Indexed OCR Text

Pages 421-440

- ٤١٨ -
من قبل ، فحال أن يكون لأبى حنيفة تلك المنزلة فى نفسه ، حتى لقد وصفه بأنه.
مخ العلم، ثم يقول بعد ذلك: ((من نظر فى كتاب الحيل لأبى حنيفة أحل ما حرم.
اللّه وحرم ما أحل الله)، وإذا كان الأمر كذلك، فنسبة ذلك القول إليه غير
صحيحة ، وبذلك تنهار دعوى أن لأبى حنيفة كتاباً اسمه ( كتاب الحيل ) من
أساسها ، لأن تلك الرواية عمادها ، وقد تبين تجافيها عن الثابت من القول عن
عبد الله بن المبارك.
٢٤٠ - لم يثبت إذن أن لأبى حنيفة كتاباً فى الحيل ، ولكن وجدنا أن لمحمد.
تلميذه كتاباً فى الحيل ، يغلب على الظن أنه روى فيه ما كان يخرج به ذلك الإمام
الأحكام تسهيلا على الناس ، حتى لا يكونوا فى حرج.
وأن نسبة هذا الكتاب إلى محمد رضى الله عنه، قد أثير حولها الشك منذ العصر
الأول، عصر تلاميذ محمد نفسه، فأبو سليمان الجوزجاني ينكر نسبة ذلك الكتاب
إلى محمد رضى الله عنه، ويقول: ((من قال إن محمداً صنف كتاباً سماه الحيل فلا تصدقة،
وما فى أيدى الناس فإنما ما جمعه وراقوا بغداد ، وإن الجهال ينسبون إلى علمائنا
رحمهم الله ذلك على سبيل التعبير، فكيف يظن بمحمد رحمه اللّه أنه سمى شيئاً من.
تصانيفه بهذا الاسم، ليكون عوناً للجهال على ما يقولون)) (١)
وأبو سلمان هذا أحد تلاميذ محمد رضى الله عنه، فإذا أنكر أن يكون لمحمد
كتاب بهذا الإسم ، فلإنكاره مكان من الإعتبار ، ولكن تلميذاً ثانياً لمحمد من
رواة كتبه الذين لهم مكانة، هو أبو حفص يروى ذلك الكتاب ، وينسبه إلى
أستاذه ، ويقول إنه من تصنيفه وتأليفه ، ويرجح السرخسى ذلك . ويقول
إنه الأصح)) (٢) .
وليس لنا أن تخالف شمس الأئمة فى ترجيحه صحة النسبة ، بيد أن فى النفس
شيئاً ، من أن يشك أحد تلاميذ محمد فى صحة النسبة إليه ، ويحسب أنها من جمع
(١) المبسوط للسرخسى = ٣٠ ص ٠٢٠٩
(٢) الكتاب المذكور .

- ٤١٩ -
الوراقين ببغداد وإن كان الذى رجح النسبة تلميذاً لمحمد أيضاً ، ونحن فى حاجة إلى
تمحيص الحق فيها .
لقد استبعد أبو سليمان أن يكون لمحمد تصنيف بهذا الاسم، ولو أنه اكتفى بذلك
لقلنا إن أبا سلمان ينكر أن تكون التسمية قد وضعها محمد، وعندئذ يكون لنا أن
نقول إن مجموعة المعلومات صحيحة النسبة، ولكن التسمية وجدت من بعده، فأبو حفص
لما رأى تلك الطائفة من المسائل يصح أن يطلق عليها ذلك الإسم فى نظره أطلقه عليها
وسماها به، ولكن أباسليمان يحسب أنها من جمع الوراقين فليس لنا حينئذ إلا أن
نقول إن الوراقين ببغداد جمعوا ذلك، كما قال أبو سليمان، ووجدوه منسوباً الإمام
محمد ، فاستوثقوا من تلك النسبة بأن عرضوا ما جمعوا على أحد تلاميذه وهو
أبو حفص، فأفره، واتفق مع ما رواه هو عن شيخه ، فكان بذلك من مروياته وهو
الثقة الأمين فى النقل عن شيخه، وفى ذلك التخريج والتوفيق من أقوال تلاميذ الإمام
محمد ما تطمئن النفس به بعض الإطمئنان .
٢٤١ - أثر كتاب الحيل عن محمد ، وقد علمت ما قيل فى نسبته إليه ، وانتهينا
إلى ترجيح الصحة ، وقد عثر على كتاب الحيل هذا منفرداً ، ووجدناه فيما لخصه الحاكم
الشهيد فى الكافى، وشرحه السرخسى فى مبسوطه، ومهما تكن نسبة الكتاب ، فما فيه
من المعلومات يكشف عن نوع الحيل الذى كان رائجاً بين أصحاب أبى حنيفة، ويكشف
عن طريقة المخارج التى كان يسلكها أبو حنيفة. وتلقاها عنه تلاميذه ، وتدارسوا
المسائل على نحوها، وكذلك أثر كتاب فى الحيل للخصاف وهو أوسع من كتاب محمد،
وأكثر مسائل؛ وهو يبين وجه التحايل فى أنواعها.
فدراسة ما اشتمل عليه الكتابان تكشف عن منهج أبى حنيفة فى الحيل ، ونوعها،
أهى تحلل ما حرم ، أم تسهل ما كلف العبد ، وأهى بيان التوسعة فى الشريعة
والاحتياط للحقوق فيها ، أم هى ذريعة لأهمال مقاصد الشارع بظواهر الأعمال ؛
وبعبارة أدق وأعم ، دراسة هذين الكتابين تكشف عن معنى الحيلة عند
أبى حنيفة ومداها .

- ٤٢٠ -
٢٤٤ - وقبل أن نتجه إلى تعرف ما اشتمل عليه هذان الكتابان ، أو المأثور
من حيل أبى حنيفة بوجه عام نبين ما تطلق عليه كلمة حيلة فى عرف الفقهاء
متقدميهم، ومتأخريهم.
يقسم ابن القيم ما تطلق عليه كلمة حيل عند الفقهاء إلى ثلاثة أقسام :
( القسم الأول ) الطرق الخفية التى يتوصل بها إلى ما هو محرم فى نفسه ، بأن
يأخذ الأمر شكل الأمور الشرعية ، وتنطبق به عليه النصوص فى ظاهر الأمر
والمقصود التوصل إلى ارتكاب محرم ، كالحيل على أخذ أموال الناس بالباطل ،
وكالحيل لجعل ما ليس بشرعى لابساً المظهر الشرعى كنكاح المحلل ، وكبيع العينة
وكاحتيال المرأة على فخ نكاحها بأن تدعى أنها لم تأذن للولى، وقد كانت وقت العقد
بالغة عاقلة، وكاحتيال البائع على فسخ العقد بادعاء أنه لم يكن مالكا وقت العقد ، ولم
يأذن المالك بالعقد، وقد قال ابن القيم فى هذا القسم: «هذه الحيل وأمثالها لا يستريب
مسلم فى أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرمات ، وهى من التلاعب بدين الله، واتخاذه
هزواً ، وهى حرام فى نفسها لكونها كذباً وزوراً ، وحرام من جهة المقصود بها ،
وهو إبطال حق وإثبات باطل )).
وكل حيلة تكون وسيلة لإبطال حق تكون حراماً ، ولو كانت الوسيلة حلالا
فى ذاتها ، ولكن الحيلة قد تكون محرمة فى ذاتها ؛ لأنها كذب وزور ، ولكنها
الطريق الوحيد لإثبات الحق ، ورد الباطل . كمن ينكر حقاً قد لزمه ، ولا طريق
لإثباته إلا بالبينة ، ولا بينة تشهد ، فلجأ إلى الزور ، فهل هذه الحيلة تعتبر جائزة ،
إذ يكون المقصود حلالا والوسيلة حراماً ، فنحل لمشروعية المقصود ولالتجاء من
عليه الحق إلى الباطل؟ لقد أجاب عن ذلك ابن القيم بقوله: ((هذا يأثم على
الوسيلة دون المقصود. وفى مثل هذا جاء الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك
ولا تخن من خانك )).
( القسم الثانى ) أن تكون الحيلة مشروعة وما تفضى إليه أمر مشروع، وقد
وضعت الوسيلة فيها للغرض المقصود منها ظاهراً ، وهى تشمل كل الأسباب

- ٤٢١ -
الشرعية التى وضعها الشارع، وجعلها سبيلا إلى مقتضياتها الشرعية، والحيلة فى هذه
الدائرة تكون باتخاذ الأسباب الشرعية، وسيلة إلى الكسب الحلال، بأقصى درجاته،
وأبعد غاياته ؛ وهى من التدبير الحسن الذى يحمد فاعله ولا يذم ، ومن أفى بشىء
فيها، فقد أفتى بما هو حلال خالص الحل ، وعندى أن هذا لا يعد من الحيل على حد
تعريف الفقهاء .
(القسم الثالث) أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة
لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره ، فيتخذها طريقاً لهذا المقصود الصحيح؛
أو تكون قد وضعت له، ولكن تكون خفية لا يفطن لها . والفرق بين هذا القسم
والذى قبله أن الوسيلة فى الذى قبله نصبت مفضية إلى مقصودها ظاهراً، فسالكها
سالك للطريق المعهود ، والطريق فى هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره، فتوصل بها
إلى ما لم يوضع له .. أو تكون مفضية إليه ، ولكن بخفاء، ومثال ذلك أن يستأجر
شخص داراً لمدة سنتين ، ويخشى أن يغدر به المؤجر فى أثناء المدة ، فيحاول فسخ
الإجارة بطرق غير محللة كأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإجارة، أو أن العين كانت
مؤجرة لغيره قبل إجارته ، فالاحتياط لهذا أن يضمنه المستأجر درك العين المستأجرة،
فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدة، رجع عليه بما قبضه منه (١).
٢٤٥ - ومن أى نوع حيل المتقدمين من أئمة المذهب الحنفى ؟ لنعرف نوع
التحايل الذى يصح أن ينسب إلى أبى حنيفة ، ويعتبر أولئك الصحاب قد تلقوا عنه
ذلك المنهاج من الفقه ، أو اقتبسوه من طريقته ، أهو من النوع الذى يعد هدماً
المقاصد الشارع فى التحليل والتحريم ، وتفويتاً للغاية السامية التى يرمى إليها الشرع
الإسلامى فيما يشرع من أحكام وما يكلف من تكليفات ، أم هو من نوع تسهيل
هذه المقاصد ، وتيسيرها ، وتبيين الطرائق للوصول إلى الحقوق الشرعية من غير
أن تقف القيود والشروط الفقهية فى سبيلها ، أو تصعب الوصول إليها فى بعض
(١) أعلام الموقعين = ٣ ص ٣٩٤

- ٤٢٢ -
الأحوال وتكون الحيل فى هذه الحال من قبيل رفع ما قد يترتب على تنفيذ بعض
الشروط الفقهية المذهبية تطبيقاً دقيقاً من ظلم أو ضياع الحقوق ، فتطبق الشروط ،
وتنفذ الحقوق ، من غير شطط ، ولا مجاوزة لهدى الإسلام؟ .
إن الدراسة الفاحصة العميقة لكتاب الحيل والمخارج للخصاف ، ولكتاب الحيل
لمحمد تنتهى بأن حيل أئمة المذهب الحنفى من النوع الثانى؛ لا من النوع الأول، فهى
من القسم الثالث فى الأقسام التى ذكرها ابن القيم وبيناها آنفاً، يحتال بها على التوصل
إلى الحق، أو على دفع الظلم بطريق مباحة ، لم توضع موصلة لذلك، ولكن قصد بها
ذلك التوصيل .
٢٤٦ - وقبل أن نخوض فى تقسيم هذه الحيل المأثورة ، نذكر ملاحظة
لاحظناها ، وهى تزكى ما قررناه ، وتلك الملاحظة هى أننا لم تجد حيلة فى باب من
أبواب العبادات فى هذين الكتابين ، إلى حيلة واحدة فى الزكاة سنذكرها، وأن إبعاد
العبادات عن نطاق الحيل فى المأثور عن أولئك الأئمة الأعلام ليدل على أنهم لم
يقصدوا بحيلهم مدافعة مقاصد الشرع ، والاستمساك بظاهر من التكليفات ، إذ أن
العبادات أساسها النيات ، وهى بين العبد وربه فهو الذى يحاسب عليها، وهو العليم
الخبير ، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماء ولا فى الأرض ، قد أحاط بكل شىء
علماً ، فالحى فى العبادات بين العبد والرب، وهو المجازى عليها بما تطوى النفس من
نيات، فمن كانت هجرته لله ورسوله، فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لا مرأة
ينكحها أو دنيا يصيبها، فهجرته لما هاجر إليه .
أما الحيلة التى أثرت فى الزكاة ، فهى أيضاً من باب تحرى الأحق فى الأمور ،
والمقاصد السامية فيها، وهى إذا كان شخص مديناً لآخر، ولم يجد الدائن أحق بالزكاة
من هذا المدين، ووجد أن زكاة ماله أن يترك دينه عليه له صدقة ، ولكنه يجد بعض
الشروط الفقهية تقف محاجزة بينه وبين غرضه الذى يتفق مع مقاصد الشرع ، ولا
ينافيها، وذلك الشرط هو أن ينوى زكاة المال عند تسليم الفقير المستحق، ولم تكن

- ٤٢٣ -
ثمة هذه النية لأنه لا تسليم، وقد ذكر الخصاف الحيلة فى ذلك فقال:
, أرايت رجلا له مال على فقير، فأراد أن يتصدق بماله على غريمه، ويحتسب
. ذلك من زكاته ؟ قال : لا يجزئه ذلك من الزكاة . قلت : فما الوجه فى ذلك ؟ قال :
الوجه فى ذلك أن يعطيه مقدار ما له عليه من الدين، ويحتسب ذلك من زكاته ؛ فإذا
قبضه الغريم، فإن قضاه إباه عما عليه من الدين، فلا بأس بذلك ، ويجزئه ما دفع إلى
الغريم أن يحتسبه من زكاته، قلت: فإن كان الطالب ، له شريك (أعنى الدائن)،
خاف أن يشركه شریکه، فما يقبض الغريم من الدين؟ قال : فالو جه فى ذلك أن يهب
الغربم لصاحب المال بقدر حصته ما عليه، ويقبضه، ثم يدفع إليه، ويحتسب بذلك
من الزكاة، فيجزئه ذلك، ثم يبرئه من حصته فى الدين، فيبرأ ولا يشركه شريكه))(١).
٢٤٧ - هذه ملاحظة عابرة أبديناها لنؤكد بها أن الحيل عند أئمة المذهب الحنفى
الأولين، لم يقصدوا بها إسقاط تكليف ، ولا العمل على أن تكون الأعمال تطبق
عليها الأحكام الشرعية فى ظاهرها، وفى معناها ونيتها تكون مناقضة لمقاصد الشريعة
وهادمة للغاية السامية والحكمة من مشروعيتها .
وإن الدراسة الفاحصة الضابطة للحيل المأثورة فى كتاب محمد ، والخصاف
تنتهى بنا إلى أن يضبط هذه الحيل فى أقسام أربعة: ( القسم الأول) فى الأيمان ،
(١) الحيل والمخارج للخصاف ص ١٠٣ طبع شاخت بألمانيا، ومعنى القسم الأخير أنه فى حالة الشركة
بأن كان المدين الفقير مديناً لإثنين ، شركاء فى هذا الدين فإنه إذا أعطاه الزكاة بمقدار حصته فى الدين ،
وفى المدين تلك الحصة يشاركه الشريك فى الاستيفاء ، فالحيلة ألا يعطى المدين القدر وفاء، بل يعطيه هبة،
والدائن يبرىء بعد ذلك .
ولقد ذكر الخصاف حيلتين أخريين فى الزكاة : ( أولاهما ) إذا أراد أن ينفق الزكاة فى كفن ميت
ليس له مال، ولا عند ذويه مال ، فإنه لا يصح لعدم توافر الشرط ، وهو التسليم ، والحيلة أن يعطى
الزكاة لأهله، ثم ينفقونها هم فى التكفين. ( ثانيهما) أن الزكاة لا تسقط إذا أنفق المقدار الواجب عليه
فى بناء مسجد لعدم شروط التسليم، ولكن إن أعطاها فقراء تلك الناحية وبنوا المسجد بها أجزأ عنه ،
.ويحتاط الخصاف فيقول: (( إن نظر إلى فقراء تلك الناحية، فأعطاهم، فأخذوا فبنوا به المسجد فلا بأس ،
ولا يدفعه إليهم للبناء، بل يقول: هذه صدقة عليكم، فيجزئه)).

- ٤٢٤ -
وأكثره فى أيمان الطلاق ، و(القسم الثانى) فى توجيهات من المفتى لمن يستفتيه
فى العقود ؛ الغرض منها الاحتياط لنفسه بكل أنواع الضمانات لكيلا تضيع حقوق
له فى المستقبل، أو لكيلا تقع به مضار بسبب العقد. و(القسم الثالث ) التوفيق
بين مقاصد العاقدين المشروعة التى لا إثم فيها، وبين ما يشترطه الفقهاء لصحة العقود
وما يقرونه من شروط، وما لا يقرون. و (القسم الرابع ) بيان الطريق للوصول
إلى الحقوق الثابتة ، ولكن يحول بينها وبين الإلزام بها بعض قواعد شرعية تثبت
لحماية المبادى. المقررة فى الشريعة ، ولمنع عبث الناس بالأحكام الشرعية .
٢٤٨ - أما القسم الأول، وهو الخاص بالأيمان ، فالحيل الخاصة به ، كثيرة
منها ما هو ثابت بالرواية عن أبى حنيفة نفسه، والغرض منها إيجاد سبيل شرعى
للتحلة من الأيمان، إذا كان فى الإصرار حرج شديد، إذا لم يبحث عن حيلة شرعية
تحل بها الأيمان ، وذلك لأن الأيمان فى كثير من الأحيان قد تدفع إليها نوبة غضب
جامحة ، فيقسم بالأيمان المغلظة ألا يفعل كذا، أو يفعل كذا، فإذا سكن من فورة
الغضب كان فى حرج شديد. فأما الحنث فى اليمين ، وقد تكون طلاقاً ، ويمين
الطلاق عند فقهاء المذاهب الأربعة معتبرة ، وفى إنضائها خطر الفرقة ، وفى عدم
اعتبارها العشرة المحرمة فى نظرهم ، فكان الفقيه الذى بين وجه الحيلة لتحلة هذه.
اليمين لا يهدم مقصداً من مقاصد الشارع، ولكن يفرج كربة، ويقيل عثرة لمؤمن.
ويوسع ضيقاً، ويدفع حرجاً ، فكانت الحيلة مشروعة، وأمراً مستحسناً.
ولنضرب لذلك مثلين: (أحدهما) فيما يعم أيمان الطلاق وغيرها، والثانى خاص
بأيمان الطلاق ، فمن الأول ما جاء فى كتاب الحيل لمحمد رضى الله عنه أنه لو حلف
شخص ألا يشترى ثوباً من فلان ، ثم أراد أن يشتريه من غير أن يحنث فى البمين
فإنه يوكل شخصاً يشتريه له ، فإنه فى هذه الحال لا يحنث ، لأن العقد يضاف إلى
الوكيل فى البيع والشراء ، وحقوق العقد ترجع إلى الموكل ، والعرف ينصرف
فى الشراء والبيع إلى من يتولى العقد ، والأيمان تفسر على حسب العرف ، ويقيد

- ٤٢٥ -
تفسيرها به ، فكانت يمينه منصبة على حال تولية العقد بنفسه ، ولا يشمل تولى
غيره العقد بالنيابة عنه .
ومحمد فى هذه الحال كان حريصاً كل الحرص على ألا تكون حيلته هذه لعباً
باليمين ، أو عبئاً فى تفسير ألفاظها ، ولذلك يقرر أنه إذا كان الحالف ممن لا يتولى
البيع والشراء بنفسه عادة وعرفاً كالخليفة والوالى، فإنه يحنث ، ولو اشترى وكيله؛
لأن يمينه تنصب على شراء وكيله .
ولقد حكى أن الرشيد سأل محمداً رحمه الله عن هذه المسألة، فقال: (( أما أنت
فنعم، يعنى إذا كان لا يباشر العقد بنفسه ، جعله حانثاً بشراء وكيله له(١).
وفى هذا نرى أن الحيلة ما كانت لجعل الأمر يسير على حكم الشارع فى ظاهر
الأمر فقط، بل إنها تتجه أيضاً إلى المقصود.
(وثانيهما) من الحيل الخاصة بأيمان الطلاق ذلك ما روى من أن أبا حنيفة
سئل عن رجل قال لامرأته: « أنت طالق ثلاثاً إن سألتنى الخلع ولم أخلعك،
وحلفت المرأة بعتق مماليكها، وبصدقة مالها أن تسأله الخلع قبل الليل). هذا هو
السؤال ، وفيه ترى المرأة والرجل قد اندفعا فى القول فهو يحلف بالطلاق الثلاث
إن سألته الخلع ولم يخلع ، وهى تعلق عتق ماليكها وصدقة أموالها كلها إن لم تسأله
الخلع قبل الليل !! إن الطلاق البائن لا محالة واقع، أو عتق الماليك كلها، والصدفة
بالمال كله، كلا الأمرين صعب، عندئذ يعمل أبو حنيفة الحيلة، لإقالة هذه المبرة من
غير إنم ولا منافاة لمقاصد الشرع، فيقول للمرأة: ((سليه الخلع، فتقول المرأة لزوجها:
(إنى أسألك الخلع)) فيقول لزوجها قل لها: ((قد خلعتك على ألف درهم تعطينيها))
فقال الزوج ذلك، فقال أبو حنيفة: ((قولى لا أقبل))، فقالت: ((لا أقبل))، فقال
أبو حنيفة: ((قومى مع زوجك، فقد بركل واحد منكما فى يمينه، ولم يحنث)، (٢).
(١) المبسوط للسرخسى جـ ٣٠ ص ٢٣٢
(٢) الحيل والمخارج للخصاف ، طبع شاخت بألمانيا ص ٢١٦

- ٤٢٦ -
وترى من هذا أن وجه الحيلة لم يتجاوز تنبيههما إلى أقل ما تنطبق عليه الألفاط
الواردة فى اليمين ، ولا يتنافى مع غرضهما، وفى هذا التنبيه قد يسر الأمر عليهما ،
.وفرج كربتهما، وأبقى الأسرة لا تعبث بها جوامع الغضب ، والآراء الفقهية المضيقة.
٢٤٩ - والقسم الثانى ما أدرجه العلماء تحت عنوان الحيل ، وذكروه بين
آحادها أن يبين الفقيه عند الأقدام على عقد ما يذكره العاقد من الشروط ليحتاط
لأمور مترتبة على العقد، وهى من أحكامه ، وقد يستخدمها الطرف الآخر سبيلا
للعبث به، وإضراره .
ولنذكر لذلك مثلين يستبين منهما كيف كانت الأوجه التى يذكرها أئمة المذهب
الحنفى من الشرع غير متجانفة لإنم .
أحد المثالين فى الإجارة ، ذلك أنه من المقرر فى الفقه الحنفى أن الإجارة
تفسخ بالأعذار، وتوسعوا فى معنى الأعذار جداً، حتى اتسع ذلك المبدأ لبعض
الذين يعبثون بحق الفريق الآخر ، ويعمدون إلى إضراره ، فكان بعض الذين
يقدمون على عقد الإجارة يجتهدون فى الاحتياط لأنفسهم ، لكيلا يقدم العاقد
على طلب الفسخ لعذر إلا إذا فى ضرورة تلجئه لذلك الفسخ، وقد ذكرت الحيلة
لذلك فى كتاب الحيل ، وهى أن تجعل الأجرة فى المدد الأولى للعقد قليلة ، وفى
المدد الأخيرة كبيرة ، فمثلا إذا كان العقد لمدة ثلاث سنوات مثلا تجعل أجرة السنة
الأولى عشرين، والسنتين الأخريين مائتين مثلا ، ففي هذه الحال لا يقدم المؤجر على
طلب الفسخ لعذر ، إلا إذا كان فى حال ضرورة ملجثة، أوقريبة منها ، لأن ارتفاع
الأجرة فى السنتين الأخرتين يغريه بابقاء العقد إلى نهاية المدة ، فلا يفسخ إلا إذا
كان ثمة سبب موجب يدفع ذلك الإغراء، ويزيل أثره من النفس .
ولكن قد ذكر المبسوط أنه قد يرفع الأمر إلى بعض القضاة الذين يأخذون
برأى ابن أبى ليلى وهو أن الأجرة مهما يكن توزيعها على المدة فى أثناء إنشاء العقد
فإنها توزع على المدد كلها بمقادير متساوية ، فلا يكون فى هذه الحيلة فائدة ،
والأحوط أن تجعل على صفقتين صفقة بالمدد الأولى بأجر قليل ، وصفقة فى المدد

- ٤٢٧ -
(الأخيرة بأجر كبير(١)، فإن فسخ فى الأولى كان الضرر عليه ، ولا ضرر على
المستأجر ، وكذلك إن فسخ فى الثانية .
المثال الثانى - أن يطلب شخص إلى آخر أن يشتري داراً لنفسه، ويعده بأنه
إذا تم الشراء يشتريها منه بريح يرغب فى مثله بأن يقول له : اشترها، وثمنها ألف،
وإن اشتريتها، فسأشتريها منك بألف وخمسمائة، وليس للأمور رغبة فى ذات الشراء.
وله عنه غناء ، ويخشى إن اشتراها لنفسه يبدو لمن أمره بالشراء ألا يشترى، فتبقى
الدار ملكه، وليس له رغبة فى ذلك، ولا يرى فيها ما يدر عليه الخير ، فذكروا أن
وجه الحيلة فى الاحتياط لنفسه، أن يشتريها من مالكها على أنه بالخيار مدة معلومة (٢).
ويكون له بذلك فى مدة الخيار الحق فى أن يبيعها ، فإن اشتراها فى المدة بت البيع ،
وتم له الربح، والخلاص من الدار، وإن لم يشتر الآمر فى أثناء مدة الخيار فسخ
البيع ورضى من الغنيمة بالسلامة .
هذا هو القسم الثانى، ولا ترى فيه تعطيلا لقصد من مقاصد الشارع ، ولا هدماً
لمبدأ من مبادئه، ولكن ترى فيه إرشاداً لما يكون فيه محافظة على حقوق الشخص من
أن يعبث بها فى المستقبل ، وليس ذلك الإرشاد إلا تطبيقاً للأحكام الفقهية المقررة
فى العقود فى أفق عملى، وبياناً للطريق الذى ينتفع به الناس من هذه المقررات.
٢٥٠ - أما القسم الثالث من الحيل، وهو الحيل الذى يقصد بها الجمع بين بعض
المقاصد الشرعية ، وأحكام العقود التى ينص عليها الفقهاء فى المذهب الحنفي ، فذلك
لأن الشروط التى يجيز الفقهاء اشتراطها فى العقود محدودة ، مرسومة فى دائرة قد
تضيق عن بعض الحقوق التى يرغب فيها بعض العاقدين، ولو شرطوا شروطاً لصيانتها
لفسد العقد أو ألغيت، ولم يلتفت إليها ، فكان الأئمة الأولون فى ذلك المذهب
يذكرون وجه الحيلة لمن يكون لهم رغبة فى اشتراط شرط، والفقه لا يقره، ولكن
الاحتياط يوجب التزام مؤداه، ولنضرب لذلك مثلين :
(١) المبسوط = ٣٠ ص ٢١٦
(٢) المخارج والحيل للخصاف ص ١٩٢

- ٤٢٨ -
أحدهما - رجل يريد أن يدفع ماله لآخر مضاربة(١)، ولكنه لا يؤمن أن
يعبث صاحب العمل بالمال معتمداً على أنه أمين، والأمين لا يضمن، وشرط الضمان
فى العقد شرط غير صحيح، فيكون الشخص بين أمرين ، إما ألا يضارب، وفى ذلك
ضرر به، وضرر بالآخر ، إذ فيه حرمان لنفعهما، وإن قدم المال من غير ضمان كان
ماله عرضة للضياع ، فقالوا : إن وجه الحيلة فى هذه الحال أن يقرضه رب المال المال
إلا درهماً ثم يشاركه بذلك الدرهم فيما أقرضه، على أن يعملا، فما رزقهما الله تعالى
من شىء، فهو بينهما على كذا، وهذا صحيح، لأن المستقرض بالقبض يصير ضامناً
للمقرض متملكا ، ثم الشركة بينهما مع التفاوت فى رأس المال صحيحة ، فالربح بينهما
على الشرط ، كما قال على رضى الله عنه، الربح على ما اشترطا، والوضيعة على رب.
المال. ويستوى إن عملا جميعاً، أو عمل به أحدهما، فربح، فإن الربح يكون بينهما(٢).
هذه حيلة لضمان المضارب رأس المال، وهو أمر يقرر الفقهاء أنه غير جائز،
وأن اشتراطه غير صحيح ، ولكن قد تمس إليه الحاجة ، فكانت هذه الحيلة عند
الحاجة والضرورة ، وما كان الحكم بعدم الضمان أمراً منصوصاً عليه فى كتاب
أو سنة ، وإنما هو أمر اجتهادى للمصلحة، فإذا كانت المصلحة الخاصة بين العاقدين
فى الضمان ، فلماذا لا نعمل الحيلة لإجازته، ولقد كنا نود أن يجيز الفقهاء اشتراط
الضمان ، ولكنهم لم يجيزوه لتسير قواعدهم على إطراد ؛ وهكذا اضطروا لهذه
الحيلة الشرعية .
المثال الثانى - فى الصلح إذا اشترط ضمان شخص معين لبدل الصلح قد يقبل ،
وربما لا يقبل ، فإن هذا الشرط يفسد الصلح لما فيه من غرر ، وذلك لأن الصلح
مبادلة ، وعقود المبادلات تفسدها الشروط التى يكون لأحد العاقدين منفعة فيها،
(١) عقد المضاربة عقد شركة يجعل المال على شخص، والعمل على الثاني على أن يكون الربح بينهما
معلوماً على سبيل الشيوع ، وما ينقص من رأس المال ، فعلى صاحبه .
(٢) المبسوط للسرخسى = ٣٠ ص ٢٣٨ .

- ٤٢٩ -
وفيها غرر، وقد اضطروا أن يوجدوا حيلة لذلك إذا مست الحاجة إليه ، وذلك أن
يكون الكفيل حاضراً ، فيضمنه ، لأنه لا يصح العقد مع هذا الشرط لوجود الغرر
فيه ، وهو أنه لا يدرى أيضمن الكفيل أم لا يضمن، فإذا ضمنه فقد انعدم معنى
الغرر، وإن لم يكن حاضراً ، فالحيلة أن يصالحه على أن فلاناً إن ضمن المال فالصلح
تام، وإلا فلا صلح بينهما، فإذا كان العقد بهذه الصفة كان تمام الصلح بقدر ما ضمن
ولا يبقى غرر إذا ضمن (١).
وهكذا تجد هاتين الحيلتين كانتا للتخلص من بعض قيود العقود الاستنباطية
التى لا تكون متفقة مع المصلحة والحاجة فى بعض الأحوال ، فتضطر الحاجة إلى
التحايل ، لكى يكون العقد متفقاً معها، وغير مفوت مصاحة ولا غرضاً مشروعاً.
٢٥١ - القسم الرابع - أن تكون الحيلة للإلزام بحق تحول القواعد الفقهية
دون ثبوته ، وإذا كان الحكم الدينى والخلقى تابعاً للمقاصد والأغراض ، فالحيلة
فى هذه الحال تكون هى الأمر الدينى الخلقى الفاضل ، لأنها تكون لتوصبل الحق
إلى أهله وللحيلولة دون ضياعه ، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة :
المثال الأول - أنه من المقرر الثابت أن المريض مرض الموت لا ينفذ إقراره
لوارثه بدين إلا بإجازة الورثة ، فإذا كان لزوجه أو لأحد من سائر ورثته دين حقيقى،
ولا سبيل لإثباته إلا الإقرار، والورثة ربما لا يجيزونه ، أو فى الغالب لا ينفذونه،
فالأمر حينئذ يؤدى لا محالة إلى ضياع حق الوارث ، وإلى موت المريض ، وذمته
مشغولة بهذا الدين، وهو مسئول عنه أمام الله ، وفقه الفقهاء يحول بينه وبين براءة
ذمته ، بأداء الحق إلى أهله ، ولبراءة ذمته ، إما أن ينقض الفقهاء قاعدتهم ، وقد
وجدت للاحتياط للورثة ، حتى لا يؤثر بعضهم على بعض بأكثر بما قسم الله سبحانه
وتعالى ، ووقوع ذلك كثير من المرضى ، فنقضها هدم لذلك الاحتياط الذى لا بد
(١) المبسوط = ٣٠ ص ٢٢٤، وهذا المذكور نص عبارته. ويجب أن نقرر لكى يستقيم الكلام مع
القواعد العامة للعقود أن العقد لا وجود له قبل تحقق الضمان لأنه معلق، وعند حضور الضامن ينشأ
العقد والضمان بصيغة جديدة .

- ٤٣٠ -
منه لحماية نظام الميراث ، فلم يبق إلا أن يعمل الأئمة الحيلة ليثبت الحق الذى يخشى.
عليه الضياع، ولتبرأ ذمة المريض أمام الله، ويحمى فى الوقت نفسه نظام الميراث
الذى شرعه الله سبحانه وتعالى.
والحيلة فى ذلك قد ذكرها الخصاف فى كتاب الحيل والمخارج، ونصه: ((إن
كان لامرأة المريض عليه دين مائة دينار أو أكثر .. الحيلة فى ذلك أن تأتى المرأة
برجل تثق به فيقر المريض ، ويشهد على نفسه أن امرأنه كانت وكلنه بقبض مائة دينار
كانت لها على فلان هذا ، وأنه قبض ذلك لها من فلان هذا ، وإذا أشهد على نفسه
بذلك لم يقبل إقراره للمرأة بهذا لتأخذه من ماله، ولكن للمرأة أن ترجع بذلك على
الرجل الذى أقر المريض أنه قبض ذلك منه ويرجع الرجل على الميت بما أقر بأخذه
للمرأة منه ، لأنه يقول قد أقر الميت أنه أخذ منى ما كان لهذه المرأة ولم أبرأ بقوله،
وقد رجعت به المرأة على ، فلى أن أرجع به فى ماله ، فيكون ذلك له ، فإن خاف
هذا الرجل أن تلزمه يمين فى ذلك ، ينبغى للمرأة أن تبيع من هذا الرجل ثوباً بهذه
المائة ، فإن لزمته فى ذلك يمين، كان قد حلف باراً (١).
وترى من هذا المثال أن الحيلة كانت للوصول إلى الحق ، وقد حالت دون
الوصول إليه القواعد الفقهية التى استنبطت الاحتياط لحق الورثة ، ولمنع المريض
من أن يقسم التركة قسمة ضيزى ، بدل قسمة الله العادلة .
المثال الثانى - امرأة طلقها زوجها ، ولها عليه دين بغير بينة ، خلف ما لها عليه
حق، فأرادت أن تأخذه منه، وفى هذا السبيل احتالت فأنكرت أن عدتها قد انتهت،
حتى تمضى مدة تأخذ بها من النفقة الزائدة ما يعادل الدين ، فأقر أئمة المذهب الحنفى
ذلك الاحتيال ، وقالوا: (( يسعها ذلك ، لأنها لو ظفرت بجنس حقها كان لها أن
تأخذه بغير علمه ، فكذلك إن تمكنت من الأخذ بهذا الطريق ، وهذا لأن هذا
الزوج، وإن كان يعطيها بطريق نفقة العدة ، فهى إنما تستوفى بحساب دينها ، ولها
(١) الحيل والمخارج الخصاف ص ١٠١.

- ٤٣١ -
حق استيفاء مال الزوج بحساب دينها، على أى وجه كان منه، فإن حلفها القاضى على
انقضاء عدتها، تخلفت تعنى به شيئاً غير ذلك وسعها، وقد بينا أنها متى كانت مظلومة
تعتبر نيتها، فإذا حلفت ما انقضت عدة، تعنى بها عدة غيرها، وسعها ذلك(١).
وزى من هذا أيضاً أن الحيلة كانت للوصول إلى الحق ، لا لتضييع حق غيره.
المثال الثالث - وهو ما يروى فى كتب المناقب وغيرها عن أبى حنيفة رضى
الله عنه، وهو من قبيل التحايل على اختيار الأنسب والأوفق، والأليق، والأكثر
ملاءمة مع أحوال الأسرة ، وتنظيم العلاقة بين آحادها ، فقد روى الخصاف أنه قد
سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين ، فزفت امرأة كل واحد منهما إلى الآخر ،
فدخل بها ، ولم يعلموا بذلك ، حتى أصبحوا ... فقال أبو حنيفة يطلق كل منهما
امرأته تطليقة، ثم يتزوج كل واحد المرأة التى دخل بها ساعة يطلقها زوجها (٢).
٢٥٢ - هذه هى الأقسام التى هدانا إليها تتبع الحيل المختلفة فى كتابى: محمد
والخصاف ، وهذه أمثلة تعطى للقارىء صورة واضحة لها، لا يحاولون أن يهدموا بها
قاعدة من قواعد الفقه ، بل ليرشدوا الناس إلى أحسن طريق لتطبيقها ، وتيسير
الأمور على من يكون فى ضيق من قيودها، وليتبين طريق الوصول إلى الحق، إن
كانت القواعد تحاجز دونه ،
ولم يقصد الذين نهجوا فى الفقه الحنفى منهج الحيل الذى ابتدأ به أبو حنيفة هدماً
المقاصد الشارع ، بل معاضدتها بحيلهم ومناصرتها ، وقد رأيت فيما سقنا من أمثلة ،
كيف كان أبو حنيفة ومن تبعه يتحرون أن يكونوا فى حيلهم مسهلين لمقاصد الشارع
لا أن يكونوا محاربين ، وتسهيل الأحكام الشرعية بما يتفق مع أغراض الإسلام،
لأنه يسر لا عسر فيه .
٢٥٣ - ولقد وجدنا خلافاً بين أبى يوسف ، ومحمداً فى جواز الحيلة لتفويت
(١) المبسوط = ٣٠ ص ٢٣٨، والجزء الأخير يشير إلى أن المقرر فى باب الحلف أن من حلف ينوى.
شيئاً غير الظاهر بين يدى القضاء لا يأثم إن كان مظلوماً ، ويأثم إن لم يكن كذلك ، لأنه يضيع حق.
غيره ، والمظلوم يسعى فى رفع الظلم عنه .
(٢) الحيل والمخارج ص ٩٦ .

- ٤٣٢ -
الشفعة على الشفيع ، ولم يذكروا لأبى حنيفة رأياً فى ذلك ، ولنذكر الرأيين اللذين
رويا، ومنهما تعرف كيف كان الذين تلقوا منهاج الحيل عن أبى حنيفة يتحرون
كل التحرى فى أن تكون الحيلة غير مفوتة غرضاً من أغراض الشارع، وإلا ما أثير
ذلك الخلاف حول جواز الحيلة فى الشفعة .
يقول أبو يوسف: إن التحايل لإسقاط حق الشفيع فى الشفعة ، أو لإضعاف
رغبته بذكر ثمن كبير يعلنانه ، والثمن الحقيقى يخفيانه - لا بأس به إذا كان ذلك
قبل الشفعة. أما محمد فقد قال : إن ذلك مكروه أشد الكراهة .
ووجهة محمد فى قوله ظاهرة، لأن من يتحايل لإسقاط الشفعة إنما يتحايل لإسقاط
أمر شرعه الله سبحانه وتعالى، وذلك لا يجوز، ولأن من يتحايل لإسقاط الشفعة
إنما يضيع حقاً لغيره، قد أعطاه الشارع له، والاعتداء على حق الغير لا يجوز، وأن
الشارع إذ شرع الشفعة ، إنما شرعها لدفع الضرر عن الشفيع ، فمن يحاول إسقاطها ،
فإنما يسهل الضرر ، وذلك لا يجوز .
أما وجهة أبى يوسف فى اعتباره التحايل لإسقاط الشفعة قبل طلبها أمر لا بأس
به، فهى أن المتحايل لإسقاط الشفعة إنما يحاول أن يدفع الضرر عن نفسه، وما من
بأس على من يعمل لدفع الضرر عن نفسه ، أما وجه الضرر الذى يدفعه ، فهو إن
أخذ الدار منه بغير رضاه، وقد دخلت فى ملكه ضرر لاحق به ، فالعمل على منعه
عمل مشروع، والضرر الواقع على الشفيع قبل طلبه ضرر احتمالى من كل الوجوه،
إذ أن الشفيع يجوز أن يرى فى ذلك المشترى ما يتضرر منه، ويجوز ألا يرى، وإذا
توقع الضرر منه ، فيجوز أن يقع ، ويجوز ألا يقع ، ولا مانع من دفع ضرر واقع
بالمشترى، ولا محالة ، ولو ترتب عليه إسقاط حق فيه دفع الضرر احتمالى.
٢٥٤ - ولقد ذكر صاحب المبسوط أن الحيلة لمنع وجوب الزكاة على ذلك
الخلاف بين أبى يوسف ومحمد ، والحيلة لمنع وجوب الزكاة تكون مثلا بالتصدق
بقدر يجعل النصاب أقل، قبل أن يتم حولان الحول، فإن أبو يوسف جوز ذلك،

- ٤٣٣ -
ومحمد منعه؛ ويقول السرخسى عن أبى يوسف ما نصه: ((استدل أبو يوسف على
ذلك فى الأمالى قال : أرأيت لو كان لرجل مائتا درهم ، فلما كان قبل الحول بيوم
تصدق بدرهم منها، أ كان هذا مكروها، وإنما تصدق بالدرهم ، حتى يتم الحول وليس
فى ملكه نصاب ، فلا يلزمه الزكاة، ولا أحد يقول: إن هذا يكون مكروها أويكون
فيه آثما(١).
ولم يؤثرعن أبى حنيفة قول فى التحايل لمنع وجوب الزكاة، وإن ورعه وتقواه،
وتشدده فى الدين ليمنعه من أن يحتال فى أمر يتصل بالعبادة، وإن فى النفس شيئاً
كثيراً من نسبة هذا الكلام إلى أبى يوسف رضى الله عنه، فإنه أنزه فى نفسه ودينه
من أن يسهل على الناس منع ذلك الواجب الذى قاتل عليه أبو بكر رضى الله عنه،
ففى رواية الأمالى هذه شك كبير، وليست كتب الأمالى من كتب الدرجة الأولى
فى الرواية .
٢٥٥ - ذكرنا هذه الطائفة من الحيل التى تنسب إلى أبى حنيفة أو يحتمل أن
يكون قد أخذ بها، أو أرشد إليها، أو أقرها ولم يعتبر فيها من بأس ، وذكرنا بعض
الحيل الغريبة التى تنسب إلى أبى يوسف رضى الله عنه، وبينا رأينا فيها.
وقد رأيت أن أبا حنيفة ما روى عنه أحد جيلة كان فيها يحاول هدم مقصد من
مقاصد الشارع، أوحكم من أحكامه، بل كانت حيله رحمه الله للتوسعة، ومنع الضيق،
مبينا بها أوجه اليسر فى الأحكام الشرعية .
(١) المبسوط = ٠٠ ص ٢٤٠ هذا نص ماقاله صاحب المبسوط، وإني أتردد كل التردد فى قبول رواية
الأمالى عن أبي يوسف رحمه الله بل أرفضها ، والأمالى ليست فى قوة ظاهر الرواية ، وليست من كتب
الدرجة الأولى التى لا يهمك فى نسبة ما فيها إلى أبى يوسف رضى الله عنه ، ونستبعد كل الاستبعاد أن
يكون أبو يوسف ممن يتحايل لمنع وجوب عبادة من العبادات ، ويجب التنبيه إلى أمرين: ( أحدهما)
أن الكلام فى حيلة الزكاة هو فى منع وجوبها ، لا فى إسقاطها بعد وجوبها، فان ذلك لم يقله أحد من
الأئمة الأعلام ( ثانيهما) أنه لم يؤثر عن أبى حنيفة شىء فى التحايل ، لمنع وجوب الزكاة أو إسقاط حق .
الشفعة ، فحيل أبى حنيفة رضى الله عنه بعيدة عن مظان الريب.
( ٢٨ - ابو حنيفة)

- ٤٣٤ -
ولكن بعض العلماء الأوربيين الذين تصدوا للكلام فى الحيل قالوا فى الدافع
إليها إن فقهاء المسلمين كانوا ينزعون فيما يستنبطون من أحكام فقهية نزغات مثالية،
يبغون المثل العليا، ولكن العمل كان يسير فى طريق لا تتفق مع تلك المثل ، فابتكروا
طريقاً للتوفيق بين تلك المثل، والحياة العملية ، وما يطيقه الناس من تكليفات ،
فكانت الحيل الشرعية .
ثم قرروا فيما قرروا أن الحيلة فى الإسلام تماثل التقية ، وهى إنكار الإسلام،
أو القيام بعمل غير إسلامى خشية أن ينزل به عذاب شديد من حكومة غير مؤمنة ،.
وهو أمر مباح عند الضرورة؛ فكانت الحيلة من هذا القبيل .
فالحيلة فى نظر هؤلاء المستشرقين عمل يوافق فى شكله ومظهره مطالب الشرع.
وهو فى نتيجته احتيال على الخروج من سلطان الشرع ، وتفويت أحكامه.
٢٥٦ - هذه نظرة أولئك العلماء الأوربيين إلى الحيلة ، وهى تتفق إلى حد كبير
مع الحيل التى ابتدعها المتأخرون للتخلص من الأحكام الشرعية ، مع اتفاقها فى ظاهر
الأمر مع أوامر الشارع ، ولكنها لا تنطبق على الحيل المأثورة عن أبى حنيفة وأصحابه
الأولين ، فان حيلهم كانت للوصول إلى الحق أحيانا ولتتفق قيودهم التى قيدوا بها
العقود وأحكامها مع المقاصد الشرعية، لا لتجافيها وتنأى عنها وللتيسير على الناس ،
ومنع الحرج إذا ضيقوا على أنفسهم بإيمان أقسموها، وكانت لإرشاد الناس إلى الشروط
الشرعية التى يحتاطون بها لحقوقهم وحمايتها ، من العبث.
فيل أولئك الأئمة الأجلاء ما كانت لهدم مقصد الشارع ، وجعل الظاهر فقط
موافقاً، بل كانت لتحقيق الأغراض الشرعية وتسهيلها، وتيسير التكلف، ودفع الحرج،
فكانت فقها جيداً ، وتطبيقاً مرناً لقواعد العقود وشروطها ، قد سهله العرفان
الكامل لأحوال الناس ؛ وما يصلح لها .
وكانوا يجتهدون فى ألا يكون فى حيلهم ما يهدم مقصداً شرعياً، وقد رأيت
اختلافهم فى الحيلة لإسقاط الشفعة قبل المطالبة بها؛ وكيف كان محمد يباعد الحيلة دونها؛
وأبو يوسف إذ يقرر جواز الحيلة يشدد فى ألا تكون قبل ثبوت الحق بمطالبة الشفيع.

- ٤٣٥ -
المذهب الحنفى ونموه
٢٥٧ - المذهب الحنفى الذى تلقته الأجيال ، وتدارسه العلماء، وخرجوا المسائل
على ما استنبط من أصوله ، ليس هو أقوال أبى حنيفة وحده ، ولكنه أقواله وأقوال
أصحابه، وإن شئت فقل أقوال مدرسة أبى حنيفة التى كانت بالكوفة ثم انتقلت بعد
موته على يد تنيذيه أبى يوسف ومحمد إلى بغداد .
ولماذا كان ذلك المزج، فلم يتميز مذهب له قائم بذاته، كما تميزت أقوال مالك،
وكما تميزت أقوال الشافعى من قبل ؟ لقد تضافرت عدة أسباب نجعات المذهب الأفى
هو ذلك المزيج من الآراء التى لأبى حنيفة وأصحابه وبعض المعاصرين له من فقها.
العراق ، كعثمان البتى ، وابن شبرمة وابن أبى ليلى، فإنه يذكر فى ضمن كتب ذلك
المذهب أقوال لأولئك الفقهاء، وإن لم تكن من المذهب على التحقيق.
(١) وإن من هذه الأسباب أن أقوال الإمام عندما روبت لم ترو مفصولة
متميزة بحيث يمكن استخلاص أقوال الإمام منفردة، وتكوين وحدة فكرية خالصة
اله من كل الوجوه من غير اقتران أقوال الصحاب به، فإن الإمام محمداً رضى الله
عنه عند جمع أقوال فقهاء العراق ، فلم يجمع أقول أبى حنيفة وحده ، ولم يفصل آراءه
عن آراء غيره من أصحابه، وبعض معاصريه، بل ألقى بالفروع والحلول ما بين
ـتفق عليه ، ومختلف فيه ، فجاءت الأجيال ، وتوارثت تلك المجموعة الفقهية ، التى
تجمع أقوال فقهاء العراق فى الجملة، وأقوال أبى حنيفة وتلاميذه خاصة ، ونهج مثل
ذلك النهج غير الإمام محمد من روى فقه أبى حنيفة ، وإن أرادوا ذكر خلاف بعض
الأصحاب الذين لم يعن محمد فى كتب ظاهر الراية بذكر خلافهم ، إذ لم يذكر فيها
ـثلا خلاف زفر، وهكذا نجد الرواية لآراء أبى حنيفة تذكر مخلوطة بالرواية عن
أثيره، وممزوجة بها، وعلى ذلك النهج تدارس العلماء تلك الآراء؛ وسموها المذهب
الحنفى، واختاروا للنسبة اسم كبير أولئك الأئمة وشيخهم.
(ب) ومن الأسباب أيضاً ما كان يعمد إليه أبو حنيفة عند دراسته للمسائل

- ٤٣٦ -
العلمية المختلفة ، واستخلاص حكم للوقائع، أو الأمور الفرضية ، إذ أنه كان يعرض
المسائل ، ويسمع آراء تلاميذه ويجادلهم ، ويحادلونه ، وينازعهم القياس وينازعونه،
ويفرضون الحلول ، ويتفقون على واحد منها أحيانا ، ويتخالفون أحيانا ، ويظهر
أنه كان رحمه الله تعالى لشدة ورعه، وإيمانه بالحق، واحترامه لحرية الرأى، كان
يدعو تلاميذه أن يأخذوا بما يتجه إليه الدليل ، ولقد كان أو يوسف بدون آراء
أبى حنيفة كما علمت، ويدون آراءه، فانتقلت تلك الآراء وكانت هى مجموعة هذه
الدراسة، وكانت ثمرات تلك المدرسة الفقهية ، فالمذهب الحنفى على ذلك هو مذهب
هذه المدرسة التى تتدارس، وتتذاكر، وتستنبط الحلول، فيختلف العلماء فيها أو
يتحدون، ومهما يكونوا فى اختلافهم أو اتحادهم فهم مدرسة واحدة صارت فى
الأجيال من بعد مذهباً واحداً .
(ح) ولم تكن الرابطة الجامعة بين آراء أولئك الأعلام هو تلك الصحبة التى
جعلت آراء كل واحد معروفة عند الآخر ، بل إن التلمذة، ثم الصحبة ، ثم تدارس
الأقوال من بعد، جعل تلك الأقوال مهما تختلف أوتتحد تنتهى إلى أصول واحدة،
فالأصول التى كان يسير عليها أبو حنيفة هى نفس الأصول التى ارتضاها تلاميذه فى
حياته أو من بعده، على اختلاف يسير فى بعضها، واختلاف فى تطبيقها فأبو يوسف
مثلا بما درسه من بعد من حديث ، وما أكثر من رواية بسبب تلاقى فقهاء الرأى
والحديث. وامتزاج المدارس الفقهية المختلفة كان أكثر استدلالا بالحديث من شيخه
وأخذ بأحاديث لم يأخذ بها شيخه، وكذلك الشأن فى محمد رضى الله عنه، وليس
منشأ ذلك الاختلاف فى أصل الاستدلال بالحديث ، بل منشأ ذلك العلم بحديث
يعلم به أبو حنيفة ، أو الثقة برواة لم يثق بهم.
ولقد كان اتحاد الأصول سبباً ثالثا من أسباب ذلك المزج الذى جعل مجموع
تلك الآراء مذهباً واحداً .
٢٥٨ - ولقد يحسب بعض الفقهاء أن أقوال أبى يوسف ومحمد وغيرهما إن
هى إلا اختيار من أقوال لأبى حنيفة ، لأنه كان رحمه الله لشدة ورعه يفرض
١
===
ر
و

- ٤٣٧ -
المسألة فروضاً مختلفة ، ويختار من بينها فرضاً يرجح لديه ، ويرد الفروض الأخرى،
وقد يختار رأياً ويعدل عنه، فزعم أولئك الفقهاء أن أقوال الأصحاب ، ما هى إلا
أقوال لأبى حنيفة قد عدل عنها .
وقد حكى صاحب الدار المختار عن أبى يوسف أنه قال: ((ما قلت قولا خالفت
فيه أبا حنيفة ، إلا قولا قد قاله)).
وروى عن زفر أنه قال: (( ما خالفت أبا حنيفة فى شىء إلا قد قالة)).
وجاء فى الحاوى (( وإذا أخذ بقول واحد منهم يعلم قطعاً أنه يكون به آخذاً بقول
أبى حنيفة، فإنه روى عن جمع أصحابه الكبار ، كأبى يوسف، ومحمد، وزفر،
والحسن أنهم قالوا : ما قلنا فى مسألة قولا، إلا وهو روايتنا عن أبى حنيفة،
وأقسموا عليه أيماناً غلاظاً ، فلم يتحقق إذن قول فى الفقه ولا مذهب إلا له كيفما
كان، وما نسب إلى غيره إلا بطريق المجاز )).
هذا ما جاء فى الحاوى ، وأحسب أن هذه مبالغة ، فما كانت أقوال أبى يوسف
كلها ، أو أقوال محمد كلها على ذلك النحو ، إنه بذلك يكاد بحردهم من صفات
المجتهدين المستقلين، بل يكاد يفنى شخصياتهم بجوار شخصية شيخهم ، حتى أنه ليعد
نسبة الأقوال إليهم على سبيل المجاز، لا على سبيل الحقيقة.
إن أبا حنيفة بلا شك كان فى أثناء استنباطه يفرض أحياناً عدة حلول للمسألة
التى يستنبطها بالقياس أو الاستحسان، وينحى بعض الفروض التى لا يراها تستقيم
مع معاملات الناس ، أو لا تضبط بوجه من أوجه القياس، أو لا تتفق مع مقاصد
الشارع فى نظره ، وقد يخالفه تلاميذه فى حياته ، أو من بعده فى بعض هذه الحلول
التى استبعدها، فلا يصح فى هذه الحال أن يقال إنهم بهذا يختارون قولا قد قاله ،أو
رأياً قد ارتآه ، ثم أعرض عنه .
وقد يكون اختيار أبى يوسف أو محمد أو زفر لرأى قد ارتآه فعلا أبو حنيفة ،
ولكنه عدل عنه ، وحينئذ يكون ذلك القول بمثابة المنسوخ من أقواله ، فإذا
اختار أحد من أصحابه الفتوى به ، لا يكون ذلك أخذاً بقوله ، بل يعد قد خالفه