Indexed OCR Text
Pages 401-420
- ٣٩٨ - ويجب أن يلاحظ أن أبا حنيفة إذ أطلق للمرأة الحرية ذلك الإطلاق ، قد قيدها بالكفء ، ومهر المثل ، فهو يقرر أن لها أن تزوج نفسها من تشاء بشرط أن يكون كفئاً ، وأن يكون المهر مهر المثل ، فإذا زوجت نفسها من غير كفء ففى رواية الحسن بن زياد لا يصح الزواج ، بل يفسد إذا كان لها ولى وعاصب لم يتقدم العقد رضاه، لأن الزواج من غير كفء يضر أسرة المرأة ، وتتعير به، فكان من حق الأسرة أن تتدخل لمنعه ، وجعل الأمر فى ذلك للولى العاصب القريب ، فإن رضى قبل الزواج تم ولزم، وإن لم يرض قبل الزواج فسد. وإن زوجت نفسها بكفء وبأقل من مهر المثل ، وكان للولى العاصب الاعتراض على الزواج ، ليتم المهر إلى مهر المثل ، أو بفسخ الزواج ، فأبو حنيفة رحمه الله لا يمنع المرأة من حقها، خشية سوء الاستعمال ، ولكن يجعل للأوليا. حقاً إذا أساءت الاختيار، وكان ذلك يمس الأسرة. - ٣٩٩ - لا يمنع عاقل بالغ من التصرف فى ماله ٢٢٣ - لا يمنع بالغ عاقل قد بلغ رشيداً من ماله، ولا يحجر عليه فى أى تصرف يتصرفه بشأنه ، هكذا يقرر أبو حنيفة الحر ، وهو بهذا يخالف جمهور الفقهاء؛ إذ أنهم يقررون الحجر على السفيه، وأبو حنيفة يمنعه . والسفيه هو من لا يحسن القيام على تدبير ماله ، فينفق فى غير مواضع الإنفاق . وللسفيه حالان: (إحداهما)، أن يبلغ سفيها، وقد اتفق أبو حنيفة مع جمهور الفقهاء على أنه لا يعطى ماله، بل يمنع منه عملا بقوله تعالى: ((ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياماً، وارزقوهم فيها، واكسوهم)). ولكنه يختلف معهم فى هذه الحال فى موضعين : (أولهما ) أن جمهور الفقها. يقررون أنه يمنع من التصرفات القولية فى ماله مع منعه منه ، فليس له أن يقر بحق لغيره ولا أن يبيع ولا أن يشترى. أما أبو حنيفة فقد روى عنه فى ذلك روايتان : إحداهما أن ماله لا يسلم إليه ، ولكن عقوده، وكل تصرفاته القولية صحيحة كتصرفات غيره من العقلاء لأن أهليته تكمل بمجرد البلوغ عنده، ومنع المال لكيلا يتمكن من التمكن من إنفاق المال وضياعه ، ولأن المنع تأديب وزجر . الرواية الثانية: أن الشخص إذا بلغ سفيهاً استمر الحجر عليه ، فيمنع من ماله ولا تنفذ تصرفاته فيه ، وتلك هى الرواية الراجحة . ( الموضع الثانى) أن جمهور العلماء يقررون أن الشخص إذا بلغ سفيهاً استمر الحجر عليه ، حتى يرشد، فما لم يرشد لا يرفع الحجر عنه ، ويستمر ناقص الأهلية ولو بلغ أرذل العمر لأن علة نقص الأهلية هو نقص العقل أو عدم القدرة على إدارة شئونه المالية ، فمابقيت هانان الحقيقتان أو إحداهما فالحجر مستمر ، لبقاء. علته ودواعيه . وقال أبو حنيفة: إن الشخض إذا بلغ خمساً وعشرين سنة دفع إليه ماله ، - ٤٠٠ - ولو كان سفيهاً ، ما دام عاقلا ، لأنه يبلوغه الخامسة والعشرين لا ينفع فيه زجر ولا تأديب، ورحم الله أباحنيفة، فقد روى عنه أنه قال: ((إذا بلغ الخامسة والعشرين (احتمل أن يكون جداً، فأنا أستحى أن أحجر عليه)). والأصل عند أبى حنيفة أن الشخص متى بلغ عاقلا كملت أهليته ، ولكن إن بلغ سفيهاً لا يسلم إليه ماله خشية أن يكون ذلك السفه بفعل الصبا، وغرارة الشباب الباكر، فمنع من ماله تأديباً وتربية، وبعد الخامسة والعشرين لاموضع للتربية ، فليسلم إليه ماله، وليذق نتائج تصرفاته إن خيراً خير ، وإن شراً فشر. ولقد وجدنا علم النفس يؤيد نظر أبى حنيفة فى التفرقة بين حال الشاب قبل الخامسة والعشرين وبعدها، فعلماء النفس والتربية يقررون أن العادات النفسية والخلقية قبل الخامسة والعشرين تكون فى دور التكوين ، وتكون مرنة ورخوة وتكون أكثر مرونة قبل العشرين ، وبعد الخامسة والعشرين تتكون العادات وتتخذ لها مجارى فى النفس ، ويصعب جد الصعوبة تغييرها ، فإذا كان الفتى سفيهاً مبذراً لماله، وهو لم يبلغ الخامسة والعشرين ، فعسى أن يكون منع المال عنه تأديباً له مغيراً لتلك العادة ، ولكن بعد الخامسة والعشرين يصعب تغييرها ، فليترك حبله على غازبه . ٢٢٤ - هذه حالة السفه الأولى. أما حال الثانية ، فهى بلوغة رشيداً ، ثم سفهه بعد ذلك ، وهنا يخالف أبو حنيفة ومعه زفر جمهور الفقهاء مخالفة مطلقة ، فأبو حنيفة يقرر أنه لا يحجر عليه ، وجمهور الفقهاء يقررون الحجر عليه . ومن هذا يتبين أن أبا حنيفة يسير على أصل واحد، وهو أن من يبذر فى ماله ليس لأحد أن يحجر عليه ، وهو كامل الأهلية سواء أبلغ عن تلك الحال ، أم عرضت له بعد بلوغه رشيداً، لا نقص فى تصرفاته مطلقاً بيد أنه إن أبلغ سفيهاً يمنع عنه ماله مدة من الزمان ، عملا بنص الآية ، وتأديباً له وزجراً فى زمن التأديب والزجر . - ٤٠١ - أما إذا بلغ غير مبذر فليس لأحد عليه من سبيل، وهو صاحب الشأن فى ماله ينفقه حسما يشاء، والله وحده محاسبه. ولنذكر لك ما عساه يكون سنداً له من مصادر الشرع الشريف، كما نذكر حجة الجمهور ، وليتأمل القارى. وجهة نظر الفريقين. ٢٢٥ - قد استدل لمذهب أبى حنيفة بأدلة من القرآن الكريم ، وبآثار صحاح من السنة النبوية ، وبأصول فقهية استقامت عنده. (١) فأما القرآن فعموم قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) وقوله تعالى: ((وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسئولا)، وقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل؛ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وغير ذلك من الآيات التى وردت فى الحث على الوفاء بكل التزامات العقود . وهو خاطب بها، مكلف كل التكليف ، مأمور من غير نقص بأوامرها ، إذ السفه لا يمنع التكليف ولا يسقط الخطاب. والتبذير لا يمنع المبذر من الدخول فى عموم المؤمنين المكلفين . وإذا كان الأمر كذلك فالمبذرون مطالبون بمقتضى التكليف العام وتوجه الخطاب لهم - بالوفاء بعقودهم ، سواء أكانت هبات مالية أم عقود مبادلات ما دام مناط الالتزام قد تحقق ، وهو التراضى ، ولو قلنا إن المبذر لماله - بعض عقوده باطلة ، وبعض عقوده غير نافذ لكان مؤدى ذلك أن يكون الوفاء غير مطلوب منه، ويكون ذلك تخصيصاً لعموم القرآن الكريم بغير نصوص صريحة قاطعة فى دلالتها. ولم يقم من النصوص القرآنية والأحاديث المشهورة ما يصلح مخصصاً للقرآن الكريم، وإذن فكل عقود المبذر واجبة الوفاء، والحجر عليه ليس له أساس من الشرع الإسلامى . (ب) وأما السنة النبوية فقد روى قنادة عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع، وفى عقدته ضعف، فأتى هله فى اللّه عَّ له، فقالوا يا فى اللّه: احجر على فلان، فإنه يبتاع وفى عقدته (٢٦ - أبو حنيفة) - ٤٠٢ - ضعف ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، ونهاه عن البيع، فقال . يا رسول الله: إنى لا أصبر عن البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بعت فقل: لا خلابة لك الخيار ثلاثاً . وقد روى ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع فى البيع، فقال النبى صلى الله عليه وسلم له: ((إذا بايعت فقل لا خلابة)). فدل هذا على أن الرجل الذى يغبن فى البياعات ، وهو من نوع السفهاء وذوى الغفلة بلا ريب لا يمنع من التصرف فى ماله، ولو كان يمنع لأجاب النبى صلى الله عليه وسلم أهل الرجل إلى ماطلبوا، ولكنه لم يجبهم، بل طلب إلى الرجل أن يمتنع مختاراً عن البيع ، ويسترشد برأى غيره أو يشترط لنفسه الخيار ، ولو كان جزاء الغين. والتبذير المنع من التصرف لمنعه النبي صلى اللّه عليه وسلم من التصرفات، بعد أن ثبت الوصف الموجب للمنع والحجر ، ولكنه لم يفعل ، فدل ذلك على أن السفه والغفلة كلاهما لا يوجب حجراً ولا منعاً . (ح) وأما دليل ذلك من الرأى، فمن وجهين : أحدهما - أن الشخص ببلوغه عاقلا سفيهاً أو غير سفيه قد بلغ حد الإنسانية المستقلة ، والشخصية المنفردة بشئونها ، فأى منع له من التصرفات أذى لإنسانيته وإهدار الآدميته، ومن الكرامة التى يستحقها الإنسان بمقتضى هذه الإنسانية أن يكون مستقلا فى أمواله وإدارتها ، ينال الخير من تصرفاته الحسنة ، ويتحمل مغبة تصرفاته السيئة، ولا يصح لأحد أن يقول إن من مصلحته الحجر عليه ، فإن الحجر فى ذاته أذى لا يعد له أى أذى ، إذ لاشىء آلم للحر من إهدار أقواله. ولا يصلح لأحد أن يقول إن مصلحة الجماعة فى الحجر على السفهاء حجراً مالياً لأن مصلحة الجماعة أن تفنقل الأموال إلى الأيدى التى تحسن استغلالها ، بدل أن تبقى على ذمة من لا يحسنون القيام عليها ، ويقام غيرهم لحراستها . إن من مصلحة الجماعة أن تنتقل الأموال من الأيدى الخاملة إلى الأيدى العاملة ، لكى يتمكن - ٤٠٣ - الإنسان من أن يكشف عن كل ما فى الأرض من كنوز ، وإذا وصل المال إلى بد رعناء لم تستطع إمساكه ، فليترك لتلقفه يد أخرى تستطيع المحافظة عليه واستغلاله ، فمنع السفهاء والحجر عليهم ليس إذن مصلحة للناس ، ولا مصاحة للسفهاء ، إذ هو أذى لإنسانيتهم ، وإذا كان أبو حنيفة قد استحيا أن يحجر على ابن الخامسة والعشرين فذلك دليل على مقدار على شأن الإنسانية فى نظره رحمه الله تعالى. ثانيهما - أن السفيه غير محجور عليه من عقد الزواج بمهر المثل ، وغير محجور من الطلاق والعتاق ، بل موضع الحجر عليه الأمور المالية الخالصة ، وكيف يكون حراً فى الزواج والطلاق والعتاق، ويكون مقيداً فى الأموال !! إن الزواج أخطر شأناً ، ويحتاج إلى رأى وحسن تدبير ، فكان أحرى بالمنع ، فإذا نفذ باتفاق الفقهاء فكان أولى بالنفاذ العقود المالية، لأن خطرها أقل ، وشأنها عند الله والناس أهون، وسوء المغبة فيها أقل من الزواج إن لم يحسن التصرف فيه ، ثم إن جواز الزواج، والطلاق دليل على كمال الأهلية وصلاحية العبارة لإنشاء العقود والالتزامات ، وترتب آثارها من غير توقف على إرادة أحد فلا وجه إذن للمنع ، وإنه لمن الغرابة أن ينفذ عقد زواجه ، ولا ينفذ عقد إجارته لحانوت أو ما يشبهه. ولقد قرر الفقهاء الذين حجروا عليه أن إقراراته فى غير المال نافذة ، وفى المال غير نافذة ، فإن أقر بحد أو قصاص أقيم عليه الحد، واقتص منه ، فكيف يسوغ إقراره فى هذه الحال ، وينفذ فيه الحد والقصاص ، وهما يسقطان بالشبهات ولا ينفذ إقراره بالمال ، وهو أهون شأناً وأقل خطراً ، ويثبت مع الشبهة . ٢٢٦ - هذه الأدلة هى التى تؤيد رأى أبى حنيفة ، أما ما يساق لجمهور الفقهاء من الأدلة، فيعتمد على بعض نصوص قرآنية ، وبعض آثار عن الصحابة ، وأوجه من الرأى والنظر . - ٤٠٤ - (١) فأما القرآن فقوله تعالى: ((ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياماً ، وارزقوهم فيها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفاً ، وقوله تعالى: فإن كان الذى عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ، أو لا يستطيع أن يمل هو ، فليملل وليه بالعدل)، فدلت الآية الأولى على أن السفيه لا يسلم إليه ماله، بل ليس له التصرف فى ماله، إلا أنه يرزق ويكسى، أما وسائل تنمية المال وحفظه وصيانته فليست له ، وتأيد هذا المعنى بالآية الثانية ، لأنها فرضت أن للسفيه ولياً هو الذى يتولى إنشاء صيغة عقد المداينة ، وإملاء الكتابة ، ولو كان للسفيه أن يتولى العقود ، وينشىء التصرفات المالية ما كان له ولى يتولى عنه، وما أمر اللّه وليه أن يتولى الإملاء عنه بقوله تعالى: ((فليملل وليه بالعدل)) وإذا كان السفيه لا يعطى ماله، ولا يتصرف فيه، وله ولى، فهو محجور عليه(١). (ب) وأما الآثار المروية عن الصحابة، فهى ماروى عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أنه أنى الزبير بن العوام، فقال إنى ابتعت بيعاً ، ثم إن علياً يريد أن يحجر علىّ (( فقال الزبير فإنى شريكك فى البيع، فأنى على عثمان بن عفان، فسأله أن يحجر على ابن أخيه عبد الله، فقال الزبير: أنا شريكه فى البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير !! )، فدل هذا على أن الحجر على السفيه قضية معروفة عند الصحابة ، وإلا ما طلبها على، ولم يستنكر أحد من الصحابة طلبه، فلم ينكره الزبير ، ولم ينكره عثمان، وإن كان كلاهما رأى أن عبد الله بن الزبير قال عندما باعت بعض رباعها لتنتهين ، وإلا حجرت عليها ، فقالت لله على ألا أكله أبداً، فهذا يدل على أن ابن الزبير وعائشة قد رأيا جواز الحجر (٢): (١) رد أبو حنيفة هذا الدليل بأن المراد من السفهاء فى الآية الأولى الصغار، لأن أل للعهد الذكرى والمذكور هم اليتامى، فهم الصبيان أو الذين بلغوا السفهاء، ولم يصلوا إلى خمس وعشرين سنة . وكذلك المراد فى آية المداينة ، ولا دليل يعين أنهم المبذرون . (٢) يصح أن يرد هذا الاستدلال بأن الأثرين لا يتجاوزان أنهما فتاوى للصحابة وفتوى الصحابي ليست حجة معارضة للنص فلا يصح الرجوع إليها عند وجود النص . - ٤٠٥ - وأما دليلهم من الرأى والنظر ، فهو مصلحة السفيه المالية فى منعه ، فإن ترك وشأنه ضاع ماله، وكان كلا من الناس . وإن سبب الحجر فيه متحقق ، فإن السبب فى الحجر على الصغير الخوف من ضياع ماله(١) وضياع المال فى السفيه واضح، لأن تبذيره محقق لا ريب فيه، وإذا كان سبب الحجر متحققاً فيه، فلا بد أن يتحقق أثره، وهو الحجر بالفعل ، هذا ومن مصلحة الناس أن يحجر على سفهاتهم، لأنهم إن أضاعوا أموالهم كانوا علة على المجتمع يطعمهم ويكسوهم أو يعيثوا فى الأرض فساداً . هذه أدلة الفريقين، أو ما عساه أن يستدل به للفريقين ، ونرجو أن نكون قد حكيناها على وجهها . (١) يخرج رأى أبى حنيفة على أساس أن العلة فى الحجر على الصبى هو العجر بسبب الصبا، وذلك لا يتحقق فى السفيه . - ٤٠٦ - منع أبى حنيفة الحجر على المدين ٢٢٧ - وقد كان أبو حنيفة متمسكا برأيه كل الاستمساك فى إطلاق حرية القول والرأى للبالغ العاقل ، فهو لا يسمح بأهدار أقوال المدين فيما يملك قط ، فلا يحجز عليه فى تصرف مالى، ولا يمنع من أى إقرار يقره ، وسواء أكان بمال أم بغيره . وقد اتفق العلماء على أن القاضى له أن يحبسه لأداء ديونه إذا كان مليئاً، يستطيع الأداء، وذلك لأن مطل الغنى ظلم ، والظلم يجب رفعه ، فيحمل المدين على رفعه بالحبس ، فيؤدى ما عليه من حقوق ثابتة حكم بها القضاء، وهو يستطيع ، إذ لديه من المال ما يؤدى منه . وقد وافق أبو حنيفة جمهور الفقهاء فى ذلك القدر ، لأنه السبيل الذى يبرر سلوكه لاستيفاء الدائن دينه ومنع ظلم المدين بمطله وامتناعه عن الوفاء مع القدرة عليه ، وبذلك يجمع بين مصلحة الدائن ، وحرية المدين بالقدر الممكن . ولكنه خالف جمهور الفقهاء بعد ذلك فى أمرين : ( أحدهما) فى جواز الحجز عليه ، ومنعه من التصرفات القولية ، وإبطال هذه التصرفات إذا لم يحجزها الدائنون . ( وثانيهما) فى جواز بيع مال المدين جبراً عنه وفاء لدينه . ٢٢٨ - وبيان ذلك أن جمهور الفقهاء مع تقريرهم حبس المدين وملازمته لحمله على الوفاء بالدين أجازوا الأمرين السابقين ، ليتم الوفاء بالفعل ، فكان الدائن عندهم له حقان : حق المطالبة بالحبس للحمل على الوفاء، وحق الحجز، والمطالبة يبيع مال المدين ، ليتم الوفاء . والحجر إنما يكون عندهم إذا كانت الديون مستغرقة كل ماله، ويكون موضوع الحجر هو المال الذى كان للمدين وقت الحكم بالحجر، أما المال الذى يكتسبه بعد الحجر عليه ، فأقواله فيه تنفذ، ولا تحتاج إلى إجازة الدائنين ، وحجتهم فى ذلك - ٤٠٧ - أن مصلحة الناس فى ذلك الحجر، لأنه لو نفذت تصرفاته وإقراراته، لأدى ذلك إلى ضياع حقوق الدائنين ، إذ يبيع أمواله بيعاً صورياً ليهرب من الديون، أو يقر بالمال لغير الدائنين، فتذهب حقوقهم ، وتضيع أموالهم ظلماً ، ويجب الاحتياط لحفظ الأموال، وهو ظالم بالامتناع عن الأداء، فحقوق الدائنين أولى بالاعتبار ، لأنها لا ظلم فيها . وحجة أبى حنيفة أن الحجر عليه فيه ضرر أكثر من الضرر اللاحق بالدائنين فى تأخير حقوقهم، لأن إهدار الأقوال ضرر كبير لا يعدله تأخر الحقوق؛ وإنه يمكن الجمع بين حقه فى حرية القول وتنفيذ التصرف القولى وحقهم فى الاستيفاء، وذلك بحبسه وحمله على الوفاء، وضرر الحبس دون ضرر إهدار القول ، وفيه الكفاية لرعاية حقوق الدائنين ، وإن خوف التلجئة بأن يبيع أمواله ويضيع حقوقهم أمر غير واقع، ولا يصح أن يدفعنا الحرص على حقوق الدائنين، بإنزال ظلم واقع بالمدين، لخشية ظلم متوقع أو موهوم للدائنين . وهكذا يدفع أبا حنيفة الحرص على حرية العاقل البالغ إلى منع الحجر على المدين ولو وقع فى ظلم المطل ، ويكتفى فى الحمل على الوفاء بالحبس . ٢٢٩ - أما الأمر الثانى وهو بيع أموال المدين فقد قرر الصاحبان مع جمهور الفقهاء أن البيع يجوز إذا طلب الدائن وأمر القاضى سواء أكانت أموال المدين مستغرقة بالديون أم غير مستغرقة ، بل يجوز الأمر بالبيع ، ولو كانت الديون لا تستغرق المال . وقد استدلوا على ذلك بأدلة من الآثار، ودليل من الفقه والرأى . أما الآثار فبيعه صلى الله عليه وسلم مال معاذ فى أداء ديونه، وذلك لأن معاذاً رضى الله عنه ركبته ديون فباع النبى ماله، وقسم تمنه بين الغرماء بنسبة ديونهم. ولقد باع عمر بن الخطاب رضى الله عنه مال أسيفع جهينة فى أداء دينه . وكان قد افترضه ليسبق الحجاج، وقال فى ذلك عمر رضى الله عنه: (( أيها الناس إياكم والدين، فإن أوله هم، وآخره حزن، وإن أسيفع جهينة قد رضى من دينه وأمانته - ٤٠٨ - أن يقال سبق الحاج، فأدان معرضاً ، فأصبح وقد دين به ، ألا إنى بائع عليه ماله ، فقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص، فمن كان عليه دين فليفد ،(١) . قال عمر بن الخطاب هذا فى جمهرة المسلمين ، ولم ينكر عليه أحد، فكان هذا اتفاقاً من المجتمعين على جواز بيع مال المدين للوفاء. وأما الدليل من الفقه والرأى فهو أن الأصل أن من يمتنع من الوفاء بحق وجب عليه ، واستحق الوفاء، ينوب القاضى منابه فى ذلك، وذلك لأن امتناعه مع وجوب الوفاء ظلم ، وللقاضى ولاية رفع الظلم، وقد تعين البيع طريقاً لرفعه، فكان للقاضى الأمر بالبيع لرفع ذلك الظلم . وحجة أبى حنيفة فى استمساكه بحرية المالك فيما يملك حرية مطلقة - تقوم على أساس من عموميات القرآن الكريم، والحديث النبوى، وأصل من الفقه والرأى . أما القرآن الكريم، فقوله تعالى: ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، فهذه الآية تصرح بأن أساس البيوع التراضى فلا بد من رضا المالك ، وإذا باع القاضى جبراً عنه ، فليس فى ذلك رضا ، فلا يجوز. وأما الحديث النبوى، فهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال أمرى. مسلم إلا بطيبة نفس منه، ونفسه لا تطيب ببيع القاضى ماله جبراً عنه . وأما الفقه والرأى، فهو أن المطالب به ليس هو البيع، بل الوفاء، ولا يتعين البيع سبيلا للوفاء، فقد يرزقه الله مالا آخر يكون فيه الوفاء، وإذا كان البيع ليس متعيناً سبيلا للوفاء، فليس بمتعين لرفع الظلم ، وإذن فليس للقاضى أن يلجأ إليه لأن من حقه رفع المظالم، وسلوك مايتعين طريقاً لذلك ، ولم يتعين البيع طريقاً، والحبس سبيل للجبر على الوفاء، متفق عليه، وقد ورد به الأثر فلا يسلك سواه لرفع الظلم . وأما حديث معاذ رضى الله عنه فيدفع الاحتجاج به بأن رسول الله صلى الله. عليه وسلم إنما باع مال معاذ بطلب معاذ نفسه ، لأنه ما كان فى ماله فى ظاهر الأمر (١) المبسوط السرخسى جـ ٢٤ ص ١٦٤. - ٤٠٩ - وفاء، فسأل رسول اللّه عَّ اله أن يتولى بيعه، لينال بركته صَ له ، فيكون فيه ونا .. ولا يظن بمعاذ رضى الله عنه أنه كان يأبى أمر رسول الله عَ ليه بالوفاء أو البيع. وأما الأثر المروى عن عمر رضى الله عنه فإنه إن كان قد وجد بيع يحمل على أن ذلك كان برضاه، وإن لم يكن بيع، وإنه قسم ماله بين الدائنين ، فيحمل على أن المال كان من جنس الدين ، ويجوز ذلك للقاضى بلا ريب. ١٣٠ - هذا هو رأى أبى حنيفة فى الحجر على المدين، وبيع القاضى ماله جبراً عنه، ترى فيه أبا حنيفة يسير على ما رسمه لنفسه ، وهو الاستمساك بحرية المالك فى ملكه حرية تامة ، فلا يمنع من التصرف ؛ ولو كان المنع فى مصلحة نفسه ، لأنه أدرى بهذه المصاحة ، ولأن ضرر إهدار القول فوق ضرر الحرمان من المال . ولا يمنع من التصرف لمصلحة غيره ، لأن الظلم الذى يقع عليه بذلك المنع فوق الظلم الذى يقع بغيره، ولأن إهدار قوله لا يتعين سبيلا لدفع الظلم الواقع على غيره. - ٤١٠ - كل مالك حر فيما يملك ٢٣١ - تذكر كتب ظاهر للرواية أن أبا حنيفة يرى أن المالك حر فى ملكه، يتصرف فيه كيف يشاء ، بلا قيد قضائى يقيده ، وليس لأحد إجباره على شىء لا يريده فى ملكه إلا لضرورة أو نقص فى أهليته، كما أنه ليس لأحد منعه من التصرف فى ملكه، ولو تضرر من ذلك غيره ، إلا إذا كان لغيره فى ملكه حق عينى ؛ كق صاحب العلو على السفل . وذلك لأن معنى الملك يقتضى إطلاق اليد من التصرف إطلاقاً تاماً ، والمنع إنما يكون لتعلق حق غيره به ، فإذا لم يتعلق به حق عينى لا يمنع ، وعلى ذلك يكون للشخص أن يصنع فى عقاره ما يشاء ، فله أن يفتح النوافذ فى بيته من غير قيد .ولا شرط، وله أن يحفر بيراً أو بالوعة ، ولو كان ذلك يوهن بناء جاره ، ولو فعل شيئاً من ذلك أو مثله حتى وهن الجدار ((فسقط، لا ضمان عليه ، لأنه لم يتعد على جاره ما دام ما يفعله فى دائرة ملكه ، ولا ضمان إلا مع التعدى ، ولأن منعه من الانتفاع بملكه - فيه ضرر ينزل به من غير مبرر يبرره، ولا يصح أن يدفع الضرر عن غير المالك بضرر المالك، لأن فى ذلك نقضاً لأصل الملكية، إذ لو كان الضرر يبرر منع المالك من التصرف لفقد المالك حرية التصرف، وليست حرية التصرف إلا معنى الملك . ٢٣٢ - هذا رأى أبى حنيفة فى مدى حق الملكية، وحرية التصرف ، يطلقها فى الملك إلى أقصى غايتها ، ويمنع القضاء من التدخل لدفع الضرر عن غير المالك ، ما دام التصرف فى دائرة الملكية ، وما دام غيره ليس له حق عينى متعلق بماله . ولكن هل معنى ذلك أن المالك لاقيد يقيده؟ لقد ترك التقييد للديانة، لا للقضاء فإن الديانة توجب عليه ، ألا يؤذى جاره ، ولا يستحدم ما يملك طريقاً لأذى غيره ، وإن وازع الدين فوق كل وازع، فهو إذ منع القضاء من التدخل ، لم يستجز الأذى ، بل قرر أن ذلك حرام ديانة ، وإن لم يتدخل القضاء، وترك - ٤١١ - ذلك للناس يسوونه فيما بينهم ، وقد يجدى أكثر مما يحدى تدخل القضاء ، فإن تشابك المنافع يحملهم على الجادة أكثر ما يحملهم سلطان القضاء ، ويروى فى ذلك .أن شخصاً شكا إلى أبى حنيفة من بئر حفرها جاره فى داره ، وأنه يخشى منها على جداره ، فقال أبو حنيفة احفر فى دارك بجوار تلك البئر بالوعة ، ففعل ، فتزت البتر، فكبها مالكها ، وترى من هذا أنه لم يذكر الشاكى أن له أن يجبر جاره على كبس البئر بالالتجاء إلى القضاء ، بل ذكر له تلك الحيلة ، وليست إلا من قبيل التصرف فى الملك ، وهى ضرر قد دفع ضرراً ، فسلم الفريقان من الأذى ، وهكذا يقاتل السوء بالسوء فتكون السلامة . ٢٣٣ - هذا هو رأى أبى حنيفة رضى الله عنه فى تصرف المالك فى ملكه، لا يمنعه من الضرر غيره بحكم القضاء ما دام تصرفه فى دائرة ما يملك ، وإنما يمنعه بحكم الديانة ، وبتقدير الناس فيما بينهم. ولكن جاء المتاخرون من فقهاء الحنفية ، فاستحسنوا أن يمنع الجار من التصرف فى ملكه تصرفاً يضر بجاره ضرراً فاحشاً بيناً ، لحديث لا ضرر ولا ضرار ، ولأن الناس فى عصورهم قد تركوا ما أوجبه عليهم الدين من وجوب رعاية الجار، فحقت عليهم كلمة القضاء، لحملهم على منع الإضرار إذ لم يكن عندهم من الضمير :المتدين ما يرغمهم، وليس القضاء إلا منفذاً لأحكام الشرع ما أمكن التنفيذ. ولا يتدخل القضاء لمطلق ضرر، بل للضرر الفاحش البين ، وقد حده كمال الدين ابن الهمام فى فتح التقدير فقال: ((هو ما يكون سبباً للهدم، وما يوهن البناء سبب له، أو يخرج عن الانتفاع بالكلية، ويمنع الحواتج الأصلية كسد الضوء بالكلية)). ولا يعتبر من الضرر الفاحش منع أشعة الشمس ، أو سد منافذ الهواء على المساكن، لأنه يمكن الانتفاع مع ذلك فى الجملة . وهذا الذى سار عليه المتأخرون هو رأى مالك ، فقد جاء فى تهذيب الفروق القرافى ما نصه: «مما هو معلوم لا شك فيه أن من ملك موضعاً له أن يبنى فيه، ويرفع فيه البناء ما لم يضر بغيره ، وأن له أن يحفر فيه ما شاء ويعمق ما شاء ما لم يضر بغيره، خالانتفاع بالملك عند مالك رضى الله عنه مقيد بقيد، وهو عدم الإضرار بغيره. - ٤١٢ - الوقف لا يقيد الواقف ولا يلزم ورثته ٢٣٤ - سار أبو حنيفة على الأساس الذى قرره ، أو يؤخذ من فروعه أنه قرره، وهو أن المالك لا يتقيد فى ملكه المطلق ، فلا يقيده قاض ، ولا يمنع من التصرف ، ولو لحق غيره بعض الضرر من تصرفه ، وإذا كان الدين أمره بألا يؤذى ، فإن ذلك متصل بالتدين النفسى ، لا بالمنع القضائى. وإذا كان القضاء لا يقيده ، فهو أيضاً لا يقيد نفسه ، وعلى ذلك لا يلزم الوقف ، لا فى حقه ، ولا فى حق ورثته ، وعلى ذلك فالوقف عنده يأخذ حكم الإعارة، ويجوز جوازها، كما صرح بذلك صاحب الإسعاف، إذ قال ((الصحيح أنه جائز عند الكل ، وإنما الخلاف بينهم فى اللزوم وعدمه، فعند أبى حنيفة رحمه اللّه يجوز جواز الإعارة، فتصرف منفعته إلى جهة الوقف، مع بقاء العين على حكم ملك الوقف . ولو رجع عنه حال الحياة جاز مع الكراهة)). ولقد قال صاحب البدائع إنه يجب وجوب النذر ، عند أبى حنيفة فقد جاء فيه : ((لا خلاف بين العلماء فى جواز الوقف ، فى حق وجوب التصدق ما دام حياً، حتى إن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض ، ويكون بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة)). والتوفيق بين ما ذكره صاحب البدائع ، وما ذكره صاحب الإسعاف أن صاحب البدائع يذكر ذلك الوجوب من ناحية الديانة ، إذا كان الوقف لجهة البر ،. وصاحب الإسعاف يذكر الجواز من ناحية القضاء ، وفى كلتا الحالتين لا يقيد الوقف المالك عند أبو حنيفة فلا يمنعه من التصرفات ، وتمضى على ما يريد ، لأن. العين لم تخرج من ملكه ، وله فيها حرية التصرف الشرعية كاملة . ٢٣٥ - ونرى من هذا أن أبا حنيفة سار على مبدئه، وهو حرية المالك فما، يملك ، لا يقيده شىء، ولا يقيد نفسه . - ٤١٣ - وقد استدل لرأيه فى الوقف، وهو أنه لا يمنعه من التصرف فى العين بأدلة من :النقل وأدلة من الرأى. (١) ومن النقل ما رواه الطحاوى عن ابن عباس أنه قال: ((سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول بعد ما أنزلت سورة النساء، وأنزل فيها الفرائض: ((نهى عن الحبس)) وأخرج البيهقى عن ابن عباس أيضاً: (أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت آية الفرائض ((لا حبس عن فرائض الله)، ولا شك أن منع المالك من التصرف فى العين وعدم انتقالها إلى الورثة فيه حبس عن فرائض الله. (ب) وقد روى عنه أيضاً أن عمر رضى الله عنه قال فى شأن وقفه الذى أمره به النبى صلى الله عليه وسلم: ((لولا إنى ذكرت صدقتى لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم لرددتها ، فل هذا على أن الوقف لا يمنع الرجوع، بل لا يمنع التصرف فى العين الموقوفة ، وأن عمر ما امتنع عن الرجوع إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فارقه على أمر، فلم يشأ الرجوع فيه، وفاء للرسول، وبرأ به، .ومحبة وطاعة له . (-) وإن فى حبسه عن التصرف مناقضة للمبادىء الفقهية المقررة. لأن من المقرر فقهياً قاعدتين . إحداهما أن الملكية تقتضى حرية التصرف بالبيع والهبة والرهن ، وتنويع الاستغلال، فكل تصرف يمنع الحرية باطل إذا لم يرد به نص شرعى صريح، لأنه يفصل اللازم عن الملزوم . ثانيهما - أن الشىء إذا وقع فى ملك أحد، لا يخرج من ملكه إلى غير مالك. وفى الوقف الذى يمنع التصرف مناقضة لإحدى القضيتين لا محالة ؛ لأننا إن قلنا إإنه باق على ملك الواقف ، كما قال مالك والشيعة الإمامية ، كان فى ذلك مناقضة القاعدة الأولى ؛ لأنها ملكية لا أثر لها؛ وإن قلنا إنه خرج إلى غير مالك كان فى ذلك - ٤١٤ - مناقضة للقاعدة الثانية ولا عبرة بما يقال من أنه خرج إلى حكم ملك الله ؛ لأن الله. سبحانه وتعالى يملك كل شىء، والملكية التى نعرفها هى ما تقتضى حرية التصرف بالبيع والهبة والرهن ، وتنتقل إلى الورثة بحكم الميراث ، وكل هذه أمور لا تنسب لله . فقول أبى يوسف ومحمد إن الملكية فى الأوقاف لله كلام مجازى، وليس فيه حقيقة فقهية ، إلا إذا قيل إن الملكية لله معناها أن الملكية لبيت المال، ولا نعلم أحداً صرح بذلك، ولو قيل هذا القول لكان باطلا ، لأن الأوقاف لا تتقيد بمصارف بيت المال، فكيف يقال: ((إن الأوقاف ملك لبيت المال، أو ملك الله على معنى أنها ملك لبيت المال)). وأيضاً فمتولى بيت ليس له حق البيع، فلا معنى إذن لهذه الملكية . ٢٣٦ - هذه الأدلة التى تساق لإثبات رأى أبى حنيفة الذى خالف به جماهير الفقهاء. وقد استدل لهم بأدلة كثيرة من الآثار، منها وقف عمر رضى الله عنه الذى أشار عليه به النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها وقف سائر الصحابة ، حتى لقد قال فى ذلك جابر (لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف)) ولقد قال الشافعى فى الأم : ((لقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، ولقد حكى لنا عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا بلون صدقاتهم، حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة ، لا يختلفون فيه ، وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة لكما وصفت، ولم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف، ويلونها حتى ماتوا . وإن نقل الحديث فيها من التكلف)) . ويؤيد كلام الصاحبين بالفقه، فيقولون: إن خروج الشىء إلى غير مالك أمرقد يقر فى الشرع ، كما أقره الشارع فى العتق، فليس العتق إلا إخراجاً لعين مملوكة إلى غير مالك. والحق أن قياس الوقف على العتق قياس غير مستقيم، لأن الوقف على منطق - ٤١٥ - الصاحبين فيه خروج شىء من شأنه أنه يملك ، وطبيعته أن يكون ملوكاً ، يجرى عليه. البيع والشراء، والهبة والإيهاب ، إلى غير مالك. أما العتق ففك لغل الرق عن آدمى، ليس من شأنه أن يملك ، بل الرق أمر عارض له، والعتق رافع لغله، رادّ له إلى. أصله، ففى الوقف إخراج للشىء عن أصله، وفى العتق رد الشىء إلى أصله، فلا يقاس ذاك على هذا .. ٢٣٧ - هذا نظر أبى حنيفة إلى الوقف ، وجده غلا يمنع المالك من أن ينصرف فى ملكه ، ووجده غير مستقيم الأسس الفقهية ، ووجد آثاراً تؤيد نظره ومهما يكن كلام الفقهاء فى هذه الآثار، فقد كانت راجحة فى نظر أبى حنيفة، لأن رواتها ثقات ، وعقله الحر ، جعله يسيغها أكثر مما عارضها من آثار، لأنه يتفق مع ما يميل إليه ، وهو إعطاء المالك الحرية المطلقة، فى إدارة ما يملك والتصرف بكل أنواع التصرفات التى يعطيها الشارع إياه ، غير مقيد إلا بالقيود الصريحة المحكمة التى لا تقبل تأويلا ، ولا تخريجاً . ٢٣٨ - هذه أبواب من الفقه ترى فيها مع تفرقها، وتوزع مناحبها ، وتغاير موضوعاتها نسقاً فكرياً واحداً يجمعها، وهو تقدير الحرية الشخصية ما أمكن وتنفيذ تصرفات الحر البالغ فيما يملك ما أمكن التنفيذ ، ليس لأحد عليه من سبيل ما دامت تصرفاته فى حدود ملكه وفى شئون نفسه ، ولا سلطان للقضاء عليه فيما يملك. فالمرأة لها الولاية الكاملة فى شأن زواجها، وإن كان الزواج يمس أسرتها بعار، كان للأولياء حينئذ سلطان، فليس للأولياء عندها أمر إلا إذا تزوجت بغير كفء ينال الأسرة منه عار . والسفيه لا يحجر عليه ، لأن له الحرية الكاملة فى ماله ، وهو يتحمل تبعات. تصرفاته كلها ، إن خيراً خير ، وإن شراً فشر . - ٤١٦ - ولا يحجز على المدين ، ولا يتصرف فى ماله ، ولكن يجبر على أداء دينه ، بكل وسائل الجبر والإكراه وليس للدائنين ولا للقاضى على ماله حق تصرف قط ، بل ليس لهم إلا أداء الدين ، والإكراه على أدائه حفظاً للحقوق ولا شىء وراء كل ذلك . ولا شىء يقيد المالك فى ملكه ، ولو قيد هو نفسه ، لا يتقيد، لأن حق الملكية ، هو حق التصرف ، فما دام مالكا فهو المنصرف ، ولا ينفصل اللازم عند الملزوم . - ٤١٧ - الحيل الشرعية ٢٣٩ - ذكر جل العلماء أن أبا حنيفة أثرت عنه طائفة من الحيل الفقهية كان يفتى بها من يكون فى ضيق ، فيخرجه منه بحكم فقهى متفق مع المقرر فى الشريعة ، ولقد رأينا فى المناقب طائفة من هذه المخارج ، بعضها فى الإيمان ، وبعضها فى غيرها . ولقد أدعى بعض الناس أن له كتاباً فى الحيل كان فيه يفتى الناس للتحلل من الأحكام الشرعية . والقيود الفقهية ، حتى لقد روى أن عبد الله بن المبارك قال: ((من كان عنده كتاب الحيل لأبى حنيفة يستعمله أو يفتى به، فقد بطل حجة، وبانت منه امرأة، كما روى عنه أيضاً أنه قال: ((من نظر فى كتاب الحيل لأبى حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحله الله)). ولكن ذلك الكتاب لم يعثر عليه ، حتى يدرس ، ونعرف منه مقدار مدى الحيل ، أهى توسعه من ضيق بعض القيود المذهبية، وتخريج الأحكام فى الدائرة الشرعية، بحيث يكون الدين يسراً لا عسر فيه، أم هى خروج" على الدين، وفتح الباب للهروب من الأحكام ، وإسقاطها فى الدنيا ، من غير أن يقوم بالواجب الشرعى فيها ؟ لم نجد ذلك الكتاب ، ولذلك فقد المصدر الذى يعتمد عليه فى معرفة الحيل التى قالها أبو حنيفة، كما دونها هو . وإن عدم وجود هذا الكتاب ، وما حكينا عن أبى حنيفة من أنه لم يدون كتابا فى الفقه ، وأن تلاميذه كانوا يدونون بإشرافه أحيانا - يجعلنا نرجح أنه لم يؤلف كتاباً بهذا الاسم ، ويقوى ذلك الترجيح ، ويسقط دعوى التأليف أن عبد الله بن المبارك الذى يرون عنه هذا القول، كان من تلاميذ أبى حنيفة الذين يقدرونه حق قدره ، وأنه هو الذى بين آراء أبى حنيفة وقيمتها ، ومكانه من الفقه للأوزاعى بالشام ، وأنه مهد للقائهما بدار الخياطين بمكة ومناظرتهما ، كما نوهنا (٢٧ - أبو حنيفة)