Indexed OCR Text
Pages 281-300
- ٢٨١ - أقسام ينطبق عليه ذلك التعريف انطباقاً تاماً ، ولذلك كان القياس عند. الشافعى ، وهو القياس الذى عرفه الأصوليون من بعده ذلك التعريف .. ١٧٨ - ولنلخص الآن ما قاله فى القياس : لقد ابتدأ الشافعى الكلام فى القياس بمقدمتين ممهدتين: المقدمة الأولى : أن كل ما يكون من أحداث ونوازل ، ففيه حكم. للإسلام ، إذ أن الشريعة عامة تعم الأحداث جميعاً بالحكم عليها بكونها خبراً أو شراً محظورة أو مباحة ، يقرها الشارع ، ويرتب عليها أحكاماً ، أو لا يقرها ولا يرتب عليها أحكاماً . وإذا كان للشارع حكم فى كل قضية. وحادثة ، أو نازلة ، فلا بد إنه قد نبه إلى بيان ذلك الحكم ، إما بنص عليه ، أو بإشارة إليه ، أو بدلالة تدل الطالب له وتهديه إلى معرفته ، إذا تحرى أن. يعرف ، وإن معرفة الأحكام من دلالاتها يكون بالاجتهاد والاستنباط وإلحاق الأشباه بأشباهها ، والأمثال بأمثالها ، فهو لا محالة سائر إلى. القياس ، وهذا معنى قول الشافعى رضى الله عنه : كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم وعلى سبيل الحق فيه دلالة موجود ، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم اتباعه ، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه. بالاجتهاد ، والاجتهاد بالقياس)) فبيان الشارع على طريقة الشافعى قسمان : بيانه بالنص على الحكم ، والواجب فيه الاتباع بعد تعرف مرماه وغايته. وعامه ، وخاصه ، بأساليب البيان . والقسم الثانى : بيان بطريق الدلالات والأمارات التى نصبها اللّه هادية. للعقول ، ومرشدة للفكر ، وهذا يجتهد فى تعرفه المجتهد بما أودعه الله نفسه من عقل ، والاجتهاد عند الشافعى فى غير المنصوص ، وغير المجمع عليه ، يكون بالقياس ، حتى لقد ساغ له أن يقول إن الاجتهاد هو القياس . المقدمة الثانية : هى أن العلم بأحكام الشرع قسمان : علم إحاطة يتناول الظاهر والباطن ، فالعلم به يعلم أنه الحق فيما ظهر وفيما بطن ، وهذا علم يقينى. - ٢٨٢ - "لا يسع أحداً أن يشك فيه، والقسم الثانى علم فى الظاهر، والحقيقة التى اختص الله بعلمها مغيبة عنه لا يسعه أن يعلمها على التحقيق ، وهذا علم يكون على طريق الترجيح والظن لا على طريق الجزم والقطع الذى لا يعتريه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، العلم بالأحكام على النحو الأول يكون باثنين بنص الكتاب ، وبنص السنة المتواترة ، أو كما قال الشافعى التى نقلها العامة : فهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحل أنه حلال ، وفيما حرم ( أنه حرام، وهو الذى لا يسع أحداً جهله ، ولا يشك فيه (١). والعلم الذى يكون فى الظاهر والباطن والحقيقة أمور مغيبة عنه يكون بأحاديث الآحاد أو خبر الخاصة كما يعبر الشافعى ، والإجماع، والقياس ، فالعلم بهذه الأمور الثلاثة علم بالظاهر ، وليس للعالم به أن يدعى أن علمه هو الواقع ونفس الأمر ، والحقيقة التى يعلمها الله سبحانه وتعالى، ولكنه يعمل به على أساس أنه العلم الذى أوصلته الأسباب التى هى فى قدرته إليه ، وليس عليه أن يتكلف ما ليس فى مقدوره ومستطاعه . وأكثر الأقضية بسير على ذلك النحو من العلم ، فالقاضى قد يقتل المتهم بشهادة الشهود ، والأمارات الدالة على صدقهم ، وقد يكونون كاذبين مخطئ بن، ولكنه يعمل بما يظهر له ، ويترك لله ما بطن ، فالمجتهدون فى استخراج الأحكام من دلائلها مكلفون العمل بما تؤدى إليهم الأسباب فيما يظهر لهم ، وليس عليهم إثم ما غيب عنهم ، والمكلفون يؤدون ما يكلفون فى الظاهر الذى يوصلهم إليه طريق علمهم ، وإن لم يكن هو الحقيقة المغيبة عنهم ، فمن تزوج امرأة على أنها حلال له ، ثم تبين أنها أخته من الرضاع بعد أن دخل بها لا يعد آثماً فيما بينه وبين اللّه لأنه ما كان يعلم ، ولم يؤده تحريه إلى ما غاب عنه ، حتى إذا انكشف له المجهول فسخ العقد ، ونيط بالظاهر حكم ، وبالباطن حكم ، فأثبت الظاهر النسب ، والعدة ، والمهر ، (١) الرسالة ص ٤٨٢ . - ٢٨٣ - ولما كان العقد فى حقيقة الأمر باطلا ، وإن كان لا يعلم مدة طويلة لم يثبت توارث وهكذا . ولقد أخذ الشافعى يضرب الأمثال على ما يختلف فيه الباطن عما أدى إليه طريق العلم الظاهر ، نذكر منها واحداً يشير إلى سائرها ، فإذا جاءرجل معلناً إسلامه ولم تظهر عليه أمارات تكشف عن إبطانه غير الإسلام سرنا فى معاملته على أساس ما ظهر لنا منه ، فنناكحه ونوارثه على ما يظهر لنامن إسلامه ، وقد يكون غير مسلم فى الباطن ، ولا نعلم ، ولكن من علم أنه غير مسلم ، وبدت له منه أمارات ، أو سمع منه أقوالا تبين له على التحقيق باطنه ، فهو يعامله على أساس ما علم ، فلا يناكحه ولا يوارثه ، فقد وجد فى رجل واحد حكمان مختلفان بالنسبة لشخصين ، وكلاهما يعمل على مقتضى ما يوصله علمه ، وهكذا . ١٧٩ - القياس إذن يؤدى إلى العلم الظاهر، ولا يتغلغل إلى كشف الباطن ، لأنه من طريق العلم الثلاثة التى لا تنتج إلا علماً فى الظاهر، ولا تنتج علم إحاطة بالظاهر والباطن ، وكل مجتهد يأخذ بما يؤدى إليه ظاهر العلم الذى وصل إليه ، وإذا كان القياس لا يؤدى إلا علم الظاهر ، لا علم الإحاطة ، فقد يختلف المجتهدون فى المسألة الواحدة ، فيوصل القياس الواحد منهم إلى نتيجة غير التى يؤدى إليها قياس الآخر كقاضيين أحدهما يقبل شهادة شاهد ، لأنه رأى الأغلب من أمره ظاهر الخير ، وإن كان فيه تقصير فى بعض أمره ، لأنه لا يعرى أحد رأيناه من الذنوب (١) ويرفض شهادته الآخر فى مثل ما أخذ بشهادته القاضى الأول ، لأنه رأى فيه غير ما رأى الأول ، وإذا كان حال المجتهدين كذلك فلابد أن يختلفوا فى حكم الأمر الواحد كما بينا، وكل قد فعل ما وجب عليه ، وأخذ بما انتهى إليه، والقياس وإن أدى إلى هذه النتيجة أمر جائز ، بل مطلوب ، فلقد روى عن عمرو (١) الرسالة ص ٤٨٢. - ٢٨٤ - ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا حكم الحاكم، فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ؛ ثم أخطأ فله أجر (١) ، فهذا الحديث يدل على أن القياس ، وهو الاجتهاد فى نظر الشافعى أمر مطلوب مع ما يؤدى من علم ظاهر قد تختلف فيه الأفكار . واستنبط الشافعى من الحديث الدلالة على طلب الاجتهاد الذى هو القياس عنده ، بأن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يثاب على أحدهما أكثر مما يثاب على الآخر ، ولا يكون الثواب فيما لا يسمح ولا الثواب فى الخطأ الذى رفع إنمة (٢) وإذا كان الخطأ فى هذا المقام موضع المثوبة ، لاموضع مغفرة فقط ، فالاجتهاد مطلوب مع جواز الخطأ بهذا الحديث ، والحديث يدلنا هنا على أمر آخر ، وهو أن المجتهد إنما كلف فى الحكم الاجتهاد على الظاهر . ١٨٠ - والقياس لا يكون إلا بالبناء على عين قائمة ، وذلك لأن تعرف الحكم فى الشرع يكون بطلبه من الكتاب والسنة ، والنص فيهما هو العين القائمة التى بنى عليها الحكم ، لم يكن نص أخذ الحكم بتشبيه على عين قائمة أى بتشبيه الأمر غير المنصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه ، إذا اشتركت علة الحكم فيهما ؛ وذلك بأن يتعرف المعنى فى النص، وتتحرى العلة فى الحكم ، فإذا تبين أنها ثابتة فى غير المنصوص على حكمه ثبت الحكم فيه بالقياس ، وهذا قول الشافعى ، والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى معناه المجتهد ليصيبه (٣) . فالشافعى إذ يعتبر القياس حملا على نص يعتبره اتباعاً للنص ، ولا يكون انطلاقاً من قيوده ؛ ولذا يقول : إنما كان لأهل العلم أن يقولوا دون غيرهم. فى الخبر باتباعه فيما ليس فيه الخبر - بالقياس على الخبر . (١) الرسالة ص ٩٤٣. ( ٢) الرسالة ص ٤٩٦ و ٤٩٧ . (٣) الرسالة ص ٥٠٤ ومعنى يتأخى يتحرى. - ٢٨٥ - وإنه يمنع الاجتهاد بالرأى إذا لم يكن نص من كتاب أو سنة يقيس عليه ، فالقول بغير خبر ولا قياس على الخبر غير جائز . ويستدل على ذلك بأن أمر الشارع بالاجتهاد يكون بدلائل تدل على الحق فى الأمر ، لأن الاجتهاد لا يكون إلا طلباً لمعنى معين ، والطلب يجب أن يكون بدلائل تدل عليه وأمارات ترشد إليه ، وذلك يكون بتحری المعانى فى النصوص ليضم الأمر إلى أشبه الأمور به وأقربه إليها ، وذلك هو القياس ، وهذا معنى قول الشافعى : ذا أمرإ النبى صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد ، فالاجتهاد لا يكون إلا على طلب شىء ، وطلب الشىء لا يكون إلا بدلائل ، والدلائل هى القياس .. ألا ترى أن أهل العلم إذا أصاب رجل لرجل عبداً لم يقولوا لرجل أقم عبداً ولا أمة إلا وهو خابر بالسوق ليقيم بمعنيين بما يخبر ، كم ثمن مثله فى يومه ، ولا يكون ذلك إلا بأن يعتبر عليه بغيره ، ولا يقال لصاحب سلعة إلا وهو خابر ، ولا يجوز أن يقال لفقيه غير عالم بقيم الرقيق : أقم هذا العبد ، ولا هذه الأمة ، ولا إجازة هذا العامل ، لأنه إذا أقامه على غير مثال بدلالة على قيمته كان متعسفاً ، فإذا كان هذا هكذا فيما تقل قيمته من المال وتيسر الخطأ به على المقام له ، والمقام عليه ، كان حلال اللّه وحرامه أولى ألا يقال فيهما بالتعسف والاستحسان (١) . وهكذا ينتهى الشافعى إلى أن المسلك الذى يجب أن يسلكه الفقيه فى الاجتهاد برأيه هو القياس وحده ، وذلك لتكر الدلالة من النص - بالحكم فهو لا يرى معتمداً فى الشرع إلا على النص ، فإن لم يكن بظاهره الدلالة المستنبطة منه ، وذلك باستخراج المعانى من ا صوص ، وتعرف عللها ، ثم بالحكم بمثل ما نصت عليه فى كل ما يشترك مع المنصوص فى علة الحكم ، فجهة العلم فى الفقه هو النص القرآنى ، أو النبوى بألفاظه ، أو بالحمل عليه بالقياس ، ومن قال بلا خبر لازم ، ولا قياس على الخبر كان أقرب إلى الإثم . (١) الرسالة ص ٥٠٦ و ٥٠٧ ومعنى ليقيم بمعنيين: يقوم ملاحظا معنيين أى ملاحظا ذاته وملاحظا مثله ليمكن القياس . 1 - ٢٨٦ - ١٨١ - لا بد فى الاجتهاد عند عدم وجود نص يدل بألفاظ على الحكم من القياس ، بتحرى معانى النصوص وعللها ، ثم إلحاقه بما يشبهها . والذى يستنبط من كلام الشافعى فى الرسالة وغيرها أنه يقسم القياس بالنسبة لوضوح العلة وخفائها ، ومقدار توافرها فى الأمر غير المنصوص عليه إلى ثلاثة أقسام : أولها : أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل كحرمة ضرب الأبوين المستفادة من قوله تعالى: ((ولا تقل لهما أف)) فإنه إذا كان فول (((أف)) منهياً عنه فأولى بالنهى الضرب . وثانيها : أن يكون الفرع مساوياً للأصل لا يزيد عليه ولا ينقص عنه فى الرتبة ، كقوله تعالى: ((فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب )) فإن العبد يقاس على الأمة فى هذا التنصيف إن ارتكب ما يوجب الحد بالجلد . وثالثها : أن يكون الفرع أضعف فى علة الحكم من الأصل . ولنخص كل قسم من هذه الأقسام بكلمة ، مبينين العبارات التى قالها الشافعى فى كل قسم : لقد ذكر الشافعى أن القياس مراتب ، ويعد القسم الأول أقوى القياس ويقول فيه : أقوى القياس أن يحرم الله فى كتابه ، أو يحرم رسول الله القليل من الشىء ، فيعلم أن قليله إذا حرم كان كثيره مثل قليله فى التحريم أو أكثر بفضل الكثرة على القلة ، وكذلك إذا حمد على يسير من الطاعة كان ما هو أكثر منه أولى أن يحمد عليه ، وكذلك إذا أباح كثير شىء كان الأقل منه أولى أن يكون مباحاً ، ويضرب لذلك ثلاثة أمثلة : أحدهما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم من المؤمن دمه وماله، وأن يظن به إلا خيراً)) وإذا كان ظن غير الخير بالمؤمن حراماً ، فأولى بالحرمة أن يقول فيه قولا صريحاً شراً بغير الحق ، بل إن ذلك أشد تحريماً . - ٢٨٧ - ( ثانيها) قوله اللّه تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل. مثقال ذرة شراً يره )) فإذا كان ما هو مثقال ذرة من خير يكافأ عليه وبحمد ، وما هو مثقال ذرة شراً بمثم به ويعاقب، فما هو أكثر من الذرة. أكثر حمداً ، وأشد إثماً . ( المثال الثالث ) أن الله سبحانه وتعالى أباح لنا دماء المقاتلين غير المعاهدين ، وأموالهم لم يحظر علينا منها شيئاً ، فكان ما ينال من أبدانهم. بما دون القتل وبعض أموالهم أولى بالإباحة . أما القسم الثانى فلم يصرح به الشافعى فى الرسالة ، وإن كان قد أشار إليه فى بعض قوله ، ولكن نقله عنه الفخر الرازى ، وذكر المثال له وهو قياس العبد على الأمة فيما نص عليه بالنسبة لها من تنصيف العقوبة إن فعلت. ما يوجب الحد ، إذ يكون نصف ما على الحرة من العذاب . أما إشارة الشافعى إلى ذلك القسم فى الرسالة فقد كانت عندما ذكر أن بعض العلماء لا يعد من القياس ، ما كان فى معنى الحلال فأحل ، والحرام. فحرم ، فهذا التعبير بلا ريب ذكر بطريق الإشارة للقسم الذى تساوى فيه الفرع مع الأصل فى علة الحكم ، وظهر ذلك التساوى ، حتى كان واضحاً وضوح النص إلى درجة أن عده بعض العلماء ليس من القياس ، بل من. النص ، وهذا بلا ريب غير القسم الأول ، لأن القسم الأول كان المعنى فى الفرع أقوى من الأصل . أما القسم الثالث : وهو الذى يكون الفرع أضعف من الأصل ، فقد. نقله الفخر الرازى عنه ، وقال: إنه يقسمه إلى قسمين: أحدهما قياس المعنى وهو أن يستنبط علة الحكم فى محل الوفاق ، ثم يستدل بحصوله فى الفرع على حصول ذلك المعنى فيه ، والثانى ألا يستنبط المعنى البتة ، ولكن يرى صورة واقعة بين صورتين مختلفتين فى الحكم ، والصورة المتوسطة تكون. مشابهتها لإحدى الصورتين أكثر من مشابهتها الأخرى ، فكثرة المشابهة. - ٢٨٨ - توجب إلحاقها بتلك الصورة وهو قياس الشبه (١). ولقد رجعنا إلى الرسالة ، فوجدنا الشافعى يذكر هذين الوجهين فى صدر كتاب القياس ، إذا يقول : والقياس من وجهين أحدهما أن يكون الشىء فى معنى الأصل فلا يختلف القياس فيه ، وأن يكون الشىء له فى الأصول أشباه ، فذلك يلحق بأولاها به ، وأكثرها شبهاً فيه ، وقد يختلف القائسون فى هذا(٢). ولكنه إذ يذكر القسم الأول يذكر أنه لا يختلف فيه : القائسون فيدخل فى ظاهر العبارة الأقسام الثلاثة: وهى قياس الأولى . وقياس التساوى ، وقياس الأضعف ، ودخول القسمين الأولين أوضح وأبين لأنهما الجديران بألا يختلف فيهما القائسون ، ولا تتضارب بشأنهما أقوال المجتهدين. ولذلك نحن نرى أن تقسيم الفخر الرازى الآخر لا يتفق تمام الاتفاق مع ما يشير إليه كلام الشافعى فى جملته فى الرسالة ، إذ أن جملة كلامه ترمى إلى القسم الثالث وهو الذى يكون فيه الفرع أضعف من الأصل هو الذى يكون له عدة أشباه ، فيلحق بأقربها ، وذلك هو المعقول ، لأن ضعف الفرع عن الأصل فى علة الحكم إنما يكون إذا كانت هناك عدة صور تنازع الأصل فى إلحاق الفرع به ، فيكون ذلك ضعفاً فى المعنى الجامع بينهما، أما إذا تعين المعنى الثابت فى الأصل ، ولم يوجد وجه شبه آخر بين الفرع وأصل آخر ، فالشبه حينئذ قوى ، والمعنى ثابت فيه ، وإن كان استخراجه يعسر أحيانا ، ولنا دليل على أن الشافعى لم يعتبر الضعف إلا فى هذا القياس وذلك الدليل يقوم على أمرين ( أحدهما ) أنه ذكر أن قياس الشبه هو الذى يجرى فيه الخلاف بين القائسين ، أما قياس المعنى فلا يجرى الخلاف فيه بين القائسين ، وذلك بلا ريب يشير إلى قوة الأول فى كل صورة ، وضعف الثانى فى كل صورة ، وقد نوهنا إلى ذلك من قبل ، (وثانيهما) أن الشافعى يذكر أن بعض العلماء يمتنع أن يسمى القياس إلا ما كان يحتمل أن يشبه بما احتمل أن يكون فيه شبه من معنيين مختلفين فصرفه على أن يقيسه على (١) مناقب الشافعى الرازى ص ٩٩ . (٢) الرسالة ص ٤٧٩ . - ٢٨٩ - أحدهما دون الآخر أما القسمان الآخران وهما اللذان يكون الفرع أولى أو مساوياً ، فلا يسميان قياساً عند ذلك البعض ، ويحترم الشافعى قوله، وبذ کر أن له وجهاً ، وما كان ذلك إلا لأنه يرى أن قياس المعنى لا يكون فيه الفرع أضعف من الأصل ، وإلا ما اعتبرت الدلالة قوية إلى درجة النص . لهذا كله نحن نميل إلى أن الشافعى لايعتبر القياس الضعيف إلا فیقیاس الشبه ، وهو الذى تكون المشابهة بين الفرع وبين عدة أمور منصوص .عليها ، فيلحق بأقربها شبهاً به ، وأدناها إليه . ١٨٢ - يضرب الشافعى الأمثال ونحن نذكر بعضها . فمنها : (١) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى عبد دلس للمبتاع بعيب ، فظهر عليه بعدما استغله - بأن للمبتاع رده بالعيب ، وله حبس الغلة لضمان العين ، فالحديث قضى بأن الغلة ما دامت قد حدثت فى ضمان المشترى ، ولم يكن لها جزء مقابل من الثمن فهى ملك له ، فقاس الشافعى على هذه الزيادة غير المتولدة كل زيادة متولدة ، فثمر النخل ولين الماشية وصوفها ونتاجها كل هذا يكون ملكاً للمشترى إذا حدث بعد البيع وقبل الفسخ ، لأنه حدث فى ضمانه فيكون ملكه بالضمان . وقد خالف الشافعى بعض الفقهاء فقالوا إن الزيادة المتولدة لا تقاس على الزيادة التى تعد كسباً وخراجاً، والحديث يقول ((الخراج بالضمان)) والمتولدة ، لأنها ناشئة من نفس المبيع ألحقت بها إذ ليست خراجاً ، ولكن الشافعى رد ذلك القول بأنه لو كانت المتولدة تلحق بالعين لاقتضى ذلك أن يكون ما يوهب للعبد ملكاً للبائع ، لأنه ليس خراجاً ، ولكنهم يقولون إنه يكون ملكاً للمشترى بناء على قاعدة الخراج بالضمان (١) . (١) مذهب الحنفية غير مذهب الشافعى ، إذ مذهبهم أن كسب المبيع وما يوهب له وما يتصدق به ملك للمشترى ، ولا يمنع الفسخ للعيب ، والزيادة المتولدة متصلة ومنفصلة تمنع الفسخ ، ويضمن البائع النقصان . ( م ١٩ - الشافعى ) - ٢٩٠ - والخلاصة أن المسألة بتنازعها شبهان ، أحدهما تشبيه الزيادة المتولدة بالكسب فتكون لمن حدثت فى ملكه وهو المشترى ، وثانيهما إلحاقها بالعين ، لأن الحديث يقول الخراج بالضمان ، وليست خراجاً ، وقدرجح الشافعى الأول دون الثانى ، فذكر فى ترجيحه أن علية الملكية للكسب. هو کونه حدث فى ملكه ، فكل ما حدث فى ملكه تثبت ملکیته فيه ، ولا تزول عنه ، ويقول فى ذلك : سواء ذلك كله ، لأنه حادث فى ملك المشترى ، لا يستقيم إلا هذا أو لا يكون لمالك العبد المشترى شىء إلا فى الخراج والخدمة ، ولا يكون ما وهب للعبد ، ولا ما التقط ، ولا غير ذلك. من شىء أفاد من كنز ولا غيره إلا الخراج والخدمة ولا ثمر النخل ولا لبن الماشية . ويقول غيره الزيادة تتبع العين فى الملكية فى الحال والمآل ، وتستحق أن تعود إلى البائع إذا عادت العين . (ب) نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير ، إلا مثلا بمثل ، ويداً بيد)) وهذا حديث صحيح تعرف الشافعى منه علة التحريم ، ليقيس على هذه الأمور المنصوصة غيرها مما لم ينص عليه ، فاستنبط من تحريم هذه الأصناف ، وما اختصت. به وما جرى الناس فى التعامل بها - أن علة تحريم الذهب بالذهب إلا مثلا يمثل ويداً بيد ثمنيته أى كونه مقوم الأشياء ، وعلة تحريم بقية الأصناف كونها مطعوماً للناس ، فالعلة حينئذ هى الثمنية فى الذهب واتحاد الجنس. أن بيع الذهب بذهب وكونها مطعومًاً فى الباقى مع اتحاد الجنس ، فإن توافر الجزءان حرم التأجيل فى أحد العوضين ، وحرم التفاضل أى زيادة أحدهما ، وإن وجد جزء العلة ، الثمنية أو كونه مطعوماً من غير اتحاد الجنس حل التفاضل ، وحرم التأجيل فى أحد العوضين ، ولم يجعل الشافعى التقدير بالكيل أو الوزن جزءاً من العلة لأنه لو جعله كذلك ما جاز بيع - ٢٩١ - العسل والسمن - وهما موزونان بالدراهم والدنانير - إلى أجل قياساً على عدم جواز بيع الذهب بالفضة إلى أجل ، وقد اتفق العلماء على صحة الأجل فى البيع الأول دون الثانى، وعلى ذلك لا يصلح التقدير علة للتحريم ولاجزء علة له(١) . (١) هذا الموضوع هو ربا البيوع ، وذلك لأن الربا نوعان: أحدهما : ربا الجاهلية ، وهو الشائع فى هذه الأيام ، وذلك أنهم كانوا يقترضون بالزيادة وينظرون ، فكانوا يقولون أنظرنى أزدك ، هذا هو الذى عناه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ، وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبداً به ربا عمى العباس بن عبد المطلب، ويسمى ربا النسيئة ، وقد قصر ابن عباس الربا المحرم عليه وتبعه بعض العلماء ، وقد روى عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ((لاربا إلا فى النسيئة)). ثانيهما : الربا الذى يكون فى البيوع، وقد ثبت بحديث عبادة إذ قال: ((سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، - والشعير بالشعير والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، إلا سواء بسواء ، عينا بعين ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، وقد اختلف العلماء بالنسبة لهذا الحديث ، فقال أهل الظاهر . ومن نفوا قياس الشبه إن التحريم مقصور على هذه الأصناف ، وقال أبو حنيفة وأصحابه علة التحريم الكاملة التقدير بالكيل أو الوزن ، واتحاد الجنس ، فإن توافرت حرم التفاضل ، وهو ربا الفضل وتأجيل أحد العوضين وهو ربا النساء . وإن وجد التقدير فقط بأن اتحد الكيل أو الوزن ولم يتحد الجنس حرم النساء ، وحل التفاضل إلا إذا جرى العرف بحل النساء كبيع الحديد أو النحاس بالذهب والفضة . وقال حذاق المالكية إن العلة فى منع التفاضل فى الذهب والفضة كونهما رؤوس الأثمان وقيم السلع مع اتحاد الصنفين ، والعلة فيما عدا الذهب والفضة هو الطعم والادخار مع اتحاد الجنس ، والعلة النساء هو فى الذهب والفضة الثمنية مع اختلاف الجنس ، وفى غيرهما الطعم والادخار مع اختلاف الجنس ، وهكذا ترى مذهب أبى حنيفة فى جانب، ومذهب مالك والشافعى فى جانب آخر ، اتفقا فى كون الطعم علة، واختلفا فى شرط الادخار . أثبته مالك دون الشافعى. - ٢٩٢ - .(حـ) قال الله تعالى: ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)). وقال تعالى: ((وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ، فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتييم بالمعروف )) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هنداً بنت عتبة أن تأخد من مال أبى سفيان زوجها لولدها وهم ولده بالمعروف ، فدل كتاب الله ، وسنة نبيه على أن على الوالد أجرة رضاع ولده ونفقتهم صغاراً ، والعلة فى هذا الوجوب هو العلاقة التى تربط الولد بأبيه ، ولما أوجبت هذه العلاقة الإنفاق على الولد فى الحال التى لايستطيع الإنفاق على نفسه فيها فهى أيضاً توجب على الولد أن ينفق على أبيه إذا بلغ الأب ألا يغنى نفسه بكسبه ، وليس له مال ، وبمثل هذا يقضى للوالدين ، وإن بعدوا ، وللأولاد وإن سفلوا ، لأن العلاقة واحدة ، وهى الجزئية أو قرابة الولاد(١) . (١) لا يجعل الحنفية العلة فى نفقة القربة الولاد فقط فيقتصر وجوب النفقة على قرابة الولاد ، بل يجعلون العلة هى الولادة والقرابة المحرمية ، بدليل قوله تعالى فى آية الرضاعة (( وعلى الوارث مثل ذلك» فالعلة فى أصل وجوب نفقة الوالد على ابنه هى الولادة ، وفى الحواشى القرابة المحرمية . ولذا يثبتون نفقة الأقارب على كل الأقارب من المحارم ، على تفاوت درجاتهم . وترى من هذه الأمثلة كلها أن الاختلاف فى وجوه الشبه أو العلة كان يدور حول ما يسمى فى عرف الأصوليين تخريج المناط أو تنقيحه، ولنذكر اصطلاح الأصوليين فى هذا المقام فعندهم ثلاث كلمات تحقيق المناط ، وتنقيحه ، وتخريجه . أما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد فى استنباط علة الحكم الذى دل النص أو الإجماع عليه ، وذلك كالاجتهاد فى إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر ، وكون القتل العمد والعدوان علة لوجوب القصاص . وأما تحقيق المناط فهو النظر فى معرفة وجود العلة فى آحاد الصور بعد معرفتها فى نفسها سواء أكانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط ، كالعدالة فإنها مناط قبول الشهادة، وأما كون هذا الشخص عدلا فظنون بالاجتهاد ، وكالإسكار فإنه علة تحريم الخمر فالنظر فى معرفته فى النبيذ هو تحقيق المناط . - ٢٩٣ - ١٨٣ - والشافعى بعد ذكر أقسام القياس، ووجوهه يبين أن من الفقهاء من لا يعد من القياس ما يكون فيه الفرع أكثر من الأصل المنصوص عليه ، وما يكون فى معنى الأصل ولا يحتمل سواه فيقول : قد يمنع بعض أهل العلم من أن يسمى هذا قياساً ، ويقول هذا معنى ما أحل الله وحرم وحمد وذم وداخل فى حملته ، فهو بعينه لا قياس على غيره ، ويقول مثل هذا القول فى غير هذا مما كان فى معنى الحلال فأحل ، والحرام فحرم ، ويمتنع أن يسمى القياس إلا ما كان يحتمل أن يشبه بما اشتمل أن يكون فيه شبه من معنيين مختلفين ، فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر ، ويقول غيرهم من أهل العلم ما عدا النص من الكتاب أو السنة، فكان فى معناه فهو قياس ، والله أعلم . ذكر الشافعى هذين القولين من غير أن يبين بأيهما يأخذ ، وإن كان ظاهر السياق أنه يأخذ بأن الأقسام الثلاثة من القياس (١) . وعندى أن ما يكون الفرع فيه أكثر من الأصل ، وما يكون فى معنى الأصل ، ويكون من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى استنباط للعلة ، ولا تخريج لها ، ولا تنقيح لمناطها يعد من دلالة النص ، لا من القياس ، لأنه عند ما تكون العلة معلومة بنص أو ما يشبهه وهى متحققة بوضوح وجلاء فى الفرع يكون الأمر ثابتاً بالنص يفهمه الشخص بمجرد فهم النص ، = وأما تنقيح المناط فهو المنظر والاجتهاد فى تعيين ما فهم من النص كونه علة فى مجموع. صفاته من غير تعيين ، فيحذف مالا مدخل له فى الاعتبار مما اقترف به من الأوصاف بطريقة البر والتقسيم . (١) وكون السياق يدل على أنه يختار أن الأقسام الثلاثة من القياس ظاهر من أنه أبتدأ أولا فذكر أن القياس من وجوه يجمعها القياس ، ويتفوق بها ، وذكر أن أقواها ما كان فيه الفرع أكثر فى المعنى من الأصل وضرب عليه الأمثال ثم ذكر قول من يقول إن الأكثر وما يكون من الفرع فى معنى الأصل لا يكون من القياس ووجهته . ثم وجهة ما ساقه ، فكان ظاهر السياق أن الأقسام كلها عهدة من القياس . - ٢٩٤ - والفرق جوهرى على طريقة الشافعى ، لأن الأمر إن كان ثابتاً بنص قرآنى أو يخبر متواتر ، يكون العلم علم إحاطة فى الظاهر والباطن ، إن حكمنا بأن الدلالة بالنص وإن كانت بالقياس يكون العلم فى الظاهر فقط ، فإن قلنا إن حرمة الضرب المفهومة من قوله تعالى. ((ولا تقل لهما أف)) ثابتة بالقياس يكون العلم بهذه الحرمة فى الظاهر فقط ، لا علم إحاطة فى الظاهر والباطن، ويكون العلم بحرمة قوله لهما أف علم إحاطة فى الظاهر والباطن ، ولايقول شخص يفهم السياق العربى إن الآية لا تدل على حرمة الأذى كثيره قبل قليله بعبارتها ونصها ، وتفهم منها هذه الدلالة بمجرد السماع وفهم العبارة، فكيف يكون هذا علماً فى الظاهر فقط ؟ !! إنه إذا لم يكن هذا علماً فى الباطن ، فليس ثمة للبشر علم إحاطة قط . ١٨٤ - والشافعى يذكر أن هناك نصوصاً لايقاس عليها، وهى التى تأتى بأحكام تكون مخالفة للأمور الثابتة ، فإن هذه يقصر فيها على موضع نصها ، ولا يقاس عليه ما يكون له شأنها فى أوصافها ، ومثلها ما يكون تخفيفاً من حكم عام دائم ، ويقول فى ذلك : كل ما كان للّه فيه حكم منصوص ، ثم كانت لرسول اللّه سنة بتخفيف فى بعض الفرض دون بعض ، وعمل بالرخصة فيما فيه رسول اللّه ، دون ما سواها ، ولم يقس ما سواها عليها ، وهكذا ما كان لرسول اللّه من حكم عام بشىء، ثم سن فيه سنة تفارق حكم العام))، وقد ضرب الأمثلة عن ذلك منها : (أ) فرض الله سبحانه وتعالى الوضوء فقال سبحانه: ((إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين )) فكان غسل الرجل ركناً من أركان الوضوء بمقتضى الحكم العام ، فلما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين، وأجاز لك كان تخفيفاً من حكم ذلك النص العام ؛ فلا يصح أن يقاس على الخفين ما يكون فى معناهما كالعمامة والقفازين ، لأن الحكم فيها استثناء من النص العام ، وما جاء استثناء من النص العام لا يقاس عليه . - ٢٩٥ - (ب) ورد النهى عن بيع الأموال الربوية بالجزاف فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة، والمحاقلة (١) فكان ذلك حكما عاماً. ولكن ورد النص بجواز بيع العرايا ، بأن يباع ثمر النخل من الرطب برخصه من الثمر ، فكان ذلك تخفيفاً فى مقابل النص العام ، فيقتصر فيه مورد النص ، ولا يتجاوزه إلى غيره ، ويوفق الشافعى بين النهى عن المزابنة والترخيص فى العرايا مع أنها داخلة فى عموم النهى بقوله يحتمل وجهين أولهما عندى -والله أعلم - أن يكون مانهى عنه جملة أراد به ما سوى العرايا ، ويحتمل أن يكون أرخص فيها بعد وجوبها فى جملة النهى ، وأيهما كان فعلينا طاعته بإحلال ما حل ، وتحريم ما حرم (٢))). (حـ) قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخراج بالضمان ، فكان هذا حكما عاما يسير فى كل التصرفات والحوادث ، وقضى مع ذلك ، أن المصرّاة من الإبل والغنم إذا حلبها مشتريها إن أحب أمسكها : وإن أحب ردها وصاعاً من تمر ، فكان حكم المصراة مقابلا لذلك النص للعام ( الخراج بالضمان ) لأنه عوضه عن الخراج الذى كان فى ضمانه ، وعوضه جنس الخراج ، فلا يقاس عليها ما يكون مثلها ، ولذلك يقول الشافعى فى ذلك : قلنا فى المصراة اتباعاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم نقس عليه ، وذلك أن الصفقة ، وقعت على شاة بعينها، فيها لبن محسوس مغيب المعنى والقيمة ، ونحن نعلم أن لبن الإبل والغنم يختلف ، وألبان كل واحد منهما يختلف ، فلما قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء مؤقت ، وهو صاع من تمر - قلنا به اتباعاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. / ١٨٥ - والشافعى لا يجعل لكل شخص أن يقيس ، بل إنه يشترط فى القائس شروطاً يجب توافرها ، وهى آلة القياس ، ولا يقيس إلا من جمع الآلة التى له القياس بها ، وتلك الشروط هى : أولا : أن يكون عالماً بلسان العرب ، لأن هذا الدين جاء بلسانهم ، فكان حقاً على كل مجتهد أن يكون عالماً بهذا اللسان . (١) المزابنة بيع الشمر بالثمر وهو على رؤوس الشجر، والمحافظة بيع الزرع بالحنطة . .(٢) الرسالة ٥٤٨ . - ٢٩٦ - ثانياً: العلم بأحكام كتاب اللّه تعالى ، فرضه ، وأدبه . وناسخه ، ومنسوخه ، وعامه ، وخاصه ، وإرشاده . ثالثاً : أن يكون عالماً بما مضى من السنن ، وأقاويل السلف ، وإجماع الناس واختلافهم . رابعاً : أن يكون صحيح العقل حسن التقدير ، حتى يميز المشتبه ، ويتثبت فى حكمه ، ويرشد الشافعى إلى بعض طرق تثبت القائس فيقول : لا يمتنع من الاستماع ممن خالفه ، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ، ويزاد به تثبيتاً فيما اعتقد من الصواب ، وعليه فى ذلك بلوغ غاية جهده ، والإنصاف من نفسه ، حتى يعرف من أين قال ما يقول : وترك ما يترك ، ولا يكون بما قال أغنى منه بما خالف ، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله تعالى . هذا وقد جاء فى إحدى مناظرات الشافعى فى كتاب إبطال الاستحسان بالأم كلام قيم الشافعى فى وصف من يكون له أن يقيس ، ننقله إليك لجودة تعبيره ، وإحكام تفكيره ، وسداد تمثيله ، وها هو ذا : ليس للحاكم أن يقبل ، ولا للوالى أن يدع أحداً، ولا ينبغى للمفتى أن يفتى أحداً ، إلا متى يجمع أن يكون عالماً علم الكتاب ، وعلم ناسخه ومنسوخه . وخاصه وعامه ، وأدبه ، وعالماً بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقاويل أهل العلم قديماً وحديثاً ، وعالماً بلسان العرب ، عاقلا ، يميز بين المشتبه ، ويعقل القياس. فإن عدم واحداً من هذه الخصال لم يحل له أن يقول قياساً ، ولذلك لو كان عالماً بالأصول غير عاقل للقیاس الذى هو الفرع لم يجز أن يقال لرجل قس ، وهو لا يعقل القياس ، وإن كان عاقلا للقياس وهو مضيع للأصول، أو شىء منها لم يجز أن يقال له قس على ما لا تعلم كما لا يجوز أن يقال قس لأعمى وصفت له ، اجعل كذا عن يمينك ، وكذا ٠ - ٢٩٧ - عن يسارك ، فإذا بلغت كذا فانتقل متيامناً ، وهو لا يبصرما قيل له ، يجعله. يميناً ويساراً أو يقال سر بلاداً ولم يسرها ، ولم يأتها قط ، وليس له فيها علم. يعرفه ؛ ولا يثبت له فيها قصد سمعت يضبطه ، لأنه يسير فيها على غير مثال قويم وكما لا يجوز لعالم بسوق سلعة منذ زمان ، ثم خفيت عنه سنة أن يقال قوم عبداً من صفته كذا وكذا ، لأن السوق تختلف ، ولا لرجل أبصر بعض. صنف من التجارات ، وجهل غير صنفه ، والعبر الذی جهل لا دلالة له عليه. ببعض علم الذى علم قوم كذا ، كما لايقال لبناء انظر قيمة الخياطة ، ولا لخياط انظر قيمة البناء ، فإن قال قائل فقد حكم وأفتى من لم يجمع ما وصفت ، قيل ، فقد رأيت أحكامهم وفتياهم ، فرأيت كثيراً منها متضاداً متبايناً ، ورأيت كل واحد من الفريقين يخطىء صاحبه فى حكمه وفتياه. والله المستعان . ١٨٦ - والشافعى يفرض أن القائسين المستوفين لشروط القياس قد. يختلفون فى الأمر فأحدهم قد يحكم فيه بأمر ، والآخر قد يحكم فيه بغيره لأنه إذا كان العلم بالقياس علماً بالظاهر لا علم إحاطة ، فقد يظهر لأحد المجتهدين ما لا يظهر لآخر ، ما دام الموضوع ليس فيه نص بعينه يحكم بين المختلفين ، وكلهم يأخذ بما يوصله إليه اجتهاده ، لأنه الحق الظاهر عنده، ولا يكلف سوى ذلك . ولكن تكليف المجتهد ما أدى إليه اجتهاده من غير أن يتبع الآخر وأن الصواب الظاهر لديه هو فيما وصل إليه - لا يقتضى أن يتعدد الحق بتعدد النظر ، بل الحق واحد ولم نكلف إصابته بذاته ، بل كلفنا ما يؤديه إليه اجتهادنا ، فالحق فى علم الله واحد ، وإن تعدد التكليف باختلاف الاجتهاد، ولذا يقول الشافعى فى هذا المقام : لا يجوز عندنا - والله تعالى أعلم - أن يكون. الحق فيه عند اللّه إلا واحداً، لأن علم الله عز وجل واحد، لاستواء السرائر والعلانية عنده ، وإن علمه بكل واحد جل ثناؤه سواء . - ٢٩٨ - ولقد تصدى الشافعى للرد على من يذم الخلاف فى القياس ، فبين أنه ليس من الخلاف المذموم ، ما دام كل من المختلفين يحمل أداة القياس، وقد استوفى شروطه ، وإنه يقسم الخلاف إلى قسمين ، خلاف مذموم ، وخلاف ليس بمذموم ، فالخلاف المذموم هو الاختلاف فيما أقام اللّه فيه الحجة على خلقه ، حتى يكونوا على بينة منه ليس لهم فيه إلا اتباعه ، فإن اختلفوا فيه فذلك الذى ذم اللّه عليه ، فمن خالف نص كتاب لا يحمل التأويل أو سنة قائمة ، فلا يحل له الخلاف ثم جعل من المذموم مخالفة الجماعة ، فيقول : ولا أحسبه يحل له خلاف جماعة الناس ، وإن لم يكن فى قولهم كتاب أوسنة . أما الخلاف الذى لا ذم فيه ، فهو الخلاف فى أمر - الاجتهاد له فيه مجال ، فإذا ذهب كل قائس إلى معنى يحتمل الأمر ما ذهب إليه ، ويكون له عليه دلائل فلا ذم فى ذلك الخلاف ، لأنه لايخالف حينئذ كتاباً نصاً ، ولا سنة قائمة ، ولاجماعة وإنما نظر فى القياس ، فأداه إلى غير ما أدى صاحبه إليه القياس (١) ، ثم يبين كيف يختلف القياس ، فيقول : وذلك بأن تنزل نازلة تحتمل أن تقاس ، فيوجد لها فى الأصلين شبه ، فيذهب ذاهب إلى أصل ، والآخر إلى أصل غيره ، فيختلفان ، فإن قيل فهل يوجد السبيل إلى أن يقيم أحدهما على صاحبه حجة فى بعض ما اختلفا فيه ، قيل نعم إن شاء الله تعالى بأن تنظر النازلة، فإن كانت تشبه أحد الأصلين فى معنى ، والآخر فى اثنين صرفت إلى الذى أشبهته فى الإثنين ، دون الذى أشبهته فى واحد ، وهكذا إذا كان شبيهاً بأحد الأصلين أكثر . ثم يضرب مثلا بأن دية العبد المقتول خطأ هى قيمته ، لم يختلف فى ذلك العلماء ، فإن كانت قيمته تصل إلى مقدار دية الحر ، وهى عشرة آلاف درهم أو تزيد ، فهل تجب ، وإن كانت أضعافاً ؟ قال بعضهم الدية قيمته لا تبلغ دية الحر، فإن بلغتها نقصت عنها ، وقال بعضهم : تبلغها وتتجاوزها، لأن الدية هى قيمته ، وإن قلت فتكون هى قيمته وإن كثرت . (١) الأم السابع ص ٢٧٥. - ٢٩٩ - ولقد ذكر أن بعض الفقهاء قاس قطع الأطراف وغيرها فى العبيد مما يوجب القصاص على القتل خطأ ، ولم يوجب القصاص ، والشافعى قاس قطع الأطراف وغيرها فى العبيد فيما بينهم ( بأن قطع عبد طرف عبد) على ذلك فى الأحرار ، فأوجب القصاص فيه ، كما وجب القصاص فى الأحرار ، فها هنا أصلان اختلف القياس عليهما بين الشافعى ومخالفيه فى هذا ، فهؤلاء قاسوا الجروح فى العبد ولو كان يمكن القصاص فيها على قتله خطأ ، والشافعى قاس جراح العبد التى يمكن القصاص منها على جراح الحر ، ووجهة قياس مخالفيه أنهم أموال ، ولذا كانت الدية هى القيمة ، فاعتبرت المالية هى الأصل وكان على أساسها القياس ، والشافعى قاس العبد فى الجراح التى يمكن القصاص فيها على القصاص فى جراح الحر ، وعلى القصاص فى النفس عند اعتداء عبد على عبد ، فإن المالية تلغى فى هذا الحال ، وتبقى حرمة الآدمية بدليل أن العبيد يقتلون بالعبد إن اشتركوا فى قتله ، وأن العبد مهما كبرت قيمته يقتل بالآخر مهما قلت قيمته ، وإن ناحية الآدمية تغلب عندما يمكن القصاص ، ويتحقق موجبه ، وهو العمد من العاقل ، بدليل أنك تقتل العبد بالعبد ولا تقتل البهيمة بالبهيمة ، (وإن على العبد حلالا وحراماً وحدوداً وفرائض ، وكل هذه خواص الآدمية ، فهى تغلب عند تحقق وصف العمد ، وإمكان القصاص . ونرى من هذا أن للفرع أصلين يحتمل الإلحاق بكليهما فيه مجتمعين ، والشافعى يختار الأصل الذى يكون به أشبه ، ويرى أن فى الإمكان إزالة الاختلاف ببيان أى الأصلين أكثر تشابها مع الفرع . ١٨٧ - هذا هو القياس عند الشافعى ، وهذه حملة قواعده التى ساقها الشافعى مشفوعة بما يثبتها ، وبطرائق استنباطها ، والشافعى يقرر أن الاجتهاد بالرأى لا يكون إلا بالقياس ، ولا يكون رأى بغيره ، فلا عرف يحكم ، ولا استحسان يرجح ، بل العبرة فى الاجتهاد بالرأى دون سواه ، وذلك لأن أصل الدين هو الكتاب والسنة دون غيرهما ، وإذا كان الرأى قد ساغ - ٣٠٠ - بمقتضى حديث معاذ رضى الله عنه (١)، فيجب أن يكون ذلك الرأى مشتقاً من ذلك الأصل ، وذلك بالحمل عليه على طريق القياس ، لأن الشرع الإسلامى قد بين كل ما يقع من الحوادث فى هذين الأصلين بطريق النص. بعينه فى واحد منهما . كتاب أو سنة ، أو بطريق الدلالة من أحدهما ، ووجه الدلالة هو الذى يعرف به القياس . ولقد أثبت الشافعى انحصار الأصل الإسلامى فى الكتاب والسنة بقوله تعالى ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)) وبقوله تعالى، ((اتبع ما أوحى إليك. من ربك)) وبقوله تعالى ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) فهذه الآيات كلها تفيد أن أصل هذا الدين مكون من الكتاب والسنة ، فالاجتهاد بالرأى يجب أن يكون مشتقاً منهما ، وذلك بالقياس عليهما ، ومن قال رأياً لم يكن محمولا عليهما ، فقد زاد واتبع نفسه ، وما أمر باتباع نفسه ، ولكن أمر باتباع الكتاب والسنة، ولقدقال الشافعى فى هذا : إذا اجتهد المجتهد فاستحسن فالاجتهاد ليس بعين قائمة ، إنما هو شىء يحدثه من نفسه ، ولم يؤمر باتباع نفسه ، وإنما أمر باتباع غيره ، فاحداثه على الأصلين اللذين افترض اللّه عليه أولى به. من إحداثه على غير أصل أمر باتباعه ، وهو رأى نفسه ولم يؤمر باتباعه ، فإذا كان الأصل أنه لا يجوز أن يتبع نفسه ، وعليه أن يتبع غيره ، والاجتهاد شيء يحدث من عند نفسه ، والاستحسان يدخل على قائله ، كما يدخل على من اجتهد على غير كتاب ولا سنة (٢) . من أجل هذا لا يرى الشافعى أن الاستحسان الذى ليس فيه حمل على كتاب أو سنة طريقاً شرعياً لإثبات الأحكام ، ولذا يعقد كتاباً فى الأم يسميه ((إبطال الاستحسان)). (١) حديث معاذ مشهور وهو قول النبى صلى الله عليه وسلم عندما أرسله قاضيا، كيف تقضى ؟ قال بكتاب الله عز وجل، فال: فإن لم يكن ؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن لم يكن ؟ قال أجتهد رأي. قال صلى الله عليه الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله. لما يحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)). (٢) الأم الجزء السادس ص ٢٠٣.