Indexed OCR Text
Pages 321-340
- ٣١٨ - لأنه يقتضى فى فصل غير مجتهد فيه ، بل هو موضع اتفاق ، ويناقض الإجماع .. ولو كان اتفاق التابعين لا يعد إجماعاً لجاز للقاضى أن يحكم بصحة البيع ، لأن الأمر. ليس فيه إجماع، بل هو فصل مجتهد فيه، وقد اختلفت فيه الصحابة ، فإذا قضى بصحة البيع، فقد صادف حكمه قول صحابى ، فينفذ قضاؤه، فما المروى فى هذا عن أبى حنيفة وأصحابه ؟ لقد روى عن محمد رواية واحدة، وهى أن البيع باطل ، ولو قضى بصحته قاض كان قضاؤه باطلا لا ينفذ، ولذلك قال العلماء إن رأيه أن الإجماع ينعقد ويكون حجة ، ولوكان الفصل الذى انعقد فيه الإجماع قد كان موضع خلاف عند السلف ، إذ الإجماع اللاحق ينسخ الخلاف السابق . أما أبو حنيفة فقد روى عنه روايتان ( إحداهما): أن قضاء القاضى ببيع أمهات الأولاد لا ينفذ ، وبذلك يكون رأى أبى حنيفة ومحمد واحداً، ورواية أخرى رواها أبو الحسن الكرخى أنه ينفذ ، وبذلك يكون رأى محمد مخالفاً لرأى شيخه أبى حنيفة، وهناك رواية ثالثة ذكرها جامع الفصوليين، وهى أن القضاء ينفذ إذا أمضاه قاض آخر . لا شك أنه على الرواية التى تمنع صحة الحكم بالبيع يكون رأى أبى حنيفة أن مثل هذا الاتفاق من التابعين إجماع يعتد به، ويكون ملزماً للأخلاف ولو كان السلف الصالح من صحابة محمد صَّ له اجتهاد فيه، ورأى مخالف. أما على الروايه التى تجيز حكم القضاء بصحة بيعهن ، فقد اختلف تخريجها ، فقال الكرخى وشمس الأئمة الحلوانى وغيرهما : إن هذا يدل على أن أبا حنيفة رضى الله عنه يشترط لاعتبار الإجماع حجة ملزمة لا يجوز القضاء بغيرها ألا يكون الأمر الذى اتفق الفقهاء فى عصر من العصور عليه موضع اجتهاد واختلاف بين الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم. وقال بعضهم إنه لا خلاف بين أبى حنيفة ومحمد فى هذا المقام ، بل تخريج قول أبى حنيفة فى هذا على هذه الرواية أن ذلك الإجماع المتأخر، لأن كثيرين من - ٣١٩ - العلماء قد قالوا إنه ليس بإجماع ، كان مختلفاً فيه فإذا جاء قاض وأجاز بيع أمهات. الأولاد ، فقد اختار الأخذ بعدم اعتبار ذلك الإجماع ، وذلك فصل مجتهد فيه ، فيجوز قضاؤه وينفذ، فإذا كان أبو حنفة قد أجازه فليس ذلك لأنه لا يعتبر هذا الإجماع، بل إنه يعتبره ، ولكنه يعترف بأنه مجتهد فى انعقاده حجة ، فإذا اختار قاض عدم انعقاده حجة احترم قضاؤه . وعلى هذا التخريج يكون الإجماع منعقداً عنده، ولو كان فى فصل قد اختلفت فيه الصحابة ، وكان الإجماع اختياراً لأحد القولين . ١٥٠ - هذا هو الفرع الذى استنبط منه بعض العلماء خلاف أبى حنيفة مع محمد فى اعتبار - هذا النوع من الإجماع ملزماً ، أو عدم اعتباره ، ولقد وضعنا بين يدى القارىء طريق استنباط ذلك الشرط ، والخلاف فيه ، أو عدم الخلاف وترى أنه مبنى على ادعاء إجماع التابعين على عدم جواز بيع أمهات الأولاد ، فهل دعوى ذلك الإجماع ثابتة لا مجال الشك فيها ؟ لقد وجدنا شيخ التابعين بالمدينة سعيد بن المسيب يمنع بيعها ، ووجدنا شيخ الكوفة إبراهيم النخعى يمنع بيعها ، ووجدنا أبا حنيفة يروى عن شيخه عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب أنه كان ينادى على منبر رسول اللّه عَّ اله إن بيع أمهات الأولاد حرام، إذا ولدت الأمة لسيدها فليس عليها رق بعد(١) فهل يعد اتفاق إبراهيم فقيه الكوفة وسعيد بن المسيب فقيه المدينة دليلا على الإجماع، وهل اتفق معهم أيضاً جميع فقهاء التابعين بالبصرة ومكة والشام ، واليمن وغيرها من الاقطار والأمصار ، وأخبر كل تابعى عمن قبله من المجتهدين أنه قال ذلك . لقد رجعنا إلى مبسوط السرخسى شارح كتب ظاهر الرواية فى باب أم الولد فوجدناه يذكر أن بيعها موضع خلاف وأن رأى الجمهور ، ومنهم الحنفية أن البيع غير صحيح، ثم يحتج للجمهور بالحديث؛ وآثار الصحابة ، والقياس ، ولا يحتج بالإجماع لأن انعقاد الإجماع من التابعين فى بيع أمهات الأولاد موضع نظر. (١) الآثار لأبي يوسف ص ١٩٢ . - ٢٢٠ - وإذا كان انعقاد ذلك الإجماع موضع نظر، وأدعاؤه لا دليل عليه، فكل ما أنبنى عليه من استنباط ليس موضع تسليم ، لأنه بنى على أمر لم يثبت، ولو سلمنا أن الإجماع قد انعقد من التابعين على عدم بيع أمهات الأولاد فهل ثمة دليل على أن أبا حنيفة اعتبره الحجة فى هذا، لقد وجدناه فى الآثار يحتج بخبر عمر ، ولا يذكر إجماعاً . أنه لم يتعرض له بنفى ولا إثبات . والحق أن التخريج فى هذه القضية لا يعتمد على أساس سليم يصح الإنسان أن يعتقد أن فكرة الإجماع سلباً أو إيجاباً كانت مسيطرة على أبى حنيفة فى دراسته لها وانتهائه فيها إلى ما انتهى إليه من أحكام فى البيع والقضاء به . ١٥١ - ولقد ذكر علماء الأصول فى المذهب الحنفى أن الإجماع حجة قطعية وقال بعض العلماء أنه حجة ظنية(١). وفصل غير الإسلام فجعل الإجماع ثلاث مراتب : أعلاها إجماع الصحابة ، وجعله كالحديث المتواتر ، والأدلة القطعية - يوجب قطعاً لأنهم هم الذين شاهدوا وعاينوا، والثانى إجماع من بعدهم فى فصل غير مجتهد فيه، فيكون كالحديث المشهور المستفيض ، والثالث الإجماع فى فصل مجتهد فيه، فإنه فى هذه الحال يكون كبر الآحاد يعتبر ظنياً فقط ، وتكون فيه شبهة، وهذا كله إذا نقل خبر الإجماع بطريق التواتر ، أما إذا نقل خبر الإجماع بطريق الآحاد ، فإنه لا يوجب يقيناً ، ولو كا إجماع الصحابة لأن إجماع الصحابة وإن أفاد القطع فى ذاته نقله بطريق (١) ولقد فصل بعض العلماء تفصيلا حسناً، فقال: إن كان الحكم المجمع عليه مما يشترك الخاصة والعامة فى معرفته مثل إعداد الصلوات وركعاتها ، وفرض الحج والصيام ، وزمانها ، ومثل تحريم الزني وشرب الخمر والسرقة والربا - كفر منكره ، لأنه صار بإنكاره جاحداً لما هو من دين الرسول قطعاً ، فصار كالجاحد بصدق الرسول عليه السلام . وإن كان مما ينفرد الخاصة بمعرفته، كتحريم تزوج المرأة على عمتها وخالتها، وفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة . وتوريث الجدة السدس ، وحجب بنى الأم بالجد ، ومنع توريث القاتل لا يكفر باحده، ولكن يحكم بضلاله وخطئه، لأن هذا الإجماع ، وإن كان قطعياً أيضاً ، إلا أن المنكر متأول، والتأويل مانع من الكفر. - ٣٢١ - الآحاد جعل الظن يحيط بالنقل، وصار كحديث الآحاد، لأن أقوال رسول اللّه ص اله فى ذانها تفيد القطع فى الدين، ولكن الظنية فى أحاديث الآحاد جاءت فى نقلها . والإجماع فى كل حال مقدم على القياس . ويقول :فر الإسلام البزدوى: ((من أنكر الإجماع فقد أبطل دينه، لأن مدار أصول الدين كلها ومرجعها إلى إجماع المسلمين)). ١٥٢ - هذه خلاصة موجزة أشد الإيجاز لما قاله نفر الإسلام فى الإجماع، فهل يحكى فى نظره فى كل هذا أقوال أبى حنيفة وأصحابه ؟ الظاهر ذلك، وإن لم يبين العماد الذى يعتمد عليه فى نسبة هذه الآراء إليهم . ومهما يكن أمر نسبة هذه الأحكام إلى أبى حنيفة وأصحابه ، فإننا نجد من الحق أن نشير إلى أمر قرره نفر الإسلام وغيره من علماء الأصول، وهو أن العلماء الذين قرروا أن الإجماع حجة، قرروا مع ذلك أن يكون الإجماع له سند، فلا يمكن أن يجمع العلماء على أمر إلا إذا كان لهم سند من الشرع بعثهم على الإجماع، ويسمى ذلك نور الإسلام السبب الباعث على الإجماع ، وذلك السند أو السبب الباعث حديث، أو قياس، ولكن بعد انعقاد الإجماع لا يبحث عن سنده ، بل يعتبر هو فى ذاته حجة، تفيد الإلزام ، ولا يصير الإلزام فيها بخبر الآحاد ، أو القياس ، بل بذات الإجماع ، فلا يكون ثمة مناقشة فى سند الإجماع ، أهو يؤدى إلى ما قال أم لا يؤدى حتى لا يكون ثمة مجال لتخطئة المجمعين وذلك ليتحقق معنى الحديث : (( لا تجتمع أمتى على ضلالة)). ١٥٣ - هذا أمر مقرر ثابت ينسب إلى أبى حنيفة وغيره من العلماء، وهو فى مرتبة البدهيات يعرفه كل الذين يعرفون ما قرره العلماء بشأن الإجماع. وبجد من الحق علينا فى هذا المقام أن نناقش بعض الكتاب الأوروبيين فى بعض ما قرروه بالنسبة لحكم الإجماع عند المسلمين ، فقد قالوا : الحديث النبوى الذى يعتبر أساس الإجماع هو: ((إن أمتى لا تجتمع على ضلالة)) يضاف إليه الآية ١١٥ من سورة النساء التى يتوعد الله فيها: ((ومن يتبع غير سبيل المؤمنين))، والآية ١٤٣ من سورة البقرة: ((وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً)). (٢١ - ابو حنيفة) - ٣٢٢ - وقالوا: على هذا يكون فى مقدور الناس أن يخلقوا بطريقة تفكيرهم وأعمالهم. عقائد وسنناً ، لا أن يسلموا بما تلقوه عن طريق آخر حسب، وقد أصبح بفضل الإجماع ما كان فى أول الأمر بدعة أمراً مقبولا، نسخ السنة الأولى ، فالتوسل بالأولياء مثلا صار عملياً جزءاً من السنة. وأعجب من هذا أن الاعتقاد بعصمة النبى قد جعل الإجماع ينحرف عن نصوص واضحة فى القرآن، فلم يقتصر الإجماع على تقرير أمور لم تكن مقررة من قبل فحسب، بل غير عقائد ثابتة وهامة جداً تغييراً تاماً، وعلى هذا فهو يعتبر اليوم عند الكثيرين مسلمين وغير مسلمين - وسيلة فعالة للإصلاح ، فهم يقولون إن المسلمين يستطيعون أن يجعلوا من الإسلام ما شاءوا ، على شريطة. أن يكونوا مجمعين. على أن الآراء غير متفقة فيما يمكن أن ينتظر للإجماع، جولد سيهر الذى درس تاريخ الإجماع يعتقد أنه يمكن أن يكون له شأن كبير على خلاف سنوك هرجونية الذى يرى أن الفقة قد جمد، ولذلك فلا رجاء فى الإجماع)) (١). ١٥٤ - هذا كلام الأوروبيين فى الإجماع: وهو يدل على أنهم لم يفهموا ماقيل. حول الإجماع على وجهه الصحيح . فهم ذكروا الإجماع على أنه حقيقة مقررة فى الإسلام ثابتة ثبوتاً لا مجال للنظر فيه بأى نوع من النظر ، وأن الإجماع هو إجماع العامة ، وأنه يتناول فى شمول أحكامه ما يتصل بالعقائد والعمل ، وأنه يعارض الكتاب الكريم، والقطعى من آياته فى دلالاتها، وأحاديث رسول اللّه صَيّ ◌َله، وأنه يقدم على الكتاب والسنة ، وأنه يمكن أن يكون سبباً فى بناء شريعة جديدة غير ما جاء فى كتاب الله وسنة رسوله ، وأنه بالإجماع تغيرت عقائد، وجاءت عقائد لم تكن ثابتة . وذلك فى مجموعه فهم خطأ للإجماع والقائلين به ، لأن قضية كون الإجماع حجة ليست موضع إجماع من المسلمين ، بل من المجتهدين الذين لهم مقام فى الاجتهاد معروف من أنكر وجوده ، ومنهم من اعترف به حجة ، ولكن إذا نوقش فى قضية ادعى الإجماع فيها أنكر وجوده ، حتى إن الشافعى لم يسلم به لمناظر قط إلا فى الإجماع فى أصول المسائل، وكون الصلوات خمساً، وعدد ركعات الفرائض (١) دائرة المعارف الإسلامية، العدد السابع من المجلد الأول مادة ( إجماع)، وترجمة الجامعيين. - ٣٢٣ - ونحو ذلك ، ولم يعتبر أحمد بن حنبل من أنواع الإجماع حجة إلا إجماع الصحابة ، فالإجماع ليس قضية مسلمة . والذين قرورا أن الإجماع حجة اتفقوا على أنه حجة بعد كتاب الله وسنة رسوله عَّ اللّه، وأنه لا يعارض كتاب الله تعالى، والمشهور المستفيض من سنته عن له ، وكثيرون من العلماء على أنه حجة ظنية إلا ما قال بعض هؤلاء من أن إجماع الصحابة وحده هو الذى يكون حجة قطعية . وإن الإجماع المعتبر عند عامة العلماء هو إجماع المجتهدين لا إجماع العوام ، إلا فى المسائل الدينية التى لا تحتاج إلى نظر واستنباط وتأمل وكالصلوات وعددها ، فإن إجماع العامة فيها معتبر. وإن الإجماع إذا كان حجة ظنية ، وهو رأى الأكثرين ، فهو فى العمل دون الاعتقاد . وأن العلماء الذين اعتبروا الإجماع حجة ، قد اتفقوا على أنه لابد له من سند من كتاب الله أو سنة رسوله صرت لي، أو قياس صحيح يحمل فيه الحكم على نص من كتاب اللّه تعالى، وإذا كان لابد من سند النص أو الحمل على النص ، فكيف يعارض الكتاب الكريم ويقدم عليه ؟ نعم إن الإجماع إذا كان السند الذى اعتمد عليه حديث آحاد ، فإنه يصبح الثبوت بالحكم بعد الإجماع كالثبوت بالمشهور من الأحاديث ، لما أعطاه الإجماع عليه من قوة . هذه هى الحقائق المقررة فى الإجماع، وقد قالها العلماء فيه ، ولكن الأوروبيين يفهمون الأمور كما يريدون، ولا يفهمون المسائل كما هى فى ذاتها، حتى إنهم يقررون أن البدع بعد الإجماع عليها تصبح سناً ، وهذه فردية على الإسلام ، لأنه لم يجمع على بدعة من جهة ، ولأن البدعة مهما يكن أمر الآخذين بها وعددهم هى ضلالة ، كما قال رسول اللّه مَّ الله: (( كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار)). إن الإجماع فى شرعيته إنما كان حجة بعد النص، لمراعاة وحدة الجماعة وتوحيد رأيها ، ومنع العمل بالشاذ من الآراء. - ٣٢٤ - ٥ - القياس ١٥٥ - نقلنا لك أن أبا حنيفه كان إذا لم يجد نصاً فى كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول اللّه صَ الله، ولا فتوى صحابى، واجتهد واتجه إلى الرأى يتعرف وجوه النظر المختلفة للمسألة، وأنه كان يتجه إلى القياس أحياناً ، وإلى الاستحسان أحياناً ، ومصلحة الناس وعدم الحرج فى الدين رائده ، فهو يأخذ بالقياس إلا إذا قبح الأخذ بالقياس، ولم يتفق مع معاملات الناس ، فيأخذ حينئذ بالاستحسان وتعامل الناس هاد له فى استحسانه وقياسه معاً . وعلى ذلك نقول كما قررنا فى صدر كلامنا إنه كان يأخذ من وجوه الرأى ، ومناحيه بالقياس، والاستحسان، وعرف الناس، ولكل فى اجتهاده مقام واعتبار، ولنتجه إلى أولها الذى اشتهر به ، وهو القياس. ١٥٦ - والقياس الذى أكثر منه أبو حنيفة قد ضبطه العلماء من بعده فى تعريف جامع مانع ، فقالوا إنه بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه بأمر معلوم حكمه بالكتاب، أو السنة ، أو الإجماع، لا شتراكه معه فى علة الحكم. وإن اجتهاد أبى حنيفه ومسلكه فى فهم الأحاديث ، مع البيئة التى عاش فيها ، من شأنه أن يجعله يكثر من القياس ، ويفرع الفروع على مقتضاه ، وذلك لأن أبا حنيفة فى اجتهاده ما كان يقف عند بحث أحكام المسائل التى تقع بل يتسع فى استنباطه، فيبحث عن أحكام المسائل التى لم تقع، ويتصور وقوعها، ليستعد للبلاء قبل نزوله، ويعرف الخروج منه إذا وقع ، كما أشارت عبارته التى نقلناها من قبل، وإن ذلك بلا ريب يتقاضاه أن يستنبط العلل الباعثة للأحكام والغايات المناسبة لشرعيتها ، ويبنى عليها، ويجعل العلل مطردة فى كل ما تنطبق عليه. ولقد كان مسلك أبى حنيفة فى فهم النصوص يؤدى إلى الإكثار من القياس ، إذ لا يكتفى بمعرفة ما تدل عليه من أحكام ، بل يتعرف من الحوادث التى اقترنت - ٣٢٥ - بها، وما ترمى إليه من إصلاح للناس، والأسباب الباعثة، والأوصاف التى تؤثر فى الأحكام وعلى مقتضاها يستقيم القياس ، فقد كان يتعرف من أسباب النزول، ومن المسائل التى قيلت فيها الأحاديث العلل الشرعية المؤثرة ، حتى عد خير من يفسر الأحاديث ؛ لأنه لا يكتفى بالتفسير الظاهر الذى يدل عليه سياق القول ، بل يتعرف ما ترمى إليه العبارة، وما تفىء عنه الإشارة، وما يدل عليه اللفظ بمقتضاه ، ويستنطق ما تومىء إليه الحوادث التى اقترنت بالشرعية ، وكل ذلك كان بلا ريب يدفعه إلى الإكثار من القياس ، ليسير فى مسلكه فى التفسير إلى آخر مداه . ولقد كان الحديث قليلا فى العراق كما علمت ، وفقهاء الصحابة الذين نزلوا به كانوا يكثرون من الرأى ، ويرون أن الرأى خير لهم من أن يكذبوا على رسول الله مَّ اله، أو يتحدثوا بما عساه لم يقله، وقد شرحنا عند الكلام فى أهل الرأى والحديث أن التابعين الذين كانوا بالعراق كانوا يخشون ذلك الكذب أيضاً ، وإبراهيم النخعى شبخ مدرسة الكوفة الذى كان فقهه مثلا احتذاه أبو حنيفة فى اجتهاده يؤثر أن يقول قال الصحابى أو التابعى، على أن يقول قال رسول اللّه عي اله خشية الكذب عليه، وأن يقول عنه ما لم يقله . ١٥٧ - من أجل هذا كله أكثر أبو حنيفة رضى الله عنه من القياس ، وكان يستنبط ما بين يديه من أحاديث ونصوص قرآنية عللا عامة للأحكام ، ويفرع عليها الفروع ، ويعتبر تلك العلل قواعد يعرض عليها كل ما يرد له من أقضية لم يرد فيها نص، ويحكم بمقتضاها، ويدرس ما يصل إليه من أحاديث متأثراً بهذه القواعد التى استنبطها، فإن وافق الحديث ما ثبت لديه، زادها قوة وتمكيناً، وإن خالفها الحديث وكان راويه ثقة لديه تنطبق عليه شروط الرواية الصحيحة ، أخذ بالحديث وعده معدولا به عن القياس ، يقتصر فيه على موضع النص ، ولا يقيس عليه ، فمثلا روى أبو هريرة أن النبى ميّالية أمضى صوم من أكل أو شرب ناسياً، وقال إنه رزق ساقه الله إليه ، فأخذ بالحديث ، وقد خالف قاعدته التى تقول إن أساس الإفطار - ٣٢٦ - هو ما يصل إلى الجوف أو الجماع ، ولقد أمضى علة القياس على عمومها فيما عدا الأكل والشرب ناسياً ، ولم يقس الخطأ على النسيان، مع توافر الجامع بينهما، وهو عدم توافر القصد فى كل ؛ لأن حكم النسيان جاء معدولا به عن مقتضى القياس ، فيقتصر فيه على مورد النص ، ولا يعدوه . وهكذا نجد العلل التى استنبطوها قد سبقت فى نظرهم العلم يبعض النصوص، ولم يردوا النص لأجل إطراد العلة وتعميمها كما فهم بعض العلماء، ولم يقولوا إنهم يقدمون القياس على حديث الآحاد إذا انسد باب الرأى، بل يجعلون العلل قاصرة للنصوص على موضع النص ، ومانعة من أن يقاس عليها، كما علمت فى صوم الآكل ناسياً . ولكن تعميم العلة قد يتجافى أحياناً عما عليه الناس من تعامل ، فيقبح حينئذ القياس، أو تكون العلة معارضة بعلة أخرى أبعد تأثيراً، وحينئذ يكون الاستحسان أعدل وأصلح فيؤخذ به ، وذلك ما سنوضحه عند الكلام فى الاستحسان ، وكيف كان مخففاً لما عساه يكون فى تعميم علل الأقيسة من قبح. ١٥٨ - يبدو من هذا أن أبا حنيفة كان إمام القياس الذى يستنبط العلل من ثنايا النصوص، ويعهم حكمها ، ويوائم بينها وبين النصوص المعارضة مواءمة عادلة مستقيمة لا يخرج فيها عن النص، ولا يلغى قياسه، وإذا قبح القياس فى موضع عدل عنه إلى الاستحسان فى هذه المسألة لا يعدوها ، فهو يزيل قبح القياس فى المواضع التى لا يحسن فيها ، ولا يلغى عمومه ، ويزيل إطراده. ولكن أبا حنيفة الذى كان له ذلك المقام فى القياس لم يؤثر عنه أنه ضبط قواعده ونظم قانونه ، وبين المنتج منه وغير المنتج ، ولقد كنا نود أن نرى تلك القوانين المنظمة لأحكام القياس مدونة بقلم ذلك الفقيه العظيم ، ولكنه لم يدون فى الفقه شيئاً ، ولم يحرر بقله فيه ، بل ترك تلاميذه يدونون ، فدونوا ما دونوا ولم يدونوا قوانين القياس . إنه مما لا شك فيه أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقيد نفسه فى أقيسته. وكان - ٣٢٧ - بيقيد نفسه فى استخراج العلل بنظام فكرى كان يلاحظه . فإن التناسق الفكرى .بين الأحكام التى استنبطت بالقياس، والائتلاف فى الفروع، والتجانس بين أصناف المسائل التى أثرت عنه يجعلنا تحكم بأنه بلا ريب كان يلاحظ قوانين ونظما قيد نفسه بها ، وإن لم ينقلها عنه الأخلاف . ١٥٩ - وإذا كان أبو حنيفة لم يبين لنا تلك النظم التى كان يقيد نفسه بها، فقد جاء المجتهدون فى مذهبه ، واستنبطوا من تلك الفروع المأثورة عنه الروابط الجامعة بينها، وحاولوا أن يستخرجوا النظم التى كان الإمام يقيد نفسه بها فى أقيسته ، .ولقد ذكروا طائفة من تلك النظم على أنها ما كان يقيد به الإمام نفسه . وإذا كنا فيما أسلفنا من بحث قد ناقشنا هؤلاء المستنبطين فيما استنبطوه من أصول استخرجوها من الفروع، ووافقناهم فى بعضها وخالفناهم فى بعض آخر فإن ما استنبطوه من قوانين للقياس ، ليس لنا إلا أن نقر استنباطهم لها ، لأنه ينطبق على أكثر الفروع التى استنبطت بالقياس ، وما ناقشوا به الشافعى فى أصوله كانت مناقشتهم فيه مصورة للعلل التى تستقيم عليها الأحكام المأثورة ، وما يتخلف منها بينوا فى أحكام ودقة سبب تخلفه. ومن أجل هذا نقرر صدق كل ما جاء فى أصول نفر الإسلام فيما ساقه من أحكام « العلل، وضوابط القياس، على أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم. ولا نريد فى هذا البحث أن ننقل لك ما كتبه علماء الأصول فى المذهب الحنفى فى ذلك، ولكن نقتبس جزءاً منه يصور لك كيف كانت أقيسة أبى حنيفة ، وكيف كان يسير فى استنباطه على مقتضى القياس، وكيف كان يستخرج العلل من النصوص. ١٦٠ - إن الأصل الذى قام عليه القياس أن أحكام الشارع وردت لصلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم، فهى قد قدرت فيها معان وحكم تؤدى إلى المصلحة لا محالة .وإن كل طلب لشىء، أو تحريم لشىء، أو إباحة، أو كراهة ، إنما كان ذلك :الأوصاف اقتضت ذلك الحكم الشرعى، وشرع الله لأجلها ما شرع، وهو فى ذلك - ٣٢٨ - غير مكره ولا ملزم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنه رحمة بعباده، وإنعاماً منه وفضلا ، جعل ما يشرع من أحكام فيه مصالحهم وفيه خيرهم فى الحال ، وحسن جزائهم فى المآل . وعلى ضوء هذا المعنى الجليل كان يفهم أبو حنيفة رضى الله عنه نصوص الكتاب والسنة ، وما انعقد عليه إجماع الصحابة ، وما أثر عنهم من فتاوى ، وما تتبعه من أحكام فقهية. ولكن الأحكام الشرعية بما تشتمل عليه من عبادات فيها تكليفات لا يستطيع العقل أن يدرك من أوصافها علة شرعيتها ، بحيث تناط الأحكام بها . ولذلك يقسم أبو حنيفة - كما تنسب إليه كتب الأصول - النصوص إلى قسمين : نصوص تعبدية لا يبحث فيها عن علل الأحكام ، كالنصوص التى تثبت التيمم ، ومناسك الحج ، ونحو ذلك مما تكون شرعيتها للتعبد ، وتقريب العبد من ربه ، وجعله يشعر بسلطانه وحده ، وهذه النصوص لا يجرى فيها القياس ؛ لأنها لا تعلل، ولا يبحث عن الأوصاف التى كانت لأجلها شرعيتها، وإن كان المؤمن. بالله ورسوله يؤمن بأن ذلك شرع لمصلحته ؛ فما كان فى شرع الله عبث قط . وهناك نصوص يبحث فيها عن الأوصاف التى كانت فيها، وثبت بسببها ما ثبت بها من أحكام، وشرع ما شرع، فهذه النصوص معللة، تتعرف فيها العلة ، ويجرى فيها على مقتضى هذه العلة القياس . وهذه النصوص هى التى كان يتفهم أبو حنيفة مراميها وغايتها وأسبابها وعللها ، وعد بسبب ذلك أحسن أهل عصره فهماً للحديث ؛ لأنه ما كان يقف عند ظاهر النص، بل يسبر غوره، ليعرف أصل الشرعية ، والأوصاف التى اقتضتها . ١٦١ - وعلى هذا نجد من الحق أن نقرر أن أبا حنيفة فهم أن النصوص الدينية معللة ، إلا ما كان منها متعبد الشرعية أو جاء معدولا به عن القياس، وأن العلة هى وصف معين يقوم الدليل على أنه العلة دون سواه. وهذا الرأى هو وسط بين آراء العلماء، فإن من العلماء من قال: إن النصوص. - ٣٢٩ - كلها غير معللة، إلا إذا قام دليل على أنها معللة، وينسب هذا الرأى إلى عثمان البنى فقيه البصرة الذى كان معاصراً لأبى حنيفة ، فقد روى عنه أنه قال : إن القياس لا يجوز على أصل حتى يقوم دليل خاص على جواز القياس عليه، وروى أن بشراً المريسى وأبا الحسن الكرخى من فقهاء المذهب الحنفى كانا يريان أن من شرط القياس أن يكون حكم الأصل معللا ، ويقوم نص يثبت ذلك. وترى من هذا أن كلا الرأيين يقرر أن النصوص غير معللة إلا إذا وجد دليل خاص فى كل نص بعينه يسوغ تعليله، والقياس عليه، ويقول فى رد هذين الرأيين صاحب كشف الأسرار: ((وكلاهما باطل؛ لأن مدرك الاحتجاج بالقياس إجماع الصحابة ، فقد علمنا من تتبع أحوالهم فى مجرى اجتهادهم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند ظن وجود ما يظن أنه علة فى الأصل - فى الفرع. من غير توقف على دليل يدل على كون الأصول معللة أو دليل خاص على جواز القياس)). (١) ومن العلماء من قال إن النصوص معللة بكل وصف ممكن إلا إذا وجد مانع يمنع من التعليل فى النص كله ، أو يمنع بعض أوصافه ، وحجة ذلك الرأى أن الأدلة أثبتت أن القياس حجة من حجج الشرع الإسلامى، ولا يتأنى بالقياس إلا بالوقوف على المعنى الذى يصلح علة من النص ، فكان التعليل ثابتاً فى كل نص لافرق بين وصف ووصف ، إلا إذا قام دليل على غير ذلك ، وإذا كان التعليل أصلا ولا يمكن التعليل بوصف واحد من أوصاف الشىء ، حتى لا يكون ثمة ترجيح بلا مرجح ، صارت الأوصاف كلها صالحة للتعليل ، حتى يقوم الدليل على بطلان الصلاحية فى بعض الأوصاف . ١٦٢ - ولقد توسط الحنفية فى الأمر كما أشرنا، فلم يعتبروا النص غير معلل حتى يقوم الدليل على ذلك ، بل اعتبروا النص معللا إلا إذا تبين أنه من النصوص التى يقتصر فيها على مورد النص ، فلم يكن موضوعه تعبدياً ، ولم يكن معدولا به عن القياس، ولم يكن من الخصوصيات التى للنبى عَّ له، والتى لا تعم أحكامها كل المؤمنين. (١) كشف الأسرار الجزء الثانى ص ٠١٠٢ - ٣٣٠ - ولم يعتبروا بعد ذلك كل وصف فى الشىء علة ، كما قال الفريق الثانى، بل اعتبروا العلة وصفاً متميزاً من سائر أوصاف الشىء الذى كان موضوع التكليف. وفى سبيل تعرف الوصف المميز الذى يكون علة بتميزه من بين سائر الأوصاف يكون اجتهاد العلماء فى الاستنباط ، وفى تعرفه موضع اختلافهم ، حتى لقد قال شمس الأئمة السرخسى: ((إن الصحابة إنما اختلفوا فى الفروع، لاختلافهم فى الوصف الذى هو العلة )). ١٦٣ - وقد انبنى على ذلك النظر أنهم اشترطوا فى القياس ألا يكون حكم الأصل قد قام فيه الدليل على أنه مختص بموضعه لا يتعداه، كتزوج التى صدرتيا تسعاً، ونصه على قبول شهادة خزيمة (١) وحده من غير حاجة إلى شاهد ثان معه وهكذا ، وألا يكون النص معدولا به عن القياس ، بأن جاء مخالفاً عموم العلة التى ثبت عن الشارع اعتبارها، كإمضاء صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأن يكون حكم الأصل يتعدى إلى أمر لا نص فيه . هذه شروط مبنية على الأصل المقرر الذى أثبتوه ، ونسبوه إلى أبى حنيفة رضى الله عنه، إلى أصحابه، وذكر ناه آنفاً . ولا نريد أن ترك هذه الشروط قبل أن نذكر ببعض التفصيل الشرط الأول والثانى، وملخصهما ألا يكون النص الذى يراد القياس عليه ، واستنباط الحكم فى غير (١) وخبر ذلك ما جاء فى سنن أبي داوود أن النبى صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه ليقضى ثمن فرسه ، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المعى وأبطأ الأعرابى ، فطفق رجال يعترضون الأعرابي ، فساومونه بالفرس، لا يعلمون أن النبى صلى الله عليه وسلم ابتاعه ، حتى زاد بعضهم الأعرابى فى السوم على ثمن الفرس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم، أوليس قد ابتعته منك ! ! فقال الأعرابى والله ما بعتك ... وطفق الأعرابى يقول: ((علم شهيداً يشهد ... حتى جاء خزيمة بن ثابت فقال أنا أشهد ... فقال النبى صلى الله عليه وسلم بم تشهد، فقال بتصديقك يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: شهادة خزيمة إبن ثابت شهادة رجلين . - ٣٣١ - :المنصوص عليه بإلحاقه به ، غير جار على القياس، وإن بعض العلماء قد استجاز أن يقيس على بعض النصوص التى جاءت على غير القياس. ولقد قسم صاحب كشف الأسرار النصوص التى جاءت مخالفة للقياس إلى أربعة أقسام : القسم الأول - ما استثنى وخصص من قاعدة عامة ، ولم يعقل فيه معنى التخصيص ، وهذا لا يقاس عليه غيره بلاخلاف ، كشهادة خزيمة . القسم الثانى - ماشرع ابتداء، ولم يكن استثناء من حكم مقرر قبله، ولكنه أمر تعبدى، لا يعرف معناه على التحقيق كعدد الركعات ، ويذكرون منها مقادير الحدود .والكفارات، وهذا أيضاً لا يقاس عليه، لأن العلة لم تعرف حتى يتم القياس. القسم الثالث - الأحكام المبتدأة التى لا يثبت لها نظير يتحقق فيه معناه الذى يمكن معرفته ، وذلك فى الرخص ، كرخصة السفر ، ورخصة المسح على الخفين ورخصة المضطر إلى أكل الميتة، ويقول فى ذلك: ((إنا نعلم أن المسح على الخفين إنما جوز لعسر النزع، ومسيس الحاجة إلى استصحابه، ولكن لا نقيس عليه العمامة والقفاز، وما لا يستر جميع القدم؛ لأنها لا تساوى الخف فى الحاجة وعموم الوقوع)). وعندى أن بعض هذا الذى ذكر قد يتحقق فيه معنى الرخصة، ويكون له نظير ، فإذا كان سبب الرخصة فى السفر هو المشقة التى أجازت الإفطار فى الصيام ، فبعض الناس يكونون فى مشقة أقوى من مشقة السفر ، كبعض العمال الذين تضطر هم الحاجة إلى العمل فى رمضان ، فإنهم يكونون فى جهد عظيم فى الصيام ، فهل يباح لهم الإفطار كما أبيح للمسافر ، وتكون عليهم عدة من أيام أخر ؟ القسم الرابع - ما استثنى من قاعدة عامة ، وكان استثناؤه بسبب معنى قائم فيه استوجب ذلك الاستثناء، فيجوزأن يقاس عليه كل أمر يتحقق فيه ذلك المعنى، وبذلك يتنازعه قياسان : أحدهما قياس يطرد مع القاعدة العامة ، وقياس يتوافق مع ما جاء على سبيل الاستحسان ، والفقيه يقدر أى القياسين أبعد تأثيراً فى القضية ، فيرجحه. ١٦٤ - والعلة هى ركن القياس، كما يصرح نفر الإسلام ، وقد علمت أنها - ٣٣٢ - الوصف المتميز الذى يشهد له أصل شرعى بأنه الذى نيط الحكم به، فيثبت الحكم فى كل ما يتحقق فيه ذلك الوصف . ولاشك أن الأصل الذى يقاس عليه إذا كان مشتملا على عدة أوصاف لابد أن يتعرف من بينها الوصف الذى يكون علة للحكم ، وطريق معرفته أمران: (أحدهما) - نص من الشارع أو إجماع من المجتهدين فى عصر من العصور على أن ذلك الوصف هو العلة، ومثال النص قوله صَّاتٍ فى بيان السبب فى النهى عن ادخار لحوم الأضاحى: (( كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى لأجل الدافة ( أى القافلة التى نزلت ضيفاً على أهل المدينة)))، ومثل ما أثر من أنه سها النبى سؤال فسجد ، ومن مثل زنى ماعز فرجم، وأن العلة التى تعرف بالص، إما صريح اللفظ أو بالإيماء أو بالإشارة، وكل منها مراتب فى المعرفة يدركها الدارسون للغة العربية وأساليبها، والعالمون بنصوص الشريعة . ومن الأوصاف التى ادعى الحنفية الإجماع على علينها الصغر ، فقد قالوا إن الفقهاء أجمعوا على أنه علة الولاية على المال ، وإذا كان علة فى ثبوت ولاية المال، فالولاية فى النكاح تقاس عليها؛ ولذلك تثبت ولاية النكاح على الصغيرة بكراً كانت أو ثيباً ، فليست البكارة علة ولاية الجبر ، كما يقول الشافعى بل العلة الصغر ، كما عرف بالإجماع. ومثل تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب فى الميراث ، فقد أجمع الفقهاء على أن العلة قوة القرابة، فيكون مقدماً أيضاً فى ولاية النكاح، وفى ذلك خلاف زفر على ما هو معلوم فى تفصيل الأحكام الفقهية . (الأمر الثانى) - لتعرف الوصف الذى يكون علة يستقيم بها القياس هو الاستنباط؛ وذلك عند عدم وجود نص من كتاب، أوسنة ، أو أثر اصحابى أو إجماع، وذلك بتعرف الوصف الذى تشهد له المصادر الشرعية بأنه علة تناط به الأحكام. ١٦٥ - وليس استنباط ذلك الوصف بالأمر الذى يسير على غير حدود - ٣٣٣ - مرسومة مضبوطة ، بل إن فقهاء الرأى ، أو بعبارة أعم ، الفقهاء الذين أخذوا بالقياس واعتبروه أصلا من أصول الفقه الإسلامى قد وضعوا حدوداً لتعرف العلة من بين سائر أوصاف الأمر الذى تتعرف علة حكمه . وقد رأى الحنفية - ونسبوا ذلك إلى إمام المذهب أبى حنيفة وإلى أصحابه - أن طريق معرفة الوصف الذى يكون علة يكون بالمسلك الذى سلكه السلف الصالح رضى الله عنهم، فيكون ثابتاً بشهادة مزكية من المأثور، وذلك بأن يكون الوصف مرافقاً لما أثر من علل فقهية نقلت عنهم ، فهذه هى الشهادة المزكية ، وهى شهادة الأصول الفقهية المستنبطة منهم . وقد هدأهم التتبع المأثور عن السلف من علل للأحكام إلى أن الوصف الذى يجعل الشارع الحكم أثراً له هو العلة التى يبنى عليها القباس ، تكون ثمة مناسبة بينه وبين الحكم بجعل الحكم أثراً لذلك الوصف ، وذلك كالحكم بالفرقة بين الزوجين إذا أسلمت الزوجة وبقى الزوج على غير الإسلام ، فإن العقل يتردد بين وصفين اقترنا بالأمر ، وهما إباء الزوج الإسلام ، وإسلام الزوجة ، فأيهما يعتبر علة ؟ لا شك أن الإسلام وحده لا يصلح سبباً للتفريق، إذ الإسلام عرف عاصمً لحقوق الزوجية لا قاطعاً لها، ولكن إباء الزوج الإسلام بعد إسلام زوجته يصح أن يكون ذا أثر شرعى فى الحكم، لأن العشرة الزوجية حينئذ لا تستقيم، ولأن من الحقائق المقررة الثابتة فى الإسلام أنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم ، والزوج على زوجته نوع من الولاية. وإن العلل المأثورة عن النبى عَّ لّهِ والصحابة من بعده، استقراؤها يثبت أن الارتباط بين الوصف الذى اعتبر علة، والحكم هو الملاءمة بينهما التى تجعل العقل يحكم بأن الحكم أثر للوصف . ومن ذلك قول النبي صَّ له فى تعليل طهارة سؤر الهرة: ((إنهن من الطوافين والطوافات عليكم))، فهذا التعليل إشارة إلى وصف بينه وبين الحكم ملاءمة تجعله ذا أثر فى تكوينه، وذلك أن الهرة لما كانت من الطوافين علينا لم يكن الاحتراز - ٣٣٤ - عن سؤرها سهلا، بل يكون الاحتراز بحرج شديد، وقد قال الله تعالى: ((ما جعل. عليكم فى الدين من حرج))، فكانت هذه الضرورة سبباً فى عدم اعتبار النجاسة ،. فصح أن يسقط اعتبار النجاسة فى كل حال تثبت فيها الضرورة ، فمن لم يجد الماء الذى يغسل به ثيابه إذا كان بها نجاسة يسقط عنه اعتبارها ، ويصلى بتلك الشياب النجسة ، وترى هذه الملاءمة واضحة بين الضرورة، وعدم النجاسة . ومن الآثار عن الصحابة ما كان بين عمر وعبادة بن الصامت رضى الله عنهما فى الخمر إذا طبخت ، فإنه يروى أن بعض الأنصار أتى بعصير عنب قد طبخ، فقال. عمر رضى الله عنه: ما تصنعونه؟ قال: نطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه، ويقى ثلثه، فصب عمر عليه ماء، وشرب ، ثم زاوله عبادة بن الصامت ، وهو عن يمينه، يقال. عبادة : ما أرى النار تحل شيئاً، فقال عمر: يا أحمق، أليس يكون خمراً ثم يصير خلا ، ثم تأكله . فعمر كما ترى نظر فى علة التحريم وهو المادة المسكرة فى العصير فإن كانت ، كان التحريم، وإن ذهبت، ذهب التحريم، فهو نظر إلى الوصف الملائم. المؤثر الموجد . ١٦٦ - ويذكرون الدليل على أن أبا حنيفة رضى الله عنه، اعتبر فى أقيسته الوصف المؤثر هو العلة ، وذلك أنه فى المأثور عنه من فروع ، أن من اشترك مع آخر فى شراء قريب له عتق ذلك القريب ، ولا يضمن الأول للثانى ، لرضا صاحبه بالاشتراك فى الشراء مع علمه بأنه قريبه ، وأنه إذا اشتراه عتق عليه ، وأن العتق. لا يتجزأ ، بل يسرى . ولنبين ذلك الفرع ببعض التوضيح : إنه من المقرر أن من يشترى قريباً له لا يسترقه ، بل يعتق عليه بمجرد الشراء ، وأن العتق لا يتجزأ ، فمن أعتق بعضه عتق كله، فإذا اشترى شخص مع شريك قريباً له، فإنه بمجرد الشراء يعتق العبد كله. يعتق نصيب القريب بسبب القرابة، ويعتق نصيب الشريك بسبب أن العتق لا يتجزأ هذا قدر متفق عليه بين الإمام وصاحبيه، ولكن موضع الخلاف بينهما أن أبا حنيفة - ٣٣٥ - قال : إن القريب لا يضمن لشريكه شيئاً ، بل على المعتق أن يسعى فى قيمة نصيب. الشريك؛ إذ تكون ديناً عليه . وقال الصاحبان : يضمن قيمة نصيب الشريك إن كان موسراً ، فإن كان غير موسراً ستسعى العبد فى قيمة هذا النصيب . ووجهة أبى حنيفة أننا إن حكمنا بضمان القريب ، فذلك الضمان هو من ضمان العدوان ، بسبب أنه أتلف حصة صاحبه ، وأوضاعها عليه، وضمان العدوان يزول. إذا وجد الرضا به ، وقد قامت الأمارات على وجوده ، لأنه لما اشترك فى الشراء مع علمه بأن شراء شريكه موجب للعتق ، صار راضياً بذلك العتق ، فهو لا محالة راض بما يترتب عليه ، ولا يفرض إلا علمه بهذه الأحكام ؛ لأن الجهل بالأحكام. الشرعية فى دار الإسلام ليس بعذر . واعتبار الرضا علة مسقطة للضمان دليل على أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان. يميز الوصف الذى يعتبر علة دون سواه بالملاءمة بين الحكم والوصف ملاءمة يكون فيها الحكم أثراً للوصف ، ولقد سارت الفروع فى الفقه الحنفى على ذلك ، فكل الفروع التى استنبطت بالقياس الذى لم تعرف علته بنص أو إجماع لوحظ فيها التأثير فنفقة الأقارب سبب وجوبها العجز، لأنه الوصف الملائم الذى يصلح مؤثراً فى وجود الحكم، والولاية على الصغير فى النكاح سببها الصغر، لأنه الوصف الملائم المؤثر ، وهكذا . وبتتبع تلك الفروع واستقرائها نحكم حكما جازماً بأن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يلاحظ فى استخراج العلة من بين الأوصاف، أن يكون الوصف الذى يصلح علة بينه وبين الحكم ملاءمة هى التأثير . ١٦٧ - هذا هو المسلك الذى كان يتبعه أبو حنيفة رضى الله عنه فى تعرف. العلة من النصوص ، فيما ينسبه إليه علماء الأصول من المذهب الحنفى إليه ، وهو المسلك الذى تستقيم عليه الفروع الفقهية التى نقلت عنه رضى الله عنه، ولذلك لانجد حرجاً فى أن ننسبه إليه، كما نسبه إليه أولئك المحققون من العلماء على أنه لاحظه. فى أقيسته ، وإن لم ينص عليه . - ٢٣٦ - واستخراج الوصف من بين أوصاف الشىء الذى يقاس عليه ليعرف حكم غير المنصوص عليه، هو المسمى عند العلماء تخريج المناط فى بعض الأحوال، وتنقيح المناط فى بعضها . ويجدر بنا فى هذا المقام أن نبين معانى عبارات ثلاث ، تجىء على أقلام الكتاب فى علم الأصول، وهى تخريج المناط ، وتنقيح المناط ، وتحقيق المناط . فتخريج المناط هو على ما بيناه تعرف الوصف الذى يصلح علة، وتمييزه إذا لم يكن بيان صريح أو بطريق الإيماء من الشارع، وأساسه أن يكون الشارع لم يبين العلة كما ذكرنا، وذلك هو أساس الاجتهاد بالقياس ، كاستنباط أن العلة فى تحريم الخمر الأهلية هى الاستعمال، وكون القتل العمد العدوان هو علة القصاص، حتى يقاس عليه كل ما سواه . وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد فى تعيين ما فهم من النص الذى تكون العلة فى مجموع صفاته من غير تعبين ، فيحذف ما لا يدخل فى الاعتبار ما اقترن به من الأوصاف ، ومثاله إيجاب الكفارة على الأعرابى حين أفطر فى رمضان بوقاع أهله ، فإن ذلك الإيجاب ليس خاصاً بهذا الأعرابى، ولا خاصاً بالوقاع ، ولأن النص الذى ورد فيه يستطيع المتتبع للأوصاف المقارنة ، أن يستنبط منها الوصف الذى يصلح علة، وهو تعمد الإفطار، فيلحق به كل ما أفطر به عمداً فى نهار رمضان على مقتضى مذهب أبى حنيفة، فليست العلة كونه واقع زوجه، فتنقيح المناط تكون فيه معرفة المناط بالنص وبالاستنباط . وتحقيق المناط هو النظر فى معرفة وجود العلمة فى آحاد الصور بعد معرفتها فى نفسها، سواء أكانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط، كالعدالة، فإنها مناط الإلزام فى الشهادة ، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون ، وبالاجتهاد يعرف وكالاسكار، فإنه علة تحريم الخمر ، والنظر فى معرفته فى النبيذ هو تحقيق المناط . ١٦٨ - قد تبين مما تقدم أن أبا حنيفة يرى أن العلة هى الوصف الملائم الذى من شأنه أن يكون الحكم أثراً له، وأن ذلك الوصف حيثما وجد يوجد الحكم لذلك الارتباط ، وأن الأقيسة تسير على ذلك عنده . - ٢٣٧ - بيد أنه قد يكون ثمة وصف يبدو للفقيه أنه مؤثر فى الحكم ، فيعهم الحكم حيث يوجد ذلك الوصف ، ولکنه فى بعض الصور ، وفى بعض الأحوال يعارضه وصف آخر يكون أقوى تأثيراً منه، فيعدل عنه فى هذه الأحوال ، ويعمل ذلك الوصف الذى كان أبعد أثراً . وهذا هو المسمى عند فقهاء الحنفية باستحسان القياس ، فهو قياس ركنه وصف قوى الأثر يعارضه قياس آخر ركنه وصف ضعيف الأثر ، وسلبين ذلك بعض البيان عند الكلام فى الاستحسان . ١٦٨ - وإذا كانت العلة هى المؤثرة فى وجود الحكم؛ فهى متعدية لا محالة ، أى أنها تثبت الحكم حيث توجد؛ فلا تقتصر على مورد النص ، إذ لا يقتصر تأثيرها عليه ، فثبت فى كل موضع يثبت تأثيرها فيه(١). وإذا كان الأساس فى تقرير العلة أن تكون متعدية، فإن فقهاء الرأى قد حكموا بعمومها . حيث لا يكون نص فى كل موضع تتحقق فيه، كما تحققت فى الأصل، وبذلك تتقرر الأصول، وتضبط الأحكام، ويكون الحمل على النصوص الشرعية وتعرف الأحكام القياسية ، والأحكام التى تجىء مخالفة للقياس ، فتقتصر الثانية على النص لا تعدوه، وتعد نصوصها مخالفة للقياس ، وسائرة على غير القواعد المقررة، ولها احترامها، للنص عليها . ولا شك أن قضية عموم العلة ، وإثبات الأحكام فى كل موضع تثبت فيه ما دام قد ثبت تأثيرها من الأمور المنسوبة إلى أبى حنيفة، والثابتة نسبتها إليه ، بل لعل ذلك أولى النواحى التى تميز فقهاء العراق عن فقهاء الحجاز. وإن كل ما تقدم من حكايات لمناحى أبى حنيفة فى الاجتهاد ، وأقوال علماء (١) قد كان ذلك موضع خلاف بين الحنفية من علماء الأصول، والشافعية، فالحنيفة قرروا أن العلة لا تكون إلا متعدية، والشافعية قرروا جواز أن تكون قاصرة وحجتهم فى ذلك أن الحكم يتبع العامة فى محل النص، كما هو فى الفرع، وقد يكون التعليل لإفادة تعلق الحكم بالوصف ، لو لم يكن ذلك الوصف متعديا، ووجه قول الحنفية أن الحكم فى موضع النص ثابت بالنص لا بالعلة لأن إضافة الحكم فى موضع النص إلى العلة فى معنى الإبطال لدلالة النص عليه، وإنما فائدة تعرف العلة تكون فى تعدية الحكم إلى موضع لا نص فيه . (٢٢ - أبو حنيفة)