمد، واختلفت الأقوال،
واختلف المنقول عنه فى أحكام المسائل ، ثم اختلف فى تفسير عبارات
جاءت على لسانه رضى الله عنه فى إجابته عن مسائل سئل عنها ، فكانت
عبارته ليست صريحة فى إثبات الحرمة ، أو ليست صريحة فى بيان أن الحكم
هو الطلب على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب ، فمثلا كلمة لا ينبغى
جاءت فى كثير من إجابته، وقد فهم بعضهم أنه يراد منها التحريم، والأكثرون
على أنه يراد منها الكراهة، ومن العلماء من قرر أنها تفسر على حسب القرائن،
شأن كل تعبير لا يتحرر المراد منه لدى قارئة إلا بالاستعانة بالقرائن الحالية
واللفظية ، فإنها تتعاون مع اللفظ فى الدلالة ، وتعيين المراد .
ولنتكلم أولا فى طرق ترجيح الأحوال والروايات، ثم تكلم ثانياً فى
فهم العبارات وبيان أوجهها .
٧٩ - إذا تعددت الروايات فإن العلماء يوازنون بين هذه الروايات
بقوة أسنادها فما كان أقوى سنداً كان أصح خبراً ، فيقبل ، ويرد ما يعارضه ،

- ٢٢٢ -
إذا لم يمكن الجمع بينها، وإن تساوت الروايتان فى قوة السند . أولا يعلم
ترجيح لإحداهما على الأخرى كان فى المسألة قولان، وكان النظر فيها كالنظر
عند اختلاف أقوال أحمد، وثبوت هذا الاختلاف، بالسند الصحيح
الذى ينتهى إليه .
وقد قالوا إذا تعددت أقوال أحمد المنسوبة إليه فى حكم مسألة معينة ،
فإنه إذا أمكن الجمع بينها، ولو يحمل العام على الخاص، بأن كان العام متعارضنا
مع الخاص فيثبت الأول حكما، والثانى يثبت غيره ، فتحمل المخالفة بينهما
على التخصيص بإطلاق العام على الآحاد التى لا تدخل فى الخاص، فيحمل
الخاص على ما يدل عليه، والعام على مالا يدخل فى مدلول الخاص، ومن
التوفيق أيضاً حمل المطلق على المقيد، بأن كان الحكم مطلقافى أحد القولين،
ومقيداً فى القول الآخر يحمل الكلام على إرادة القيد فى المطلق ليتلاقيا،
ومن التوفيق أيضاً أنه إذا ورد الحكم عاما فى أحد القولين كبطلان بلفظ
عام، أو تحريم بلفظ عام، وفى القول الآخر بطلان فى بعض الأحوال،
أو تحريم فى بعض الأحوال فإنه يكون المراد بالتحريم الذى يكون لفظه
عاما هو ما يدل عليه الخاص، وهكذا.
فيعمل على التوفيق ما كان التوفيق ممكناً ، لأن الأصل ألا يكون للإمام
إلا رأى واحد، فى المسألة الواحدة ، فلا يفرض التعارض بين أقواله.
إلا إذا تعذر التوفيق ، فما دام التوفيق ممكنا بصار إليه .
٨٠ - وإن لم يكن التوفيق، ولو بضرب من ضروبه السابقة، يتعرف
التاريخ لكل قول، فإن عرف وتبين السابق واللاحق، اعتبر بعض العلماء
وهم الأكثرون السابق منسوخا، والثانى ناسخا؛ لأن معنى إفتائه ثانيا بما
يخالف الإفتاء الأول أنه رجع عن هذا «وبدا له بطلانه، إذ قام الدليل لديه
على خلافه ، وإذا كان كذلك فلا يصح أن ينسب إلى الإمام قول قد رجع عنه،

- ٢٣٣ -
وبدا له دليل يعارضه، ولقد قال صاحب تصحيح الفروع فى هذا القول:
((إنه هو الصحيح (١))).
وقال بعض العلماء إن القولين فى هذه الحال ينسبان إليه ، ويعد فى
المذهب قولان فى هذه المسألة وهما منسوبان للإمام ، بل يقول مجد الدين بن
تيمية ، وهو ابن تيمية الكبير: قد تقدبرت كلامهم ، فرأيته مذهباً له ، وإن
صرح بالرجوع عنه، وبمثل ذلك جاء فى الفروع لابن مفلح (٢))).
ولعل وجهة نظر هؤلاء أن المسائل المتشابهة بينها فروق مشخصة تميز
كل واحدة عن الأخرى ، فإذا أفتى أحمد فى إحدى المسألتين المتشابهتين
بفتوى ، فقد وجد من واقعتها ما جعله يفتى بهذه الفتوى، فلما وقعت الواقعة
الثانية المتشابهة ، وسئل عنها ولاحظ من مشخصاتها وأحوالها ما جعله يفتى
بحكم جديد غير الأول ، فإنه يعتبر قد أفتى فى مسألة مغايرة، وإن كان القشابه
ظاهرياً، ولو صرح بالرجوع عن الأول لما بدا له من تغير الحال ، لا من
قوة الدليل ، إلا إذا صرح بأنه أفتى فى الأول، ولم يكن عنده حديث، وقد
وجده، فإنه فى هذه الحال ليس من المعقول أن يدعى على أحمد أن الأول
منسوب إليه .
هذا كله إذا علم تاريخ القولين . وكان بينهما لا محالة تراخ زمن أما إذا
جهل التاريخ ، والفرض أن التراخى الزمنى ثابت ، أى أن القولين رويا فى
واقعتين مختلفتين، ولا علم لمحقق المذهب بسبق أحدهما على الآخر ،
فإن بعضهم يعتبر ثمة قولين فى المذهب فى هذه المسألة لأنه إذا كان العلم
بالسابق واللاحق والرجوع لا يمنع هؤلاء من اعتبار المسألة ذات قولين .
فإنه أولى أن يعتبروا القولين إذا جهل السابق واللاحق .
(١) راجع تصحيح الفروع جـ١ ص٢
(٢) راجع الكتاب المذكور .

- ٢٢٤ -
وقال آخرون إن القول واحد . ويرجح بين القولين بقوة الدليل .
وقرب أحد الرأيين من منطق المذهب الحنبلى. أو كما عبر ابن مفلح ((من
قواعد مذهبه، فأقوى القولين دليلا ، أو أقربهما إلى قواعد المذهب ينسب
إلى أحمد، والثانى برد .
٨١ - وخلاصة القول فى هذا المقام الذى تتعدد فيه الأقوال بتعدد
الوقائع أن علماء المذهب الحنبلى قد اختلفوا على فريقين :
(أحدهما) كان يتسع صدره لاختلاف الأقوال ، فيحكم بتعدد
الأقوال متى تعذر التوفيق، ويتخذ من كثرة أقوال الإمام دليل كمال، لأنه
كان رحمه الله، كشأنه دائماً يتحرى لدينه ، ومن يتحر لدينه يتردد ،
فتكثر أقواله .
( وثانيهما ) كان يميل إلى توحيد رأى الإمام، فهو يرجح بالتاريخ إن
أسعف التاريخ ، وإن لم يسعف يرجح بالموازنة بين الأقوال ، وتحقيق النسبة
لأقواها دليلا وأقربها إلى منطقه، وقواعد مذهبه التى استنبطها العلماء
المخرجون فيه فإن لم يكن ذلك كان فى المذهب قولان، وذلك عند الاضطرار
يلجأ إليه ، وتعليل اتجاه هؤلاء هو أن الأصل فى المجتهد أن يكون له رأى
واحد ينتهى إليه اجتهاده، وإن لم يتعين له رأى واحد فى المسألة لا يكون
له اجتهاد فيها، إذ الاجتهاد بذل الجهد لمعرفة الحكم والحكم واحد ، فيجب
أن يكون للإمام قول واحد ، فلا ينسب إليه القولان إلا إذا لم يكن
لأحدهما مرجع.
وإذا كانت الروايات تختلف على حكم مسألة واحدة يرجح بينها ،
ويقدم أقواها، وإن لم يكن رجحان قبلتا على رأى أصحاب المنهاج الأول،
وقدمت أقربهما إلى قواعد المذهب، وردت الأخرى على طريقة الفريق
الثانى وذلك كله إذا لم يمكن التوفيق على ما سبق .

٠٠٢٢٥٠٠
٨٢ - هذا خلاصة ما يقرره علماء المذهب الحنبلى عند اختلاف
الروايات فى المسألة الواحدة، وعند اختلاف الأقوال فى المسائل المتشابهة،
وقد حررنا فيه القول ، بما تراه محققاً لمرادهم موضحاً لكلامهم .
والآن ننتقل إلى الأمر الثانى، وهو طريقتهم فى فهم عباراته، أو استنباط
أقواله من أحواله، فإن المذهب كما قررنا، لم محرده صاحبه، بل أخذ من
عباراته وأفعاله ومروياته عن النبى ولي ، وعن الصحابة وعن التابعين ،
وأجوبته بأقوال بعض الفقهاء التى يستحسنها ، فحق علينا أن نذكر ما كان
يسلكه العلماء فى تفسير بعض ذلك ، ليكون القارىء على علم بطريق تحرير
مذهب ذلك الإمام الجليل .
ولقد كانت عناية الأصحاب عند فهم العبارات التى جاءت على لسان
الإمام متجهة إلى معرفة مراميها من عرف بيانه ، وما يقصده فى جملة أحواله
من هذه العبارات، ومن قرائن الأحوال ، ومن المقابلة بين المقامات المختلفة
التى كان يتكلم فيها، وعلى ضوء هذا تقرر بعض معانى عبارات فسروها ،
واستنبطوا منها أحكاماً فقهية، وطريقة استنباطهم من مجموعة الأحوال.
٨٣ -- لقد جاءت على لسان الإمام عندما يسأل عن الشىء أهو حلال
كلمة ((أكرهه، أو يكره)) مثل قوله عند بيان حكم الجمع بين الأختين بملك
يمين(( أكرهه، أو عند الوضوء من آنية الذهب والفضة، فقد قال ((يكره))
وهذان الأمران حكمهما أنهما حرام فى المذهب الحنبلى ، وأولهما حرام
بالنص أو دلالته ولذلك كانت كلمة: أكرهه، أو يكره، تجىء فى عبارات
كثيراً ويراد بها التحريم، ولقد قرر ابن القيم أن إطلاق لفظ أكره أويكره
كان بجى. كثيراً على لسان الأئمة وبراد به التحريم وليس ذلك خاصاً
بأحمد، ولقد قال فى ذلك: غلط كثير من المتأخرين من اتباع الأئمة على أثمتهم
بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ، وأطلقوا لفظ
الكراهة ، وخفت متونته، حمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون
(١٥٢ - ابن حنبل)

- ٢٢٦ -
إلى ترك الأولى، وهذا كثير جداً فى تصرفاتهم ، حصل بسببه غلط عظيم
على الشريعة وعلى الأئمة ، وقد قال الإمام أحمد فى الجمع بين الأختين
بملك اليمين أكرهه ولا أقول هو حرام، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع
عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان، وقال أبو القاسم الخرقى فيما نقله
عن أبى عبد الله، (ويكره أن يتوضأ فى آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه
لا يجوز ...... وقال فى رواية ابنه عبدالله أكره لحم الحية والعقرب، لأن
الحية لها ناب . والعقرب لها حمة ولا يختلف مذهبه فى تحريمه . وسئل عن
بيع الماء فكرهه ... وهذا فى أجوبته أكثر من أن يستقصى(١).
ومثل أكره لا يعجبنى . وقد ساق ابن القيم أمثلة كثيرة لكلمة لا يعجبنى
والغرض منها أنها فى رأيه محرمة ، ومن ذلك :
(١) أنه قال فى رجل أكثر ماله حرام . أيؤكل ماله، وينصب منه :
إذا كان أكثر مال الرجل حراماً ، فلا يعجبنى أن يؤكل ماله ، وقد قال
فى ذلك ابن القيم إنه على سبيل التحريم .
(ب) أنه قال فى صيد الكلب من غير أن يرسل ويسمى عند إرساله،
إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبنى لأن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((إذا أرسلت كلباً وسميت)) والمراد من لا يعجبنى التحريم بدليل
سوق الحديث .
(حـ) وسئل عن الخمر يتخذ ليكون خلا، فقال لا يعجبنى - وهذا على
التحريم عنده .
٨٤ - وترى من هذا الذى ساقه ابن القيم أن هاتين الكلمتين كانتا
تنبئان بالتحريم ، كما تدل القرائن، وكما تدل المقابلات بين الأحكام فى
المسائل المختلفة .
(١) إعلام الموقعين -١ س٣٣، ٣٤

- ٢٢٧ -
ولقد وجدنا اختلافاً فى تفسير هاتين الكلمتين، وإن الأولى تركهما كغيرهما
للقرائن ، ولذلك قال ابن مفلح :
(« فى أكره أو لا يعجبنى أو لا أحبه، أو لا أستحسنه .. وجهان:
أحدهما هو للندب والتنزيه، إن لم يحرمه قبل ذلك .
والوجه الثانى أن ذلك للتحريم كقوله: أكره المنعة والصلاة فى المقابر.
واختاره الخلالـ وقال فى الرعايتين، والحاوى الكبير، وآداب المفتى:
« الأولى النظر إلى القرائن فى الكل ، فإن دلت على وجوب ندب
أو تحريم أو كراهة ، أو إباحة حمل قوله عليه سواء تقدمت أو تأخرت
أو توسطت، وهو الصواب، وكلام أحمد يدل على ذلك »(١) .
وإن دراسة المذهب فى مجموعه يسهل للمدارس معرفة مراد الإمام
بعبارته فيكون تفسيرها مطابقاً له ، ومن هذا القبيل تفسير كلمات ينبغى ،
ولا ينبغى، واستحب أو لا استحب فى بيان كون المراد الكراهة أو التحريم
أو الندب أو الوجوب أو الإباحة .
٨٥ - ولقد كان من طرق معرفة فقه الإمام أفعاله، وإجابته بحديث،
أو فتوى صحابى، أو رأى فقهى لبعض الأئمة المجتهدين ، أو ترجيحه
لصحة حديث أو تدوينه له ، أو رواية قولين لبعض الفقهاء ، أو الصحابة ،
والتفريع على أحدهما دون الآخر ، فكل هذه الأحوال تكشف عن رأيه،
وكل واحدة منها لها دلالة مبينة لمذهبه فى الأمر الذى كانت فيه ، على
اختلاف بعضها .
فأفعاله قد قرروا أنها تدل على مذهبه، والمراد أنها إذا تعينت للاستدلال
ولا تقبل الاحتمال ، فمثلا إذا صام يوم الإثنين فذلك دليل على أنه غير محرم
وإذا فعل فعلا معيناً كإجارته داره، فهو دليل على أن ذلك مباح ، وهكذا
(١) راجع الفروع وتصحيح الفروع ج١ ص٦.

٠ ٢٢٨ -
تتخذ أفعاله دليل الإباحة ، ولا يمكن أن يكون دليل الوجوب ، فقد كان
تورعه يدفعه إلى أن يلتزم أموراً يرى من الورع التزامها، فقد امتنع عن
الولاية ، ولم يحرمها ، ولم يأكل من مال السلطان ولم يحرمه، وهكذا تتخذ
أفعاله دليلا على رأيه فى الحكم الذى لا يقبل العقل احتمال سواه .
٨٦ - وإجابته بحديث، أو فتوى صحابى دليل على أن هذه الإجابة
رأيه ليس فى ذلك شك ، لأن ذلك الإمام الجليل مستحيل أن يختار رأياً
يخالف الحديث ، والقرائن تدل على أن هذا الحديث ليس له معارض فى
نظره، وأنه مستقيم فى الاستدلال به على حكم القضية التى يستفتى فيها، وإلا
ما ساقه جواباً لها ، ودليلا عليها، وحاشاه أن يسوق ما لا يراه دليلا.
وفتوى الصحابة عنده حجة يأخذ بها ، ويرى وجوب ذلك ، وإجابته
بهذه الفتوى دليل على أنه لا يعارضها كتاب ، ولا سنة ، وأنها أولى بالأخذ
إن كان ثمة ما يخالفها .
٨٧ - أما إجابته بقول فقيه من الأئمة المجتهدين، واعتبار تلك الإجابة
دليلا على أنه يرى ذلك الرأى ويختاره، فقد اختلف علماء المذهب الحنبلى
فى ذلك ، فبعضهم قال إنه يعتبر رأيه، لأنه ما اختاره إلا لرجحان دليله على
مقتضى نظره، ولأنه رضى الله عنه كان ينهى عن تقليد الرجال، وإذا
كان دليله قد رجح فى نظره ، فيكون مذهبه ورأيه ، وذكره منسوباً للإمام،
لأنه سبقه إلى هذا الرأى ، ولا يريد أن يغمطه فضله أو ليستأنس به، ويبين
أنه لم يكن رأيه بدما لميسبق به، وقال آخرون لا يكون مذهبه لأنه قد ذكره،
لأنه لم ينته فى المسألة إلى رأى، فأحال المستفتى على قول فقيه غيره قد انتهى
فيها ، ومادام نظره فيه هو ذلك النظر لا يعد رأيه ، ولا يصح أن ينسب إليه،
وقد قال مصحح الفروع فى القول الأول : وهو أقرب إلى الصواب ،
ويعضده منع الإمام أحمد من اتباع الرجال .

- ٢٢٩ -
وإذا صحح الإمام أحمد حديثاً، أو قال إنه حسن فالأكثر من رواة
المذهب على أن ما يدل عليه الحديث هو مذهبه ؛ ولذلك إذا دون الحديث
فى كتبه ولم يذكر ما يدل على معارضته بحديث آخر كان ذلك مذهبه ، وأن
ذلك هو اختبار أبى بكر المروذى والأثرم ، وهناك قول ثان ، وهو ألا
يكون مذهبه، كمالو أفتى بخلافه، وقد قواه صاحب تصحيح الفروع وقال:
, قلت هو قوى، لاسيما فيما دونه من غير تصحيح ، ولا تحسين ، ولا
رد والله أعلم ، (١).
٨٨ - وقد ينقل عن الصحابة قولين ، ويلقيهما فى إجابة من غير أن
يرجح أحدهما على الآخر بأى نوع من أنواع الترجيح، وفى هذه الحال
يكون القولان منسوبين له ، وبعدان من مذهبه ، ولقد قال فى ذلك ابن القيم:
إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه فى المسألة روايتان ، وكان
تحريه لفتاوى الصحابة كتحرى أصحابه لفتاويه، بل أعظم، (٢).
وهذا إذا روى قولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر بقوة السند ، أو
بالحديث، أو بالكتاب ، أما إذا رجح ، فإن رأيه هو الذى رجحه ، وهل
يعتبر من الترجيح التفريع على أحد القولين دون الآخر ؟ فى ذلك قولان:
( أحدهما) أنه يكون مذهبه لأن التفريع كإعلان تحسينه ، أو ذكر
تعليله ، أو تقويته بأى وجه من الوجوه ، وعدم التفريع على الآخر
إهمال له ، ذلك ترك صريح، أو كالترك الصريح، ولا يصح أن ينسب إليه
قول متروك .
وثانياً : أنه لا يكون التفريع ترجيحاً، لأن الترجيح بيان قوة السند أو
(١) تصحيح الفروع ج١ ص٨
(٢) ابن القيم = ١ ص٢٣

- ٢٣٠ -
الدليل أو تحسينه، وليس التفريع منها، ولقد قال مصحح الفروع فى هذا
القول: وهو الصواب، ولكن سياق الفروع يدل على ترجيح الأول .
٨٩ - هذه طرق نقل الفقه الحنبلى، وطرق فهم ما جاء على لسان
أحمد رضى الله عنه من أقوال وعبارات وروايات، وما جاء فى فتاويه من
أجوبة ، وما كانت تفسر به أفعاله، وأولئك نقلة ذلك الفقه ومفسروه ،
وسلبين من بعد مخرجيه وكيف كان التخريج ، عند الكلام فى الأدوار التى
مر بها الفقه، أما هنا فى هذا المقام ، فإننا نقتصر على الرواية والنقل ،
وتفسير المنقول، ونترك تخريجه، والتصرف فيه إلى ما بعد .
وإنه من مجموع الروايات والتفسيرات قد تكون مذهب فقهى
جليل ذو خواص ميزة له فى نتائجه وثمراته ، وفى منهاجه وتفكيره ،
ولنشر إلى ذلك بكلمة .
وصف عام للفقه الحنولى
٩٠ - يروى العليمى فى بيان على الإمام أحمد رضى الله عنه ومنزلة
فقهه أن عبد الوهاب الوراق قال: ((ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ، فقالوا
له وأى شىء بان لك من فضله، فقال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة
فأجاب فيها : ((حدثنا وأخبرنا،
وهذا الكلام يدل على أمرين: «أحدهما، كثرة ما أجاب عنه من
مسائل فقهية وقد أحصاها بستين ألفاً ، وهو عدد ضخم نميل إلى أنه مبالغ
فيه، ولكننا مع هذا الميل، أو مع القطع بأنه مبالغ فيه نقرر أن أحمد
سئل عن مسائل كثيرة جداً ، فقد كانت خراسان وماوراءها ، والعراق
وفارس وما حولهما لا يجدون مؤتمناً على الفتوى فى عصره مثله، إذ اشتهاره
بالورع وتقواه، وبلاؤه فى اعتقاده، وتورعه ، كل هذا جعله مقصوداً

- ٢٣١-
بالاستفتاء من كل البقاع الإسلامية ، وكان يجيب ، حتى لا يترك السائل إلى
من يراهم مبتدعة .
فهما نقرر المبالغة فى العدد المذكور لا تمنع الكثرة فى ذاتها ، والمروى
فى ذاته كثير ، وليس ثمة طعن ذو بال فى صدقه .
(ثانيهما، أن فتاويه كانت تعتمد على أحاديث وأخبار وآثار عن السلف
الصالح رضى الله عنهم، وكان علمه بذلك واسعاً مستفيضاً وثروته فى علم
الرواية كانت كبيرة جداً فكانت تمده بما تقتضيه الفتيا ، يفتى بقول الرسول
وأقضيته ، وفتاوى الصحابة ، ما لا يعلم فيه خلافا ، ويختار مما اختلفوا فيه،
وإن وجد الصحابة مختلفين ولم يجد سبيلا للترجيح ترك المسألة ذات قولين،
وإن لم يجد فتوى الصحابى استأنس لرأيه بقول تابعى ، أو بقول فقيه من
الفقهاء الذين اشتهروا بعلم الأثر، كمالك والأوزاعى وغيرهما وهو فى ذلك
غير مقد بل هو مجتهد لا يريد أن يكون مبتدعا ، وما انفرد فيه بالاجتهاد
ليس بالقليل ، وإن كان رحمه الله تعالى يحب أن يكون مستأنساً برأى
إمام حرصاً على دينه من أن يؤديه رأيه إلى الإغراب فيه، وما يراه يسير
على منهاج الصحابة ، لفرط تأثره طريقهم ، ولذلك قال ابنالقيم فى اجتهاده
رضى الله عنه: إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلدين لغيره ليعظمون
نصوصه وفتاواه، يعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة
ومن تأمل فتاويه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى
ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتى أن الصحابة إذا اختلفوا
على قولين جاء عنه ((فى المسألة روايتان)).
٩١ - ولحرص أحمد فى فقهه أن يكون بعيداً عن الابتداع فى الدين
كان لا يفتى إلا فيما يقع من الأمور؛ لأن الفتوى بالرأى لا يصار إليها إلا
عند الضرورة ولا ضرورة تلجىء إلى الإفتاء فيما لا يقع فى المسائل إلا إذا

- ٢٣٢ -
كان فى ذلك سنة أو فتوى صحابى ، فإن الفتوى فى هذه الحال ليست فتوى
بالرأى بل هى نشر لعلم السلف ، وقد كانت فتواهم فى أمور واقعة ، ولذلك
لم يكن عنده الفقه التقديرى الذى أكثر منه أبو حنيفة وتلاميذه ، وعدا
هذا من الاستعداد للبلاء قبل نزوله، وقد وجد مثله فى كتب الشافعى فإنك
ترى فروضا كثيرة فى المروى من كتبه رضى الله عنه وذلك لاختبار أقيسته
التى كان يضعها والتى عد بها أول ضابط للقياس راسم لحدوده.
والفقه التقديرى له مزاياه إن لم يكن ثمة إفراط فيه ، إلى درجة فرض
مسائل بعيدة الوقوع ، غير متوقعة ، بل غير متصورة الوقوع أحياناً ، وذلك
وقع من المتأخرين من أتباع الأئمة القياسيين ؛ أما الفقه الحنبلى فلتجنب
إمامه الفقه التقديرى واجتهاده فى أن يكون فقهه أثراً أو كالأثر لم يفت إلا
فى الواقع ، ولما فرع أتباعه من بعده الفروع على مذهبه وقواعده التى
استنبطوها كان لابد من الفرض والتقدير لأن التفريع والتفقه لا يتم إلا
بذلك، ولذلك سلكوا مسلك التقدير والفرض من غير أن يفرطوا ويوغلوا،
ولقد قال ابن القيم فى ذلك النوع :
((إذا سأل المستفتى عن مسألة لم تقع، فهل تستحب إجابته أو تكره
أو بخير؟ فيه ثلاثة أقوال . وقد حكى عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم
فيما لا يقع، وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة، قال : هل كان
ذلك ، فإن قال نعم ، تكلف له الجواب ، وإلا قال: دعنا فى عافية ، وقال
الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم فى مسألة ليس فيها إمام ، والحق
التفصيل، فإن كان فى المسألة نص من كتاب الله أو سنة رسول الله {لته
أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص، ولا أثر ،
فإن كانت بعيدة الوقوع ، أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها ،
وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلها

- ٢٣٣ ٠
ليكون منها على بصيرة إذا وقعت ، استحب له الجواب بما يعلم، ولا سيما
إن كان السائل ينفقه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ، ويفرع عليها ، حيث
كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى (١).
فإذا كان أحمد قد امتنع عن الإجابة فيما لا يقع ، حتى لقد نقل عنه
أبوداوود أنه سئل عن مسألة من هذا النوع ، فقال: دعنا من هذه المسائل
المحدثة - فقد كان مع ذلك أصحابه من بعده يفرعون، ولكن بقدر يتم
به التفقه ، ووضع ضوابط وقواعد تسير مع منطق المذهب، ومسلكه
العام فى الاستنباط .
٩٣ - وإذا كان أحمد لم يفرض ولم يقدر فى الفقه، كما كان يفعل شيخ
الفقهاء أبو حنيفة ، فإن هناك ما كان يغنيه عن الفرض والتقدير، فقد كانت
المسائل الواقعة يسأل عنها من أقصى البلاد الإسلامية وأدناها، فمن
خراسان وفارس والعراق والشام والحرمين الشريفين، وكان يستفتى لأنه
قد ابتلاه الله تعالى بالشهرة، فأحسن البلاء، وكان يجيب بما علم من آثار،
ويلتجىء إلى الرأى والقياس، ولكن قياسه كان شبيها بالأثر، لأنه كان
من مشکاته ومن ضو ئه .
وإذا كان الإفتاء فى الأمور المتوقعة يكسب نفقه ضبطا، وإحكاما فى
الصياغة ، فإن الإفتاء فى الأمور الواقعة يكسبه حياة وقوة، ولذلك كان
الفقه الحنبلى المأثور حياً نضراً، ريان المحيا، فيه جلال السلف؛ إذ هو
أثر ، أو من ينبوع الأثر، ولقد كان أحمد لتمرسه بالآثار قوى الإدراك
لما يشبها فينطق به، لأن فكره تكون منه، وأشرب به، ومازج عقله
وأطواء نفسه .
(١) إعلام الموقعين ج٤ ص ١٩٣.

--
- ٢٣٤ -
٩٣ - ولا يظن القارئ. أن اعتماد أحمد على الآثار فى فقهه، لا يخرج
عنها إلا وهو مستضىء بضوتها، يجعل فقهه جامداً، أو بعيداً عن حاجة
الحياة والأحياء، فإن الواقع غير ذلك ، لأنه قد وجد فى العبادات ما يسعفه
بالنصوص الكاملة ، وإن الأقيسة فى العبادات لا يتسع لها الضمير الدينى ،
كما يتسع الأقيسة فى المعاملات ، فكان الاستمساك بالآثار فى العبادات يسير
على ما ينبغى أن يكون عليه العالم الدينى، أما فى المعاملات الدنيوية فقد كان
فى التحريم والتأثيم يستمسك أشد الاستمساك بالنصوص والآثار السلفية؛
حتى لا يحرم ما أحل الله، ثم يترك الأمور التى لم يقم فيها دليل على التحريم
على الإباحة أو فى مرتبة العفو، أو بعبارة أدق ما حرمه الله يثبت تحريمه،
وما أحله الله بالنص، أو علم عن طريق السلف أو الرأى أنه أحله حكم
بتحليله ، وما لم يقم دليل من نص على حرمته أو حله ، فهو مرتبة العفو ،
لا إثم فيه . ولقد قال ابن القيم فى تقرير هذه الحقيقة .
((والأصل فى العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل
فى العقود والمعاملات الصحة ، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم ،
والفرق بينهما أن الله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة وسله،
فإن العبادة حقه على عباده ، وحقه الذى أحقه هو ، ورضى به وشرعه ،
وأما العقود والمعاملات فهى عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه وتعالى
على المشركين مخالفة هذين الأصلين ، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب بما
لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفواً
لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ماحرمه،
وما سكت عنه فهو عفو »(١).
٩٤ - وقد كان ذلك الأصل الموسع ، وهو جعل معاملات الناس
على أصل العفو أو الإباحة ، حتى يقوم الدليل من الشارع على التحريم -
(١) إعلام الموقعين = ١ من ٣٠٠

- ٢٣٠ -
سبباً فى أن كان المذهب الحنبلى أوسع المذاهب فى إطلاق حرية التعاقد ،
وفى الشروط التى يلتزم بها العاقدان فأقر من الشروط ما لم يقره غيره من
الفقهاء ، وسار فى ذلك على منهاج أساسه احترام كل ما يشترطه العاقدان ،
والإلزام به، حتى يقوم دليل من الشارع على تحريم ذلك الاشتراط ، أو
بطلان الحقيقة الشرعية التى تتكون منه .
ولقد كان اعتبار الإباحة أصلا، أو اعتبار كل ما لادليل فيه من
الكتاب والسنة طلباً أو منعاً هو فى مرتبة العفو التى لا يؤاخذ بها الشارع
سبباً فى توسعة الأحكام الفقهية على الناس ، فأخذ باستصحاب حال الإباحة
أو العفو، أو البراءة الأصلية وكان فيها تسهيل على الناس ، واقسع بسبب
ذلك هذا المذهب الأثرى الكريم لما لم تتسع له مذاهب أخرى قامت على
الرأى والقياس؛ ذلك لأن الاستمساك بالنص والأثر، والتشديد فيهما كما
كانا السبب فى تصعيب الاستنباط الفقهى ، كانا أيضاً سبباً فى تصعيب
التحريم؛ فكان باب المنع مضيقاً كما كان باب الإيجاب غير موسع ، وفى
ذلك تسهيل كبير على الناس ، وتوسيع لأفق التحليل ، كما رأيت ، وكما سنبين
فى العقود ، فإن الذين وسعوا طريق الاستنباط فى الشروط الجائزة
والممنوعة دفعتهم أقيستهم لأن يقيدوا الشروط ، فكان فى ذلك ضيق
فى التعامل ، أما المذهب الحنبلى الذى ضيق طريق الاستنباط فى الشروط
الجائزة والممنوعة ، فلم تكن ثمة ذريعة لتقييد الشروط ، فكانت الإباحة،
وكان الإطلاق فى الإلزام بالتراضى ، والالتزام .
٩٥ - ولقد وجدنا أحمد بن حقبل قد كان يفتى بالمصلحة إن أعوزه
النص أو الأثر المتبع وذلك لأن المصالح قامت الدلائل الشرعية على اعتبارها،
وتضافرت المصادر الإسلامية على ملاحظتها، فأخذ بها وسار فيها مسار
مالك ، وإن لم يعطها من القوة ما أعطاها مالك، ولم يجعلها تقف أمام

ط
- ٢٣٦ -
النصوص، كما فعل المالكيون، كما أنه لم يحجم عنها، كما فعل الشافعيون
وغيرهم ، نعم إنه وجد من الحنابلة من غالوا فى اعتبار المصلحة ، حتى وقفوا
بها أمام النصوص، وخصصوها بها ولو أيدها الإجماع عليها ، ومن هؤلاء
الطوفى ، ولعله هو وحده الذى وقف ذلك الموقف، ولكن ذلك لا يمثل
الفقه الحنبلى على العموم ، ولا يحكى رأى أحمد على الخصوص ، وسنناقش
ذلك الرأى فى موضعه من دراستنا إن شاء الله تعالى، وسنبين أنه قد رأى
شذ فى الفقه الإسلامى ، خرج عن الحنابلة ، والمالكية جميعاً.
٩٦ - ولقد أكثر الفقه الحنبلى من الأخذ بأصل الذرائع ، وجعل
للوسائل حكم غاياتها ، والمقدمات حكم نتائجها ، وقد توسع فى ذلك الفقه
الحنبلى بما لم يتوسع فيه فقه سبقه، وإن ذلك النوع من التفكير الفقهى قد
جعل المذهب الحنبلى خصباً حياً واسع النصرف ، قوى الحياة لا يحمد على
الأمور فى كونها وظواهرها وماديتها ، بل يحكم عليها ببواعثها وغاياتها ،
وافترق عن المذهب الشافعى فى هذا الباب افتراقاً بيناً واضحاً . فبينما المذهب
الشافعى ينظر إلى العقود والتصرفات نظراً مادياً ظاهرياً لا يفسرها إلا
بعباراتها الدالة عليها، ولا ينظر إلى بواعثها وغاياتها ونتائجها، أهى محرمة
أم محملة، كان المذهب الحنبلى مذهباً نفسياً واقعياً يحكم على الأفعال
والأقوال بحسب البواعث البينة ، والغايات الواقعة أو المتوقعة يقيناً، أو
لغلبة الظن، ويعطى الوسائل حكم المقاصد إن حلالا أو حراماً .
والقول الجلى إن المذهب الحنبلى مذهب خصب، وإن كان اعتماده على
الأثر، أو مايشبه الأثر .

- ٢٣٧ -
أصول الاستنباط فى الفقه الحنبلى
٩٧ - ذكر ابن القيم أن الأصول التى بنى عليها الإمام أحمد فتاويه
خمسة : أحدها: النصوص ، فإذا وجد النص أفتى بموجبه ، ولم يلتفت إلى
ما خالفه ، ولذلك قدم النص على فتاوى الصحابة ، وضرب أبن القيم أمثلة
له على تركه فتاوى الصحابة للنص ، منها أنه قدم حديث الأسلية الذى
اعتبر عدة الوفاة للحامل بوضع الحمل، ولم يعتبرها بأقصى الأجلين، كما
هى فتوى عبد الله بن عباس وعلى فى إحدى الروايتين، ومنها أنه لم يلتفت
إلى قول معاذ ومعاوية فى توريث المسلم من غير المسلم للحديث
الماضع (١).
الأصل الثانى: ما أفتى به الصحابة، ولا يعلم مخالف فيه، فإذا وجد لبعضهم
فتوى، ولم يعرف مخالفاً لها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن فى ذلك، إجماعا،
بل يقول من روعه فى التعبير : لا أعلم شيئاً يدفعه، ومن ذلك قبول شهادة
العبد، فقد روى هذا عن أنس، وروى عنه أنه قال : لا أعلم أحد رد
شهادة العبد ، وقال ابن القيم «إذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة،
لم يقدم عليه عملا، ولارأياً ولاقياساً)، (٢).
والأصل الثالث : من الأصول الخمسة التى ذكرها ابن القيم أنه إذا
(١) قد يناقش ذلك بأنه ترك قول الصحابى بقول صحابى آخر عاضده الدليل، فلم يكن
النص المجرد دعامته فقط بل قوامه أن صحابياً آخر له فتوى تناقض فتوى الصحابى الذى تركه
أحد رضى الله عنهم، فمعاذ ومعاوية خالفهما جمهور الصحابة، وابن عباس وعلى رضى الله
عنهم خالفهما ابن مسعود وغيره فلم يكن تاركا لفتوى الصحابى بنص مجرد ، بل بفتوى صحابى
آخر اعتضد بالنص وسنبين أنه إذا اختلف الصحابة راجم بين أموالهم
(٢) إعلام الموقعين ج١ ص٢٢

- ٢٢٨ -
اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ، ولم
يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ، ولم
يجزم بقول. قال إسحق بن إبراهيم بن هانىء فى مسائله ، قيل لأبي عبدالله:
يكون الرجل فى قومه، فيسأل عن الشىء فيه اختلاف؟ قال يفتى بما وافق
الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه (١).
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن فى الباب
شىء يدفعه ، وهو الذى رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده
الباطل، ولا المنكر، ولاما فى روايتهمتهم، بحيث لا يسوغ الذهاب إليه)).
ولقد ذكر ابن القيم أن ذلك الأصل قد أخذ به كثير من العلماء، ونسبه إلى
أبى حنيفة ومالك والشافعى وسنناقش ذلك عند الكلام فى هذه الأصول
تفصيلا .
الأصل الخامس: ما ذكر ابن القيم القياس، فإذا لم يكن عند الإمام
أحمد فى المسألة نص ، ولاقول الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل
أو ضعيف ذهب إلى القياس ، فاستعمله للضرورة كما قال ابن القيم ، وقد
نقل الخلال عن أحمد أنه قال: سألت الشافعى عن القياس ، فقال: إنما
يصار إليه عند الضرورة، (٣).
هذا عدد الأصول التى ذكرها ابن القيم فى صدر كتابه إعلام الموقعين
وإن المتتبع لكتب الأصول التى كتب فيها الحنابلة ، والمتقبع لكل ما كتب
ابن القيم فى شتى كتبه لابد أن يزيد على هذه الخمسة : وأن يدخل بعضها فى
بعض ، وأن يفصل مجمل بعض الأصول .
فالأصل الأول: وهو النصوص يشمل فى الحقيقة أصلين ، وهما الكتاب
(١) الكتاب المذكور .
(٢) الكتاب المذكور م ٢٦

٢٣٩٠ -
والسنة، لأن النص إما من الكتاب ، وإما نص من السنة ، ولكنه صنع
كما صنع الشافعى من قبل فاعتبر هماشيئاً واحداً لأن مرتبة السنة من الكتاب
أنها مبينة له ومفصلة، وموضحة لجمله، فهى وهو فى مرتبة واحدة ، ولذلك
تفصيل نبينه عند بيان الكتاب الكريم.
والأصل الثانى: يدخل فيه الثالث، وهو فتوى الصحابى إذا اختلف
مع غيره من الصحابة وراجح ويعبر عنه بعبارة شاملة للاثنين ، وهو فتاوى
الصحابة مجتمعين أو مختلفين .
والأصل الذى ذكره رابعاً، وهو الأخذ بالحديث المرسل والضيف
يدخل فى الاستدلال بالنصوص، وإن كان لما ذكره ابن القيم حكمة واضحة
بينة ، وهو أنه فى ترتيب الاستدلال لا يقدم المرسل والضعيف على فتوى
الصحابى، والنصوص المتواترة والصحيحة تقدم على فتوى الصحابى، ولكن
هذه الحكمة لا تمنع أنه يدخل فى كلمة النصوص، والواقع أن كلة السنة
عند أحمد تشمل الحديث المتواتر والصحيح وفتوى الصحابى ، والمرسل
والضعيف .
فالأصول التى ذكرها ابن القيم نستطيع أن نعدها أربعة . وهى الكتاب
والسنة وفتوى الصحابى والقياس .
وإذا أضفنا ما يذكره بعض الأصوليين. وينسبونه من أصول لأحمد.
وما يجرى على ألسنة العلماء من أصول أحمد، وهى الاستصحاب، والمصالح،
والذرائع زاد العدد .
ولقد وجدنا فى كنب الحنابلة كلاما فى الإجماع يشبه كلام الشافعى فيه
من حيث إنه كان يعتبر الإجماع حجة إن وقع. ولكنه إن ذكر له على أنه
حجة فى مسألة معينة تبين أنه لا إجماع فيه ، وقد وقع ذلك من الشافعى ،

-٢٤٠ -
وأبى يوسف وأحمد نفسه ، فحق علينا أن نذكره ، ونتكلم عن موقف
أحمد رضى الله عنه، أمنع الأخذ بالإجماع، أم سلم، فى بعض الأمور.
وعلى ذلك يحق علينا فى بيان فقه أحمد وأصوله أن نتكلم فى بعض
الكلام فى الكتاب والسنة ، والإجماع وفتاوى الصحابة ، والقياس
والاستصحاب ، والمصالح المرسلة ، والذرائع، ولنبدأ برأس هذه الشريعة
وهو الكتاب .