Indexed OCR Text

Pages 1-20

المزيد من الكتب والأبحاث زوروا موقعنا مكتبة فلسطين للكتب المصورة
https://palstinebooks.blogspot.com
محمد أبو زهرة
ـد هـ و
حَيْفَة
حياته وَعصره - آراؤه وَفِقْهُمُ
الطبعة الثالثة - ١٩٦٠
ملتزم الطبع والنشر
دار الفكر العربى

محمد أبو زهرة
أُ حُيِفَةْ
حيّاته وَعصره - آراؤه وَفِقْهُ
الطبعة الثالثة - ١٩٦٠
ملتزم الطبع والنشر
دار الفكر العربى

مقدمة الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين .
أما بعد ، فهذه هى الطبعة الثانية لكتاب (أبو حنيفة) الذى ألقيته دروساً على
طلبة الشريعة فى قسم الدكتوراه بكلية الحقوق فى العام الدراسى (١٩٤٥ - ١٩٤٦)
وقد كانت الطبعة الأولى قليلة العدد ، محدودة النشر ؛ إذ لم تنجاوز الطلبة ،
وأصدقاءنا وزملاءنا وبعض الخاصة من رجال القضاء والباحثين ، ولم يكن عددها
يسمح بأن يذيع الكتاب بين الملأ من جمهور القراء والدارسين .
ولم تحدث فى هذه الطبعة تغييراً؛ لأننا أردنا أن ننشر صورة صحيحة لما ألقيناه
من دروس ، ولأن الزمن الذى مضى على الطبعة الأولى لم يكن طويلا ، نتمكن
فيه من معاودة النظر ، وترديد الفكر ، ولأنا شغلنا فى ذلك الزمن بالكتابة فى
غيره من الأئمة ، فكتبنا فى مالك ، ثم لم يجىء إلينا بعد من النقد ما يدفعنا
إلى النظر والوزن والتغيير .
فستكون إذن هذه الطبعة خالية من التغيير ، أو تكاد ، حتى إذا تناولها القراء
الكرام بالفحص والتمحيص ، وأمدونا بإرشادهم ، انتفعنا به فى الطبعة التالية ،
وفقنا الله سبحانه وتعالى لما يرضيه، وسدد خطانا، وهدانا إلى سواء السبيل ؟
شعبان سنة ١٣٦٦
بولية سنة ١٩٤٧
محمد أبو زهرة

مقدمة
بسم من الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد فقد اخترت لهذا العام فى قسم الدراسات العليا للشريعة أبا حنيفة ،
فدرست حياته وآراءه وفقهه .
ولقد اتجهت إلى دراسة حياته دراسة متعرف لشخصه ونفسه وفكره، حتى
أقدم للمستمع والقارىء صورة صحيحة صادقة ، تبين منها الخصائص والصفات التى
اختص الله بها ذلك الفقيه الجليل، وأننجت ما أثر عنه من آراء فى العقائد، وفتاوى
وأقيسة ، وإن استخراج صورة صحيحة لأبى حنيفة من كتب التاريخ والمناقب ،
ليس الطريق إليه معبداً ، لأن أتباع مذهبه غالوا فى الثناء عليه ، حتى تجاوزوا به
رتبة الفقيه المجتهد ، والطاعنين فيه قد أفرطوا فى القول حتى أنزلوه عن مرتبة
المسلم الذى يجب أن يصان عرضه ودينه .
وفى تمدح القادحين ، وغلو المغالين ، يتيه عقل الباحث الذى يتقصى الحقيقة
وحدها ، لا يبغى عيباً ولا غلواً ، ولا يخرج من هذا التيه إلا بشق وجهد ، وإن
خرج بالصورة صادقة صحيحة ، فقد نال ما هو كفاء جهده ومشقته .
ولقد أحسب أنى وصلت إلى الكشف عن هذه الصورة، وما أحاط بها من
ظلال وأضواء، وفى سبيل كشفها بينت عصره ، وذكرت ببعض التفصيل أشهر
الفرق التى عاصرته ، والتى ثبت أنه كان يجادلها ويحاورها ، وتجاوبت الآراء
والأفكار بينه وبينها ، فإن فى ذكرها بياناً لروح عصره، ومسارات التفكير فيه،
والمجاوبة الفكرية التى كانت بينه و بين معاصريه.

- ٣ -
ولقد اتجهت بعد ذلك إلى دراسة آرائه فى السياسة والعقائد، وهى دراسة
لا بد منها ما دمنا ندرس ذلك المفكر من كل نواحيه الفكرية، وإن آراءه فى
السياسة كان لها أثر فى مجرى حياته ، فإهمالها إهمال لجانب وثيق الاتصال بشخصه
و نفسه ، وقلبه وفكره .
وآراؤه فى العقيدة كانت صفو الأفكار التى سادت عصره، واللب النقى لآراء
الذين سلموا من الشطط والغلو ، وهى تعبير صحيح سلم لآراء جماعات المسلمين ،
وهى مخ الدين ، وروح اليقين .
حتى إذا استخلصنا من ذلك خلاصة سليمة اتجهنا إلى فقهه، وهو المقصد الأول
والغرض من هذه الدراسة ؛ ولقد ابتدأنا فى بيانه بأصوله العامة التى تقيد بها فى
استنباطه، والتى تحد منهاجه، وتبين طريقه فى الاجتهاد، وعولنا على ما كتبه الحنفية
من أصول ذكروا السند الذى اعتمدوا عليه فيها ، وطريق إسناده لأبى حنيفة ،
وعمدنا فى ذلك إلى الإيجاز بدل الأطناب ، والإجمال دون التفصيل ، ولم نعمد
إلى كل ما ذكره الحنفية من أصول ؛ إذمنها ما لم يذكر مستنبطوه سند نسبته
إلى الإمام وصحبه ، فهو اجتهاد المتأخرين، وليس منسوباً إلى المتقدمين .
حتى إذا بلغنا فى بيان هذه غايتنا، وهى معرفة منهاج أبى حنيفة، اتجهنا إلى دراسة
بعض الفروع التى كانت آراؤه فيها معبرة عن نفسه وحياته أدق تعبير ، كبعض
الأبواب الفقهية التى تتصل بحرية الإرادة الإنسانية فيما تحت سلطانها من أموال ،
وكبعض الأبواب التى تتصل بالنجارة والنجار ، كأبواب المرابحة والتولية والسلم ،
ولا نفصل فى دراستنا هذه الأبواب تفصيلا ، ولكن نذكر منها ما يكون شاهداً
لعقلية أبى حنيفة الحرة ، ولإدراكه للتجارة الأمينة ، وفهمه للأسواق ، ورغبته
فى أن تكون الأمانة بضاعتها الرائجة ، وسلعتها النافقة .
ولقد ذكر العلماء أن أبا حنيفة أول من تكلم فى الحيل الشرعية ، فكان حقاً
علينا أن نبين فى ذلك جلية فكره ، وحقيقة ما قال، والموازنة بين ما أثر عنه،
وبين ما قالوه فيه .

- ٤ -
وفى كل ما نذكر من مناهج وفروع نجلى تفكير الإمام بذكر بعض الخلاف.
بينه وبين أصحابه، فإن بيان الخلاف ينجلى به تفكير المختلفين ، ويوضح اتجاهاتهم.
ولئن وصلنا فى هذه الدراسة إلى غاية نافعة تجلى تلك العقلية العلمية الرائعة ،
لقد نجد من تمام الدراسة أن نبين عمل الأخلاف من أتباع هذا المذهب فى التركة
الفكرية التى تركها الإمام ، وما صنعته الأجيال فيها ، وما صادفها من أعراف
متباينة ، ومقدار التخريج فيها . ومرونة قواعده العامة للتخريج ، وحسن إداراك
المخرجين لمقتضيات الزمان ، مع المحافظة على المنهاج الإسلامى وطريق الكتاب
والسنة القويم ، وهديها المستقيم .
وإنه من الحق أن نقرر أن حاجتنا إلى توفيق الله فى ذلك كله كبيرة ؛ فلولا
هذا التوفيق ما وصلنا إلى غاية ، ولا أصبنا هدفاً ، فنضرع إليه جلت قدرته
أن يمدنا بعونه وتوفيقه . وعلى الله قصد السبيل ؟
محمد أبو زهرة
ذو القعدة سنة ١٣٦٤
نوفمبر سنة ١٩٤٥

تهميد
١ - جاء فى كتاب الخيرات الحسان ما نصه: « يستدل على نباهة الرجل
من الماضين بتباين الناس فيه ، ألا ترى علياً كرم الله وجهه ، هلك فيه فئتان ،
محب أفرط ، ومبغض فرط )) .
وإن هذه الكلمة الصادقة كل الصدق ، تنطبق على أبى حنيفة رضى الله عنه ،
فقد تعصب له ناس حتى قاربوا به منازل النبيين المرسلين ، فزعموا أن التوراة
بشرت به، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ذكره باسمه، وبين أنه سراج أمته، ونحلوه
من الصفات والمناقب ما عدوا به رتبته ، وتجاوزوا معه درجته ، وتعصب ناس عليه
فرموه بالزندقة ، والخروج عن الجادة، وإفساد الدين ، ومجر السنة ، بل مناقضتها،
ثم الفتوى فى الدين بغير حجة ولا سلطان مبين ، فتجاوزوا فى طعنهم حد النقد
ولم يتجهوا إلى آرائه بالفحص والدراسة ، ولم يكتفوا بالتزييف لها من غير حجة
ولا دراسة ، بل عدواً عدواناً شديداً، فطعنوا فى دينه وشخصه وإيمانه.
٢ - ولقد كان ذلك وأبو حنيفة حی یذا کر تلاميذه فيما يعرض من دواعى
الفتيا، وما يخرجه من أحاديث ، وما يضعه من أقيسة وضوابط ، وما يستنبطه
من علل للأحكام يبنى عليها ، ويطرد بها قياسه ويستقيم عليها اجتهاده.
ولم كان ذلك الاختلاف بشأنه ؟ لذلك أسباب قد نعرض لها فى بحثنا ببعض
التفصيل ، ولكن نسارع هنا بذكر سبب منها ، قد يعد أساساً لغيره . وذلك أن
أبا حنيفة كان له من قوة الشخصية ما وجه به الفقه توجيهاً تجاوز حلقة درسه ، بل
تجاوز إقليمه إلى غيره من الأقاليم الإسلامية، فتحدث الناس بآرائه فى أكثر نواحى
الدولة الإسلامية، وتلقاها المخالف والموافق، فاستنكرها المخالف وناصرها الموافق،
ورأى فيها الأول ( وهو المستمسك بالنص لا يعدوه) بدعاً من الآراء فى الدين ،
فشدد فى النكير، وربما لا يكون رأى أبا حنيفة وما اتصف به من ورع وتقى، فأطلق

-٦ -
لسانه فيه؛ لأنه رأى رأياً بدعاً، ولم يعرف دليله ولا قائله، وربما كانت تخف حدة
لسانه إذا رآه أو علم وجه الدليل ، بل ربما أجله ووافقه ، يروى فى ذلك أن
الأوزاعى فقيه الشام الذى كان معاصراً لأبى حنيفة قال لعبد الله بن المبارك: ((من
هذا المبتدع الذى خرج بالكوفة ويكنى أبا حنيفة؟، فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ
يذكر مسائل عويصة، وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال: من صاحب هذه الفتاوى؟
فقال شيخ لقيته بالعراق ، فقال الأوزاعى، هذا نبيل من المشايخ، أذهب فاستكثر
منه ، قال هذا أبو حنيفة، ثم اجتمع الأوزاعى وأبو حنيفة بمكة، فتذاكر المسائل
التى ذكرها ابن المبارك، فكشفها، فلما افترقا قال الأوزاعى لابن المبارك: «غبطت
الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، واستغفر الله تعالى ، لقد كنت فى غلط ظاهر،
الزم الرجل ، فإنه بخلاف ما بلغنى عنه(١)).
ولقد كان أبو حنيفة مع قوة شخصه ، وعمق تأثيره ، وبعد نفوذه ، صاحب
طريقة جديدة فى الإفتاء والتخريج ، وفهم الحديث واستنباط الأحكام منه ،
،وقد أخذ يبث طريقته فى تلاميذه ومن يتصل بهم نحواً من ثلاثين عاماً أو تزيد ،
ومن كان كذلك لا بد أن يستهدف للنقد المر ، بل التجريح لشخصة . والتزييف
لرأيه ، والتعصب عليه .
٣ - ولقد اشتدت الملاحاة بين أنصاره وخصومه فى القرن الرابع الهجرى
يوم ساد النعصب المذهبي ، وصار الفقه مجادلة بين المتعصبين ، وكانت تعقد
المناظرات لذلك فى بيوت الناس، وفى المساجد ، حتى لقد كانت تحمى أيام العزاء
بالمناظرة فى الفقه والجدل حول المذاهب، كل يناصر إمامه ، ويتعصب له ، وفى
هذا العصر كنتبت مناقب الأئمة وأخبارهم ، فكانت كلها طاحة بالثناء المفرط
الإمامهم ، والطعن الجارح لغيره ، وكانت الملاحات أشد ما تكون بين الحنفية
والشافعية ؛ لذلك استهدف هذان الإمامان للطعن المر ، كما حملهما أنصارهما
من المزايا والصفات ما لا يريدانه ، بل ما يبرآن أمام الله منه .
(١) الخيرات الحسان ص ٣٣.

- ٧ -
ولقد كان أبو حنيفة أشد استهدافاً للطعن: لأن كثرة إفتائه بالرأى كانت منفذاً
للنيل منه فى علمه بالحديث ، وفى روعه ، وفى حسن إفتائه، وغير ذلك مما يتصل
بمذهبه فى الاستنباط والتخريج ، وقد رماه المتعصبون بكل رمية ، ولم يتخذوا
فى الطعن فيه إلاّ ولاذمة ، حتى لقد استنكر الأمر بعض الشافعيين، ورأوا ذلك
تجانفاً لإنم ، وخروجاً عن الجادة ، فكان من هؤلاء من أنصف أباحنيفة، وكتب
فى مناقبه ، ورد قول المتعصبين من الشافعية ، فرأينا السيوطى وهو شافعى يكتب
رسالة يسميها: (( تبييص الصحيفة فى مناقب الإمام أبى حنيفة))، ورأينا ابن حجر
الهيتمى المكى وهو شافعى أيضاً يكتب رسانة يسميها: ((الخيرات الحسان)) فى
مناقب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان ، ورأينا الشعرانى فى الميزان يخص
أبا حنيفة بالذكر والدفاع عنه، واستقامة طريقة تخريجه، ويذكره فى طبقاته على
أنه من أولياء الله الواصلين بحبل ولا يته .
٤ - لم يجد الكاتب فى أبى حنيفة إذن الطريق معبداً، إذ وجد أخلاطاً من
الأخبار تشبه الركام الذى اتصل فيه الجوهر بالتراب، وامتزاجاً أحياناً، حتى احتاج
الفصل بينهما إلى الصهر والتمييز . وما يوجد من الجوهر منفصلا لا يجده المنقب
إلا جذاذاً متناثراً ، لا يكون وحدة فكرية ونفسية متناسقة، فيكون فى حاجة إلى
التأليف بين هذه الأجزاء، حتى يخرج منها وحدة يستبين بها الرجل وعقله ونفسه
ومنهاج استنباطه ، وما انتهى إليه من آراء دارسها تلاميذه .
إن المناقب كثيرة وكثرتها لا تهدى السبيل ، ولا تنير الطريق ، إذ أنها
طوائف من الأخبار التى تسودها المبالغة، ولا يكاد يخلو خبر منها من الإغراق ،
فتمييز صحيحها من سقيمها يحتاج إلى مقاييس النقد المستقيمة، فأخبارها لا ترفض
جملة ، ولا تؤخذ جملة، إذ هى بلا شك فيها الحق والباطل ، وأخذ الحق من بينها
يحتاج إلى نظر فاحص ، ومثلنا فى ذلك القاضى الذى يتقدم إليه شاهد عاين
الحادثة ، ولكنه مأخوذ بناحية فيها ، يغرق فى وصفها حتى يخرج عن الحق فيها ،

- ٨ -
فيستمع إليه ويحاول أن يأخذ من هذه الشهادة طريقاً لمعرفة الحق فى ذاته، إذتتبين
له عن طريقها الأمارات المعلمة ، ويهتدى منها إلى القرائن الكاشفة المبينة ، وهو
فى هذا السبيل يجتهد فى معرفة مقدار المبالغة وحدودها ، بعد أن تكشف القرائن،
وتنبين الأمارات .
٥ - ولئن استخلصنا أخبار أبى حنيفة الصادقة وحياته ، وما أحاط بها ثم
اتجهنا إلى دراسة آرائه لنجدن الطريق وعثاً، لأننا لانجد كتاباً مأثوراً لأبى حنيفة
دونت فيه آرائه أو أصوله؛ ولكن نجد تلك الآراء قد أثرت عنه بالراوية عن
تلاميذه ؛ فكانت كتب الإمام أبى يوسف والإمام محمد هى الناقلة لآرائه مع آراء
بقية صحابته، وآراء لبعض العراقيين الذين عاصروه ، كابن شبرمة ، وابن أبى ليلى
وعثمان البنى .
ولا شك أننا سنفرض أن هذه الكتب صادقة الرواية عن أبى حنيفة،
وذلك هو الفرض العلمى الذى لا يعتبر العلم سواه ؛ لتلقى العلماء لهذه الرواية
بالقبول ، ولا يصح فى ميزان العلم والتاريخ أن يترك أمراً تلقاه العلماء بالقبول
إلا إذا قام الدليل على بطلانه ، أو صدق ما يخالفه .
٦ - ولكن إن اعتمدنا فقط على ما رواه هذان الإمامان الجليلان عن
شيخهما لا يكون البحث كاملا ، وتكون فيه جوات يجب سدها ، ليكون معلناً
لذلك المذهب الجليل ؛ لأن تلك الكتب لم تروكل آراء أبى حنيفة، إذ ثمة آراء
له لم تدون فيها ، فاحتجنا إلى البحث عن هذه الأثارة من على الإمام من غير هذه
الرواية ، ولقد وجدنا ذلك مبسوطاً فى كتب المذهب، ووجدنا الفقهاء فيه
يرجحون بعض هذه الروايات على روايات ظاهر الرواية وهى كتب الإمام محمد
عند التعارض ، ولكن ذلك كان فى أحيان قليلة ، والعلماء على ترجيح ظاهر
الراوية فى الكثير الغالب الذى يعتبر غيره نادراً .
ومهما يكن من الأمر فإن ذلك الترجيح يجب أن يكون موضع دراسة
وموازنة، وهذا ما يجعل الأمر فى هذا عسيراً، فلا يكون ميسراً سهلا .

- ٩ -٠
وفوق ما تقدم نرى أن كتب الإمام محمد قد سردت فيها الأقوال من غير
ذكر لدليلها فى أكثر الأحيان ، فهى قد جاءت بأقوال أبى حنيفة ، ولكن خالية
من روحها ، وهو دليلها ، ولا شك أن دراستها وحدها لا يمكن أن تعطينا صورة
صادقة عن أبى حنيفة فقيه الرأى ، إذ لا يمكن أن تعطينا صورة صادقة عن منهجه
فى القياس ، واستخراج العلل من النصوص ، وتعميم أحكامها على اطراد هذه
العلل ، لذلك كان لابد لدراسة أبى حنيفة الفقيه القياس من أن نتعرف أدلنه مما
ساقه العلماء الذين شرحوا كتب محمد ، ووجهوا أحكامها. ففى هذه الشروح نستطيع
أن نتعرف أفية أبى حنيفة وتوجيهاته، ولسنا معتقدين أن تلك الأدلة مأثورة
عن الإمام ، ولكن لأنه ما ساقه العلماء الذين التقوا بتلاميذه، ومن جاء بعدهم
نستطيع أن نقول إن هذه التوجيهات ، وإن لم تكن أدلة الإمام بالنص ،
هى مقربة لأقيسته ، موضحة على سبيل الظن الغالب للعلل التى كان يستنبطها
من النصوص ، ويبنى عليها قياسه .
٧ - ولقد نجد نقصاً آخر ، وهو أن أصول أبى حنيفة وطرائق استنباطه
لم تجدها مدونة فيما بين أيدينا من كتب ، فلم نعرفها مفصلة ، عن طريق الرواية عنه،
لا عن تلاميذه ، ولا عن غيرهم . وما دون من أصول كان مستنبطاً من مجموع
أحكام الفروع، والربط بينها ، وجمع كل طائفة منها فى قرن واحد، يعتبر أصلها ،
فرسالة أبى الحسن الكرخى ، ورسالة الدبوسى ، وكتاب البزدوى كل ما فيها من
أصول جامعة ، سواء أكان قواعد لأحكام الفروع الجزئية ، أم كان طرائق
لاستنباط المذهب الحنفى - ليس مأثوراً بالرواية عن الإمام أو أصحابه ، ولكن
كان مستنبطاً من الفروع المأثورة عن هؤلاء الأئمة الذين أنشئوا المذهب الحنفى .
لذلك كانت معرفة أصول المذهب الحنفي ليس طريقها معبداً سهلا ، إذ أن
على الدارس أن يتعرف مقدار السلامة والصحة فى أخذ هذه الأصول من مجموع
ما أثر من فروع، وتطبيقها عليها ، وذلك أمر ليس هيناً لينا .
٨ - وهناك نقص نلمسه عند دراسة أبى حنيفة، وهو أنا لا نجد فى المأثور

- ١٠ -
عنه بطريق الرواية إلا آراءه الفقهية. أما آراؤه فى العقائد، وآراؤه فى الإمامة ،
فلم نجدها فى كتب صاحبيه أبى يوسف ومحمد . نعم أثرت عنه آراء فى العقائد
فى كتب منسوبة إليه ، منها كتاب الفقه الأكبر ، وهو رسالة صغيرة فى بضع
ورقات ، وعليها شروح كثيرة ، ورسالة العالم والمتعلم ، وقد تبين لنا هاتان
الرسالتان منحاه فى دراسة العقائد، وكذلك رسالته إلى عثمان البتى .
ولكن رأيه فى الإمامة لم نجده مدوناً بقلمه، ولا بإملائه ، ولا برواية أحد
من أصحابه ، مع أن حياته ، والأدوار التى مر بها ، والمحن التى نزلت به تنبىء عن
رأى سياسى معين ، حياته ، كما سنبين ، تنبئنا عن اتصاله الوثيق بالإمام زيد بن على
زين العابدين ، وغيره من أئمة الشيعة ، وتنبئنا كما تدل أقوال أصحابه على أن هواه
( كقبيلة أهل فارس ) مع بنى على، وإن محنته كانت بسبب هذه النزعة . ولكنا
لا نجد شيئاً من ذلك فى الكتب المنسوبة إليه ، ولا فى الروايات التى تروى عنه ،
وإنه ما لا شك فيه أن رأيه فى الإمامة كان يذكره فى حلقة درسه أحياناً وأنه كان
يخالف فيه بنى العباس ، بل لقد كان يجهر بذلك أيام خروج إبراهيم أخى النفس
الزكية على المنصور، حتى لقد قال له صاحبه زفر فيما يروى عنه: ((والله ما أنت
بمنته، حتى توضع الحبال فى أعنائما)،(١).
ولكن أصحابه ، وخصوصاً أبا يوسف ومحمداً كانت صلتهم بالدولة العباسية
وثيقة ، فكلاهما تولى منصب القضاء لهذه الدولة ، فلم يدونا آراء شيخهما التى تمس
هذه الدولة ، وتغض من سلطانها ، ولذلك طويت فى لجنة التاريخ هذه الآراء ،
وعلى الباحث المنقب أن يتلمسها تلمساً ، وسنحاول إن شاء الله تعالى فى هذا البحث
أن نكشف الغطاء عن هذا المستور ، وعسانا نصل إلى ذلك بتوفيقه تعالى .
٩ - هذه ثغرات أو جوات يراها الباحث عند دراسة ذلك الإمام العظيم ،
ويتقاضاه العلم أن يملأها ، وهى تكشف بلا ريب عن صعوبة دراسته ، ويضاف
إليها صعوبة أخرى ، وهى أن مذهب أبى حنيفة مذهب شرق وغرب ، وتناولته
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٢٣٩، وإبراهيم هذا هو إبراهيم بن عبد الله بن الحسن.

- ١١ -
أعراف فى أقاليم مختلفة متباينة ، وقد اختبره القضاء وصقله أزماناً متطاولة ، فقد
كان مذهب القضاء ردحاً طويلا فى بغداد أيام سلطان العباسيين . ولما انتحل.
العثمانيون نحلة الخلافة الإسلامية ، وتسموا باسم الخلفاء، ومذهبهم الرسمى هو
مذهب أبى حنيفة ، صار هو مذهب الخلافة ، فكان فى العراق ومصر والشام
وغيرها من الأقاليم المذهب الرسمى ، ثم امتد نفوذه حتى صار مذهب الهنود.
المسلمين ، ثم تجاوز ربوع الهند فكان مذهب المسلمين فى الصين؛ ولهذه الآفاق التى
حل فيها ذلك المذهب ولأخذه بالعرف ، حيث لاكتاب ولا سنة ، كان التخريج
فيه متسعاً ، وكانت الآراء المختلفة للمسائل كثيرة، وكان نمو المذهب من بعد أصحابه.
عظيما وكان ضبط أنواع التخريج فيه ليس من الأمور السهلة ، فعلماء ما وراء النهر
لهم تخريجات ، وعلماء العراق لهم تخريجات، وعلماء الروم لهم تخريجات، ومعرفة.
هذه التخريجات المختلفة ، تقتضى معرفة عرف كل إقليم من هذه الأقاليم ، والعصر
الذى كان فيه التخريج ؛ فإن العرف يختلف باختلاف العصور ، ومعرفة كل هذا
تقتضى جهوداً ، وليس فى سلطاننا ما يسهل لنا ذلك العرفان ، ولذلك سنکتفى عند
دراسة أدوار ذلك المذهب بما يكون فى الإمكان ، ونرجو أن نسدد ونقارب ،
والله المستعان ، وقد اختص سبحانه بالكال وحده .

- ١٢ -
حياة أبى حنيفة
١٠٠ - ٠واره ونبه: ولد أبو حنيفة بالكوفة فى سنة ٨٠ من الهجرة النبوية
على رواية الأكثرين التى يكاد يجمع عليها المؤرخون ، وهناك رواية أخرى تقول
أنه ولد سنة ٦١، ولكن لا مؤيد لهذه الرواية، وهى لا تتفق مع نهاية حياته ؛
إذ أن المتفق عليه أنه لم يمت قبل سنة ١٥٠، والأكثرون على أنه مات بعد أن
أنزل المنصور به المحنة، وعلى رواية أنه ولد سنة ٦١، يكون إنزال المحنة به لتولى
القضاء وهو فى سن التسعين ، ومن كان فى هذا السن لا يعرف عليه ذلك العمل
الخطير ، ولو عرض عليه لكان أدنى الحجج إلى طرف لسانه هو تلك الشيخوخة
الفانية ، ولكن لم يذكر فى أى خبر أو رواية أنه اعتذر بهذا الاعتذار فلا تستقيم
إذن هذه الرواية مع هذه النهاية التى يذكرها جميع المؤرخين له رضى الله عنه .
١١ - وأبوه هو ثابت بن زوطى الفارسى ، فهو فارسى النسب على هذا، وقد
كان جده من أهل كابل (١) وقد أسر عند فتح العرب لهذه البلاد، واسترق لبعض
بنى تيم بن ثعلبة ، ثم أعتق ، فكان ولاؤه لهذه القبيلة، وكان هو تيمياً بهذا الولاء،
هذه رواية حفيد أبى حنيفة عمر بن حماد بن أبى حنيفة عن نسبه، ولكن يذكر
إسماعيل أخو عمر هذا أن أبا حنيفة هو النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان (٢)
ويقول: (والله ماوقع لنا رق قط)).
(١) كون أبى حنيفة فارسياً هو المشهور الذى يجمع عليه الثقات ، وروى أنه بابلى
فقد جاء فى تاريخ بغداد للخطيب (( كان أبو حنيفة من أهل بابل . وربما قال فى قول البابلى
كذا )). ولقد ادعى بعض المتعصبين من الحنفية أنه عربی، وقال إن زوطی من بنی يحي
ابن زيد بن أسد ، وقيل ابن راشد الأنصارى ، وهذا كلام مردود، إذ المشهور أنه من
أولاد فارس. وأنه ينتمى إلى ساداتهم، وأصل جده الأول من كابل، كما ذكرنا فى الأصل،
أما مقام أبيه فقيل ترمذ، وقيل نـا، وقيل الأنبار، ويصح أن يكون قد أقام بها جميعاً،
وأن آخر مقامه كان بالأنبار ولذا قيل: ولد بها أبو حنيفة. ولكن الأكثرين على أنه
ولد بالكوفة، فكانت آخر مواطنه . وقد التقى ثابت بعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه.
فدعا له بالبركة فيه وفى ذريته. (٢) المرزبان هو الرئيس من أبناء فارس الأحرار.

- ١٣ -
ولا شك أن حفيدى أبى حنيفة قد اختلفا فى سياق النسب ولو ظاهراً، فأولهما
يذكر أن أبا ثابت هو زوطى، والثانى يذكر أنه النعمان ، والأول يسجل أنه أسر
واسترق ، والثانى ينفى الرق نفياً تاماً . ولقد وفق صاحب الخيرات الحسان بين
الروايتين ، بأنه لعل جد أبى حنيفة له إسمان أحدهما زوطى والثانى النعمان ، وبأن
ففى الرق الذى يذكره الثانى ينصب على الأب لا على الجد ، وقد نوافق على هذا
التوفيق فيما يتعلق باختلاف الإسم فى الظاهر ، ولكن لا نوافق عليه فيما يتعلق
بإثبات الرق على إحدى الروايتين ، ونفيه على الرواية الأخرى ، إذ أن ذلك النفى
المؤكد لا يكون مقصوراً على الأب فقط .
وعندى فى التوفيق بين الروايتين أن زوطى أو النعمان قد أسر عند فتح بلاده
ولكن يظهر أنه قد من عليه ، كما هو الشأن فى معاملة المسلمين لبعض كبراء البلاد
المفتوحة حفظاً لوجوههم ، وسماحة من الإسلام ، وإدناء لقلوبهم وقلوب ذوى
قرباهم ، ومن يتصلون بهم.
١٢ - أخبار الثقات من العلماء على أنه فارسى ، وليس بعربى ولا بابلى،
وسواء أكان الرق جرى على جده أم لم يجر ، فقد ولد هو وأبوه على الحرية ،
وإن زعم بعضهم فى قول غير موثوق به من المحققين أن الرق قد جرى على أبيه ،
وليس يضير أبا حنيفة فى قدره وعلمه ، وشرف نفسه وغايته ، أن يكون الرق
قد جرى على جده أو على أبيه ، بل أن يكون قد جرى على نفسه هو ، فما كان
شرفه من نسب ولا مال ونشب ، ولكن كان جاهه من المواهب والنفس ،
والعقل والتقى ، وذلك هو الشرف .
ولقد قال فى هذا المقام المكى: ((أعلم أن الفتوى أعلى الأنساب، وأقوى.
أسباب الثواب ، قال الله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقال عليه السلام:
(( آلى كل برتقى)) ولذا عد سلمان الفارسى رضى الله عنه من أهل البيت فقال:
((سلمان مناآل البيت)، وففى اللّه ولد نوح عليه السلام من نوح، فقال (( إنه ليس.
من أهلك ، إنه عمل غير صالح ، ، وقرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

- ١٤ -
جلالا الحبشى ، وبعد عمه أبا لهب القرشى)) (١).
ولقد كان أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى يحس بذلك الشرف النفسى، فى وقت
قد سادت فيه اللحاجة بالشرف النسبى ، يروى فى هذا أن بعض بنى تيم الذين
ينتمى إليهم ولاؤه قال له أنت مولاى، فقال له أبو حنيفة: ((أنا والله أشرف
لك منك لى))(٢) ، فلم يكن من ذلت نفوسهم ، ويتبين ذلك فى بيان حياته .
١٢ - لم يكن نسبة الفارسى إذن بغاض من قدره ، ولم يكن بمانعه من أن
يسمو إلى الكمال ، ويسير فى طريقه ، فلم تكن نفسه نفس عبد ، بل كانت
نفس حر أصيل .
ولقد كان الموالى، ( وهو الإسم الذى أطلقه المؤرخون على غير العرب )؛
هم حملة الفقه فى عصر التابعين الذين تلقى عليهم أبو حنيفة ، وتخرج على فقههم ؛
فأكثر فقهاء الأمصار فى عصر التابعين وتابعيهم كانوا من الموالى .
فقد جاء فى العقد الفريد لابن عبدربه ما نصه: قال لى ابن أبى ليلى، قال لى
عيسى بن موسى، وكان دياناً شديد العصبية ، من كان فقيه العراق ؟ قلت الحسن
ابن أبى الحسن ، قال ثم من ؟ قلت محمد بن سيرين ؟ قال فما هما ؟ قلت موليان قال
فمن كان فقیه مکة ؟ قلت عطاء بن أبى رباح ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وسلمان
ابن يسار، قال فما هؤلاء؟ قلت موال ، قال فمن فقهاء المدينة ؟ قلت زيد بن أسلم ،
ومحمد بن المنكدر ، ونافع بن أبى نجيح ، قال فمن هؤلاء؟ قلت موال ، فتغير لونه
ثم قال فمن أفقه أهل قباء؟ قلت ربيعة الرأى ، وابن أبى الزناد ، قال فما كانا؟ قات
من الموالى ، فاربد وجهه ، ثم قال فمن فقيه اليمن ؟ قلت طاووس ، وابنه ، وابن منبه
قال فمن هؤلاء قلت من الموالى ، فانتفخت أوداجه وانتصب قائماً ، قال فمن كان
فقيه خراسان؟ قلت عطاء بن عبد الله الخرسانى، قال فما كان عطاء هذا ؟ قلت مولى
(١) مناقب أبى حنيفة للسكى ص ٦ طبع استانبول .
(٢) الانتقاء لابن عبد البر .

- ١٥ -
فازداد وجهه تربداً ، واسود اسوداداً حتى خفته ، ثم قال فمن كان فقيه الشام؟ قلت
مكحول، قال فما كان مكحول هذا ؟ قلت مولى ، فتنفس الصعداء ، ثم قال فمن
كان فقيه الكوفة ؟ فوالله لولا خوفه لقلت الحكم بن عتبة ، وحماد بن أبى سليمان،
ولكن رأيت فيه الشر، فقلت إبراهيم النخعى والشعبى، قال فما كانا ؟ قلت عربيان
فقال الله أكبر، وسكن جأشه)) (١).
ولقد جاء مثل ذلك فى مناقب أبى حنيفة للسكى ، فى حديث جرى بين عطاء
وهشام بن عبد الملك ، وهذا نصه: ((قال دخلت على هشام بن عبد الملك بالرصافة
فقال باعطاء ، هل لك علم بعلماء الأمصار قلت بلى يا أمير المؤمنين ، فقال من فقيه
أهل المدينة ؟ قلت نافع مولى ابن عمر ، قال فمن فقيه أهل مكة؟ قلت عطاء بن أبى
رباح ، قال أمولى أم عربى؟ قلت لا بل مولى ، قال فمن فقيه أهل اليمن ؟ قلت
طاووس بن كيسان ، قال مولى أم عربى ؟ قلت لا بل مولى ، قال فمن فقيه أهل
اليمامة؟ قلت يحيى بن كثير . قال مولى أم عربى؟ قلت لا بل مولى، قال فمن فقيه
أهل الشام ؟ قلت مكحول ، قال مولى أم عربى ؟ قلت لا بل مولى ، قال فمن فقيه
أهل الجزيرة؟ قلت ميمون بن مهان ، قال مولى أم عربى؟ قلت لا بل مولى ، قال
فمن فتيه خراسان؟ قلت الضحاك بن مزاحم ، قال مولى أم عربى؟ قلت لابل مولى
قال فمن فتيه أهل البصرة؟ قلت الحسن وابن سيرين ، قال موليان أم عربيان ؟
قلت لا ، بل موليان ، قال فمن فقيه أهل الكوفة؟ قلت إبراهيم النخعى ، قال مولى
أم عربى؟ قلت عربى، قال: كادت تخرج نفسى، ولا يقول واحد عربى)).
١٤ - كان العلم أكثره فى الموالى فى العصر الذى نشأ فيه أبو حنيفة ، فإذا
كانوا قد فقدوا خر النسب فقد آتاهم الله نخر العلم، وهو أزكى وأنمى ، وأبقى على
الدهر ، وأحفظ للذكر .
ولقد صدقت نبوءة رسول اللّه ◌َ الله فى إخباره بأن العلم سيكون فى أولاد
فارس ، فقدروى فى البخارى ومسلم والشيزارى والطبرانى أنه قال : لو كان
(١) العقد الفريد - ٢ ص ٢٦٢ طبع الأزهرية.

- ١٦ -
العلم معلقاً عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس »، وقد اختلفت ألفاظه فى هذه
الكتب ، واتحد معناه .
وكان من صدق هذه النبوءة أن كان العلم بعد الصحابة عند الموالى ردحاً غير
قصير من الزمان ، فليس عجيباً إذن أن يكون النعمان أبو حنيفة من الموالى ، وهم
الوسط العلمى للدولة الإسلامية .
١٥ - وقبل أن نترك الكلام فى نسب أبى حنيفة نذكر تتميما للموضوع السبب
العلمى فى أن العلم فى العصر الأموى كان جله فى الموالى :
لقد تضافرت عدة أسباب جعلت العلم للموالى فى ذلك العصر ، منها :
(١) أن العرب فى عصر الدولة الأموية كانت لهم السيادة والسلطان , وكان
عليهم الحرب والنزال ، فشغلهم كل ذلك عن العكوف على الدس والاستقصاء،
والبحث والنعمق ، والموالى رأوا فراغاً ، فأزجوه بالمدارسة والتنقيب والاطلاع
والتمحيص ، ورأوا أنهم فقدوا السلطان ، فأرادوا أن ينالوا الشرف عن طريق
آخر ، وهو المعرفة والعلم، والحرمان قد يؤدى إلى الكمال وكبرى الغايات وجلائل
الأعمال، وذلك ما كان بالنسبة لهؤلاء الموالى ، فقد سيطروا على الفكر العربى
الإسلامى، وإن كان للعرب الغلب المادى.
(ب) أن الصحابة استكثروا من الموالى، فكان هؤلاء لهم ملازمين ،
يصاحبونهم فى غدوهم ورواحهم، فيأخذون عنهم ما عرفوا عن رسول الله عز ◌ّ
حتى إذا انتهى عصر الصحابة كان أولئك حملة العلم للعصر الذى يليه . ولذلك كان
أكثر التابعين منهم .
(حـ) إن أولئك الموالى ينتسبون إلى أمم عريقة ذات ثقافات وعلم ، فكان
لهذا تأثير فى تكوين أفكارهم ، وتوجيه أذهانهم ، بل معتقداتهم أحياناً ، فكان
النزوع إلى العلم فيهم يقارب الجبلة والطبيعة .
(د) أن العرب لم يكونوا أهل صناعات ، والعلم إذا تفرغ له الإنسان صار
كأنه صناعة له. قال ابن خلدون من كلام طويل له فى هذا المقام. , ثم صارت

- ١٧ -
هذه العلوم كلها ملكات محتاجة إلى التعلم ، فاندرجت فى جملة الصنائع ، وقد كنا
قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر ، وأن العرب أبعد الناس عنها ، فصارت العلوم.
لذلك حضرية، وبعد عنها العرب، والحضر لذلك العهد العجم ، أو من فى معناهم
من الموالى وأهل الحواضر )).
١٥- نشاُد : نشأ أبو حنيفة بالكوفة ، وتربى بها ، وعاش أ کثر حياته فيها،
متعلماً ومجادلا ومعلماً ، ولم تبين المصادر التى تحت أيدينا حياة أبيه ، وما كان
يتولاه من الأعمال ، وحاله . ولكن قد يستنبط منها ما يشير إشارة موجزة إلى
بعض أحواله، فقد يستفاد منها أنه كان من أهل اليسار ، وأنه كان من التجار، وأنه
كان مسلماً حسن الإسلام، فقد جاء فى أكثر الكتب التى ترجمت لحياة أبى حنيفة
أن أباه التقى بعلى بن أبى طالب صغيراً ، وأن جده أهدى إليه مقداراً من الفالوذج
فى عيد النيروز، وذلك الخبر يومى. من بعد إلى أن أسرته كانت فى بحبوحة الغنى
ولها ثروة مكنتها من أن تهدى إلى الخليفة حلوى ما كان يأكلها إلا أهل اليسار .
ولقد روى أن علياً رضى الله عنه دعا لنابت عندما رآه بالبركة فيه وفى ذريته،
ويؤخذ من هذا أنه كان مسلماً وقت هذه الدعوة . وقد صرحت كتب التاريخ
بأن ثابتاً ولد على الإسلام ، وعلى ذلك يكون أبو حنيفة قد نشأ أول نشأته فى
يلت إسلامى خالص ، وذلك ما يقرره العلماء جميعاً، إلا من لا يؤبه الشذوذهم ،
ولا يلتفت لكلامهم .
ولقد وجدنا أبا حنيفة - كما سيتبين- يختلف إلى السوق، قبل أن يختلف إلى
العلماء ، ثم رأيناه طول حياته يحترف التجارة ، فيسوقنا هذا لا محالة إلى أن نقول
إن أباه كان تاجراً ، ويغلب علىّ الظن أنه كان تاجر خز ، وأن أبا حنيفة أخذ
هذه المهنة عن أبيه ، كما هى عادة الناس فى الغابر والحاضر ، وبهذا يتبين أن
أبا حنيفة نشأ فى بيت إسلامى خالص ، وأن أسرته كانت من أهل اليسار تحترف
التجارة، ولقد نفرض أنه توجه إلى حفظ القرآن ، كما هو شأن المتدينين ، وإن
ذلك الفرض هو الذى يتفق مع ما عرف به أبو حنيفة فى طول حياته ، فقد كان
( ٢ أبو حنيفة)