Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ١٩٨ - أتياه بخير ما كان استعملهما عليه من أرض العراق (( لعلكما حملتهما الأرض ما لا تطيق .. دليل على أنهما لو أخبراه أنها لا تطيق ذلك الذى حملته من أهلها ، لنقص مما جعله عليهم من الخراج، وأنه لو كان ما فرضه وجعله على الأرض حتما لا يجوز النقص منه، ولا الزيادة فيه ما سألهما عما سألهما عنه من احتمال أهل الأرض أو عجزه وكيف لا يجوز النقصان من ذلك والزيادة فيه، وعثمان بن حنيف يقول مجيباً لعمر رضى اللّه تعالى عنه: حملت الأرض أمراً هى له مطيقة، ولو شئت لأضعفت أرضى، أو ليس قد ذكر أنه ترك فضلا لو شاء أن يأخذه أخذه ، وحذيفة يقول مجيباً لعمر رضى اللّه تعالى عنه: وضعت على الأرض أمراً هى له محتملة، ومافيها كثير فضل))(١). ٣٧ - والكتاب كله من وضع أبى يوسف لم يجعله رواية لغيره من الفقهاء ، ولكنه كان يذكر خلاف أبى حنيفة فى مسائل كثيرة ، فهل لنا أن نستنبط من هذا أن مالم يذكر فيه خلافا مع شيخه هو مما اجتمع رأيهما عليه، وأن هذا الذى يذكره بلا خلاف هو رأى أبى حنيفة؟ الظاهر ذلك. ومهما يكن من الأمر ، فإنه كان. إذا ذكر رأى أبى حنيفة دعمه بالدليل ، وبين وجه القياس أو الاستحسان ، واحتفل ببيان دليل شيخه أكثر من احتفاله ببيان دليله ، وفاء وحرصاً على أمانة العلم، ولنذكر لك مسألة من هذه المسائل التى اختلف فيها مع شيخه، وهى مسألة إذن الإمام فى إحياء الأرض الموات ، فأبوا يوسف لا يشترط إذن الإمام فى إحياء الموات لتثبت ملكية المحمى ، وأبو حنيفة يشترط إذن الإمام ، وإليك ما قاله أبو يوسف فى بيان الرأيين وحجتهما . ((وكل من أحيا أرضاً مواتاً فهى له ، وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: من أحيا أرضاً مواتاً فهى له إذا أجازه الإمام ، ومن أحيا أرضاً مواقاً بغير إذن الإمام فليست له وللإمام أن يخرجها من يده ويصنع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع وغير ذلك ، قيل لأبى يوسف ما ينبغى لأبى حنيفة أن يكون. قد قال هذا إلا من شىء؛ لأن الحديث قد جاء عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال: )) من (١) الخراج طبع السلفية ص ١٠٠. - ١٩٩ - أحيا أرضاً مواناً فهى له ، فبين لنا ذلك الشىء ، فإنا نرجو أن تكون قد سمعت منه فى هذا شيئاً يحتح به. قال أبو يوسف حجته فى ذلك أو يقول : الإحياء لا يكون إلا بإذن الإمام . أرأيت رجلين أراد كل واحد منهما أن يختار موضعاً واحداً، وكل واحد منهما منع صاحبه، أيهما أحق؟ أرأيت إن أراد رجل أن يحمى أرضاً ميتة بفناء رجل ، وهو مقر أنه لا حق له فيها ، فقال : لا تحيها لأنها بفنائى، وذلك يضرفى، فإنما جعل أبو حنيفة إذن الإمام فى ذلك هاهنا فصلا بين الناس ، فإذا أذن فى ذلك لإنسان كان له أن يحييها ، وكان ذلك الإذن جائزاً مستقما ، وإذا منع الإمام أحداً كان ذلك المنع جائزاً ، ولم يكن بين الناس التشاح فى الموضع الواحد ، ولا الضرار فيه، مع إذن الإمام ومنعه ، وليس ما قال أبو حنيفة يرد الأثر ، إنما رد الأثر أن يقول وأن أحياها بإذن الإمام فليست له ، فأما من يقول هى له فهذا اتباع الأثر، ولكن بإذن الإمام، ليكون إذنه فصلا بينهم فى خصوماتهم وإضرار بعضهم ببعض ... أما أنا فأرى أنه إذا لم يكن فيه ضرر على أحد ، ولا لأحد فيه خصومه أن إذن رسول اللّه جائز إلى يوم القيامة ، فإذا جاء الضرر، فهو على الحديث: ((وليس لعرق ظالم حق)) (١). وهكذا فى كل مقام يذكر فيه خلاف شيخه يذكر دليله مفصلا، إن احتاج المقام إلى التفصيل ، كما ذكر فى موضع الموات ، إذ ألجأه إلى التفصيل حرصه على أن يثبت أن شيخه لم يخالف الحديث ، بل قيد معناه، وقد يذكره إجمالا . إن لم يكن ثمة حاجة إلى التفصيل . والحق أن طريقة أبى يوسف فى ذكر الخلاف هى الطريقة المثلى ، ولو أنها اتبعت فى كل ما نقل إلينا من فقه أبى حنيفة لوصل إلينا ذلك الفقه محملا بدليله ، مبيناً بأصوله . وكتاب الخراج فى بابه الفقهى ثروة فقهية ليس لها مثيل فى العصر الذى كتب فيه . (١) الخوارج ص ٧٦. - ٢٠٠ - ٣٨ - وكتاب الآثار - رواه يوسف بن أبى يوسف ، عن أبيه ، عن أبى حنيفة ، ثم بعد ذلك يتصل السند إلى الرسول ، أن الصحابى، أو التابعى الذى ارتضاء أبو حنيفة، وعلى ذلك يكون هذا الكتاب مسنداً لأبى حنيفة رواه أبو يوسف عنه ، ونقله إبنه عنه ، وفيه فوق كونه مسنداً لأبى حنيفة مجموعة من الفتاوى التى اختارها من أقوال فقهاء الكوفة رأياً له ، أو خالفها مبيناً سند المخالفة ، والكتاب موضوع بعناوين فقهية مرتبة . ولهذا الكتاب قيمة علمية من ثلاث نواح : (أولاها ) أنه مسند لأبى حنيفة رضى الله عنه يطلعنا على طائفة من مروياته ويرينا نوعا من الأحاديث التى اعتمد عليها فى بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى. (ثانيها) أنه يبين لنا كيف كان أبو حنيفة - يأخذ بفتاوى الصحابة ، وكيف كان يأخذ بالمرسل من الحديث ، ولا يشترط الرفع ، وبعبارة عامة يرينا ما يشترطه أبو حنيفة فى الروايات المعتمدة . (ثالثها ) أن فى الكتاب جمعاً لطائفة اختارها من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة خاصة وفقهاء العراق عامة ، فهو على هذا يضع أيدينا على طائفة من المجموعة الفقهية التى كانت معروفة لدى فقهاء العراق يتدارسونها ، ويبنون عليها ، ويشيدون فوقها ، ويستنبطون فيما وراءها ، وبدارستها مع ماروى لأبى حنيفة من فقه غيرها ، نعرف الدور الذى قام به أبو حنيفة فى استنباطه ، ومقامه من «السابقين ، ومكانه فى المجتهدين بشكل عام. ٣٩ - واختلاف أبى حنيفة وابن أبى لیلی -وهو کتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف فيها أبو حنيفة مع ابن أبى ليلى ، وفى جملتها كان ينتصر لأبى حنيفة، (وقد تتلمذ لكليهما ، وقدروى هذا محمد عن أبى يوسف، ولذا ترى فى ثنايا الكتاب عبارة قال محمد ، وبه نأخذ ، ولقد ذكر السرخسى فى المبسوط أن الإمام محمد زاد : فى كتاب أبى يوسف بعض المسائل ، وإليك ما قاله السرخسى فى الكتاب ، وصلة أبى يوسف بالمختلفين فى مسائله . - ٢٠١ - ((اعلم أن أبا يوسف كان يختلف إلى ابن أبى ليلى فى الابتداء ، فتعلم بين يديه تسع سنين، ثم تحول إلى مجلس أبى حنيفة. قيل كان سبب تحول أبى يوسف إلى مجلس أبى حنيفة أنه كان تبع ابن أبى ليلى ، وقد شهد ملاك رجل ؛ فلما نثر السكر أخذ أبو يوسف رحمه الله بعضه ، فكرة ذلك ابن أبي ليلى ، وأغلظ له فى القول وقال: أما علمت، أن هذا لا يحل . فجاء أبو يوسف إلى أبى حنيفة رحمه الله، فسأله عن ذلك ، فقال لا بأس بذلك. بلغنا أن رسول اللّه بو لتم كان مع أصحابه فى ملاك رجل من الأنصار؛ فنثر التمر ، فجعل رسول الله ب القلم يرفع ذلك ويقول لأصحابه: ((انتهبوا)). وبلغلنا أن رسول اللّه ومواقعه فى حجة الوداع لما نحر مائة بدنة أمر بأن يؤخذ له من كل بدنة قطعة ثم قال. ((من شاء أن يقتطع فليقتطع ، فهذا ونحوه من الهبة مستحسن شرعا. فلما تبين له تفاوت ما بينهما تحول إلى مجلس أبى حنيفة . وقيل كان سبب ذلك أنه كان يناظر زفر رحمه الله ، وتبين له بالمناظرة معه تفاوت ما بين فقه أبى حنيفة وابن أبى ليلى رحمهما الله، فتحول إلى مجلس أبى حنيفة، ثم أحب أن يجمع المسائل التى كان فيها الاختلاف بين أستاذيه، جمع هذا التصنيف. وأخذه محمد رحمه الله، وروى عنه ذلك ، إلا أنه زاد بعض ما كان جمع من غيره ، فأصل التصنيف لأبى يوسف ، والتأليف لمحمد رحمة الله عليهما، فعد ذلك من تصنيف محمد ، ولهذا ذكره الحاكم رحمه الله فى هذا المختصر)) (١) هذا ما قاله المبسوط ، وهو كما ترى يصرح بأمرين : أحدهما أن لمحمد زيادة فيه كان قد سمعها من غير أبى يوسف : ثانيهما أن التصنيف لأبى يوسف والتأليف لمحمد ، أى أن مجموعة المعلومات التى اشتمل عليها الكتاب هى لأبى يوسف فى جملتها ، وأن الذی رتب أبوابه، ونظم فصو له هو محمد، ولكن قد وجد الكتاب مستقلا ليس فيه ما يدل على أن محمداً قد زاد شيئاً قد سمعه عن غير أبى يوسف ، بل كل ما فيه يذكر أنه رواه عن أبى يوسف ، فليس لنا أن ندعى أنه زاد فيه شيئاً (١) مبسوط السرخى = ٣٠ ص ١٢٨ - ٢٠٢ -٠ إلا قولا قاله هو تعليقاً، وقد بقى التأليف والتبويب وليس لنا أن نثبت خلاف الظاهر بالنسبة لهما إلا إذا قام دليل يناقضه ، والظاهر من نسبته لأبى يوسف أن التصنيف له والتبويب له ، فمن كان عنده ما يثبت غير ذلك صدقناه ، وإلا بقى الظاهر فى مكانه من الأخذ والاعتبار . وكون الكتاب قد جاء فى مختصر الحاكم، وهو الذى اختصر فيه كتب الإمام محمد، لا ينفى أن هذا من تأليف أبى يوسف ، إذ يكون محمد قد وضع مسائله فى ضمن كتاب الأصل ، ومحمد عندما جمع كتب الفقه العراقى كمان جل اعتماده على ما أخذه من شيخه أبى يوسف . ٤٠ - والكتاب عنوان قيم كان يجرى بين العلماء فى ذلك العصر من دراسة عميقة للمسائل المختلفة ، وقد عنى فيه أبو يوسف يذكر آراء المختلفين مدعومة بالدليل ، وكان فى الكثير يناصر أبا حنيفة، وفى النادر يناصر ابن أبى ليلى ومن ذلك النادر. ما جاء فى كتاب القضاء: ((قال أبو يوسف وإذا أثبت القاضى فى ديوانه الإقرار وشهادة الشهود ، ثم رفع إليه وهو لا يذكره ، فإن أبا حنيفةرضى الله عنه كان يقول لا ينبغى له أن يجيزه، وكان ابن أبى ليلى يجيز ذلك، وبه نأخذ، (١). وليس بغريب أن يتفق رأی أب یوسف وابن أبى ليلى فى هذا، فهماً قد تمرسا بالقضاء، ولذا اعتبر ما يسجل فى سجل الديوان حجة ، وإن اعتراه النسيان ، ولكن أبا حنيفة الذى لم يعركه القضاء لم يعتبره. ٤١ - ثم الكتاب قد احتفل فيه أبو يوسف ببيان الأدلة وأوجه القياس. ولنضرب لذلك مثلا . اختلافهما فى الو کیل بالشراء إذا اشترى شيئاً فوجد به عيباً، فمن الذى يخاصم فى هذا العيب،فأبو حنيفة يقول الو کیل،وابن أبى ليلى يقول ليس للوكيل أن يرد حتى يحلف الموكل أنه ما رضى بالعيب، وإليك نص الكتاب ((وإذا اشترى الرجل بيعاً لغيره بأمره، فوجد به عيباً، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول: يخاصم المشترى ، ولا زالى أحضر الآمر أم لا ، ولا نرى على (١) إختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى ص ١٤٨. - ٢٠٣ + المشترى يميناً إن قال البائع إلى الآمر قدرضى بالعيب. وكان ابن أبى ليلى يقول. لا يستطيع المشترى أن يرد السلعة التى بها العيب حتى يحضر الآمر ، فيحلف أنه ما رضى بالعيب، ولو كان غائباً بغير ذلك البلد ، وكذلك الرجل معه مال مضاربة أتى بلاداً ، يتجر فيها بذلك المال ، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول : ما اشترى من ذلك فوجد به عيباً فله أن يرده ، ولا يستحلف على رضا الآمر بالعيب، وكان ابن أبى ليلى رحمه الله يقول: لا يستطيع المشترى المضارب أن يرد شيئاً من ذلك ، حتى يحضر رب المال ، فيحلف بالله ما رضى بالعيب ، وإن لم ير المتاع ، وإن كان غائباً ، أرأيت رجلا أمر رجلا فباع له متاعاً ، فوجد المشترى به. عيباً أيخاصم البائع فى ذلك أم تكلفه أن يحضر رب المتاع ، ألا ترى أن خصمه فى ذلك البائع ، ولا تكلفه أن يحضر الآمر ، ولا خصومة بينه وبينه ، فكذلك ما اشترى له ، فهو مثل أمره فى البيع، أرأيت لو اشترى متاعا ولم يره أكان للمشترى الخيار إذا رآه أم لا يكون له خيار حتى يحضر الآمر، أرأيت لو اشترى. عبداً فوجده أعمى قبل أن يقبضه فقال لا حاجة لى فيه ، أما كان له أن يرد بهذا ، حتى يحضر الآمر؟ بل له أن يرده، ولا يحضر الآمر))(١). وترى فى هذا أبا حنيفة قياس الفقه العراقى ، فهو يقيس شراء الوكيل فى حق رده بالعيب على بيع الوكيل ، من حيث أن الرد بالعيب يكون فى مواجهته ، ويقيس خيار العيب على خيار الرؤية . والكتاب فما اشتمل عليه من مسائل وأدلتها قبس من عقل أبى حنيفة الفقهى وصورة نیرة له . ٤٢ - والرد على سير الأوزاعى - وفى هذا الكتاب يرد أبو يوسف على الأوزاعى فما خالف فيه أبا حنيفة من أحكام الحروب وما يتصل بها من الأمان ، والهدنة، والأسلاب؛ والغنائم، فهو انتصار لشيخه على الأوزاعى فى هذه المسائل وما يتصل بها، وترى فيه صورة قوية لأدلة أبى حنيفة وطرق استنباطه، ومسالكه فى الاستدلال ، ثم ترى فيه صورة قوية لعقل أبى حنيفة الفقهى القائس، والمفسر (١) اختلاف ابن أبى ليلى ص ٢٥ . - ٢٠٤ - :للنصوص بغاياتها وبواعثها وعللها، غير مقتصر فى بيانها على مرامى عباراتها الظاهرة وإليك مسألة تكشف ذلك ، وهى مسألة أمان العبد، فأبو حنيفة لا يعتبر أمان العبد إلا إذا قاتل مع مولاه . والأوزاعى يقول أمانه جائز سواء أكان يقاتل أم لا ، وإليك نص المسألة فى الكتاب : ، قال أبو حنيفة رضى الله عنه؛ إذا كان العبد يقاتل مع مولاه جاز أمانه، وإلا فأمانه باطل . وقد قال الأوزاعى رحمه الله أمانه جائز، أجازه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولم ينظر أ كان يقاتل أم لا . وقال أبو يوسف فى العبد . القول ما قال أبو حنيفة ، ليس لعبد أمان ، ولا شهادة فى قليل ولا كثير. ألا ترى أنه لا يملك نفسه، ولا يملك أن يشترى شيئاً، ولا يملك أن يتزوج ، فكيف يكون له أمان يجوز على جميع المسلمين ، وفعله لا يجوز على نفسه ؟ أرأيت لو كان عبداً كافراً ، ومولاه مسلم هل يجوز أمانه؟! :أرأيت إن كان عبداً لأهل الحرب، خرج إلى دار الإسلام بأمان وأسلم، ثم أمن أهل الحرب جميعاً هل يجوز ذلك، أرأيت إن كان عبداً مسلماً ، ومولاه ذمى ، فأمن أهل الحرب هل يجوز أمانه ؟! حدثنا عاصم عن الفضيل بن زيد قال : كنا نحاصر حصن قوم ، فعمد عبد لبعضهم ، فرمى بسهم فيه أمان ، فأجاز ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فهذا عندنا مقاتل على ذلك يقع الحديث ، وفى النفس من اجازة أمانه أن يقانل ما فيها لولا هذا الأثر ما كان له عندنا أمان ، قاتل أو لم يقاتل؛ ألا ترى فى الحديث عن رسول الله بواقع: ((المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم. ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهو عندنا فى الدية ، ما هم سواء . دية العبد ليست دية الحر . وربما كانت ديته لا تبلغ مائة درهم ، فهذا الحديث ، إنما هو عندنا على الأحرار ، ولا تتكافأ دماؤهم مع الأحرار ، ولو أن المسلمين سبوا سبياً ، فأمن صبى منهم :(بعد ما تكلم بالإسلام . وهو فى دار الحرب أهل الشرك جاز على المسلمين ؟ ! فهذا لا يجوز ولا يستقيم)،(١). (١) الرد على سير الأوزاعى ص ٧٠ . - ٢٠٥ - وترى فى ثنايا كتاب الرد على سير الأوزاعى صوراً كثيرة للاختلاف بين فقهاء المدينة وفقهاء العراق ، ومنها تتصور منازعهم المختلفة ، ومن ذلك ما جاء فى أثناء بيان سهم الفرس فى الغنائم فقد جاء فيه ما نصه : ((قال أبو حنيفة رضى الله عنه فى الرجل یکون معه فرسان، لا يسهم إلا لواحد، وقال الأوزاعى يسهم للفرسين ولايسهم لأكثر من ذلك ، وعلى ذلك أهل العلم، وبه عملت الأئمة. قال أبو يوسف لم يبلغنا عن رسول الله عَ ليه، ولا عن أحد من أصحابه أنه أسهم لفرسين إلا حديث واحد ، وكان الواحد عندنا شاذاً لا ;أخذ به ، وأما قوله بذلك عملت الأمة ، وعليه أهل العلم ، فهذا مثل قول أهل الحجاز : وبذلك مضت السنة ، وليس يقبل هذا، ولا يحمل هذا عن الجهال! فمن الإمام الذى عمل بهذا ، والعالم الذى أخذ به ، حتى ننظر أهو أهل لأن يحمل عنه مأمون هو على العلم أم لا ، وكيف يقسم للفرسين ، ولا يقسم لثلاثة ، من قبل ماذا ؟! وكيف يقسم للفرس المربوط فى منزله لم يقاتل عليه . وإنما قاتل على غيره ؟ فتفهم فى الذى ذكرنا، وفما قال الأوزاعى وتدبره)). ٤٣ - هذه كتب للإمام أبى يوسف رضى الله عنه، وقد عرضنا عليك بعض نصوصها ، وإنك لترى فيها جمالا فى التعبير ، ووضوحاً وجزالة ، ودقة قياس، واحكام فكر ، وترى بجوار ذلك أدلة فقهية مصورة لاتجاه أبى حنيفة فى تفكيره، وإن لم يكن اللفظ من تعبيره ، ولو أن كل الكتب التى حكت فقهه كانت على ذلك لكانت صورة أبى حنيفة واضحة جلية ، ونفسه بينة وشخصه الفقهى مبيناً بياناً كاملا . ولكن ليست كل الكتب التى روت مذهبه على هذا النحو . - ٢٠٦ - محمد بن الحسن ٤٤ - هو محمد بن الحسن الشيبانى ، ويكنى أبا عبد الله ، ونسبته إلى شيبان بالولاء، لا بالنسب الأصيل . ولد سنة ١٣٢ ، ومات سنة ١٨٩ ، ولقد كانت سنه يوم مات أبو حنيفه نحو الثامنة عشرة، فهو لم يتلق عن أبى حنيفة أمداً طويلا، ولكنه أتم دراسته لفقه العراق على أبى يوسف ، ولقد أخذ عن الثورى والأوزاعى، ورحل إلى مالك . وتلقى عنه فقه الحديث والرواية وآراء مالك ، بعد أن تلقى عن العراقيين فقه الرأى والدراية، ومكث عنده ثلاث سنوات ، وقد ولى القضاء للرشيد، وإن لم يكن قاضى القضاة ، كشيخه أبى يوسف، وكانت له دراية واسعة بالغة فى الأدب فاجتمع له بذلك ثقافة لسانية ، ودربة بيانية وكان يعنى بملبسه ، وله منظر جليل ، حتى لقد قال فيه الشافعى: ((كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب، وقال فيه أيضاً: (( كان أفصح الناس، كان إذا تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته)،(١) وكان مع اتصاله بالسلطان موفور الكرامة فى نفسه ، فلم يبذل نفسه ولا ماء وجهه ، روى الخطيب البغدادى ، أن الرشيد أقبل يوماً ، فقام الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم فرج الآذن ، ونادى محمد بن الحسن، تجزع أصحابه له ، فلما خرج سئل عما كان فقال . قال مالك لم تقم مع الناس ؟ قلت كرهت أن أخرج من الطبقة التى جعلتنى فيها ، إنك أهلتنى للعلم ، فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة)) (٢) اجتمع لمحمد بن الحسن مالم يجتمع لغيره من أصحاب أبى حنيفة غير شيخه أبی یوسف، فهو قد تلقی فقه العراق كاملا ، وقد صقلهالقضاء، إذ تلقی عن أبىيوسف القاضى ، وتلقى فقه الحجاز كاملا عن شيخ المدينة مالك ، وفقه الشام عن شيخ (١) الانتقاء ص ١٧٤. (٢) تاريخ بغداد جـ ٢ ص ١٧٣ . - ٢٠٧ - الشام الأوزاعى، وكانت له قدرة ومهارة فى التفريع والحساب . ويملك عنان البيان ، ثم تمرس بالقضاء، فكانت هذه الولاية دراسة أخرى أفادته علماً وتجربة وقربت فقهه من الناحية العملية ، وجعلته ينحو نحو العمل ، ولا يقتصر على التصور والنظر المجرد. وكان فى محمد اتجاه إلى التدوين ، فهو الذى يعد بحق ناقل فقه العراقيين إلى الأخلاف ، ولم يكن نقله مقصوراً على العراقيين ، فقد روى الموطأ عن مالك ودو نه، وتعد روايته له من أجود الروايات وقد كان يذكر رده على مالك وأهل الحجاز فما كان يعتنقه هو من آراء العراقيين. ٤٥ - ومكانة محمد بين العراقيين أتت من كونه إماماً مجتهداً له آراء ذات قيمة فقهية ، وقد يكون فى بعضها قرب الآراء إلى الحق ، ومن أنه قد جمع بين فقه العراق وفقه الحجاز ، ومن كونه جامع الفقه العراقى، وراويه وناقله إلى الأخلاف. ولا نقول إنه روى ذلك الفقه تلقياً عن أبى حنيفة، لأن أبا حنيفة مات ، وهو فى الثامنة عشرة من سنه ، كما نوهنا ، ولم تكن هذه السن لتسمح له بأن يتلقى كل ذلك الفقه عن أبى حنيفة ، ولكنه روى فقه أبى حنيفة عن أبى يوسف وغيره وإنه ليذكر روايته عن أبى يوسف فى بعض كتبه ، فكتاب الجامع الضعير كله مروى عن أبى يوسف ، إذ تجده فى أول كل فصل من فصوله يذكر الرواية عن أبى يوسف ، بما يدل على أن كل الفصل بروايته عنه . ولكنا لانجده سلك ذلك المسلك فى الجامع الكبير ، فلم يذكر فيه الرواية عن أبى يوسف فى مطلع كل فصل أو باب ، بل سرد المسائل سرداً من غير ذكر للرواية ، وهذا يدل على أنه لم يعتمد فى تدوينه على الرواية عن أبى بوسف فقط، بل اعتمد على روايات غيره ، ومسائل مدونة مأثورة ، وغير ذلك مما عساه يكون مشتهراً معروفاً بين فقهاء العراق . وقد ذكر ابن نجيم فى البحر فى باب التشهد: (( كل تأليف لمحمد بن الحسن - ٢٠٨ - موصوف بالصغير فهو باتفاق الشيخين أبى يوسف ومحمد ، بخلاف الكبير فإنه لم يعرض على أبى يوسف )». ((وقال المحقق ابن أمير حاج الحلى فى شرحه على المنيه فى باب التسميع إن محمداً قرأ أكثر الكتب على أبى يوسف إلا ما كان فيه اسم الكبير ، فإنه من تصنيف محمد، كالمضاربة الكبير ، والمزارعة الكبير ، والمأذون الكبير ، والجامع الكبير ، والسير الكبير »(١) . ٤٦ - وكتب الإمام محمد تعد المرجع الأول لفقه أبى حنيفة ، سواء فى ذلك ما كان بروايته عن أبى يوسف ، وراجعه عليه ، وما كان قد دونه من المعروف من فقه أهل العراق ، وتلقاه عن أبى يوسف وغيره. وليست كتب الإمام محمد كلها فى درجة واحدة من حيث الثقة بها ، بل يقسمها العلماء من هذه الناحية إلى قسمين : (القسم الأول ) كتب ظاهر الرواية ، وهى المبسوط ، والزيادات ، والجامع الصغير ، والسير الصغير ، والسير الكبير، والجامع الكبير. وتسمى الأصول ، وسميت بظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات ، فهى ثابتة عنه ، إما متواترة أو مشهورة )) (٢) . ويلحق بهذا القسم غير كتب ظاهر الرواية كتاب الآثار، وقد جمع فيه الآثار التى يحتج بها الحنفية . وكتاب الرد على أهل المدينة، وقد رواه عنه الشافعى فى الأم ، وتعقبه بالرد ، والانتصاف لأهل المدينة فى كثير من مواضعه. (القسم الثانى) كتب للإمام محمد لم تبلغ فى نسبتها إلى محمد مبلغ القسم الأول وهى الكيسانيات ، والهارونيات والجرجانيات والرقيات وزيادة الزيادات ، ويقال لها غير ظاهر الرواية، لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة كالأولى. ٤٧ - والقسم الأول هو عماد النقل فى الفقه الحنفي ، ولذلك أوضح بعض التوضيح كل كتاب منه بكلمة . (١) رسالة رسم المفتى لابن عابدين ص ١٩. (٢) رسم المفتى ص ١٦. - ٢٠٩ - (١) فكتاب المبسوط ويعرف بالأصل، وهو أطول كتب محمد، جمع فيه طوائف من المسائل التى أفتى فيها أبو حنيفة ، وفيه خلاف أبى يوسف ومحمد إن كان ثمة خلاف، ومالم يذكر فيه خلافاً ، فهو متفق عليه بينهم ، وهو يبدأ كل كتاب بما ورد فيه من الآثار التى صحت عندهم ، ثم بعد ذلك يذكر المسائل وأجوبتها ، وقد يذكر خلاف ابن أبى ليلى إن كان له خلاف ، فالكتاب على هذا صورة صادقة للفقه العراقى وآثاره ، ولكنه خال من التعليل الفقهى فى جملته . وقد روی هذا الكتاب عن محمد احمد بن حفص تلميذه ، وقد قال ابن عابدين مانصه: ((اعلم أن نسخ المبسوط المروى عن محمد متعددة، وأظهرها مبسوط أبى سليمان الجوزجانى وشرح المبسوط جماعة من المتأخرين ، مثل شيخ الإسلام بكر المعروف بخواهر زاده ، ويسمى المبسوط الكبير ، وشمس الأئمة الحلوانى ، وغيرهما ، ومبسوطاتهم شروح فى الحقيقة ذكروها مختلطة بمبسوط محمد ، كما فعل شراح الجامع الصغير ، مثل فخر الإسلام وقاضيخان وغيرهما ، فيقال ذكره قاضیخان فى الجامع الصغير ، وكذا فى غيره)، انتهى. ملخصاً من شرح البيرى على الأشباه وشرح الشيخ إسماعيل النابلسى على شرح الدر)، (١). ونرى من هذا أن أظهر النسخ على مقتضى هذا النص ما عند أبى سلمان. الجوزجاني ، وأبو سليمان هذا هو محمد موسى بن سليمان ، قد أخذ الفقه عن الإمام محمد، وقد عرض عليه المأمون القضاء فلم يقبل، وتوفى بعد المائتين (٢)، فهو على هذا راوثان للأصل عن محمد ، غير أحمد بن حفص ، بل يظهر أنه تعددت. الروايات عن محمد ، والنسخ المنقولة عنه، كما نقل ابن عابدين. ويظهر أن بعض الرواة أضاف إلى الأصل روايات صحيحة للإمام محمد ، فقد رأينا الحاكم يختصر فى ضمن ما اختصر كتاب اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى لأبی یوسف الذى رواه محمد عنه، ووجدنا السرخسى يقول فى مبسوطه عن هذاا (١) رسم المفتى ص ١٧ (٢) راجع الفوائد البهية فى تراجم الحنفية ص ٢١٦ . (١٤ أبو حنيفة ) - ٢١٠ - الكتاب (( وأحب أبو يوسف أن يجمع المسائل التى كان فيها الاختلاف بين .أستاذيه (ابن أبى ليلى وأبى حنيفة) جمع هذا التصنيف، وأخذ ذلك محمد رحمه الله ، وروى عنه ذلك ؛ إلا أنه زاد بعض ما كان سمع من غيره ، فاصل التصنيف لأبى يوسف، والتأليف لمحمد رحمة الله عليهما فعد ذلك من تصنيف محمد ، ولهذا ذكره الحاكم رحمه اللّه فى هذا المختصر)) (١). ولكن الراجع لبعض نسخ الأصل المحفوظة لايجد فيها كتاب اختلاف أبى حنيفة وابن أبي ليلى، وفى بعضها اختلافهما فى بعض الأبواب ، كالوديعة والعادية لا فى كل الأبواب التى اشتمل عليها كتاب أبى يوسف ، وهذا يؤدى بنا إلى أحد أمرين، إما أن بعض الرواة زاد على الأصل اختلاف أبى حنيفة وابن أبي ليلى ، وروايته صحيحة، وإن لم تكن مروية فى ضمن الأصل، وقدجاء الحاكم، فاختص نسخة هؤلاء الرواة الذين زادوه . وإما أن مسائل ذلك الكتاب كانت متفرقة فى الأصل ، جاء الحاكم ، وقابلها بالنسخة المنفردة نجمعها وحدها ، وعندى أن الأول أرجح . ومهما يكن من أثر الاختلاف فى نسخ الأصل من حيث اشتمالها على ذلك الكتاب ، أو عدم اشتمالها ، فلامطعن فى واحدة من النسختين من حيث ما تشتمل عليه من مجموعة المعلومات ، وصحة نسبتها إلى أبى حنيفة وصاحبيه ، وقاضى الكوفة ابن أبى ليلى ، فالرواية صحيحة ثابتة على أى حال . ٤٨ - الجامع الصغير: ومجموعة المعلومات التى اشتمل عليها ذلك الكتاب رواها محمد عن أبى يوسف ، ولذلك كان يصدر كل باب من الأبواب بهذه العبارة (( محمد عن يعقوب عن أبى حنيفة ... )، ولقد روى بعض العلماء أنه ليس بين كتب الإمام محمد مارواه عن أبى يوسف وحده غير هذا الكتاب، فقد جاء فى المناقب لابن البزازى. (( أنه قيل لمحمد سمعت هذا الكتاب (الجامع الكبير) من أبى يوسف ، قال والله ما سمعته منه، وهو أعلم الناس به . إلا الجامع الصغير. (١) المبسوط للسرخسى = ٣٠ ص ١٢٨ - ٢١١ - فإنى سمعته من أبى يوسف، ولكن يظهر أن الأصح أن كل ما وصف بالصغير عن كتب الإمام محمد هو رواية عن أبى يوسف . وهذا الكتاب قد رواه عن محمد عيسى بن أبان ومحمد بن سماعة ، ويظهر أن معلومات الكتاب ، وإن كانت جمع محمد لم تكن مبوبة مرتبة ، ولذلك جاء فى مقدمة النسخة المطبوعة بمصر على هامش كتاب الخراج لأبى يوسف: ((وبعد فإن محمد بن الحسن رحمه اللّه وضع كتاباً فى الفقه ، وسماه الجامع الصغير ، وقد جمع فيه أربعين كتاباً من كتب الفقه ، ولم يبوب الأبواب بكل كتاب منها ، كما بوب كتب المبسوط ، ثم إن القاضى الإمام أبا طاهر الدباس بوبه ورتبه ، ليسهل على المتعلمين - حفظه ودراسته ، ثم إن الفقيه ابن عبد الله بن محمود تلميذه كتبه عنه ببغداد فى :داره ، وقرأه عليه فى شهور سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة والله أعلم)). وبهذا يتبين أن ذلك الكتاب هو من جمع الإمام محمد ، رواه عن شيخه أبي يوسف ، وجمع مسائله ، ولكنه لم يرتبه فهو من تصنيفه ، لا من تأليفه على حد تعبير السرخسى (١) . ٤٩ - والجامع الكبير ، وقد اتفق العلماء على أنه لم يروه عن أبى يوسف ، وإن كان أبو يوسف أعلم بما فيه، على حد تعبير محمد، ولا شك أن فيه مسائل كثيرة تلقاها عنه ، وفيه غيرها مما عرفه أو وجده مدوناً فى مذكرات خاصة ، أو تلقاه من سائر فقهاء العراق . (١) قد ذكر أن أبا طاهر الدباس هو الذى رتب الجامع الصغير ، وبوبه، ولكن وجدنا فى كتاب الفوائد البهية فى تراجم الحنفية فى ترجمة الحسن بن أحمد الزعفرانى ما نصه: ((كان إماماً ثقة رتب الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ترتيباً حسناً، وبين خواص مسائل محمد مما رواه عن أبى يوسف، وجعله مبوبا، ولم يكن قبل مبوباً ، ويظهر لى أن النسخة التى طبعت ونقلنا مقدمتها كانت بترتيب الدباس . وقد شرح الجامع الصغير بترتيب الزعفرانى المطهر بن الحسين اليزدى فى مجلدين وسمى شرحه التهذيب ، وشرحه على أبو القاسم اليزدى . - ٢١٢ - وقد صنف محمد الجامع الكبير مرتين : صنفه أولا ، ورواه عنه أصحابه أبو حفص الكبير ، وأبو سليمان الجوزجاني ، وهشام بن عبيد اللّه الرازى. ومحمدبن سماعة وغیر ھم،ثم نظر فیه ثانیاً،فزاد فيه أبواباًومسائل كثيرة، وحرر عباراته فى كثير من المواضع، حتى صار أحسن لفظاً ، وأغزر معنى، ورواه عنه أصحابه ثانيا . وقد تولى ذلك الكتاب طائفة من العلماء بالشرح، وتخريج مسائل ، وردها إلى أصولها وأقيستها ، منهم أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز ، وعلى بن موسى القمى، وأحمد بن محمد الطحاوى ، وأبو الحسن الكوفى، وأبو عمرو أحمد بن محمد الطبرى ، وأبو بكر الجصاص الرازى ، وأبو الليث نصر بن محمد السمر قندى ، وأبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجانى، وشمس الأئمة الحلوانى، وشمس الأمة السرخسى ونخر الإسلام على البزدوى ، وأبو اليسر محمد البزدوى ، والصدر الشهيد حسام الدين عمروبن مازه ومحمود بن أحمد البرهان ، وعلاء الدين محمد السمر قندى ، وأبو حامد أحمد العتابى، وقاضيخان، وبرهان الدين المرغنيانى وجمال الدين الحصيرى، (١) ويقول طابع الكتاب فى شرح الحصيرى: ((وشرح الحصيرى الكبير (التحرير) فى أربع مجلدات ، طالعت الأولى والرابع منها ، فإذا هو شرح حافل بالنفائس حاو لكثير من الفروع، يستقيها تارة من الأصل وغيره من مؤلفات الإمام محمد رضى اللّه عنه ، وطوراً من شروح الكرخى والجصاص والسرخسى، وبينا تراه يجيب عما أورده بعض شراح الكتاب على بعض المسائل ، كأبى حازم والرازى والجرجانى تراه یناقش الجصاص فی کثیر من آرائه التی تفرد بها ، وفوق هذا كله یبین فی صدر كل باب الأصل الذى بناه عليه الإمام محمد ، قدس الله سره ، يقول أصل الباب كذا وبناه على كذا ، فبذلك سهلت وجوه التفريعات (٢). ٥٠ - والجامع الكبير كالجامع الصغير كلاهما خال من الاستدلال الفقهى ، فليس فيه دليل من كتاب أو سنة ، وليس فيه أوجه قياس مبينة مفصلة ، ولكن القارىء لمسائل كل باب متتبعاً تفريعها وتفصيلها يلمح من بين السطور قياسها . (٢) مقدمة الطبع ص ٥ (١) راجع مقدمة طبع الكتاب بمصر - ٢١٣ - فيستنبطه من وراء التفصيلات والتفريعات ، ولا يأخذه من نص . ولننقل لك فروعاً فی تعییب المشترى للبیع قبل قبضه، واعتبار ذلك التعيب قبضاً ، فهو يقول : رجل اشترى ثوباً بعشرة فلم يقبض حتى أحدث فيه عيباً؛ فهو قبض ، فإن ضاع فى يدى البائع ولم يمنعه، لزم المشترى الثمن ، وإن منعه ثم ضاع لم يكن على المشترى إلا حصة النقصان فى قولهم . وإن كان الثوب حين أحدث فيه المشترى فى يد البائع أو فى حجره أو على عاتقة ، أو كان دابة فكان يمسكها ، ولو كان قيصاً، والبائع لابسه، أو دابة وهو راكبها ، أو خاتماً فهو لابسه، فأحدث فيه المشترى ، ثم هنك ، هلك من مال البائع ، منعه بعد الحدث أو لم يمنعه)). هذه جملة ليس فيها نص لعلة يطرد بها قياس ، بحيث تعطى حكم هذه الفروع لما تستقيم فيه هذه العلة ، ولكن من التفصيل، والمقابلة نستطيع استخراج العلة التى تعتبر قاعدة ، وهى أنه يعتبر النقصان الذى يحدثه المشترى فى المبيع قبضاً له ، إذا كان القبض ممكنا عند إحداثه ، فإمكان القبض وإحداث العيب هى العلة التى جعلت المبيع يدخل فى ضمانه، بحيث إذا هلك يهلك عليه ، وبذلك يقاس على هذه المسائل التى ذكرها غيرها مما يشبها فى هذا ، وبذلك نستطيع أن نتعرف وجه القياس ، وإن لم ينص عليه، وعلته وإن لم تذكر ، لأن نحوى الكلام ، وتقابل الأقسام يؤدى إليها لا محالة . وإنك لترى ذلك فى أكثر أبواب هذين الكتابين: الجامع الصغير، والجامع الكبير. ولا شك أن العبارة التى نقلناها تدل دلالة واضحة على جودة التعبير ، والجمع بين إحكام الفكرة ، وسلامة العبارة ، بل جمالها . ٥١ - السير الصغير والسير الكبير : فى هذين الكتابين بيان أحكام الجهاد وما يجوز فيه وما لا يجوز ، وأحكام الموادعة، ومنى يصح نقضها ، وأحكام الأمان ، وممن يجوز ، ثم أحكام الغنائم ، والفدية والاسترقاق ، وغير ذلك مما يكون فى الحروب، أو يكون من مخلفاتها . ولقد رويت عن أبى حنيفة رضى الله عنه أحكام السير كاملة ، حتى لقد قال - ٢١٤ - بعض العلماء إنه تلاها على تلاميذه ، ولقد رواها عنه أبو يوسف فى الرد على سیر الأوزاعى ، ورواها عنه الحسن بن زياد اللؤلؤى ، ورواها عنه محمد بن الحسن فى كتابيه : السير الصغير ، والسير الكبير. وكتاب السير الصغير هو الذى ألف أولا ، وعلى مقتضى ما قلناه سابقاً يكون مروياً عن أبى يوسف أو اطلع عليه وأقره ، فقد علمت مما قلناه من أن كل ما وصف بالصغير فهو رواية عن. أبى يوسف ، وما وصف بالكبير فليس برواية عن أبى يوسف . وأما السير الكبير فقد قال ابن عابدين نقلا عن السرخسى فى سبب تأليفه. وتاريخه، هو آخر تصنيف صنفه محمد فى الفقه. وكان سبب تأليفه أن السير الصغير وقع بيد عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى عالم أهل الشام . فقال لمن هذا الكتاب؟ فقيل لمحمد العراقى. فقال ما لأهل العراق والتصنيف هذا الباب ، فإنه لا علم لهم بالسير، ومغازى رسول اللّه بالقيم وأصحابه كانت من جانب الشام والحجاز. دون العراق ، فإنها محدثة فتحاً ، فبلغ ذلك محمداً ، فغاظه ، وفرغ نفسه ، حتى. صنف هذا الكتاب ؛ فحكى أنه نظر فيه الأوزاعى وقال : لولا ما ضمنه من الأحاديث لقلت إنه يضع العلم؛ وإن اللّه تعالى عين جهة إصابة الجواب فى رأيه ،. صدق الله العظيم ((وفوق كل ذي علم عليم))(١). هذا ما ذكره السرخسى، ونقله عنه ابن عابدين ، وهو يقرر أمرين : (أحدهما) أن كتاب السير الكبير آخر كتب محمد تأليفاً (وثانيهما) أن سبب. تأليفه هو إنكار الأوزاعى أن العراقيين لهم كتب فى السير ، وأن الأوزاعى اطلع على كتاب السير الكبير ، ونريد أن نناقش هذين الأمرين بكلمه موجزة . أما الأمر الأول ، فهو مقرر ثابت ، ولذا لم يروه عنه راوی کتبه أبو حفص الكبير أحمد بن حفص ، إذ قد صنفه بعد أن غادر هذا العراق ، بل الذى رواه عنه أبو سليمان الجوزجاني، وإسماعيل بن ثوابه ، ولقد قالوا إنه كتبه بعد أن وقعت الوحشة بين محمد وأبى يوسف ، ولذا لم يذكره فى الكتاب، لعظم النفرة ،. (١) رسالة رسم المفتى ص ١٩ وشرح السير الكبير ص ٤ طبع الهند. - ٢١٥ - وإذا روى عنه حديثاً لم يذكره باسمه، بل يقول حدثنى الثقة والمراد أبو يوسف. أما الأمر الثانى: وهو أن كون التأليف كان سببه استنكار الأوزاعى ، وأن الأوزاعى اطلع عليه، فهذا كلام مردود غير مقبول ؛ لأنه يناقض الحقائق التاريخية ؛ إذأن الأوزاعى مات سنة ١٥٧ ، ومحمد ولد سنة ١٣٢ ومات سنة ١٧٩ ؛ فلو قبلنا هذا الكلام لأدى بنا القول إلى أن محمداً قد صنف آخر كتاب له ، وهو فى الخامسة والعشرين من عمره على الأكثر، إذ بين ولادته ووفاة الأوزاعى ٢٥ سنة، وغير معقول أن يكون آخر المؤلفات له فى سن الخامسة والعشرين ، بل المعقول أن يبتدىء التألف بعد هذه السن ، ثم لو قبلنا هذه الرواية لكان علينا أن نقول إن محمداً قد مكث أكثر من اثنتين وثلاثين سنة لم يكتب كتاباً ، وهذا غريب ، ومتن الكتاب كما ذكرنا يدل على أنه ألف بعد أن وقعت النفرة بين أبى يوسف ومحمد ، إذ لم يذكر فيه أبا يوسف قط ، وما كان هذه النفرة إلا بعد أن بلغ محمد أشده، وصار فى مكان من العلم والتقدير يناقش فيه شيخه ، وذلك لا يكون فى سن الخامسة والعشرين . والسير الكبير والصغير يبين الأحكام ، وأسنادها من الآثار والأخبار . ٥٢ - وكتاب الزيادات هو الكتاب السادس من كتب ظاهر الرواية ، وقد اشتمل على مسائل زائدة على الكتب السابقة، وبعض العلماء لا يذكره فى كتب ظاهر الرواية؛ ويعده من النوادر ((ولكن الأكثرين يعدونه منها (١). ٥٣ - ولمحمد كتابان آخران ذكرنا أنهما اشتهر ، حتى كان لها قوة ظاهر الرواية ، وإن لم يذكرهما العلماء . ( أحدهما) فى الرد على أهل المدينة ، وقد روى هذا الكتاب الشافعى فى الأم، وعلق عليه، وناقش رأى أبى حنيفة الذى نقله محمد، ورأى أهل المدينة، وانتهى من المناقشة فى كل مسألة ، إما إلى موافقة أبى حنيفة ، وإما إلى موافقة أهل المدينة (١) قد شرح الزيادات أحمد بن محمد أبو نصر العتابى المتوفى سنة ٥٨٢ وجاء فى الفوائد البهية فى ترجمته ((من تصانيفه شرح الزيادات. قالوا دقق فيه وحقق وأبدع مالا يوجد = - ٢١٦ - ولهذا الكتاب قيمة من ناحيتين : (إحداهما) أنه ثابت السند صادق الرواية ، وحسبك أن تعلم أن الشافعی رواه ، ودو نه فى الأم . (وثانيهما) أن الكتاب فيه استدلال بالقياس والسنة، والآثار ، فهو من الفقه المقارن ، وإذا أضيفت إليه تعليقات الشافعى وموازنته بين الآراء المختلفة كان فقهاً مقارناً محصاً موزوناً. أما ثانى الكتابين فهو كتاب الآثار ، وقد جمع فيه الأحاديث والآثار التى کانت عند أهل العراق ورواها أبو حنيفة رضى الله عنه ، وهو يتلاقی فی کثیر من مروياته مع كتاب الآثار لأبي يوسف ، وكلاهما يعد مسنداً لأبى حنيفة، ولهما قيمة من حيث دلالتهما على مقدار اطلاع أبى حنيفة على الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين ، ومقدار اعتماده فى الاستدلال على الأثر والحديث ، وما يشترطه فى الرواية ، ومن حيث دلالتهما على عماد المذهب الحنفي، إذ فيهما مجموع الأقضية والفتاوى التى أخذ فها بالنص، واستنبط العلل من ثناياها ثم قاس عليها ، وفرع الفروع، وأصل الأصول ، ووضع القواعد . ٥٤ - كتب ظاهر الرواية: تعد كتب ظاهر الرواية الأصل الذى يرجع إليه فى فقه أبى حنيفة وأصحابه ، وحيث نص على المسألة فيها فهى المذهب، وغيره لا اعتبار لما يرويه إذا خالفها ، إلا فى مسائل قليلة ، ولذلك عنى العلماء بها من القديم فشرحوها ، وخرجوا مسائلها، وأصلوا أصولها، وفرعوا عليها ، ولقد كان من عنايتهم بها أن حاولوا جمعها فى كتاب واحد ، فقام فى أوائل المائة الرابعة أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد المروزى المشهور بالحاكم الشهيد، وألف كتاباً سماه الكافى ذكر فيه ما جاء فى كتب الإمام محمد الستة، وحذف المكرر من المسائل، ذلك بأن محمداً كان يذكر المسألة الواحدة فى أكثر من كتاب من كتبه أحياناً ، فلما جمعها الحاكم الشهيد اكتفى بذكر المسألة مرة واحدة . = فى غيره. قال الجامع قدطا لعت شرح الزيادات وانتفعتبه ، وهو مختصر ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل)). - ٢١٧ - وقد شرح الكافى شمس الأئمة السرخسى فى كتاب سماه المبسوط، وقد استفاض فى بيان أصول المسائل وأدلتها وأوجه القياس فيها ، وهو حجة فى كل ما اشتمل عليه ؛ حتى لقد قال الطرسوسى فى مكانته: «مبسوط السرخسى لا يعمل بما يخالفه، ولا يركز إلا إليه . ولا يعول إلا عليه)). ولقد قال السرخسى فى مقدمته : إنى رأيت فى زمانى بعض الإعراض عن الفقه من الطالبين، لأسباب : منها قصور الهمم، حتى اكتفوا بالخلافيات من المسائل الطوال . ومنها ترك النصيحة من بعض المدرسين بالتطويل عليهم بالنكات الطردية التى لا فقة تحتها ، ومنها تطويل بعض المتكلمين بذكر ألفاظ الفلاسفة فى شرح معانى الفقه، وخلط حدود كلامهم بها ، فرأيت الصواب فى تأليف شرح المختصر ، لا أزيد على المعنى المؤثر فى بيان كل مسألة اكتفاء بما هو المعتمد فى كل باب ، وقد انضم إلى ذلك سؤال بعض الخواص من أصحابى، زمن حبسى(١)، حين ساعدونى لأنسى - أن أملى عليهم ذلك ، فأجبتهم إليه ) . والكتاب مشرق الديباجة ، حلو العبارة، جزل البيان، ليس فيه تعقيد، وإن كان فيه تعمق ، يعرض للأقيسة الدقيقة ، فيجليها بالعبارات البينة الواضحة . زفر ین اهدیل ٥٥ - وهو أقدم صحبة لأبى حنيفة من صاحبيه أبى يوسف ومحمد ، فقد توفى عن ثمان وأربعين سنة عام ١٥٨، ولقد كان أبوه عربياً، وأمه فارسية؛ فكانت اله خصائص العنصرين وكان قوى الحجة ، أخذ عن أبى حنيفة فقه الرأى ، حتى غلب عليه على ما سواه ، وكان أحد أصحاب أبى حنيفة قياساً ، ولقد جاء فى تاريخ بغداد فى الموازنة بين الأربعة أنه روى أن المزنى جاءه رجل ، فسأله عن أهل (١) توفى السرخسى حوالى سنة ٤٩٠، وقد حبس بسبب نصيحته لبعض الأمراء، ويقولون إنه أملى كتابه على تلاميذه من داخل السجن وهم خارجه ، حتى وصل إلى باب الشروط ، فجاء الإفراج عنه والله أعلم .