Indexed OCR Text

Pages 181-200

- ١٨١ -
ذلك نقصاً وهذا حق وهو يستدل على جواز أن يرجع المجتهد فى رأيه إذا
تبين له الحق فى غيره - بما كان من الصحابة من رجوعهم فى أقوالهم فيقول :
« فعلت الصحابة مثل ذلك . قال على كرم الله وجهه: کان رأیی ورأىعمر فى
أمهات الأولاد ألا يبعن ، وأنا الآن أرى بيعهن ، وكان ابن عباس يقول
لا ربا إلا فى النسيئة ، ثم رجع عنه وأثبت ربا الفضل . وقال عمر بن الخطاب
فى كتابه إلى عبد الله بن قيس فى آداب القضاء: لا منعنك قضاء قضيته بالأمس
فراجعت فيه عقلك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الرجوع إلى
الحق خير من التمادى فى الباطل ، وكان عمر لا يورث الإخوة والأخوات
مع الجد فرجع إلى قول على وزيد فى التشريك بينهم .
القسم الثالث : أن ينص الشافعى فى مواضع من كتبه الجديدة على
قولين ، ثم ينبه على اختيار الذى يختاره منهما ، بأن يقول هذا أصحهما
أو أحسنهما ، أو بتفريعه على أحدهما ، وترك التفريع على الآخر ، أو بذكره
دليل أحدهما دون الآخر .
وهذا ما يقول الرازى فى بيان معنى الاختيار ، وعندى أن بعض هذا
الذى ذكره قد يدل على الميل إلى أحد الرأيين دون التورط فى اختياره ،
أو ترجيحه ، أو يكون أحدهما يحتاج إلى توضيح بالتفريع فيفرع عليه .
النوع الرابع : أن يذكر طرفى النفى والإثبات ، ويتوقف فيه ويقول
الرازى فى ذلك القسم : قال الأصحاب فيه لم يصح عن الشافعى رضى الله
عنه ذكر القولين على هذا الوجه إلا فى ست عشرة مسألة ، وهو قد توقف
فيها لاشتباه الأمرفيها ، وهذا غاية الديانة والورع، قال الأستاذ أبو منصور
٩
البغدادى ، وليس الشافعى أجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
سئل عن قذف الرجل امرأته وتوقف حتى نزلت آية اللعان ، وقد روى أن
المؤمن وقاف ، والمنافق وثاب.
وترى من هذا أن الرازى يضيق المسائل التى أرسل الشافعى فيها قولين
ولم يختر واحداً منها ، ويقصرها على ست عشر مسألة ، ويظهر أن السبب فى

- ١٨٢ -
٦٠
ذلك هو توسعه فى مبنى الأمارات تدل على الاختيار ، فهو يعتبر مجرد
الذكر لدليل أحد الرأيين دليلٌ اختياره، مع أنه ربما ترك الدليل الرأى
الآخر لظهور الدليل ووضَوْحَ القَيَاسِ فيه، وأنه إذ تُوسع فى أمارات
الاختيار والترجيح ، فقد ضيّق المسائل التى تركَ الرأيان فيها من غير اختيار
لأحدهما .
النوع الخامس : أن يذكر الشافعى فى المسألة قولين : أحدهما طريقة
القياس ، والثانى طريقة الخبر والسنة ، ثم يختار ما وافق السنة ، وقد ذكر
الرازى ذلك النوع من الأمور التى روى للشافعى فيها قولان ، ولهذا ليس
منها فى شىء لأن القياس آخر الأدلة فى الشريعة عنده ، فلا رأى يبنى على
القياس فى موضع النص من كتاب أو سنة ، فذكره للسنة بجوار القياس
معناه رفض القياس البتّة .
١٢٠ - وإنك لترى الرازى كغيره من متعصبى الشافعية يظنون أن
كثرة الآراء للشافعى لا تليق به فيدفعونها عنه ، ويقلون عدد المسائل التى
قال فيها أكثر من رأى ، وترى بجوارهم المتعصبين على الشافعى يرون كثرة
الآراء منقصة فيه ، ودليلًا على عدم الوصول إلى الحق ، وذلك نقص فى
العلم، وقد رددنا زعمهم ، وبينا أن العلم يوجب التردد فى كثير من الأحيان،
وأن التردد عن بينة علم ، واليقين عن غير بينة جهل.
والحق أن الشافعى الذى ألقينا عليك ضوءاً من سيرته وحياته العلميةُ
لابد أن ينقل عنه أكثر من رأى فى المسألة الواحدة أحياناً ، ذلك لأنه
رحمه الله - كان مخلصاً فى طلب ما يعتقد أنه الحق فى هذه الشريعة الغراء ،
والمخلص لا تستحوز عليه فكرة ولا يسترقه رأى بحمد عليه ، فإن له مقصداً
معيناً ، وهو طلب العلم للّه ، وذلك يجعله يفحص آرائه بميزان ناقد كاشف،
ونظر مستبين فاحص ، وفوق ذلك كان الشافعى ذا فكر حى متحرك يسيّر
فى طلب الغايات العلمية صعداً ، لا يسكن إلى غاية حتى يطلب ما وراءها ،
ومن كانت هذه حاله لا يحمد على آرائه ، بل يسيرها دائماً بالميزان الذى

-١٨٣-
بصل إليه فى طوره العلمى الأخير ، وتكون مظنة التغيير أقرب من القرار
ولقد كان الشافعی یطلب الحديث دائماً ، ويصرح بأنه إذا كان له رأى
يخالف الحديث فهو لا محالة راجع إلى الحديث ثم يطالب المحدثين من أصحابه
بأن يأخذوا بالحديث إن وجدوا رأيه يخالف الحديث وألا يعتيروا رأيه من
الحديث ، ولقد كان لدى كل طائفة من العلماء من الأحاديث ما ليس لدى
الأخرى ، فتفتى كل واحدة على قدر ما عندها ، وتقيس فيما وراء ذلك .
. ولقد يكون من الشافعى هذا فاذا اطلع على أحاديث الطائفة التى لم يتلق عليه
فإنه لا محالة منتقل إلى الرأى الذى يكون مع الحديث سيراً على قاعدته التى
سنها لنفسه ، إذا صح الحديث فهو مذهبى . والشافعى كان كثير الرحلة محباً
للنجعة. فقد طوف بالأقاليم ، فاطلع على بيئات مختلفة، وعلى أعراف
للناس متباينة ، ولكل جماعة من الناس أحداثها ، ولكل حاضرة من حواضر
العالم الإسلامى عاداتها ، وإن مستنبط القوانين لا محالة يتأثر بالعرف الذى يظله
ويوجه آراءه أحياناً، ويثبتها أحياناً، فقد يكون الشافعى قد قال رأياً فى
بغداد متأثراً بما فيها ، فلما جاء إلى مصر غير رأيه متأثراً به ، وقد يتردد
بين الأمرين ، فيترك الرأيين من غير أن ينسخ أحدهما الآخر .
وإن كثرة مناظرات الشافعى مع المخالفين له من شأنها أن تجعله ينظر إلى
آرائه دائماً نظرة فاحصة ، فإن المناظر يريه عيوبها ، ويطلعه على مواضع
النقص فيها: أو يحمله على أن يزنها قبل أن يتورط فى الجدل والمحاماة عليها ؛
وأن خشية سقوط القول تريه عيوب قوله، فيدحضها، وذلك يجعله
فاحصاً لآرائه دائما ، وإخلاصه فى طلب الحق يحمله على التغيير إن أوجبه
. الفحص ..
هذا وإن استمرار دراسة الشافعى لآراء الفقهاء الذين سبقوه قد يطلعه
على رأى خير من رأيه فيختاره .
وإن القياس قد يحمله على إبقاء رأيين مختلفين فى مسألة واحدة إذ قد
يكون للمسألة التى يدرسها شبيهان مختلفا الحكم ، ولا يجد ما يرجح به

- ١٨٤ -
أحد القياسين على الآخر ، كما رأيت فى إقرار المدين الممنوع من التصرف ..
بدين بعد منعه ، فقد وجد شبهين : المريض ؛ فألحقه به على أحد الرأيين.
والراهن فألحقه به على الثانى (١) وكذلك ترى الرأيين اللذين ذكرهما
فى مسألة من يذكر عند الزواج نسبا أعلى من نسبه ، وكذلك من يبيع.
ثمرة وجبت فيها صدقة ؛ وكذلك من رهن ثمرة من غير أن يقطعها ، حتى
خرج غيرها فاختلط بها (٢) فأساس كثرة الآراء فيها تعارض الأقيسة
وتضادم الأمارات.
والخلاصة أن كثرة الآراء للشافعى أمر متفق مع منهجه فى الاجتهاد ؛ ومتفق
مع حياته الفكرية ، وهى لا تدل على نقصه ، بل تدل على تحريه فى طلب.
الحقي وطالب الحق ليس بناقص .
أصول الشافعى
١٢١ - ذكرنا فى صدر كلامنافى فقه الشافعى أننا سنعنى بدراسة أصوله،
وليست عنايتنا بدراسة أصوله إهمالا لدراسة فروعه ، فان الشافعى فى أصو ئه
قد وضع المناهج التى سلكها لاستنباط فروعه ، ولذا كان يبين القاعدة من
قواعد الاستنباط ، ثم يردفها بما فرعه عليها من بعض الفروع ، ويوضحها
بمسلكه فى استخراج هذه الفروع منها ، فدراسة الأصول دراسة لأصول
المذهب الشافعى ، وإلمام ببعض فروع ذلك المذهب ، ثم هى فوق ذلك.
المنهج الفقهى للشافعى ، وأن دراسة مناهج العلماء العقلية هى دراسة صحيحة
مستقيمة لما انبنى على هذه المناهج من نتائج جزئية .
وإن دراسة العالم إنما تكون بدراسة ما اختص به ذلك العالم وقد اختص
الشافعى من بين المجتهدين الذين سبقوه وعاصروه بأنه هو الذى حد أصول
الاستنباط وضبطها بقواعد عامة كلية . فدراسة تلك الأصول دراسة للناحية.
الفكرية التى امتاز بها الشافعى وسبق بها العلماء .
(١) راجع رقم ٥ من النبذة رقم ١٧٧ .
: (٢) راجع رقم ٦، ٧، ٨ من النبذة رقم ١١٧

٠
- ١٨٥ -
١٢٢ - كان الشافعى بهذا السبق واضع علم أصول الفقه، لأن الفقهاء.
كانوا قبله يجتهدون من غير أن يكون بين أيديهم حدود مرسومة للاستنباط
وكانوا قبله يعتمدون على فهمهم لمعانى الشريعة ، ومرامى أحكامها وغاياتها.
وما تومىء إليه نصوصها ، وما تشير إليه مقاصدها ومصادرها ومواردها ،
ومثلهم كمثل من يزن البراهين بالسليقة من غير أن يكون له إلمام بعلم المنطق
فإن تمرس هؤلاء الفقهاء بدراسة الشريعة وتعرف أغراضها ومقاصدها جعل
موازين الاستنباط فيها كالملكات فى نفوسهم يجتهدون فيوفون من غير
أن تكون بين أيديهم حدود مدونة مرسومة ، فجاء الشافعى رضى الله عنه.
واختلط بالعلماء ، وناظر الفقهاء ، وناظروه ، وكانت مناهجهم فى الاستنباط.
تبدو على ألسنتهم فى الجدل والمناظرات ، ولذلك وضع الحدود والرسوم.
وضبط الموازين ، ولقد قال فخر الدين الرازى فى فضل الشافعى فى هذا:
المقام ما نصه : اعلم أن نسبة الشافعى إلى علمّ الأصول ، كنسبة أرسطو
إلى علم المنطق ، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض ، وذلك لأن
الناس كانوا قبل أرسطو يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة ،
لكن ما كان عندهم قانون فى كيفية ترتيب الحدود والبراهين ، فلا جرم.
كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلى.
ما أفلح ، فلما رأى أرسطو ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة ، فاستخرج
علم المنطق ووضع للخلق بسببه قانوناً كلياً ، يرجع إليه فى معرفة الحدود.
والبراهين. وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون أشعاراً ،
وكان اعتمادهم على مجرد الطبع ، فاستخرج الخليل علم العروض فكان ذلك.
قانوناً كلياً فى معرفة مصالح الشعر ومفاسده ، فكذلك ها هنا الناس كانوا
قبل الإمام الشافعى رضى الله عنه يتكلمون فى مسائل أصول الفقه، ويستدلون.
ويعترضون ، ولكن ما كان لهم قانون كلى مرجوع إليه فى معرفة دلائل
الشريعة فى كيفية معارضاتها وترجيحاتها ، فاستنبط الشافعى رحمه الله تعالى علم.
أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً فيرجع إليه فى معرفة مراتب أدلة.

-١٨٦-
الشرغ. فثبت أن نسبة الشافعى إلى علم الشريعة كنسبة أرسطو إلى علم العقل،
فلما اتفق الخلق على أن استخراج علم المنطق درجة عالية لم يتفق لأحد
مشاركة أرسطو فيها ، فكذا ها هنا وجب أن يعترفوا للشافعى رضى الله عنه
بسبب وضع هذا العلم الشريف بالرفعة والجلالة والتمييز على سائر المجتهدين
بسبب هذه الدرجة الشريفة .
٧٢٣ - ولقد كان أول كتابة الشافعى فى الأصول الرسالة التى كتبها
لعبد الرحمن بن مهدى قبل أن يجئء إلى مصر، ثم أعاد كتابتها بمصر، وهى
المشهورة(١) وقد اشتملت على أكثر مباحث الشافعى فى الأصول ، ولكنها
. لم تشتمل على كلها بل للشافعى مباحث مستقلة غيرها فى الأصول ، ككتاب
إبطال الاستحسان ، وكتاب جماع العلم ، وإن الدارس للأم دراسة متتبع
مستقر نجد فى ثنايا الأحكام الفرعية بياناً لمسائل كلية ، وأن كثيراً من هذه
القواعد قد جاءت فى مناظراته مع الخصوم ، إما لحملهم على الأخذ بها
كما فى جماع العلم، وإبطال الاستحسان ، وإما لإثبات صحة رأيه فى فرع من
الفروع والمناظرة تجلى القاعدة وتوضحها ، وتبين مقامها فى الاستنباط أفضل
تبيين .
العلم بالشريعة
١٢٤ - يقسم الشافعى علم الشريعة قسمين : أحدهما علم العامة ، أى
العلم الذى لا يسع مسلماً أن يجهله ، بل يجب عليه أن يعرفه ، فلا يسمع
مسلماً غير مغلوب على عقله أن يكون به جاهلا، وهذا لأنه معلوم من
الشريعة بالضرورة ، مثل فرض الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج
البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، ووجوب الزكاة فى الأموال ، وتجريم الزنى
والقتل والسرقة وشرب الخمر ، وهذا الصنف موجود فى القرآن نصاً
لا تأويل فيه وفى السنة المتواترة بين الكافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
والقسم الثانى ما يعرض للناس من فروع الشريعة التى ليس فيها نص من
(١) طبقت الرسالة طبعة مستقلة: بتحقيق الأستاذ أحمد شاكر فارجع إليها .

- ١٨٧ -
كتاب أوفيها نص يحتمل التأويل ، ولم يكن نص متواتر عن الرسول صلوات
الله وسلامه عليه، أو وجد نص وكان بخبر الآحاد لا بالخبر المتواتر ٤ أو
كانت النصوص فيها قابلة للتأويل ، ويسمى ذلك علم الخاصة .
ويفترق النوعان من العلم من حيث التكليف ، ومن حيث التحصيل ،
فمن حيث التكليف علم العامة مطلوب من كل مسلم لا يسع مسلماً أن يجهله
لأنه علم بالدين بالضرورة ، وعلم الخاصة لا يطلبه إلا الخاصة ، وهو كفرض
الكفاية يطلب من القادرين عليه فيقوم به البعض ، وبقيامهم يسقط الإثم عن
الكل ، والفضل لمن قام به .
أما من حيث التحصيل ، فإن الأول يسع كل عاقل علمه ، ولا يحتاج
إلى شروط خاصة لكى يدركه ويحصل عليه ، أما الثانى فلا يقوم به إلا الخاصة
الذين أوتوا علم الكتاب والسنة ، وأخبار الصحابة واختلاف الناس ،
ولهؤلاء كان لهم حق الاستنباط وعليهم كان واجبه .
ولأترك الشافعى يبين لك الحد الفاصل بين علم العامة وعلم الخاصة ،
فهو يقول : والعلم علمان : علم عامة لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله
جهله ... مثل الصلوات الخمس ، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان،
وحج البيت إذا استطاعوه ، وزكاة فى أموالهم ، وأنهم حرم عليهم الزنى ،
والقتل والسرقة ، والخمر وما كان فى معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ،
ويعملوه ، ويعطوه من أموالهم ، وأن يكفوا عنه ، بما حرم عليهم منه ،
وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً فى كتاب اللّه ، وموجود عاماً عند
أهل الإسلام ، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم ، يحكونه عن رسول
اللّه، ولا يتنازعون فى حكايته ، ولا وجوبه عليهم ، وهذا العلم العام هو
الذى لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ، ولا يجوز فيه التنازع .
ويبين النوع الثانى : وهو علم الخاصة ، فيقول فى بيانه : ما ينوب العباد
من فروع الفرائض ، وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص
كتاب ولا فى أكثره نص سنة ، وإن كانت فى شىء منه سنة فإنما هى من

- ١٨٨ -
أخبار الخاصة ، لا أخبار العامة ، وما كان منه يحتمل التأويل ، ويستدرك
قياساً(١).
ثم يبين حال المكلفين القيام بهذا النوع من العلم ، فيقول : هذه درجة
من العلم ليس تبلغها العامة ، ولم يكلفها كل الخاصة ، ومن احتمل بلوغها
من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة أن يطلعوها ، وإذا قام بها من خاصتهم
من فيه الكفاية لم يخرج غيره عن تركها إن شاء الله ، والفضل فيها لمن قام
بها على من عطلها .
ثم يستدل على وجوب هذا العلم على الخاصة ممن يتحملونه - بقياسه
على الجهاد وصلاة الجنازة: وبقوله تعالى: (( وما كان المؤمنون لينفروا
كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ، ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم ، لعلهم يحذرون)) ثم يقول : وهكذا كل ما كان
الفرض فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوب ، فإذا قام به من المسلمين
من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من المأثم ولو ضيعوه معاً خفت ألايخرج
واحد منهم مطيق فيه من المأثم ، بل لا أشك إن شاء الله، لقوله (( إلا
تنفروا يعذبكم عذاباً أنماً)) .
ثم يبين أن ذلك هو ما جرى عليه المسلمون منذ العصر الأول فيقول :
ولم يزل المسلمون على ما وصفت مند بعث الله نبيه فيما بلغنا إلى اليوم يتفقه
أقلهم ، ويشهد الجنائز بعضهم ، ويجاهد ويرد السلام بعضهم ، ويتخلف
عن ذلك غيرهم ، فيعرفون الفضل لمن قام بالفقه ، والجهاد ، وحضور
الجنائز ، ورد السلام ، ولا يؤثمون من قصر عن ذلك .
١٢٥ - وعلم الخاصة هو موضوع بحث الفقهاء ، وهو الذى يجتهد
المجتهدون فى استنباطه ، وهو الذى يجرى فيه التنازع، وهو الذى توضع له
(١) المراد من أخبار الخاصة أخبار الآحاد أى غير المتواترة ، ومن أخبار العامة الأخبار.
المتواترة ، ومعنى يستدرك أى يطلب إدراكه بطريق القياس والرأى .

- ١٨٩ -
الضوابط ، ليكون الاستنباط صحيحاً ، ولتكون تلك الضوابط المقياس
الذى يقاس به الخطأ والصواب ، وتكون الحكم بين المتنازعين والمفاصل
بين المختلفين .
ولا شك أن الأصول العامة للاستنباط ، وهى تلك الضوابط هى
أخص علم الخاصة ، فليست واجبة التحصيل على كل مسلم ، بل لا يستطيع
تحصيلها كل مسلم ، إذ هى موازين دقيقة لوزن الآراء ، وهى قواعد عامة
ترشد المجتهدين للاستنباط ..
أدلة الأحكام عند الشافعى
١٢٦ - يعتبر الشافعى العلم خمسة أنواع ، مرتبة على خمس مراتب ،
كل مرتبة مقدمة على ما بعدها .
المرتبة الأولى : الكتاب والسنة إذا ثبتت ، ويضع السنة مع الكتاب
فى مرتبة واحدة ، لأنها فى كثير من الأحوال مبينة له مفصلة لمحمله ،
فيضعها معه إذا صحت ، وإن كانت لآخبائرأ احاد فى السنة - ليست فى
مرتبة القرآن من حيث تواتر القرآن وعدم تواترها ، وأن القرآن لا تعارضه
السنة، ويكتفى به إن لم يحتج لبيانها .
والمرتبة الثانية : الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ، والمراد
بالإجماع إجماع الفقهاء الذين أوتوا علم الخاصة ، ولم يقتصروا على علم
العامة ، فإجماعهم حجة على من بعدهم فى المسألة التى اجتمعوا عليها .
المرتبة الثالثة : قول بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم رأياً من
غير أن يعرف أن أحداً خالفه ، فرأى الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا .
المرتبة الرابعة : اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
المسألة ، فيأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنة أو يرجحه
قياس ، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها .

- ١٩٠ -
والمرتبة الخامسة : القياس على أمر عرف حكمه بواحد من المراتب
السابقة : الكتاب والسنة والإجماع ، على ترتيبها ، فيقاس على الأمر
المنصوص على حكمه فى الكتاب أو السنة أو عرف حكمه بالإجماع ،
أو تيع فيه قول بعض الصحابة من غير مخالف ، أو قوله مع اختلاف
غيره(١) .
وفى الحق إن هذا النظر من الشافعى نظر صادق ، فإن السنة مبينة
الكتاب .
وقد نص على ذلك الشافعى فى الأم فقال: للعلم طبقات شتى : الأولى
الكتاب والسنة إذا ثبتت ، ثم الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولاسنة .
والثالثة أن يقول بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قولا ولا نعلم له
مخالفا منهم ، والرابعة اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك ،
والخامسة القياس على بعض الطبقات ، ولا يصار إلى شىء غير الكتاب
والسنة وهما موجودان ، وإنما يؤخذ العلم من أعلى (٢).
(١) يقول الشافعى: العلم وجهان: اتباع واستنباط، والاتباع اتباع كتاب،
فإن لم يكن فسنة ، فان لم يكن فقول عامة من سلف لا نعلم له مخالفاً . فان لم يكن
فقياس على كتاب الله عز وجل، فان لم يكن فقياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فان لم يكن فقياس على قول عامة من سلف لا مخالف له ولا يجوز القول إلا بالقياس ، وإذا
: قاس من لهم القياس فاختلفوا ، وسع أن يقول بمبلغ اجتهاده ، ولم يسعه اتباع غيره فيما أدى
إليه اجتهاده.
وهنا نجد الشافعى يصرح بأن الحكم يبحث عنه أولا فى الكتاب . ثم يبحث عنه فى السنة
. إن لم يكن فى الكتاب ، أو كان مجملا غير مفصل ، أو كان يحتاج إلى بيان ، وفى كتاب
الأم يذكر أن السنة والكتاب مرتبة واحدة ، والتوثيق بين النصين ظاهر . فإنه يبين ما يجب
أن يتبعه المجتهد ، وهو طريق السلف إن وجدوا فى القرآن فلا غناء فيما وراءه . وإن
لم يجدوا يبحثون عن سنة مروية ، وذلك لا ينافى أن مجموع السنة فى مرتبة القرآن،
لأنها مبينة ومفصلة ولذلك قال الشاطى. إن السنة حاكمة على الكتاب من حيث احتياجه
إليها فى البيان)) .
(١) الأم = ٧ ص ٢٤٦.

- ١٩١ -
هذه هى طبقات العلم عند الشافعى ، ولنبدأ بما بدأ به وهى مرتبة الكتاب.
والسنة ثم لنخص الكتاب بالبدء .
الكتاب
× ١٢٧ - الشافعى يعتبر الكتاب والسنة مرتبة واحدة فى العلم فى هذه
الشريعة، بل يعتبرهما المصدر الوحيد لهذه الشريعة ، لأن غيرهما من
ينابيع الاستدلال محمول عليهما ، ومقتبس من روحهما ، وإن لم يؤخذ
من نصهما ، فمصادر الاستدلال كلها مهما تتعدد وتتنوع راجعة إلى أصل
واحد يتكون من شعبتين ، هما الكتاب والسنة ، ولكن نرى عبارات
الكتاب فى الأصول من بعد الشافعى ، بل عبارات الفقهاء من قبله ،
والشافعى نفسه فى بعض ما كتب لايجعل السنة فى مرتبة الكتاب ، بل يجعلها
فى مرتبة تالية له ، لامقترنة به ، فلماذا اعتبرهما الشافعى فيما ذكرنا مرتبة
واحدة ؟ يجيب الشافعى عن ذلك بأن الكتاب والسنة كلاهما عن اللّه، إذ
ما كان النبى صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ،
فكلاهما عن اللّه وإن تفرقت طرقهما وأسبابهما، ولأن السنة علم الأخذ بها
من كتاب الله، فهى به ملحقة، وهى معه يتمان شرعاً واحداً ، فكل من
قبل عن اللّه وفرائضه فى كتابه قبل عن الرسول صلى الله عليه وسلم فى سنته
بفرض الله طاعة رسول الله على خلقه ، وأن ينتهوا إلى حكمه ، ومن قبل عن
رسول اللّه فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته فيجمع القبول لما فى
كتاب الله ولسنة رسول الله والقبول لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت
فروع: الأسباب التى قبل بها عنهما، كما أجل وحرم وفرض وأحد بأسباب.
متفرقة، كما شاء جل ثناؤه، ((لا يسأل عما يفعل وهم يسألون(١).)).
فالسنة مع القرآن ، وهى تبين كل ما جاء فيه من مسائل كلية ، وهى
مفصلة لمحمله ، ولا يمكن أن يكون لها البيان إلا إذا كانت فى مرتبة المبين
فى العلم ، وقد كان كثيرون من الصحابة ينظرون نظرة الشافعى هذه.
(١) الرسالة ص ٣٣ طبعة الحلبى.
٤

- ١٩٢ -
يروى أن عبد الله بن مسعود قال الحديث الصحيح: ((لعن الله الواشمات
والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله (١)، فبلغ ذلك امرأة من
بنى أسد ، وكانت تقرأ القرآن فقالت لعبد الله ما حديث بلغنى عنك أنك لعنت
كذا وكذا ، فذكرته ، فقال عبد الله، ومالى لا ألعن من لعن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وهو فى كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت مابين
الوحى المصحف فما وجدته ، فقال: لئن كنت قرأته لقد وجدته، قال الله
عز وجل: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا)).
١٢٨ - ولكى لانحرف مقصد الشافعى عن موضعه أو تحمل كلامه على
غير محمله يجب التنبيه إلى ثلاث مسائل ، قد يعزب عن بعض الناس إدراكها :
أولاها : أن الشافعى يجعل العلم بالسنة فى مجموعها فى مرتبة القرآن ،
لا أن كل مروى عن الرسول مهما تكن طرقه فى مرتبة الآى المتواترة القاطعة
فى صدقها ، فإن أحاديث الآحاد ليست فى مرتبة الأحاديث المتواترة أو
المستفيضة المشهورة ، فضلا عن الآيات القرآنية القاطعة فى ثبوتها ، وإن
الشافعى قد نبه إلى ذلك ، إذ قيد السنة التى فى مرتبة القرآن بالسنة الثابتة .
فقد قال : المرتبة الأولى الكتاب والسنة إذا ثبتت .
ولئن حكم الشافعى بأن القرآن والسنة الثابتة مرتبة من العلم واحدة ،
ولم يمح التفاوت فى تفصيل جزئيات للاستدلال ، فالكتاب من حيث الإسناد
لانظير له ، والإسناد فى السنة مراتب تجعل الاستدلال بها مراتب تابعة لذلك،
والدلالات فى الكتاب والسنة مراتب تجعل لكل مرتبة مكانا فى الاستدلال
ليس للأخرى.
(١) الوشم وضع علامة فى الجسم لا تمحى، والتنمص إزالة شعر الوجه، والتفلج برد
الأسنان لتكون كأن بها فلجا .

- ١٩٣ -
ثانيها : إن جعل العلم بالنسبة فى مرتبة الكتاب عند استنباط الأحكام
.فى الفروع ليس معناه أنها كلها فى منزلته فى إثبات العقائد ، فإن منكر شىء
مما جاءت به السنة ليس كمنكر شىء جاء به صريح القرآن الكريم الذى
لا تأويل فيه ، أو ليس للتأويل فيه مجال قط ، فان من ينكر شيئاً مما جاء به
(القرآن على ذلك النحو يكون مرتداً عن الإسلام ، أما منكر ما جاء فى أحاديث
الآحاد من السنة فلا يخرج عن الإسلام ، لأن العقائد يجب أن يكون ثبوتها
بطريق قطعى السند والدلالة ، وليست أخبار الآحاد قطعية السند ، فلا يخرج
عن الإسلام منكر ما جاء فيها ، ولكن يؤخذ بها فى العمل ، ولقد جاء ذلك
فى كتاب جماع العلم للشافعى على لسان مناظره ، ولم يرده الشافعى .
ثالثها : أن الشافعى جعل العليم بالسنة فى مرتبة القرآن عن استخراج
أحكام الفروع لا يتنافى مع كون القرآن أصل هذا الدين وعموده وحجته
ومعجزة النبى صلى الله عليه وسلم ، وأن السنة فرع هو أصلها ، ولذلك
استمدت قوتها منه ، وإنما كانت فى مرتبته فى المستنبط للأحكام الفرعية ،
لأنها تعاون الكتاب فى تبيين ما اشتمل عليه من أحكام ؛ وتعاضده فى بيان
ما جاء به هذا الشرع الكريم من أحكام يصلح بها الناس فى معاشهم ومعادهم
وتتكون بها مدينة فاضلة ،
هذا ويجب التنبيه إلى أن السنة إن عارضت الكتاب أخذ به دونها ، وإن
كان نص الكتاب محكما لايحتاج إلى تفسير استقل بالاستدلال دونها ، ولذلك
يبحث عن الحكم أولا فيه .
١٢٩ - القرآن عربى: لقد كان الشافعى فى عصر اضطربت فيه الأقوال
وكثرت فيه النحل وتنازعت الفرق وجه الحق كما بينا ذلك عند الكلام فى
عصره . فلا تعجب إذا كان من الناس من زعم أن القرآن ليس عربياً خالصاً
لاشتماله على بعض كلمات من أصل أعجمى، ولقد تصدى الشافعى للرد ولإثبات
عربية القرآن الكريم ، إن كان مثل هذه القضية يحتاج إلى إثبات ، ثم بنى على
.ذلك بعض الأحكام فى الاستنباط ، وبعض أحكام خاصة بالقرآن الكريم .
( م ١٣ - الشافعى)
..
:
٠٠

٠
٠٠.
٠٫٠٠
...
٠٫٠
- ١٩٤ -
ولقد كان الشافعى فى هذا كشأنه عند الجدل قويا ، فهو يقول : قد تكلم
فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به ،.
وأقرب من السلامة له إن شاء الله، فقال منهم قائل: إن فى القرآن عربياً
وأعجمياً ، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شىء إلا بلسان العرب،
ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليداً له ، وتركا للمسألة له عن
حجته ، ومسألة غيره ممن خالفه ، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم ، والله يغفر
لنا ولهم.
وقد ذكر الشافعى حجة ذلك القائل قائلا : ولعل من قال إن فى القرآن.
غير لسان العرب ، وقبل ذلك منه - ذهب إلى القرآن خاصاً - يجهل بعضه
بعض العرب (١) .
وقد احتج القائلون أيضاً بأن فى القرآن ما ينطق به غير العرب ، وبذلك.
يكون بعض القرآن أعجمياً ، وقد أشار الشافعى إلى هذه كما صرح بسابقتها.
وهو يرد الحجتين : يرد الأول بأن جهل بعض العرب ببعض ما فى القرآن
ليس دليلا على عجمة بعض القرآن ، بل هو دليل على جهل هؤلاء ببعض.
لغتهم ، وليس لأحد أن يدعى الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربى لأنه أوسع
الألسنة مذهباً ، وأكثرها ألفاظا ، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نى واذا
كان علم اللسان العربى متعذراً على الآحاد بعلمه ثابت للمجموع ، أى أن العرب
جميعاً يعرفون اللسان العربى كله ، وذاك كالعلم بالسنة لا يحيط بها واحد.
علماً ، ولكن مجموع الأصحاب ومن بعدهم مجموع التابعين، ثم الخلائف من
بعدهم قد أحاطوا بكلها علماً ، فإذا جمع علم أهل العلم بها أتى على السنن
کلها ، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه شىء منها ، ثم كان ما ذهب
عليه منها موجوداً عند غيره ، وكذلك اللسان العربي المجموع يعرفه وكل
واحد يعرف بعضه ، والعلم به طبقات ؛ ومنهم الجامع لأكثره ، وإن ذهب.
عليه بعضه ، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره .
(١) الرسالة ص ٠٤٢
.

- ١٩٥ -
ويرد الحجة الثانية باحتمال أن يكون بعض الأعاجم تعلم بعض الألفاظ
العربية وسرت إلى لغاتهم ، فتوافقت بعض كلمات القرآن القليلة مع تلك
الألفاظ ، كما يجوزأن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلا من لسان العرب .
هذا ما قاله الشافعى فى الرد على هذه الحجة ، ولو أنه اعترف بأن فى
القرآن ألفاظاً نادرة تمت إلى أصل عجمى لتمت له الحجة ، فهذا القليل النادر
كان قد سرى إلى العرب فعربوه ، وجعلوا مخارج حروفه ، كمخارج
الحروف العربية ، فصار بذلك عربياً بالصقل والتعريب ، وإن كان فى مولده
أعجمياً ، وقد اختار ذلك الرد الشاطبى من بعده ، فقد قال : وأما كونه
- أى القرآن - جاءت فيه ألفاظ العجم أو لم يجىء فيه شىء من ذلك ، فلا
يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به ، وجرى فى خطابها ، وفهمت
معناه ، فإن العرب إذا تكلمت به صار من كلامها ، ألا ترى أنها لاتدعه
على لفظه الذى كان عليه عند العجم ، إلا إذا كانت حروفه فى المخارج
والصفات كحروف العرب ، وهذا يقل وجوده ، وعند ذلك يكون منسوباً
إلى العرب ، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب ، أو كان بعضها
كذلك دون ، فلا بد له من أن تردها إلى حروفها ، ولا تقبلها على مطابقة
حروف العجم أصلا ، ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير ، كما تتصرف فى
كلامها ، وإذا فعلت ذلك صارت تلك الكلم مضمومة إلى كلامها كالألفاظ
المرتجلة والأوزان المبتدأة لها ، هذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه
ولا إشكال .
١٣٠ - ولا يكتفى الشافعى برد ما يبنى عليه الخصم كلامه ، بل يسرد
بعض الآى القرآنية التى تصرح بأن القرآن عربى ، وأنه جاء بلسان قوم
النبى صلى الله عليه وسلم، من مثل قوله تعالى: ((وإنه لتنزيل رب العالمين
نزل به الروح الأمين . على قلبك ، لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين »
وقوله تعالى: (( وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ، وقوله تعالى (( و كذلك أوحينا
إليك قرآناً عربياً، لتنذر أم القرى ومن حولها)، وقوله تعالى: ((قرآناً
1

- ١٩٦ -
عربيا غير ذى وج لعلهم يتقون )) .
ثم بين أن كتاب النبي يكون بلسان قومه مستدلا بقوله تعالى: ((ما أرسلنا
من رسول إلا بلسان قومه )) ثم يقول رحمه الله :
فإن قال قائل : إن الرسل قبل محمد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن
محمداً بعث إلى الناس كافة ، فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة،
ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه ، وما أطاقوا منه ، ويحتمل أن
يكون بعث بألسنتهم فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة ، دون
ألسنة العجم ، فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعضهم ،
فلابد أن يكون بعضهم تبعا لبعض ، وأن يكون الفضل فى اللسان المتبع
على التابع ، وأول الناس بالفضل من لسانه لسان النبي صلى الله عليه وسلم
ولا يجوز - والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه فى
حرف واحد ، بل كل لسان تبع للسانه .
٠ ١٣١ - والشافعى لا يثير ذلك البحث لمجرد الرد على من زعم ذلك
الزعم الباطل ، بل يسوقه ليبنى نتائج فى الأحكام الشرعية والاستنباط ، فهو
يبنى على كون القرآن عربيا ، وجوب تعلم العربية على كل مسلم حتى يشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، ويتلو كتاب اللّه، وينطق
بالذكر فيما افترض عليه من التكبير ، وأمر به من التسبيح والتشهد ، وغير
ذلك (١) .
بل إنه روى عنه أن عقد الزواج لا يجوز بغير العربية للقادر عليها ،
هذا قدر واجب على كل مسلم ، وإن تعلم من العربية أكثر من القدر
الذى يؤدى به الواجبات السابقة كان خيراً له ، ويكون ذلك من نوافل
الطاعات .
ثم هو يذكر أن كون القرآن عربيا يوجب على المستنبط أن يكون عالما
(١) الرسالة ص ٤٩ .

- ١٩٧ -
باللسان العربى ، لأن القرآن يفهم على مقتضى الأساليب العربية ؛ ولنترك
الكلمة فى هذا للشافعى ، فإن تلخيصها يذهب بجمالها ، وها هى ذى :
إنما بدأت بما وصفت عن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره ، لأنه
لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل لسان العرب ، وكثرة
وجوهه ، وجماع معانيه وتفرقها ، ومن علمه انتفت عنه الشبهة التى دخلت
على من جهل لسانها فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب
خاصة نصيحة للمسلمين ، والنصيحة لهم فرض لاينبغى تركه، وإدراك نافلة
خبر لايدعها إلا من سفه نفسه ، وترك موضع حظه ، وكان يجمع مع
النصيحة لهم قياماً بإيضاح حق ، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من
طاعة الله ، وطاعة اللّه جامعة للخير ، أخبرنا سفيان عن زياد بن علاقة قال
سمعت جرير بن عبد الله يقول: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل
مسلم. أخبر نا ابن عيينة عن سهيل بن أبى صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم
الدارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدين النصيحة ، إن الدين
النصيحة، إن الدين النصيحة لله، ولكتابه ، ولنبيه ، ولأئمة المسلمين
وعامتهم )) فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف معانيها ،
وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها ، وإن فطرته أن يخاطب بالشىء منه
عاماً ظاهراً يراد به الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره وعاماً ظاهراً
يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه ،
عاماً وظاهراً يراد به الخاص ، وظاهراً فى سياقه أنه يرد به غير ظاهره فكل
هذا موجود علمه فى أول الكلام وآخره وتبتدى بالشىء من كلامها يبين
أول لفظها فيه عن آخره ، وتبتدئء بالشىء بين آخر لفظها منه عن أوله ،
وتكلم بالشىء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ ، كما تعرف بالإشارة، ثم
يكون هذا عندها من أعلى كلامها ، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالها،
وتسمى الشىء الواحد بالأسماء الكثيرة ، وتسمى بالإسم الواحد المعانى الكثيرة.
وهكذا نرى أن الشافعى لا يقصد ببحثه مسألة كون القرآن عربياً مجرد

- ١٩٨ -
البحث النظرى أو الاعتقادى ، كما فعل من جاء بعده من علماء الأصول(١)
بل يقصد بهذا البحث أن يكون مقدمة نتيجتها التنبيه إلى أن استنباط
الأحكام من القرآن يجب أن يكون قائماً على تفهم الأساليب العربية ،
لأن القرآن جاء على منهاجها وإن كان أعلى منها ، وعلى طريقة العرب
فى البيان والإيضاح والإفهام ، وإن كان قد أعجزهم عن أن يأتوا بمثله .
العام والخاص فى القرآن
١٣٢ - العام يعرفه المناطقة وبعض علماء الأصول بأنه الاسم الذى
يدل على أشياء متغايرة فى العدد ، متفقة فى المعنى ، كالإنسان فإنه يدل على
(١) لقد تصدى علماء الأصول من بعد الشافعى فى مسألة عربية القرآن من غير أن يبينوا
الثمرة المترتبة على الحكم بأنه عربى من ناحية الاستنباط الفقهى دون سواه ، فالغزالى ، وهو
أقوى من كتب فى الأصول بعد الشافعى يقرر أن القرآن عربى. ويقرر بالنسبة لاشتماله على
بعض أنفاظ يشترك مع اللغات الأعجمية - أن فى المسألة رأيين، رأى الباقلانى أن كل كلمة
مستعملة فى القرآن هى عربية ، والأعاجم هم الذين أخذوها من العرب وحرفوها ، ورأى يرى
أن اشمال القرآن على بعض ألفاظ أعجمية قليلة لا ينافى عربيته ، ويقول الغزالى فى ذلك ، قال
القاضى كل كلمة فى القرآن استعملها أهل لغة أخرى ، فيكون أصلها عربياً ، وإنما غيرها
غيرهم تغيراً ما ، كما غير العبر انيون فقالوا : للإله : لاهوت ، وللناس : ناسوت ، وأنكرأن
يكون فى القرآن لفظ أعجمى مستدلا بقوله تعالى: (( لسان الذين يلحدون إليه أعجمى ، وهذا
لسان عربى مبين)) وقال أقوى الأدلة قوله تعالى: ((ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا
فصلت آياته أأعجمى وعربى )) ولو كان فيه لغة العجم لما كان عربياً محضاً، بل عربياً وأعجمياً،
ولاتخذ العرب ذلك حجة ، وقالوا نحن لا نعجز عن العربية أما الأعجمية فنعجز عنها . وهذا
غير مرضى عندنا إذ اشتمال جميع القرآن على كلمتين أو ثلاثة أصلها أعجمى ، وقد استعملتها
العرب ، ووقعت فى ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربياً وعن إطلاق هذا الاسم عليه
ولا يتمهد العرب حجة فإن الشعر الفارسى وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية ، إذا كانت تلك
الكلمات متداولة فى لسان الفرس ، فلا حاجة إلى هذا التكلف ، وهكذا يذكر الغزالى الموضوع
من غير أن يبين الثمرة التى ذكرها الشافعى فى رسالته ، ولذا قال فى الموافقات : إذا كان
كذلك القرآن فى معانيه وأساليبه على هذا الترتيب ، فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن
أن يفهم من جهة لسان العرب فكذلك لسان العرب لا يمكن أن يفهم من لسان فهم العجم ،
والذى نبه على هذا المأخذ هو الشافعى الإمام فى رسالته ، وكثير من أتى بعده لم يأخذ هذا المأخذ .

- ١٩٩ -
الرجل والمرأة والأسود والأبيض وزيد وبكر وخالد ، وهذه آحاد متغايرة
فى عددها وأشخاصها ولكنها مشتركة فى معنى الإنسانية الذى جعلها كلها
ينطبق عليها لفظ واحد يصلح أن يكون محمولا وأحدها الموضوع ، أى
خبراً وواحدها هو المبتدأ . فيقال الأبيض إنسان ، والأسود إنسان ،
والمرأة إنسان وزيد إنسان ، وهذا يدل على اشتراكها فى معنى واحد هو
الإنسانية، إذ صح الإخبار بها عن كل واحد منها ، وأكثر علماء
:الأصول على أن العام ما دل على جمع مثل آمنوا ، وقوموا ، والمطلقات .
والخاص عند المناطقة ما يدل على بعض ما يدل عليه مفهوم العام ،
كالأبيض بالنسبة للإنسان ، والرجل بالنسبة له أيضاً ، وقد يكون الخاص
عاماً ، فى ذاته كالرجل لأنه يطلق على كثيرين متغايرين فى الشخص مشتركين
فى المعنى ، ولكنه خاص بالنسبة للإنسان ، كما أن الإنسان خاص بالنسبة
للحيوان ، والحيوان خاص بالنسبة للحى وهكذا ، والخاص عند الأصوليين
الدلالة على بعض ما يدل عليه العام .
١٣٣ - بعد هذه التقدمة نتجه إلى ما قاله الشافعى فى الألفاظ العامة
١
الواردة فى القرآن ، إنه يقسمها ثلاثة أقسام : عام ظاهر يراد به العام
الظاهر أى يراد به كل ما دخل فى مفهومه من السياق ، وعام ظاهر يراد
به العام ويدخله الخصوص وسنبينه ، وعام ظاهر يراد به الخاص ، وهكذا
ينتهى استقراء الشافعى للعام الوارد فى القرآن الكريم إلى ضبطه فى هذه
الأقسام الثلاثة ، فلا يلوم من كون الصيغة لفظها عام بمفهومه الاستعمالى
فى اللغة أن يكون العموم هو المراد منها ، والسياق وقرائن الأحوال ترشد
إلى المراد المقصود ، فلا بد من الاستعانة بهما ، ولئن لم يوجد سياق
مخصص ولا قرينة حال ولا سنة مخصصة ، ففى هذه الحال يكون الاستعمال
اللغوى هو المتعين ، وهو أن يجرى اللفظ على مقتضى دلالته ، ولنبين
بعض أمثلة الشافعى التى ساقها .
٠٫٠٠
٠

- ٢٠٠ -
يمثل الشافعى للعام الذى يراد به العام بقوله تعالى ((الله خالق كل شىء.
وهو على كل شىء وكيل)) وقوله تعالى ((خلق السموات والأرض))
وقوله تعالى: ((وما من دابة فى الأرض إلا على اللّه رزقها)) ويقول.
الشافعى فى بيان عموم هذه الآيات ، فكل شىء من سماء وأرض ، وذى
روح وشجر وغير ذلك فالله خلقه ، وكل دابة فعلى اللّه رزقها ويعلم
مستقرها ومستودعها .
ويمثل الشافعى للعام الذى يراد به العام ، ويدخله الخصوص بقوله تعالى:
(( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ،.
ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)) وقوله تعالى: ((والمستضعفين من الرجال.
والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها)».
وقوله تعالى: (( حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ، فأبوا أن يضيفوهما ))
فالصيغ فى هذه الآيات عامة ، فتفيد الأولى بعمومها على أن أهل المدينة
ومن حولها جميعاً أن ينفروا مع رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ،
وتفيد الثانية أن أهل القرية جميعاً ظالمون ، وتفيد الثالثة أن الاستطعام كان.
من كل أهل القرية ، والإباء كان كذلك ، ولهذا التعميم وجه ولذلك لم.
تنف إرادته، ولم يسقط اعتباره ، ولكن فى كل منهما من هو أولى.
بالخطاب ، وأحق باللوم ، ففى الأولى أهل الطاقة والكفاية ، والثانية
من وقع منه الظلم فعلا ، وفى الثالثة من طلب منهم الطعام أو وقع منهم.
الإباء ، ففى الآيات الثلاث عموم معتبر ، وخصوص مقصود .
وقد ذكر الشافعى عند الكلام فى القرآن وجه العموم والخصوص ولم.
يوضحه كما وضح غيره، ولذلك نتجه إلى توضيحه من كلام الشافعى فى موضع
آخر ، ومن اتبعه ، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذه الأمور التى يراد فيها.
العموم والخصوص ما يسمى فى اصطلاح الفقهاء بالواجب على الكفاية ،
لأن الأمثلة التى ساقها تشير إلى ذلك ، وهو الذى إذا قام به بعض المخاطبين سقط
الحرج على الباقين ، وكان لمن قام به الفضل ، وإن لم يقم به أحد سقطوا فى.
الإثم جميعاً ، فالجهاد مطلوب من كل القادرين ، ولكن ، إن قام به من فيهم.
۵
٠