Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
٢ - شيوخه
٢٦ - تلقى الشافعى الفقه والحديث على شيوخ قد تباعدت أماكنهم ،
وتخالفت مناهجهم ، حتى لقد كان بعضهم معتزلياً ممن كانوا يشتغلون بعلم
الكلام الذى كان الشافعى ينهى عنه ، ولقد نال من كل خير ما عنده ،
فأخذ منه ما يراه واجب الأخذ ، وترك منه ما يراه واجب الرد .
لقد أخذ عن شيوخ بمكة ، وشيوخ بالمدينة ، وشيوخ باليمن ، وشيوخ
بالعراق ، ولقد جاء الفخر الرازى بأسماء بعض شيوخه فقال : اعلم أن
مشايخه الذين روى عنهم كثيرون ، ونحن نذكر المشهورين منهم ، والذين
كانوا من أهل الفقه والفتوى ، إنهم تسعة عشر ، خمسة مكية ، وستة
مدنية ، وأربعة بمانية، وأربعة عراقية ، أما الذين من أهل مكة فهم سفيان
ابن عيينة ، ومسلم بن خالد الزنجى ، وسعيد بن سالم القداح ، وداود بن
عبد الرحمن العطار ، وعبد الحميد بن عبد العزيز بن أبى زواد ، وأما الذين
من أهل المدينة فمالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعد الأنصارى ، وعبد العزيز
ابن محمد الداروردى ، وإبراهيم بن أبى يحيى (١) الأسامى، ومحمد
ابن أبى سعيد بن أبى فديك ، وعبد الله بن نافع الصائغ ، صاحب ابن أبى
ذؤيب ، أما الذين من أهل اليمن فمطرف بن مازن ، وهشام بن يوسف
قاضى صنعاء ، وعمر بن أبى سلمة صاحب الأوزاعى ، ويحيى بن حسان
صاحب الليث بن سعد ، وأما الذين من أهل العراق فوكيع بن الجراح ،
وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفيان ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الوهاب
ابن عبد المجيد البصريان .
(١) يقول الفخر: ( اتفقوا على أن ابراهيم بن أبى يحيى كان معتزليا
وهذا لا يضر بالشافعى لأن الشافعى كان يأخذ عنه الفقه والحديث لا أصول
الدين . قال الشافعى كنت على عمل باليمن واجتهدت فى الخير والبعد عن الشر ،
ثم قدمت الحينة فلقيت ابن أبى يحيى وكنت أجالسه ، فقال تخالفوننا
وتسمعون منا ، فاذا ظهر لأحدكم شىء دخل فيه .

- ٤٢ -
هذا وقد تلقى الشافعى عن محمد بن الحسن كتبه سماعاً منه ، وروى
عنه أحاديث وتفقه فقه أهل العراق عليه ، فهو بهذا من أساتذته ، وإن
أبى الفخر الرازى ذكر ذلك تعصباً ، ولكن العلم لا يخضع لتعصبه .
ومن هذا السياق الذى نقلناه وذكرناه يستفاد أن الشافعى قد تلقى العلم
على عدة من الشيوخ أصحاب المذاهب والنزعات المختلفة ، وبذلك نقول إنه
تلقى فقه أكثر المذاهب التى قامت فى عصره ، فتلقى فقه مالك عليه ، وكان
هو الأستاذ والنجم اللامع فى شيوخه ، وتلقى فقه الأوزاعى عن صاحبه
عمر بن أبى سلمة ، وتلقى فقه الليث بن سعد فقيه مصر عن صاحبه يحيى
ابن حسان ، ثم تلقى فقه أبى حنيفة وأصحابه على محمد بن الحسن .
هكذا اجتمع له فقه مكة والمدينة ، والشام ، ومصر ، والعراق ، ولم
يجد حرجاً فى أن يطلب الفقه عند من اشتهر بالاعتزال ، وعرف بأنه فى
أصول الاعتقاد لا يسلك فى طلبها مسلك أهل الحديث والفقه ، وانساغ
كل ذلك العلم الكثير فى نفس الشافعى ، فكان منه ذلك المزيج الفقهى
المحكم الذى تلاقت فيه كل النزعات منسجمة متعادلة ، متآ لفة النغم غير
متنافرة ، وتولدت منه تلك المعانى الكلية التى صهرها الشافعى ، وقدمها
للناس فى بيان رائع وقول محكم .
٢٧ - لا نستطيع أن نبين ما أخذه عن كل واحد ممن ذكرناهم ،
ولكن يجب أن نشير إلى أنه قال بعض كتاب الفقه فى هذا المقام إنه ظهر
مدرستان (١) للفقه استقامت كل واحدة على منهج واحد معين ، وأن
الفقهاء كانوا إلا قليلا يسيرون على منهج إحدى المدرستين لا يخالفونه إلى
نهج الأخرى ، إحدى المدرستين مدرسة الحديث وكانت بالمدينة ، والثانية
(١) وقد أخذت المدرستان تتلاقيان فى عصر الشافعى كما ذكر القائلون
هذا القول .

- ٤٣ -
مدرسة الرأى وكانت بالعراق (١) . يصح لنا أن نسايرهم فنضيف مدرسة
(١) ذكر الأستاذ الكبير أحمد أمين فى كتابه ضحى الإسلام مدرسة
أبى حنيفة من الصحابة ثم التابعين ومن بعدهم فى رسم بيانى سلسلته
كما يأتى :
على بن أبى طالب
١
عبد الله بن مسعود
سريح بن
علقمة بن قيس
مسروق بن
الأجدع الهمذانى
مات سنة ٦٢
الأسود بن يزيد
الحارث الكندى
النخعى مات
النخعى مات
مات سنة ٨٨
سنة ٦٢
سنة ٦٥
إبراهيم النخعى
مات سنة ١٠٤
حماد بن أبى سليمان مات سنة ١٢٠
أبو حنيفة مات سنة ١٥٠
وبين سلسلة مدرسة مالك فى ذلك الرسم
عمر عثمان عبد اللّه بن عمر
عبد الله بن عباس زيد بن ثابت
عبد الله بن
عروة بن القاسم بن سعيد بن سليمان بن
خارجة بن سالم بن
عبد الله بن الزبير ٩٤ محمد بن أبى المسيب
يسار
زيد بن عبد الله
عتبة بن مسعود
٩٣
بكر ١٠٦
١٠٠
ثابت ١٠٠ ١٠٦
مات سنة ٩٤
أو ٩٩
ابن شهاب نافع مولى أبو الزناد ربيعة الرأى يحيى بن سعيد
الزهرى عبد الله بن عمر .
1
١٣١
١١٧
١٢٤
١٣٦
١٤٣
مالك بن أنس
ثم يذكر فى دراسة الشافعى أنه درس على المدرستين فسلسلته هى سلسلتهما
معا ، ونحن نوافق أستاذنا الكبير أحمد أمين فى جملة ما يدل عليه الرسم ، =
قراء المدينة السبعة
عامر بن شرحبيل
مات سنة ٩٥

- ٤٤ -
ثالثة تعنى بتفسير القرآن ، وتعرف أسباب نزوله ورواية التفسير المأثور فيه
وتفهم القرآن على ضوء ذلك ، ولغة العرب وبعض عاداتهم ، وتلك
المدرسة هى مدرسة مكة التى اتخذها ابن عباس مقاماً له .
وعندى أن المدارس لا تتميز بالرأى والحديث ، بل تتميز بمنهاج من
تلقوا عنهم وطريقة الرأى ، وكثرة فتاوى الصحابة وقلها ، ومن المقرر
أن الفقهاء السبعة الذين كانوا أساتذة الفقه الحجازى قد كان لهم رأى كثير ،
ومهما يكن فقد أخذ الشافعى من كل ، فمدرسة الحجاز تخرج على شيخها
مالك رضى اللّه عنه ، ومالك تلقاها عن طائفة من تابعى التابعين ، وأولئك
تلقوا فقههم عن التابعين الذين اشتهروا بعلمهم بفتاوى الصحابة والآثار
والرأى أيضاً ، ثم أولئك تلقوا عن الصحابة الذين كانوا يسيرون على
منهاج عمر وزيد وابن عمر بالمأثور ، إن عرض لهم أمر تعرفوا حكمه من
الكتاب فإن لم يجدوا ، فمن المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وإلا
أفتوا بما فيه صلاح الناس . أما مدرسة العراق ، فكان شيوخها أصحاب
أبى حنيفة من بعده ، وأبو حنيفة تلقاها عن بعض تابعى التابعين الذين تلقوا
عن تابعين تأثروا بفقه معاذ الذى نادى بالرأى بعد السنة وتلقوا عن عبد الله
ابن مسعود الذى كان يمثل طريقة عمر بن الخطاب أيضاً .
وتلقى فقه القرآن وتفسيره فى مكة وتخرج على البقية الباقية ممن تأثروا
طريق ابن عباس الذى أقام بها ، وكان يدارس القرآن فيها ، حتى لقد وجد
= وان كنا نشير الى أمرين: ( أحدهما ) أن عبد الله بن مسعود لم يكن مخالفا
لاتجاه عمر كما نذكر فى صلب كلامنا ، وشيخ أهل الرأى من الصحابة فى نظر
الباحثين هو عمر رضى الله عنه كما يدل على مسلكه فى مسائل كثيرة ، فمدرسة
الكوفة على هذا تنتهى إلى عمر عن طريق عبد الله بن مسعود .
(ثانيهما ) ان عبد الله بن عباس قد أقام فى مكة بعد أن اعتزل السياسة
يدرس ويدارس ، فكان له بذلك مدرسة خاصة تعنى بالقرآن ، وقد اتصل
الشافعى بالمتأخرين بها من أهل مكة كما اتصل بتلاميذه الأوزاعى وبتلاميذ
الليث ، فكان بذلك متصلا بكل الدراسات الفقهية فى عصره .

- ٤٥ -
مجلد فى التفسير ينسب إليه ، ولقد وصفه عبد اللّه بن مسعود بأنه ترجمان
القرآن ، وقد سئل ابن عمر عن معنى آية ، فقال لسائله انطلق إلى ابن عباس
فاسأله ، فإنه أعلم من بقى مما أنزل الله على خاتم النبيين، وعن عطاء ما رأيت
قط أكرم من مجلس ابن عباس ، وأكثرهم فقهاً وأعظمهم خشية ، إن
أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن عنده ، وأصحاب الشعر عنده ، يصدرهم
كلهم عن واد واحد ، وعن الأعمش : خطب ابن عباس وهو على
المرسم ، فجعل يقرأ ويفسر فجعلت أقول لو سمعته فارس والروم لأسلمت.
نشأ الشافعى فى مكة ، حيث كان علماؤها أو بعضهم متأثرين طريقة
عبد الله بن عباس ، وطريقة فهمه للدين ، فكانت مكة مكان حضانته
وتربيته ، ثم كانت مكان درسه ، وهو يرسم حدود طريقته ، ومسالك
خطته ، ولعله كان فى ذلك الإبان يترسم طريق ابن عباس ، ويأخذ نفسه
بسمتها ويربى نفسه على نحو مثاله ، فإن النابغة من النبغاء يكون له ، وهو
يعمل فى تكوين نفسه مثال كامل من العلم والفكر والخلق ، يترسم طريقه
ويتبع خطاه ، يكون بين أنفسهما مواءمة ، وبين استعدادهما تقارب ،
ومزايا ابن عباس كانت فى ذلك الإبان تنشر وتذكر ، ويتحدث العلماء
والمؤرخون ، ويخيرون عنها لمكان دولة الهاشميين ، وإن الماثلة كانت
قائمة فى الحملة ، فالشافعى كان فصيح البيان ، كما كان ابن عباس من
قبل ، وكان يعنى بعلم القرآن كما عنى ابن عباس وأجاد ، وكان يعنى
بالشعر كما يعنى بالفقه كما فعل ابن عباس ، ثم كان يحصر دروسه وطالبو
القرآن ، وطالبو الحديث ، وطالبو الفقه ، ورواة الشعر والعربية ، كما
كان الشأن مع ابن عباس ، فهل لنا أن نعتقد أن الشافعى جعل من ابن
عباس مثله الكامل ، وترسم خطاه ، وسار فى مثل سبيله ، وسواء أصح
ذلك الفرض أو لم يصح ، فمن المؤكد أن الشافعى بدراسته فى مكة وإقامته
بها قد استفاد علماً لم يكن بالعراق ولا بالمدينة ، وهو الأخذ بطريقة ابن
عباس فى العناية بدراسة القرآن ، والعناية بمجمله ومفصله ، ومطلقه

- ٤٦ -
ومقيده ، وخاصه وعامه ، حتى خرج لفقهاء عصره مجديد فى هذا الباب
لم يتدارسوه ، وإن كانت مواده بين أيديهم معدة مهيأة .
٣ - دراساته الخاصة وتجاربه
٢٨ - لا يستفيد العالم علمه من مواهبه وشيوخه فقط ، بل إن دراسته
الخاصة ومعالجته لأبواب العلم ، ورحلاته واختباراته لها شأن عظيم فى
ثقافته، ولها الأثر الأكبر فى إنتاجه ، وما يختص به من ثمرات عقلية ،
وقد كان الشافعى مع اتصاله بشيوخه فى مكة والمدينة ، كثير النجعة ، محباً
للرحلة ، رحل إلى هذيل صغيراً ، فتفصح بلغتها ، ثم كان معها يرحل
برحيلها ، وينزل بنزولها مدة تقارب عشر سنين أو تزيد ، فأفاد خبرة
ببلاد العرب وعاداتهم وطبائعهم ، وهم الذين نزل القرآن فيهم ، ومن
عاداتهم ما يفسر بعض ما فى القرآن الكريم .
وبعد ذلك رحل فى طلب الحديث والفقه ، رحل إلى مالك ولازمه ،
ثم رحل مع اتصاله بمالك إلى أطراف الجزيرة العربية دارساً متفهماً ، وبعد
موت مالك رحل إلى اليمن عاملا فى بعض أعمال ولايتها ، وكان بنجران ،
وعلم صلة الحاكم بالمحكوم ، وخبر عن كثب علاقات الناس ، ثم رحل
إلى العراق ، ومصر ، ولا شك أنه فى كل هذه الرحلات علم ما عليه
معاملات الناس فيما بينهم ، وما تسير عليه عاداتهم ، وعرفهم ، وأثر كل
ذلك فى توجيه رأيه فى العدل ، وفهمه ، وأثره فى الناس ، فوضع لذلك
المقاييس ، وجد واستنبط ، ولقد كان يرى فى السفر فوائد جليلة (١)
ولذا كان يقول :
(١) ويروى فى فوائد السفر شعر جزل جاء فيه .
سافر تجد عوضا عمن تفارقه
انى رأيت وقوف الماء يفسده
والأسد لولا فراق الغاب ماافترست
والتبر كالترب ملقى فى أماكنه
وأنصب فان لذيذ العيش فى النصب
ان سال طاب وان لم يجر لم يطب
والسهم لولا فراق القوس لم تصب
والعود فى أرضه نوع من الحطب

- ٤٧ -
أنال مرادى أو أموت غريباً
سأضرب فى طول البلاد وعرضها
وإن سلمت كان الرجوع قريباً
فإن تلفت نفسى فلله درها
ولا شك أن الأسفار فوق ما تعطيه للفقيه من مادة وخبرة هى بطبيعتها
تفتق الذهن ، وتنمى المدارك ، وترهف الحس ، وتعطى الفكر مادة من
الصور توسع تصوره وتفتح له مسالك من الفروض العقلية ، والمسائل
الواقعية ، وهى لهذا لازمة للمفكر الذى يريد أن يضع قضايا كلية للحوادث
الجزئية ، ولذلك كان أكثر الفلاسفة الذين أضافوا إلى آثار العقل الإنسانى
آثاراً يضربون فى الأرض ويسعون فى مناكبها .
٢٩ - ولقد كانت رحلات الشافعى علمية ، فهو يتصل بالشيوخ ،
ويدارس العلماء يأخذ عنهم ، ويعطيهم ، فدرس فى سفره وحضره المذاهب
المختلفة ، بعضها سماعاً ممن تلقوها ، وبعضها من الكتب كتبت فيها ، درس
مذهب الأوزاعى ، وقد سجل فيما أثر عنه من كتب أثر هذه الدراسة ،
ففى المجموعة الفقهية المطبوعة فى مصر كتاب سير الأوزاعى ، فيه يناقش
الشافعى آراء الأوزاعى فى السير ، يخالفه فى بعضها ، ويوافقه فى الآخر ،
ودرس مذهب الليث بن سعد ، حتى لقد روى أنه فضله على الإمام مالك
فى الفقه . وقال : الليث أفقه من مالك ، إلا أن أصحابه لم يقوموا به ، وهذه
كلمة لا تصدر عن الشافعى إلا إذا كان قد درس آراءه ، وعرف مقدار
ما فى هذه الآراء من قوة ، وما تدل عليه من مدى صاحبها فى الفقه ،
فالشافعى بلا ريب درس فقه الليث دراسة عميقة ، انتهت به إلى هذا الحكم
الذى لام فيه أصحابه لأنهم ضيعوا فقهه ، ولم يقوموا بنشره
والاستمساك به .
ثم درس دراسة عميقة فقه أهل العراق ، درس كتب محمد بن الحسن
سماعاً على محمد نفسه ، ودرس كتب الخلاف بين العراقيين أنفسهم ،
والمجموعة الفقهية التى بين أيدينا قد سجل فيها بعض هذه الدراسة ، وإنك
لتجد فيها كتاب اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى الذى كتبه أبو يوسف

- ٤٨ -
يناقش آراء أبى حنيفة ، وابن أبى ليلى . وأبى يوسف فى اختياره ، ثم
يختار هو من بين هذه الآراء ما يراه أقرب إلى الحق .
وفى الجملة نراه درس المذاهب المعروفة فى عصره دراسة ناقد فاحص ،
ومسترشد متفهم ، لا دراسة غائب ، ولا دراسة مقلد ، يتبع الأسماء ،
والرجال .
وإن رحلاته العلمية جعلته لا يقتصر فى دراسته على فقهاء الجماعة الذين
دخلوا فى طاعة الخلفاء ، بل كان يدرس آراء الشيعة وغيرهم ، ووجدنا
أثر ذلك فى ثنائه على بعض علمائهم ، فقد روى عنه أنه قال كما جاء فى
تاريخ ابن كثير : من أراد الفقه فهو عيال على أبى حنيفة ومن أراد السير
فهو عيال على محمد بن إسحق ، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك ،
ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان .
ومقاتل بن سليمان هذا الذى جعله الشافعى إمام التفسير هو شيعى
زيدى فقد جاء فى الفهرس لابن النديم : مقاتل بن سليمان من الزيدية
والمحدثين ، والقراء. وله من الكتب كتاب التفسير الكبير، وكتاب الناسخ
والمنسوخ ، وكتاب القراءات ، وكتاب متشابه للقرآن الجوابات للقرآن .
هو إذن شيعى ، ودرس الشافعى كتبه ، وانتهى من دراستها إلى الحث
على قراءتها ، واعتبره إماماً فى هذه المادة ، يؤم ويقصد إليه ، وهذا يدل
بلا ريب على أنه كان يدرس كل ما يتصل بفقهه وما يؤثر فيه من أبواب
الاجتهاد من غير تقيد بنحلة من يقرأ له ، لا يهمه إلا أن ينال العلم من غير
نظر إلى صاحبه(١) .
٣٠ - درس الشافعى كل ما يمكن أن يفيد الفقيه الإسلامى ، الذی یرید
أن يستنبط مذهباً فقهياً ينبع من الكتاب والسنة والحمل عليهما ، فدرس اللغة
(١) لا نريد أن نأخذ من هذا دليلا على ميله الى الشيعة الزيدية ، فان ذلك
لا يعد دليلا ، لأن الشافعى كان يطلب العلم أنى وجده ، لا يهمه الوعاء الذى حمله
اليه ، انما يهمه ما فى الوعاء ، ولقد اتهم الشافعى بالتشيع فى عهد الرشيد ،
وقيل بايع سرا بعض العلويين .

- ٤٩ -
والقرآن ، والحديث ، ورواية من سبقوه ، وخلافهم ووفاقهم ، غير مقيد
بنحلة ، أو مذهب أو طائفة ، ورحل فى سبيل ذلك رحلات علمية استفاد
منها علماً كثيراً، وتجارب كبيرة واختباراً لطبائع الناس وأحوالهم وشئون
اجتماعهم ، ولكن هل تعلم فيما تعلم اليونانية ؟ ليس عندنا فى هذا علم
مبنى على رواية صحيحة صادقة ، فليس عندنا ما ينفى أو يثبت وإن كنا
نميل إلى النفى لأنه قد ذكر أكثر شيوخه ومن التقى بهم فلو كان هناك من
علمه اليونانية لذكره ، وقد رفعه المتعصبون له إلى أعلى الدرجات العلمية ،
فلو كان ثمة ما يدل على تعلمه اليونانية لأعلنوه وشادوا بذ کر الشافعی فیه،
ولكنا لم نجد رواية صادقة قد تعلقوا بها .
ولقد رأينا بعض من درسوا الشافعى ينسب إليه تعلم اليونانية ،
ويتعلق فى ذلك بكلمة جاءت للفخر الرازى . ذلك أن الرازى يروى أن
الشافعى عندما سيق إلى الرشيد متهماً قد سأله الرشيد عن علمه . فكان
مما جاء فى هذه المحاوبة: ((قال الرشيد : فكيف علمك بالطب ؟
قال الشافعى : أعرف ما قالت الروم ومثل أرسططاليس وبقراط
وجالينوس وقرقوريوس ، وأبوقليس بلغاتها ، وما نقله أطباء العرب ،
وقنفته فلاسفة الهند ونمقته علماء الفرس)) (١).
وهذه العبارة بصريحها تفيد أنه كان يعلم لغة الروم ، وهم اليونان على
حد تعبير كثير من كتاب بعض مؤرخى الشرق ، ولكن فى هذه القصة
(١) وقد رد ابن القيم تلك الرواية . فقد جاء فى كتاب مفتاح السعادة
بعد ذكر رواية علمه بالطب اليونانى بلغته ما نصه : انها كذب مفترى على
الشافعى ، البلاء فيها عند محمد بن عبد الله البلوى هذا ، فانه كذاب وضاع ،
وهو الذى وضع رحلة الشافعى وذكر فيها مناظرته لابى يوسف بحضرة الرشيد.
ولم يرد الشافعى أبا يوسف ، ولا اجتمع به قط . وانما دخل بغداد بعد موته ،
ثم ان فى سياق الحكاية ما يدل من له عقل أنها كذب مفترى ، فان الشافعى لم
يعرف لغة هؤلاء اليونان البتة ، حتى يقول انى أعرف ما قالوه بلغاتهم ، وأيضا
فان هذه الحكاية أن محمد بن الحسن ، وشى بالشافعى الى الرشيد ، وأراد قتله ،
وتعظيم محمد الشافعى ومحبته له ، وتعظيم الشافعى له ، وثناؤه عليه هو
المعروف وهو يدفع هذا الكذب ، راجع مفتاح السعادة ص ٥٦٥ .
( م ٤ - الشافعى )

A
- ٥٠ -
التى ساقها الرازى فى المناقشة التى جرت ، وتفصيلها على هذا النحو فى أكثر
من موضع نظر كبير ، وذلك لأن هذه القصة ، فيها أنه كان فى مجلس
الرشيد أبو يوسف ومحمد ، ومجىء الشافعى لبغداد متهماً كان سنة ١٨٤
أى بعد موت أبى بوسف بيقين ، لأنه مات سنة ١٧٣ ، ولأنه نسب فى هذه
الرواية إلى محمد وأبى يوسف أنهما حرضا على الشافعى ، وذلك لا يتفق
مع أخلاق أهل العلم ، وما عرف عن هذين الإمامين الجليلين ، ولا يتفق
مع ما اشتهر واستفاض ، وأصبح فى حكم المقطوع به تاريخاً من أن
الإمام الشافعى عندما جاء بغداد فى هذه الرحلة اتصل بالإمام محمد ، ودرس
كتبه عن طريق السماع منه ، ولأن هذه القصة تشتمل مناقشات فقهية
أجاب الشافعى فيها إجابات لا تتفق مع المذهب الشافعى ، وقد حاول الرازى
الدفاع فى بعضها ولذلك رفض ابن كثير وابن حجر هذه القصة ، وقال
ابن حجر فيها : وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعى المروية من طريق عبد الله
ابن محمد البلوى فقد أخرجها الآبرى والبيهقى وغيرهما مطولة ومختصرة ،
وساقها الفخر الرازى فى مناقب الشافعى بغير إسناد معتمداً عليها ، وهى
مكذوبة ، وغالب ما فيها موضوع ، وبعضها ملفق من روايات ملفقة
وأوضح ما فيها من الكذب قوله فيها إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا
الرشيد على قتل الشافعى، وهذا باطل من وجهين: ((أحدهما)) أن
أبا يوسف لما دخل الشافعى بغداد كان قد مات ولم يجتمع به الشافعى ،
((والثانى)) أنهما كانا أتقى من أن يسعيا فى قتل رجل مسلم ، لا سيما وقد
اشتهر بالعلم ، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما أتاه اللّه من العلم ،
((هذا مالا يظن بهما)) وأن منصبهما ((وجلالهما)) وما اشتهر من دينهما ليصد
عن ذلك .
وإن كانت القصة قد رفضت من المحققين من الرواة ، لاشتمالها على
ما يدل على بطلانها ، ولأن راويها ليس من الصادقين فى رواياتهم ، فليس
من التحقيق العلمى التمسك بشىء مما جاء فيها ((إلا إذا ثبت بدليل غيرها))
أى برواية أخرى أصدق أنباء وأنقى خبراً . ولم نجد خبر تعلمه اليونانية
١

- ٥١ -
فى غير هذه الرواية ، فليس لنا حينئذ أن نقبله ، ولسنا فى هذا إلا متبعين
ما يوجبه أسلوب البحث العلمى ، فإن مسائل التاريخ لا يصح أخذها إلا بما
یرجح صدقه ، وليس فى رواية ، أو فى روايته ما يدل على كذبه .
وليس لنا غرض خاص فى نفى تعلم الشافعى لليونانية ، فإن الشافعى إمام
قد وضحت مناهج بحثه ، وتبينت مصادر علمه ، ووسائل استنباطه
فى المسائل التى استنبط أحكامها ((القضايا الكلية التى ضبط موازينها))
فلا يزيدنا علماً بمذهبه كونه كان يعلم اليونانية ، ولا يغض من استنباطه
كونه كان لا يعلمها .
عصر الشافعى
٣١ - ولد الشافعى فى العصر العباسى، وعاش فيه، وكانت الفترة التى
استغرقت حياة الشافعى من ذلك العصر ، هى فترة استقرار الأمر لهذه
الدولة ، وتمكين سلطانها ، وازدهار الحياة الإسلامية فيها ، وقد امتاز ذلك
العصر بميزات كان لها الأثر الأكبر فى إحياء العلوم ، ونهضة الفكر
الإسلامى ، واقتباس العلماء من فلسفة اليونان ، وآداب الفرس ، وعلم
الهند . ولنذكر كلمة موجزة فيما امتاز به ذلك العصر من مظاهر فكرية
واجتماعية (١) .
٣٢ - إن المدن الإسلامية كانت تموج بعناصر مختلفة من فرس وروم
وهنود ونبط ، وكانت بغداد موطن الحكم ، وحاضرة العالم الإسلامى تموج
بأمشاج مختلفة ، من أجناس متباينة الأرومة ، مختلفة الجرثومة ، وكانت
الوفود تجىء إليها من كل بقاع العالم الإسلامى ، وكل يحمل حضارة جنسه
فى أطواء نفسه ، ومكامن حسه ، وإن المجتمع الذى يكون على هذه الشاكلة
تكثر فيه الأحداث الاجتماعية إذ تبدو فيه مظاهر مختلفة من تفاعل تلك
(١) قد كتبنا فى كتابنا ( تاريخ الجدل) - الناشر دار الفكر العربى -
فصلا فى بيان الظواهر الاجتماعية والفكرية التى اختص بها العصر العباسى
الأول ، فارجع اليه فى الصفحات ما بين ٢٣٠ الى ٢٥٠ .

- ٥٢ -
الخواص الجنسية ، ولكل حادثة حكمها من الشرع ، فإن الشريعة الإسلامية
شريعة عامة ، تحكم بالإباحة أو المنع فى كل الأحداث ، دقيقها وجليلها ،
ومن شأن دراسة هذه الأحداث أن توسع عقل الفقيه وتفتق ذهنه إلى
استخراج المسائل ، وتوسع فيه ناحية الفرض والتصور ، ووضع ضوابط
عامة لجنس الفروع المتباينة .
٣٣ - ولقد نشطت فى ذلك العصر حركة الترجمة وتولاها الخلفاء
العباسيون بالتنمية والتشجيع ، وزخرت اللغة العربية ، بأرسال من الأفكار
اليونانية ، جاءتها من عدة طرائق ، جاءتها من طريق الفرس الذين كانوا
متأثرين باليونانية ، وجاءتها من طريق السريان الذين كانوا أعظم ناقلى فلسفة
اليونان فى ذلك الإبان ، وجاءتها من اليونانية نفسها ، فإن بعض الموالى
كان يجيد اليونانية والعربية ، فنقل إليها طرائف من أفكارها ، فجاءت
الفلسفة اليونانية أحياناً خالصة ، وأحياناً لابسة ثوباً فارسياً ، وأحياناً مرتدية
بمسوح يهودية ومسيحية عن طريق السريان .
ولقد كان لذلك أثره فى الفقه الإسلامى ، وكان تأثيره مختلف الأنواع
على حسب قوة العقل والدين ، عند من نال من هذه الفلسفة ، فمن الناس من
كانت لهم عقول قوية مستقيمة ، ولهم إيمان صادق ، فكانوا بقوة عقولهم ،
وقوة إيمانهم يسيطرون على ما يرد إليهم من أفكار ، فتهضمها نفوسهم ،
ويستفيدون منها نماء فى تفكيرهم ومداركهم ، ورياضة لعقولهم، ومنهم من
لا تقوى نفوسهم على احتمالها فتضطرب عقولهم عند ورودها ، بين قديمها
وجديدها ، فتكون فى فوضى فكرية لا استقرار فيها ، ولذا رأينا قوماً
بعضهم شعراء وبعضهم كتاب ، وبعضهم ينتسبون للعلم ، قد غزتهم تلك
الأفكار ، فلم تقو على هضمها عقولهم ، وهجروا أفكارهم القديمة الصالحة
فاضطربوا ، وصاروا حائرين .
ولقد وجد بجوار هؤلاء زنادقة كانوا يعلنون آراء مفسدة للجماعة
الإسلامية ويتناجون بأمور هامة للإسلام ، ويدبرون الأمر كيداً لأهله ،

-: ٥٣ -
وتهويناً لشأنه ، ومنهم من كانوا يريدون نقض الحكم الإسلامى، وإحياء
الحكم الفارسى القديم كما حدث من المقنع الخراسانى الذى خرج على الدولة
العباسية فى عهد المهدى .
٣٤ - جرد خلفاء بنى العباس السيف للخارجين المنتقضين من هؤلاء
الزنادقة ، وجردوا السوط للمفسدين فى الجماعة الإسلامية الذين يريدون
أن تشيع فى المسلمين الإباحية ، والخروج عن أوامر الشرع ، وحظيرة
الدين ، وجرودا الذين يبثون بين المسلمين العقائد الفاسدة بحجج مموهة .-
العلماء للرد عليهم ، فتصدى من أولئك العلماء من سموا فى تاريخ الفكر
الإسلامى بالمعتزلة (١)، نازلهم أولئك العلماء بالحجج الدامغة ، والأدلة
القوية ، فقربهم منهم الخلفاء ، وأدنوا مجالسهم ، وفتحوا لهم باب قصورهم
فى عهد المنصور ، وعهد المهدى ، ثم فى عهد المأمون ، والمعتصم ،
والواثق ، وكان منهم فى عهد هؤلاء الخلفاء الثلاثة الوزارء والحجاب
والكتاب ، بل كان المأمون يعد نفسه منهم ، وقد كان تجرد هؤلاء
العلماء للرد على الزدناقة والمجوس وغيرهم ممن التحموا معهم فى جدال
ذوداً على الإسلام ، وذباً عن حياضه - سبباً فى أن أخذوا يسلكون
فى الاستدلال للعقائد والمحاماة عليها طرائق جديدة لم تكن مألوفة فى
الاستدلال عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، ثم هم فى هذا
السبيل قد قبسوا من الفلسفة ما يرهفون به سلاحهم ، ويقوون
به احتجاجهم ، ثم هم كانوا مأخوذين بطريق خصومهم فى الهجوم والدفاع .
فسرت إليهم مسائل مما يخوض فيه أولئك الخصوم ، ثم تورطوا بعد
ذلك فى إثارة مسائل فلسفية لم تكن مما يفكر فيها العلماء المسلمون من
الصحابة والتابعين ، تكلموا فى إرادة الإنسان وأفعاله ، وسلطان اللّه
عليهما ، وتكلموا فى صفات الله سبحانه وتعالى ، أهى شىء غير الذات
أم هى والذات شىء واحد ؟ تكلموا فى كل ذلك فأعرض الفقهاء
مستنكرين عملهم ، وذلك فوق ما قد خالفوا به طريقة السلف الصالح
(١) سنذكر كلمة عن المعتزلة فى هذا البحث لصلتهم بعصر الشافعى .

- ٥٤ -
فى الاستدلال للعقائد ، وطريقة المحدثين والفقهاء ، وكان طبيعياً ألا يلتقى
هذان الفريقان اللذان يخدمان الدين الإسلامى ، لاختلاف عقليتهما
ومنطق تفكيرهما ، فالفقهاء والمحدثون يتعرفون دينهم من الكتاب والسنة ،
وعلمهم العقلى فهم نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية ، واستنباط
الأحكام من عبارتهما أو إشارتهما ، أو الاجتهاد بالرأى إن لم يكن نص ،
هذا أقصى ما يسيرون فيه ، أما المعتزلة فيرون إثبات العقائد بالأقيسة العقلية
وهم لذلك يستخدمون المنطق والبحوث الفلسفية .
ولقد كان مجرى الأمور توجب أن يكون كل فيما خصص فيه ، هؤلاء
لفهم نصوص الكتاب الكريم ، والسنة النبوية ، واستنباط قانون إسلامى
منهما ، أو تحت ظلهما ، وأولئك لبيان العقيدة الإسلامية والذود عنها
بالطرق التى تلزم الخصوم وتقطعهم ، ويستعان فى ذلك بكل ما يؤدى إلى
الانتصار والفلج فى النزال ، ولكن بعض خلفاء بنى العباس حاولوا أن
يحملوا العلماء على بعض آراء المعتزلة فى مسألة جوهرية هى ما تسمى فى
التاريخ الإسلامى بمسألة ( خلق القرآن ) (١)، فقد حاول المأمون والمعتصم
والواثق حمل الفقهاء والمحدثين على أن يقولوا مقالة المعتزلة فى هذه المسألة .
وأخذوهم فيها بالعنف والأذى لا بالرفق والهوادة ، فكان المعتزلة بذلك
هم الخصوم للفقهاء والمحدثين .
وإذا كان علم الكلام فى عصر الشافعى قائماً على تعاليم المعتزلة وأساليبهم،
فقد بغض الشافعى ذلك العلم واستنكر الاشتغال به . لأنه لا يفهم منه
إلا الصورة التى رآها فى المعتزلة ، لذلك نستطيع أن نقول إن أثر المعتزلة
فى نفس الشافعى كان سببا فى حملته وإيجابياً من ناحية ، ومن تأثره بهم
(١) هذه المسألة شغلت العقل الإسلامى فى عهد ثلاثة من خلفاء بنى
العباس : المأمون والمعتصم والواثق . وقوامها هل القرآن مخلوق للّه سبحانه
وتعالى ؟ قال المعتزلة ذلك ، لأن الله خلقه وأنزله على رسوله ، وقال بعض
المحدثين والفقهاء ، القرآن : غير مخلوق ، لأنه كلام اللّه ، وكلام الله غير مخلوق،
وتوقف بعض الفقهاء والمحدثين . وقد نزل بالفريقين من الفقهاء والمحدثين أذى
شديد ( راجع مسألة القرآن فى كتابنا تاريخ الجدل للمؤلف - الناشر دار الفكر
العربى ) .

- ٥٥ -
الإيجابى مسلكه فى الجدل الفقهى وقوة احتجاجه ، فقد كان مجادل بعض
فقهاء الرأى ممن أدرجوا فى سلك المعتزلة كبشر المريسى ، وأولئك
قد تمرسوا بالجدل وأتقنوه ، فلعل الشافعى قد درس طرائقهم فى الجدل ،
وكيف يؤتى الخصم ، وكيف تنتزع الحجة من أقواله ، فإن ذلك مما اشتهر به
الشافعى ، وفاضت به كتبه ، وعلى أى حال فالعصر فى حملة نواحيه كان
عصر جدل واحتجاج .
٣٥ - وإن الفرق الإسلامية التى كانت تمتشق السيف لانتزاع الملك
من الأمويين ، وهم الشيعة والخوارج قد فل سيفهم ، وضعفت شوكتهم ،
فسكنت الفتن ، ولكن منتحلى هذه النحل قد حولوا جهادهم فى سبيلها من
امتشاق السنان إلى امتشاق القلم ، فقد أخذوا ينظمون آراءهم ، ويدونون
حججهم ، ويدافعون عنها بالدليل والبرهان ، عندما تمكنهم الفرصة ،
وتواتيهم النهزة ، فتكونت مذاهب الشيعة ، فكان منهم الإمامية الإثنا عشرية،
ولهم فقه متميز ، وكان منهم الإمامية الإسماعيلية وكانت لهم فلسفة
واجتماعات ودعايات ، وكان منهم الزيدية ، ولهم فقه عظيم يدرس فى هذا
العصر، وقد كشفت بعض الآثار الإسلامية فى ميلانو، فوجد مخطوط منسوب
للإمام زيد المتوفى سنة ١٢٢ هـ وهو فى الفقه ، وسواء أصح ذلك المخطوط
فی نسبته إلى الإمام زید أم لم يصح، فمما لا شك فيه أن فقه الشيعة کان یدرس
ويعلن فى عصر الشافعى ، وقد رأيت فيما أسلفنا لك من القول أن الشافعى
کان مطلعاً على آراء مقاتل بن سليمان ، وهو شیعی زیدی ، فھو بلا ريب
قد أوتى علماً بهذه النحلة ، أو على الأقل بفقهها ، وإن لم يذكر اسمها
فى كتبه ، فإنه قد ذكر مجادلات كثيرة ولم يعلن أسماء أصحابها .
٣٦ - ولقد كان من طبيعة انصراف طوائف من الناس للعلوم
المختلفة يدرسونها ويذاكرونها أن يتجه العلماء إلى تدوين علومهم ، وهذا
ما امتاز به العصر العباسى ، فقد كان العصر الأموى الاتجاه العلمى فيه إلى
التلقى والاستماع ، وخصوصاً فى العلوم الدينية ، أما فى العصر العباسى ، فقد

- ٥٦ -
أخذ العلم يدون ، وأخذت العلوم تتميز ، وصار لكل علم علماء قد
اختصوا به يتفننون فيه ، ويضبطون قواعده ، فالخليل بن أحمد يضبط
بحور الشعر بوضع علم العروض ، وعلماء اللغة يضعون الضوابط لعلم
النحو والصرف ، وهكذا ... كذلك الفقه والحديث قد أخذ الفقهاء
والمحدثون فى تدوينها فى آخر العصر الأموى وهذا العصر ، فقد كان فقهاء
المدينة يجمعون فتاوى عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ، ومن جاء
بعدهم من كبار التابعين فى المدينة وينظرون فيها ، ويستنبطون منها ، ويفرعون
عليها ، كما كان العراقيون يجمعون فتاوى عبد الله بن مسعود ، وقضايا على ،
وفتاواه ، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ، ثم يستخرجون منها
ويستنطبون ، فلما جاء العصر العباسى ، اتسعت آفاق التدوين فى الحديث
مرتباً ترتيباً فقهياً ، ولم يكن الأمر مقصوراً على هؤلاء الفقهاء والمحدثين ،
فقد بينا أن فقهاء الشيعة قد أخذوا يدونون آراءهم .
وقد كتب الإمام أبو يوسف كتاب الخراج ، وكتاب الخلاف بين
أبى حنيفة وابن أبى ليلى ، والرد على سير الأوزاعى ، ودون محمد بن الحسن
فقه أبى حنيفة وأصحابه وهكذا . ولقد ذكر ابن النديم فى الفرس ، كتباً
كثيرة منسوبة إلى أبى حنيفة وأصحابه . وإذا كان الفقه قد دون فى عصر
الشافعى فقد وجد فقه من سبقوه ، ومن عاصره مدوناً مقرراً ، فسمع بعضه
على من كتبه ، وقرأ الآخر مما لم يتيسر له سماعه على صاحبه ، فكانت
المادة الفقهية بين يديه ناضجة غير فجة ، فلابد أن يستسيغها ، وأن
بهضمها ، وأن يأتى منها بشىء جديد يتناسب مع مواهبه وثقافته ، فكان
مذهبه ، ثم كانت أصوله .
٧ ٣٧ - ولقد اتسعت رقعة الدول الإسلامية ، فهى من الأندلس غرباً
إلى المالك التى تصاقب الصين شرقاً .
ولقد كثرت فيها الحواضر الإسلامية ، والمدائن التى كانت تتخذلها

- ٥٧ -
مكاناً فى الشهرة العلمية ، وقد تفرق فى القديم أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى تلك المدائن فكان لكل صحابى تلاميذ ، وآراء فقهية توائم
ما عليه أهل تلك المدائن ، ثم إن كل مدينة لها مظاهرها الاجتماعية والتجارية
والعلمية ، وتريد أن تكون لها المكانة السامية بكثرة علمائها وفقهاتها .
وقد وصف أستاذنا المرحوم الشيخ الخضرى ، طيب الله ثراه ، أحوال
تلك المدن فى العصر العباسى الأول، فى كتابه ((تاريخ التشريع الإسلامى)»
فقال: ((إذا أطللت على منتهى المملكة الإسلامية، من جهة الغرب،
حيث جزيرة الأندلس ، وجدت مدينة قرطبة تسعى إلى مسامات بغداد ،
تحت نظر الأمير الجليل عبد الرحمن بن معاوية مؤسس الدولة الأموية
فى الأندلس وتجد فى أفريقيا مدينة القيروان التى ورثت عظمة المدن
الأفريقية الرومانية وانتقل إليها جمالها، وتجد بعد ذلك مدينة الفسطاط حاضرة
مصر، وقد جمع مسجدها الأعظم حلقات العلماء الذين أبقوا لهم أكبر الآثار
فى الاجتهاد والاستنباط ، وهم الذين أظهروا للناس كافة - فقه الأئمة
المجتهدين على اختلاف مذاهبهم ... والمطلع على ما كتبه مؤرخو هذا
البلد يرى له من الحضارة فى العلم والتجارة والصناعة مالا يقل عن
مدينة بغداد ، ثم تجد مدينة دمشق فهى وإن زايلتها أبهة الخلافة لم تزل
حافظة لتلك العظمة التى ورثها إياها بنو أمية ، ولا تزال الكوفة والبصرة
آهلتين بالعلماء والحكماء ، ومع قرب بغداد منهما لم تستطع بعظمتها أن
تكسف شمسهما ، لأن البصرة كانت الثخر الأعظم لتجارة الهند ،
والكوفة مقر العنصر العربى . وإذا توجهت إلى الشرق رأيت مدن
مرو ونيسابور وغيرهما من المدن العظام ، وقد استلزمت الحضارة اتساع
نطاق التجارة ، والزراعة والصناعة ، وكل ذلك قد بلغ أشده فى هذا
الدور ، حتى صارت الرقعة الإسلامية تزهو بحضارتها على كل حضارة
سبقتها ، لأنها خلاصة حضارات مختلفة .
ولا مراء فى أن لذلك أثراً كبيراً فى الفقه ، لأنه يمكن القائم به من
وضع المسائل المختلفة ، ليستنبط الجواب عنها)).

- ٥٨ -
ولا شك أن ذلك كان له الأثر الكبير فى ثقافة الشافعى ، وخصوصاً
أن فقه هذه المدائن كان يدون ، وينشر فى الأقاليم المختلفة ، ويتناوله العلماء
بالنقد والتمحيص فى مناظراتهم ، ثم إن الشافعى قد رحل إلى كثير من هذه
الأقاليم ، فهو قد رحل إلى أطراف الجزيرة العربية وجاب صحراءها ،
ورحل إلى اليمن عاملا فى بعض ولايتها ، ورحل إلى الكوفة والبصرة ،
وناقش علماءها ، أخذ عنهم ، ورد عليهم ، وكتاب الأم يسجل لنا أنه
ناقش علماء البصرة الذين ينكرون حجية الحديث ، وهكذا أخذ فى التطواف
والتردد بين مكة ، وبغداد ، دارساً متعرفاً قارئاً ما يدونه العلماء فى كل
مدينة وإقليم حتى ألقى عصا التسيار فى مصر ، وهنالك ألقى بكل ثمرات
هذه الدراسة وكل نتائج هذه التجارب .
٣٨ - ولقد كان لخلفاء الدولة العباسية نزعة دينية وإن انغمسوا
فى الترف واجترعوا من اللهو ، واستساغوا بعض المحرمات ، أو محاموا
حول حماها ، وأوغلوا فى بعض المشتبهات مما هى بين الحلال والحرام ،
إن أخذنا بأبعد الأخبار عن الاتهام ، ولماذا نزعت تلك الدولة هذا المنزع ؟
الجواب عن ذلك أنها دولة قامت على أساس نسبتها إلى النبى صلى الله
عليه وسلم واتصالها به ، فهى قامت بسلطان بمت إلى صاحب الشرع
بسبب ، إذ يمتون هم إليه بنسب ، وما كان للدولة الأموية أن تدعى
مثل هذه الدعوى ، لأن مؤسسها انتزع ذلك الأمر ممن هو أقرب إلى الرسول
نسباً ، وأوثق بهذا الدين سبباً ، وهم : على وأولاده من بعده رضى عنهم ،
ولهذه النزعة الدينية عند خلفاء بنى العباس قربوا إليهم العلماء ، ورفعوا
درجاتهم ، وأجروا عليهم الأعطيات ، وسهلوا لهم طرائق العلم ، ولقد كان
العلماء المقربون فى عهد المهدى والهادى والمأمون ، والمعتصم والواثق -
المعتزلة ، ليحاربوا بهم الزنادقة ، ومن يهاجمون المبادىء الإسلامية من غير
المسلمين ، وأما فى عهد الرشيد ، فقد كان الفقهاء والمحدثون والوعاظ
هم المقربين ، وروى أنه حبس المعتزلة ، ومنعهم من الاشتغال بعلم الكلام
ولعل ذلك كان مما يرغب الشافعى فى المقام فى بغداد فى عهد الرشيد ،

- ٥٩ -
حتى إذا جاء المأمون جافاها ، كما بينا فى حياته ، ولقد كان لتقريب
الرشيد للفقهاء آثار واضحة ، فقد كان كثير الاستماع لنصائحهم ، ويطلبها
إن ضنوا بها ، ويستمع إليها وإن خشنت ألفاظها وقست عبارتها ، فهو يستمع
إلى مالك ناصحاً له مرشداً ، ويستمع إلى غيره .
ونقد يروى أنه طلب من الشافعى أن يعظه عندما جادله فى تهمته العلوية
وأثبت براءته بين يديه ، ولذلك كان للفقه والفقهاء مكانة فى عصر الرشيد ،
يعتزون بعزة العلم ، ويعلون بعلوه ، وذلك مما يشجع الفقه ، ويجيب أهل
الذكاء والنبل فى طلبه ، ونعم الفقهاء بهذه المكانة فى عهد الأمين أيضاً وإن لم
يقربهم إليه ، كما قربهم أبوه ، ولم يستمع إليهم كما كان يستمع أبوه ،
فلما جاء عهد المأمون لم ينلهم أى أذى فى أوله ووسطه ، ولكن فى آخر
عهده نزلت بهم كارثة خلق القرآن التى ابتدعها ، فنالهم ما نالهم. فالشافعى
إذن منذ عاش فى مصر كان للفقه والحديث فيه مكان ، وكان للفقهاء
والمحدثين فيه درجات عالية عند الخليفة الذى صادف عصره شباب
الشافعی و کهولته .
٣٩ - ولقد اشتد الجدل فى العصر العباسى الأول ، وقوى أمره ، حتى
صار موضع مباراة العلماء ، ومسابقة الأدباء ومنازلة الكتاب ، ومناط
التقدير لكل عالم مستبحر . وكل نجيب شاد يريد أن يتخذ من العلم طريقاً
للمجد ، ومن البحث وسيلة للعلو . ولقد زاد حركة المناظرات نمواً تشجيع
الخلفاء لها ، فعقدت لها المجالس فى قصورهم وقصور الأمراء . ومنهم من
كان يشترك فى المناظرات ويخوض غمارها ، وأعظم من اشتهر بذلك المأمون
فقد كان له علم وفلسفة .
وكان بجوار ذلك الجدل الذى يبعث حب السبق والعلو - مناظرات
دينية تبعث عليها الحمية الدين والمذهب، فكان بين المحدثين والفقهاء ، وبين
المعتزلة مناقشات يدفع إليها الإخلاص من جانب الفقهاء ، وقد يدفع إليها
الإخلاص من جانب بعض المعتزلة أيضاً . ثم كان بين الفقهاء أنفسهم
مناظرات ، ففى الحج وفى البيت الحرام وفى الحرم النبوى تقوم المناظرات
بين الفقهاء ، وفى مدائن الإسلام فى بغداد ، والبصرة والكوفة ودمشق ،

- ٦٠ -
والفسطاط تقوم المناظرات بين أصحاب الاتجاهات المختلفة من الفقهاء ، وحيثًا
سار الفقيه وجد من يناظره .
ولم تقتصر المناظرات على المشافهات بينهم بل تجاوزتها إلى المكاتبات
والرسائل ، فمالك يبلغه أن الليث بن سعد فى مصر يفتى بغير ما عليه أهل
المدينة التى إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن الكريم ، فيكتب إليه ويرد
عليه الليث رداً يفيض بالإخلاص ، ونفاذ الفكرة فى فهم الفقه ، وتتبع الأثر.
ولنثبت رسالة الليث (١)، لأنها تكشف عن الاتجاه الفقهى فى ذلك
العصر ، وهى جامعة بين فقه الرأى والحديث جمعاً متناسباً ، وها هى ذى ،
كما جاءت فى إعلام الموقعين لابن القيم (٢):
((سلام عليك. فإنى أحمد اللّه إليك الذى لا إله إلا هو، أما بعد عافانا
الله وإياك ، وحسن لنا العاقبة فى الدنيا والآخرة .
قد بلغنى كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذى يسرنى ، فأدام
الله ذلك لكم ، وأتمه بالعون على شكره ، والزيادة من إحسانه ، وذكرت
نظرك فى الكتب التى بعثت بها إليك . وإقامتك إياها ، وختمك عليها بخاتمك
وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيراً ، فإنها كتب انتهت إلينا عنك ،
فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها ، وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت
إليك فيه من تقديم ما آتانى عنك ، إلى ابتدائى بالنصيحة ، ورجوت أن
يكون لها عندى موضع ، وإنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون
رأيك فيناً جميلا ، وإلا لأنى لم أذا كرك مثل هذا ، وأنه بلغك أنى أفتى
الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم ، وأنى يحق على الخوف
على نفسى ، لاعتماده من قبلى على ما أفتيتهم به ، وإن الناس تبع لأهل المدينة
(١) الليث بن سعد توفى بمصر سنة ١٧٥ ، أى قبل أن يجىء اليها
الشافعى بسنين . ولعله التقى به فى مجلس مالك .
(٢) الجزء الثالث ص ٧٢ (طبعة منير الدمشقى ) . وقد شرحنا ما فى
الرسالة من فقه فى كتاب مالك كما نقلنا فيه رسالة مالك الى الليث . فارجع اليه.