Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٩١ ٠
شاء الله. وكذلك إبراهيم بن المهدى، فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشراً، فإنه
كان يقول بقوله، وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ، فإن قال إن القرآن
مخلوق، فاشهر أمره، واكشفه، وإلا فاضرب عنقه ، وابعث إلى أمير
المؤمنين برأسه ، إن شاء الله .
وأما على بن أ، مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك
تحلل وتحرم والمتكلم له بمثل ما كلمته به ، ما لم يذهب عنه ذكره.
وأما الذيال بن الهيثم ، فأعلمه أنه كان فى الطعام الذى كان يسرقه فى
الأنبار، وفما يستولى عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبى العباس ما يشغله
وأنه لو كان مقتفياً آثار سلفه، وسالكا مناهجهم ومحتذياً سبيلهم، لماخرج
إلى الشرك بعد إيمانه . وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبى العوام، وقوله
إنه لايحسن الجواب فى القرآن ، فأعلمه أنه صى فى عقله ، لا فى سنه ،
جاهل وإنه إن كان لا يحسن الجواب فى القرآن فسيحسنه إذا أخذه
التأديب، ثم إن لم يفعل ، كان السيف من وراء ذلك ، إن شاء الله .
وأما أحمد بن حنبل : وما تكتب عنه ، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد
عرف حوى تلك المقالة ، وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها .
وأما الفضل بن غانم فأعمله أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه
بمصر ، وما اكتسب من الأموال فى أقل من سنة، وما شجر بينه وبين
المطلب ن عبد الله فى ذلك ، فإنه من كان شأنه شأنه ، وكانت رغبته فى الدينار
والدرهم رغبته. فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما ، وإيثاراً لعاجل
نفعهما ، وإنه مع ذلك القائل لعلى بن هشام ما قال ، والمخالف له فما خالفه
فيه ، فما الذى حال به عن ذلك، ونقله إلى غيره. وأما الزيادى ، فأعلمه
أنه كان منتحلا لأول دعى كان فى الإسلام، خولف فيه حكم رسول الله
١

- ٩٢ ٠
صلى الله عليه وسلم، وكان جديراً أن يسلك مسكله، فأنكر أبو حسان
أن يكون مولى لزياد أو يكون مولى لأحد من الناس، وذكر أنه إنما نسب
إلى زياد لأمر من الأمور .
وأما المعروف بأبى نصر النمار، فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله
بخساسة متجره. وأما الفضل بن الفرخان فأعله أنه حاول بالقول الذى
قاله فى القرآن أخذ الودائع التى أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره،
تربصاً بمن أستودعه وطمعاً فى الاستكثار لما صار فى يده ، ولا سبيل عليه
عن تقادم عهده، وتطاول الأيام به ، فقل لعبد الرحمن بن إسحاق
لاجزاك الله خيراً عن تقويتك مثل هذا، وانتمانك إياه، وهو معتقد
للشرك ، منسلخ من التوحيد .
وأما محمد بن حاتم ، وابن نوح، والمعروف بأبى معمر ، فأعلمهم أنهم
مشاغيل بأكل الربا، عن الوقوف عن التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم
يستحل محاربتهم فى الله ومجاهدتهم، إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله فى
أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا، وصاروا
للنصارى مثلا .
وأما أحمد بن شجاع فأعله أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما
استخرجته من المال الذى كان استحله من مال على بن هشام، وأنه من
الدينار والدرهم دينه .
وأما سعدويه الواسطى فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث
والتزين به والحرص على طلب الرياسة فيه. أن يتمنى وقت المحنة فيقول
بالتقرب بها: متى يمتحن ، فيجلس للحديث. وأما المعروف بسجادة
وإنكاره أن يكون سمع من كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه،

٠- ٩٢ -
القول بأن القرآن مخلوق، فأعلمه أنه فى شغله بإعداد النوى. وحكة الإصلاح
سجادته ، وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد
وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبى يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه.
إن كان شاهدهما وجالسهما .
وأما القواريرى ففهما تكشف من أحواله، وقبوله. الرشاو المصانعات
ما أبان عن مذهبه، وسوء طريقته، وسخافة عقله ودينه ، وقد انتهى
إلى أمير المؤمنين أن يتولى جعفر بن عيسى الحسنى مسائلة ، فتقدم إلى
جعفر بن على فى رفضه، وترك الثقة به، والاستنامة إليه.
وأما يحيى بن عبد الرحمن العمرى . فإن كان من ولد عمر بن الخطاب
نجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فإنه لو كان مقتدياً
بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التى حكيت عنه، وإنه بعدصبى يحتاج إلى
تعليم وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأنى مسهر، بعد أن نصه
أمير المؤمنين عن محنته فى القرآن. جمجم عنها. ولجلج فيها حتى دعا له
أمير المؤمنين بالسيف . فأقر ذمما فانصصه عن إقراره . فإن كان مقيما عليه.
فاشهر فى ذلك وأظهره إن شاء الله ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت لأمير
المؤمنين فى كتابك . وذكره أمير المؤمنين لك . أو أمسك عن ذكره
فى كتابه هذا ولم يقل إن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد. وإبراهيم
ابن المهدى ، فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم
بحفظهم، وحراستهم فى طريقهم، حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين
ويسلمهم إلى من يؤمر بتسليمهم إليه، لينصهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا
ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله.

- ٩٤ -
وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا فى خريطة بندارية ، ولم ينظر به
اجتماع الكتب الخرائطية معجلا به ، تقرباً إلى الله عز وجل بما أصدر
من الحكم، ورجاء ما اعتمد ، وإدراك ما أمل؛ من جزيل ثواب الله عليه
فأنفذ لما أقاك من أمير المؤمنين ، وجل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك
فى خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط ، لتعرف أمير المؤمنين
ما يعملونه ، إن شاء الله. وكتب سنة ٢١٨ه.
× ٥٥ - هذه هى الكتب، وهل نترك المأمون، وصنيعه، وإلحاقه فى
الاختبار، ثم تدرجه من الامتحان إلى الإيذاء والإهانة ، ونقل العلماء فى
مهانة وذلة مغلولين مقيدين ، يثقلهم الحديد ، حتى يموت شهيداً فى
الطريق من يضعف جسمه عن الاحتمال، وبقى أحمد ؛ إذ فى جسمه قوة
وفى نفسه عزيمة ، وفى قلبه إيمان ، وفيه صبر وجلد ، ثم وصيته بعد ذلك
باستمرار الأذى - هل فتركه من غير أن نتعرف الحامل عليه، والباعث له
على أن يركب ذلك المركب الصعب، لا بد من تعرف سبب ذلك ، حتى نعذر
إليه ، ولقد أنصف التاريخ أحمد ، ورفعه إلى مرتبة الأبدال بل اندفع فى
المغالاة بعض مريديه ، جعلوه من القديسين ، وقال قائلهم: «لو كان فى بنى
إسرائيل لكان نبياً ).
٥٦ - ولنجد السبب الذى دفع المأمون مستوراً حتى نكشفه، ولا
مبهما حتى نبينه ، بل أن التاريخ ذكره والكتب التى نقلناها لك ،
والملابسات التى أحاطتها ولغة كتابها تدل على الباعث ، وعلى من حرضه ،
حتى تحمل كبر هذا الأذى .
إن المأمون قد استوزر أحمد بن أبی دؤاد المعتزلى، وجعلهكاتبه، وصاحب
السلطان فى دولته ، وكانت له منزلة فى نفسه، حتى أوصى أخاه من بعده
أن يجعله فى منصبه لا يبعده. والكتب التى كتبت واضح تماماً أنها بلغة أحمد

إساء
ابن أبي دؤاد، ففيها إسهاب وطول ، ولم يعرف أن الخلفاء إذا كتبوا
بأنفسهم يسهبون ذلك الإسهاب، وترى التعبير فيها دائماً عن الخليفة بلغة
الغائب، ولم يخطىء مرة ويكتبها بلغة المتكام . وفيها نزول إلى الطعن فى
فتاوى هذا واستحلال ذلك للربا. وكل هذا تجد مثل المأمون الحصيف مما
يتسامى عنه . وهل لنا أن نفرض أن هذه الكتب كتبت والمأمون
مريض قد تضعضعت نفسه. وأنه لهذا -وغ له ما كتب، وأنه لو كان فى
صمة وقوة ما سوغ أن يرسل باسمه كتاب يحوى طعناً فى هذا وكشفاً عن
سترغيره؛ إن ذلك لا يقع فيه أمثال المأمون الذين يتجهون إلى معالى الأمور.
ولا ينزلون إلى سفسافها . فلا يتدلى إلى ذكر ما جاء فى كتابه إذا كان يحرره
بنفسه أو يكون فى حال من القوة والعزم. ودراسة الأمور عند التوقيع
عليه إذا كان الكاتب غيره . لذلك نرجح أنه لم يطلع عليها عند إرسالها .
وإن علم مضمونها ، أو اطلع عليها فى حال ضعف لا يملك السيطرة الكافية
على أموره . وما يعرض عليه من شئون . ولذلك مات وشيكا من إرسال
هذه الكتب .
٥٧ - وإننا إذا علمنا أن المأمون قد رأى ذلك الرأى ، وهو خلق
القرآن منذ تولى الخلافة . بل قلبها. وكان يناقش فيه. ويدعو إليه فى مجلس
مناظراته ، من غير أن يكشف عن القلوب. ويمتحن القول . وينزل البلايا
فلماذا تحول ذلك التحول فى آخر حياته ؟ لماذا نقل المسألة إلى الابتلاء ؟
لاشك أنه أحمد بن أبى دؤاد كاتب هذه الكتب هو المحرض. ولا بد أنه
استغل حال ضعف نفسى فى المأمون، فهو قد كتب الكتب بتلك اللغة .
وحرص على كتابتها متضمنة ما تضمنت من ابتلاء واختبار .
إن العاقل يرد على سؤال يحيره لماذ لم يتخذ المأمون ما اتخذ وهو يبغداد،
والعلماء جميعاً حوله . ولم يدع إلى الامتحان ، إلا وهو غالب عن بغداد.
(٢ . - ابن حنبل)

بالكتب يرسلها ثم يكون ذلك قريباً من موته !! إنه سطان أحمد بن أبى
داؤد الكامل. قد اتخذ فيه اسم المأمون. ولم تكن إرادة المأمون فى
الأمر كاملة . ولم يكن له قوته الحازمة إذ أنه وهو فى قوته الجسمية كان
يناقش العلماء فى ذلك السنين الطوال ، ولم ينقل الأمر من المناقشة إلى
الأذى والامتحان ، ما دام قوياً ومادام فى بغداد ، إنه إذن أحمد بن أبى
دؤاد المسئول من كل الوجوه عن كبر هذا الأمر ، إن كان فيه إثم ، وتبعة
المأمون أنه جعل حاشيته ومعاونيه من أصحاب المذاهب التى لا يأخذ
بها الجمهور فى ذلك الوقت، ولكنه كان وهو فى قوته يجعل الأمر فى دائرة
الاعتدال لا يعدوه .
٥٨ - وإذا حملنا أحمد بن أبي دؤاد كبر هذا الأمر، فهل لنا أن
نحكم أن مسلك ابن أبي دؤاد كان شراً لاشىء من الخير فيه؟ وأن أحمد
ابن حنبل كان موقفه من كل الوجوه صواباً لا مجال للخطأ فيه ؟
إن هذه القضية قد تعددت فيها جهات النظر ، ولكل جهة حكم خاص
بها: فمن جهة التقوى والإيمان والعزيمة وقوة الصبر والاحتمال ليس لنا إلا
أن نقرر أن أحمد بن حنبل كان بطلا من أبطال التاريخ الذين ابتلوا فأحسنوا
البلاء، وصبروا فى سبيل ما يعتقدون الصبر الجميل . ولم يقبلوا الدنية فى
دينهم ، ويؤثروا الفانبه على الباقية ، فى سبيل ما يعتقدون .
٥٩ - ومن جهة الاحتياط الدين، وصونه عن المقالات الفلفية
ومتاهات القول ليس لنا إلا أن نحمد موقف أحمد ، لأنه كان لا يريد الخوض
فى القضية لاسلباً ولا إيجاباً بل كان متوقفاً لا يبت برأيه ، بل إنه يرى أن
أن هذا من المسائل التى لايجمل بالمسلم الخوض فيها، والتعمق فى دراستها ،
لأنه لم يؤثر عن السلف كلام فى هذا ، وهو فى مسائل الدين كان رجلا
أثرياً لا يخوض إلا فيما خاض فيه السابقون ، ليهتدى بهديهم، وليسلك مثل

-٩٧ -
سبيلهم ، وسنبين رأيه فضل بيان عند الكلام فى آرائه .
ولكن إن نظرنا من وجهة الحكم فى القضية من حيث كون القرآن
مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن الأدلة التى ساقها ابن أبي دؤاد فى تلك الكتب
والعقل والبداهة تحملنا على الحكم المعتزلة بصحة نظرهم، فإن القرآن ،
وإن كان كلام الله مخلوق، وهذا لا يمنع أن صفة الكلام قديمة بقدم الله
سبحانه وتعالى كما أن خلق الله سبحانه وتعالى بقدرته، وقدرة الله قديمة،
وكونه خلق الخلق بهذه القدرة لم يستدع قدم الخلق ، فلذلك كون القرآن
تكلم الله به، وخاطب نبيه محمداً به، وأنزله عليه بقدرته ، وبصفة
الكلام التى وصف نفسه بها، لا يستدعى أن يكون القرآن قديماً.
٦٠ - وإن سلمنا لأحمد بن أبى دؤاد، وللمعتزلة عامة بصواب نظرهم
فى هذه القضية، فهل نسلم لهم مسلكهم فى إنزال الأذى بمخالفيهم ، وخصوصاً
أهل النقى والفضل، ونسلم لهم أن يمتحنوا الضمائر، ويكشفوا السرائر؟
إن ذلك هو موضع النقد، انقده الناس عليهم قديماً ((فى عصر أحمد، حتى
انتقده بعض من كانوا يرون مثل رأيهم ، وحتى اضطر الجاحظ المعتزلى
الذى كان يعاصر أحمد، إلى الدفاع عن ذلك فقال فى إحدى كتاباته فى
الدفاع عن الابتلاء ، وكشف السرائر، والتفكير والاضطهاد ..
(وبعد فنحن لم نكفر إلامن أوسعناه حجة، ولم يمتحن إلا أهل التهمة،
وليس كشف المتهم من النجسس ، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار ،
ولو كان كل كشف هتكا، وكل امتحان نجساً لكان القاضى أهتك
الناس لستر، وأشد الناس تتبعاً لعورة، (١).
(١) الفصول المختارة من كتب الجاحظ لعبيد الله بن حسان.

- ٩٨ =
وهذه القضية ليست صادقة، فهم لم يخصوا بامتحانهم أهل التهمة ، بل
عمموا. حتى نزلت بأ کېر أهل الفضل، فهل كان مثل أحمد متهما فی دینه ؛
فإنه إذا كان مثل أحمد من أهل التهمة . فلا دين ، ولا تدين ، وعلى الدنيا
العفاء، لذلك لم يكن لمثل كلام الجاحظ قول فى هذا المقام.
وإذا كان الأمر كذلك فليس الاضطهاد والأذى صواباً. ولا مبرر له
فى نظر نا ولكن أكان الذين فعلوا ذلك لم يكن لهم أى مبرر له . وإن كنا
لا نوافق عليه ، وهل لنا أن نحكم بأن أولئك العلماء ارتكبوا ما ارتكبوا
لمحض الكيد والأذى من غير باعث، وإن لم يكن قوياً يبرر الأذى
والانتقام؟
هذا هو السؤال الذى يضطرب فى النفس، ولا يجد الإنسان الجواب
القاطع عليه. وإذا لم يكن الجزم القاطع بالسلب أو الإيجاب له طريق
قريب أو بعيد. فلم يطبق إلا أن نتعرف بطريق الظن . وقد يهدينا إلى أمر
راجع، وإن أسباب الترجيح بين أيدينا، فإن عندما سبب اليقين. لم تعدم
سبب الظن الراجح .
لقد جاء فى أحد کتب المأمون ، أو بالأحرى كتب أحمد بن أبىدؤاد،
فى إثبات بطلان قول من قالوا إن القرآن قديم: وضاهوا به قول النصارى فى
ادعائهم فى عيسى ابن مريم أنه ليس بمخلوق ، إذ كان كلمة الله)، وإن هذا
القول يدل على أن المامون والمعتزلة معه ، قد رأوا أنه فى ادعاء أن القرآن
قديم، وقرار ذلك فى نفوس العامة ينتهى بالحكم بتعدد القدماء، ثم جسم
له الخيال أن ذلك ينتهى إلى تعدد الآلهة فى العبادة، وأن ذلك إشراك بالله
سبحانه وتعالى، وأن المثل فى ذلك قائم حى، وهو أن النصارى حكموا
بقدم عيسى عليه السلام ، ثم عبدوه، فلما رأى المعتزلة ، ومعهم المأمون فشو
ذلك القول عند العامة أو حشو الأمة كما قال فى كتابه، وزين ذلك لهم

- ٦٩ -
الفقهاء والمحدثون. وأهل التقوى عندهم هالهم الأمر، وظنوا ذلك يؤدى إلى
خلال الأمة . كماضل من قبل النصارى فى عبادتهم عيسى عليه السلام ولم
بحدوا السبيل لذلك إلا أن يحملوهم على الحق بقوة السلطان بعد أن عجزوا
عن حملهم عليه بقوة البيان .
٦١ - إن هذا السبب واضح من كتبهم، وهو باعث لعل فيه بعض
الإخلاص، وبقوى هذا أن المعتزلة الذين تمرسوا بالرد على الذين هاجر!
الإسلام من قبل ، وجدوا كما جاء فى رسالة النصارى للجاحظ المعتزلى
أن الكائدين للإسلام يرتضونه ، ويرحبون بمقالة الفقهاء والمحدثين الذين
يروجونها عند العامة ، لأنهم يتخذون من الحكم بإن كل كلام الله قديم سبيلا
لأن يقميوا الحجة على أن المسيح قديم. وتكون تلك الحجة من الكتاب
الكريم ، إذفيه أن المسيح كلمة الله، وكل كلام اللّه قديم، وكلمة الله قديمة ،
فالمسيح قديم .
ولعل مما جال بخاطر أولئك المعتزلة أن ترويج فكرة قدم القرآن باعتباره
كلام اللّه سبحانه وتعالى - فكرة مسيحية دست بين الجماهير الإسلامية
فيما كان يدس فيهم من أفكار ، وقد تلقاها الجمهور بالقبول، لما فيها من
تقديس للقرآن الكريم .
وإن الأخبار الصادقة تثبت أن النصارى الذين كانوا يعيشون بين المسلمين
ويؤلمهم أن يدخل المسيحيون فى دين الله أفواجا، كانوا يثيرون أفكاراً
بين المسلمين ويتخذون من هذه الأفكار حججاً لهم يجادلون بها عن دينهم .
فقد جاء كتاب تراث الإسلام عن يوحنا الدمشقى الذى كان فى خدمة
الأمويين إلى عبد هشام بن عبد الملك، أنه كان يلقن بعض المسيحيين
ما يجادلون به المسلمين فيقول: ((إذا سألك العربى: ما تقول فى المسيح؟ فقل

- ٧٠ -
إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصر انى المسلم : بم سمى المسيح فى القرآن، وليرفض
أن يتكلم بشىء حتى يجيبه المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول إنما المسيح عيسى
ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فإذا أجاب بذلك
فاسأله عن كلمة الله وروحه ، أمخلوقة أم غير مخلوفة ، فإن قال مخلوقة ، فليرد
عليه بأن اللّه كان ولم تكن كلمة ولا روح فإن قلت ذلك فسيفحم العربى، لأن
من يرى هذا الرأى زنديق فى نظر المسلمين .
٦٣ - إن هذا لم يكن خافيا عن أعين المعتزلة الذين كانوا يجادلون
أهل الديانات الأخرى والزنادقة ، فهم يعلمون أن من يقول القرآن قديم
يمد النصارى بحجة يجادلون بها، وأن من الواجب ألا يقال هذا القول، لأنه
يعطى للخصوم حجة على الإسلام ، ويفتح الثغرة لمن ينالون منه وليس هو
الحق فى ذاته ، ومن قاله فقد ضاهى قول النصارى فى المسيح ، وحكم
بتعدد القدماء ، وجعل القرآن الذى ينطق به الناس قديما كشأن الله سبحانه
و تعالى.
وإذا كان ذلك فى نظر المعتزلة فيما نظر ، وهو نظر عميق سليم يحتاط
للوحدانية ويحتاط للاسلام ، فهو موقف لا يخلو من النبل، وهو إيمان سليم،
فإذا كان أحمد بن حنبل يحتاط لدينه، فلا يخوض فى شىء لم يخض فيه
السلف الصالح ، فأولئك أيضاً يحتاطون لدينهم فيدون الأبواب بالحق
لكل من يريد بالإسلام كيداً فلم يكونوا خارجين على الدين ، إذ دعوا
بدعايتهم ، وقد كان الأولى ألا يخاض فى هذه المسألة قط ، كما يروم أحمد ،
ولكن الذين لا يريدون بالإسلام خيراً أذا عوا هذا ونشروه ، فق على
المسلم أن يذكر الحقيقة كما هى، ويحميها ويدعو إليها.
٦٣ - إلى هناقد أنصفنا أحمد بن أبي دؤاد والمعتزلة من حيث الرأى،
وإنكنا من حيث العمل بجدهم قد اشتعطوا وغلواً كبيراً ، وحسبهم من الغلو

٠٠
- ٧١ -
أن ينزلوا سوط العذاب بالتقى النقى الطاهر أحمد بن حنبل وأن يوغلوا فى
فى إيذائه وأن يزج فى السجن، ولقد نزل البلاء واشتد حتى أصبح الناس
لا ينظرون إليها على أنها مغالبة رأى برأى ، ولا على أنها إثبات تنزيه الله
سبحانه وتعالى، بل على أنها محنة قاسية نزلت بالإسلام والمسلمين ، وأئمة
المدى والدين ، أنها تفتيش عن القلوب والضمائر، واختبار للنفوس والسرائر
فأبعد الخطىء فى خطته، وظنوا الخير فيه ، والشر فيما يدعوهم السلطان إليه،
وانتهى الأمر بأن الآراء التى تؤيد بالقوة والتعذيب لا يكون لها الغلب،
ولو كانت محض الحق المبين، وكلما زادوا فى المحنة زاد الناس الممتحنين إجلالا،
ولفكرهم اتباعا، وقالوا لو كان خيراً ما يدعون إليه ما كان العذاب سبيله،
والسجن والتقييد طريقه .
٦٤ - مات المأمون وأحمد قد سيق إليه مقيداً بالأغلال، ومصفداً
بالحديد، ولكن موته لم بنه المحنة ، بل ابتدأت تأخذ دوراً أقصى وأشد
وأحد وأعم ، ذلك أنه ضمن ما أوصى به أخاه المعتصم أمران (أحدهما)
وصية بالاستمساك بدعوته فى مسألة خلق القرآن. (وثانيهما) وهو الأشد ،
الاستمساك بأحمد بن أبي دؤاد . وذلك أن أحمد هذا هو صاحب الفكرة
فى حمل الناس على ذلك القول بقوة السلطان وعنف الامتحان ، وإنزال
البلاء ، والسجن، والتقييد ووضع الأغلال .
وإن المعتصم لم يكن رجل علم، بل كان رجل سيف، لا يضعه عن عاتقه
فترك أمر خلق القرآن لابن أبى داؤد يدبر الأمرفيه، لينفذ وصية المأمون
فى ذلك .
وقد تبين أن أحمد بن حفيل كان مقيداً مسوقا عندما مات
المأمون، فأعيد إلى السجن ببغداد، حتى يصدر فى شأنه أمر، ثم سبق إلى
المعتصم، واتخذت معه ذرائع الإغراء والإرهاب ، فما أجدى فى حمله

- ٧٢ -
ترغيب ، ولا ترهيب، فلما لم يجد القول رغباً ورهباً، نفذوا الوعيد ،
فأخذوا يضربونه بالسياط المرة بعد الأخرى ، ولم يترك فى كل مرة، حتى
يغمى عليه، وينخس بالسيف فلا يحمس، وتكرر ذلك مع حبسه نحواً من
ثمانية وعشرين شهراً، فلما استيأسوا منه ، وثارت فى نفوسهم بعض نوازع
الرحمة أطلقوا سراحه، وأعادوه إلى بيته وقد أثخنته الجراح. وأثقله
الضرب المبرح المتوالى، والإلقاء فى غيابات السجن.
٦٥ - استقر أحمد فى بيته بعدأن عاد إليه لا يقوى على السير ، وقد
انتصر بتقاه، وانهزم غيره، وإن كانوا الأقوياء، واستمر أحمد منقطعا
عن الدرس والتحديث ريثما التأمت جراحه، واستطاع أن يخرج إلى المسجد،
فلما رد الله إليه ثوب العافية، وذهبت وعثاء هذه المحنة عن جسمه، وإن
كانت قد تركت آثاراً وندوباً فيه، وأوجاعا فى بعض أجزائه - مكث
يحدث ، ويدرس بالمسجد، حتى مات مات المعتصم ، فلما تولى الواثق أعاد
المحنة على أحمد، ولكنه لم يتناول السوط ويضرب أحمد كما فعل المعتصم،
إذ رأى أن ذلك زاده منزلة عند الناس ، وزاد فكرته ذيوعا، ومنع دعوة
الخليفة أن تذيع وتفشو ، فوق ما ترتب على ذلك من سخط العامة ، ونقمة
من سماهم ابن أبى دؤاد حشو الأمة، فإن العاقل يحسب لنقمتهم حسابا،
ولذلك لم يرد أحمد بن أبى دؤاد والواثق من بعد المعتصم أن يعيد الأذى
الجسمى ، بل منعه فقط من الاجتماع بالناس ، وقال الواثق له؛ لا تجمعن
إليك أحداً ولا تساكنى فى بلد أنا فيه، فأقام الإمام أحمد مختفيا ، لا يخرج
إلى صلاة ، ولا غيرها ، حتى مات الواثق .
وبذلك انقطع أحمد عن الدراسة مدة تزيد خمس سنوات إلى سنة
٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين ، وبعدها عاد الدرس والتحديث مكرما

- ٧٣-
عزيزاً ترفعه عزة التقى ، وجلال السن ، والقناعة والزهادة، وحسن البلاء.
٦٦ - ومن حق التاريخ أن نقول إن المحنة لم تكن مقصورة على أحمد
وإن كان أحمد قد سبقهم إلى الصبر بل تجاوزته إلى غيره، وكان الفقهاء
يساقون من الأمصار إلى بغداد ، ليختبروا فى هذه المسألة ويفتش عن خبايا
قلوبهم، ومن نزل به من ذلك يوسف بن يحيى البويطى الفقيه المصرى صاحب
الإمام الشافعى ، فقد دعى إلى أن يقول إن القرآن مخلوق ، فامتنع ، حمل
مقيداً مغلولا ، حتى مات فى أصفاده محتسباً ذلك ربه ، ومنهم نعيم بن حماد
فقد مات فى سجن الوائق مقيداً لذلك .
وقد تفاقم الخطب ، واستمرت البلوى حتى ستم الناس هذه الحال ، بل
حتى ستمها القائمون بها، وحتى صارت هزلا لدى بعض الناس . يروى أنه
دخل عبادة المضحك على الواثق ، فقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك فى
فى القرآن ، قال ويلك، القرآن يموت؟ قال يا أمير المؤمنين، كل مخلوق
يموت، بالله يا أمير المؤمنين بم يصلى الناس التراويح، فضحك الواثق. وقال:
قاتلك الله أمسك.
ويروى الدميرى فى كتاب حياة الحيوان أن الواثق رجع فى آخر حياته
عن إنزال المحنة بمن لايرى هذا الرأى، إذ دخل عليه شيخ من نزلت به
المحنة ، فقال فى ضمن مجادلته مع ابن أبي دؤاد .
« شىء لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر،
ولاعمر، ولا على، تدعو أنت الناس إليه ، ليس يخلو أن تقول علموه، أو
جهلوه. فإن قلت علموه، وسكتوا عنه، وسعنى وإياك من السكوت ماوسع
القوم ، وإن قلت جهاوه وعلمته أنت. فيالكع ابن لكع، يجهل النبى صلى
الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون رضى الله عنهم شيئاً وتعلمه أنت !! )).
فلما سمع الواثق ذلك ، وثب من مجلسه، وأخذ يردد تلك الكلمات ،

- ٧٤ -
وعفا عن الشيخ ، ورجع عما كان يفعل ، كما روى ابنه المهدى .
٦٧ - هذا تفصيل ذلك الامتحان الخطير القاسى الذى عكر حياة
ذلك الإمام الورع النقى. وأزعج هدوء تلك النفس القارة المطمئنة. ودام
نحواً من أربع عشرة سنة ، تراخى عنه العذاب والتنكيل والاضطهاد
فى نصفها واستمر فى سائرها .
وقد يقول قائل أما كان الأولى بذلك الرجل التقى أن يتخذ النقية فيما
كانوا يزبدون، وقد دعى إلى ذلك، وقد دعاه بعض معاصريه أن يأخذ بمبدأ
التقية، وهى أن يظهر شيئاً لا يعتقده، وقاية لنفسه من التلف .
ولكنه رفض حیث سلك مسلكه کثیرون و تأبى، وحيث تنزل عن
فكرته فيما يظهر غيره ، ونحن وإن كنا لانرى ذلك التوقف عن الحكم
بخلق القرآن مع إجلالنا لمقام أحمد وورعه، واحتياطه لدينه - نجد أن
الأخذ بالتقبة فى دار الإسلام لايصح، لأن المنكر فى دار الإسلام
يجب استنكاره ، وإلا تحولت صفتها، ولم يعدلها اسمها، وإن الاستنكار
له مراتب ، والتقية تكون حيث لا يكون للإسلام قوة وسلطان ، كبلاد
يضطهد الإسلام فيها، ولاسبيل للمسلم فى الخروج منها ، فيستخفى بدينه،
وتلك رخصة رخصت له تيسيراً وتسهيلا ، وكل نفس وما تطيق .
ولأن النقية لا تجوز من الأئمة الذين يقتدى بهم، ويهتدى بهديهم ،
حتى لا يضل الناس ، لأنهم إن نطقوا بغير ما يعتقدون ، وليس للناس علم
ما فى الصدور اتبعوهم فى مظهرهم ، ويظنون أنه الحق الذى ارتضوه دينا ،
وبذلك يكون الفساد عاما ، ولا يخص، وحق على الإمام أن يكون الممتحن
المبتلى، فتنتشر الفكرة السليمة، ويكون الابتلاء سبيل نشرها وذيوعها.
ولذلك نحن قرى أن صبر الإمام أحمد كان هو الأولى به والأجدر
والأحمد له ولفكرته ، وإن كنا نرى غيرها . هذا وسنمحص فى بيان
آراء أحمد حقيقة فكرته فى هذا المقام .

= ٧٥ -
معيشة أحمد وبيئته
٦٨ - سردنا حياة أحمد العلمية، فذكر ناه طالباً للعلم والحديث
يتنقل فى الأقاليم الإسلامية ، وشاديا فى العلم ، وعالما قد جاس للدرس
والتحديث، وإماما يقتدى به، ويسلك سبيله، وذكرنا تلك الرياح العاتية
القاسية التى عرضت لنفس أحمد فى حياته العلمية فأزعجتها ، وفصلنا القول
فى ذلك تفصيلا .
ولم تتعرض لموارد رزق أحمد كيف كانت معيشته ، أكان فى بسطة من
العيش أم كان يعيش عيشة القل أو الكفاف ، وما كان مورد رزقه؟ سواء
كان قليلا أم كثيراً؟ ثم أكان يقبل هدايا الخلفاء ويستطيها كما كان يفعل مالك
وأبو يوسف ، ومحمد ، أم كان يتعافاها كأبى حنيفة ، أم كان بين ذلك قواما
كما كان يفعل الشافعى رضى الله عنه ؟
هذه أسئلة تتقاضانا أن نجيب عنها، وأن نبينها بإيجاز ، ولذلك سنتكلم
فى حاله ومورد رزقه ، ثم ما كان منه بالنسبة لهدايا الخلفاء ، ومن يتصل
به قبل المحنة وبعدها .
٦٩ - عاش أحمد فقيراً مكدوداً محدوداً، ولم يعش مجدوداً ذامال
وفير وكان يؤثر الخصاصة على أن يكون ذا مال لا يعرف أنه حلال
خالص، أو يكون فيه منة العطاء، وكثيراً ما كانت تضطره حاله أن
يعمل بيديه ليكسب ، أو أن يؤجر نفسه فى عمل يعمله إذا انقطع به الطريق
ولم يكن معه مال ، وكان يؤثر ذلك على أن يقبل عطاء ، فإن العطاء فى مثل
هذه الشدة، ومن يعجز عن مكافأته فى زمن قريب لا يستطيع أن يتحمله أحمد
العيوف الأبى، وقد حرر بذلك نفسه ، وأتعب جسمه ، وتلك كانت
حاله دائماً ، عندما يتردد بين تعب النفس ، وتعب الجسم

- ٧٦ -
٧٠ - كان أحمد يعيش من غلة عقار قد تركه له أبوه ، فقد جاء فى
المناقب لابن الجوزى فى هذا المقام :
, كان أحمد رضى الله عنه قد خلف له أبوه طرازاً وكان يأكل من غلة
تلك الطرز، ويتعفف بكرائها عن الناس . (١)
ويظهر أنه كانت له دكاكين يؤجرها ، فقد جاء فى حلية الأولياء
ما نصه :
« وقع من يد أحمد بن محمد بن حنبل مقراض فى البتر، فجاءسا كن له؛
فأخرجه فلما أن أخرجه ناوله أبو عبد الله مقدار نصف درهم أو أقل أو
أكثر، فقال: المقراض يساوى قيراطاً، لا آخذ شيئاً، فخرج. فلما كان
بعد أيام قال له: كم عليك من كراء الحانوت؟ قال كراء ثلاثة أشهر ، وكراؤه
فى كل شهر ثلاثة دراهم فضرب على حسابه وقال أنت فى حل )).
فهذه القصة فوق دلالتها على أن أحمدما كان يحتمل منة . وأنه كان يجزى
عن المعروف أضعافاً - تدل على أنه كان له حوانيت وأنها كانت تدر عليه
غلة ، وإن كانت لا تجعله فى بحبوحة من العيش تسد خلته. وتدفع حاجته،
والأخبار متضاربة على أنها لم تكن كبيرة، بل كانت ضئيلة. ولقد ذكر
ابن كثير مقدارها، فقال: ((وكانت غلته من ملك له فى كل شهر سبعة عشر
درهما ، ينفقها على عياله، ويتقنع بذلك رحمه اللّه صابراً محتسباً)، وهذه
غلة قليلة بلا ريب، وسواء أصح ذلك المقدار الذى رواه ابن كثير، أم لم
يصح فالأخبار متضافرة على أنها كانت ضئيلة لا تكاد تكفى حاجته ،
لولا فرط القناعة والصبر، واستعداده لأن طلب عيشه بالكدوالتعب، ولقد
كان يحرص كل الحرص على أن يكون مورد رزقه حلالا من غير شبهة،
ولذلك يعلن أن ذلك العقار الذى كان يدر عليه ذلك الرزق المحدود يغلب على
(١) الطرز جمع طراز ككتاب وكتب ، والطراز الموضوع الذى ينسج فيه الثياب ،
فيظهر أن أحمد ورث هذا الطرز فكان يؤجرها .

- ٧ -
ظنه أنه ملكه عن أبيه حلال، ولو ادعاء شخص لسلمه إليه ، ولذا جاء فى
المتاقب لابن الجوزى مانصه :
((سأل رجل أحمد بن حنبل عن العقار الذى كان يستغله، ويسكن داراً
منه كيف سبيله عنه، فقال له هذا شىء قد ورثته عن أبى فإن جاءنى رجل ،
فصحح أنه له خرجت عنه ، ودفعته إليه .
٧١ - كان هذا القدر اليسير من المال يتقنع به، ويحمد الله عليه،
ولا يرضى معه أن يأخذ من أحد عطاء ، ولا أن يقبل منه معونة. ولقد
كانت تشتد به الحال أحيانا، إذ لا تكفى تلك الغلة لنفقات عياله ، وتنزل
به العسرة فكان يتحملها صابراً، وكانت تلك العسرة تشتد، وتعلو عن الاحتمال
إذا كان فى سفر وانقطع منه الزاد فكان لا يهن ولا يضعف ويتعب جسمه
أيضاً فى سبيل راحة نفسه .
ولقد وجدناه إذا اشتد به الأمر، واشتدت عليه الفاقة يرد كل عطاء
عالماً بأن مافيه من منة أغلظ بما هو فيه من عسرة ، فيقبل ما هو فيه من شدة
متفادياً بهذا من العطاء وأذاه .
وكان يحتال على سد رمقه وحاجة عياله باحدى طرائق ثلاث :
أولاها - أن يدفعه بالتقاط بقايا الزرع مما يكون فى حكم المباح،
فكان ذلك العالم الجليل . المحدث يحمل حبله على عاتقه ، ويذهب، فيجمع
بقايا الزرع الذى يترك فى الأرض مباحاً ، وقد كان حريصاً على ألا ينزل
فى أرض أحد إلا بإذنه ، وألا يفسد زرع أحد، ولذلك روى عنه أنه قال:
((خرجت إلى الثغر على قدمى، فالتقطنا، وقد رأيت قوماً يفسدون مزارع
للناس ، لا ينبغى لأحد أن يدخل مزرعة رجل إلا بإذنه،(١) .
ويظهر أن ذلك إنما كان يلجأ إليه إذا لم يجد عملا يعمله ويقتات منه،
(١) المناقب لابن الجوزى س ٢٢٤

-٧٨ -
ويسد حاجته ، فإن وجد عملا يعمله لجأ إليه ، وتلك هى الطريقة الثانية ،
ولا يجد غضاضة فى أن يعمل مهما يكن نوع العمل مادام فيه نفع للناس وسد
لحاجته، فكل عمل شريف فى ذاته ، ما دامت النفس تعلو به ، ولا تكون يد
صاحبها اليد السفلى، فلا صغار فى عمل يحله الدين ما دامت ترفع الإنسان
عن خسة المتناول من أفضال الناس ، والمتساقط من أموالهم .
وقد كان يؤجر نفسه للحمل فى الطريق ، إن لم يجدما ينفقه سوى هذه
الأجرة. وكان يكتب بأجرة إن لم يجد ما ينفق منه، ولقد جاء فى تاريخ
الذهبى فى ترجمة أحمد عن على بن الجهم ما نصه :
كان لنا جار، فأخرج إلينا كتاباً ، فقال أتعرفون هذا الخط ؟ قلنا هذا
خط أحمد بن حنبل، فكيف كتب لك ؟ قال كنا مقيمين بمكة مقيمين عند
سفيان بن عيينة ففقدنا أحمد أياماً ، ثم جئنا لنسأل عنه ، فإذا الباب مردود
عليه . فقلت ما خبرك ؟ قال سرقت ثيابى، فقلت معى دنانير ، فإن شئت
صلة، وإن شئت قرضاً، فأبى، فقلت تكتب لى بأجرة؟ قال : نعم ،
فأخرجت ديناراً ، فقال لى اشتر لى ثوبا، واقطعه نصفين يعنى إزاراً وردا.،
وجثنى بورق، ففعلت ، وجئت بورق، فكتب لى هذا، وكان ينسج
أحياناً، ويبيع ما ينسجه ، ويأكل منه ولقد، حكى الذهبى أيضاً عن إسحق
ابن راهويه أنه قال :
«كنت أنا وأحمد بالمن عند عبد الرزاق، وكنت أنا فوق الغرفة،
وهو أسفل، وكنت إذا جئت إلى موضع أشتريت جارية. فاطلعت على أن
نفقته ( أى أحمد) فنيت . فعرضت عليه، فامتنع، فقلت إن شئت قرعناً،
وإن شئت صلة، فأبى فنظرت ، فإذا هو ينسج التكك ويبيع وينفق(١))).
وقرى من هذا أن ذلك الإمام الجليل ما كان يجد فى العمل غضاضة ،
(١) راجع ترجمة أحمد الذهبى المنشورة فى مقدمة المسند طبع المعارف بتحقيق الأستاذ
أحمد شاكر .

- ٧٩ -
مهما يكن نوع العمل ما دام حلالا ، وفيه نفع الناس ، فهو يقدم للناس
ما يسد بعض حاجتهم فى نظير أن يأخذ مالا يسد حاجته ، وهذا قانون
الحياة الإنسانية العاملة الدائبة ، ذلك لأن أحمد كمان رجلا صالحاً، لا يهمه
نظر الناس بمقدار ما تهمه نزاهة نفسه، وعدم نيلها المال إلا من حله ، فهو
لا يرى فى العمل خسة، لأن الشرف الذاتى الصحيح إنما يستمد من نفس
صاحبه ، وعلوها عن الدفاية ومنة الناس ، وإن الذين يجدون العار فى صغار
الأعمال هم ضعاف الناس الذين لم يهبهم الله شرفاً ذاتياً فى نفوسهم، فيسدون
ذلك النقص الإنسانى بهذا التعالى المادى ، وكل ميسر لما خلق له .
وثالث المسالك التى كان يسلكها أحمد لسد حاجته أن يلجأ
إلى الاقتراض، ويظهر أنه لم يلتجىء إليه فى كل الأحوال، وفى كل الأماكن ،
بل كان يلجأ إليه حيث تكون غلة قريبة يترقب وجودها ، وحيث يستوثق
من أن المقرض ما قصد عطاء، وفى الحضر ، لا فى السفر، لأن مظنة الوفاء
فى الحضر قريبة، حيث الأمن والقرار، وليس السفر كذلك ، وفى بعض
الأحوال كان يأخذ قرضاً معتزماً الوفاء فى الميسرة والمقرض قد أعطى على
فية ألا بأخذ ، فيختلفان ويصر أحمد على رأيه ، فيتم له ما يريد .
كان قد استقرض مرة من بعض معاصريه أهل التقى الذين يعرف أن
ما لهم نزه لم يجمع إلا من حلال مقدار مائتى درهم أو ثلاثمائة على اختلاف
الرواية ، فذهب إليه يردها ، فقال له يا أبا عبدالله ما دفعتها وأنا أنوى أن
آخذها منك، فقال وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوى أن أردها عليك (١))).
٧٢ - هذه هى هى حال أحمد، وموارد رزقه، آثر الكفاف مع
الكدح وسغب العيش على أن يقبل منة العطاء ، وقد كان مع ذلك حريصاً
كل الحرص على ألا يكون فى المال الذى يصل إليه شبهة . فإن كان فيه
(١) حلية الأولياء س ١٧٠ الجزء التاسع.

- ٨٠ -
شبهة رده، وآثر أن يغلب مع الحرمان جانب التحريم على جانب الإباحة .
يروى أنه رهن عيناً له فى دين عليه ، حتى إذا استطاع وفاء الدين ذهب
إلى الدائن فوفاه دينه، ولما أراد أن يرد إليه رهنه التبس بعين مشابهة له
من مال المرتهن فدفع إليه العينين على أن يختار أيهما ، ولكن أحمد بالغ
فى الاحتياط لدينه، فتركهما وقد سدد ما عليه، أى أنه آثر أن يكون
التارك لحقه المؤكد فى سبيل ألا يأخذ غير ماله، لشبهته فى أنه أخذ ملك
غيره بغير معاوضة توافرت فيها عناصر الرضا الكامل .
وهكذا ترى ذلك العالم الجليل يسير فى معاشه فى سنة من يعلو بنفسه
عن أن تكون يده السفلى، بل مع هذه الشدة والعسرة ، كان يعلو فتكون
يده هى العليا، ولذلك كان مع هذا القل من المال من أسخى الناس بما
فى يده وما يستطيع ، وكان حريصا متشدداً فى أن يكون ماله حلالا طيباً،
لا شىء فيه من أدران الخبث، أو شبهة الملك لغيره، فكان ينطبق عليه بحق
ذلك الوصف الكريم : إنه كان شحيحا بدينه باذلا لماله ، ما أمكن البذل .