Indexed OCR Text
Pages 121-140
سم - ١٢١ - والواثق، كان منهم الوزراء والحجاب والكتاب ، بل كان المأمون يعد نفسه منهم، فكان يلحن بحجتهم، ويناقش على ضوء أصولهم ، وبذلك كان لهم فى عهده النفوذ العلمى ، والإدارة والسلطان . ولقد كان مجرد هؤلاء المعتزلة للرد على الزنادقة والمجوس وغيرهم ممن التحموا معهم فى جدال ذوداً عن الإسلام - سبباً فى أن أخذوا يسلكون فى الاستدلال للعقائد طرائق جديدة لم تكن مألوفة فى الاستدلال عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ثم هم فى هذا السبيل قد قبسوا من الفلسفة ما يرهقون به سلاحهم ، ثم هم كانوا مأخوذين بطرق خصومهم فى الهجوم والدفاع، فسرت إليهم مسائل مما يخوض فيه أولئك الخصوم ، ثم تورطوا بعد ذلك فى إثارة مسائل فلفية لم تكن ما يفكر فيه السلف الصالح ، تكلموا فى إرادة الإنسان وأفعاله وسلطان اللّه عليها؛ وتكلموا فى صفات الله سبحانه وتعالى: أهى شىء غير الذات أم هى والذات شىء واحد؟ تكلموا فى ذلك ، فأعرض الفقهاء مستنكرين عملهم . ٠ ١١٥ - ذلك كله قد رآه منهم الفقهاء والمحدثون ، وقد خالفوا به طريقة الصحابة والتابعين فى الاستدلال للعقائد ، وكان طبيعياً ألا يلتقى هذان الفريقان اللذان يخدمان الدين الإسلامى، لاختلاف عقليتهما ومنطق تفكير هما، فالفقهاء والمحدثون يتعرفون دينهم من الكتاب والسنة ، وعملهم العقلى فى فهم نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة ، واستنباط الأحكام من عبارتهما أو إشارتهما، أو الاجتهاد بالرأى إن لم يكن نص ، هذا أقصى ما يسيرون فيه ، أما المعتزلة فيرون إثبات العقائد بالأقيسة العقلية، وهم لذلك يستخدمون المنطق والبحوث الفلسفية. وفقد كان مجرى الأمور يوجب أن يكون كل فيما خصص فيه، هؤلاء - ١٢٢ - لفهم نصوص الكتاب والسنة، واستنباط قانون إسلامى منهما، أو تحت ظلهما، وأولئك لبيان العقيدة الإسلامية، والذود عنها بالطرق التى تلتزم الخصوم وتقطعهم، ويستعان فى ذلك بكل ما يؤدى إلى الانتصار، والفلج فى النزال . ولكن المأمون ومن وليه فى الحكم إلى عصر المتوكل حاولوا أن يحملوا العلماء على بعض آراء المعتزلة فى مسألة خلق القرآن كما بينا فى موضعه من القول، فكان الالتحام الشديد بين الفريقين ، وكان المعتزلة بسبب ذلك هم خصوم الفقهاء والمحدثين ، ولذلك نفر أحمد رضى الله عنه ، ووقع به الأذى الشديد على ما علمت . ١١٦ - ولنترك الكلام فى الدولة ، ومن ينتمى إليها من العلماء، ومن أظلته بحمايتها ولنتجه إلى الكلام فى علم الفقه والحديث فى هذا العصر . لقد قلنا إن ذلك هو عصر النضج فى كل شىء ، وفيه تضج الفقه ، واستقامت طرائفه، والتقى العلماء ، وتدارسوا الفقه فلم يكن الفقه بصرياً وكوفياً وشامياً وحجازياً، بل صار الفقه كله إسلامياً ، فقد كان النقاء العلماء، والرحلات المختلفة سبباً فى أن على علماء كل مصر بما وصل إليه سائر علماء الأمصار ، وتدارسوا بينهم ما وصلت إليه جهود العلماء من التابعين وتابعيهم ، والتقى بذلك الفقه الحجازى بالفقه العراقى ، ووجدنا الشافعى جامعاً فى كتبه بين ثمرات الجهود المختلفة لفقهاء الأمصار من عراقيين وشاميين ، وحجاز بين . ودونت المجموعة الفقهية لكل طائفة من المجتهدين ، فدون مالك موطأه، ودون تلاميذة من بعده مدونة الفقه المالكي الجامعة ، ودون أبو يوسف - ١٢٣ - كتباً حاوية بعض فقهه، ودون الإمام محمد مجموعة شاملة للفقه العراقى ، ثم دون الشافعى ذلك المبسوط العظيم الذى كان صورة حية ناطقة بما كان عليه الفقه من حياة فى ذلك العصر الذى ازدهر ، ونضج كل شىء يتصل بالفقه والاستنباط ، وسمى ذلك المبسوط بالأم ، وسماه بعض المتقدمين المبسوط . ولقد وجد أحمد تلك الثروة الفقهية العظيمة، فقرأ الكثير منها، وتلقى بعضها تلقياً، فقد تلقى عن الشافعى فى رحلته الثانية التى أقام فيها ببغداد ، وكان قد دون رسالته ، ومبسوطه الذى رواه الزعفرانى ، وعلم ماجاء بهومن قبل اطلع على كتب فقهاء العراق، ويقول الرواة إنه أعرض عنها بعد أن قرأها ، وإنهم إن لم يقولوا هذا، فإن مسلكه يخالفها ، ولا يتلاقى معها فى عامة أحواله ، اطلع أحمد على كل الثمرات الفقهية، فتغذى منها عقله وفكره ، وسواء أ كانت نتائجها فى نفسه متلاقية مع أصلها ، أم غير متلاقية ، فإنها كانت بعض ما قدم له من غذاء عقلى ، التقى بغيره من علوم السنة ، فتكون ذلك الفقه الذى غلب عليه الأثر، حتى كادت فتاوية تسمى آثاراً ولا تسمى فقهاً . ولقد كان من أظهر مظاهر نضج الفقه فى ذلك العصر الذى عاش فيه الاتجاه فى الفقه إلى وضع الكليات ، وضبط أساليب الاستنباط ، وهو ما سعى من بعد أصول الفقه، وقد تولى عبء ذلك الشافعى رضى الله عنه، فقد ابتدأ يفكر فى الفقه تفكيراً كلياً ، بعد أن كان مقصوراً على الفتاوى، والحلول الجزئية لها ، ووضع فى ذلك رسالته التى حد بها وسائل الاستنباط، وضوابطه، وأقام الأدلة على صحة هذه المقاييس الضابطة، وقد ذكرنا فى دراسة الشافعى رضى الله عنه أنه ابتدأ يصنع ذلك الصنيع عندما أقام بمكة ، بعد أن اطلع على الفقه المالكي المدنى والفقه العراق ، وأخذ يوازن - ١٢٤ - بينهما موازنة الخبير الفاهم الذى يرد الفروع إلى أصولها ، وكل المسائل إلى عناصرها الأولىالمشتركة بينها وبين غيرها، وكان ذلك فا بعدسنة ١٨٤ھ إلى عودته إلى بغداد حاملا ثمرات تفكيره، وقد اتصل أحمد بالشافعى مرتين إحداهما بمكة فى هذه الإقامة بها ، والثانية ببغداد، عندما جاء ينشر ثمرات تفكيره بها . وقد تلقى بهذا الالتقاء المتكرر والذى دام طويلا مدة إقامة الشافعى ببغداد أصول الفقه التى استنبطها ذلك الإمام الجليل ، وكان لها مكان فى تفكير أحمد، واسترعت نظره، وجعلته يعجب بعقل الشافعى ، ويقول لصاحبه: إن فاتك عقل هذا الفتى لا تدركه ، وجعلته يلتزم الشافعى مدة إقامته ببغداد، وقد قاربت أربع سنوات ، وقد ذكرنا فى دراستنا لشيوخه مقدار انتفاعه من الشافعى رضى الله عنه . وعلى ذلك نقرر أن أحمد تلقى من عدة تروات فقهية فى ذلك العصر الذى فضج فيه كل شىء واستوى على ساقه - العلم فى الدين وغيره ، وانتفع به، وتغذى منه غذاء صالحاً ، واستطاع أن يهضمه مع ما أمد به من عناصر علمية مختلفة تمثلت فى نفسه، وكان منها ذلك المزيج العلمى ، الذى كان سنة ، وكان فقها . ١١٧ - وقد نضج فى عصر أحمد علم الحديث ، وذلك لأن دراسة السنة والآثار لم يتكامل نموها قبل عصر أحمد ، فقد كانت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة ولكن لم توضع ضوابط لمعرفة صحيحها من غيره، وتمييز الصادق من غير الصادق ، وهم عمر بن عبدالعزيز بجمع السنة الصحيحة لينشرها بين الناس ، ولكنه مات قبل أن يتم ماهمّ به، وسلك العلماء مسالك تدوين السنة ، جمع مالك موطأه، وجمع مسند الشافعى، وآثار أبی یوسف، وآثار محمد ، وغيرهما من آثار فقهاء العراق، ولکن - ١٢٥ = إلى الآن لم توجد الصحاح الجامعة؛ فموطأ مالك رضى الله عنه فيه الآثار التى صحت عند مالك ، وجملتها من آثار الصحابة الذين اتخذوا المدينة مقاماً، وآثار العراقيين جل أسنادها ينتهى إلى الصحابة والتابعين الذين اتخذوا العراق مقاماً، وكذلك الشاميون ، حتى إذا جاء النصف الثانى من القرن الثانى كانت الهجرة والرحلات المختلفة فى طلب الحديث ، فكانت الرحلة إلى بلاد الحجاز يستمعون فيها إلى حديث أهل الحجاز، فيستمعون إلى سفيان ابن عيينة فى مكة ، وإلى مالك فى المدينة ، وكانت الرحلة إلى البصرة ، وإلى الكوفة لتلقى الآثار الصحاح التى تنتهى إلى الصحابة والتابعين ، وكذلك كانت الرحلة إلى المن ، وإلى الشام ، لنقل الصحاح من الأحاديث التى أثرت عن الصحابة والتابعين الذين حلوا فى هذه البلاد المختلفة . ففى عصر أحمد كان الجمع بين أحاديث الأقطار المختلفة ، وطبيعة ذلك الجمع الإحاطة بالأحاديث الواردة فى الأبواب الفقهية المختلفة ، ودراستها دراسة مقارنة فى إسنادها وفيما يستنبط منها والموازنة بينها من حيث القوة فى حال تعارضها ، وتعرف الناسخ من المنسوخ، وهكذا . ولا شك أن الدراسة الفقهية عند محاجزة الأقاليم دون تبادل الروايات المختلفة دراسة لا تخلو من نقص كان يكملها القياس والاستنباط ، أما بعد أن تلاقت المرويات المختلفة، فهى دراسة صحيحة كاملة لفقه الحديث وما يستنبط منه . ولقد جمال أحمد فى ذلك الميدان ، فكان السابق ، وكان المجاهد، وكان الحافظ، ولعل مسنده أول جامع الأحاديث الأمصار، حتى صار إماما، كما توقع له أحمد، ولذلك فضل بيان نرجئه إلى مقامه من البيان والشرح . ١١٨ - ولم يكن فضح السنة فقط فى الجمع بين أحاديث الأمصار، - ١٢٩ - بل كان فى الدراسة . وقد ابتدأ مالك بفحص الرجال الذين يروى عنهم خص الصيرفى الماهر للدراهم، ثم بنقد الأحاديث بعرضها على الكتاب والمشهور من السنة ، وجاء الشافعى فدرس الأحاديث المتصلة والمرسلة والمنقطعة ، وقوة كل منها فى الاستدلال ، ومراتبها وما يقبل منها عند. التعارض، وما يرد ، ثم سادت فى العصر دراسة السند كاملا من الراوى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تكن العناية فى عصر أبى حنيفة ومالك وغيرهما ممن كانوا على قرب من التابعين ، إلا بمن يتلقون عنه ، فلا يهم مالكا إلا من ينقل إليه، لأن كثيرين كانوا من التابعين ، ولذلك كانوا يقبلون المرسلات من الأحاديث، لأن العبرة عندهم بمن نقل إليهم، والعهد كان قريباً من التابعين، ولكن لما بعد العهد، وطال السند فى عصر الشافعى ، ومن جاء بعده، عنى العلماء بدراسة السند من حيث علوه، ونزوله، ومن حيث اتصاله وانقطاعه، وعنوا بدراسة كل رجال السند، لأن الحاجة كانت شديدة، لكى تعرف العدالة فى كل رجاله إلى أن يصلوا إلى عصر الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم، لكى تطمئن النفس إلى الرواية، ويكون المروى حجة فى العمل ملزمة . جاء أحمد فى ذلك العصر الذى نضجت فيه السنة ذلك النضج، فأوفى فى دراسة السنة على الغاية ، وكان حريصاً كل الحرص على طلب السند والعلة، لا يأخذ الحديث إذا كان رأويه لا يزال حياً يمكن أن يلاقيه، بل يسافر إليه ما أمكنت الرحلة، ويأخذ منه ما تنسب روايته إليه؛ ولا يكتفى برواية الحاضر ما أمكن له أن يسافر إلى الغائب وكان ذلك منه مبالغة فى الورع فى طلب الحديث والاستيثاق من صدقه . هذه مظاهر نضج الدراسة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فى عصر أحمد رضى الله عنه، وقد أفاد من ذلك كثيراً، فكانت الطرق ممهدة لهذه - ١٢٧ - الدراسة ، وتعدد الرواة وكثروا، وتخصصوا فى فن الرواية، وعكفوا ، وتميزت علوم الحديث عن الفقه ، فجاء أحمد، وطلب الأحاديث والآثار من بنابيعها، والعاكفين على دراستها ، كما طلب الفقه من رجاله ، وممن غلب عليهم ، فكان إماما فى الحديث والفقه. ١١٩ - وإذا كان ذلك العصر هو عصر التقاء الثمرات الفقهية فى كل الأمصار كما فوهنا الآن فإن ذلك الالتقاء بصحبه احتكاك فكرى بين العلماء، ويثير مناظرات ، والإخلاص يمنع أن تكون مهاترات ، وذلك ٠ ما كان ، فإن ذلك الالتقاء الفكرى، قد صحبه مناظرات يقصد بها أحيانا الوصول إلى الحق ، وأحيانا يقصد بها تغليب مذهب فكرى على مذهب آخر، أو تغليب رأى على رأى آخر . فهذا الشا فعى يقيم ببغدادأمداً فى صدر حياته، وفى أول قدمة قدمها؛ فيدخل فى مناظرات قائمة بين فقهاء العراق ومناصرى الفقه المدنى فى مسألة الشاهد واليمين ، وذلك أن الفقه المدنى يجيز الحكم بشاهد واحد ، ويمين صاحب الحق، إذا لم تكن لديه بينة كاملة، ولا يلجأ إلى يمين المدعى عليه إلا إذا لم تكن شهادة قط، ولو شهادة واحد وينتصر الشافعى فى الجدل فى نظر المناصرين للمدنيين فيمى لذلك ناصر السنة . وكانت تلك المجادلات تجرى أحياناً باللسان، وأحياناً بالمكاتبة كرسالة مالك إلى الليث بن سعد ، ورد مالك عليه، وكانت هذه المجادلات الفقهية تجرى فى كل مكان فى مكة فى موسم الحج، وفى الأمصار الإسلامية فى بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والفسطاط، ومجالس الخلفاء والأمراء، حيثما سار الفقيه وجهٍ من يناظره فى سبيل الوصول إلى حل فقهى فى مسألة يتفق مع الحق من الشرع الإسلامى ، أو يغالبه فى نصر فكرة أو رأى مغالبة لا يريد بها الحق علواً، ولكن يبغى لنفسه علواً واستحوازاً، وسلطاناً. -١٢٨- ١٢٠ ولم يكن ذلك الجدل بين الفقهاء وحدهم ، بل كان بينهم وبين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة وغيرهم ، وبين عداء الكلام بعضهم مع بعض كما كان يجرى بين المعتزلة والجبرية، وبين علماء الكلام وغيرهم من المهاجمين للإسلام ، أو بينهم وبين الفلاسفة غير المسلمين الذين أقاموا بالديار الإسلامية، كأولئك الذين انتحلوا نحلة السوفسطانيين، كما جرى مثلا بين النظام، وبعض هؤلاء الشكيين ، وبين النظام والمانوية، وغيرهم . وفى الجملة إن ذلك العصر كان عصر احتكاك فكرى بل نحل مختلفة، وبين مذاهب عقلية مختلفة وبين آراء فقهية مختلفة، ومن طبيعة الاحتكاك الفكرى أن تتولد عنه المناظرات التى يقصد بها الوصول إلى الحق فى القضايا المتنازعة، والمجادلات التى يقصدبها الغلب العقلى والسلطان الفكرى (١). والنوعان كانا كثيرين فى هذا العصر، فهناك جدل كانا للغلب، واحتياز المجالس ، وجدل كان لتحرى الحق . ١٢١ - ولعل أظهر بيان لروح العلم فى ذلك العصر، والاحتكاك الفكرى وثمراتة الإمام الشافعى، فإنه قد جاء حاملا لروح ذلك العصر (١) قد صور ابن قتيبة فى كتابه (اختلاف اللفظ) الجدل الذى كان يغلب على ذلك العصر فقال: « كان طالب العلم فيما مضى يسمع ليعلم، ويعلم ليعمل ويتفقه فى دين الله لينتفع وينفع. وقد صار الآن يسمع ليجمع، ويجمع ليذكر . ويحفظ ليغالب وينخر ، وكان التناظرون فى الفقه يتناظرون فى الجليل من الواقع ، والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس، فينفع الله به القائل والسامع، وقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفى ، وفيما لا يقع ، وصار الغرض منه إخراج لطيفة ، وغوصا عن غريبة ورداً على متقدم ، فهذا يرد على أبى حنيفة، وهذا يرد على مالك، والآخر على الشافعى بزخرف من القول ، ولطيف من الحيل، كأنه لا يعلم أنه إذا رد على الأول صوابا عند الله بتمويه فقد تقلد الأثم عن العاملين به دهرا الداهرين ، وهذا يطعن بالرأى على ماض من السلف، وهو يرى ، وبالابتداع فى دين على آخر، وهو يبتدع، وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون فى معادلة الصبر والشكر ، : - ١٢٩ - حاكيا لمشاكله الفكرية فى الفقه والسنة. ففيه بيان حال أولئك الذين كانوا ينكرون الاحتجاج بالسنة ، من بعض علماء البصرة ، وفيه حال أولئك الذين كانوا لايحتجون بخبر الآحاد ، ولا يقبلون من السنة إلا ما كان متواتراً ، أى خبر جماعة ، على حد تعبير الشافعى ، وقد كان رد الشافعى عليهم قويا ، ومناقشته لهم حاسمة، إذ ضيق عليهم السبل ، حتى أخذ الحق من أفواههم، وفيه مناقشة لأولئك الذين يقدمون القياس على خبر الآحاد، أو بردون بعض أخبار الآحاد، لعام القرآن ، وفيه مناقشة الذين يقدمون بعض المأثور عن الصحابة على خبر الآحاد ، وترى تلك المناقشات فى أبواب مختلفة، من مثل كتاب اختلاف مالك، وفقه العراقيين، والرد على سير الأوزاعى ، وفيه بحث مستفيض لإبطال الاستحسان ، ورد من يأخذ به ، وهو فى هذا يردعلى المالكيين والعراقيين وغيرهم ممن تجاوزوا فى الاستدلال الفقهى النص ، أو الحمل على النص . وفى الجملة إننا لانجد كتاباً يقرأ فيه القارىء الصور الفقهية لعصر الاجتهاد، وخصوصاً الزمن الذى نشأ فيه أحمد بن حنبل، ككتاب الأم، فإنه بسط الآراء المختلفة، ما وافق عليه أقره وأبده بالأدلة القوية ، وما خالفه رده و نقده ، و بین وجه الزيف فيه عنده . = وفى تفصيل أحدهما على الآخر وفى الوساوس والخطرات . ومجاهدة النفس وقمع الهوى. وقد صار المتناظرون يتناظرون فى الاستطاعة والتولد والطفرة ، والجزء والعرض والجوهر. فهم دائبون يختبطون فى العشوائ قد تشعبت بهم الطرق ، وعادم الهوى بزمام الردى . وكان آخر ماوقع من الاختلاف من الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين . وبالاتباع ظاهرين، يداجون بكل بلد ولا يداجون، يستتر منهم بالنحل ، ولا يستترون ، ويصدعون بحقهم ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا، ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا . وابن قتيبة توفى سنة ٢٧٦ فهو إذ يحكى هذا الجدل إنما يذكر العصر الذى عاش فيه أحد ، وما اربه ، فيه نرى أن الجدل قد ساد التفكير فى ذاك العصر. ( ٩٢ - ابن حنبل) - ١٣٠ - ولم يجىء الكتاب حاملا لروح العصر بمعانيه فقط، بل جاء حاملا لهذه الروح فى شكله أيضاً؛ فقد جاء فى شكل مناظرات يحكمها أو يفرضها ، فهو يحبكى فى ذلك الكتاب ما كان يقوم بينه وبين غيره من مناظرات ، وأحيانا يفرض مجالا يوجه إليه القول، وتجرى بينهما المناظرة . ١٢٢ - وإذا كان العصر عصر جدل ، واحتكاك فكرى ونضج فى العلوم الدينية وقد وجد فيه من ينكر السنة، ومن ينكر الاحتجاج بخبر الآحاد ، فاذا كان تأثير ذلك كله فى نفس أحمد رضى الله عنه؟ إن تأثير العصور والبيئات فى نفوس مفكريها مختلف باختلاف اتهماه هؤلاء المفكرين ، وباختلاف ما يستسيغونه من عناصر البيئة ، وإن بيئة فكرية كالعصر العباسى الذى عاش فيه أحمد يختلف تأثيرها، إذ كان فيه أخلاط فكرية مختلفة، فهؤلاء ينكرون الاحتجاج بخبر الآحاد، وأولئك يقبلون خبر الآحاد ، ويقدمون عليه القياس ، وأولئك بجعلون فتاوى الصحابة من السنة ، وهوازفون بينها وبين أخبار الآحاد، وأولئك يتشددون فى الاستمساك بالسنة ، ولا يقدمون أى دليل على ما تجى به السنة، ويخصصون بها عام القرآن، لأنها بيان له ، ومن البيان تخصيص العام، وتقييد المطلق . فأحمد قد أخذ من هذا الغذاء المختلف الألوان ما يتفق مع نزوعه ، ويتلاءم مع مزاجه ومسلكه الذى وجه إليه منذ نشأته الأولى ، وهو الاتجاه إلى السنة ، وتعرف فتاوى الصحابة وكبار التابعين ، والتخرج على ذلك المأثور ، حتى أنه من فرط شغفه بمعرفة آثار الصحابة والتابعين عدمن التابعين، كما جاء على لسان بعض دارسيه، لأنه لعنايته باتباع فتاوى الصحابة قد صار من تلاميذهم ، إذ قد تلقى عنهم بالخبر والآثار، وإن فاتته المشاهدة والعيان . - ١۴١ - وإذا كان الجدل قد ساد عنه طائقة كبيرة من معاصريه، فقد وجد فى هذا العصر أيضاً من كان ينفر من الجدل ، لأنه يلقى الشكوك، ويفسد الفكر ، فكان مالك ، وسفيان الثورى ، وابن المبارك وغيرهم يبغضون الجدل فى الدين ويرون أنه ليس من التدين القويم أن يجعل المؤمن دينه غرضناً لسهام الجدل ، وهدفا للخصومات الفكرية، وقد اختار أحمد رضى الله عنه ذلك المنزع ، فنفر من الجدل والمجادلين نفوراً شديداً . الفرق الاسلامية ١٢٣ - لقد جاء على لسان أحمد رضى الله عنه أسماء بعض الفرق الإسلامية، وناضلها ، حق علينا أن نذكر كامة معرفة تعريفاً موجزاً أشد الإنجاز لهذه الفرق المختلفة، حتى يكون القارئ. على علم بمعانى الأسماء التى جاءت فى هذا ، فإنه فى هذا العصر كان يقوم المنتحلون لهذه الفرق بنشر أفكار بين المسلمين خالفوا فيها مناهج المحدثين والفقهاء، وأزعجوا أولئك بحملهم عليهم بقوة السلطان ، كما ذكرنا عند الكلام فى خلق القرآن، ومسألة رؤية الله يوم القيامة التى أراد الواثق أن يحمل الفقهاء والمحدثين على اعتقاد استحالتها ، كما هو مذهب المعتزلة . وكان من حقنا أن نمر عليها مر الكرام ، لولا أن أحمد كان على علم بها، وابتلى ببعضها، ولذلك حق علينا أن نشير هذه الإشارة لنستطيع عند الكلام فى آراء أحمد فى أصول الاعتقاد أن ذكر رأى أحمد فى موضوع الآراء التى أثيرت حوله آراء هذه الفرق المختلفة . والفرق التى نعرفها هى الشيعة والخوارج ، والقدرية والجهمية ، والمرجئة . ١٢٤ - والشيعة يعدون أقدم الفرق الإسلامية، ظهروا بمذهبهم فى - ١٣٢ - آخر عصر عثمان رضى الله عنه، ثم فى عصر على، وكان ينمو عددهم من بعد ، كلما اشتد الظلم بالبيت الهاشمى ، من بنى أمية . والشيعة فى جملتهم يرون أن على بن أبى طالب أحق المسلمين بخلافة النبى صلى الله عليه وسلم، وهم فرق مختلفة ، بعضهم تجاوز حد الدين فى تقديس على رضى الله عنه، وبعضهم مقتصد لم يتجاوز حد الدين، ولم يكفر أحداً من الصحابة ولم يؤثمهم ، وأظهر هؤلاء المعتدلين الزيدية. وهم أتباع زيد بن على زين العابدين. وقد كانوا يرون صحة إمامة الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنها وجواز إمامة المفضول، وجواز أن يكون هناك إمامان فى عصر واحد ، بحيث يكون كل واحد منهما إماما فى قطره، وقد كان أولئك الزيدية يعتقدون أن مرتكب الكبيرة مخلد فى النار لأنه فى منزلة بين المؤمن والكافر ، كما هو رأى المعتزلة ، وقد قتل زيد فى عصر هشام بن عبد الملك سنة ١٢٢ه. ومن الشيعة من لم يخرج عن الإسلام، ولكن فى آرائهم غلو ، ومن هؤلاء الغلاة الكيسانية، وهم أتباع المختار بن عبيد الثقفى الذى ظهر فى · أول الدولة المروانية، وكانوا يعتقدون أن الخليفة من أولاد على بعده - الحسن، ثم الحسين ، ثم محمد بن الحنفية، وهم يعتقدون بتناسخ الأرواح ويرون أن لكل شىء ظاهراً وباطناً ، وأن الإمام اختص بعلم الباطن . ومن الغلاة أيضاً الإمامية الاثنا عشرية ، وهم الذين يعتقدون أن إمامهم الثانى عشر غاب فى سر من رأى، وأنهم ينتظرونه من قبل ، ولا زالوا ينتظرونه إلى اليوم، وهؤلاء يعتقدون أن الإمام منصوص عليه بالإسم دون الوصف ، كما يقول الزيدية، ويعتبرون الأئمة بعد الحسين ، محمد الباقر ، ثم جعفراً، وهكذا، حتى الثانى عشر الذى غاب ، وينتظر ، ومنهم اليوم سكان فارس . - ١٣٢ - ومنهم الإمامية الإسماعيلية، وهم يرون كالاثنا عشرية أن الإمام بعد النبى صلى الله عليه وسلم معين بالاسم، ويعدون الإمام بعد محمد الباقر جعفراً كالاثنا عشرية ، ثم من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وهم يرون أن الإمام وز أن يكون مكتوماً، ولذا سموا الباطنية، وكان من هؤلاء من تولوا الحكم فى مصر ، وهم الدولة الفاطمية . أما الذين خرجوا من الشيعة عن الإسلام بانحرافهم، فمنهم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، فقد ألهوا علياً حتى حرق بعضهم . ومنهم الغرابية ، وهم الذين زعموا أن النبوة كانت لعلى ، ولكن جبريل أخطأ ، ونزل على النبى صلى عليه وسلم ،لما بينه وبين على من شبه ، كشبه الغراب بالغراب . ١٢٥ - ومن الفرق السياسية الخوارج، وقد ظهروا فى جيش على رضى الله عنه ، غب قبوله فكرة التحكيم بعد أن حملوه عليها، إذ ثاروا بعد قبوله لهاصائحين لا حكم إلا لله ، وزعموا أن علياً رضى الله عنه كفر بقبوله التحكيم ، وأن عليه أن يتركه، وأن يتوب بعد هذا الكفر، وقد بغوا عليه، فقاتلهم ، حتى خضد شوكتهم، ولكنهم شغلوه عن معاوية، وكانوا سبب ضعف قوته . ولما جاءت الدولة الأموية كانوا شوكة تقص مضاجعها، وتوالى خروجهم وجملة آرائهم أنه لا يوجد بيت أولى من بيت بالخلافة ، وأن الخليفة يختار اختياراً حراً من المسلمين جميعاً، والأولى ألا يكون له عصبية، حتى يسهل خلعه، ويكفرون من يرتكب ذنباً . وهم فرق مختلفة، ويتفاوتون مغالاة واعتدالا فى أعمالهم وتفكيرهم ، وأشدهم غلواً الأزارقة ، وهم أتباع نافع بن الأزرق، وأقربهم إلى الجماعة - ١٣٤ - الإسلامية الإباضية ، وهم أتباع عبد الله بن إباض، وهم يرون أن مخالفيهم ليسوا كفاراً ، ولامشركين ، بل هم كفار نعمة ، وأن دماء مخالفيهم حرام، تجوز شهادتهم، ولا زالت بقية باقية من الإباضية بالمغرب. وبين الإباضية والأزارقة فرق مختلفة ، منهم النجدات أتباع نجدة ابن عويمر اليمنى من قبيلة بى حنيفة، والصفرية أتباع زياد بن الأصفر ، والعجاردة أتباع عبد الكريم بن عجرد . ومن الخوارج من خرجوا عن الإسلام ببعض آرائهم ، وهم فرقتان: (إحداهما) اليزيدية أتباع يزيد بن أنيسة، وقد زعم أن الله سيرسل رسولا من العجم ينزل عليه كتاب ينسخ الشريعة المحمدية . ( وثانيتها) الميمونية أتباع ميمون العجردى وقد أباح نكاح بنات بنات الإبن ، وبنات أولاد الأخوة والأخوات، لعدم ذكرهن فى المحرمات فى زعمه، وروى عن هؤلاء الميمونية أنهم أنكروا سورة يوسف، ولم يعدوها من القرآن . ١٢٦ - هذه إشارة موجزة إلى الفرق السياسية، أما الفرق الاعتقادية، وهى الفرق التى أثارت مسائل تتصل بالاعتقاد فنها : المرجئة : وهى فرقة كانت تخلط بالسياسة أصول الدين ، ورأيها الذى امتازت به يقابل رأى الخوارج فى المسألة التى أثاروها ، وهى مسألة مرتكب الذنب، أهو مخلد فى النار ؟ أم غير مخلد، فقد قال المرجئة إنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ولقد كان المعتزلة يطلقون كلمة مرجىء على كل من لا يحكم بأن صاحب الكبيرة مخلد فى النار، ولذا قيل عن أبى حنيفة أنه مرجىء ، وجعله الشهر ستانى من مرجئة السنة الذين يرجون عفو الله للذنبين ، لا الذين يستبيحون المنكرات . ٠ - ١٣٠ - ومن الفرق الاعتقادية الجبرية أو الجهمية، وهم الذين قالوا إن الإنسان ليس له إرادة فيما يفعل ، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل لكل ما يجرى على يده. إن خيراً أو شراً، وأنه فى أفعاله كالريشة محركها الهواء ، وقدشاع القول بالجمبر فى العصر الأموى وقيل : أول من جهر به الجهم بن صفوان ، ولذلك يسمون بالجهمية ، والجهم كان من أول من قال إن القرآن مخلوق، ولذلك يجىء على لسان أحمد رمى القائلين هذا القول بأنهم جهمية ، وإن كان المعتزلة الذين يخالفون الجهم فى أفعال الإنسان كل المخالفة يقولون هذا القول . ومن الفرق الاعتقادية القدرية : وهم الذين يقولون إن الإنسان يخلق أفعال نفسه الاختيارية ، ومنهم من سموا فى التاريخ الإسلامى باسم المعتزلة؛ وقد كان لهم شأن كبير فى الفكر الإسلامى فى عصر العباسيين ؛ إذ هم الذين قولوا الرد على الزنادقة ، وأهم مبادئهم خمسة ، هى : (١) التوحيد، وفسروه بأن الله سبحانه وتعالى واحد فى ذاته؛ وفى صفاته، فلا يشاركه أحد من المخلوقين فى أى صفة ، ولذلك نفوا رؤية الله. (٢) العدل من الله سبحانه وتعالى، ولذلك اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يخلق الناس أفعالهم، ليكون الثواب والعقاب ، والتكليف و جه عام . (٣) الوعد والوعيد بأن يجازى المحسن بإحسانه ، ومن أساء يجزيه سوءاً، فلا يغفر لمر تكب الكبيرة كبيرته . (٤) أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين المؤمن والكافر ، وقد يسمى مسلماً فاسقاً ولكن لا يسمى مؤمناً قط ، وهو مخلد فى النار. (٥) الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر، فقد قرروا وجوبهما على المؤمنين، نشراً للدعوة الإسلامية ، وهداية للضالين ، وكل بما يستطيع، فذو السيف بسيفه وذو اللسان بلسانه، والله سبحانه وتعالى هو الهادى)). . - 1 القسم الثاني آراؤه وفقهه - آراؤه ٧ ١ - لم يكن أحمد بن حنبل من الرجال الذين عكفوا على دراسة الملل والنحل والفرق المختلفة ومجادلتهم ، ولم يكن ممن يستجيزون العكوف المطلق على الدراسات العقلية ، غير مستندة إلى أصل من كتاب أو سنة ، ولم يكن ليستبيح لنفسه الجدل فى أى صورة من صوره ، لأن الحقائق لا تطمس إلا بمثارات الجدل ، ولا تذوب إلا فى حومة الخصومة البيانية ، ولأنه فهم العلم طلباً للحقائق، ودراسة المأثور، وليس غلاباً ولا نزالا، ولا اعترا كا بالأقوال، كاعتراك الجند بالسيوف، ولأن من جعل طلب هذا العلم الدينى بالجدل ، فقد جعل دينه هدفاً للخصومات ، وغرضاً لهام الطعن ، وليس هذا مما يتدلى إليه إمام السنة أحمد رضى الله عنه . وحين عكوف أحمد على دراسة السنة وحدها ، وعلم الدين وفقهه عن طريق المأثور عن الرسول الكريم كانت تجرى قريباً منه معارك الجدل الكلامى فى العقائد، ومعارك الجدل حول الخلافة والخلفاء السابقين ، والمفاضلة بين الصحابة، وأحمد كان يتحامى الخوض ، ويذر الخائضين فى خوضهم، وكل ميسر لما خلق له، وكلها قوى عقلية تؤدى عملا إسلامياً قد يكون له ثمرات طيبة، وقد تكون عقيمة الأثر ، وقد يكون إثمها أكبر من نفعها ، وشرها أكبر من خيرها . ولكن الزمن وملابساته لا تترك أحمد فى هذا العلم الدينى بعيداً عن مثار الخلاف ، ومتنازع الأهواء، ومضطرب الفكر، بل تجرى العوامل المختلفة لحمله على القول فيما يخوضون فيه، هذه العوامل أدبية معنوية ثم مادية تقرن بقوة السلطان إذ حمل المأمون الفقهاء والمحدثين على أن يقولوا مقالته فى القرآن إن طوعاً أو كرها، وحسب أن ذلك القول هو الدين لا منجاة ١ - ١٤٠ - للمؤمن إلا أن يعتنقه، وأن على من بيده الأمر أن يحمل الناس على ذلك القول طوعاً أو كرهاً. امتنع أحمد عن أن يقول مقالة المأمون ، والخليفتين من بعده ، ونزل به ما نزل مما ذكرناه، ومن بعدها صار إمام أهل السنة ، والملاذ الذى يلوذون إليه فى تعرف ما يتفق مع ما كان عليه السلف الصالح من عقيدة صحيحة ، وما يجب الإيمان به، ليحتموا برأى هذا السلف عما يفتنهم به معاصروه فى زعمهم ، فتجرد أحمد لبيان العقيدة السلفية من غير جدال ، بل كانيكتفى ببيانها وبطلان ما كان يثار . ويعتبره بدعاً يجب ردها وعدم الأخذ بها . ولذلك أثرت له آراء فى العقائد، كان فيها سلفياً، كما كان سلفياً فى فقهه ، لا يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة أو ابتغاء تأويله . بل يقول فى كل ما جاء فى القرآن والسنة النبوية: ((آمنا به كل من عند ربنا). ٢ - ولقد كان أحمد كأكثر علماء السنة ينزلون الصحابة منازلهم، ولا يطعنون فى أحد منهم ، احترازاً من أن ينالوا بسوء من شرفوا بفضل الصحبة، واختصوا بمنزلة مجالسة النبى صلى الله عليه وسلم، والاقتباس من هديه ، ويسلكون مسالك التابعين الذين تلقوا علم أولئك الصحابة ، فلا يخوضون فى السياسة، ولا يناوئون الحكام، بل ينصرفون إلى العلم كما انصرف أولئك العلبة من التابعين، سواء فى ذلك من كانوا راضين عن أساليب الحكم الذى أعقب حكم الخلفاء الراشدين ، ومن كانوا ساخطين ، فابن المسيب والحسن البصرى وغيرهما من التابعين الذين لم يرتضوا الحكم الأموى، قد سكنوا إلى فضل الطاعة، ولم يفارقوا الجماعة، واتجهوا إلى العلم ، وهداية الناس . وكذلك سلك أحمد رضى الله عنه، فهو لم يخض فى سياسة، ولم يحرض على خروج، بل استنكر الخروج، ولكن الأحاديث في المفاضلة بين ۔