Indexed OCR Text
Pages 381-400
- ٣٨١ - .وإن لم يأخذوه من أصله(١)))، فهو يعد من المذهب بلا ريب ما يجتهد من الأصحاب غير مقيدين بأصل الشافعى ، ما داموا لم يخالفوا قولا له ، ولم يناهضوا أصلا من أصوله ، إذ أخذها من أصل غيره ، لا ينافى أصله . ولا يناقضه . ويقول ابن السبكى فى هذا النوع من التخريجات التى لا يذكر فيها المخرج أنه تقيد بأصول الشافعى، بل يبينها على غيرها، وإن لم يناهضها ، إن ناسبها عد من المذهب، وإن لم يناسبها لم يعد ، وإن لم تكن فيه مناسبة، .ولا منافاة ، وقد لا يكون لذلك وجود لإحاطة المذهب بالحوادث كلها . ففى إلحاقة بالمذهب تردد(٢). وإذ أطلق المجتهد القول ، فلم يعلم أسار فى ذلك على أصل من أصول الشافعى أم سار على غيره ، فقد قال فى ذلك ابن السبكى : إنه إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيد كالشيخ أبى حامد ، والقفال عد من المذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة فلا يعد من المذهب (٣). (١) مقدمة المجموع ص ٦٥ . (٢) الطبقات = ١ ص ٢٤٤ . (٣) طبقات جـ ١ ص ٢٤٤، والمحمدون الأربعة هم محمد بن نصر، ومحمد بن جرير الطبرى، ومحمد بن خزيمة، ومحمد بن المنذر، وترى أن السبكى يذكر هنا أنهم ممن كثر خروجهم على المذهب . ويقول فى الجزء الثانى ص ١٢٦ المحمدون الأربعة ... من أصحابنا ، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ، ولم يخرجها ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعى المخرجين على أصوله . المتمذهبين بمذهبه ، لوفاق اجتهادهم اجتهاده .. فإنهم وإن خرجوا عن رأى الإمام الأعظم فى مسألة من المسائل فلم يخرجوا فى الأغلب ، فاعرف ذلك، واعلم أنهم فى أحزاب الشافعية معدودون ، وعلى أصوله مخرجون ، وبطريقه متهذبون ، ولمذهبه متيذهبون . وترى من هذا ومما سبقه أنهم يعدون شافعية مع كثرة خلافهم الشافعى . - ٣٨٢ - ثانياً : اختيار المجتهد فى المذهب قولا رجع عنه الشافعى ، فالجمهور على أن اختياره لا يعد من المذهب ، وقد بينا ذلك عند الكلام فى القديم والجدید . ثالثاً : إذا وجد حديث يخالف رأياً مأثوراً عن الشافعى ، فأخذ المجتهد فى مذهب الشافعى بالحديث الصحيح ، وترك رأى الشافعى فى المسألة التى ورد فيها نص ذلك الحديث ، فقد اختلف العلماء فى عد ذلك الرأى الذى يوافق الحديث الصحيح ، ويخالف المنقول عن الشافعى من مذهب الشافعية . والأصل فى ذلك أنه قد تضافرت الأخبار بأن الشافعى قال : إذا صح الحديث خلاف قولى فاعملوا بالحديث واتركوا قولى ، أو قال فهو مذهبى ، وقد روى عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة . فطائفة من أصحابه ومن جاء بعدهم أخذوا بذلك ، وكل مسألة رأوا فيها حديثاً صحيحاً يخالف فتواه أفتوا بالحديث وقالوا مذهب الشافعى ما وافق الحديث ، وأكثر الذين سلكوا ذلك المسلك من المتقدمين من فقهاء الشافعية . ولقد تردد بعض الشافعية فى الأخذ بالحديث إن عارض قول الشافعى، لأنه عساه يكون منسوخاً فى نظره ، أو مؤولا ، أو ضح عند غيره بطريق أقوى من طريقه . والأكثرون على أن الأخذ بالحديث واجب ، ويعد ذلك من مذهب الشافعى ، ولكن بشروط ذكرها النووى وغيره ، وهى أن يكون الذى يأخذ بالحديث ويترك قول الشافعى ، ويعتبر اختياره من مذهب الشافعى من أهل الاجتهاد ، وأن يغلب على ظنه أن الشافعى لم يعلم بهذا الحديث . ويقول فى ذلك النووى : وهذا الذى قاله الشافعى ليس معناه أن كل أحد رأى حديثاً صحيحاً ، قال مذهب الشافعى، وعمل بظاهره، وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد فى المذهب وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعى رحمه الله لم يقف على هذا ، أو لم يعلم صحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعى كلها، - ٣٨٣ -- ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها ، وهذا شرط صعب ، قل من يتصف به ، وإنما اشترطوا ما ذكرنا ، لأن الشافعى رحمه الله ترك. " العمل بظاهر أحاديث كثيرة ، رآها وعلمها ، ولكن قام الدليل عنده. على طعن فيها ، أو نسخها ، أو تخصيصها ، أو تأويلها ، أو نحو ذلك (١). وعلى هذا الأساس قالوا إن القديم من مذهب الشافعى ( إذا وجدوا حديثاً عاضده ) كان أولى بالعمل من الجديد الذى يخالف ذلك الحديث ، وقد نقلنا عن النووى ما يفيد ذلك ، وقال البجيرمى ما نصه : الفتوى على ما فى الجديد دون القديم وقد رجع الشافعى عنه ، وهذا كله قديم لم يعضده حديث ، فإن اعتضد بحديث فهو مذهب الشافعى ، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبى ، وأضربوا بقولى عرض الحائط (٢). ٢٣٧ - فى هذه الدائرة كان تخريج الفقهاء من بعد الشافعى على مذهبه. والأكثرون مع قولهم إن ما يخرجه العلماء فى هذه الدائرة ، وبهذه الشروط يعد من المذهب الشافعى لا ينسبون الرأى إليه ، لأنه لم يكن هو الذى استنبطه ، وإن جرى على أصوله ، وسار على قواعده ، أو قيس على أحكام فروعه . ولقد جرى فقهاء الشافعية فى التخريج شوطاً بعيداً ، وتباينت فى التخريج أقوالهم بحسب اختلاف بيئاتهم ومنازع تفكيرهم ، وأضيفت أقوالهم فى أقوال إمامهم ، ولكن النووى لا يسمى أقوال الفقهاء من بعد الشافعى أقوالا فى المذهب ، بل يسميها أوجهاً . وهو على هذا الأساس يقسم الاختلافات فى المذهب الشافعى ثلاثة أقسام (١) أقوال (٢) وأوجه (٣) وطرق . ولنبين بعض التبيين مراده من هذه الأقسام : (١) مقدمة المجموع ص ٦٤ (٢) حاشية البجيرمى = ٤ ص ٥٣ - ٣٨٤ - فالأقوال هى الأقوال المنسوبة الشافعى ، فما الشافعى من آراء مختلفة :فى المسائل هو الذى يسمى أقوالا . والأوجه هى الآراء التى يستنبطها الفقهاء الشافعية ، ويخرجونها على :أصول ، أو يبنونها على قواعده . وأما الطرق فهى اختلاف رواة المذهب الشافعى فى حكاية المذهب (١). المجتهدون فى المذهب الشافعى ٢٣٩ - كان الشافعى أصحاب بالعراق ، وأصحاب بمكة ، وأصحاب بمصر ، وسط العالم الإسلامى تصل شرقه بغربه ، وكانت الرحال تشد إلى صاحبه الربيع بها ، لينقلوا فقهه ، فكثر الآخذون بالمذهب الشافعى ، وتفرقوا بالأقاليم ، فكان منهم العراقيون ، ومنهم النيسابوريون ، ومنهم الخراسانيون ، ولقد اقترن وجود الشافعية بهذه البلاد بحضارات إسلامية وقيام دول بها كانت أقوى دول الإسلام فى عصرها كآل بويه والسلاجقة . ومن الشافعية من كانوا بالشام ، ومنهم من كانوا باليمن ، ومنهم صاقبوا المذهب الزيدى ، وخالطوا أهله ، والعلم ينتقل بين المخالطين من غير محاجزة مانعة ، ومنهم من كانوا بفارس . وهكذا تباعدت أقاليمهم ، وإن انتموا إلى الشافعى ، ومنهم محتهدون فى المذهب الشافعى يخرجون الفروع على مقتضى أصوله ، والمأثور من أقواله . ولاشك أنهم فى تخريجاتهم متأثرون ببيئاتهم ومشاربهم، والأحداث التى تنزل بهم ، وطرق علاجها ، وأن ذلك بلا ريب يدعو إلى اختلافهم فى آرائهم ، وإن كانوا جميعاً يستقون من معين واحد ، ومقيدين بأصل « واحد، فإن اختلاف نزوعهم الفكرى ، واختلاف بيئاتهم واختلاف النوازل، سيكون له الأثر فى توجيه الرأى وتخريج المذهب . (١) مقدمة المجموع ص ٦٥ - ٣٨٥ - ولو أننا درسنا آراء فقهاء خراسان ، ونيسابور وآراء فقهاء العراق ، .. وحللناها على ضوء ذلك لوجدنا أثر البيئة ، واختلاف النزعات يلوح ، ولعل : إجتهاد العراقيين كان أقرب إلى المنقول عن الشافعى من اجتهاد الخراسانيين .. والنيسابوريين ، وقد أشار إلى شىء من ذلك النووى ، فقال : اعلم أن نقل · أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعى وقواعد مذهبه ، ووجوه متقدمى أصحابنا : أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالباً ، والخراسانيون أحسن تصرفاً وبحثاً . وتفريعاً وترتيباً غالباً . ومن هذا ترى أن النووى يجعل فضل العراقيين فى النقل ، وفضل الخراسانيين فى التصرف والبحث والتفريع ، وذلك لأنه فى بيئة العراق . ومصر نشأ المذهب الشافعى قديمه وجديده . فكان الاحتياج إلى التفريع خضوعا لحكم البيئة غير كثير ، لأن هذه البيئة قد أثرت تأثيرها فى نشأة المذهب . وأما خراسان وما وراءها ، فهى بيئة جديدة عليه ، لم ينشأ فيها، فكان لابد من أن يكون فيه تصرف وبحث وتفريع ، ليسعف هذه البيئة · وغيره بحاجتها ، وليعيش فيها ، ويترعرع فى ظلها . وإن وجود الشافعية بخراسان ونيسابور ، وفارس جعلهم يتصلون بالشيعة الإمامية ، كما اتصلوا فى اليمن بالشيعة الزيدية ، وإن الاتصال بين ، المذاهب المتضاربة فى بعض نواحيها ، وإن أوجد تناحراً فى بعض المسائل ، يمكن أصحاب كل مذهب من أن يفهموا بعض ما عند مخالفيهم من خير، وإن الالتقاء المادى والفكرى يجعل الأفكار تتبادل بينهم أرادوا ذلك أو لم يريدوا . ٢٤٠ - ولقد كان فقهاء ذلك المذهب فيهم من يجتهد حراً ، وإن غلبت عليه طريقة الشافعى وفيهم من يقتصر على التخريج . ولقد قسم النووى أولئك العلماء أربعة أقسام ، وكل قسم منهم له درجة : فى الإفتاء ، ولنذكرذلك التقسيم . ( م ٢٥ - الشافعى ) - ٣٨٦ - القسم الأول : مجتهد منتسب ليس بمقلد بل هو لم يقلد الشافعى لا فى، الأصل ، ولا فى الدليل ، بل يجتهد فيهما اجتهاداً مطلقاً ، وإنما ينسب. إلى الشافعى لموافقته طريقته ولسلوكه مثل نهجه فى الاجتهاد ، ويقول. النووى : ادعى الأستاذ(١) أبو إسحاق هذه الصفة، لأصحابنا ، فحكى. على أصحاب مالك رحمه اللّه ، وأحمد ، وداود ، وأكثر الحنفية أنهم. صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليداً لهم . وقال والصحيح الذى ذهب. إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا ، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعى ، لا تقليداً له بل إنهم لما وجدوا طرقه فى الاجتهاد والقياس. أسد الطرق ، ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه ، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعى ، وذكر أبو على السنجى ( بكسر السين المهملة )(٢) نحو هذا فقال اتبعنا الشافعى دون غيره ، (١) أبو إسحاق: هو أبو إسحاق الشيرازى صاحب المذهب الذى شرحه النووى بالمجموع ، وقد كان فقيهاً ممتازاً ، ومجادلا قوياً جمع العلم بفقه أهل عصره ، وكتابه المهذب. دليل واضح على ذلك ، وقد توفى سنة ست وسبعين وأربعمائة . (٢) هو أبو على الحسين بن شعيب بن محمد السنجى من قرية سنج بكسر السين من. أكبر قرى مرو مات سنة ٤٠٣، وقد كان فقيه عصره على إلمام عظيم بفقه الشافعى ، جمع .. بين طريقة العراق فى فقه الشافعى التى تمتاز بالنقل والحكاية لأقوال المتقدمين ، وطريقة علماء خراسان التى تمتاز بالبحث والتفريع والتصرف ، والترتيب . فقد تفقه على شيخ الخراسانيين أبى بكر القفال بمرو . جاء فى طبقات ابن السبكى عنه : قال بعض أصحابنا بنيسابور الأئمة بخراسان ثلاثة: مكثر محقق، ومقل محقق ، ومكثر غير محقق . فأما المكثر المحقق فالشيخ أبو على السنجى، وأما المقل المحقق فالشيخ أبو محمد الجوينى ، والمكثر غير المحقق الفقيه. ناصر العمرى غير ، المروزى . - ٣٨٧ - لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها ، لا أنا قلدناه ، قلت هذا الذى ذكره موافق لما أمرهم به الشافعى ، ثم المزنى فى أول مختصره ، ولقد عقب النووى على هذا الكلام بما يفيد أنه ليس محل إجماع، فإن من العلماء من ينكر ذلك ويقول : إن دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقاً لا تستقيم ، ولا تلائم المعلوم من حالهم ، أو حال أكثرهم ، ثم يقول النووى : وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعى مجتهد مستقل ، وهذا إسراف . والذى يهدى إليه ما قرأناه أن دعوى الاجتهاد لأصحاب الشافعى فى الطبقة الأولى والثانية على أنهم جميعاً مجتهدون مطلقون لا شك أنها دعوى فيها إسراف أيضاً ، وأن الوسط أنه كان فيهم مجتهدون منتسبون، یکثرون فى الطبقات الأولى ، ويقلون فى الطبقات الأخيرة ، حتى إذا جاءت العصور المتأخرة لم يكونوا ، وإن هؤلاء المجتهدين المطلقين ، منهم من كثر انفراده بمسائل تخالف الشافعى ، فلا يعد انفراده من المذهب كالمحمدين الأربعة محمد ابن جرير وابن نصر وابن خزيمة وابن المنذر ومنهم من يقل انفرادهم عن مذهب الشافعى ، فيقل خروجهم عليه ، ومنهم من كان بين الطريقين كالمزنى ، وتفرداته لاتعد من المذهب الشافعى ، فقد جاء فى شرح الوجيز للرافعى : تفردات المزنى لاتعد من المذهب إذ لم يخرجها على أصل الشافعى. وقد نقل ابن السبكى فى طبقاته عن إمام الحرمين بالنسبة للمزنى ، والذى أراه أن يلحق مذهبه فى جميع المسائل بالمذهب ، فإنه ما انحاز عن الشافعى فى أصل يتعلق بالكلام فيه بقاطع ، وإذا لم يفارق الشافعى فى أصوله فتخريجاته غير خارجة على قاعدة إمامه وإن كان لتخريج مخرج التحاق بالمذهب ، فتخريج المزنى لعلو منصبه وتلقيه أصول الشافعى ، فإذا انفرد بمذهب استعمل لفظة تشعر بانحيازه . وفى الجملة كان فى الآخذين بمذهب الشافعى محتهدون مطلقون يكثرون فى الطبقات الأولى ، ويقلون فيما بعدها . - ٣٨٨ - ٢٤١ - القسم الثانى مجتهدون مقيدون بمذهب الشافعى ، ويقول النووى فى ذلك القسم : هذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه ، وعليها كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم ، أى أن أكثر المجتهدين فى المذهب الشافعى قيدوا أنفسهم بالتخريج على أصوله غير مخالفين طريقته ، ومن قلد هؤلاء فيما يصلون إليه من أحكام يعتبرون مقلدين للشافعى لامقلدين أولئك الأصحاب ، وذلك فى نظر إمام الحرمين ، لأن من استفتى مجتهداً من المجتهدين فى مذهب الشافعى إنما يريد أن يعرف الحكم على مقتضى المذهب لاعلى مقتضى نظر ذلك المجتهد المجرد ، ولكن قال بعض العلماء : إن الكلام فى كون المقلد لرأى المجتهد فى المذهب مقلداً للشافعى ، أو لمن خرج المسألة على مذهب الشافعى مبنى الكلام فى نسبة الرأى المخرج على أصول الشافعى إلى الشافعى ، أهو منسوب إليه ، أم هو منسوب لمن خرجه، والأصح أنه منسوب لمن خرجه ، وعلى ذلك يعتبر المستفتى مقلداً للمخرج لا الشافعى . ٢٤٢ - هذان هما القسمان اللذان بهما نما المذهب الشافعى فى التخريج والبحث ، وهما اللذان توليا تصريفه وتوجيهه وإخضاعه لأحكام البيئات وتصريفات الزمان . أما القسمان الآخران ، فكان لها فضل جمعه وترتيب أدلته وتهذيب مسائله وجمع فروعه ، فالقسم الثالث لم يبلغ درجة أصحاب الاجتهاد ، ولكنه كما قال النووى ، فقيه النفس حافظ مذهب إمامه ، عارف بأدلته ، قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح ، لكنه قصر عن أولئك ( أى المجتهدين) لقصوره عنهم فى نقط المذهب ، أو الارتياض فى (الاستنباط ، أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم . والقسم الرابع : يحفظ المذهب وينقله ويفهمه فى واضحه ومشكله ، ولكنه لايقوم بتقرير أدلته وتحرير أقيسته ، ويقول فيه النووى : فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه فى مسطورات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين فى مذهبه ، ومالا يجده منقولا إن وجد فى المنقول مثله - ٣٨٩ - بحيث يدرك بكبير فكر أنه فرق بينهما جاز إلحاقه به ، والفتوى به ، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط مجتهد فى حق المذاهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه ، ومثل هذا يقع نادراً فى حق المذكور ، إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها فى المذهب ، ولا هى فى معنى المنصوص ، ولا هى مندرجة تحت ضابط (١). ٢٤٣ - هذه مراتب الفقهاء فى المذهب الشافعى، وهم الذين تولوا نقله وحكاية أقوال الشافعى والتخريج على أصوله وعلى أقواله ، والذين جمعوه ورتبوه ودونوه وتناقلته الأجيال عنهم حتى وصل إلى عصرنا . هذا وإن ترتيبهم الزمنى بالنسبة لعصر الشافعی یکاد یکون کتر تيبهم فى هذا التقسيم ، فالطبقة التى جاءت بعد الشافعى وهم أصحابه والذين وليهم كان يكثر فيهم الاجتهاد المطلق فى استخراج المسائل من الأصول ، والطبقة الثالثة كان يسودها التخريج على المذهب . ويقول النووى : إن المجتهدين المنتسبين والمخرجين كانوا إلى آخر المائة الرابعة ، أما بعد المائة الرابعة فقد قل المجتهدون ، وقل المخرجون ، وصار عمل المتأخرين ترتيب الأدلة وتقريرها وحكاية الأقوال والأوجه فى المذهب وطرقه ، فهو يقول فى بيان القسم الذى ذكرنا : هذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف ، فيها معظم اشتغال الناس اليوم ، ولم يلحقوا الذين قبلهم فى التخريج . وليس معنى ذلك أن المخرجين قد انقطعوا عند المائة الرابعة بل إنهم قلوا بعد ذلك ، فقد وجد فى المائة الخامسة ، وماوليها من الشافعية من (١) قد أخدنا هذه الأقسام الأربعة من أحوال المفتى فى مقدمة المجموع النووى ص ٤٢، ٤٣ ، ٤٤ - ٣٩٠ - يجتهد فى تخريج المسائل ، بل من يخالف الشافعى (١) نفسه، وإن التخريج لم يخل منه عصر إلا فى العصور المتأخرة التى اقتصرت فيها العلماء على دراسة كتب المتقدمين تلخيصاً ، وشرحاً وتبويباً ، واستخراجاً للأحكام منها ، فانصرفوا عن دراسة حرة للعلوم ، إلى دراسة الكتب وتفهمها وتعرف ما فيها ، وتلك موجة من القصور لم تنل المذهب الشافعى وحده ، بل وتناولت الفقه فى كل المذاهب . ٢٤٤ - وقد كان المذهب يلبس الرداء الذى يكتسى به رجاله ، فإن كانوا من المجتهدين كان باب الاستنباط متسع الآفاق فيه ، فإن المجتهد لا يكون مقيداً إلا بأصول الشافعى ، وهى مرنة تتسع للاجتهاد المطلق ، ويكون كل ما يصل إليه المجتهد معدوماً فى المذهب الشافعى إلا إذا خالف قولا قاله الشافعى ، وقد كان يقع ذلك ، يعلنون به الانفراد ، أو يخالف أصلا من أصول الشافعى ، وندر أن يكون ذلك ، لأنها مرنة لا تضيق على المجتهد مادام مجتهداً فى دائرة الكتاب والسنة والقياس ، ولما قل المجتهدون المنتسبون ، واقتصر الاجتهاد على التخريج كان التفريع ، وكان التصرف والبحث والاستنباط واستخراج الأحكام فى الدائرة المذهبية ، فاستفاد من ذلك المذهب فائدة لا تقل عن فائدته من السابقين ، وإن كان فقه الأولين فى ذاته أوسع رحاباً ، وأخصب إنتاجاً . فلما غلق باب الاجتهاد المطلق ، وضاق باب التخريج ، ضاق المذهب ، وصار مقصوراً على دراسة أقول المتقدمين وترتيها والاستدلال لها ، واستخراج الأحكام من الكتب فقط من غير الاتجاه إلى ما سواها . ٢٤٥ - والحق أن المذهب الشافعى لم يضق فيه باب التخريج ، إلا بعد أن شرق وغرب ، وبعد أن اكتسب من البيئات المختلفة ، والأحوال ، (١) ذكر ابن السبكى فى طبقاته أن أباه عليها السبكى المتوفى سنة ٧٥٦، كان من لهم اجتهاد خالف فيه الشافعى، فقد قال فى بيان ما انتخبه مذهباً له (وذلك على قسمين : أحدهما : ما هو معترف بأنه خارج من مذهب الشافعى رضى الله عنه، وإن كان ربما وافق قولا ضعيفاً فى مذهبه ، أو وجهاً شاذاً ) ونراه يقرر أنه خالف الشافعى فيما اختاره . - ٣٩١ - الاجتماعية المتباينة والشئون الاقتصادية المتخالفة الشىء الكثير بما كان يتأثر وبه المجتهدون عند تخريجهم للمسائل ، إذ كانوا بلا ريب متأثرين ببيئاتهم الجغرافية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، وأنك لو درست ذلك المذهب على ضوء هذا ، وتعرفت الآراء بين المختلفين على ذلك النور لعلمت أثر البيئات فى أقوال المختلفين وآراء المتنازعين ، ولو أن الذين يدرسون فروع : المذاهب المختلفة درسوها منسوبة لأصحابها ، وعرفوا البيئات المختلفة، فإنهم حينئذ يرون تلك الآراء صوراً صادقة لعصورها ، حاملة ألوانها «ومنازعها الاجتماعية والاقتصادية وأعراف الناس فيها . وإذا كان ذلك المذهب الشافعى لم يمنع فيه التخريج ، أو يضيق إلا بعد أن استقى من البيئات ، فالذخيرة المحفوظة منه ثروة فقهية جليلة . عظيمة الفائدة ، جيدة الثمرة . ٢٤٦ - ولما ضاق باب التخريح انصرف العلماء إلى المحافظة على الثروة التى ورثوها عن المجتهدين والمخرجين ، واستخراج الفتاوى والأحكام من : بين الأقوال المختلفة والآراء المتنازعة ، ولم يكن للمفتى أن يختار أى رأى . شاء ، أو أى وجه أراد ، بل قيده فى اختياره . وقد ذكرنا أنهم يقسمون الخلاف فى المذاهب إلى ثلاثة أقوال فى المذهب ، وهى ما ينسب إلى الشافعى من غير اختلاف فى الرواية ، وأوجه وهى ما ينسب إلى المجتهدين فيه من آراء مخرجة على أصول الشافعى ، وطرق وهو ما اختلفت فيه الحكاية عن الشافعى ، أو عن المجتهدين . والمفتى فى العصور المتأخرة إذا وجد قولين الشافعى ليس له أن يختار ،أحدهما، بل يرجع فى ذلك إلى ما رجحه المخرجون السابقون (١) الذين بنوا تخريجهم على أصوله أو الصادق من الروايات المختلفة ، ويقول النووى: (١) والعلماء المجتهدون يرجحون بين أقوال الشافعى، فيأخدون بما رجحه هو ، فان لم يصرح بالترجيح فيما فرع عليه رجحوا المتأخر على المتقدم ، فان لم يعرف وذلك نادر .دجحوا أقربها إلى أصوله . - ٣٩٢ - إن لم يحصل على ترجيح بطريق توقف حتى يحصل ، أى أنه إذا لم يعثر على .. ترجيح لمن سبقه توقف حتى يحصل على الترجيح المنقول . وإذا كانت المسألة التى يفتى فيها ذات أوجه للمجتهدين ، أو طرق نقل. مختلفة فإنه يرجع إلى ما رجحه المجتهدون السابقون ، وهو ما صححه الأكثر ، ثم الأعلم والأورع ، فإن تعارض الأعلم والأورع قدم الأعلم ، فإن لم يجد ترجيحاً عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين ، أو القائلين. للوجهين ، فما رواه البويطى والربيع المرادى ، والمزنى عن الشافعى مقدم .. على ما رواه غيرهم . وقد قال بعض العلماء : إذا كان الشافعى آراء بعضها يوافق فيه أكثر الأئمة والآخر قد انفرد به ولم يؤثر ترجيح اتبع ما وافق أكثر الأئمة ، ولكن يقول النووى : إن ذلك محل نظر ، فقد قال : حكى القاضى حسين فيما إذا كان للشافعى قولان أحدهما يوافق أبا حنيفة - وجهين لأصحابنا: (أحدهما) .. أن القول المخالف أولى ، وهذا قول الشيخ أبى حامد الأسفراينى قال :. الشافعى إنما خالفه لاطلاعه على موجب المخالفة . ( والثانى ) القول الموافق أولى ، وهو قول القفال، وهو الأصح ، المسألة المفروضة ، فيما إذا لم يجد مرجحاً مما سبق . وهكذا ترى أنه بعد أن انقضى دور التخريج جمد العلماء على المنقول ، لا يتجاوزونه ، وامتنعوا عن التصرف ، وصاروا عبيد الكتب ، يرجحون . ما ترجح ويزيفون ما تزيف ، وليس لهم فكر إلا فى استخراج العلم من بين. دفاتها ، وبذلك قامت المحاجزات بين الفقه الشافعى ، وبين الأصول التى قام. عليها ، وبينه وبين البيئات التى يعيش فيها ، فقد صار الفقيه فيه من يعرف. الفروع المدونة المصححة ، لا من يبنى على أصوله ، كما بنى من سبقوه ، وأصبح لا يعالج الحوادث التى تقع بالتخريج الحر فيستنبط لها من الأحكام. ما يناسب حالها ، ويلائم شئونها غير خارج عن أصول المذهب ، بل يأخذ. - ٣٩٣ - أحكامها من الفروع المدونة ، وإن كان لحال غير حالها وفى مجتمع. غير مجتمعها : والخلاصة أن الفقه الشافعى أخذ ثلاثة أدوار تبينت مما مضى ، دور. النمو تحت سلطان الاجتهاد المطلق مع التقيد بالأصول الشافعية ، ودور النمو تحت التخريج، وأخيراً دور الوقوف ، فهل لأصحابه أن يسيروا ، وقد سن. السابقون طريق السير ، وهو دراسة المسائل التى تعرض ، وليس فيها نص. الشافعى على مقتضى ما تهدى إليه أصوله ، واللّه الموفق. انتشار المذهب الشافعى ٢٤٧ - قال ابن خلدون فى المقدمة: (( أما الشافعى فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها ، وقد انتشر مذهبه بالعراق وخراسان ، وما وراء النهر ، وقاسموا الحنفية فى الفتوى والتدريس فى جميع الأمصار ، وعظمت مجالس المناظرات بيهم ، وشحنت کتب الخلافیات بأنواع استدلالاتهم ، ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره. وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعى. لما نزل على ابن عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بنى عبد الحكم ، وأشهب بن القاسم وابن المواز وغيرهم ، ثم الحارث بن مسكين وبنوه ، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه. أهل البيت ، وتلاشى من سواهم ، إلى أن ذهبت دولة العبيدين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ورجع إليهم فقه الشافعى وأصحابه. من أهل العراق والشام ، فعاد إلى أحسن ما كان ونفق سوقه ، واشتهر منهم محيى الدين النووى من الحلبة التى ربيت فى ظل الدولة الأيوبية بالشام ،. وعز الدين بن عبد السلام أيضاً ، ثم ابن الرافعة بمصر ، وتفى الدين. ابن دقيق العيد ، ثم تقى الدين السبكى بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ. الإسلام بمصر لهذا العهد ، وهو سراج الدين البلقيني ، فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر ، وكبير العلماء بها ، بل أكبر العلماء من أهل العصر . - ٣٩٤ - هذه كلمة ابن خلدون عن مذهب الشافعى وانتشاره ، وقد ذكر أنه (ابتدأ من مصر، ثم غالب المذهب الحنفى والمذاهب الأخرى فى الشرق ثم عاد إلى مصر موطنه . هذا إجمال يحتاج إلى قليل من التفصيل . ٢٤٨ - اجتهد الشافعى بمكة ، ودرس أهل العراق مذهبه ، ولكن العلماء فى ذلك الوقت لم يكونوا قد سلكوا الطريق المذهبى فى دراستهم ، بل كان كل عالم يجتهد فيما يعرض له من المسائل اجتهاداً حراً ، وقديستعين بدراسة غيره ؛ ليستن لنفسه طريقاً ، وليكون له رأياً من غير أن يتقيد بطريق من استعان به ، ولا رأيه ، ولم يكن ثمة تقليد إلا تقليد العامة لمن يستفتونهم من العلماء ، لذلك لم تصر هذه البلاد شافعية باجتهاد الشافعى فيها ، أو دراسته لأهلها . ولما أخذت ريح التقليد تهب بعد أن اختار المجتهدون ، أو بعضهم طريقة بعض الأئمة فى الاجتهاد ، ثم صار أهل الإقليم يقلدون إماماً ، ويختارون مذهبه ، كان المذهب الشافعى قد استقر فى مصر ، واستقام أهلها على طريقته ، إذ شغل الناس بدراسته عن المذهب المالكى الذى كان غالباً، والمذهب الحنفى الذى كان معروفاً ، لذلك كانت مصر المكان الذى صدر عنه المذهب الشافعى . جاء فى طبقات ابن السبكى عن مصر والشام بالنسبة للمذهب الشافعى : هذان الإقليمان مركز ملك الشافعية ، منذ ظهر مذهب الشافعية ، اليد العالية لأصحابه فى هذه البلاد لا يكون القضاء والخطابة فى غيرهم . انتشر المذهب الشافعى بعد مقامه فى مصر فظهر فى العراق ، وكثر أتباعه فى بغداد، وغلب على كثير من بلاد خراسان ، وتوران، والشام، واليمن، ودخل ما وراء النهر ، وبلاد فارس والحجاز ، وبعض بلاد الهند ، وتسرب إلى بعض شمال أفريقية ، والأندلس بعد سنة ٣٠٠ هـ ، كما فى الفوائد البهية. ٢٤٩ - ولنذكر كلمة موجزة عن حاله فى كل بلد من هذه البلاد التى انتشر فيها . فأما مصر التى تعتبر الموطن الأول فيها ، فكان هو السائد فيها - ٣٩٥ - بعد أن تغلب على المذهبين الحنفى والمالكى ، واستمر كذلك صاحب السلطان إلى أن جاءت الدولة الفاطمية ، فأبطلت العمل به ، وجعلت العمل على مقتضى مذهب الشيعة الإمامية ، حتى إذا أدال اللّه من سلطانهم على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب أحيا المذاهب المعروفة ، وأبطل العمل بالمذهب الشيعى، وجعل للشافعى الحظ الأكبر ، من عنايته ، وعناية من جاءوا بعده من الأيوبية ، فقد كانوا جميعاً شافعية إلا عيسى بن العادل أبى بكر سلطان الشام ، فإنه كان حنفياً ، ولم يكن فى هذه الأسرة حنفى سواه ، ثم تبعه أولاده ، وكان شديد التعصب لذلك المذهب ، ويعده الحنفية من فقهائهم . ولما خلفت دولة الماليك البحرية دولة الأيوبيين لم تنقص خطوة المذهب الشافعى ، فقد كان سلاطينها من الشافعيين إلا سيف الدين قطز الذى كان قبل بيبرس ، فقد كان حنفياً، ولكن لم يكن له أثر فى مذهب الدولة لقصر مدته ، بل لقد زعم السيوطى فى حسن المحاضره أنه لم يكن فيهم غير شافعى قط. ولقد كان القضاء على المذهب الشافعى مدة هذه الدولة كسابقتها ، إلى أن أحدث الظاهر بيبرس فكرة أن يكون قضاة أربعة ، لكل مذهب قاض، يقضى بموجب مذهبه ، فكان لكل قاض العمل والتحدث بما يقتضيه مذهبه بالقاهرة والفسطاط ، ونصب النواب ، وإجلاس الشهود ، ولكن جعل الشافعى مكان أعلى من سائر الأربعة . وذلك بأن كان له وحده الحق فى تولية النواب فى بلاد القطر كما كان له الحق وحده فى النظر فى أموال اليتامى والأوقاف ، وكان بهذا له المرتبة الأولى فى الدولة ، ثم يليه المالكى ، ثم الحنفى ، فالحنبلى ، ولكن جاء فى صبح الأعشى أن ابن بطوطة ذكر أن ترتيبهم بمصر مدة الملك الناصر بتقديم الحنفى على المالكى ، فلما ولى القضاء برهان الدين بن عبد الحق الحنفى أشار الخلفاء على الملك الناصر يجلوس المالكى فوقه ، كما جرت بذلك العادة القديمة من قبله ، فعمل بذلك . واستمرت الحال فى دولة الماليك الجركسية كما كانت فى سابقتها حتى - ٣٩٦ - استولى العثمانيون على ملك مصر ، فأبطلوا القضاء بالمذاهب الأربعة واختصاص الشافعى بالمكانة العالية ، وحصروا القضاء فى المذهب الحنفى. لأنه مذهبهم ، ولم يزل الأمر كذلك إلى اليوم ، بيد أنه قد أخذ الاقتباس من المذاهب الأخرى فى الأحوال الشخصية ، والوقف والمواريث والوصايا ، وهى المسائل التى بقى القضاء فيها على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية دون سواها . وإذا كان المذهب الشافعى قد فقد مكانته الرسمية فى الدولة ، فقدبقيت له منزلته فى الشعب المصرى ، فإنه هو والمذهب المالكى قد تغلغل فى نفس الشعب حتى إنه يتدين فى عبادته على مقتضى هذين المذهبين فى ريف مصر وقراها إلى يومنا هذا . فالناس فى ريف مصر فى عباداتهم يختارون هذين المذهبين ، والمالكى أغلب صعيد مصر ، والشافعى فى الوجه البحرى. ٢٥٠ - وأهل الشام كانوا على مذهب الأوزاعى حتى ولى قضاءدمشق بعد قضاء مصر أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقى الشافعى ، قال فيه ابن السبكى فى طبقاته : كان رجلا رئيساً يقال إنه هو الذى أدخل مذهب الشافعى إلى دمشق وإنه كان يهب لمن يحفظ مختصر المزنى منه مائة دينار .. . توفى بدمشق سنة اثنتين وثلاثمائة . وقد عبر عن إدخاله المذهب الشافعى الشام بكلمة يقال ، وذلك تعبير محقق دقيق لأن المذهب لابد أن يكون قد سرى إلى الشام من مصر ، لما بينهما من جوار ، وللهجرة التى كان يقوم بها العلماء ، ولكن لأنه أول قاض شافعى ولى قضاء الشام ، وكان القاضى قبل ذلك أوزاعياً ، فقد عمل بنفوذه على إحلال ذلك المذهب محل مذهب الأوزاعى ، وكان يشجع على حفظه ومعرفته بالهبات كما رأيت ، وبتوالى القضاة الشافعيين على الشام أخذ مذهب الأوزاعى فى الانقراض ، ومذهب الشافعى فى الغلب ، ولم يتم له الغلب فى حياة أبى زرعة ، بل فى عهد من جاءوا بعده من القضاة . فقد استمر مذهب الأوزاعى ، مع أن القضاء أخذ منه - له مكانته فى نفس الشعب الشامى، - ٣٩٧ - حتى لقد كان له مفتون ، وإن لم يكن منه فى آخر الأمر قضاة ، جاء فى تاريخ الذهبى فى حوادث سنة ٣٤٧ أنه مات مفتى دمشق على مذهب الأوزاعى أبو الحسن أحمد بن سليمان بن حذلم ، وكانت له حلقة كبيرة بالجامع ، ويظهر أنه آخر مفت لمذهب الأوزاعى . ومن هذا يفهم أن مذهب الأوزاعى كان بالشام إلى منتصف القرن الرابع الهجرى ، وأنه لم تتم الغلبة للشافعى ، إلا عند ذلك . ٢٥١ - والعراق كان مذهب أبى حنيفة لمكانه عند خلفاء بنى العباس، لأن القضاة كانوا منه منذ ولى القضاء أبو يوسف رضى الله عنه . قال ابن حزم : مذهبان انتشرا فى بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبى حنيفة ، فإنه لما ولى الرشيد أبا يوسف خطة القضاة كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية ، ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبول القول فى القضاء ، وكان لا يلى قاض فى الأندلس إلا بمشورته واختياره ، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كانوا على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا ، فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم ، على أن يحيى لم يل قضاء قط ، ولا أجاب إليه ، وكن ذلك زائداً فى جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم )) اهـ . ومع ما كان لمذهب أبى حنيفة من مكان بالعراق لهذه الرياسة ، ولأنه موطنه ومقامه ، كان لمذهب الشافعى أيضاً مكان لتلاميذ الشافعى الأولين به ، ولهجرة كثيرين من أصحاب الشافعى إلى العراق ، ولأن بغداد كانت حاضرة العالم الإسلامى ، فكان العلماء يفدون إليها من كل المذاهب ومختلف الآراء لذلك كله تزاحم المذهب الشافعى ومذهب أبى حنيفة ، وكانت له بجواره كثرة ، وإن لم يكن معتنقوه هم الأكثر ، ولكن كان كثيرون من أهل به داد فيهم تعصب شديد لمذهب أبى حنيفة حتى إن الخليفة القادر بالله ولى عهد القضاء قاضياً شافعياً فثار أهل بغداد وانقسموا حزبين حزب لا يؤيد التعيين، وهو الأكثر ، وحزب يناصره وهم الأقل عدداً ، ووقعت الفتن بينهما - ٣٩٨ - فاضطر الخليفة لإرضاء الأكثرين ، وعزل القاضى الشافعى ، وأحل محله حنفياً ، وأعاد إلى الحنفية ما كان لهم من كرامة واعتزاز بالنفس وحرمة ، وكان ذلك فى آخر القرن الرابع الهجرى ، ومهما يكن من الأمر فقد كان لمذهب الشافعى مكان ببغداد ، ولعلمائه منزلة ، ولئن بعدوا عن الرياسة لقد سادوا بالعلم حتى كان أكثرهم فى موضع التجلة من الخلفاء ، وإن كان القضاء فى غيرهم . ٢٥٢ - ولقد دخل المذهب الشافعى فارس ، ويقول ابن السبكى : إنه لم يكن بفارس سوى مذهب الشافعى ، ومذهب داود الظاهرى . وهذا نص ما فيه : قال الأستاذ أبو منصور ولم يبرحوا شافعية أو ظاهرية على مذهب داود ، الغالب عليهم ظاهرية ، ولكن يظهر أن الظاهرى قد انقرض بعد ذلك ، وغلب على الشافعى المذهب الشيعى ، فإن فارس الآن تعتنق المذهب الإمامى الإثنى عشرى ، وهو مذهب الدولة الرسمى ، والقضاء فيها على نظامه . ٢٥٣ - أما بلاد خراسان وسجستان وماوراء النهر ، فقد كان المذهب الشافعى له المكانة ، وكان الشافعيون يتناظرون مع غيرهم من أصحاب المذهب التى كانت تسكن هذه البلاد ، وأحياناً كان يصل الخلاف إلى اضطراب، كما كان يقع بينهم وبين الشيعة ، أو بعض الحنفية والحنابلة أحياناً . ولقد تضافرت الأسباب لانتشار المذهب الشافعى بهذه البلاد ، والأساس والعماد هو علماء المذهب ونشاطهم ، ومحمد بن إسماعيل القفال الكبير الشاسى المتوفى سنة ٣٦٥ هـ. هو الذى أدخل ذلك فى بلاد ما وراء النهر، كما جاء فى طبقات ابن السبكى . وجاء فى الإعلان بالتوبيخ للسخاوى : أن الحافظ عبدالله محمد بن عيسى المروزى هو الذى أظهر مذهب الشافعى بمرو وخراسان بعد أحمد بن سيار ، وكان السبب فى ذلك أن ابن سيار حمل كتب الشافعى إلى مرو ، فأعجب بها الناس ، فنظر عبد الله فى بعضها وأراد أن ينسخها ، فلم يمكنه ابن سيار فباع - ٣٩٩ - ضيعة له . وخرج إلى مصر فأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعى ورجع. إلى مرو وابن سيارحى، ولقد مات عبد اللّه هذا سنة ٢٩٣ ، وذكر السخاوى أيضاً أن أبا عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابورى الأسفراينى المتوفى سنة ٣١٦ أول من أدخل مذهب الشافعى وتصانيفه إلى أسفراین وهو ممن أخذ عن الربيع والمزنى . وهكذا نرى العلماء هم الذين تولوا نشر مذهب الشافعى ونقله إلى الأقاليم ، ونقل كتبه إلى الأقاليم الشرقية النائية ، وكانوا لايكتفون بنشره بين العامة ، بل يقنعون الولاة والسلاطين به ، فقد جاء فى الكامل لابن الأثير فى حوادث سنة ٥٩٥ : وفيها فاروق غياث الدين صاحب غزنة وبعض أهل خراسان مذهب الكرامية (١) وصار شافعى المذهب ، وكان سبب ذلك أنه كان عنده إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول الشعر بالفارسية متفنناً فى كثير من العلوم . فأوصل إلى غياث الدين الشيخ وجيه الدين أبا الفتح محمد بن محمود المروزى الفقيه الشافعى فأوضح له مذهب الشافعى ، وبين له فساد مذهب الكرامية فصار شافعياً ، وبنى المدارس الشافعية ، وبنى بغزنة مسجداً لهم أيضاً . وأكثر مراعاتهم ، فسعى الكرامية فى أذى وجيه الدين فلم يقدرهم الله تعالى على ذلك . وقيل إن غياث الدين. وأخاه شهاب الدين لما ملكا فى خراسان ، قيل لهما إن الناس فى جميع البلدان يزرون على الكرامية ويحقرونهم ، والرأى أن يفارقا مذهبهم فصاروا شافعيين . ٢٥٤ - دخل المذهب الشافعى هذه البلاد النائية ولم تكن خالية من المذاهب قبله . فقد علمت أنه كان بخراسان الكرامية وهو مذهب له آراء فى الاعتقاد وفى الفروع ، وكانت مذاهب الشيعة ومذاهب أبى حنيفة. وكثيرون (١) مذهب الكرامية نسبة إلى محمد بن كرام السجستانى المتوفى سنة ٢٥٥ ٨. وهو مذهب فى العقائد ، ولة مسائل فى الفقة منها : أن المسافر يكفيه فى صلاة الخوف تكبير تان ، وجواز الصلاة فى ثوب تجس ، وأن العبادات تجوز بغير فية اكتفاء بعقيدة. الإسلام . - ٤٠٠ - من الحنابلة فكان الخلاف يقع بين هؤلاء ، وقد يكون فى مناظرة يتنازع الفريقان أطراف الأدلة وقد تكون فتنة . جاء فى معجم البلدان لياقوت : أن أهل الرى كانوا ثلاث طوائف: شيعية وهم الأقل ، وحنفية وهم الأكثر ، وشافعية وهم كثيرون ، فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتضافر عليهم الحنفية والشافعية . وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف . ثم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، فكان الظفر للشافعية مع قلتهم فخربت محال الشيعة والحنفية ، وبقيت الشافعية، وهى أصغر محال الرى ، ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفى مذهبه . ثم فى ذكر كلامه على ساوه ، واقعة بين الرى وهمذان ، أن أهلها كانوا سنية شافعية ، وكان بقربها مدينة يقال لها آوة ، أهلها شيعية إمامية . فكانت تقع بينهم العصبية . وهكذا كان يغالب رجال المذهب غير هم ويستنصرون بالعامة وبمنازلهم من الملوك، فقد كان كثيرون منهم من أهل الزهادة، وكثيرون من أهل التصوف، . ولذلك مكانته فى أهل البلاد ، واستمرت المغالبة ، حتى كان لهم الغالب فى أكثر هذه البلدان الشرقية النائية ، وإن كانوا فى أكثرها لم يكونوا الأكثر عدداً. وقدذكر المقدسى فى أحسن التقاسيم أنه كان المذهب الغالب على كثير من البلدان فى إقليم المشرق ككورة الشاس، وإبلاق وطرس وبسباوا بيورد وغيرها ، وكان بهراة وسجستان ، وسرخس ونيسابور ، ثم ذكر أنه كانت تقع بينهم وبين الحنفية سجستان وسرخس ، فتن بسبب التعصب المذهبي تراق فيها الدماء ، وكذلك كانت الفتن فى كثير من بلاد الديلم . ٢٥٥ - انتشر المذهب الشافعى فى هذه البلاد الشرقية النائية ، كما انتشر فى العراق والشام ، وكما انتشر فى اليمن ، والحجاز ، ولكنه لم ينتشر ببلاد : المغرب، ولم يكن فى المغرب، ولافى الأندلس شافعية، إلا ما كان من يوسف (ابن يعقوب بن عبد المؤمن صاحب المغرب والأندلس ، فإنه بعد أن تظاهر