Indexed OCR Text
Pages 321-340
- ٣٢١ - المرسلة ، ولكنه يشترط المشابهة بينها وبين مصلحة معتبرة بإجماع أو نص فلا تكون مرسلة ، وإنه بالرجوع إلى الرسالة تجدها تتسع لهذا ، ففى باب القياس جاء فيها : القياس من وجهين أحدهما أن يكون الشىء فى معنى الأصل ، فلا يختلف القياس فيه ، وأن يكون الشىء له فى الأصول أشباه، فذلك يلحق أولاها به ، وأكثرها شبهاً فيه ، ولاشك أن الأخذ بمصلحة لها مشابه من المصالح المعتبرة بالإجماع ، أو بأمر مستند إلى الشرع الشريف هى من القسم الثانى ، وذلك على أن يكون ما نقلته هذه الكتب متفقاً مع ما جاء بالرسالة ، ولكن الشافعى لم يأخذ بهذا النوع من المصلحة على أن المصالح المرسلة تعتبر دليلا يؤخذ به عند عدم النص ، بل على أن هذه المصلحة المعتبرة عند وجه من وجوه القياس ، فهى داخلة فى بابه غير خارجة من الأصور ، الأربعة ، الكتاب والسنة ، والإجماع والقياس ، وليست أصلا قائماً بذاته ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . أقوال الصحابة ٢٠٠ - ذكرنا فى صدر كلامنا فى مصادر الفقه ، وأصول الاستنباط عند الشافعى أن الأخذ بأقوال الصحابة هى المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة والإجماع ، وأنها مقدمة على التياس ، وأنه يأخذ بقول أحدهم إذا لم يكن مخالف ، ويختار من أقوالهم عند اختلافهم . ولذلك نقول أنه هنا يأخذ بقول الصحابى ، ويهتدى به سبيل لاستنباط ، وقبل أن نفصل ذلك ونبينه نشير هنا إلى أن كتب الأصول تقول : أن الشافعی یأخذ بقول الصحابى فى مذهبه القديم ، وأن الجدید ليس كذلك(١) . وإن ذلك يخالف ما وجدناه فى الرسالة برواية الربيع ، وهى الرسالة (١) راجع فى ذلك المستصفى للغزالى. وشرح تحرير كمال الدين بن الهام. وشرح المنهاج للإسنوى . والأحكام فى أصول الإحكام للآمدى . ( م ٢١ - الشافعى) - ٣٢٢ - المصرية وما جاء فى الأم برواية الربيع ، وهى مذهبه الجديد أيضاً ، وعلى ذلك تقرر بأن الشافعى يأخذ بقول الصحابى فى القديم والجديد ، ولقد قرر ذلك ابن القيم فى أعلام الموقعين ، فقال فى بيان وجوب اتباع الصحابة : وهو منصوص الشافعى فى القديم والجديد ؛ أما القديم فأصحابه مقرون به. وأما الجديد فكثير منهم يحكى فيه عنه أنه ليس بحجة ، وفى هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً ، فإنه لا يحفظ له من الجديد حرف واحد يفيد أن قول. الصحابى ليس بحجة ، وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكى أقوالا : الصحابة فى الجديد ثم يخالفها ، ولو كانت حجة لم يخالفها ، وهذا تعلق ضعيف جداً ، فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى منه فى نظره. لايدل على أنه لايراه دليلا من حيث الجملة ، بل خالف دليلا لدليل أرجح عنده منه ، وقد تعلق بعضهم بأنه يراه فى الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقاً لايعتمد عليها وحدها ، كما يفعل فى المنصوص، بل يعضدها بضروب من الأقيسة ، فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها ، وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها ، بل يعضدها بدليل آخر ، وهذا أيضاً تعلق أضعف من الذى قبله ، فإن تظاهر الأدلة وتعاضدها وتناصرها ، من عادة أهل العلم قديماً وحديثا ، ولا يدل ذكرهم دليلا ، وثانيا وثالثا على أن ما ذكروه قبله. لیس الدلیل . هذا ما ذكره ابن القيم ، ويستفاد منه أن الذين ظنوا أن الشافعى لم يأخذ بقول الصحابى فى الجديد بنوا زعمهم على أنه قد يرفض قول الصحابى ، وأنه إن أخذ به عاضده بأدلة أخرى تبين وجه الأخذ به ، والحق فى هذا المقام أن الشافعى قد أصل الأصول ووضع كل أصل فى مرتبته لايعدوها، فهو قد جعل قول الصحابى بعد الكتاب والسنة والإجماع ، فإذا وجد قول صحابى يخالف سنة تركه وأخذ بالسنة ، لأن مرتبته بعدها ، فليس بحجة أمامها ، ولقد أثر عنه أنه استنكر أن يترك الحديث لفتوى الصحابى بقوله: كيف أترك الحديث لقول من عاصرته لحجته . - ٣٢٣ - ولهذا وجدناه يترك بعض أقوال الصحابة إذا لديه حديث يخالفها ، أما تأييده قول الصحابى الذى يختاره بأدلة أخرى فأساسه أن يكون قد أثر عن الصحابة أقوال مختلفة ، فيختار واحداً يرجح لديه عما سواه ، وبيين وجه الترجيح على غيره ، وهذه مرتبة الاجتهاد ، وسنبين فى بحثنا وجوها من ذلك . ٣ ٢٠١ - الشافعى فى جديده وقديمه يأخذ بقول الصحابى ويقلده ويقدمه على القياس ، والنقول فى ذلك كثيرة ، منها ما جاء فى الأم وما نقلناه فى صدر كلامنا ، وهذا نص مما قاله فى ذلك المقام . ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر عمن سمعها مقطوع إلا باتباعهما فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو واحد منهم ، ثم كان قول أبى بكر ، أو عمر أو عثمان ، إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا ، وذلك إذا لم نجد دلالة فى الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذى معه الدلالة ، لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزمه الناس ، ومن لزم قوله الناس كان أشهر من أن يفتى الرجل أو النفر ، وقد يأخذ بفتياه أو يدعها ، وأكثر المفتين يفتون الخاصة فى بيوتهم ومجالسهم ، ولاتعنى العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام ، وقد وجدنا الأئمة يبتدئون ، فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه ، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من الخبر ، ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم فى حالاتهم ، فإذا لم يوجد عن الأئمة ، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدين فى موضع الأمانة أخذنا بقولهم ، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم. هذا القول يدل على أخذ الشافعى بأقوال الصحابة ، وهو يرتبها مراتب فى القوة عند اختلافهم ، فإنهم إن اختلفوا اختار أقرب الأقوال من دلالة الكتاب والسنة ، فإن لم يكن فيها تفاوت فى هذا اختار ما اختاره - ٣٢٤ - الأئمة أبو بكر أو عمر أو عثمان ، لأن قولهم مشهور يتبعه الكافة ، ولا يخص آحاداً ولا نفراً، والمشهور العام أولى بالاتباع من غيره ، ولأن آراء الأئمة محل تمحيص، لأنهم يسألون عن حكم الكتاب وحكم السنة، فإن لم يجدوا اجتهدوا واستشاروا ثم أعلنوا فتياهم ، فإن سكت الناس عنها كان دليل صدقها ، وإن أخبروهم بسنة رجعوا لتقواهم وفضلهم، فكانت آراؤهم ممحصة مقومة ، لإعلانها وتعرضها للنقد والمخالفة ، وقبولهم لما يخالفها من سنن ، فمضاؤها دليل على أن لا سنة تخالفها . وإن لم يجد للأئمة أقوال فى هذا اتبع أقوال سائر الصحابة ، ولقد نقل البيهقى عنه فى توضيح هذا المقام ، إن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبى بكر وعمر وعثمان أحب إلى من قول غيرهم ، فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذى عليه دلالة ، وقلما يخلو اختلافهم من ذلك ، وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر ، فإن تكافئوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجاً عندنا ، وهذا الكلام يوضح المرتبة التى تكون إذا لم يكن للأئمة رأى ، أو كان رأيهم مختلفاً ، فإنه يرجح فى الاختيار مالا عليه دلالة ، ويندر ألا يكون من بينها ما هو كذلك ، وإن اختلفوا من غير بيان الدليل اختار ما عليه الأكثر ، فإن تكافئوا أو لم يعلم الأكثر اختار من الأقوال أحسنها تخريجاً عنده . ٢٠٢ - هذه هى مراتب اختلاف الصحابة عنده عند اختلافهم ، وعند اتفاقهم يأخذ ما اتفقوا عليه ، وإذا حفظ لأحدهم قول لم يعرف فيه خلاف أخذ به . ويظهر أنه عند تطبيق هذه القواعد ، تبين له أنه مامن اختلاف بينهم إلا استطاع أن يختار من الأقوال فيه ما يكون أقرب لكتاب الله سبحانه وتعالى ، وأنه يندر أن يجد لأحدهم قولا لم يعرف فيه خلافهم أو إجماعهم ، ولذا جاء فى الرسالة فى المناقشة حول أقاويل الصحابة : قال (أى مناظره) - ٣٢٥ - قد سمعت قولك فى الإجماع والقياس بعد قولك فى حكم كتاب الله وسنة رسوله ، أرأيت أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها ، فقلت (أى الشافعى ) نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح فى القياس ، قال ( أى مناظرة ) أفرأيت إذا قال الواحد منهم القول لايحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولاخلافاً ، أتجد لك حجة باتباعه فى كتاب أو سنة أو أمر أجمع الناس عليه ، فيكون من الأسباب التى قلت بها خبر ، قلت ماوجدنا فى هذا كتاباً ولاسنة ثابتة ، ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحد مرة ، ويتركونه أخرى ويتفرقون فى بعض ما أخذوا به منهم : قال فإلى أى شىء صرت من هذا؟ قلت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا ولاسنة ولا إجماعا ولا شيئا فى معناه - بحكمه . أو وجد معه قياس ، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لايخالفه غيره من هذا (١). وإن هذا الكلام يفيد ثلاثة أمور: ( أحدها ) يختار من أقوال الصحابة أقربها إلى الكتاب أو السنة أو يكون أصح فى القياس ، ولا يفرض التساوى فى هذه الأمور حتى يذهب إلى غيرها ، كما جاء عنه فى الأم ، ويظهر أن الاستقراء انتهى به إلى أنه إذا اختلف الصحابة ، فترجيح أحد الأقوال ممكن فيتعين السير فى الترجيح ، وما قاله فى الأم كان فروضاً نظرية . (ثانيها ) أن الأخذ بقول الصحابة لايعتمد فيه على نص من كتاب أو سنة ، أو على إجماع ، ويظهر أنه يعتمد فيه على مجرد الاتباع لهم لأنهم الذين شاهدوا وعاينوا ، وأنهم بأمر هذا الشرع أعلم من غيرهم ، وأن الاتباع أولى من الابتداع ، ولذا أثر عنه أنه قال فى الصحابة رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ، وكأنه فى هذا يأخذ بتقليدهم مع الترجيح بين أقوالهم ( ثالثها ) أنه يتبع الواحد منهم إذا لم يعرف له مخالف إن وقع (١) أعلام الموقعين الجزء الثانى ص ١٤٣، ١٩١. 1 - ٣٢٦ - ذلك ، ثم بما أداه إليه الاستقرار ، وهو أنه قل أن يوجد قول لواحدهم لا يخالفه فيه غيره ، ما دام الأمر مجالا للرأى . ٢٠٣ - وإذا كان الشافعى يتبع قول الصحابى عندما لا يكون خلاف ، وقل أن يكون ذلك ، ويختار الأرجح من أقوالهم عندما يكون خلاف ، فهل يفعل ذلك على أنه من السنة ؟ يصرح الشافعى بغير ذلك ، لأنه لا يعتبر السنة إلا ما جاء منسوبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليحكم بأن الصحابة إن أجمعوا على أمر يكون إجماعهم حجة ، من غير أن يقرر أنهم يبنون ذلك على سنة عرفوها ، ما دام لم يؤثر عنهم أنهم أسندوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم قولا فى ذلك، فقد جاء فى الرسالة ما نصه : قال لى قائل قد فهمت مذهبك فى أحكام الله ، ثم أحكام رسوله ، وأن من قبل عن رسول اللّه فعن الله قبل، بأن اللّه افترض طاعته، وقامت الحجة بما قلت بألا يحل لمسلم علم كتابا ولا سنة أن يقول بخلاف واحد منهما ، وعلمت أن هذا فرض اللّه ، فما حجتك فى أن تتبع ما اجتمع الناس عليه ، مما ليس فيه نص حكم الله. ولم يحكوه عن النبى، أتزعم ما يقول غيرك أن إجماعهم لا يكون أبداً إلا على سنة ثابتة ، وإن لم يحكوها ؟ فقلت له : أما ما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكما قالوا إن شاء اللّه، وأما ما لم يحكوه فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل غيره ، ولا يجوز أن نعده له حكاية ، لأنه لا يجوز أن يحكى إلا مسموعا ، ولا يجوز أن يحكى شيئا يتوهم ، يمكن فيه غير ماقال . فكنا نقول بما قالوا به اتباعاً لهم ، ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول اللّه لا تعزب عن عامتهم ، وقد تعزب عن بعضهم ، ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولا على خطأ إن شاء الله . ونرى أنه لا يحكم بأن إجماعهم يعتمد على سنة ، ماداموا لم يحكوها وإن كان إجماعهم لايمكن أن يكون مناقضاً لسنة ، ولا يكون خطأ - ٣٢٧ - .ولذا قال إن اتباعهم واجب ، وإذا كان الصحابة مجتمعين لا يفرض الشافعى أن إجماعهم عن سنة ثابتة ، فأولى أن يكون كذلك قول واحدهم لا مخالف له ، وأولى ثم أولى أقوالهم عند اختلافهم . ٢٠٤ - ولقد وجدنا الشافعى يأتى باختلاف للصحابة ، ثم يختار من بينها فى كل مسألة أرجحها عنده ، وهو فى ذلك مجتهد فى ترجيحه كامل الاجتهاد ، وهو يصدر كلامه فى اختلافهم بقوله : قلما اختلفوا فيه ، إلا .وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله أو سنة رسوله ، أو قياساً عليهما أو على واحد منهما . وفى تبيين هذه الدلالة محيط اجتهاده فى هذا المقام ، بولنسق لك بعض أمثلة توضح منهاجه ، فمما ساقه : ١ - تفسير معنى الإقراء فى قوله تعالى: (( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)). فقد اختلف الصحابة فى معناها ، فقالت السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها: ((الإقراء الإطهار)). وقال مثل قولها زيد بن ثابت وابن عمر وغيرهما ، وقال نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الإقراء الحيضات)) فلا تحل المطلقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ، وإن الشافعى يبين وجه كلا القولين فيذكر وجه الذين يفسرون القرء بالحيضة بأن الإقراء مواقيت ، والمواقيت يأخذها بأقلها ، والحيضة أقل من الطهر ، فتكون وحدة الميقات كالهلال للأشهر ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر فى سبايا أوطاس أن يستبرئن بحيضة ، وأن العدة استبراء ، وبالحديث ثبت أن الاستبراء بالحيض فتستبرأ الحرة بثلاث حيضات كاملة (١). (١) اختلف فى معنى القرء، فمنهم من قال إنه الحيضة، والشافعية قالوا إنه الطهر . .ومن قال إنه الحيضة منهم من قال لا تنتهى العدة حتى تغتسل ، ولو مكثت عشرين سنة . .ومنهم من قال إنه بانتهاء الحيضة الثالثة ومضى وقت صلاة كاملة عليها تنتهى العدة ، وبهذا أخذ الحنفية، وقالوا إنهم أخذوا برأى أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الله بن مسعود بو عبد الله بن عباس وأبي موسى الأشعرى وغيرهم . وقد رجحوا مذهبهم : - ٣٢٨ - والشافعى يختار أن الإقراء ثلاثة أطهار أخذاً بمذهب السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها وابن عمر، ويرجحه باللغة، وبالسنة والقرآن . أما اللغة ، فذلك لأن الحيض معناه أن يرخى الرحم الدم حتى يخرج ، وفى الطهر بعد الحيض يقرى الرحم الدم فلا يظهر ، ويكون الطهر القرى. والحبس لا الإرسال ، فالطهر - إذ يكون وقتاً - أولى فى اللغة بمعنى القرء، لأن الطهر حبس الدم وجمعه (١) . وأما السنة والقرآن، فلأن الله سبحانه وتعالى يقول: ((وإذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن))، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر حين طلق عبد الله ابن عمر امرأته حائضاً أن يأمره بإعادتها وحبسها حتى تطهر ، ثم يطلقها طاهراً من غير جماع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندئذ: ((فتلك العدة التى = (١) بأنه لو اعتبر القرء هو الطهر لكانت الإقراء اثنين وبعض الثالث، لا ثلاثة، لأنه يعتبر الطهر الذى صادفه الطلاق من الإقراء كما يقول الشافعى ، أما لوحلناه على الحيض. لكان الاعتداد بثلاث حيضات، ولا شك أن الإسم الموضوع لعدد لا يصح أن يطلق على ما دونه . (ب) واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: (( واللائى يئسن من الحيض من نسائكم إن ارتيتم. فعدتهن ثلاثة أشهر)) جعل الله سبحانه وتعالى الأشهر بدلا من الإقراء عنه اليأس من المحيض . فكانت الأشهر بدلا من الحيض وذلك لأن البدل لا يثبت إلا حيث يوجد المبدل منه ، والذى عدم هنا هو الحيض ، فكانت الأشهر بدلا عن حيض ، وكانت الإقراء حيضا لا محالة . (ح) والسنة تؤيد ذلك الرأى لأنه روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((طلاقه. الأمة اثنتان وعدتها حيضتان)»، ولكن يظهر أن هذا الحديث لا يصح عند الشافعى رضى الله عنه . (د) ويرجح الحنفية مذهبهم أيضاً بالمعنى، وذلك لأن هذه العدة ثبتت لبراءة الرحم. والعلم ببراءة الرحم يكون بالحيضة لا بالطهر، ولقد أردف الله سبحانه وتعالى: ثلاثة قروء جل وعلا بقوله: ((ولا يحل له أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن)) فكان ذلك الإرداف دليلا على أن المراد بالإقراء الحيض. (١) يشير الشافعى إلى القرء أصل معناه الجمع، ويؤيده قول لسان العرب عن أبى إسحاق). الذى عندى فى حقيقة هذا : القرء معناء الجمع . ٠ - ٣٢٩ - أمر الله أن تطلق بها النساء، وبذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم. مفسراً للقرآن بأن العدة هى الطهر دون الحيض . ويجب عما استدل به الرأى الآخر بأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يستبرأ السبى بحيضة ، بأن الاستبراء بالنسبة للسبى هو المطلوب ، ولا بد من وجود أمر ظاهر فى الدلالة عليه ، لأن الطهر إذا كان متقدما للحيضة ثم حاضت الأمة حيضة كاملة صحيحة برئت من الحبل فى الطهر ، وقد ترى الدم فلا يكون صحيحا ، إنما يصح الاستبراء بأن ترى الحيضة كاملة ، فيكون ذلك دليلا على أن الطهر السابق عليها لم يكن فيه حبل . والعدة لايلاحظ فيها الاستبراء فقط ، ولكن يلاحظ فيها مع الاستبراء التعبد ولو كان المراد الاستبراء لاكتفى بحيضة ، ولكن أريد مع الاستبراء غيره فلا تقاس على من طلب فى مثلها الاستبراء فقط . ٢ - ومما ساقه الشافعى من الأمثلة اختلافهم فى الرد ، فقال زيد ابن ثابت : يعطى كل وارث ما سمى له ، فإن فضل فضل ، ولا عصبة للميت كان ما بقى لجماعة المسلمين ، وقال غيره إنه يرد فضل المواريث على أصحاب الفرائض ، فلو أن رجلاترك أخته ورثته بالنصف فرضا ، وردعليها النصف الثانى إذا لم يكن ثمة عصبة ، ولا ذو فرض سواها . وقد اختار الشافعى رأى زيد بن ثابت ، وقال إنه هو الذى يدل عليه كتاب الله تعالى، لأن الله تعالى يقول: ((إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك ، وهو يرثها إن لميكن لها ولد ، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين)) فذكر الله الأخت منفردة ، فانتهى بها جل ثناؤه إلى النصف ، والأخ منفرداً فانتهى به إلى الكل ، وذكر الإخوة والأخوات فجعل للأخت نصف ما للأخ فكان حكمه تعالى ، أن تكون الأخت منفردة ومجتمعة مع الأخ أن تأخذ نصف ما يأخذ ، فلو أعطيت النصف بالفرض ، والباقى بالرد ٦ - ٣٣٠ - لجعلها كالأخ وإنما جعل لها نصف ماللأخ فى الاجتماع والانفراد ، وإن قيل إن النصف فرض والآخر رد ، وإن السبب فى العطاء قد اختلف ، قال : الشافعى : ما معنى الرد ، أشىء جاء بالاستحسان وليس من أصول الفقه فى شىء ؟ ثم هل لنا أن نشرع ما لم يشرع الله به ! ؟ لقد كان إذن يمكن أن نعطى للجبران ، أو لبعيد النسب ، فلماذا جاز الرد؟ ولم يجز هذا ، فإن قيل: إن ذلك ثبت بقوله تعالى: (( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله)) قال رداً على ذلك : إن الناس توارثوا بالحلف ثم توارثوا بالإسلام والهجرة ، فكان المهاجريرث المهاجر ، ولايرث من ورثته من لم يكن مهاجراً ، وهو أقرب إليه ممن يرثه ، فنزلت الآية وكانت مجملة ، بيانها ما جاء فى توزيع الفرائض بين أصحابها، ويستدل على أن بيانها فى آية الفرائض، . وأنه لا يصح أن تأتى بزائد عليها بأن من ذوى الأرحام من يرث ، ومنهم من لايرث ، وأن الزوج يكون أكثر ميراثا من أكثر ذوى الأرحام ، وأنه لو كانت الرحم وحدها أساس الميراث لأعطيت البنت مثل الإبن لتساويهما فى الرحم ، وكان ذوو الأرحام يرثون معا ، ويكونون أحق من الزوج الذى لا رحم له ، ولكن هذه الآية بينت ميراث القرابة إجمالا ، وفصلت الأحكام آيات الفرائض ، وبهذا يرجح لدى الشافعى أن لا رد على ذوى الفروض ، بل ينتقل إلى بيت المال (١) (١) لقد ذكر الشافعى رأيه فى أن لا رد، وتبع فى ذلك زيد بن ثابت، ورجح رأيه وأقوال الصحابة فى الرد أربعة : (١) رأى زيد بن ثابت الذى رجحه الشافعى. (ب) ورأى ابن عباس أنه يرد على كل أصحاب الفرض ما عدا الزوجين والجدة ، لظاهر قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أطعموا الجدات السدس لا يزاد عليه، لأن الزوجين لا يعلم ميراثهما إلا بالفرض المنصوص عليه . (جـ) ورأى عثمان بن عفان أن يرد على كل أصحاب الفروض، ومنهم الزوجان لأن الغوم بالغنم ، وما دمنا قد نقصنا نصيبهما بالعول إذا زادت الفرائض ؟ فيزداد نصيبهما بمالرد إن نقصت الفرائض .. - ٣٣١ - : المثال الثالث: وهو ميراث الجد مع الإخوة والأخوات الشقيقات ولأب ، فقد اختلف الصحابة فى مقدار ميراثه ، وحجية هؤلاء الإخوة والأخوات ، فقال أبو بكر وابن عباس والسيدة وعائشة وابن الزبير إنهم جعلوه أباً ، وأسقطوا أولئك أخوة وأخوات معه ، لأنه أب عند عدم وجود الأب ، وأجمع الفقهاء على أنه يعطى كثيراً من أحكام الأب فى الميراث، إذ هو يرث مع الإبن والبنت كما يرث الأب وهو عصبة عند عدم وجوده، وهو يحجب أولاد الأم بالاتفاق ، فكان الأب فى حجبه أو الأعيان وأولاد العلات كما حجبهم الأب ، لأن الأبهة ثابتة له ، ولا يحجبه سوى الأب لأنه يدلی به . والشافعى يختار الرأى الذى لا تحجب فيه الأخوات الأخوة الأشقاء والأب بالحد ، ويعتبر حجبه أولاد الأم بالنص ، فيقتصر على مورده ، ولأنهم ليسوا مثله فى الإدلاء ، فهم يدلون بالأم ، وهو يدلى بالأب ، وقرابة الأب أقوى . ويستدل الشافعى للرأى الذى اختاره بأن الأخ الشقيق ولأب ، وكذلك الأخت يدلون بما يدلى به الأب ، فطريق قرابتهما واحدة ، ويقول : =. (د) وقول على وكثيرين من الصحابة إنه يرد على أصحاب الفروض ما عدا الزوجين، (اختار ذلك الرأى الحنفية، وحجتهم قوله تعالى. ((وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله)) وهى قد دلت على استحقاقهم للتركة بعمومها، ودلت آيات الفرائض على توزيعها ، فإن بقى شىء بعد توزيع الفرائض أخذه أولو الأرحام بالرد بمقتضى عموم آية الأرحام ، فكان ذلك إعمالا للآيتين ، ولم يرد على الزوجين لانعدام الرحم ، وقد قال سعد النبى صلى الله عليه وسلم عندما أراد الوصية بماله إنه لا يرثنى إلا ابنة أفأوصى بجميع مالى ، ولو كانت البنت لا ترث إلا النصف لبين له النبى صلى الله عليه وسلم، وما تركه فى جهالة . ومعاذ الله أن يفعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك، وأصحاب الفروض شاركوا المسلمين فى الإسلام ، وترجحوا بالقرابة فيقدمون . ولما كانت هذه القرابة جعلت لهم قروضاً مقدرة فأولويتهم على سائر المسلمين بسبقهما يجعل الباقى يوزع عليهم بنسبة هذه الفرائض (راجع شرح السراجية فى باب الرد ) . - ٣٣٢ - أليس إنما يقول الجد أنا أبو أبى الميت ، ويقول الأخ أنا ابن أبى الميت فكلاهما يدلى بقرابة الأب بقدر موقعه منها ، ثم يسير فى قياس عقلى دقيق عميق ، فيقول ، اجعل الأب الميت ، وترك ابنه وأباه كيف يكون ميراثهما منه فإنه يكون للإبن خمسة أسداس وللأب السدس ، وإن ابن الأب الذى جعلناه ميتاً هو الأخ ، والأب هو الجد عندما يكون المتوفى ليس الأب ، بل أحد أبنائه ، فابن الأب الذى يدلى كلاهما به قرابته بالأخ كونه ابنه وقرابته بالجد أنه أبوه ، والإبن مقدم فى الاستحقاق على الأب، إذ يأخذ أكثر منه ، وإذا كان كذلك فقرابة الأخ أقوى من قرابة الجد ، ولو كان أحدهما محجوباً بالآخر لكان يحجب الجد بالأخ لأنه أقوى قرابة للأب الذى يدلى به كلاهما ، ولولا إجماع الصحابة على أنه يرث مع الإخوة لحجبه ، ويقول فى ذلك : كل المختلفين مجتمعون على أن الجد مع الأخ مثله ، أو أكثر حظاً منه ، فلم يكن لى خلافهم ، ولا الذهاب إلى القياس، والقياس مخرج من جميع أقوالهم ، فذهبت إلى إثبات الإخوة مع الجد أولى الأمرين ، مع أن ميراث الإخوة ثابت فى الكتاب ، ولاميراث للجد فى الكتاب ، وميراث الإخوة أثبت فى السنة من ميراث الجد . وبذلك ينته إلى ترجيح رأى من يرون أن الإخوة والأخوات لأب وأم ، أو لأب لايحجبن بالجد ، ولكن يحجب بعضهن بعضاً ، ولا يفضلن على الجد ، وإن كان قياسه يؤديه إلى التفضيل ، ولكنه يترك قياسه ، لمكان الصحابة واتفاقهم على ذلك ، ولذا يقول فى هذا المقام فى الأم : ولو كان ميراثه قياسا جعلناه أبداً مع الواحد وأكثر أقل ميراثا ، قال : فلم لم تقولوا بهذا؟ ، قلنا . لم يتوسع بخلاف ماروينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تخالف بعضهم إلى قول بعض فنكون غير خارجين من أقوالهم . لم يبين الشافعى فى الرسالة رأى من يتبع من الصحابة الذين ورثوا أولاد الأعيان والعلات مع الجد ، أيتبع رأى زيد أم رأى عبد اللّه بن مسعود أم رأى على ، ولكل منهم رأى ، وفى الأم يبين أنه يختار رأى زيد ، - ٣٣٣ - فيقول : إذا ورث الجد مع الإخوة قاسمهم ما كانت المقاسمة خيراً له من الثلث ، فإذا كان الثلث خيراً له منها أعطيه ، وهذا قول زيد بن ثابت ، وعنه قبلنا أكثر الفرائض(١) . (١) راجع الأم الجزء الرابع ص ١١، ولنشر بكلمة إلى اختلاف الصحابة والفقهاء من بعدهم بشأن الجد مع أولاد الأعيان والعلات ( أى الأشقاء ولأب ) . فنقول : قال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير وحذيفة وأبو سعيد الخدرى وأبى ابن كعب ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعرى لا يرثون مع الجد كما أنهم لا يرثون مع الأب ، وهذا قول أبو حنيفة تبعاً لهؤلاء ، وذلك لأن الجد أب عند عدم وجود الأب ، ويطلق عليه اسم الأب لغة، وأحكام فقهية كثيرة تجعله كالأب فى حجب أولاد الأم ، وكالأب فى زواج القاصرين والقاصرات ، وكالأب فى أنه لا يقتل بولد ولده وفى أن حليلة كل من الجانبين تحرم على الآخر وفى عدم قبول الشهادة ، وفى أنه لا يجوز دفع الزكاة إليه ، وفى أنه يتصرف فى المال كالأب من غير حاجة إلى إيصاء ، وإذا كان الجد كالأب فى هذه الأحكام ، ويطلق عليه اسم الأب فهو يرث كالأب عند عدم وجوده ويحجب من يحجب الأب فيحجب أولاد الأعيان والعلات . وقال زيد بن ثابت : الجد لا يحجب أولاد الأعيان ولا العلات بل يقاسمهم للذكر . مثل حظ الأنثيين بشرط ألا يقل عن ثلث الكل ، أو ثلث الباقى على حسب الأحوال ، وخلاصة قوله أنه يقاسمهم عنى أنه أخ ، ويدخل أولاد العلات فى القسمة أولا ثم يستبد أولاد الأعيان بعد إخراج الحد بنصيبه، فإذا كان للميت جد وأخ شقيق وأخ لأب تقسم التركة أثلاثاً يكون للجد الثلث ثم الثلثان يأخذهما الأخ الشقيق والأخوات المنفردات كالإخوة يكن عصبة مع الجد ولا يأخذ أقل من ثلث التركة إذا لم يكن ذو فرض مع الجد والأخوة والأخوات ، وإن كان معهم ذو فرض كان نصيبه الأحظ من ثلاثة ثلث الباقى بعد صاحب الفرض أو السدس أو المقاسمة بالتعصيب ولا يرث الأخوات معه بالفرض إلا فى صورة واحدة وهى عندما يكون الورثة زوجاً وأماً وجداً وأختاً شقيقة أو لأب فيأخذ الزوج النصف وتأخذ الأم الثلث ويأخذ الجد السدس والأخت النصف ثم يقتسمان النصيبين للذكر مثل حظ الأنثيين . وقال ابن مسعود وعلى الجد عصبة مع الإخوة والأخوات ويقدم أولاد الأعيان على العلات ولا يعصب الأخوات منفردات عن الإخوة ولكن ابن مسعود قال : لا يقل عن الثلث وعلى قال لا يقل عن السدس . - ٣٣٤ - ٢٠٥ - هذا هو موقف الشافعى من أقول الصحابة إن وجدهم مجمعين. اعتبر إجماعهم حجة ، وإن وجدهم لأحدهم قولا لا يعلم له مخالفاً اتبعه ، وقل أن يرى ذلك ، وإن وجدهم مختلفين اختار من أقوالهم ما يراه أقرب. إلى الكتاب والسنة وأصح فى القياس ، وذلك ميدان للاجتهاد متسع الآفاق ، ولا يخرج من قولهم إلى أقوال غيرهم . هذا شأن الصحابى فى نظر الشافعى ، فهل التابعى كذلك ؟ لم يذكر ذلك. فى أصوله ، ولم يعرف عنه قول فى ذلك ، ولكنه قد حصر أصول مذهبه فى الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة والقياس ، ولم يذكر أقوال التابعين فى أصول مذهبه ، وإنما يذكر ابن القيم أنه وجد آراء فقهية له اتبع فيها قول بعض التابعين ، وقد قال فى ذلك ابن القيم : وقد صرح الشافعى فى موضع بأنه قاله تقليداً لعطاء ، وهذا من كمال علمه وفقهه رضى الله عنه ، فإنه لم يجد فى المسألة غير قول عطاء ، فكان قوله عنده أقوى ما وجد فى المسألة ، وقال فى موضع آخر ، وهذا يخرج على معنى قول عطاء . وعندى أن هذه العبارة لا تدل على أن الشافعى يرى تقليد التابعى لأنه يجوز أن يكون قد نسب رأيه لعطاء لأنه وافق قياسه ، أو لأنه تنبه إلى وجه القياس فى القضية مسترشداً فى ذلك بسبق عطاء إلى هذا الرأى ، وليس لنا إلا أن نتجه إلى ذلك الاتجاه ، لأنه لما بين مصادر فقهه فى الرسالة لم يذكر من بينها أقوال التابعين ، ولم يجعل لهم من الاعتبار مكان أقوال الصحابة ، ولأنه حصر طرائق الاستدلال فى أكثر من موضع من كتبه ، ولم نعثر فى موضع منها على إشارة أو عبارة تفيد أنه يرى قول. التابعی فی مکان الاعتبار لاےخرج عنه . - ٣٣٥ - الشافعى يفسر الشريعة تفسيراً مادياً على الظاهر لا على الباطن ٢٠٦ - قد تبين لنا مما ذكرناه أن الشافعى رضى الله عنه يستمسك. بالنصوص يفهمها على مقتضى ماتدل عليه فى اللسان العربى ، فإن لم يجد. النص اتجه إلى الإجماع ، وقد تبين أن الإجماع الذى يرتضيه الشافعى حدوده ضيقة ، فإن لم يكن إجماع اتجه إلى أقوال الصحابة ، يتخير منها ما يراه أقرب إلى النص من الكتاب والسنة ، أو أصح فى القياس ، وأن. هذا هو ما هداه إليه الاستقراء العملى ، وإن كانت له فروض نظرية أخرى، فهو يفرض أن الصحابى إن لم يكن له مخالف فى قوله اتبع قوله ، وإن. كان الاستقراء هداه إلى أنه قل أن يكون ذلك ، ويفرض أنه إن اختلف. الصحابة ولم يجد ما يرجح من كتاب أو سنة اتبع قول الأئمة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ، ولكن الاستقراء يهديه إلى أنه قل أن يكون الاختلاف. ولا يجد من الكتاب أو السنة ما يهديه إلى اختيار أحد الأقوال وهكذا ... فإن لم يكن ثمة أقوال الصحابة فى الموضوع يختار من بينها - اتجه إلى القياس، ويعتبر القياس حملا للنص ، واستدلالا به ، فالنص عنده كل شىء . ولذلك نستطيع أن نقول إنه يعتمد فى تفسيره للشريعة ، واستخراج. أحكامها ، والاستدلال بأصولها على فروعها على الظاهر الذى تدل عليه. النصوص ، ولذا رفض الاستحسان ، لأنه يعتمد على ما ينقدح فى نفس. الفقيه ، أو على روح الشريعة ، وذوق الفقيه الذى تربى بالتمرس بالشريعة ، والحذق فيها ، والفهم لأصولها وفرعها ، ومصادرها ومواردها ، ورفضه. الشافعى لأنه لا يعتمد على النص فى عبارته ولا إشارته ، ولإ دلالته ، ولو استعرضنا بعض التعبيرات القانونية لقلنا إن الشافعى يعتمد فى تفسير الشريعة على الناحية المادية ، فهو يأخذ بما تؤدى إليه النصوص وما ترمى، إليه من غير نظر إلى ما سواها . - ٣٣٦ - ولذا قدم كلامه فى إبطال الإستحسان بإثبات أن الشريعة لا تسرى فى أحكام الدنيا إلا على ظاهر الأعمال والأقوال ، وتترك إلى حكم الله وثوابه وعقابه خفايا الضمائر والنيات ، ويقول فى أثناء بيان هذا ، وسرد الآيات الدالة عليه : (( إنه جل وعز ظاهر عليهم الحجج فيما جعل إليهم من الحكم فى الدنيا ، بألا يحكموا إلا بما ظهر من المحكوم عليه ، وألا يجاوزوا أحسن ظاهره . ويقول: بذلك مضت أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين العباد من الحدود ، وجميع الحقوق ، وأعلمهم أن جميع أحكامه على ما يظهر ، وأن اللّه يدين بالسرائر . وبعد أن يسرد الآيات والأحاديث ، والأخبار الدالة على أن الشريعة تسلك فى معاملة الناس مسلك الظاهر يقول بانياً على ذلك : وكل ما وصفت مع ما أنا ذاكر وساكت عنه اكتفاء بما ذكر منه عما لم أذكر من حكم اللّه تعالى، ثم حكم رسوله صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما ، أو مفتياً أن يحكم ، ولا أن يفتى إلا من وجهة خبر لازم ، وذلك الكتاب أو السنة ، أو ماقاله أهل العلم لا يختلفون فيه ، أو قياس على بعض هذا ، ولا يجوز أن يحكم ، ولايفتى بالاستحسان ، إذا لم يكن الاستحسان واجباً ، ولا فى واحد من هذه المعانى (١) . ونرى من هذا أنه يبنى حكمه بقصر مصادر الأحكام الشرعية على الكتاب والسنة والإجماع، وأقوال الصحابة ، والقياس على النصوص على حكم عام ، وهو أن الشريعة تبنى على الظاهر ، وأنه يجب ألا يتجاوز فى تفسيرها حكم النص ، وما تدل عليه ، وما ترمى إليه ، وأن من سلك بها غير ذلك المسلك ، فقد تجانف عن منطقها ، وهو الاعتبار الظاهرى فى أحكام الدنيا . (١) جاء فى القاموس فى مادة (زكن) كفرح، وأزكنه علمه، وفهمه وتفرسه وظنه». والإزكان أن نفهم شيئاً بالظن والإسم والزكان . - ٣٣٧ - ٢٠٧ - إنه يقرر أن الشريعة لاتنفذ إلا حسب الظاهر ؛ ولا يتجه أولياء الأمر فى تطبيقها إلى الباطن ، ويتجاوزون الظاهر ، فليس للحاكم أن يتكشف نيات الناس ، وخفايا نفوسهم ، ومكنونات قلوبهم . ولكن عليه فقط أن يتعرف ظاهرهم ، وما تقوم عليه الشواهد من حالهم غير متجسس عليهم ، ولذا يقول فى ذلك : الأحكام على الظاهر ، واللّه ولى الغيب ، من حكم على الناس بالإز كان جعل لنفسه ما حظر اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل، إنما يتولى الثواب والعقاب على ( المغيب . لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه ، وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر ، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك الرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وما وصفت من هذا يدخل فى جميع العلم. فإن قال قائل ما دل على ما وصفت من أنه لا يحكم بالباطن ، قيل فى كتاب الله تبارك وتعالى، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله تبارك وتعالى بشأن المنافقين، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((إذا - جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله »، وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتناكحون، ويتوارثون ، ويقسم لهم إذا حضروا القسمة ، ويحكم لهم بأحكام المسلمين ، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن كفرهم ، وأخبر رسول الله صلى عليه وسلم أنهم اتخذوا أيمانهم جنة من القتل بإظهار الإيمان على الإيمان . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن محارم الله تعالى، فمن أصاب منكم من هذه القاذورات شيئاً، ( فليستتر اللّه فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) فأخبرهم أنه لا يكشفهم عما لا يبدو من أنفسهم . ولقد أكثر الشافعى من ذكر ظاهرية الشريعة ، وأن أحكامها تناط بما يظهر من تصرفات ، ويضرب فى ذلك الأمثال من معاملة النبى صلى الله عليه وسلم للمنافقين ، ومن معاملة الإسلام للأعراب الذين قالوا أسلمنا ولم (م ٢٢ - الشافعى ) - ٣٣٨ - تؤمن قلوبهم ، وبنى على ذلك كما بينا ، وكما ذكر هو - إبطال الاستحسان .. والأخذ بروح الشريعة ، لابنصوصها ، أو الاعتماد على نصوصها . ٢٠٨ - وبنى عليها أيضاً أن أحكام الشريعة لاتناط بأسباب قد تخفى، ويخطىء فيها الحدس والتخمين أو يصيب . ويستنبط من حكم الله باللعان بين الرجل وزوجه إذا رماها بالزنى ، ولم يأت بأربعة شهداء - أن الأحكام فى عمومها واضطرادها ، تناط بأمر. عام ظاهر ، لا بأمر خفى باطن ، وقد يكشف ، وربما لا يكشف ، ذلك أن. رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرمى امرأته بأنها حملت من الزنى ، وعين من يتهمها به، ورآه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ((إنجاءت به أحمر قصيراً كأنه وحرة ، فلا أحسبه إلا كذب عليها ، وإن جاءت به أسحم أعين ذا إليتين فلا أحسبه إلا قد صدق)) (١). فجاءت به الأمر المكروه ، وهو الأخير ، أى أنها جاءت به على أوصاف من اتهمت به . لا على أوصاف زوجها، ونزلت آية اللعان وهى قوله تعالى: (( والذين يرمون أزواجهم ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن عضب الله عليها إن كان من الصادقين)) ولقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية بحكم الله، وهو اللعان . وروى عنه صلى الله. عليه وسلم: ((أنه قال إن أمره لبين لولا حكم الله)) وقال صلى اللّه عليه. وسلم أيضاً فى هذا المقام: ((إن أحد كما كاذب))، فكان هذا دليلا على. أن الشريعة لا تحكم إلا بالظاهر ، كما استنبط الشافعى . وفى الحق إن المسألة إحدى جريمتين لامحالة : إحداهما: جريمة الزنى، إن صدق الزوج ، والثانية : جريمة القذف إن لم يتبين صدق الزوج، وأنهما إذا تحالفا قد أضاف مرتكب الجريمة إلى جريمته جريمة أخرى وهى الحلف (١) الوحرة القصيرة من الإبل أو المرأة الحمراء القصيرة . والأسحم والأسود والأعين واسع العينين مع عظم سوادهما . - ٣٣٩ - الكاذب ، فكان باللعان جريمة ثالثة ، ومع أن الأمارات لدى النبى صلى الله عليه وسلم تبين له الصادق من الكاذب ، ومع أنه صرح بأن أحدهما كاذب لا محالة ، ومع أنه رأى أن الأمر بين ، قضى بما حكم الله تعالى، ولم يسر وراء الأمور الخفية البعيدة عن الحس ، لأنها تخطىء وتصيب ، وخطؤها قد يصيب الأبرياء بمظالم إن أخذ بها ، ولذلك الاحتمال شاهد من السنة ، فقد جاء رجل من بنى فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتى ولدت غلاما أسود ، فجعل يعرض بالقذف ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال : ما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : فهل فيها من أوراق ؟ قال : نعم ، قال : فأنى أتاه . قال : لعله نزعه عرق . قال : ولعل هذا نزعه عرق )). ولقد قال الشافعى فى حكم اللعان مستد لا على ظاهرية الشريعة مانصه : فى انتظار رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى فى المتلاعنين جاءه فلاعن ، ثم سن الفرقة ، وسن نفى الولد . ولم يرد الصداق على الزوج، وقد طلبه - دلالة على أن سنته لا تعدو واحداً من الوجوه التى ذهب إليها أهل العلم بأنها تبين عن كتاب الله ، إما برسالة من اللّه ، أو إلهام منه ، وإما بأمر جعله الله إليه لموضعه الذى وضعه من دينه ، وبيان لأمور : منها أن الله سبحانه تعالى أمره أن يحكم على الظاهر، ولا يقيم حداً بين اثنين إلا به ، لأن الظاهر يشبه الاعتراف من المقام عليه الحد أو بينة ، ولا يستعمل على أحد فى حد ، ولا حق وجب عليه دلالة على كذبه ، ولا يعطى أحداً بدلالة على صدقه ، حتى تكون الدلالة من الظاهر العام لا من الخاص (١). (١) لعل مراد الشافعى بهذه العبارة ، أنه لا يؤخذ بدلالة على الصدق ، أو على الكذب إلا إذا كانت هذه الدلالة تطرد فى الإثبات بأن يكون الغالب الشائع فى جنسها إثبات ما عليه ، لا أن تكون تلك الدلالة تدل فى بعض الأحوال دون بعضها الآخر فهى قد تكون دالة على الصدق أو الكذب فى أحوال خاصة، وإذا كانت كذلك لا تكون لها صفة العموم فلا يقوم بها إثبات لأن الشك حينئذ يعرض إلى دلالتها ولأن البحث فيها بحث فى أمر خفى، ولأن الشافعى يريد أن يفيد الحكام والمفتين دائماً بالظاهر المطرد لا بالخفى ولا بغير المطرد . - ٣٤٠ - فإذا كان هذا هكذا فى أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من بعده من الولاة أولى ألا يستعمل دلالة ، ولا يقضى إلا بظاهر أبداً ، فإن قال قائل ما دل على هذا . قلنا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المتلاعنين: ((أحدكما كاذب)) فحكم على الصادق والكاذب حكما واحداً أن أخرجهما من الحد ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن جاءت به أحيمر أراه إلا قد كذب عليها ، وإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق )) فجاءت به على النعت المكروه ، وقال رسول الله صلى عليه وسلم: (( إن أمره لبين لولا حكم الله))، فأخبره أن صدق الزوج على الملتعنة بدلالة على صدقه أو كذبه بصفتين ، فجاءت دلالة على صدقة ، فلم يستعمل عليها الدلالة ، وأنفذ عليها ظاهر حكم الله تعالى ، من إدراء الحدود وإعطائها الصداق مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمره لبين لولا حكم الله)). وخلاصة هذا أن الشارع ينوط الأحكام بأمور ظاهرة عامة ، لا بأمور خفية قد تخص ، ولا تعم . ٢٠٩ - وليس المراد من الأخذ بالظاهر، وأن أحكام الشريعة تناط بالظاهر أن يتبع كل ظاهر ، ولو كان يقبل التخلف ، بل المراد أن تناط أحكام الشريعة بأمور لاتحتاج فى تعرفها واستنباطها إلى الحدس والتخمين والظن بأن ترد إلى أمور منضبطة مضطردة مستقيمة معروفة ، ولو عارضتها دلالات ظاهرة ، ولكنها تخص ولا تعم . ولقد أحصى العز بن عبد السلام فى قواعده طائفة من المسائل أخذ فيها الشافعى بالأصول المطردة البينة ، وإن عارضتها دلالات ظاهرة ، غير مطردة ، ومن ذلك : (١) إذا ادعى البر التقى الصدوق الموثوق بعدالته وصدقه على الفاجر المعروف بغصب الأموال وإنكارها أنه غصبه درهماً واحداً ، وأنكر المدعى عليه ، فالقول قول المدعى عليه ، مع ظهور صدق المدعى ، وبعد