Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ المقدمة تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى عزَّ وجلَّ تشهد بفضل وعدالة جميع أصحاب النَّبي ◌َ لَّ الذين كانوا معه في المَوَاقِفِ الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداءً من دار الأَزْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ، وانتهاءً، يفتح المّدَائِنِ. فمن الأمور القَطْعِيَّةِ الثبوت والدلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول الله صل جاءت من فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم ومعرفة أن يطعن في صحابة رسول اللهپټ بعد شهادة الله عز وجل لهم !! وهذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا ((أَبِي هُرَيْرَةً)) رضي الله تعالى عنه. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّ أنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونِ﴾(١). وأَمَّا السُّنَّةُ : وفي نصوص السُّنَّةِ النبوية المشرّفة الشّاهدة بذلك گثرَةُ منها : عن أَبِي سَعِيدٍ عن النّبي عليه السلام قال: ((لاَ تَسُبُوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَّفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّأَ حَدِهِمْ وَلاَ نُصِيفَهِ»(٢). وهذا خطاب منه لِخَالِدِ يْنِ الوَلِيدِ ولأقرانه من مسلمة الحُدّيْبِيَّة والفتح، فإذا كان مُدُ أحد أصحابه أو نصيفه أفضّلَ عند الله من مثل أُحُدٍ ذهباً من مثل خَالِدٍ وأضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصَّواب في الفتاوي ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال(٣). وِعِن عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله ◌َّ: ((اللَّهَ اللَّهَ فِي أَضْحَابِي، اللَّهُ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تَتَّخِذُوهَّمْ غَرَضاً بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحِبِّي أُحِبُّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِيُغْضِي أَبْغَضُهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَّانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهُ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ»(٤). (١) التوبة: ٣٢. (٢) أخرجه البُخَارِيُّ ١٢/٧ كتاب (فَضّائِلُ الصَّحَابَةِ)) باب قول النبي ◌َّ: ((لو كنت مُتَّخِذاً خَلِيلاً)) (٣٦٧٣) ومسلم ١٩٦٧/٤ - ١٩٦٨ كتاب ((فَضَائِلِ الصَّحَابةِ)»: باب تحريم سَبِ الصّحابة (٢٢٢ . ٢٥٤١) وأبو داود ٢١٤/٤ كتاب السنة: باب النَّهي عن سبّ أصحاب رسول الله وصالر (٤٦٥٨) والتّرمذي ٦٥٣/٥ كتاب ((المَنَاقِبِ»: باب فضل من بايع تحت الشجرة (٣٨٦١). (٣) أعلام الموقعين لابن القيم ١٠٥/٤. (٤) أخرجه التّزْمِذِيُّ ٦٥٣/٥ في المصدر السابق (٣٨٦٢) وصححه ابن حبان ذكره الهيثمي في «مَوارِدٍ الظَّمْآنِ)» (٥٦٩) باب فضل أصحاب رسول الله (٢٢٨٤) وأحمد في المسند ٤/ ٨٧. ٢٢ المقدمة وعَنْ أَبِي مُوسَى قال: صلَّينا مع النَّبِيّ ◌َ ◌ّهِ المَغْرِبَ، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: ((مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا))، قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: ((أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ))، ثم رفع رأسه إلى السَّماء، وكان كثيراً مِمّا يرفع رأسه إلى السَّماء، قال: ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لأَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلُ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ وَأَنَا أَمَنَةُ لِأَضْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ الأُمِّي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَّا يُوَعَدُونَ))(١). ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النُّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنَّ هذا التَّشبيه يُغْطِي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيِّهم وَلّ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنُّجوم، وأيضاً فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أَمَنَةً لهم، وحرزاً من الشَّرِّ وأسبابه(٢). وعن عِمْرَان بْنِ حُصّينِ قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الَّذِي بُمِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يلَوْنَهُمْ)(٣) . فأخبر النَّبيّ وَله أن خير القُرون قرنه مطلقاً، وذلك يقتضيَ تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلاّ لو كان خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً(٤). وقد يقول قائل: إن هذه الأَدِلَّةَ تتناول أصحاب رسول الله وَ ﴿ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأَمَّا مَنْ أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جواباً له قول الدُّكتور مُحَمَّدٍ السَّمَاحِيّ: ((وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول الله ◌َّ فهؤلاء لم يتحمَّلوا من السنة مثل ما تحمَّل الصَّحابة الملازمون لرسول الله وَّ﴿ ومن تعرَّض منهم للرّواية كحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وعَتَّبٍ، وغيرهم عرفوا بالصّدق والدِّيانة وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل ممن سواهم من القرون بعدهم، كقوله ◌َله: ((خَيْرُ القُرُونِ قرني ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يلونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُوالكَذِبُ))(٥) وهو حديث صحيح مروى في ((الصَّحِيحَيْنِ)) وغيرهما بألفاظ مختلفة، والخيرية لا (١) أخرجه مسلم ١٩٦١/٤. كتاب ((فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ)): باب بيان أن بقاء النبي وَلِّ أمان لأصحابه (٢٠٧ . ٢٥٣١) وأحمد في المسند ٣٩٩/٤. (٢) أعلام الموقعين ١٠٤/٤، ١٠٥ .. (٣) أخرجه مسلم في المصدر السابق (٢١٥ - ٢٥٣٥) والترمذي ٤٣٤/٤ كتاب الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث (٢٢٢٢) وأبو داود ٢١٤/٤ كتاب السنة: باب في فضل أصحاب الرسول وع الفر (٤٦٥٧) وأحمد في المسند ٢٢٢٨/٢ والبيهقي في السنن ١٦٠/١٠ والطبراني في الكبير ٢١٣/١٨. (٤) أعلاكم الموقعين ١٠٤/٤. (٥) أخرجه الترمذي ٤٧٦/٤ (٢٣٠٣) وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير ٢٠٤/٤. ٢٣ المقدمة تكون إلا للعُدول الذين يلتزمون الدِّين، والعمل به. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَتْهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(١) . والخطاب الشَّفَهِيُّ لصحابة رسول الله وَله ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾(٢)، وسطاً: عدولاً . فالإسلام كان في أول شبابه فَتِيًّا قويًّا في قلوب مَنْ أذعنوا له واتَّبَعوا هداه، وتمسّكوا بمبادئه، واصطَبَغُوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى أننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحَدِّ؛ ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى الثَّوبة حيث تاب الله عليهم، ولا نريد بقولنا: الصحابة عدول- أكثر مَنْ أنَّ ظاهرهم العدالة(٣). ثَنَاءُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الصَّحَابَةِ وهذا الثَّتَاء للاسْتِثْناس وليس للتَّدْليل إذ لا يصِحُّ القول مع اللّهِ عزّ وجلَّ ورسوله وَل حيث نص الله ورسوله على عدالتهم، فهل بعد تَعْدِيل الله عز وجل ورسوله وَ ل* تعديل؟ !!. فَأَقُولُ وَلِلَّهِ الحَمْدُ وَالِمِنَّةُ : قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الصَّحابة كلهم عدول، من لاَبَسَ الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدُ ٠ به (٤) قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: والسَّبب في عدم الفَخْصِ عن عدالتهم أنهم حملة الشَّريعة، فلو ثبت توقُّف في روايتهم لانحصرت الشّريعة على عصره وَّ ولما استرسلت سائر الأعصار. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: إذا رأيت الرَّجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله يَّ فاعلم أنه زندیق، وذلك أنَّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدی ذلك کله إلینا الصحابة، وهؤلاء الزَّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة فالجرح بهم أولی. قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: ((ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصَّحَابة ومَنْ لاَبَسَ الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم في الاجماع إحساناً للظّنِّ بهم، ونظراً إلى ما (١) آل عمران: ١١٠. (٢) البقرة: ١٤٣. (٣) المنهج الحديث في علوم الحديث ص ٦٣ نقلاً عن السنة قبل التدوين د. الخطيب، وانظر السنة قبل التدوين ٤٠١، ٤٠٢. (٤) التقريب ٢١٤ مع التدريب. ٢٤ المقدمة تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقَّلَة الشَّريعة))(١). قَالَ الخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في ((الكِفَايَةِ)) مبوباً على عدالتهم: ما جاء في تَعْدِيلِ اللَّهِ ورسوله للصَّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث أَتَّصل إسناده بين مَنْ رواه وبين النُّبِيِّ وَّ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النَّظر في أحوالهم سوى الصَّحابي الذي رفعه إلى رسول الله وَله؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن. والأخبار في هذا المعنى تَتَّسِعُ، وكلها مطابقة لما ورد في نَصِّ القرآن، وجميع ذلك يَقْتَضي طهارة الصَّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحَدٍ من الخلق له (٢) . وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: من أنْتَقَص أحداً من أصحاب النبيّ ◌َّ﴿ فليس له في هذا الفَيْءِ حق، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(٣). ثم قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مَنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانِ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٤). وهؤلاءهم الأنصار. ثم قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّلِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَحِيمٌ﴾(٥). فمن تنقَّصَهُمْ فلا حق له في فِيْءِ المسلمين(٦). عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَةِ فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ أجمع أَهْلُ السُّنَةِ على أن أفضل الصَّحابة بعد النّبيِوَ ل﴿ وعلى الاطلاق أَبُو بَكْرٍ ثم عُمَرُ، وممَّن حكى إجماعهم على ذلك أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أَئِمَّةِ السَّلف ولا الخَلَفِ، قال: ولا مُبَالاَةً بأقوال أهل التَّشيّع ولا أهل البدع انتهى. (١) الحديث والمحدثون أبو زهوة ١٢٩، ١٣٠. (٢) الكفاية ٤٦، ٤٨. (٣) الحشر: ٨. (٤) الحشر: ٩. (٥) الحشر: ١٠. (٦) الشفا القاضي عياض ١١١١، ١١١٢. ٢٥ المقدمة وقد حكى الشَّافِعَيُّ وغيره اجماع الصَّحابة والتابعين على ذلك، قال البيهقيُّ في كتاب ((الاعْتِقَادِ)): روينا عن أَبِي ثَوْرِ عن الشَّافِعِي قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفصيل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وتقديمهما على جميع الصَّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عَلِيٍّ وعُثْمَانَ(١). وقَالَ العَلاَّمَةُ الكَمَالُ ابْنُ الهَمَّام في ((المُسَايَرَةِ»: فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة؛ إذ حقيقة الفضلَ ما هو فضل عند الله تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله وَّ وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله عليه السَّلام لبعضهم على بعض إن لم يكن سَمْعياً يصل إلينا قَطْعِياً في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحاً ودلالة كما في صحيح البخاري من حديث عَمْرِو بْنِ العَاصِي حين سأله عليه السّلام: ((مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إليك من الرّجال؟ فقال: ((أَبُوهَا)). يعني عائشة - رضي الله عنها. وتقديمه في الصَّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السُّنَّة أن يقدم على القوم أفضلهم علماً، وقراءة، وخلقاً، وورعاً، فثبت أنه كان أفضل الصَّحابة، وصحّ من حديث آبْنِ عُمَرَ في صَحِيح البُخَارِيُّ قال: كنا في زمن النَّبِي ◌َّاه لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم ثم نترك أَضَّحَابَ النّبِيّ ◌ََِّ لا نفاضل بينهم، وصحَّ فيه من حديث مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَّفِيَّةِ: قلت لأبي: أُّ النَّاس خير بعد رسول الله وَِّ؟ فقال: أَبُو بَكْر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا واحدٌ من المسلمين، فهذا على نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النَّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكُلِّ، وفي بعض ترتيب الثَّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دل على أنه كان أفضل مَنْ بحضرته وكان منهم الزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السُّنّةِ تزكية جميع الصَّحابة والثناء عليهم، كما أثنى الله سبحانه وتعالی علیهم إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾(٢) (٣). وقَالَ العَلاَّمَةُ الْبَغْدَادِيُّ في (أُصُولِ الدِّينِ)): أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم السِّتَّة الباقون بعدهم إلى تمام العَشْرَةِ وهم: طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُقَيِلٍ وعَبْدُ (١) فتح المغيث العراقي ٤١/٤. (٢) آل عمران ١١٠. (٣) المسايرة ١٦٦ - ١٦٨. ٢٦ المقدمة الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو عُبَيْدَة بْنُ الجَرَّاحِ، ثم البَذْرِيُّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرّضْوَان بالحديبية، واختلف أصحابنا في تفضيل عليّ وعثمان، فقدم الأَشْعَرِيُّ عثمان، وبناه على أصله في صنع من إمامة المفضول. وقالْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةً والحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجِليُّ بتفضيل علي-رضي الله عنه. وقال القَلاَنِسيُّ: لا أدري أيهما أفضل، وأجاز إمامة المفضول .. وقَالَ العَلاَّمَةُ اللّقَائِيُّ في ((جَوْهَرَتِهِ)): [الرجز] إِنْ خُضْتَ فِيهِ وَاجْتَنِبْ داءَ الحَسَدْ وَأَوَّلُ التَّشَاجُرِ الَّذِي وَرَدْ فَقَالَ العَلاَّمَةُ البيجُورِيُّ في شرحه علیھا : وقد وقع تشاجر بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما . وقد افترقت الصحابة ثلاث فرق: فرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع عليّ، فقاتلت معه، وفرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع معاوية، فقاتلت معه، وفرقة تَوَقَّفَتْ. وقد قَالَ العُلَمَاءُ: المصيب بأجرين والمخطىء بأجر، وقد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة، والمراد من تأويل ذلك أن يصرف إلى محمل حسن لتحسين الظّنّ بهم فلم يخرج واحد منهم عن العدالة بما وقع بينهم؛ لأنهم مجتهدون. وقوله: (إِنْ خُضْتَ فيهِ) أي إن قُدْرَ أَنَّكَ خضت فيه فَأَوَّلَهُ: ولا تنقص أحداً منهم، وإنما قال المُصَنِّفُ ذلك؛ لأن الشّخْصَ ليس مأموراً بالخوض فيما جرى بينهم، فإنه ليس من العقائد الدينية، ولا من القواعد الكلامية، وليس ممّا ينتفع به في الدِّين، بل ربّما ضرّ في اليقين، فلا يباح الخوض فيه إلا للرَّدُ على المتعصبين، أو للتَّعليم ٢- دريس الكتب التي تشتمل على الآثار المتعلقة بذلك، وأما العوام فلا يجوز لهم الخوض فيه لِشِدَّة جهلهم، وعدم معرفتهم بالتأويل (٢). وقال السَّعْدُ التَّفتَازَانِيُّ : (يجب تعظيم الصّحابة والكفُّ عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهره الطّعن فيهم على محامل وتأويلات، سيّما المُهَاجرين والأنصار وأهل بيعة الرِّضوان، ومن شَهِدَ بدراً وأحداً والحُدَيبية، فقال: انعقد على غُلُوٌ شأنهم الاجماع، وشهد بذلك الآيات الصّراح، والأخبار الصِّحّاح)». ((ولِلرَّوَافض سيما الغُلاَة منهم مبالغات في بُغض البعض من الصَّحابة -رضي الله عنهم. والطّعن فيهم بناء على حكايات وافتراءات لم تكن في القَرْنِ الثَّانِي والثّالث، فإياك والإصْغَاءَ (١) أصول الدين للبغدادي ٣٠٤. (٢) شرح الجوهرة لللقائي ١٠٤، ١٠٥. ٢٧ المقدمة إليها، فإنها تُضِلُّ الأحدَاثَ، وتحيِّرُ الأوساط وإن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصِّرَاط المستقيم، وكفاك شاهداً على ما ذكرنا أنَّها لم تَكُن في القرون السَّالفة ولا فيما بين العترة الظّاهرة، بل ثناؤهم على عظماء الصَّحابة وعلماء السُّنّة والجماعة، والمهديين من خلفاء الدّين مشهور وفي خطبهم ورسائلهم وأشعارهم ومدائحهم مذكور)»(١). وقال العَلاَّمَةُ المَرْعَشِيُّ في (نَشْرِ الطَّوَالِعٍ» : («يجب تعظيم جميع أَصْحَاب النَّبيّ ◌َّ والكفّ عن مطاعنهم، وحسن الظَّنِّ بهم، وترك التَّعَصُّب والبغض لأجل بعضهم على بعض، وترك الإفراط في محبّةٍ بعضهم على وجهٍ يفضي إلى عَدَاوة آخرين منهم والقدح فيهم، فإن الله تعالى أَثْنَى عَلَيهِمْ في مواضع كثيرة منها قوله تعالى : م ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ .. ))(٢) الآية. وقد أَحَبَّهم النّبِيّ ◌َلَّهـ وأثنى عليهم وأوصى أمَّته بعدم سبِّهم وبغضهم وأذاهم، وما ورد من المطاعن، فعلى تقدير صحته له محامل وتأويلات، ومع ذلك لا يعادل ما ورد في مناقبهم، وحكى عن آثارهم المرضية وسيرهم الحميدة نفعنا الله بمحبَّتهم أجمعين(٣). قال الإِمَامُ النَّوَوِيُّ-رحمه الله تعالی: واعلم أن سبب تلك الحروب أنَّ القضايا كانت مشتبهة فلشدَّة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثَلاثَةً أَقْسَامٍ: قسم ظهر لهم بالاجْتِهَاد أن الحقَّ في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه فعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخّر عن مساعدة أمام العدل في قتال البُغَاةِ. وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطّرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيَّرُوا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفربقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإقدام على قتال (١) المقاصد للتفتازاني ٣٠٣/٥، ٣٠٤. (٢) التحريم: ٨. (٣) نشر الطوالع للعلامة المرعشي الشهير بساجقلي زاده ص ٣٨٥ وما بعدها. ٢٨ المقدمة مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رُجْحَانُ أحد الطرفين وأن الحق معه لما جازلهم التأخّر عن نصرته في قتال البُغَاة عليه. فكلهم معذورون - رَضِيَ اللَّهُ عنهم. ولهذا آتَّفق أهل الحق ومن يعتدّ به في الاجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين. الدَّوَاعِي والعَوَامِلُ الَّتِي تَوَافَرَتْ فِي الصَّحَابَةِ حَتَّى اسْتَظْهَرُوا القُرْآنَ وَالحَدِيثَ النَّوِيَّ الشَّرِيفَ وَثَبْتُوا فِهِمَا إن محاولة الطَّعَن في أصحاب سيدنا رسول الله وَ لّ هي محاولة للطّعن في القرآن الكريم والسُّنّة النبوية المشرفة فالطّاعن فيهم يريد زعزعة النَّاس بكتاب الله وسنة رسوله وَلقول مقصده في ذلك آفتتان المسلمين عن دينهم فكثرت الأيدي الآثمة من النّيْلِ بكتاب الله وسنة رسوله ◌َّ* فاستكثروا على الصَّحابة - رضوان الله عليهم - أن يكونوا قد حفظوا الحديث الشّريف، وهذا ما سَتَراه في الدُّفَاع عن إمام الحافظين سيدنا أبي هريرة -رضي الله عنه- ومع كل ذلك أَبَّى اللَّهُ إِلَّ أن يُتِمَّ نُورُه ولو كره الكافرون. وإليك ما كتبه العَلأَّمَةُ الزّرْقَانِيُّ في ((مَنَاهِلِ العِرْفَانِ)) فقال: وبرغم أن شُبهات القوم كلها متشابهة، وطرق دفعها هي الأخرى متشابهة، فإن واجب الحيطة والحذر يقتضينا أن نقيم خَطًّا منيعاً من خطوط الدِّفاع عن الكِتَاب والسُّنة، وأن نؤلف هذا الخطّ من جبهتين قويتين: الجبهة الأولى : تطاول السَّماء بتجلية الدواعي والعوامل التي توافرت في الصحابة حتى جعلت منهم كثرة غامرة يحفظون القرآن والحديث وينقلونهما نقلاً متواتراً مستفيضاً. والجبهة الثانية: تَفَاخُر الجوزاء بنظم الدَّوَاعي والعوامل التي توافرت فيهم رضوان الله عليهم، حتى جعلتهم يتثَبَّتُون أبلغ تَثبّت وأدقه في القرآن وجمع القرآن، وكل ما يتّصل بالقرآن وفي الحديث الشّريف، وكل ما يتّصل بالحديث الشريف. وإِنِّي أستمنح الله فتوحاً وتوفيقاً في هذه المحاولة الجليلة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّاللّهَ لَسَمِيعٌ عِلِيمٌ﴾(١) . أَوَلاَ: عَوَامِلُ حِفْظِ الصَّحَابَةِ لِلِكِتَابِ وَالسّنّةِ . العَامِلُ الأَوَّلُ أنهم كانوا أَميين لا يعرفون القراءة، ولا يحذقون الخطّ والكتابة اللّهم إِلاَّ نَزْر يسير لا (١) الأنفال: ٤٢ وانظر مناهل العرفان ٢٨٣/١ وما بعدها. ٢٩ المقدمة يُصَاغ منهم حكم على المجموع، وترجع هذه الأميَّة السَّائدة فيهم إلى غلبة البَدَاوة عليهم وبعدهم عن أسباب الحضارة، وعدم اتَّصَالهم عِلْمياً وثيقاً بالأُمَّتَيْن المتحضّرتين آنذاك: الفرس والروم. ومعلوم أن الكتابة والقراءة وإمحاء الأميّة في أيَّة أُمَّةِ رهين بخروجها من عهد السَّذَاجَة والبَسَاطَةِ إلى عهد المدنية والحضارة. ثم إن هذه الأميّة تجعل المرء مِنْهُمْ لا يعوِّل إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمّه حفظه وذكره، ومن هنا كان تعويل الصَّحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب الله وسنة رسوله ◌ّ* لأن الحفظ هو السَّبيل الوحيدة أو الشّبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بهما، ولو كانت الكتابة شائعةً فيهم لاعتمدوا على النَّقش بين السّطور بدلاً من الحفظ في الصّدور. نعم، كان هناك كُتَّابٌ للوحي، وكان بعض الصَّحابة يكتبون القرآن لأنفسهم، إلا أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة، ولعلك لم تَنْسَ أن كتابة القرآن في عهد الرَّسول ◌َ ﴿ كان الغرض منها زيادة التوثّق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده. وتسجيله. أما السُّنَّة النَّبوية فقد نهى النَّبِيّ ◌َلّ أصحابه عن كتابتها أَوَّلَ الامر مخافة اللّبس بالقرآن، إذ قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي، ومَنَ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتْبَوَّأُمَفْعَدَهُ مِنَ الثَّارِ)(١). نعم. خشى الرسول و * أن يختلط القرآن بالسُّنَّة إذهم كتبوا السُّنَّة كما كانوا يكتبون القُرآن، أو أَنْ تتوزّع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السُّنَّة وجميع القرآن فقصرهم على الأهمِّ أَوَّلاً وهو القرآن، خصوصاً إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حَدَّبعيد، حتى كانوا يكتبون في اللّخَافِ والسَّعف والعظام كما علمت. فرحمةً بهم من ناحية، وأخذاً لهم بتقديم الأَهَمِّ على المُهِمِّ من ناحية ثانية، وحفظاً للقرآن أن يشتبه بالسُّنَّة إذهم كتبوا السُّنَّة بجانب القرآن نظراً إلى عِزَّة الورق، ونُذْرَة أدوات الكتابة، رعاية لهذه الغايات الثَّلاث نهى الرَّسول عن كتابة السُّنَّة. أما إذا أَمِنَ اللّبس، ولم يخش الاختلاط، وكان الأمر سهلاً على الشّخص فلا عليه أن يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في (١) أخرجه مسلم في الصحيح ٢٢٩٨/٤ - ٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقائق (٥٣) باب التثبت في الحديث وحكم كتابه العلم (١٦) حديث رقم (٣٠٠٤/٧٢) وأحمد في المسند ٢١/٣، ٣٩، ٥٦ والدارمي فى السنن ١١٩/١ - والحاكم في المستدرك ١٢٧/١ - وابن عدي في الكامل ٩٢٦/٣، ١٧٧١/٥ وذكره الهندي في کنز العمال حدیث رقم ٢٩١٦٨. ٣٠ المقدمة الإذن بكتابة السّنة آخر الأمر، والواردة في الإذن لبعض الأشخاص كعبد الله بن عمرو- رضي الله عنه .. وأيًّا ما تَكُنْ كتابة القرآن والسّنة النبوية، فإن التّعويل قبل كل شيء كان على الحفظ والاسْتِظْهَار، ولا يزال التَّعويل حتى الآن على التَّلَقِّي من صدور الرِّجال ثقة عن ثقة وإماماً عن إمامَ إِلى النَّبِيّ ◌ِلهـ غير أنَّ الرَّجل الأُمِيَّ والأَمَّةَ الأميّة يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ، للمعنى الّذي تَقَدَّم. العَامِلُ الثَّانِي أن الصَّحابة كانوا أُمَّةً يضرب بها المثل في الذَّکَاء وقوة الحافظة وصفاء الطَّبع، وسيلان الذِّهن وحدّة الخاطر، وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها، حتى لقد كان الرَّجل منهم يحفظ ما يسمعه لأَوَّل مرّة مهما طال وكثر، ورُبَّما كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه، وَحَسْبُكَ أَنْ تعرف أَنَّ رؤوسهم كانت دواوين شعرهم، وأَنَّ صدورهم كانت سِجِلَّ أنسابهم، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيّامهم، كلّ أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمَّة العربية من قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صَفْل، ونفوسهم من طهر، وعقولهم من سُموّ، خصوصاً إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب اللهِ، ولخير الهدى، وهو هدى محمد الَّله. العَامِلُ الثَّالِثُ بساطة هذه الأمّة العربية، واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى الثَّرف، ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات، فقد كان حسب الواحد منهم لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله: [الطويل] وَمَا العَيْشُ إِلاَّنَوْمَةٌ وَتَبَطُحْ وَتَمْرٌ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ وَمَاءُ وأنت تعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود، وترضي الإنسان بالموجود، ولا تشغل البال بالمفقود، ولهذا أثره العظيم في صفّاءِ الفِكْرَةِ، وقوَّة الحافظة وسيلان الأذهان، خصوصاً أذهان الصَّحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النبي عليه الصلاة والسلام وذلك على حد قول القائل: [من الطويل] فَصَادَفَ قَلْباً خَالِياً فَتَمَكَّنَا ٣١ المقدمة العَامِلُ الرَّابِعُ حُبُهم الصَّادق لله ولرسوله ملك مشاعرهم، واحتل مكان العقيدة فيهم، وأنت تعرف من دراسة علم النَّفس أَنَّ الحب إذا صدق وتمكّن حمل المحبّ على ترسُم آثار محبوبه، والتلذُّذ بحديثه، والتَّنادر بأخباره، ووعي كل ما يصدر عنه، ويبدو منه، ومن هنا كان حب الصَّحابة لله ورسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب الله وسنة رسوله مح له على حد قول القائل : [البسيط] عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغُلَها وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَاِهَا حَادٍ لَهَا بِوَجْهِكَ نُورُ يُسْتَضَاءُ بهِ رُوحُ القُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيَعادِ إِذا شَكّتْ مِنْ كِلاَلَ السَّيْرٍ واعَدَهَا أما حب الصَّحابة العميق لله تعالى فلا يحتاج إلى شَرْح وبيان، ولا إلى إِقَامَةِ دليل عليه وبرهان فهم كما قال فيهم النّبيّ وُِّ: ((خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلونَهُمْ))(١)، وهم الَّذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رِضَاه، وهم الَّذين باعوا الدُّنيا بما فيها يَبْتَغُون فَضْلاً من اللّه، وهُمُ الَّذِين حملوا هداية الاسلام الى الشّرق والغرب، واتّوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الاسلامية بالحضر والبدو، وكانوا آَخْرِياء بِمَذْح الله لهم غير مرّة في القرآن وَبِثَّنَاءِ الرسولِّ عليهم في احاديث عظيمة الشَّان. وأمَّا مَظَاهِرُ حبهم للرسول اللّـ فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحدٌ يُحبُّ أحداً مثل ما كان أصحاب محمّدٍ محمّداً، دم الرَّجل منهم رخيص في سبيل أن يفدي رسول الله -مرحلة من شوكة يشاكها في أسفل قدمه، وماء وضوئه يَبْتَدِرُونَهُ في اليوم الشَّديد البزد يتبرَّكون به، وأبُ الواحد منهم وأبناؤه من أَلَدٌ أعدائه ما داموا يعادون محمّداً وحديث محمّدٍ موضع التّنافس من رجالهم ونسائهم، حتى إذا أعيا الواحد منهم طِلاَبُهُ، تناوب هو وزمیل له (١) أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦ كتاب الشهادات (٣٦) باب (٤) حديث رقم ٣٠٢، ٣٠٣، وقال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث الأعمش وأخرجه البخاري بلفظ خير الناس وكذلك مسلم وهو متفق عليه من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخرجه البخاري في الصحيح ٣/٧ كتاب فضائل أصحاب النبيّ وَّر (٦٢) باب فضائل أصحاب النبيّ ◌َّر (١) حديث رقم ٣٦٥١ واللفظ له وأخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٦٣ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب فضل الصحابة ... (٥٢) حديث رقم (٢٥٣٣/٢١٢) وأحمد في المسند ٣٧٨/١، ٤٣٤، ٤٤٢، ٢٦٧/٤ والبيهقي في السنن ١٠/ ١٢٢، ١٦٠ - وابن أبي شيبه ١٧٦/١٢، ١٧٧، ١٧٨ - وابن حبان في الموارد حديث رقم ٢٢٨٥ والطبراني في الكبير ٢/ ٣٢٠، ٢١٢/١٨، ٢٣٤، ٢٣٥ وأبو نعيم في الحلية ٧٨/٢، ١٢٥/٤ - وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦١٠ وذكره الهيثمي في الزوائد ٢٢/١٠، ٢٣ - والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٢٤٤٩، ٣٢٤٥١، ٣٢٤٥٢، ٣٢٤٥٣، ٣٢٤٩١، ٠٣٢٤٩٥ ٣٢ المقدمة الاختلاف إلى رسول الله- بَل ه ـ على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه، ويقوم الآخر. برواية ما سمعه وعرفه من الرَّسول بعد إیابه. وهذه وافدة النّساء تقول لرسول الله وَ ليه ((يا رسول الله، غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا من نفسك يوماً نَأْتِيَكَ فيه تعلِّمُنا ممَّا علَّمك الله)) إلى غير ذلك من شواهدَ ومظاهر، تدلُّ على مبلغ هذا الحُبِّ السَّامي الشّريف. ويرحم الله القائل: [الوافر] فَمَضَى بِلاَ وَجَلٍ إِلى السَّيَّافِ أَسَرَتْ قُرَيْشاً مُسْلِماً فِي غَزْوِةٍ وَلَكَ النَّبيُّ فِدَىّ من الاثْلاَفِ سَأْلُوهُ: هَلْ يُرْضِيَكَ أَنَّكَ سَالِمٌ وَيُصّابُ أَنْفُ مُحَمّدٍ بِرُعَافٍ فَأَجَابَ كَلاّ لاَ سَلِمْتُ مِنَ الرَّدَى ولقد كان من مظاهر هذا الحبّ تسابقهم إلى كتاب الله يأخذونه عنه، ويحفظونه منه، ثم إلى سُنَّته الغرَّاء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها، بل كانوا يتفنَّنون في البحث عن هديه وخبره، والوقوف على صفته وشكله، كما تجد ذلك واضحاً من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول الله ﴿ وما أجيبا به من تجلية تلك الصُور المحمّدية الرائعة، ورسمها بريشة المُصَوّر الماهر والصَّنَّاع القادر، على يد أبيهما عليّ بن أبي طالب، وخالهما هند بن أبي هالة -رضي الله عنهم أجمعين. العَامِلُ الخَامِسُ بلاغة القرآن الکریم إلى حدّ فاق کُلِّ بیان، وآخرس ◌ُلَّ لسان وأسكت كل معارض ومكابر، وهدم كُلَّ مجادل ومهاتر، حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من الله لحبيبه، وآية من الحقُّ لِتأييد رسوله، وبعد كلام الله في إعجازه وبلاغته كلامُ محمد ◌ِّ في إشراقه ودِيبَاجْتِهِ وبراعته وجزالة ألفاظه وسموّ معانيه وهدايته، فقد كان ◌َّلة وسلم أفصح النَّاس وأبلغ النَّاس، وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ، متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور، فمن هنا هبُّوا هَبَّةً واحدة يحفظون القرآن ويفهمون القرآن، ويعملون بالقرآن، وينامون ويستيقظون على القرآن، وكذلك السُّنّة النّبوية كانت عنايتهم بحفظها والعمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها ويتبادرونها كما سمعت. والكلام في أسرار بلاغة القرآن ووجوه إعجازه، وفي بلاغة كلام النبوة وامتيازه، وفي تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح ولا تبيان، فهذا كتاب الله ينطق علينا بالحقّ ويتحدّى بإعجازه كافّة الخلق، وهذا بحر التّبوّة يفيض بالدّراري واللآلىء، ويزخر بالهدايات البالغة والحكم الغوالي، وهذا تاريخ الأدب العربي يسجّل لأولئك العرب تفوقهم ٣٣ المقدمة في صناعة الكلام، وَسَبْقَهم في حَلْية الفصاحة كافة الأنام، وامتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصاً بلاغة القرآن. العَامِلُ السَّادِسُ التَّرغيب في الإقبال على الكِتَاب والسُّنَّة علماً وعملاً، وحفظاً وفهماً، وتعليماً ونشراً، وكذلك الثَّ هيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما . ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مُمَّا رَزَقْتَاهُمْ سِرًّا وعَلاَنِيَّةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِيَّهُمْ أَجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غُفُورٌ شَكُورٌ﴾(١). فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جلّ ذكره: ﴿كِتَابِ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيذَبَرُوا آيَاتِه وَلِيَتَذَّكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾(٢). فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبر القرآن والتذكُّر والاتعاظ به . ونقرأ قوله عَزَّ اسْمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيْنَاتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَئِنَّهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أَولئِكَ يَلْعَنَّهُمُ الله وَيَلْعَتُهُمُ اللَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَضْلَحُوا وَبِيِنُوا فَأَولِئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(٣). فتدبّر كيف يكون وَعِيدُ من كتم القرآن وهدى القرآن؟ ثم نقرأ في السُّنَّة النَّبوية قوله ◌َّهِ: ((مَا أَجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتِ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِبَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَذَكَرُهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ(٤). وفي (الصّحِيحَيْن) قوله وَّهِ: (خَيْرِكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))(٥). (١) فاطر: ٣٠. (٢) [ص: ٢٩] (٣) البقرة: ١٥٩. .٤) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٤٨) حديث رقم (٣٨/ ٢٦٩٩) وأبو داود في السنن ١ / ٤٦٠ كتاب الصلاة باب فىٍ ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٥ وابن ماجة في السنن ٨٢/١ المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (١٧) حديث رقم ٢٢٥ وذكره الزبيدي في اتحاف السادة المتقين ٨/٥. (٥) أخرجه البخاري في الصحيح ٦/ ٣٣٠ كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن حديث رقم ٥٠٢٧ وأبو داود في السنن ٤٦٠/١ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٢ والترمذي في السنن ١٥٩/٥ - ١٦٠ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب ما جاء في تعليم القرآن (١٥) حديث رقم ٢٩٠٧، ٢٩٠٨. وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في السنن ١/ ٧٦ -٧٧ المقدمة = أسد الغابة / ج١/م٣ ٣٤ المقدمة وفي السُّنَن قوله ◌َّهَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٌ أُوْتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا))(١) . أليس ذلك وأمثال ذلك .. وهو كثير- يخفر الهِمَمَ ويحرّك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعید نسیانه، وهو وعید شدید؟ أَمَّا السُّنَّة النَّوية فقد جاء في شأنها عن الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٢) ، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهِ﴾(٣)، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَزَّجُو الله واليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾(٤)، وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْتَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتُ وَيُسْلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(٥). وجاء تَرْغيباً في السُّنَّ النَّبوية من الحديث الشّريف قوله ◌َّهِ: «نَضَّرَ الله أَمْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى من سَامِعٍ))(٦)، وهو حديث متواتر. = باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (١٦) حديث رقم ٢١١، ٢١٢، ٢١٣ وأحمد في المسند ١/ ٥٨، ٦٩ - والدارمي في السين ٤٣٧/٢ وابن سعد ١١١/٦ - والخطيب في التاريخ ١٩/٤، ١٠٩، ٤٥٩/١٠ - ٣٥/١١°، وأبو نعيم في الحلية ١٩٤/٤ وابن عدي في الكامل ٦١٠/٢، ٢٣٤/٣، ٤/ ١٥٦٨، ١٩٣٨/٥ وذكره المنذري في الترغيب ٣٤٢/٢ والهيثمي في الزوائد ١٦٩/٧ - والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٣٥١، ٢٣٥٣. (١) أخرجه أبو داود في السنن ١٧٩/١ كتاب الصلاة باب في كنس المسجد حديث رقم ١٤٦١) والترمذي في السنن ١٦٣/٥ - ١٦٤ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب (١٩) حديث رقم ٢٩١٦ وقال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . (٢) الحشر: ٧. (٣) النساء: ٨٠. (٤) الأحزاب: ٢١. (٥) النساء : ٦٥. (٦) أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٦/٢ كتاب العلم باب فضل نشر العلم حديث رقم ٣٦٦٠ والترمذي في السنن ٣٣/٥ كتاب العلم (٤٢) باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٧) حديث رقم ٢٦٥٦ ٢٦٥٧ وقال أبو عيسى حديث حسن وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في السنن ٨٥/١ المقدمة باب من بلغ علماً (١٠) حديث رقم ٢٣٠ - وأحمد في المسند ٨٠/٤، ٨٢ والطبراني في الكبير ٤٩/١٧، ١٥٨/٥، ١٣١،٢، ١٧٢/٤ والحاكم في المستدرك ٨٦/١ - وأبو نعيم في الحلية ٣٣١/٧ والدارمي في السنن ٧٥/١ - ابن عساكر ١٥٩/٦ وذكره المنذري في الترغيب ١٠٨/١ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٩١٦٥، ٢٩١٦٦. ٣٥ المقدمة وقوله وَّفي خطبة حجة الوداع: «أَلاَ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضُ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ مَنْ سَمِعَهُ))(١). وجاء تَرهيباً من الإعراض عن السُّنَّة قوله وََّ: (مَنْ رَغِبَ عن سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))(٢). وقوله وَّ: ((أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي، وَهُوَ مُتَّكِيءَ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاَ أَسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجِدْنا فِهِ حَرَاماً حَرَّمْنَاه، وإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولَ اللَّهِوَلِ كَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ))(٣). فأنت ترى في الآيات والأحاديث الشّريفة ما يخفّر همَّة المؤمن الضعيف إلى الإقبال على روائع النّبوة يستهديها، وبدائع النّبيّ وَّ يستظهرها، فكيف أنت والصّحابة الَّذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علوّ همّة في هذا الميدان؟ العَامِلُ السَّابِعُ منزلة الكتاب والسُّنَّة من الدِّين، فالكتاب هو أصل التّشريع الأوّل والدّستور الجامع لخير الدُّنيا والآخرة، والقانون المنظم لعلاقة الإنسان بالله، وعلاقته بالمجتمع الّذي يعيش فيه، ثمَّ السُّنَّة هي الأصل الثَّاني للتَّشريع، وهي شارحة للقرآن الكريم، مُفصّلة لمجمله، مُقيّدة لمطلقه، مُخصّصة لعامه، مُبيّنة لمبهمه، مُظْهرة لأسراره كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(٤). ومن هنا يقول آبْنُ كثير: ((السُّنَّة قاضية على الكِتَاب قاضياً على السُّنَّة)) يريد بهذه الكلمة ما وضحه السُّيُوطِيُّ بقوله: ((والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السُّنَّة أنها مبيّنة له ومُفصّلة لمجملاته؛ لأن فیه لو جازته کنوزاً یحتاج إلی من یعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه وَ ل*، وهو معنى كون السُّنّة قاضية على الكتاب، وليس القرآن مبيّناً للسُّنّةِ ولا (١) أخرجه البخاري في الصحيح ٦٣/١ كتاب العلم بب ليبلغ العلم حديث رقم ١٠٥ وابن ماجة في السنن ٨٦/١ المقدمة باب من بلغ علماً (١٨) حديث رقم ٢٣٤، ٢٣٥ - وأحمد في المسند ٣٧/٥، ٤٥ والبيهقي في السنن ١٦٦/٥ . والبيهقي في دلائل النبوة ٢٣/١ - وذكره الهيثمي في الزوائد ٤/ ١٧٥. (٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٢ كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح حديث رقم ٥٠٦٣ وأحمد في المسند ١٥٨/٢، ٢٤١/٣، ٢٥٩، ٢٨٥، ٤٠٩/٥ والدارمي في السنن ١٣٣/٢. والبيهقي في السنن ٧٧/٧ وابن خزيمة في صحيح حديث رقم ٢٩٧ وابن سعد فى الطبقات ٩٥/٢/١ والخطيب في التاريخ ٣٣٠/٣ - وأبو نعيم في الحلية ٢٢٨/٣ - وذكره المنذري في الترغيب ٨٧/١ والسيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧، ٣٠٧. (٣) أخرجه أبو داود في السنن ٢ / ٦١٠ كتاب السنة باب في لزوم السنة حديث رقم ٤٦٠٤ بلفظ مقارب وأحمد في المسند ١٣١/٤ عن المقدام بن معديكرب الكندي. (٤) النحل : ٤٤. ٣٦ المقدمة قاضياً عليها؛ لأنها بيِّنَة بنفسها، إذلم تصل إلى حدٌّ القرآن في الاعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشّرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح)». ولا ريب أَنَّ الصَّحابة كانوا أعرف النَّاس بمنزلة الكتاب والسُّنَّة، فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما وتحفظهما والعمل بهما . العَامِلُ الثَّامِنُ ارتباط كثير من كلام الله ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام، وتنبّه الأذهان، وتلفت الأنظار إلى قضاء الله ورسوله فيها، وحديثهما عنها وإجابتهما عليها، وبذلك يتمكّن الوحي الإلهي والكلام النّبويّ في النّفوس فضل تمكن وينتعش في الأذهان على مَرِّ الزّمان. انظر إلى القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطّوارىء في تجددها ووقوعها، فتارة يجيب السائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَ قَلِيلاً﴾(١). وتارة يفصِّل في مشكلة قَامَتْ، ويَقْضِي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُضْبَةٌ مِنْكُمْ لاَتَخْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌلَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(٢). وهي ستّ عشرة آية نزلت في حادث من أروع الحوادث هو آتّهام أَمِّ المؤمنين سيدتنا الجليلة السيدة أم المؤمنين عائشة زوج رسول الله والقر، الصّديقة بنت الصّديق. وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت، ولا تزال تقرأ على النّاس إلى يوم القيامة، ولا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات، وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي وقعوا فيها، ويرشدهم إلى شاكلة انصواب كقوله في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الخ الآيات التي نزلت في غزوة أحد والتي تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرهيب، وتحذرهم أن يقعوا حيناً آخر في مثل هذا المأزق العَصِيب. وعلى هذا النَّمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوت الحصر. وإذا نظرت في السُّنَّة رأيت العجب، انظر إلى قصّة المخرومية التي سرقت، وقول الرّسولِ الله لمن شفع فيها: ((وَأَيْمُ اللّه لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سرقَتْ لَقْطَعْتُ يَدَهَا))(٣) ثم (١) الإسراء: ٨٥. (٢) النور: ١١ - ٢٦ (٣) أخرجه البخاري في الصبح ٢٨٧/٨ كتاب الحدود باب كراهية الشفاعة ... حديث رقم ٦٧٨٨ ومسلم = . ٣٧ المقدمة تأمَّل حادث تلك المرأة الجهنية التي أقرت بزناها بين يدي رسول الله نَّ﴿ وهي حُبْلى من الزِّنا، كيف أمر رسول الله فكفلها ولتها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلّى رسول الرّحمة عليها؟ ولمَّا سُئِلَ وَّ كيف تصلّي عليها وهي زانية؟ قال: ((إِنَّها تَابَتْ تَوْبَةٌ لَوْ قَسْمَتْ على سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوْسَعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَّتْ أَفْضَّلَ مِنْ أَنْ جَاءَتْ بِنَفْسِهَا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))(١). وتدبّر الحديث المعروف بحديث جبريل، وفيه يسال جريل رسول الله وَل عن الإسلام والإيمان والإحسان والسّاعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصَّحابة، وقد قال لهم أخيراً: ((هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعْلِّمُكُمْ دِينِكُمْ)(٢). والنَّاظر في السُّنَّة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة . وقد قرر علماء النَّفْس أنَّ ارتباط المعلومات بأمور مقارنةً لها في الكفر، تجعلها أبْقَى على الزّمن وأثبت في النفس، فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصّحابة لكتاب الله وسنة رسوله ◌َّير على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث المشافهون بخطاب الحق، المواجهون بخطاب الحق، المواجهون بكلام سيّد الخلق في هذه المناسبات الملائمة والأسباب القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء الله فيها، = في الصحيح ١٣١٥/٣ كتاب الحدود (٢٩) باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود (٢) حديث رقم (١٦٨٨/٨، ١٦٨٨/٩) وأبو داود في السنن ٥٣٧/٢ كتاب الحدود باب في الحد يشفع حديث رقم ٤٣٧٣ والترمذي في السنن ٢٩/٤ كتاب الحدود (١٥) باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود (٦) حديث رقم ١٤٣٠ والنسائي في السنن ٧٣/٨ - ٧٤ كتاب قطع السارق (٤٦) باب اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت (٦) حديث ٤٨٩٩ وابن ماجة في السنن ٨٥١/٢ كتاب الحدود (٢٠) باب الشفاعة في الحدود (٦) حديث رقم ٢٥٤٧ . والدارمي في السنن ١٧٣/٢ - والبيهقي في السنن ٢٥٣/٨ والبيهقي في دلائل النبوة ٨٨/٥ - وذكره ابن كثير في التفسير ١٠٤/٣. (١) أخرجه مسلم في الصحيح ١٣٢١/٣ -١٣٢٤ كتاب الحدود (٢٩) باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥) حديث رقم (١٦٩٥/٢٢)، (١٦٩٥/٢٣)، (١٦٩٦/٢٤) وأبو داود في السنن ٥٥٦/٢ كتاب الحدود باب المرأة التي أمر النبي برجمها من جهينه حديث رقم ٤٤٤٠ والترمذي مي السنن ٣٣/٤ كتاب الحدود (١٥) باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع (٩) حديث رقم ١٤٣٥ وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والنسائي في السنن ١٣/٤ كتاب الجنائز باب الصلاة على المرجوم (٦٤) حديث رقم ١٩٥٧ - وأحمد في المسند ٤/ ٤٤٠ والطبراني في الكبير ١٩٧/١٨ - وابن حبان في صحيحه حديث رقم ١٥/٢ وذكره المنذري في الترغيب ١٠٠/٤ والزبيدي في اتحاف السادة المتقين ٥٨١/٨. (٢) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ١١٤/١، كتاب الإيمان (٢) باب سؤال جبريل النبي وقَلاقة (٣٧) حديث رقم (٥٠) - ومسلم في الصحيح ١ / ٤٥ كتاب الإيمان (١) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١) حديث (١٠/٧). ٣٨ المقدمة متعطشة إلى حديث رسوله عنها، فينزل الكلام على القلوب، وهي متشوّقة كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطشة تنهله بلهف، وتأخذه بشغف، وتمسكه وتحرص عليه بيقظة، وتعتز به وتعتدعن حقيقة، وتنتفع به وتنفع، بل تهتز به وتربو ، وتثبت من کل زوج بھیج العَامِلُ النَّاسِعُ اقتران القرآن دائماً بالإعجاز، واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة لِلْعَادّةِ، تروع النّفس، وتشوق الناظر وتهول السّامع وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصَّحابة؛ لأن الشّأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامّة أن يتقرَّر في حافظة من شاهده، وأن يتركّز في فؤاد كل من عاينه فرداً كان أو أمّة، حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخُ بحدوثه الأيّامِ والسّنون، وتُقَاسُ بوجوده الأعمار. أمَّا القرآن الكريم فإعجازه سارٍ فيه سريان الماء في العود الأخضر، لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه، وأعرف الناس بوجوه إعجازه وأعظمهم ذوقاً لأسرار بلاغته هم أصحاب محمَّدٍ وَّ لأنَّهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذوق عن فطرتهم العَربيّة الصّافية وسليقتهم السَّليمة السَّامية، ومن هذا القرآن حياتهم الصّحيحة به يقومون ويقعدون وينامون ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون، ويلتذُّون ويتعبدون وهذا هو معنى كونه روحاً في قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾(١) . وليست هناك طائفة في التّاريخ تمثل فيها القرآن روحاً كما تمثّل في هذه الطَّبقة العليا الكريمة طبقة الصحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة، وطبعهم طبعة جديدة حتى صاروا أشبه بالملائكة، وهكذا سواهم الله بكتابه خلقاً آخر، ﴿قَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ . وأما السُّنة النّبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة وأمامك أحاديث المعجزات، وهي كثيرة فيها المعجب والمطرب غير أَنَّا نَزباً بك أن تكون فيها كخاطب لَيْلِ على حين أن بين أيدينا في الصَّحيح منها الجمُّ الغفير والعدد الكثير، ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. وهذا نموذج واحد، عن أبي العَبَّاس سهل بن سعد الساعديّ-رضي الله عنه-أن رسول الله ◌َّ قال يوم خيبر: ﴿لِأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةُ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولَهُ﴾ فَبَاتَ النَّاسِ يَدُولونَ(٢) ليلتهم أَيُّهم يعطاها، فلما أَضْبحَ (١) الشورى: ٥٢. (٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٤/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل حديث رقم ٣٠٠٩ ومسلم في الصحيح ١٨٧١/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي = ٣٩ المقدمة النّاس غدوا على رسول الله # كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول الله، هو يشتكي مرضاً بِعَيْنَيْهِ، قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق رسول الله وَال* بعينيه، ودعاله، فبرىء حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية، فقال عليّ - رضي الله عنه - يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: ((انفذ عَلَى رَسْلِكَ حَتّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِم، ثُمَّ ادعُهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ وأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِم مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فيه، واللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَّكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَم))(١). وهذه الوصيّة من الرّسول وَله لعليّ جديرة أن تقطع لسان من يقول: إنَّ الإسلام انتشر بحدِّ السّيف ﴿كَبْرَتْ کَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يقولون إِلاَّكَذِباً﴾(٢). العَامِلُ العَاشِرُ حكمة الله ورسوله في التّربية والتَّعليم، وحسن سياستهما في الدعوة والإرشاد مما جعل الكتاب والسُّنة يتقرران في الأذهان، ويسهلان على الصّحابة في الحفظ والاستظهار. أما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة الله في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم، وبالأسلوب الخلاّب والنظم المعجز الآخذ بقلوبهم وأنه تدرج بهم في نزوله، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجماً في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة، ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من آياته وسوره، ودعمه بالدّليل والحجة، وخاطب به العقول والضّمائر، وناط به مصلحتهم وخیرهم وسعادتهم، وصدر في ذلك كلّه عن رحمة واسعة بھم یکادون يلمسونها = طالب رضي الله عنه حديث رقم (٢٤٠٤/٣٢)، (٢٤٠٥/٣٣) والترمذي في السنن ٥٩٦/٥ كتاب المناقب (٥٠) باب ٢١ حديث رقم ٣٧٢٤ - وابن ماجة في السنن ٤٥/١ المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله ير فضل علي بن أبي طالب حديث رقم ١٢١ - وأحمد في المسند ٩٩/١، ١٨٥، ٥٢/٤ والبيهقي في السنن ٣٦٢/٦، ١٣١/٩ - وابن سعد ٨٢/١/٢ والطبراني في الكبير ٢٣٧/١٨، ٣٨، وأبو نعيم في الحلية ٣٥٦/٤ وذكره الهيثمي في الزوائد ١٢٦/٩، ١٢٧. (١) أخرجه البخاري في الصحيح ١٢٣/٤ كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبيّ ◌َل حديث رقم ٢٩٤٢، ١٤٥/٤ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه حديث رقم ٣٠٠٩، ٨٨/٥ كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب حديث رقم ٣٧٠١ ومسلم في الصحيح ٤/ ١٨٧٢ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (٤) حديث رقم (٢٤٠٦/٣٤) وأحمد في المسند ٣٣٣/٥ والبيهقي في السنن ١٠٧/٩ وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢١٨/٢ والهيثمي في الزوائد ٣٣٧/٥. (٢) الكهف : ٤٠ · المقدمة باليد ويرونها بالعين: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهْرَ نُمْ وَلِئُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(١). ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَّفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ﴾(٢). وأما السُّنة النبوية فلقد كان محمد هو المعلّم الأوّل في رعاية تلك الوسائل الموضحة، ذلك لأنه # كان أفصح النّاس لساناً وأوضحهم بياناً، وأجودهم إلقاءٌ، يَنْتَقِي عيون الكلام وهو الّذي أوتي جوامع الكلم، ولا يسرد الحديث سرداً يزري بِرَوْنَقِهِ أو يذهب بشيء منه، بل يتكلّم كلاماً لوعدَّه العاد لأحصاه، وكان يعيد الكلمة ثلاثاً، أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كما تحفظ عنه كما جاء عنه وَ لَهُ قوله: ((هَلَكَ المُتَنَطَّعُونَ))(٣) قالها ثلاثاً، وقال: (أَلاَ أُتْبِكُمْ بِأَكْبَرَ الكَبَائِرِ)) . ثلاثاً. قلنا: بلى رسول الله، قال: ((الإِشْرَاكُ باللّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادُ الزّورِ. وكان مُتّكِئاً فجلس ـ فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)) (٤). و کان (ټ#إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: ((بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَة كَهَاتَيْن))(٥) - ويقرن بين أصبعيه (١) المائدة: ٦. (٢) فصلت : ٤٦ (٣) أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٥٥ كتاب العلم (٤٧) باب هلك المتنطعون (٤) حديث رقم (٧) ٢٦٧٠) والطبراني في الكبير ٢١٦/١٠ - وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢٦٧/١٣ - والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٤٧٨٥ - والزبيدي في الاتحاف ٢/ ٥٠. (٤) أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٨، ٦ كتاب الأدب باب حقوق الوالدين ... حديث رقم ٥٩٧٦، ٥٩٧٧، ٣٣٩/٣ كتاب الشهادات باب ما قيل في شهادة الزور حديث رقم ٢٦٥٤ - ومسلم في الصحيح ٩١/١ كتاب الايمان (١) باب بيان الكبائر وأكبرها (٣٨) حديث رقم (٨٧/١٤٣، ١٤٤/ ٨٨) وأحمد في المسند ١٣١/٣، ٣٦/٥، ٣٨ - والبيهقي في السنن ١٢١/١٠ . والطبراني في الكبير ١٤٠/١٨ - والطبري في التفسير ٢٨/٥ . وذكره المنذري في الترغيب ٢٢١/٣ والهيثمي في الزوائد ١٠٦/١ - وابن عبد البر في التمهيد ٧٢/٥ والزبيدي في اتحاف السادة المتقين ٥١٥/٧، ٥٣٨/٨. (٥) أخرجه البخاري في الصحيح ٩٣/٧ كتاب الطلاق باب اللعان حديث رقم ٥٣٠١، ١٩٠/٨ كتاب الرقاق باب قول النبيّ رُ طهر بعثت ... حديث رقم ٦٥٠٤، ٦٥٠٥ ومسلم في الصحيح ٢٢٦٨/٤ كتاب الفتن وأشراط الساعة (٥٢) حديث رقم (٢٩٥١/١٣٣، ٢٩٥١/١٣٤)، (٢٩٥١/١٣٥). والترمذي في السنن ٤٢٩/٤ كتاب الفتن (٣٤) باب ما جاء في قول النبيّ ◌ُثير وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين يعني السبابة والوسطى (٣٩) حديث رقم ٢٢١٣، ٢٢١٤ والنسائي في السنن ١٨٩/٣ كتاب صلاة العيدين (١٩) باب كيف الخطبة (٢٢) حديث رقم ١٥٧٨ وابن ماجة في السنن ١/ ٤٥ المقدمة باب اجتناب البدع والجدل (٧) حديث رقم ٤٥ . وأحمد في المسند ١٢٤/٣، ١٣٠، ١٣١، ١٩٣، ٢٣٧، ٢٧٥، ٢٨٣، ٣١٩، ١٠٣/٥، ١٠٨ والبيهقي في السنن ٢٠٦/٣، ٢١٣ - وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم ١٧٨٥ - والطبراني في الكبير ٢٢٧/٢، ٢٠٨/٦، ٢٤٣، ٢٦٦ وابن عساكر =