Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
٩٢ - الصفة الرابعة من صفات أحمد التى امتازبها الإخلاص،
والإخلاص فى طلب الحقيقة ينقى النفس من أدران الغرض، فتستغير البصيرة،
ويستقيم الإدراك ويشرق القلب بنور المعرفة وهداية الحق ، ولقد وجدنا
الأئمة الثلاثة الذين سبقوا أحمد فى الاجتهاد الفقهي، وكان لنا حظ
دراستهم ، قد اتصفوا جميعاً بهذه الصفة وامتازوا بها ، ذلك لأن الهداية
لا تكون إلا لمن يقذف الله فى قلبه بنور والإخلاص إذ الإخلاص لله سبحانه
وتعالى هو أنه يحب الشىء لا يحبه إلا لله فلا يطلب العلم لمراء أو جدال، أو
لاحتياز مجالس، أو لجاه عند ذى سلطان ، ومن ارتقى بعلمه إلى هذه الرتبة
لا تعلق به غواشى الامتراء. ومعوقات الهوى، بل يتجه إلى الحقيقة اتجاها
مستقيما لاعوج فيه ، ومن اتجه إلى طلب الحقيقة مستقيما وصل إليها بنور
الله، ونطق بالحكمة لهداية الله ووصل إلى الغابة من أقرب طريق، وأهدى
سبيل .
ولقد آ نى الله أحمد حظاً كبيراً من الإخلاص فى طلب علم الكتاب
والسنة، فما طلبه لجاه الدنيا، ولا للشهرة والسمعة ، بل كان ينفر منهما
أشد النفور ، ويتمنى ألا يكون شيئا مذكوراً عند الناس، وكان يتجنب
الرياء ويباعده، ويبالغ فى الابتعاد عنه. حتى أنه كان لا يظهر المحبرة ليذكره
الناس بالحرص على الكتابة، بل يقول: (( إظهار المحبرة من الرياء، وكان
يؤثر ألا يسمع به أحد فكان يقول « أريد النزول بمكة ألقى نفسى فى شعب
من تلك الشعاب، حتى لا أعرف)) وكان ينفس على من أخمل ذكره تلك المنزلة
النفسية العالية فيقول: ((طوبى لمن أخمل الله عز وجل ذكره)).
ولهذا المعنى الحليل الذى سيطر على نفسه ، جعلها خالصة لربه كان
يستقل ما يقوم به من عبادات ولا يستكثر ما وقع له من محنة، فكان لا يذكرها
ويستر آثارها ولا يحب أن يعلم الناس مانزل به، وكان بعيداً عن الزهو

- ١٠٢ -
والافتخار، لا يفتخر بعمل قام به، ولا يزهو على أحد بحال هو عليها،
قال يحيى بن معين فيه : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ، صخبته خمسين سنة ،
ما افتخر علينا بشىء مما كان فيه من الصلاح والخير(١) وذلك لأنه كان
لا يستكثر ما قدم، والنفس اللوامة المؤمنة ، تتهم صاحبها بالتقصير
ولا تدل على الناس بالعبادة.
٩٣ - الصفة الخامسة التى امتاز بها أحمد ، وجعلت لدروسه وكلامه
مواقع من نفس سامعيه ولا تزول - الهيبة، فلقد كان مهيباً، من غير خوف
وموضع الإجلال والاحترام من غير رهبة، وكانت له هيبة، حتى فى نفس
أساتذته ، فقد كان بعض أساتذته يمزح مع بعض تلاميذه، غير عالم بمكان
أحمد من المجلس ، فلما علم بمكانه لامهم ، إذ لم ينبهوه إلى وجوده ، حتى
لا يمزح وهو فى حضرته .
وكانت الشرطة تهابه ، حتى عندما كانوا يساورون داره فإنه يروى أن
الشرطى المنوط به القيام بالليل فذهب ليناديه، فهاب أن يطرق بابه، وآثر .
أن يطرق باب عمه، ويصل إليه من ذلك الباب ، بعد أن تستأنس نفسه
بذلك اللقاء المهيب .
أما هيبة تلاميذه له فأعظم من ذلك ، وإن كان هو الأليف المألوف ،
الموطأ الكنف الذى يجانب العلو والاستكبار، فأحد تلاميذه يقول فيه :
(كنا نهاب أن ترد أحمد فى الشىء أو نحاجه فى شىء من الأشياء، ويقول
أحد معاصريه الذين تتلذوا له: ((دخلت على إسحاق بن إبراهيم ، وفلان
وفلان من السلاطين ، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل ، صرت إليه ،
أكله فى شىء، فوقعت على الرعدة حين رأيته من هيبته».
(١) حلية الأولياء ج ٩ ص ١٨١.
.

- ١٠٢ -
ويقول أبو عبيدة القاسم بن سلام: ( جالست أبا يوسف، ومحمد ابن
الحسن ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدى، فما هبت أحداً منهم ، ما
هبت أحمد بن حنبل».
٩٤ - وما سرهذه الهيبة التى كانت لذلك الرجل العظيم؟ إنها هبة الله
سبحانه وتعالى، بهبها لمن يشاء من عباده، ففى الناس رجال آتاهم الله قوة
نفس، وقوة وجدان، وإشعاعا روحياً، يجعلهم يؤثرون فى غيرهم ،
ويستولون على نفوس الناس، لا بقوة السلطان ولكن بقوة الوجدان .
ولقد كانت كل أحوال أحمد من شأنها أن تنمى هذه الهبة، وتقوى ..
تأثيرها وتجعل أنزها بالغاً جد لا مزاح فيه قط ، حتى أنه ليحسب أن كل
مزحة مجة من العقل، أو غفوة من الوجدان الدينى، وهو لا يريدأن يمج عقله،
ولا يريد أن يخى نار الوجدان لأن فى قوة الإحساس الدينى إرهاقاً للإيمان
وهو مع جده فى صمت دائم ، لا لغو فى القول ولا تأثم، وهو فى حضرة
أصحابه يأبى أن يتكلم إلا فى العلم، ويأبى إلا أن يصمت، والصمت والابتعاد
عن اللغو يجعلان المتصلين بالشخص متحفظين فى حضرته، وبذلك تنمو
المهابة ، فإنه لا يبذل نفس الإنسان، ولا يسقط المهابة ، ويذهب بالروعة
أكثر من لغو القول والمراء والجدل ، والمكاثرة والمهاترة، وقد تجافى
أحمد رضى الله عنه عن ذلك ، وباعده عن قلبه ولسانه .
وأنه ما نمى مهابته تلك المحنة التى نزلت به فتحملها بجلد وصبر ، فإنها
أشاعت ذكره ، وتحدث الناس بأسره، وإن حسن السمعة وبعد الصيت ،
وجميل الذكر تجعل لمجلس صاحبها روعة وهيبة فى نفوس الناس ، فإن
ألسنة الخلق بالثناء، تلقى مهابة صاحب الثناء فى النفس ، وخصوصاً إذا
كان أهلا لذلك ، وله فى نفسه جلال وتقي وهدى الإيمان ، وبرد اليقين.

- ١٠٤ -
٩٥ - وإنه مع هذه الهيبة وذلك الجلال كان حسن العشرة ، ولم
يكن فظاً غليظاً بل كان طلق النفس والوجه ، كريم الخلق سجح المعاملة ليناً
رقيقاً . وكان شديد الحياء يستحي من الله حق الحياء، ويستحى من
الناس فلا ينافرهم ولا يكابرهم قال بعض من لاقوه فى وصفه: ((وما رأيت
أحداً فى عصر أحمد معن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكا لنفسه
وفقها، وأدب نفس، وكرم خلق ، وثبات قلب ، وكرم مجالسة، وبعداً
عن التماوت (١).
ويقول فى غيره: ((كان أحمد من أحى الناس وأكرمهم نفساً وأحسنهم
عشرة وأدباً ، كثير الإطراق والغض، معرضاً عن القبح واللغو، لا يسمع
منه إلا المذاكرة بالحديث ، وذكر الصالحين والزهاد فى وقار وسكون
ولفظ حسن ، وإذا لقيه إنسان بش به ، وأقبل عليه ، وكان يتواضع
للشيوخ تواضعاً شديداً، وكانوا يكرمونه ويعظمونه ،(١).
٩٦ - هذه أخلاق أحمد، وهى هدى نبوى كريم ، اتبع فيه هدى
النبى صلى الله عليه وسلم، واتخذ منه قدوة، وأخذ بقوله سبحانه وتعالى:
((لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة، فكان يتعرف أخلاق الرسول
صلوات الله وسلامه عليه، ويأخذ نفسه بها أخذاً شديداً، من غير مراءاة
أو سعى وراء الشهرة التى كان يتململ بها إذا جاءته ، فكان الرفيق وكان
ذا الحياء المهيب، والمتواضع المستكين المعتز بالله العلى القدير.
بـ
(١) الناقب ص ٢١٤
(٢) المناقب س ٢١٥

- ١٠٥ -
٢ - شيوخه
٩٧ - يعتبر من شيوخ أحمد كل من تلقى عليه فقهاً، أو أخذ عنهم
سنة، أو روى عنهم حديثاً، سواء أكان قد انتقل إليه، أم كانوا معه فى
بغداد ، ولقد أحصى ابن الجوزى فى مناقب أحمد شيوخه عداً، فتجاوزت
حسبتهم المائة ، وإذا كان شيوخه بهذه الكثرة العددية ، فلسنا نستطيع أن
نقول إن لهم جميعاً أثراً بليغاً فى نفسه، وربما كان منهم من اقتصر على أن
يروى عنه الحديث ، بل ربما كان منهم من كان لقاؤه به مرات معدودة
لا توجهه توجيهاً علمياً، وإن كانت تعطيه رواية سنة لم يكن قد عرفها من
قبل، وربما أعطته سنداً آخر لسنة معلومة لديه من قبل بسند صحيح.
ولكنا ونحن ندرس الشيرخ الذين أثروا فيه لا يهمنا كثيراً تعرف
كل من تلقى عنهم ، بل يهمنا فقط تعرف من وجهوه من بين من تلقى
عليهم، ويكون توجيههم متفقا مع نزوعه الفسى ، ومع جهوده التى عرفناها
من بعد ذلك . ولقد يكفينا فى هذا تعرف واحد أو اثنين فى بيان حياة
الإمام ، فإنه ليكفينا فى دراسة أبى حنيفة أن نعرف حماداً شيخه، وإبراهيم
النخعى الذى نقل حماد علمه، كما أنه يكفينا فى تعرف حياة الشافعى، أن
نعرف مالكا الذى وجهه التوجي الفقهى، ومن تلقى عليهم من أهل الحديث
فى مكة مثل سفيان بن عيينة ، وهكذا .
٩٨ -- وكذلك نحن فى دراسة أحمد يكفينا أن نعرف من الذى
نمى فيه ذلك النزوع إلى السنة ، ثم من الذى وجهه مع السنة إلى الفقه، وإنه
ليبرزلنا فى ذلك شخصيتان لهما بالغ الأثر فى توجيهه إلى السنة ، وفى توجيهه
إلى الفقه، وأن الأولى الأثر البليغ، حتى لوفت الثانى بلونها ، واختلط على
الناس أن له فقهاً ، أو إن علمه كله سنة لا فقه فيه .
أما الشخصية الأولى فهى التى استقبلته ووجهته أو نمت نزوعه، وجعلت

- ١٠٦ -
منه طالب سنة د.وبا فى طلبها، يجوب لأجلها الأقطار ويقطع الفيا فى القفار
وهى شخصية هشيم بن بشير بن أبى خازم، فقد علمنا أنه عندما نزع إلى
الحديث واستخار اللّه، واختاره فى السادسة عشرة من عمره اتجه إلى
هشيم هذا ولزمه نحو أربع سنوات، وقبل خمساً تكون فيها، وكمل اتجاهه
اتجاها كاملا إلى السنة، وروى عن هشيم، وعن سائر محدثى بغداد طائفة ..
كبيرة من السنة ، ولكن هشيما كان أبرز الشخصيات أثراً فى حياته فى
مدى هذه السنوات الأربع، أو الخمس على اختلاف الروايات ، وهى
السن التى تكونت فيها النواة الأولى لعلمه فى الحديث .
٩٩ - وقد ولد هشم سنة ١٠٤ وتوفى سنة ١٨٣، وقد تلقى على
بعض النابعين كعمرو بن دينار ، والزهرى، وغيرهما، وكان ذاعناية بمعرفة
آثار ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم، وقد آ لت إليه حلقة أهل الحديث
ببغداد ، فعندما اتجه أحمد إلى الحديث، وجده شيخ هذه الحلقة ، وقد كان
ذا سمت حسن فى الإسلام، وذا هيبة وتأثير فى نفس أحمد رضى الله عنه ،
حتى أنه ما كان يسأله قط هيبة له وإجلالا لعلمه ، وما سأله مدة ملازمته له
إلا مرة أو مرتين ، وقد كان يسبح بحمد الله بين رواية حديث ورواية
آخر ، ويقول لا إله إلا الله يمد بها صوته ، وكأنه يذكر جلال الله سبحانه
وتعالى لتمتلىء بذكر الله نفسه، فيستشعر تقواه عند رواية حديث رسوله،
ونقل أصول دينه .
وحياة مشيم هذا كانت انصرافاً إلى العلم بحملته ، جاهد فى سبيله، حتى
شق الطريق لنفسه، وكأن أحمد ما أخذ منه علم الحديث فقط ، بل تلقى عنه
الجهاد فى طلبه ، وتحمل المشقة فى سبيله .
كان هشيم بخارى الأصل ، وقد أقام أبوه فى واسط ويروى أنه كان
طباخ الحجاج بن يوسف ، ولما انتقلت أسرته إلى بغداد ، كان يصطنع

- ١٠٧ -
هذه الصناعة ، وقد اشتهر بإعداد بعض أنواع أطعمة السمك ، وإجادته ،
فلما نزع ابنه منزع العلم لم يكن ذلك مألوفاً فى أسرته ؛ بل كان غريباً عليها ،
فكان ينهاه عنه ، ويلومه عليه، ولكن ابنه كان يتحمل اللوم صابراً ،
ويطلب الحديث مجاهداً ، وكان يحضر مجالس أبى شيبة القاضى ، ويناظره
فى الفقه ، وقد حدث أن مرض مرة ، فتفقده أبو شيبة ، فقيل له إنه عليل ،
فقال قوموا بنا، حتى نعوده. فقام أهل المجلس جميعا يعودونه اتباعا للقاضى،
حتى جاءوا إلى منزل بشير الطباخ، وأخبر بذلك فلما خرج القاضى وصحبه،
قال بشير لابنه هشيم: ((يا بنى قد كنت أمنعك من طلب الحديث ، فأما اليوم
فلا ، صار القاضى يجىء إلى بابى !! متى أملت أنا هذا،(١).
انصرف هشيم بعد ذلك إلى طلب الحديث ، ورحل الرحلات المختلفة فى
طلبه فرحل إلى مكة ، وفيها التقى بالزهرى ، وأخذ منه نحواً من مائة حديث،
وقيل ثلاثمائة، ورحل إلى البصرة ، وإلى الكوفة، وإلى غيرهما من الأمصار
طلباً للحديث ، وأخذاً من رجاله ، واستمر على ذلك دائباً لا بنی حتى صار
له شأن فيه أى شأن ، ثم صارت له الرياسة فيه فى بغداد ، فكانت له حلقته،
وإن كان له منافسون مثل وكيع ، فقد نفس هذا عليه تلك المنزلة ، وجهد
أن يسقطه، بل أن يدلسه، ولكن سمعته العلمية، وأمانته كانت فوق هذا
المنال ، وحسبك أن تعلم أن من رواته مثل مالك بن أنس ، ولقد قال فيه
حماد بن زيد ما رأيت فى المحدثين أنبل من هشيم ، وكان بعض المحدثين ذوى
القدم الثابتة يفضله على إمام الحديث سفيان الثورى ، ولقد أثنى عليه مالك
ابن أنس رضى الله عنه ونفى أن يكون بالعراق عالم بالحديث سواه ، فقال :
((وهل بالعراق أحد يحسن أن يحدث إلا ذلك الواسطى (يعنى هشيما)، (٢).
١٠٠ - وإذا كان لاشم هذه المنزلة فى الحديث ، وعند جمهور المحدثين
(١) تاريخ بغداد جـ ١٤ ص٨٧
(٢) تاريخ بغداد جـ١٤ س٩٢
١

- ١٠٨ -
فى عصره ، حتى يرضى مالك بالرواية عنه، فإن أحمد كان موفقاً إذ اتجه إليه
فى نشأته ، فقد جلس إلى إمام الحديث فى عصره، والتزمه ، وقد وكان كما قلنا
ذا تأثير شديد فى نفس أحمد رضى الله عنه، حتى كان يحفظ كل ما يلقيه عليه
حفظاً، فإنه يروى أنه قال رضى الله عنه: ((حفظت كل شىء سمعته من
هشيم ، وهشيم حى، قبل موته » .
ولا شك أن هذا الحفظ ، وإن كان أساسه قوة الحافظة والعناية عند
أحمد ليدل أيضاً على عظيم منزلة هشيم فى نفسه، وأنها كانت المنزلة العالية التى
جعلته ينصرف بكل جهوده إلى الحديث . والسنة والفقه .
١٠١ - ويظهر أن أحمد قد تلقى على هشيم حديثاً كثيراً وفقهاً قليلا،
. ولذلك كان لابد أن يسد ذلك النقص بشخصية أخرى ذات قوة تسد ذلك
النقص ، وقد وجدت تلك الشخصية فى الشافعى رضى الله عنه، وقد اتصل
به أحمد عقب وفاة هشيم. عندما ذهب يحج بيت الله الحرام ، فالتقى بالشافعى،
وأثار إعجابه وكان إعجابه بعقله الفقهى، وقوة استنباطه ، والضوابط
والمقاييس التى جعلها أصول الاستنباط فقد كان ذلك اللقاء فى الزمن الذى
كان فيه الشافعى يلقى دروسه بالمسجد الحرام، وهو يفكر فى وضع أصول
الاستنباط عقب أن عاد إلى مكة ، بعد مدارسة محمد بن الحسن فقه الرأى
ببغداد ولقد صرح أحمد حين استمع إليه بأن إعجابه بعقله الفقهى لابروايته،
وصرح بذلك لصاحبه إسحق بن راهويه، فقد قال له كما نقلنا فى صدر
حياته : يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل ، فإنه مارأت عيناى مثله .
فهو قد أعجب بعقل الشافعى وتفكيرهالفقهى، ولذا كان يقول فيه كماذ کرنا
من قبل يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله عز وجل يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها - فكان عمر
ابن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعى على رأس المائة)).
وإذا كان إعجابه منصباً على أخص ما امتاز به الشافعي، وهو التفكير

- ١٠٩ -
الفقهى والضبط العقلى ، ووضع أصول الاستنباط ، فهو يعد الموجه الثانى
لأحمد بن حنبل رضى الله عنه وجه هشيم فى صدر حياته إلى الحديث،
وطلب السنة ، واستخراج الفقه من بين ثناياها على أن تكون هى المقصد
الأسمى ، ووجهه الشافعى إلى أصول الاستنباط، فتوجه أحمد إلى اليفيوعين،
وإن كان طلب السنة أغلب ، والعمل الفقهى أقل بالإضافة إلى الأول ،
وإن لم يكن هو فى ذاته قدراً قليلا، بل كان حظاً كبيراً.
١٠٢ - لم يكن اختصاصنا بالذكر لهذين الشيخين الجليلين من شيوخ
أحمد ليغض من قدر ما تلقاه من غيرهما ، فإنه قد تلق عن غيرهم الكثير من
السنن والآثار، وكان يرحل إلى بعضهم الرحلات المختلفة ، وكل له فضل فى
· القدر الذى وصل إليه أحمد من العلم، وإن كانت المقادير متفاوتة متنوعة
الإسناد والروايات ، وإنما خصصنا هذين الإمامين بالذكر، لأنا نحسب
أن لهما فضل التوجيه، لافضل التكوين، وإنما التكوين كان فى حرصه
على الناقى ، ومقدار ما تلقى، ونوعه، وقد تلقى كثيراً ، وعن كثيرين
لا يحصيهم العدد، وقد شرحنا فى أثناء سرد حياته كيف كانت هجرته فى طلب
العلم، ومن هاجر إلهم، وفيما ذكرنا هناك ما يغنى عن الذكر هنا .
٣ - دراسات أحمد الخاصة
١٠٣ - وإذا كنا قد قصرنا عدد الموجهين لأحمد على اثنين من العلماء،
وذلك لأن أحمد كان موجهه الأكبر من نفسه، ونزوعه، وميولها، ونمتها
الدراسات الشخصية المختلفة ، ونوع الحياة الذى اختاره، واكتفاؤه من
المال بالقليل ، وعدم اتجاهه إلى مطمح ما تطمح إليه نفوس الرجال وتر نو
إليه أنظارهم ، فكانت حياته كلها للحديث وفقه السنة.
لقد طلب الحديث والسنة ، وكان كلما أوغل فى الطلب اشتدت الرغبة،

- ١١٠ -
كمن يذوق طعاماً فيستطيبه، إذ الرغبة بعد الذوق تشتد، بيد أن نهمة العلم
لاتشبعها كثرة، ونهمة الطعام يشبعها القليل، لأن الأولى معنوية، والمعانى
لا تتخم ، والثانية مادية ، وقليل المادة يتخم .
ولقد كان أحمد يجهد فى دراساته بين الأمصار ، وقد ذكرنا فى صدر
حياته كيف كان كثير الانتقال إلى الأمصار، والجوب فى القفار ، ومحبرته
فى رحاله، وهو يقول بلسان المقال كما يقول بلسان الحال: ((مع المحبرة إلى
المقبرة))، ولا يمتنع - وهو الكهل الذى يعده الناس إماماً - على أن يعمل فى
طلب العلم ما يعمله الشباب الذى يستقبل العلم ، وكان يقول وهو الإمام
الحجة المقتدى به . أنا أطلب العلم إلى القبر .
١٠٤ - والسؤال الذى يحول بالنفس: أكان أحمد فى هذا الجهاد
العلمى ، وفى هذه الأخلاق ليس له مثال سابق يسلك سبيله؟ لا شك أن نزوع
أحمد فى صدر حياته ، وتوجيه شيخه هشيم ، ثم توجيه الشافعى ، وغيره
كسفيان بن عيينة إمام الحديث فى مكة وعبد الرازق إمام الحديث فى اليمن ،
لاشك أن هذا كله مع تذوقه للسنة وفقها كان من أشد المرغبات له ؛
ولكن العالم فى بحوثه، والتقى فى ورعه، والصابر فى بلائه لابد أن يكون
له رجل من الماضين اتخذ مثل منهاجه وبينهما من المشاكلة النفسية ما يجعل
منهاجه يسرى إلى نفسه؛ ويجرى منها مجرى الدم فى العروق .
وليس من الصعب أن نعثر على بعض تلك الشخصيات الإسلامية التى
كانت بينها وبين أحمد مشاكلة نفسية جعلته يسلك مسالكهم وربما كان مداه
فى سلوكه أوسع من مداهم ، وإن تلك المشاكلة جعلتهم قريبين من نفسه ،
فتتبع مروياتهم، وكان بها عليما.
فلقد وجدنا فى تراجمهأن عبد الرحمن بن مهدی کان يقولعن أحمد رضى

- ١١١ -
الله عنه.(هذا أعلم الناس بحديث سفيان الثورى)) (١). ثم وجدنا إبراهيم
ابن إسحاق الحزبى يجعل بعد الصحابة سلسة من التابعين وتابعيهم حفظوا
السنة ، فقال فى هذه السلسلة (( سعيد بن المسيب فى زمانه ، وسفيان الثورى
فى زمانه، وأحمد بن حنبل فى زمانه، (٢) فسفيان يعد وسط السلسلة وأحمد
نها يتها، وإن أحمد لم يلتق بسفيان، ولم يلتق عنه مباشرة بل تلقى علمه عن
طريق تلاميذه، وعلم رواياته عن طريق من أخذوها عنه ، ولكن المشاكلة
النفسية بينهما قرتهما فى سلسلة واحدة .
وهناك شخصية أخرى تقارب وتتشابه مع أحمد ، وهى شخصية
عبدالله بن المبارك رضى الله عنه)، فلقد قال فى ذلك أحمد بن الحسن الترمذى:
((ما شبهت أحمد بن حنبل إلا ابن المبارك فى سمعته وهيبته، (٢).
١٠٥ - وإذا كان الرواة المعاصرون الذين عاصروا الرجال الثلاثة
قد عقدوا تلك الصلة الرابطة بين أحمد وهذين الإمامين الجليلين، وأحمد
قد أدرك عصرهما فقدمات ثانيهما ، وهو يافع أخذ أهبته لطلب الحديث؛
ونال منه بعضاً فى مجلس هشيم وأخبار العلية من العلماء تصل إلى الشباب من
الطلاب ، وتودع نفوسهم محملة بخيال رائع يثير تفكيرهم ، ويجعلهم
يسعون إليهم ، ورب شاب جذبه إلى علم معين سمعة العالم فيه، وما يثيره
خيال الشاب نحوها .
ولقد وجدنا أحمد عندما ابتدأ يدرس تتطلع نفسه إلى لقاء ثانى الإمامين،
ولكن المنية عاجلته ، فلم يتمكن من لقائه ، ولذلك جاء فى المناقب لابن
الجوزى أن أحمد بن حنبل قال: «طلبت العلم، وأنا ابن ست عشرة سنة،
(١) حلية الأولياء - ٩ ص ١٦٤
(٢) حلية الأولياء س ٦٦
(٣: مقدمة المسند ص ٦٦ طبع المعارف.

- ١١٢ -
وأول سماعى من هشيم، سنة تسع وسبعين ومائة ، وكان ابن المبارك قدم فى
هذه السنة وهى آخر قدمة قدمها، وذهبت إلى مجلسه، فقالوا : قد خرج
إلى طرسوس، وتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة (١).
١٠٦ - ولذلك وجب علينا أن فلم إلمامة موجزة بحياة هذين الإمامين
لنعرف وجه المشاكلة بينهما وبين أحمد وإن أحمد اتخذهما أستاذين له من
سيرتهما، ومرويانهما وكان يتلاقى معهما فى أكثر ما اختط لنفسه من
سلوك فى هذه الحياة .
أما أولهما فهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى، وهو فقيه محدث
كان بالكوفة، وعاصر أبا حنيفة ، وكان الفقه يغلب على أبى حنيفة بأقيته
واستحسانه ، والحديث والسنة يغلبان على سفيان باتباعه واقتدائه ووقوفه
عند المنقول لا يعدوه ، وقد اشترك مع أبى حنيفة فى مجافاة ذوى السلطان ،
والابتعاد عن تولى القضاء ، وإذا كان لأبى حنيفة بعض التشيع على نحو
ما بينا فى حياته، فقد كان سفيان خالياً من ذلك تماماً على محبة لعلى، ولكن
وضعه فى منزلته من الزمان ، ولقد عرف أنه كان فى الشام يذكر مناقب على
حيث لا شيعة له، وفى العراق يذكر عثمان حيث لا ناصر له ، ويذكر مناقب
عمر وأبى بكر بالكوفة ، ويذكر مناقب على عند الناصبية الذين ناصيوه
العداء هو وذريته رضى الله عنهم.
ولقد وجدنا سيفان يعيش من ميراث له آل إليه من عم له كان يقيم
بخارى؛ فناله حلالا ، عف به عن طلب المال فى ذلة ؛ وعن قبول هدايا
الخلفاء جملة ، ولعل أحمد كان يحاكيه فى الاكتفاء بأكل غلات ماله
الموروث وإن كان ماورثه أحمد قليلا ، وماورثه سفيان لم يكن قليلا . بل
كان كثيراً فيما يبدو من مجموع أخباره .
(١) المناقب ص ٢٥

- ١١٣-
ولقد كان غليظ القول مع الخلفاء، لايخشى فى الله لومة لائم ، ١١ قى
بأبى جعفر المنصور فى المسجد الحرام ، فأخذ أبو جعفر بتلبابه ، وواجه
الكعبة، وقال له برب هذه البنية ، أى رجل رأيتنى؟ فقال ، برب هذه البنية
بئس الرجل رأيتك .
ولقد طلبه للقضاء فتحامق حتى لا يوليه لحمقه، ثم فر هاربا، واستمر
فى هروبه حتى تولى المهدى ، ولم تكن حاله معه خيراً من حاله مع أبيه،
كان يفاجئه بكلمة الحق المرة، فى وقت قد استساغ فيه كلمات الثناء
واستمرأها، لقيه فى الحج فقال له، ((حج عمر بن الخطاب فأنفق فى حجته
ستة عشر ديناراً وأنت حججت، فأنفقت فى حجتك بيوت المال، (١).
ولقد غضب عليه المهدى كما غضب أبوه من قبل ، ففر هاربا من وجهه،
حتى مات غريباً رحمه الله ورضى عنه ، ومات سنة ١٦١هـ، فقد مات قبل
أن یولد أحمد رضی الله عنه بثلاثسنوات، ولکنه كان أستاذه بسير ته ،
وحديثه، كما علمنا. وإن خلال أحمد قد رأيناها فى سفيان قبله ، فرأينا
سفيان ينتقل فى طلب الحديث بين العراق والشام، والحجاز واليمن ، حتى
يقول له القائل ((إن السباع مأوى تأوى إليه وأنت لا مأوى لكة".
وكان يؤثر الخمول والعزلة على الشهرة، كما رأينا أحمد من بعده، وهو
يؤثر الابتعاد عن الخلفاء على القرب منهم ، وإن رسالته إلى بعض أصحابه
ناطقة بهذا ، وها هى ذى .
إنك فى زمان كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذون أن يدركوه
ولهم من القدم ما ليس لنا ، فكيف بنا حين أدركناه على قلة على وقلة صبر ،
وقلة أعوان على الخير، وفساد من الناس ، وكدر من الدنيا؛ فعليك بالأمر
(١) تاريخ بغداد =٩ ص١٦٠
(م ٨ - ابن حنبل)

- ١١٤ -
الأول، والتمسك به، وعليك بالخمول، فإن هذا زمن خمول ، وعليك
بالعزلة، وقلة مخالطة الناس ، فقد كان الناس إذا التقوا ينتفع بعضهم ببعض،
فأما اليوم فقد ذهب ذاك، والنجاة فى تركهم فيما نرى، وإياك والأمراء
أن تدفو منهم وتخالطهم فى شىء من الأشياء، وإياك أن تخدع ، فيقال لك
تشفع، وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإن ذلك خديمة إبليس وإنما
اتخذها بخار القراء سلماً، وكان يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل، والعالم
الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وما لقيت من المسألة والفتيا فاغتنم ذلك
ولا تنافسهم فيه وإياك أن تكون كمن يحب أن يعمل بقوله ، أو ينشر قوله أو
يسمع من قوله، فإذا ترك منه ذاك عرف فيه، وإياك وحب الرياسة ، فإن
الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة ، (١).
وهكذا ترى سفيان يدعو إلى الخمول والعزلة، وترك الرياسة؛ وهذا
ما أخذ أحمد به نفسه ، وكأنه كان يجيب دعوة ذلك الامام الجليل .
ولقد علمت أن أحمد كان كثير الصمت لا يمزح قط ، وكأنه فى هذا
كان يجيب دعوة سفيان إذ يقول: «تعلموا العلم فإذا علمتموه فاكظموا عليه
ولا تخلطوه بضحك ولا لعب، فتمجه القلوب، (٢).
وهكذا نرى أخلاق أحمد وسمته ؛ وسلوكه هى أخلاق ذلك الإمام
الجليل ، ولذلك فعده من أساتذته مع تباعد الزمان وعدم اللقاء ، فأحمد لم
يكن حافظالحديثه فقط بل اتخذ منه أستاذاً وإماماً، ولذلك كان يقول رضى
الله عنه عن سفيان , لا يتقدمه فى قلى أحد ، ويصفه وحده بالإمام .
فيقول لبعض أصحابه : ندرى من الإمام؟ الإمام هوسفيان الثورى، (٣)
وهذا صريح فى أنه قد اتخذ من علمه وسيرته أستاذاً له، وإماما يقتفى
(١) حلية الأولياء =٦ س٣٧٧
(٢) حلية الأولياء -٦ ٢٦٨
(٣). تاريخ ابن كثير الجزء العاشر ص١٣٤

- ١١٥ -
طريقه، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها انتلف، وما تناكر منها اختلف
والائتلاف قد يكون من غير تلاق ، وقد يغنى الكتاب عن الخطاب.
١٠٧ - هذا هو سفيان الثورى الذى لم يلقه أحمد . وتتلذ له .
أما الثانى وهو عبد الله بن المبارك، فقد حاول أن يلقاه ولكنهمات سنة
١٨١ ه قبل أن يتمكن أحمد من التلقى عليه، وقد سلك هو الآخر مسلك
سفيان الثورى واقبع طريقه ، وكان أشد الناس استمساكا بمناهجه ونزوعه
إلى الورع .
وابن المبارك هذا الذى رغب أحمد فى لقائه مسالكه مسالك أحمد فى
الورع والأخلاق ، والابتعاد عن السلطان والجاه ولكنه كان كثير المال
موفور الرزق راغد العيش، كثير العطاء والنفقة، فإذا رأينا أخلاق أحمد
كاملة ورأينافيها قدرة الفقير الصابر فابن مبارك كانت فيه هذه الأخلاق ،
ولكن معها حمد الغنى الشاكر، وكلاهما كان الفقير يعتز فى مجلسه،
ولا يكون أعز منه فى المجلس، فالنقسان متشا كلتان فى المعدن والجوهر
وإن اختلفتا فى الغنى والفقر والمظهر .
وكان ابن المبارك يجمع إلى جلال العلم، فضل المجاهد الغازى ، فرو
العالم الذى استبحر من الفقه والحديث، وهو المجاهد الذى غزا، ونشر
الإسلام، وكان كثير الحج، وحيثما سار دار الدر الوفير؛ وكان يؤثر على
نفسه ذا الحاجة .
ويروى فى ذلك أنه مر وهو فى طريقه إلى الحج بمز بلة قوم ، فرأى فتاة
تأخذ طائراً ميتاً وتلفه، فسألها عن أمرها، فقالت أنا وأخى هنا ليس لنا
شىء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلق على هذه المزبلة ، وقد
حلت لنا الميتة منذ ثلاثة أيام ، وكان أبو نا له مال، فظلم وأخذ ماله، وقتل
فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة ؟ قال: ألف

- ١١٩ -
دينار، فقال. عد منها عشرين تكفينا إلى مرو وأعطها الباقى، فهذا أفضل
من حجنا هذا العام ثم رجع (١))).
وكان رحمه الله بطعم الطعام الأمثل الجيد وهو صائم، ويكتفى من
الدنيا بالقليل فكان ماله للفقراء، ويعين به المحتاجين من طلاب العلم ،
كانت غلته فى العام مائة ألف فكان ينفقها كلها على العباد، وأهل العلم ،
وأهل الفاقة ، وربما امتدت يده إلى رأس المال ، وهو فوق هذا لا يترف
نفسه ، حتى لا يبطر معيشته، فيفسد دينه، ولقد عده كثيرون من العلماء إمام
الورع والحديث ، والفقه ، الذى خلف سفيان الثورى. فقد سئل المعتمر
ابن سلمان: من فقيه العرب؟ فقال سفيان الثورى ، ثم سئل: من فقيه العرب
بعد سفيان؟ قال عبد الله بن المبارك.
وكانت عنايته بعلم الآثار والسنن بالغة، فقد كان يقضى الليل فى الاطلاع
عليها وقد قيل له: إذا صليت لم لاتجلس معنا؟ قال أذهب مع الصحابة والتابعين،.
فقيل له، ومن أبن الصحابة والتابعون ، قال أذهب فأنظر فى على، فأدرك.
آثارهم وأعمالهم، فما أصنع معكم !! أنتم تغتابون الناس)).
وكان وهو الرجل الذى رزقة اللّه رزقاً حسناً، يحذر الناس من حب الدنيا،
ويقول: حب الدنيا فى القلب ، والذنوب احتوشته، فمتى يصل الخبر إليه !!
ويرى أن الزهد سلطان دونه سلطان الملوك، لأن الزاهد لايحتاج إلا
إلى الله، الملوك لا يستغنون عن الناس، ولذلك سئل من الناس؟ فقال العدماء،
ومن الملوك ، فقال الزهاد ، ومن السفلة ؟ فقال الذين يعيشون بدينهم.
هذا هو ابن المبارك الذى حاول أحمد لقاءه، والأخذ عنه، فلم تواته
الأحوال ولم تمكنه السن، وهذا الذى كان يشبه به أحمد ، كما بينا فى صدر
((١) تاريخ ابن كثير.

- ١١٧ -
كلامنا ، وقد رأيت أن أحمد قد وجد فيه السجايا التى اشتهر بها أحمد من
بعده، فالجود والزهد والعيش بالقليل ، والابتعاد عن الملوك، وعدم جعل
الذين سبيلا للرزق، وعدم الدنية فى الدين، كل هذه كانت فى أحمد بمنزلة
السجابا، وهى فى ابن المبارك كذلك، فهو أستاذه وإن لم يلقه،
١٠٨ - ونحن إذ نذكر هؤلاء الذين لم يلقهم، لا نغمط حق الذين التى
بهم، لأنهم كانوا من الزهادة والورع والعناية بالسنة، والابتعاد عن البدع
ما جعلهم أسوة لأحمد، وقد سنوا له الطريق؛ وهم نقلة علم أولئك الذين غابوا
عنه، ولم يرهم، ولم يلتق بهم، فسفيان بن عيينة، وأبو بكر بن عياش،
ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن محمد ، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم
كثير ، كل هؤلاء كانوا أساتذة لأحمد، وكان لهم فضل من الورع والتقى،
وكل أنار له السبيل .
ولكن ذكرنا سفيان الثورى وصاحبه، لأن الإمام أحمد قد كان
يشبه فی أخلاقه بهما ، ولأنه کان کما تدل أقواله وسيرته وروايته يميل كل
الميل إليهما ، فلابد أنه اتخذ منهما مثالا عالياً، استقام على منهاجة، وبينه
وبينهما من المشاكلة النفسية ، ما تجعل عليهما وخلقهما يسريان إليه، والتأثر
بالمثل العالية لا يقل عن التأثر بالموقف ، بل يزيد، لأنه يوجد الميل
والنزوع ، والاتجاه دائماً.
٤ - عصر أحمد وتأثيره فيه
١٠٩ - كانت حياة أحمد رضى الله عنه فى العصر الذى نضجت فيه
كل عناصر العصر العباسى، فقد نضج فيه كل شىء وآتى أكله ، وسواء
أ كان حلواً، أم كان مراً ، وسواء أكان مريئاً، أم كان وبيئاً، فقد
تضج الشىء بخواصه ، على أى حال كانت هذه الخواص .

- ١١٨ -
فمن الناحية السياسية استقرت الأمور للدولة العباسية ، ولم ينازعها
منازع ذو قوة يحسب حسابها ، فالخوارج قد فلت شوكتهم، ولم يعد لهم
فى هذه الدولة شأن ، والعلويون من بعد الرشيد لم تكن لهم قوة يصاولون
بها بنى عمهم وينازلون، فلم تخرج منهم خارجة لا يتغلب عليها بغير عناء.
ولكن إذا كانت الدولة قد استعصمت على الخارجين عليها من غيرها،
سواء أ كانوا من الأقربين لها، أم كانوا من غيرهم، فقد ابتدأ التنافس
والتنازع بين أعضائها ، وكانت ولاية العهد من مظاهر ذلك، إذ يحاول الخليفة
أن ينقض عهد من سبقه، وكانت الفتنة بين الأمين والمأمون أولى هذه المظاهر،
وقد انتهت بقتل الأمين، وغلبة المأمون، ولكنها نهاية لم تكن محمودة
المغبة فى كل نواحيها، بل كانت سيئة المغبة فى أظهرها، ذلك أن المأمون
انتصر بسيوف بنى فارس، إذ كانت المعركة بين الأمين والمأمون معركة
بين الجيش الفارسى والجيش العربى، فلما انهزم الأمين كان انهزامه هزيمة
للعرب، لم تعل لهم كلمة فى الحكم العباسى.
١١٠ - وقد استقرت الأمور استقراراً تاماً بعد ذلك، فانصرف
المأمون إلى الجهاد، ومن بعده المعتصم والواثق ، وصار للدولة الإسلامية
قوة مرهوبة ، ولكنها فى ذات نفسها تحمل عوامل ضعفها ، فإن أولئك
الخلفاء اعتمدوا فى سلطانهم على الأعاجم ، فاعتمد المأمون أولا على الفرس،
واعتمد المعتصم من بعده على الترك ، فاصطنع منهم قوته ، واتخذهم عدته
فى الحروب ، ثم كانوا من بعد ذلك عوامل الضعف فى الدولة ، فقتلوا
الخلفاء ، واستباحوا حماهم، واستبدوا بالأمر دونهم ، بل استبدوا بهم
استبداداً شديداً ، وهتكوا كل حريمة دينية كانت تحصنهم أو تحميهم ،
فانقسمت الدولة الإسلامية من بعد ذلك دولا ، وتوزعت أوزاءاً ، ولم
تجمعها جامعة سياسية من بعد .

- ١١٩
١١١ - وإذا كانت هذه مظاهر السياسة، ونضجها فى الغاية التى تأدت
إليها ، وابتدأت بغرسها، وأنتهت بشعراته، وقد أدرك أحمد بعضه، وعاينه
وهو العربى الشيبانى الذى كان جده من المجاهدين فى إنشاء هذه الدولة ،
والذى كان أبوه محارباً. ولكنه لم يعش حتى يرى ذل العرب ؛ فلم تكن
تلك الحال هى التى ترضى أحمد، ولم تكن مظاهر سخطه عليها حرباً يعلنها
فلم يكن من رجال السيف ، ولاتكوين طائفة يحرضها؛ فلم يرتض أن يكون
مقوضاً لبنيان الدولة الإسلامية ، إذ أن كل تحريض على فتنة يفك من عرا
الدولة عروة، ولم تكن مظاهر غضبه نقداً لخلفائها وولاتها، ولو ما لمناصربها
ومؤيديها، فلم يكن من دأبه التجريح والتأنيب، بل كانت مظاهر غضبه مما
يتفق مع سمته وأدبه ، وهو ألا يتصل بها وأن ينصرف إلى العلم، وأن
يقطع نفسه عن السياسة وما ينبعث منها .
١١٢ - وكان مسلك أحمد هذا وسطاً بين مسلك إمامين سبقاه، هما
مالك رضى الله عنه، والآخر أبو حنيفة ، فأبو حنيفة نقدهم فى درسه، وببط
الناس عنهم فى بعض عبارات جاءت فى أثناء فتاويه، وحرض الناس على
معاونة الخارجين من بنى على فى بعض عبارات وردت أيضاً فى فتاويه ، فهو
لم يسكت عنهم . ولم يعلن الخروج عليهم إعلاناً صريحاً، ويدعو إلى ذلك
فى عبارات يسوقها لذلك ؛ بل كان يلوم ، ويثبط ، ويحرض فى عبارات
تجى. فى سياق كلامه، وإن كانت تدل فى الجملة على أنه لا يرى الخروج عليهم
بغياً، ولا يشارك الخارجين فعلا، ومالك كان لايرى جواز الخروج ،
ولايحرض عليه، ويوالى هؤلاء الولاة رجاء إصلاحهم ، وحملهم على
رفع المظالم ، وأن يردهم عن إساءة لمحسن .
أما أحمد فقد كان بين ذلك قواماً، لم يدع إلى فتنة ، ولم يحرض عليهم،
ولم يتعرض لهم تصريحاً، ولا تلويحاً بقول ناقد، ولم يوالهم مع ذلك ، ولم

- ١٢٠ -
يقبل عطاء، بل كان الزاهد فى مالهم، الراغب عن عطائهم ، المنصرف للعلم
اقضرافاً عاماً.من:
١١٣ - ولقد قارن ذلك الغلب الفارسى، أو بعبارة أدق قارن حكم
المأمون أن صار التغلب فى النفوذ العلمى وفى الحكم لطائفة هى المعتزلة ،
كان يرى أحمد مسلكها فى الاستدلال على العقائد انحرافاً عن منهاج السلف
الصالح، وانصرافاً عن السنة ، وما كان ذلك هو العلم المنشود، أو الطلبة التى
يتجه إليها طالب العلم والحقيقة، وقد زاده ذلك أنصرافاً عن الخلفاء والأمراء،
ولكنه لم يصمت بجوار مارآه بدعاً من المعتزلة ، بل كان ينهى الناس عن
مجالستهم، والمجادلة معهم، والأخذ بطريقتهم ، ويعد من يخوض معهم فى
حديث قد أدلى بدلوه معهم، وفتح على نفسه باب البدع ، تدخل عليه من
غير حساب .
"" ولسنا نترك شأن المعتزلة مع أحمد من غير أن نشير بكلمة تبين كيف
تخالفت مناهجهم الفكرية ومناهج أحمد، مما ترتب عليه ما كان بينه.
ویینھم من خلاف،
١١٤ - لقد كان وجود المعتزلة أمراً لابد منه فى العصر العباسى،
وجد فى هذا العصر زنادقة يعلنون آراء مفسدة للجماعة الإسلامية ،
ويتناجون بينهم بأمور هادمة للإسلام ؛ ويدبرون الأمر كيداً لأهله
وتهويناً لشأنه، ومنهم من كانوا يريدون قض الحكم الإسلامى؛ وإحياء
الحكم الفارسى ، كما حدث من المقنع الخراسانى الذى خرج على الدولة
العباسية فى عهد المهدى ، ولذلك جرد الخلفاء السيف للقضاء على الزنادقة
وشجعوا العلماء الذين يردون أقوالهم الهادمة، وقد تصدوا لأولئك المعتزلة
وناؤلؤهم بالحجج الدامعة، فقربهم الخلفاء منهم وأدنوا مجالسهم، وقتحوالهم
أبواب قمورهم فى عهد المنصور، وعهد المهدى، ثم فى عهد المأمون والمعتصم