Indexed OCR Text

Pages 221-240

- ٢١٨ -
العراق. قال ما تقول فى أبى حنيفة؟ قال : سيدهم ، قال فأبو يوسف؟ قال أتبعهم.
للحديث ، قال محمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعاً ، قال فزفز؟ قال أحدهم قياساً).
وزفر لم يؤثر عنه كتب، ولم تعرف له رواية لمذهب شيخه ، ويظهر أن السبب.
فى ذلك قصر حياته بعده، فقد توفى بعده بنحو ثمانى سنوات ، بينما الصاحبان عاش.
كلاهما بعده أكثر من ثلاثين عاماً . فتوافر لهم زمن للكتابة والتدوين
والمراجعة والدرس .
ولكن يظهر أنه عمل على نشر آراء أبى حنيفة بلسانه ، وإن لم يدونها بقلمه،
ويظهر أنه تولى قضاء البصرة فى حياة أبى حنيفة، فقد جاء فى الانتقاء لابن عبد البر
أنه ولى قضاء البصرة، فقال له أبو حنيفة ((قد علمت ما بيننا وبين أهل البصرة من
العداوة والحسد والمنافسة، ما أظنك تسلم منهم، فلما قدم البصرة قاضياً اجتمع إليه
أهل العلم، وجعلوا يناظرونه فى الققه يوماً بعد يوم ، فكان إذا رأى منهم قبولا
واستحساناً لما يجىء به قال لهم : هذا قول أبى حنيفة، فكانوا يقولون: ويحسن
هذا أبو حنيفة ؟ فيقول لهم نعم وأكثر من هذا ، فلم يزل بهم إذا رأى منهم
قبولا لما يحتج به عليهم ، ورضا به وتسلما له - قال هذا قول أبى حنيفة، فيعجبون
من ذلك. فلم تزل حاله معهم على هذا ، حتى رجع كثير منهم من بغضه إلى محبته
وإلى القول الحسن فيه ، بعد ما كانوا عليه من القول السىء )).
وقد خلف زفر أبا حنيفة فى حلقته ، ثم خلف من بعده أبو يوسف .
رواة آخرون
٥٦ - ومن فقهاء المذهب الحنفي الذين يعدون من رواة آراء أبى حنيفة
الحسن بن زياد اللؤلؤى الكوفى المتوفى سنة ٢٠٤ ويقولون إنه تتلمذ لأبى حنيفة
وكان من أصحابه ، وقد اشتهر برواية الحديث ، حتى كان يقول كتبت عن
ابر جریح إثنى عشر ألف حدیث، کاها یحتاج إلیه، کما اشتهر برواية آراء أبى حنيفة،
ولكن بعضاً من المحدثين يرفضون روايته ، ولقد قال فيه أحمد بن عبد الحميد.

- ٢١٩ -
الحازمى (( ما رأيت أحسن خلقاً من الحسن بن زياد ، وكان الناس تكلموا فيه،.
ليس فى الحديث بشىء ، والفقها. كذلك لا يرفعون روايته للفقه الحنفى إلى درجة.
كتب ظاهر الرواية للإمام محمد .
وقد أخذ عنه محمد بن سماعة ومحمد بن شجاع الثلجى ، وعلى الرازى ، وعمر
ابن مهير والد الخصاف، ولقد أثنى على فقهه كثيرون ، حتى قال يحيى بن آدم :
,(ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد. وقد تولى قضاء الكوفة سنة ١٩٤، ولكن
روى أنه كان لا يحسن القضاء ، كما يحسن الفقه ، ولذلك استعقی واستراح منه ، وقد
جاء فى الفهرس لابن النديم (( قال الطحاوى: له من الكتب كتاب المجرد لأبى حنيفة.
روايته ، وكتاب أدب القاضى، وكتاب الخصال، وكتاب معانى الإيمان، وكتاب.
النفقات وكتاب الخراج ، وكتاب الفرائض ، وكتاب الوصايا ، وذكر فى الفوائد
البهية أن له أيضاً كتاب الأمالى .
٥٧ - هؤلاء الذين ذكرناهم كانوا من أصحاب أبى حنيفة وتلقوا عنه ،
ولنذكر بعض من تلقوا عن أصحابه أو من بعدهم، ولكنهم امتازوا براوية الفقه
الحنفى وتدوينه، حتى أوصلوه إلى الاخلاف، ومن هؤلاء :
عيسى بن ابان ، وقد تتلمذ للامام محمد ، وتفقه عليه ، وقد تولى قضاء البصرة.
وقد كان فى أول أمره يتحامى مجلس محمد بن الحسن ، ويقول عن تلاميذ أبى حنيفة
هؤلاء قوم يخالفون الحديث ، حتى جذبه محمد بن سماعة إليه . ولما استمع إليه.
فى أول مجلس قال له محمد : ما الذى رأيتنا تخالفه من الحديث ، فسأل عن خمسة
وعشرين باباً من الحديث ؛ فأخذ محمد يحيبه بما فيها ، ويأتى بالشواهد والدلائل.
فلزم عيسى محمد بن الحسن لزوماً شديداً .
ولقد قال ابن النديم : أن لعيسى بن أبان من الكتب كتاب الحج ، وكتاب
خبر الواحد وكتاب الجامع وكتاب إثبات القياس ، وكتاب اجتهاد الرأى .
وقد توفى سنة ٢٢٠ ٠
ومنهم محمد بن سماعة ، وقد كان تلميذاً لمحمد بن الحسن والحسن بن زياد ،

- ٢٢٠ -
وروى كتب النوادر عن أبى يوسف ومحمد. وقد ولى القضاء للمأمون سنة ١٩٢،
وبقى فيه إلى أن ضعف بصره ، وله من الكتب كتاب أدب القاضى ، وكتاب
المحاضر والسجلات والنوادر . وقد توفى سنة ٢٣٣ .
ومنهم هلال بن يحيى الرأى البصرى ، ويظهر أنه تتلمذ على يوسف بن خالد
السمتى البصرى الذى تتلمذ لأبى حنيفة ، وقد أوصاه أبو حنيفة وصية كاها حكم
خالدة عندما فصل عنه إلى البصرة ، وقد روى أخبار يوسف هلال هذا ، وتتلمذ
أيضاً لأبى يوسف وزفر .
وقد كان هلال هذا ثانى اثنين نقلا فقه العراقيين فى الوقف ، وفروع
الأحكام فيه ، وله فيه كتاب مطبوع فى الهند ومشهور. ولم يذكر ابن النديم كتاب
الوقف هذا فى ضمن كتبه ، وذكر منها كتاب تفسير الشروط ، وكتاب الحدود
وقد توفى سنة ٢٤٥ .
ومنهم أحمد بن عمر بن مهير الخصاف المتوفى سنة ٢٦١، قد أخذ فقه أبى حنيفة
عن أبيه، عن الحسن بن زياد ، وكان فقهاً فرضياً ، حاسباً عارفاً بمذهب أبى حنيفة
وقد قال شمس الأئمة الحلوانى: «الخصاف رجل كبير فى العلوم، وهو من يصح
الاقتداء به ، وله كتاب الأوقاف ، وهو يعد المصدر الثانى لأحكام الأوقاف
والتفريغ فيها على مذهب أبى حنيفة ، والأول كتاب هلال ، كما علمت ، وله من
الكتب غيره كتاب الحيل ، وكتاب الوصابا، وكتاب الشروط الكبير ، وكتاب
الشروط الصغير ، وكتاب الرضاع، وكتاب المحاضر والسجلات ، وكتاب أدب
القاضى، وكتاب الخوارج للمهتدى، وكتاب إقرار الورثة بعضهم لبعض ، وكتاب
القصر وأحكامه ، وكتاب السمير والقبر .
ومنهم أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوى المتوفى سنة ٣٢١، ابتدأ
حياته بتلقى الفقه الشافعى على خاله إسماعيل بن يحيى المزنى صاحب الشافعى، ولكنه
كان كثير النظر فى الفقه العراقى، حتى انتهى به الأمر إلى الاتجاه إليه ، وقد خرج
من مصر مولده ومنشئه إلى الشام ، وتلقى فقه العراقيين عن أبى حازم عبد الحميد

- ٢٢١ -
قاضى قضاة الشام ، وقد كان هذا تلميذاً لعيسى بن أبان الذى أخذ عن محمد كما علمت.
ويظهر أن جمع الطحاوى بين دراسة الفقه الشافعى ، والفقه العراقى ، قد أعطاه
حرية نقد أكثر من غيره فكانت دراسته للفقهين دراسة ناقد فاحص، وإن
انتمى أخيراً إلى الحنفية ، ولذلك يعد فقيهاً مجتهداً ، لافقيها مقلداً، ويقول فيه
الدهلوى: ((إن مختصر الطحاوى يدل على أنه كان مجتهداً، ولم يكن مقلداً
للمذهب الحنفى تقليداً محضاً، فإنه اختار أشياء تخالف مذهب أبى حنيفة، لما لاح.
له من الأدلة القويمة ، .
وقد قوى هذه النزعة عند علمه بالأحاديث والأخبار ، فقد كان محدثاً ، سمع
الحديث من كثير من المصريين وغيرهم ، فكان بذلك فقيهاً اجتمع له على الرأى
والقياس، وعلم الأخبار والآثار، وكتبه فى المذهب الحنفى تعد الحلقة الوسطى فيه ،
جمعت علم المتقدمين ، ونقلته إلى المتأخرين بمحصاً نقياً .
ومن كتبه أحكام القرآن، وكتاب معانى الآثار ، ومشكل الآثار ، والمختصر ،
وشرح الجامع الصغير ، وشرح الجامع الكبير ، وكتاب الشروط الكبير ،
والصغير ، والأوسط ، والمحاضر والسجلات ، والوصايا والفرائض، وحكم
أراضى مكة ، وقسم الفىء، والغنائم وغير ذلك .
٥٨ - هذهالكتبهىالتى كتبها أصحاب أبو حنيفة بالرواية عنهبسندمتصل به،
أو حكيت فيها أقواله من غير ذكر لسند ، وهذه كتب من جاءوا بعدهم ملخصين
أو شارحين أو مفرعين أو ناقدين وفاحصين وتعتبر تلك الكتب ينابيع الفقه الحنفى
فقد جاء بعدهم المتأخرون من الفقاء فشرحوها وفرعوا عليها ، وأفتوا على مقتضاها،
واستنبطوا الأدلة لما لم يذكر له أدلة منها، ثم اختصروا تلك الكتب فى متون مختصرة
جامعة ضابطة ، وشرح تلك المتون علماء بشروح مستفيضة ، أو غير مستفيضة ،
وهكذا كان ما اشتملت عليه هاتيك الكتب مادة الفقه الحنفى غيروا أشكالها فى
أوضاع مختلفة ، فكانت أحياناً متناً ، وأحياناً شرحاً . وأحياناً تطبق فتاوى فى
واقعات، ولم يزد على المادة شىء إلا التفريع عليها، والتخريج لمن يجوز منه التخريج.

- ٢٢٢ -
مراتب الكتب فى الفقه الحنفي
٥٩ - لمحت مما ذكرنا أن الكتب التى روت الفقه الحنفى ليست درجة
واحدة من حيث قوة الرواية ، وإذا أضيف إلى الكتب المروية ما أضافه
"المتأخرون من فتاوى وتخريجات للمادة الفقهية التى انتقلت إليهم من الأئمة الذين
أنشئوا المذهب صارت الكتب فى الفقه الحنفي مراتب ثلاثاً .
أولاها - الأصول، وتسمى ظاهر الرواية كما قلنا، وهى مشتملة على أقوال
أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد التى دونها الإمام محمد فى كتبه الستة التى ذكر ناها .
الثانية - النوادر، وهى مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، ولكن فى
غير الكتب الستة المذكورة ؛ بل فى كتب أخرى الإمام محمد ، كالكيسانيات
والهارونيات ، والجرجانيات ، والرقيات ، أو فى كتب غيره، ككتب الحسن
ابن زياد وغيره، ويقول ابن عابدين . إن من هذا القسم كتب الأمالى لأبى يوسف
ويقول فى ذلك : ومنها كتب الأمالى لأبى يوسف ، والأمالى جمع إملاء ، وهو
أن يقعد المجتهد وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس ، فيتكلم العالم بما فتحه الله
تعالى عليه عن ظهر قلبه فى العلم ويكتبه التلامذة ، ثم يجمعون ما يكتبونه، فيصير
كتاباً، فيسمونه الإملاء والأمالى ، وكان ذلك عادة السلف من الفقهاء ، والمحدثين
وأهل العربية، فاندرست لذهاب العلم والعلماء، وإلى الله المصير.)) (١).
ومن هذا القسم ما نقل بطريق الرواية المقررة كروايات محمد بن سماعه، ومعلى
ابن منصور وغيرهما فى مسائل معينة ، فإن هذه أيضاً تعد من النوادر ، ولا تعد
من الأصول .
وهذا القسم فى مرتبة دون مرتبة القسم السابق ، ولذا لو تعارضت الأصول
والنوادر فى حكم مسألة يؤخذ برواية الأصول ، لأنها المعتبرة أصلا للمذهب ،
وهى أقوى سنداً .
الثالثة - الفتاوى والواقعات ، وهى مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون
(١) رسم المفتى ص ١١٧.

- ٢٢٣ -
فيما سئلوا عنه من وسائل واقعة لم يجدوا رواية لأهل المذهب المتقدمين ، وأولئك
المتأخرون هم أصحاب أبى يوسف ومحمد ، وأصحاب من بعدهم، وهم كثيرون ، قد
بينت أخبارهم كتب الطبقات. وقد ذكر ابن عابدين بعض هؤلاء وابن رستم ،
«من أصحاب أبى يوسف ومحمد رحمهما الله مثل عصام بن يوسف ، وابن رستم ،
ومحمد بن سماعة ، وأبى سليمان الجوزجاني وأبو حفص البخارى ، ومن بعدهم مثل
محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ، ونصير بن يحيى، وأبى النصر القاسم بن سلام ، وقد
يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم ، وأول ما جمع
فتاواهم فيما بلغنا كتاب النوازل للفقيه أبى الليث السمر قندى ، ثم جمع المشايخ بعده
كتباً أخرى ، منها مجموع النوازل والوقعات للناطفى . والواقعات للصدر الشهيد،
ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة ، كما فى فتاوى قاضيحان وغيرهما
وميز بعضهم كما فى المحيط لرضى الدين السرخسى، فإنه ذكر أولا مسائل الأصول،
ثم النوادر، ونعما فعل .)) (١)
ولا شك أن مسائل الواقعات والفتاوى أنزل مرتبة من الأصول والنوادر،
لأن الأصول والنوادر أقوال أصحاب المذهب ، وإن تفاوتت الرواية فيهما . أما
الفتاوى والواقعات فهى تخريجات على أقوالهم ، وقد تكون فيها مخالفة للمروى
عنهم تتقبل على أنها اجتهاد من أصحابها ، لا على أنها أقوال لأبى حنيفة وأصحابه
فهى تؤخذ على أنها آراء لهم ، ولا يحمل الأقدمون شيئاً من نسبتها إليهم .
٦٠ - ومن مجموع هذه الأقسام الثلاثة يتكون المذهب الحنفي، كما فو هنا ،
وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. وما يذكر من المسائل فى هذه الكتب من غير خلاف
يكون باتفاق أبى حنيفة وصاحبيه، وما يذكر فيه خلاف فهو على النحو الذى يبين .
وكتب ظاهر الرواية تذكر خلاف أبى حنيفة وصاحبيه، وقد تذكر فى أحوال قليلة
خلاف زفر، أما كتب النوادر والفتاوى، ففى الغالب تذكر خلافة، إن كان له خلاف
والترجيح بين الأقوال المختلفة، موضعه الترجيح والتخريج فى المذهب إن شاء الله
(١) رسالة رسم المفتى ص ١٧ .

- ٢٢٤ -
مكان فقه أبى حنيفة مما سبقه من فقه
٦١ - نريد أن نخوض فى بيان الأصول التى بنى عليها أبو حنيفة استنباطه
وكانت ينبوع فقهه أن نشير إلى موضوع تصدى له بعض الكتاب ، وهو مكان
الفقه الحنفى بماسبقه من فقه ، أكان مبتدعا للسلك الذى سلكه، وأ كان فقهه جديداً
فى بابه لم يسبق بمثله ، أم كان هو متبعاً مسلك سلك من قبل لم يأت فيه بجديد ،
أم كان أبو حنيفة متمماً لعمل ابتدأ فى العراق ، فجاء أبو حنيفة فى نهايته ، فأتم
الدور ، وأوفى على الغاية ؟ تلك أحوال ثلاث ، لا بد أن يكون أبو حنيفة فى
إحداها ، ولقد أدعى المتعصبون له أنه أتى بحديد من التفكير الفقهى ، وإن كان
أساسه الكتاب والسنة والأثر الصحيح عن الصحابة ، ولكن لا يتمسك بذلك
الادعاء ، والحمد لله أكثر المنتمين إليه ، المتبعين لمذهبه.
ولقد كان فى مقابل هؤلاء الذين أفرطوا فى التعصب من أدعى أن أبا حنيفة
مكانه فى الفقه مكان المتبع لم يأت بجديد إلا فى التخريج ، وسرعة التفريع، وعين
هؤلاء صاحب هذه الطريقة الذى اتبعه فيها أبو حنيفة ، وهو إبراهيم النخعى ، ومن
هؤلاء الدهلوى، فقدجاء فى كتابه حجة الله البالغة مانصه: ((كان أبو حنيفة رضى
الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه، لا يجاوزه ، إلا ما شاء اللّه، وكان عظيم
الشأن فى التخريج على مذهبه ، دقيق النظر فى وجوه التخريجات ، مقبلا على الفروع
أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا ، فلخص أقوال إبراهيم أقرانه من
كتاب الآثار لمحمد رحمه اللّه، وجامع عبد الرازق، ومصنف أبى شيبة ، ثم قايسه
بمذهبه ، تجده لا يفارق تلك المحجة إلا فى مواضع يسيرة . وهو فى تلك اليسيرة
أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة ، (١)
وفى هذا النص كما ترى حكم على أبى حنيفة بأنه لم يأت بتفكير فقهى جديد ،
بل هو متبع كل الاتباع، ناقل كل النقل لإبراهيم وأقرانه، لا يخرج عن آرائهم،
(١) حجة الله البالغة ج ١ ص ١٤٥ .

- ٢٢٥ -
إلا فيما لا يكون لهم اجتهاد فيه، وإن خرج فإلى أقوال علماء الكوفة ، أو ليفرع
ويخرج على أقوال إبراهيم وأقرانه)).
ولا شك أن فى هذا الحكم هضما لمكان أبى حنيفة فى الفقه ، لأنه يجعله مقلداً ،
أو فى حكم المقلد المتبع ، لا صاحب المذهب المجتهد، ولو كان أبو حنيفة كذلك،
ما كان له كل ذلك التأثير فيمن لحقه من أجيال، وإن القدر الذى اشتملت عليه كتب.
الآثار التى اتخذها الدهلوى حجة له - ليس هو كل ما اشتملت عليه كتب ظاهر الرواية
التى روت مذهب أبى حنيفة ، بل لا تصل إلى مقدار النصف أو الربع ، وإن كتب
الآثار نفسها ، وهى آثار محمد، وآثار أبى يوسف، فيها كثير من الأحاديث لم تكن
عن طريق إبراهيم النخعى ، بل بعضها كان عن طريق عطاء وابن عباس ، وقد
فتحنا كتاب الآثار لأبي يوسف فوجدنا الحديث الآتى عن عباس ، وهو يبين حكم
الحج إن كان جماع قبل طواف الزيارة، وهذا نص ما فى الآثار (( حدثنا يوسف.
عن أبيه عن أبى حنيفة ، عن عطاء، عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال فى الرجل
يجامع بعد ما يقف بعرفات قبل أن يطوف بالبيت إن عليه بدنة ، ويتم ما بقى من
حجه ، وحجه تام ... ، ثم یروی عن إبراهيم أنه قال فی محرم جامع قبل عرفات
أو بعده ، قبل أن يطوف بالبيت عليه فى الوجهين شاة ، ويقضى ما بقى من حجه ،
وعليه الحج من قابل .
وقد قال محمد فی آثاره والقول ما قال ابن عباس رضى الله عنهما(١)، ومذهب.
أبى حنيفة كما نصت كتب المذهب أن الجماع قبل الوقوف بعرفات يفسد الحج ،
والجماع بعد الوقوف، لا يفسده ((كما هو رأى ابن عباس(٢).
وترى من هذا أن أبا حنيفة ترك رأى إبراهيم وراءه ظهرياً ، وأخذ بقول.
أبن عباس الذى رواه عطاء: وهذا من فقه مكة ، لا من فقه الكوفة ، فهو قد ترك.
إبراهيم والكوفة معاً، فأين فى هذا من الاتباع المطلق لإبراهيم وأقرانه، أو أهل.
الكوفة ، وذلك کثیر من آثار أبى يوسف.
(١) راجع الآثار لآبی یوسف وهامشه ص ١١٨
(٢) البدائع ص ٢١٧ ٢ ٢
(١٥ أبو حنيفة)

- ٢٢٦ -
٦٢ - والحق أن أبا حنيفة قد أتى فأنضج الفقه العراقى وأوفى فيه على الغاية ،
ولم يقتصر على ما وجد، بل سلك طريقاً قد ابتدأه غيره، وسار هو إلى آخر
الدرب ، فلسنا نغالى مغالاة المتعصبين ، ولا نغمطه غمط الآخرين ، إذ لا شك أن
آراء إبراهيم النخعى كان لها تأثير كبير فى تكوين منطق أبى حنيفة الفقهى ، وأنها
هى التى فتحت له عين الفقه ، ولكن ليس معنى ذلك أن أبا حنيفة لم يأخذ من
غيره، ولم يسلك إلا طريقه هو ، بل أن الفرض الذى يتفق مع الوقائع ، ومجموع
ما دون لأبى حنيفة من آراء فقهية - هو أن أبا حنيفة ابتدأ دراسته الفقهية، بما تلقاه
عن شيخه حماد من فقه إبراهيم النخعى وروايته، ثم كمل دراسته بما تلقاه عن غير
حماد من روايات ، وما استنبطه من أقيسة وبراهين ، من وقت أن حل محل حماد
فى حلقته إلى أن مات ، أى نحو ثلاثين سنة .
إن الراوى الذى نقل فقه إبراهيم إلى أبى حنيفة هو حماد بلا شك ، فإنك تقرأ
الآثار لأبي يوسف ومحمد ؛ فتجد أن حماداً هو سند الرواية عن إبراهيم إلافيما ندر،
فكأن أبا حنيفة فى تلقيه عن حماد إنما كان يأخذفقه إبراهيم ، ولقد لزمه ليأخذ عنه
ذلك الفقه ، وإذا كان حماد قد مات قبل أبى حنيفة بثلاثين ستقرفإن المعقول أن
أباحنيفة كان فى هذه المدة يواصل دراساته الحرة غير المقيدة ، وفيها اتصل بكثيرين
جداً من الفقهاء ودارسهم ، بل هو فى أثناء تلقيه عن حماد كان يأخذعن غيره كعطاء
ابن أبى رياح ، فليس بمعقول إذن أن يكون فقهه كله مستمداً من فقه إبراهيم ، نعم
إن إبراهيم كان فقهه معيناً استقى منه ، بل كان أعظم الينابيع أثراً فى تكوينه ،
ولكنه لم يكن مقامه منه مقام المقلد المتبع ، بل مقام المجتهد المختار ، كما سيتبين .
٦٣ - ومهما يكن موضع أبى حنيفة من إبراهيم فإنه مما لا مجال للريب فيه
أنهما الشخصيتان البارزتان فى تكوين الفقه العراقى ، وأن منطقهما الفقهى متحد
إلى درجة جعلت بعض العلماء يزعم ذلك الزعم، وهو أن شخصية المتأخر فانية فى شخصية
المتقدم ، وهو زعم باطل ؛ لأن الاتحاد فى التفكير ليس كالاتحاد فى الآراء ،
إذ الأول من قبيل المشاكلة والاتفاق العقلى ، والثانى من قبيل التقليد والاتباع ،

- ٢٢٧ -
ولم يكن أبو حنيفة مقلداً، بل قد صرح بأن له أن يجتهد كما اجتهد إبراهيم.
ومن أجل أن يستبين ذلك الاتحاد الفكرى نشير بكلمة إلى إبراهيم النخعى :
كان إبراهيم فقيه الرأى بالعراق ، كما كان سعيد بن المسبب فقيه الحجاز ،
وكانا شخصيتين متقابلتين . وقد أدرك إبراهيم طائفة من الصحابة منهم أبو سعيد
الخدرى وعائشة ، ولكن أكثر رواياته كانت عن التابعين ، وكان ينظر إلى معانى
ما يرويه من الحديث أكثر من النظر إلى سنده .
كان ينقد الحديث من ناحية متنه ومعناه أ کثر ما ينقده من ناحية رواته، حتى
لقد قال فيه الأعمش . كان إبراهيم صير فى الحديث . ولقد كان يستمع إلى الحديث
فيقبل بعضه ، ويرد بعضه بناء على ما أداه إليه نقده وخصه ، وكان يقول :
(( إنى لأسمع الحديث ، فأنظر إلى ما يؤخذ منه، وأدع سائره ، وقد كان كثير
الإرسال فى الحديث، وكان مع ذلك يتحرج فى الرواية عن رسول الله ، ويؤثر
أن يقول قال الصحابى عن أن يقول قال رسول الله ، وقيل له : يا أبا عمران ،
أما بلغك حديث عن النبى بسلامٍ تحدثنا به؟ قال : بلى، ولكن أقول : قال عمر ،
قال عبد الله، قال علقمة، قال الأسود أحب إلىّ وأهون، وكان يتحدث بمعانى
الأحاديث من غير تمسك بنصها .
ومن كل هذا يتبين أنه كان يتجه إلى دراسة الآثار دراسة عقلية يفهم نصوصها
ويتجه إلى معانيها ، ويستخلص الأحكام منها بالرأى والقياس ، ولقد كان يقول :
(( لا يستقيم رأى بلا رواية، ولا رواية بلا رأى، فكان يدرس الفقه من الروايات،
ويفهم الروايات بالرأى والعقل ، فيأخذ فقها ، وبذلك عد بحق أول شخصية فقهية
فى العراق جعلت لفقه الرأى به كوناً ووجوداً ، ومعنى مقبولا .
ويظهر أن إبراهيم مع أنه شيخ فقهاء الرأى بالعراق وإمامهم لم يكن من يسير
وراء الفروض الفقهية المجردة كثيراً ، ولذلك ما كان يفتى، حتى يستفتى ، لا يفرض
قبل السؤال ، بل يجيب إذا سئل. روى بعضهم فقال: ((جلست إلى إبراهيم ما بين
العصر إلى المغرب فلم يتكلم ، فلما مات سمعت الحكم وحماداً يقولان : قال إبراهيم

- ٢٢٨ -
فأخبرتهما بجلوسى، فلم يتكلم ، فقالا . أما أنه لا يتكلم حتى يسأل ، ولقد قال :
(«وددت أنى لم أكن تكلمت، ولو وجدت بداً من الكلام ما تكلمت، وإنزماناً
صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء)) .
ويظهر أنه نشأ فى بيئة فقهية، فأسرته كلها فقهاء نخاله علقمة فقيه ، وأبناء خاله
الأسود وعبد الرحمن فقيهان .
وما مات سنة ٩٥ قال الشعبى معاصره: (( دفنتم أفقه الناس ، قيل ومن
الحسن ؟ قال أفقه من الحسن ، ومن أهل البصرة ، ومن أهل الكوفة وأهل
الشام وأهل الحجاز ، .
٦٤ - هذا هو إبراهيم فقيه العراق الذى تأثر أبو حنيفة خطاه أولا ، ثم
استقل بتكوين فقهه ثانياً، وترى اتحاداً فى الفكر الفقهى بين الرجلين ، فكلاهما
كان يتجه إلى نقد الحديث من حيث معناه. كما سنوضح ذلك عند الكلام فى اعتماد
أبى حنيفة على الحديث، وكلاهما كان يفسر الحديث تفسيراً فقهياً يستخرج من
ثناياه العلل التى تبنى عليها الأحكام ليطرد بها القياس . وإبراهيم كان يكثر من
إرسال الحديث ، وأبو حنيفة كان يقبل المراسيل، ويحتج بها .
ولكن مع هذه الموافقة فى المنحى الفقهى للرجلين نجدهما يفترقان فى أمرين
بارزين (أحدهما) أن أبا حنيفة أخذ كثيراً من فقه مكة والمدينة ، ومسند أحاديثه
والآثار يدلان على أنه لا يمتنع عن التحديث عن رسول الله ز ئته .
ثانيهما - أن أبا حنيفة كان يكثر من التفريغ ، ويفرض الفروض ،
ولا يقتصر على ما يسأل عنه ، بل كان يقدر مسائل لم تقع ويبين حكمها ، ويوضح
أدلتها ، فلم يقتصر على ما كان يسأل عنه ، كما فعل إبراهيم ، ولمكان أبى حنيفة
فى هذا النوع من الاستنباط تخصه بكلمة .

- ٢٢٩ -
الفقه التقديرى وأبو حنيفة
٦٥ - يقصد بالفقه التقديرى ، الفتوى فى مسائل لم تقع ، ويفرض وقوعها ،
وقد كثرهذا النوع من الفقه عند أهل القياس والرأى من الفقهاء، لأنهم إذ يحاولون
استخراج العلل للأحكام الثابتة بالكتاب والسنة يوجهونها ، فيضطرون إلى فرض
وقائع، لكى بسيروا بما أقتبسوا من علل للأحكام فى مسارها واتجاهها ؛ فيوضحوها
بتطبيقها على وقائع مفروضة لم توجد، وقد أكثر أبو حنيفة من ذلك ، إذ أكثر
من القياس ، واستخراج العلل من ثنايا النصوص وما يلابسها ، حتى لقد ادعى أنه
وضع ستين ألف مسألة ، وقيل وضع ثلاثمائة ألف مسألة ، والرقم الأول كبير
لا يخلو من مبالغة ظاهرة . فالثانى أحرى بالرفض .
ولقد جاء فى تاريخ بغداد أنه عندما نزل قتادة الكوفة وقام إليه أبو حنيفة ،
قال له : يا أبا الخطاب ما تقول فى رجل غاب عن أهله أعواماً ، فظنت امرأته أن
زوجها مات ، فتزوجت ، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول فى صداقها؟ ، وكان
قد قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه : لئن حدث بحديث ليكذبن ، ولئن قال برأى
نفسه ليخطئن، فقال قتادة: ((ويحك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا ، قال :
فلم تسألنى عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة إنا نستعد للبلاء قبل نزوله ، فإذا ما وقع
عرفنا الدخول فيه ، والخروج منه )) (١) .
هذه وجهة نظر أبى حنيفة فى اتجاهه إلى الفرض والتقدير نتيجة لتعمقه فى فهم
النصوص، وعمله على اطراد عمومها، وتعميم الحكم فى كل ما تتوفر فيه عللها ،
ولذلك اقترن وجود الفقه التقديرى بوجود الرأى والقياس.
٦٦ - ولقد ادعى الحجوى أن أبا حنيفة هو الذى أحدث الفقه التقديرى ،
فقال: (( كان الفقه فى الزمن النبوى هو التصريح بحكم ما وقع بالفعل ، أما بعده
من الصحابة وكبار التابعين وصغارهم ، فكانوا يبينون حكم مانزل بالفعل فى زمنهم ،
ويحفظون أحكام ما كان نزل فى الزمن قبلهم ، فما الفقه وزادت فروعه نوعاً .
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٤٨.

- ٢٣٠ -
أما أبو حنيفة فهو الذى تجرد لفرض المسائل ، وتقدير وقوعها ، وفرض أحكامها .
إما بالقياس على ما وقع، وإما باندراجها فى العموم، فزاد الفقه نمواً وعظمة)، (١)
هذه دعوى الحجوى ، ونحن نرى أن أبا حنيفة لم يحدث الفقه النقديرى ، ولكنه
نماه ووسعه وزاد فيه بما أكثر من التفريع والقياس ، وعندى أن الفقه التقديرى
وجد قبل أبى حنيفة فى وسط فقهاء الرأى ، وإن كان إبراهيم النخعى قد تحاماه، أو على
التحقيق لم يسرفيه إلى مداه ، فكان لا يجيب حتى يسأل ، فلا يفرع هو من تلقاء نفسه
ولقد ذكر لنا الشعبى أنه كان يشكو من أن الفقهاء فى دراساتهم يقولون: أرأيت
لو كان كذا - وهذا هو التقدير والفرض، وكان يسميهم الأرأيتيين فقد جاء فى الموافقات
للشاطى أن الشعبى أوصى بعض من تلقوا عنه، فقال: ((احفظ عنى ثلاثا، إذا
سئلت عن مسألة فأجبت فيها ، فلا تتبع مسألتك أرأيت، إن الله تعالى قال فى كتابه
أرأيت من اتخذ الهه هواه، والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشىء ، فربما
حرمت حلالا ، أو حللت حراما ، والثالثة إذا سئلت عما لا تعلم، فقل: لا أعلم)).
ولقد روى عنه أنه كان يقول: ((والله لقد بغض هؤلاء القوم إلى المسجد؛
فهو أبغض إلىّ من كناسة دارى. قيل، ومن هم يا أبا عمر؟ قال الأرأيتيون)).
وإذا كان الشعبى قدمات قبل أن ينضج أبو حنيفة؛ إذ كان لا زال تلميذاً لحماد
فقد مات سنة ١٠٩ والفقه التقديرى كان شائعاً فى الكوفة فى عهده ، فلا بد أن
أبا حنيفة لم يحدثه ، ولكن قد وجده ، قماه وزاد فيه ، وأكثر .
٦٧ - ولقدسلك الفقهاء من بعد أبى حنيفة مسلك الفرض والتقدير، وإن اختلفوا
فى المقدار، فالليث والشافعى وغيرهم من الفقهاء كانوا يفرضون مسائل أحياناً ويفتون
فيها ، وكان فى ذلك نمو عظيم للفقه والاستنباط ، ومعرفة أحكام الواقعات والنوازل
قبل وقوعها ، استعداداً للبلاء قبل نزوله ، على حد تعبير أبى حنيفة رضى الله عنه.
ومع أن أكثر الأئمة والمجتهدين قد اتجهوا إلى التقدير فى الفقه؛ فقد اختلف
العلماء فى جوازه ، فقال بعضهم لا يجوز . وبعضهم قال يجوز، وابن القيم فصل ،
فقال (( إن كان فى المسألة (المفروضة) نص من كتاب أو سنة أو أثر عن الصحابة
(١) الفكر السامى فى تاريخ الفقه الإسلامى ج ٢ ص ١٢٧ ،

- ٢٣١ -
لم يكره الكلام فيها ، وإلا فإن كانت بعيدة الوقوع أو متعذرة لا تقع لم يستحب له
الكلام فيها ، وإن لم تكن نادرة وغرض السائل الإحاطة بعلمها ، ليكون منها على
بصيرة يستحب له الجواب بما يعلم ، ولاسما إن كان السائل يتفقة بذلك ، ويعتبر
نظائرها ، ويفرع عليها، حيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى)).
وفى الحق أن تقرير المسائل غير الواقعة واقعة مادامت ممكنة ، وما يقع بين
الناس أمر لابد منه لدارس الفقه ، بل إن ذلك هو لب العلم وروحه ، ومن وقت
أن صار الفقه علماً يتدارس بين المسلمين تحت ظل كتاب الله ، مستقياً من سنة
رسول الله، والمسائل الممكنة الوقوع تفرض، وتفرض لها أحكام ، وبذلك دون
الفقه ؛ وحفظت آثار السابقين ، وإذا كان لفقهاء الرأى فى ذلك السبق ، فهو سبق
إلى فضل، وإلى أمر ترتب عليه خير كثير، ونفع عميم، ولولا ذلك لدرس العلم بموت
العلماء ولم تؤثر تلك الآراء الفقهية الباقية الخالدة ، التى أعطاها القدم بهاء وجلالا .
٦٨ - ولكن جاء بعض الفقهاء بعد القرن الثالث، فشغلوا أنفسهم بالتفريع
حتى فرضوا مسائل لا تقع، بل لا يتصور وقوعها، ويستحيل فى العقل وجودها(١)
فنظر الفقهاء المجيدون إلى ذلك نظرة قائمة ، واستنكروه ، ووجد منهم من حرم
فرض المسائل أو استنباط أحكام لها ، وعد ذلك بدعا فى الدين مستنكراً ، وأخذ
يسوق له أدلة ظنها مبطلة له .
وعندى أن الفرض أمر لابد منه لنمو الفقه، واستنباط قواعده ووضع
أصوله ، ولكن فى حدود الممكن القريب الوقوع، لا المستحيل .
(١) جاء فى شرح مسلم (مما زاد الفقه صعوبة مااتسع فيه أهل المذاهب من التفريعات
والفروع ، حتى إنهم فرضوا ما يستحيل وقوعه، عادة فقالوا: لووطأ الخنثى نفسه ، فولد
هل يرث ولده بالأبوة أو الأمومة أو هما ، ولو توالد له ولد من بطنه، وآخر ، من ظهره
لم يتوارثًا ؛ لأنهما لم يجتمعا فى بطن ولا ظهر. واعتذر بعضهم عن ذلك بأنهم فرضوا
ما يقتضيه الفقه بتقدير الوقوع . ورده المازرى بأنه ليس من شأن الفقه تقدير خوارق
العادة . قال السنوسى بعده: ولو اشتغل الإنسان بما يخصه من وأجب ونحوه، ويتعلم أمراض
قلبه وأدويتها وإتقان عقائده، والتفقه على معنى القرآن والحديث لكان أزكى لعله وأضوأ لقلبه)»

- ٢٣٢ -
الأصول التى بنى عليها أبو حنيفة فقهه
٦٩ - قد أكثر أبو حنيفة من التفريع فى المسائل ودراستها حتى أدته كثرة
التفريع إلى فرض مسائل لم تقع، وهى ممكنه الوقوع يبين مخارجها وأحكامها ،
وكتب محمد مشحونة بالفروع المنقولة عنه ، والمتأمل فيها، والمنعرف لأسرارها
يراهامرتبطة بتفصيلات محكمة، فلابد أن تكون قائمة على أصول، ولابد أن تكون
مؤسسة على قواعد للاستنباط، ولم يسعفنا التاريخ الفقهى ببيان هذه القواعد مفصلة
بسند متصل إلى أبى حنيفة نفسه، ولكن مما لاشك فيه أن هناك قواعد كانت
معتبرة لدى أبى حنيفة فرع عليها ، واستخرج الأحكام على ضوئها وبهدايتها.
٧٠ - ولقد وجدنا فى كتب المتأخرين أصولا مفصلة قرروا أنها أصول
الاستنباط فى المذهب الحنفي، وذكروا اختلافات بين أئمة ذلك المذهب فى هذه
الأصول ، فقالوا هذا الأصل هو رأى أبى حنيفة، وذلك رأى صاحبيه ، وذلك
برأيهم جميعاً، وهكذا .
ولكن قال الدهلوى فى كتابه الإنصاف فى بيان أسباب الاختلاف: «أعلم
أنى وجدت أكثرهم يزعمون أن بناء الاختلاف بين أبى حنيفة والشافعى على هذه
الأصول المذكورة فى كتاب البزدوى ونحوه ، وإنما الحق أن أكثرها أصول مخرجة
على قولهم ، وعندى أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين، ولا يلحقه البيان ، وأن
الزيادة نسخ ، وأن العام قطعى كالخاص ، والاترجيح بكثروة الرواة ، وأنه لا يجب
العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأى ، ولاعبرة بمفهوم الشرط والوصف
أصلا ، وإن موجب الأمر هو الوجوب البتة، وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام
الأئمة، وأنها لا تصح بها رواية عن أبى حنيفة وصاحبيه، وأنه ليست المحافظة عليها
،والتكلف فى جواب مايرد عليها- من صنائع المتقدمين فى استنباطهم، كما يفعل البزودى،
ويكرر الدهلوى هذا المعنى فى كتابه حجه الله البالغة ثم يستدل على عدم نقل
نشىء من ذلك عن أبى حنيفة وصاحبيه بترك العمل بحديث الراوى غير الفقيه،

- ٢٣٣ -
إذا خالف القياس ، أو انسد باب الرأى على حد تعبير الدهلوى ويقول :
((ويكفيك دليلا على هذا قول المحققين فى مسألة : لا يجب العمل بحديث من اشتهر
بالضبط والعدالة دون الفقه ، إذا انسد باب الرأى ، حديث المصراة - إن هذا
مذهب عيسى بن ابان ، واختاره كثير من المتأخرين ، وذهب| الكرخى ، وتبعه
كثير من العلماء إلى عدم اشتراط فقه الراوى لتقدم الخبر على القياس ، قالوا لم
ينقل هذا القول عن أصحابنا، بل المنقول عنهم أن خبر الواحد مقدم على القياس
ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبى هريرة فى الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً ، وإن كان
مخالفاً للقياس حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: لولا الرواية لقلب بالقياس)، (١).
٧١ - هذا الكلام يدل بلاريب على أن الأصول التى يذكرها الحنفية على أنها أصول
المذهب الحنفي، أو الأصول التى بنى عليها أتمته استنباطهم ، ليست من وضع أمته،
حتى يقال إنهم وضعوها، وقيدوا أنفسهم بالاستنباط على أساسها، بل هى من وضع
العلماء فى ذلك المذهب الذين جاءوا بعد عصر الأئمة وتلاميذهم الذين اتجهوا إلى استنباط
القواعد التى يضبط بها استنباط فروع المذهب، فهى جاءت متأخرة عن الفروع .
٧٢ - ولكن مع أن هذه الأصول قد استنبطها المتأخرون، ولم تؤثر عن
الأئمة وتلاميذهم لا بد من الإشارة إلى أمور ثلاثة ، وتقرير الحقائق بشأنها .
أولها - أن أبا حنيفة، وإن لم يؤثر عنه أصول مفصلة للأحكام التى استنبطها،
لا بد أن تكون له أصول لاحظها عند استنباطه، وإن لم يدونها، كما لم يدون فروعه
فإن التماسك الفكرى بين هذه الفروع المأثورة ، الذى يستبين عند ترديد النظر
يكشف عن فقيه كان يقيد نفسه بقواعد لايخرج عن حدودها ، ولا يتجاوز
أقطارها ، وكونه لم يدونها ليس دليلا على عدم وجودها ، فإنه لم يدون الفروع
التى رواها أصحابه عنه، ثم كون أصحابه لم ينقلوها عنه ليس دليلا أيضا على أنها
لم تكن قائمة ، فإنهم لم ينقلوا كل أدلته ، بل لم ينقلوا إلا القليل منها، كما فى كتب
أبى يوسف عندما كان يتصدى لبيان الخلاف بينه وبين غيره من الفقهاء،كاختلاف.
(١) حجة الله البالغة ج ١ ص ١٥٩.

- ٢٣٤ -
أبى حنيفة وابن أبى ليلى ، والرد على سير الأوزاعى، وكما جاء فى كتاب الخراج
من ذكر خلافه معه أو مع غيره ، وأكثر كتب محمد لم تذكر فيها أدلة ، وإن كان
التفريع يعلن فى كثير من الأحيان عن مناط الاستنباط.
ثانيها - أن العلماء الذين استنبطوا الأصول المدونه كالبزدوى وغيره كانوا
يتلمسونها من أقوال الأئمة والفروع المأثورة عنهم ، إذا نسبوا تلك القواعد للأئمة،
ويذكرون أحياناً الفروع الدالة على صحة النسبة فى هذه القاعدة ، أو بالأحرى
الدالة على هذه القاعدة كانت ملاحظة عند استنباط أحكام هذه الفروع ،
ومالا يذكرون فيه فروعاً مسندة للأئمة يكون آراء لبعض الفقهاء فى المذهب الحنفى،
كالكرخى، وكثيراً ما يكون ذلك فى أمور نظرية، ما ينبنى عليها من عمل قدر قليل.
وعلى ذلك نستطيع تقسيم الأصول الحنفية إلى قسمين : قسم ينسبونه إلى الأئمة
على أنه القواعد التى لاحظوها عند الاستنباط، وهذا يذكرون فيه الفروع الدالة على
صحة القاعدة، أو على التحقيق صحة نسبتها، والقسم الثانى آراء فقهاء المذهب الحنفى، كرأى
عيسى بن ابان فى رد رواية الواحد الضابط غير الفقيه إذا كانت مخالفة للقياس .
والقسم الأول تجب العناية به عند التصدى لدراسة الأصول التفصيلية لآراء
أبى حنيفة ؛ وسنعرف فى هذه الدراسة مقدار ضبط القاعدة لهذه الفروع .
وسيكون سندنا الكتب التى تصدت لهذه الأصول ، وعمادها أصول نفر الإسلام
البزدوى ، فلم نجد فى هذا المقام أو فى منه .
ثالثها - أن أبا حنيفة وإن لم يؤثر عنه قواعد تفصيلية فى الاستنباط قد أثرت
عنه قواعد عامة للاستدلال ، فقد ذكر كتاب المناقب وغيرهم ممن تصدوا لبيان
تاريخه الينابيع التى استقى منها فقهه ، وتواترت أقواله فى هذه الأدلة إجمالا
لا تفصيلا ، ولا شك أنه لا بد عند دراسة الأصول التى بنى عليها استنباطه
من الاتجاه إلى هذه الأدلة التى ذكرها ، فنأخذ من أقواله عددها ، ومن استنباط.
المخرجين فى الفقه الحنفى بعض بيانها وتفصيلها .

- ٢٣٥ -
الأدلة الفقهية عند أبى حنيفة
٧٣ - جاء فى كتاب تاريخ بغداد نقلا عن أبى حنيفة مانصه: ((آخذ بكتاب
الله، فإن لم أجد ، فبسنة رسول الله وسلّم ، فان لم أجد فى كتاب الله ولاسنة رسول
اللّه مسلمٍ أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت
منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذ انتهى الأمر - أو جاء -
إلى إبراهيم، والشعبى ، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيب -
وعدد رجالا ـ فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا (١))).
ومثل ذلك جاء فى الانتقاء لابن عبد البر (٢).
وجاء فى مناقب أبى حنيفة للموفق المكى مانصه: ((كلام أبى حنيفة أخذ بالثقة
وفرار من القبح ، والنظر فى معاملات الناس ، وما استقاموا عليه ، وصلح عليه
أمورهم، يمضى الأمور على القياس ، فاذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان مادام
يمضى له ، فاذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل به المسلمون به ، وكان يوصل الحديث
المعروف الذى قد أجمع عليه، ثم يقيس عليه مادام القياس سائغاً ، ثم يرجع
إلى الاستحسان، أيهما كان أوفق رجع إليه قال سهل: هذا على أبى حنيفة رحمه الله،
علم العامة(٣)).
وجاء فيه أيضاً : كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث،
والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبى ◌َ لّم ، عن أصحابه وكان عارفا
بحديث أهل الكوفة ، شديد الاتباع لما كان عليه بيلده(٤))).
٧٤ - هذه نصوص ثلاثة مأثورة عن علم أبى حنيفة ، وقد اختر ناها من
روايات كثيرة فى معناها ، وهذه النصوص الثلاثة فى مجموعها تدل على مجموع
المصادر عند أبى حنيفة .
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٦٨
(٣) المناقب جـ ١ ص ٨٢
(٢) الانتقاء ص ١٤٣
(٤) ج ١ ص ٨٩

- ٢٣٦ -
فالنص الأول المنقول فى تاريخ بغداد والانتقاء يفيد أن الدليل الأول عند
أبى حنيفة الكتاب، والثانى السنة، والثالث ما أجمع عليه الصحابة وما اختلفوا
فيه لا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم ، بل يختار من أقوالهم أيها شاء، ومشيئتة
مربوطة بما هو أقيس فى نظره، أو أكثر موافقة للمستنبسط من الكتاب والسنة .
والنص الثانى يفيد أنه حيث لا نص ولا قول صحابى يأخذ بالقياس ما وجده
سائغاً، فإن لم يستسغ ما يؤدى إليه القياس أخذ بالاستحسان ما استقام له ، فإن لم
يستقيم له أخذ بما يتعامل به الناس ، أى أخذ بالعرف فهذا النص يذكر ثلاثة أدلة
كما ذكر الأول ثلاثة ، والثلاثة هنا هى القياس، والاستحسان، والعرف.
والنص الثالث يستفاد منه اتباعه لما عليه الناس ببلده ، ومن كان يتبع ما عليه
الناس بيلده فهو أولى أن ينبع ما عليه الفقهاء جميعاً، وبذلك يستفاد من هذا
"النص أنه يأخذ بإجماع الفقهاء.
وعلى ذلك تكون الأدلة الفقهية عند أبى حنيفة سبعة الكتاب ، والسنة ،
وأقوال الصحابة ، والإجماع ، والقياس ، والاستحسان ، والعرف .
هذه هى الأدلة المعتبرة التى أقام عليها أبو حنيفة استنباطه الفقهى، ونريد أن
نفضل تلك الأدلة مما كتبه علماء الأصول على مقتضى مذهب أبى حنيفة ، نتبعهم
فى استنباطهم ، وتناقشهم إن احتاج الأمر إلى مناقشة ، ولن نتعرض لتفصيلات
علم الأصول إلا بمقدار ما يوضح لنا فقه أبى حنيفة ، فلا نخوض فى هذه المسائل
لبيان أصول الحنفية فى ذاتها ، ولكن لنبين اتجاهات الاستنباط عند أبى حنيفة ،
ولا نتجاوز ذلك القدر، ولنبدأ ببيان أولها ، وهو الكتاب .

٠ ٢٣٧ -
١ - الكتاب
٧٥ - أثار الفقهاء فى المذهب الحنفى بحثاً حول القرآن ، وهو أن القرآن.
جموع النظم والمعنى أى العبارة ومعناها الذى تدل عليه، أم القرآن هو المعنى.
فقط؟. وإن جمهور العلماء أجمع على أن القرآن هو النظم والمعنى، ونريد هنا أن نعرف
رأى أبى حنيفة فى هذا المقام أهو يرى أن القرآن هو المعنى فقط أم هو مجموع
المعنى والعبارة كما يرى الجمهور؟ لم يوجد نص لأبى حنيفة فى ذلك ، ولکن وجد
فرع قد يؤدى تخريجه إلى حد الرأيين ، وجرت مناقشة الفقهاء حول استنباط
رأيه من هذا الفرع ، فلنذكره، واستنباط العلماء منه، ثم لنذكر رأينا فيها .
وهذا الفرع هو أن قراءة القرآن فى الصلاة بالفارسية تجزىء ، ويعتبر
الشخص أدى ركز القراءة عند أبى حنيفة، سواء أكان عاجزاً عن القراءة بالعربية
أم غير عاجز ، ولكن يكره ذلك عند عدم العجز ، وقال أبو يوسف ومحمد
لا تقبل القراءة بغير العربية ، إلا فى حالة العجز عن العربية ، وقال الشافعى.
لا تجزىء القراءة بغير العربية، ولو كان عاجزاً ، وفى هذه الحالة ، يدعو الله
بما يعرف ويسبح .
ولقد روى خر الإسلام البزدوى عن نوح بن أبى مريم الجامع عن أبى حنيفة.
أنه رجع عن قوله ذاك. وقد جاء فى كشف الأسرار ما نصه: ((وقد صح
رجوعه إلى قول العامة ، رواه نوح بن أبي مريم عنه . وذكره المنصف ( أى خر
الإسلام البزدوى ) فى شرح المبسوط ، وهو اختيار القاضى الإمام أبى زيد ،
وعامة المحققين وعليه الفتوى)) (١) .
ولكن المذكور فى السرخسى ، والمروى فى كتب الإمام محمد فى ظاهر الرواية.
وغيرها هو الرأى الأول ، ولم يرو هذا الرجوع إلى نوح هذا ، وإن كان.
قد قال بعض العلماء إن رواية نوح هى الأصح (٢).
(١) كشف الأسرار للشيخ عبد العزيز البخارى ج ١ ص ٢٥.
(٢) شرح المنار لابن عبد الملك ص ٩