Indexed OCR Text

Pages 1-20

اسْدُ الْحَابَة
فی
مَعَرفَة الْضَحَابَة
تأليف
عِ الدّين ابْنْ الْأَثِير أبِي الحَسَنْ عَلِيٌّ بْحَدِ الجَزَرِي
المتَوَفِى سَنَّة ٦٣٠ هـ
تحقيق وتعليق
الِشَخْ عَلى مُحَمَنَّد مَوضِ الشَّفْعَالَأُم عَبْد المَوْجُد
قَلَّمَ لَهُ وَقَرَّظَُه
الدكتور عَبدالفتّاحِ أبو ستَّه
الأستاذ الدكتور محمد عبدالمنعم البري
جامعة الأزهر
جَامِعَة الأزهَر
الدكتور جمعة طاهِر النجّر
جَامعَة الأزهَر
المحتوى :
آبي اللحم-حریش
الجزء الأوّل
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلميَّةُ
بيروت - لبنان
دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ص.ب: ١١/٩٤٢٤ __ تلكس :_ Nasher 41245 Le
هاتف: ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ -٨١٥٥٧٣٠٨٦٨٠٥١
فاكس: ٠٠/٩٦١١/٦٠٢١٣٣٠٠٠/١٢١٢/٤٧٨١٣٧٣

٣
تقريظ
1
تقريظ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه
وأحبابه وبعد :
فقد اطلعت على كتاب ((أسد الغابة)) في معرفة الصحابة لعز الدين ابن الأثير الجزري
المتوفى سنة ٦٣٠ هـ بتحقيق الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود
فوجدته ذخيرة لا يستغني عنها دارس لعلوم الحديث وتاريخ الأعلام من الصحابة.
وإن المؤلف قد بذل جهداً في تصنيفه واعتمد فيه على مراجع كثيرة بالإضافة إلى ما
سمعه من شيوخه ... والكتاب يحتوي على أكثر من سبعة آلاف ترجمة، مع تنسيق جيد
يسهل معه الحصول على اسم الصحابي دون عناء. وقد بذل المحققان الكريمان جهداً
عظيماً في توثيقه وتخريج أحاديثه مما جعله موسوعة علمية مفيدة لكل طالب في علوم
التاريخ والتراجم والسير والحديث والفقه واللغة.
والكتاب بتحقيقه يشهد بطول باع المحققين وإخلاصهما وحبهما للعمل فجزاهما الله
خير الجزاء.
جمعة طاهر النجار

٥
مقدمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين
الطاهرین ومن اهتدى بهدیه إلی یوم الدین.
شَرَّفَ الله سبحانه خير أمة أخرجت للناس بخير الأنبياء وإمام المرسلين، وأكد العهد
على ذاته سبحانه بحفظ كتابها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فهو الكتاب
السماوي الوحيد الذي ينال هذا الشرف القدسي دنيا وأخرى فهو أنشودة سكان الجنة من
السعداء الفائزين.
ولما كانت السنة المشرفة بمنزلة المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم فلا يفهم مراد الله عز
وجل في قرآنه المجيد إلا من خلالها يؤكد ذلك قول الحق جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزَّلَ إِلَيْهِمْ ... ﴾ كان حفظها من صميم حفظ الله لقرآنه الخالد. وقد سخّر الله
لها من كل خلق أكفاءها وعدولها من أماجد العلماء وقمم الأئمة الذين كتب لهم نوال أعلى
الدرجات في الدارين يقول سبحانه: ﴿يَرْفَعُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ
دَرَجَاتٍ ... ﴾ فكانوا الحراس الأمناء الزائدين عن دينه وهدي نبيه ◌َّلام وقد ورد في الآثار أن
من ألوان البلاء والخيبة والأسى الذي يشهده الثابتون على الحق من هذه الأمة في آخر زمانها
الذين عناهم المصطفى ◌َّ بقوله الشريف: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ
ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ)» من الظواهر السيئة التي بدت على الساحة
في ديار الإسلام أن يلعن آخر هذه الأمة أولها وأن يؤتمن الخائن ويخون الأمين، وصدق الله
العظيم في قوله سبحانه ﴿لَتْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنَ
قَيْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.
وقد أغلق الله في وجوههم منافذ التخريب والهجوم على كتابه وهدي نبيه له.
فتسللوا إلى الساحات المفتحة أبوابها لمطاعنهم ودسهم كالتاريخ الإسلامي والسير والتفسير
والأدب وغيره قديماً وحديثاً. ولا ينجو من شباكهم الخبيثة وكيدهم الذكي إلا من عصم الله.
مثال ذلك ما يقع فيه الباحث الصغير المبتدىء خلال قراءته في المغازي والسير يفاجأ
بالمتناقضات يرى مثلاً في بعض كتب التراث أن من الثابتين مع رسول الله ◌َ لا يوم حنين
العباس بن عبد المطلب وصديق عمره أبو سفيان رضي الله عنهم أجمعين وأن أبا سفيان فقئت
عينه في هذه الغزوة خلال ذلك.

٦
مقدمة المحقق
كما فقئت عينه الثانية في اليرموك، وتشبث براية رسول الله بتصميم شديد إلا أن
يحملها للمسلمين وهو أعمى خلال فتح فارس في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهم
أجمعين أسوة بعبد الله ابن أم مكتوم الأعمى الذي كان يحمل اللواء الثاني لرسول الله وَل
وبيض الله وجه جيش صحابة النبي ◌َّر وعلى جناحيه رايتا رسول الله وَلا يحمل الأولى على
الميمنة أبو سفيان بن حرب الأعمى ويحمل الثانية على الميسرة عبد الله ابن أم مكتوم
الأعمى، ومحا الله مجد فارس إلى الأبد في معركة القادسية بقيادة خال رسول الله سعد بن
أبي وقاص رضي الله عنه وما زال الفرس يجترون الحقد على الإسلام من يومها ويلعنون أمير
المؤمنين عمر رضي الله الذي ساق جيوش الصحابة الأماجد إليهم.
كان أبو سفيان بن حرب شريفاً صادقاً في كفره صادقاً في إسلامه وكذلك بنوه فقد
صَدَّرَ الإمام البخاري في كتابه الخالد شهادة أبي سفيان عن رسول الله وَلا بين يدي الامبراطور
هرقل في السنة السابعة من الهجرة قبل إسلامه بما يعتبر مفخرة له أبد الدهر أما لدى
المؤرخين الشيعة أمثال محمد بن عمر الواقديّ صاحب ((المغازي)) والمسعودي وغيرهما
والحاطبين بليل من ورائهما فترى دسًّا رخيصاً يضحك الثكلى ولا ينطلي إلا على الأغرار
البلهاء ولا ينسب إلا لكافر كقولهم عنه فض الله أفواههم إنه كان على رأس الشامتين في
الهزيمة وأنهم قالوا لن يكف الفارون حتى البحر، ولا بحر في الطائف فهي مدينة عشت فيها
ست سنوات من العمر خلال المدة من ١٣٩١ هـ ١٣٩٧ هـ وهي ترتفع عن سطح البحر
بمسافة ١٨٠٠ متر والأقرب لها السحاب وليس البحر وقد قالوا في الحكم (إذا كنت كذوباً
فكن ذكوراً حتى لا تفضح نفسك) ومن الخصوصيات التي شرف الله بها هذه الأمة اتصال
السند بينها وبين نبيها محمد ◌ّ منذ نزل قول الله تعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
دِينِكُمْ ... ﴾ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد قيض الله للدين جنوده وللسنة المطهرة الرجال الأفذاذ والأئمة الأعلام، وفي
طليعتهم الإمام الحافظ عز الدين ابن الأثير صاحب الكامل في سفره الخالد أسد الغابة في
معرفة الصحابة الذي سخر الله له العالمين الجليلين الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل
أحمد عبد الموجود لتحقيقه العلمي الدقيق وإزالة غرائبه وتوضيح أعلامه ومواطنه .
أسأل الله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يشملني
وإياهم والقائمين على نشره وخدمته وقراءته ووالدينا ومشايخنا وأحبابنا في الله تعالى خير ما
يجزي به عباده الصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

٧
تقدیم
تقديم
أسد الغابة في معرفة الأصحاب
لابن الأثير
كتاب أسد الغابة من أمهات كتب التراجم، وأصل من أصول التاريخ الإسلامي جمعه
مؤلفه، وقربه على من أراد ليستغني به القارىء عن المصنفات الطويلة، معتمداً فيه على
الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير والأثر والأنساب، وعلى التواريخ المعروفة التي
عول عليها المؤرخون؛ مبيناً المراجع التي اعتمد عليها، والشيوخ الذين حدث عنهم أو قرأه
عليهم .
فهو كتاب عمدة في كتب التراجم یعتمد عليه کثیر ممن يؤرخون لرجال الإسلام،
ويرجع إليه كل من أراد أن يكتب عن الصحابة، ووثقه كل من نقلوا عنه.
ومع ذلك فإن الكتاب لم يستوف حقه من الباحثين والدارسين والمحققين.
ولما أراد الله لهذا الكتاب الانتشار والذيوع قيض له عالمين جليلين لهما باع في
التحقيق والتوثيق استوعبا الكتاب، فأتوا بنسخ عديدة لأصل هذا الكتاب وتمت بينها
المقابلات، وظهر على يد الشيخين فيها الترجيحات المذيلة بنفائس التعليقات، وبدا الوليد
يرفل في حلل الإيضاحات والتوجيهات، فاحتفى به المحتفون، وأعجب بإخراجه
المعجبون وأثنى عليه المثنون، ولله في خلقه شؤون.
عبد الفتاح أبو سنة
عضو المجلس الأعلى
للشؤون الإسلامية

٩
المقدمة
مَنْ هُوَ الصَّحَابِيُّ
الصَّحَابِيُّ لُغَةً: مشتقٌّ من الصُّحبة، وليس مشتقًّا من قدر خاصٍّ منها، بل هو جَارٍ على
كل من صحب غيره قليلاً أو كثيراً .
كَمَا أَنَّ قَوْلَكَ: مُكلّم، ومخاطب، وضارب، مشتق من المُكَالَمَةِ، والمخاطبة،
والضَّربِ، وَجَارٍ على كلّ من وقع منه ذلك، قليلاً أو كثيراً.
يقال: صحبت فلاناً حَوْلاً وشَهْراً ويوماً وساعة وهذا يوجب في حكم اللّغة إجراؤها
على من صحب النبي وَّ سَاعَةً من نهار.
قَالَ السَّخَاوِيِّ: ((الصَّحَابِيُّ لُغَةً: يقع على من صحب أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة،
فضلاً عمَّن طالت صحبته وكثرت مجالسته))(١) .
الصَّحَابِيُّ عِنْدَ عُلَّمَاءِ الأُصُولِ
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ في ((المُعْتَمدِ)): هو من طالت مُجَالسته له على طريق التَّبع له والأخذ
عنه، أما من طالت بدون قصد الاتباع أو لم تظل كالوافدين فلا .
وقال الكيا الطَّبَرِيُّ: هو من ظهرت صحبته لرسول الله ◌َّ صحبة القرين قرينه حتى
یعد من أحزابه و خدمه المتّصلین به .
قال ◌َّاحِبُ (الوَاضِحِ)): وهذا قول شيوخ المعتزلة. وقال أَبْنُ فُورَك: هو من أكثر
مجالسته واختص به .
الصَّحَابِيُّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ
قال آبْنُ الصَّلاَحِ حِكَايَةً عن أبي المُظفَّرِ السَّمْعَانِيِّ أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون
اسم الصّحابة علی کلّ من روی عنه حدیثاً أو كلمة، ویتوسعون حتی یعدون من رآه رؤية من
الصَّحابة، وهذا لشرف منزلة النبي ◌َّ أعطوا كل من رآه حكم الصّحابة(٢).
(١) فتح المغيث لِلسَّخَاوي ٨٦/٣.
(٢) المقدمة ص ١١٨، وفتح المغيث للعراقي ٤/ ٣٠، ٣١.

١٠
المقدمة
وقال سيِّدُ التَّابعين سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ: الصَّحابي من أقام مع رسول الله وَ للسنة أو
سنتين، وغزا معه غَزْوَةً أو غزوتين(١).
ووجهه أن لصحبته # شرفاً عظيماً فلا تنال إلاَّ باجتماع طويل يظهر فيه الخلق
المطبوع عليه الشخص كالغزو المُشْتمل على السَّفر الّذي هو قطعة من العذاب، والسَّنَة
المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.
وقال بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ(٢): وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي أنه لا يعد جرير بن عبد الله
البجليّ، ووائل بن حُجْر وأضرابهما من الصّحابة، ولا خلاف أنهم صحابة.
وقال العِرَاقِيُّ: ولا يصح هذا عن آبْنِ المُسْيّبِ، ففي الإسناد إليه مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ
الوَاقِدِيُّ شيخ أَبْنِ سَعْدٍ ضعيف في الحديث(٣).
وقال الوَاقِدِيُّ: ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله نق له وقد أدرك
الحلم فأسلم وعقل أمر الدّين ورضيه فهو عندنا ممَّن صحب النبيّ وَّ ولو ساعةً من
نهارٍ (٤).
وهذا التعريف غير جامع؛ لأنه يخرج بعض الصحابة ممَّن هم دون الحلم ورووا عنه
كعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وابن الزبير.
قال العِرَاقِيُّ: والنَّقييد بالبلوغ شاءِ(٥).
وقال السُّيُوطِيُّ في (تَذْريبِ الرَّاوِي)): ولا يشترط البلوغ على الصَّحيح، وإلا لخرج
من أجمع على عدّه في الصّحابة.
والأصح ما قيل في تعريف الصّحابيّ أنه ((مَنْ لقي النَّبِيّ ◌َ لّ في حياته مسلماً ومات
علی إسلامه)).
شَرْحُ التَّعْرِيفِ:
(مَنْ لَقِيَ النَِّيَّ ◌ََّ): جنس في التَّعريف يشمل كل من لقيه في حياته، وأَمًّا من رآه بعد
موته قبل دفنه ◌َ ل﴿ فلا يكون صَحَابًّا كَبِي ذُؤَيبِ الهُذَلَيِّ الشّاعِرِ فإنه رآه قبل دفنه .
(مُسْلِماً): خرج به من لقیه كافراً وأسلم بعد وفاته کرسول قيصر فلا صحبة له.
(١) الكفاية ٦٩، وعلوم الحديث ٢٩٣، المنهل الزّويّ ١١٧ تدريب الرّاوي ٢١١/٢.
(٢) المنهل ١١٧ بتصرف، وتدريب الرّاوي ٢١١/٢.
(٣) تدريب الرّاوي ٢١٢/٢.
(٤) فتح المغيث ٣٢/٤ والكفاية ٥.
(٥) فتح المغيث ٣٢/٤.

١١
المقدمة
(وَمَاتَ عَلَى إِسْلاَمهِ): خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافراً.
أما من ارتَدَّ بعده ثم أسلم ومات مسلماً فقال العِرَاقِيُّ فيهم نظر، لأن الشّافِعِيَّ وأَبا
حَنِيفَةَ نصًا على أن الردّة مُخبطة للصُّحبة السابقة كقُرَّةَ بْنِ مَيْسَرَةً والأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.
وجزم الحافظ ابْنُ حَجَرٍ شيخ الإسلام ببقاء اسم الصُّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في
حياته كعَبْدِ اللَّهِبْنِ أَبِي سَرْعٍ.
وهل يشترط لقيه في حال النُّبوّة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على
الحنيفية كزَيْدِ بْن عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ، وكذا من رآه قبلها وأسلم بعد البعثة ولم يره؟
قال العِرَاقِيُّ: ولم أرمَنْ تَعرَّض لذلك، وقد عد ابْنُ مَنْدَه زَيْدَ بْنَ عَمْرو في الصّحابة.
هَلْ مِنَ المَلاَئِكَةِ صَحَابَةٌ؟!
الملائكة أجسام نورانية قادرة على التّشكيل والظّهور بأشكال مختلفة، وهي تتشكل
بأشكال حسنة، شأنها الطاعة وأحوال جبريل مع النبي ◌َّ حين تبليغه الوحي وظهوره في
صورة دحية الكلبي تؤيد رجحان هذا التعريف للملائكة على غيره.
والملائكة لا يوصفون بذُكُورة ولا أنوثة ولا يتوالدون، فمن وصفهم بذكورة فسق
ومن وصفهم بأنوثة أو خنوثة كفر، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمُنِ
إِنَاثاً أَشِهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾(١) الآية، ومسكنهم السماوات ومنهم من يسكن الأرض.
وقد دل على وُجُودهم الكتاب والسُّنة والإجماع فالمنكر كافر، وإذاً فيجب الإيمان
إجمالاً فيمن علم منهم إجمالاً، وتفصيلاً فيمن علم بالشّخص كچِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أو بالنوع
كحملة العَرْشِ والخَافِين من حوله والكَتَبة والحَفَظّة وقد خلق الله الملائكة جنداً له منفذين
لأوامره في خلقه فمنهم ساكن السَّماوات وأفضلهم حملة العرش والحافِّين من حوله وهم
الكروبيون، ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية مع مالك ومنهم الموكلون بالجنة لإعداد
النعيم مع رضوان، ومنهم سفير الله إلى أنبيائه وهو جبريل، والموكل بالمطر والسحاب
والرزق وهو ميكائيل، وصاحب النفخ وهو إِسْرَافِلُ، والموكلون بحفظ بني آدم والكاتبون
لأعمالهم، ومنهٍ منكر ونكير فتانا القبر، ومنهم ملك الموت وأعوانه وهو عَزْرائِيلُ ﴿وَمَا
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاهُوَ﴾ .
(١) الزخرف: ١٩.

١٢
المقدمة
عِضْمَةُ المَلائِكَةِ
والقول الحق أنهم معصومون يستحيل صدور الذنوب منهم كبيرة كانت أو صغيرة
بدليل قوله تعالى: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مّا يُؤْمَرُون﴾(١).
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَلاَ يَفْتَرُونَ﴾(٢). وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ قَوْقِهِمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(٣). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَ وَلَّهُ
يَسْجِدُونَ﴾(٤). أي أن شأنهم وحياتهم التي فطروا عليهما هي الخضوع والعبادة والله أعلم
وهل هم صحابة أم لا؟ أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال:
((وهل تدخل الملائكة محل نظر))؟ وقد قال بعضهم إن ذلك ينبىء على أنه هل كان
مبعوثاً إليهم أولاً وقد نقل الإمام فَخْرُ الدِّينِ في ((أَسْرَارِ النَّنْزِيلِ)) الإجماع على أنه يَّ لم يكن
مرسلاً إلى الملائكة ونوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تَقِيُّ الدِّيْنِ السُّبْكِيُّ أنه كان مرسلاً
إليهم.
هَلْ مِنَ الجِنِّ صَحَابٌ؟!
اختلف علماء التّوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرَّفوا
الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة وتظهر منها أفعال عجيبة، منهم
المؤمن ومنهم الكافر.
أما الشَّيَاطِينُ: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد.
وقال آخرون إن حقيقتها واحدة وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو
قبيحة، وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ويكلفون، منهم المؤمن ومنهم العاصي،
أما الشَّيْطَان قاسم للعاصي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالجَانَ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ
السَّمُومِ﴾(٥). كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صَرفنا إِلَيْكَ نَفْراً مِنَ
الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِي وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾
الآيات، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِي إِلَيَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ تَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجباً يَهْدِي
إِلى الرَّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبَّنَا أَحَداً﴾(٦). وحيث ثبت وجودهم بكلام الله وكلام أنبيائه
وانعقد عليه الاجماع كان الإيمان بما ثبت واجباً ومنكره كافر والسؤال بعد ذلك هل هم
داخلون في الصحابة الحق؟
(١) التحريم: ٦.
(٢) الأنبياء: ٢٠.
(٣) النحل: ٥٠.
(٤) الأعراف: ٢٠٦.
(٥) الحجر: ٢٧.
(٦) الأحقاف: ٢٩

١٣
المقدمة
نعم. يدخل في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من رآه و # أو لقيه مؤمناً به من
الجنّ، لأنه ◌َّ بعث إليهم قطعاً وهم مكلّفون، وفيهم العصاة والطّائعون.
قال الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: الرَّاجح دخولهم؛ لأن النّبي ◌َّن بعث إليهم قطعاً.
قال السُّكِيُّ في فتاويه:
كونه ◌ِّل﴿ مبعوثاً إلى الإنس والجن كافّة وأن رسالته شاملة للثقلَیْن فلا أعلم فيه خلافاً،
ونقل جماعة الإجماع عليه.
قال السُّبْكيُّ: والدَّليل عليه قيل الإجماع الكتاب والسّنة، أما الكتاب فآيَات منها قوله
تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذيراً﴾(١) وقد أجمع المُفَسِّرُون على دخول الجِنِّ في ذلك في
هذه الآية، ومع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج منه إلاَّ بدلیل.
ومنها قوله تعالى: في سورة الأحقافِ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾(٢).
والمنذرون هم المخوفون مما يلحق بمخالفته لَوْمٌ، فلو لم يكن مَبْعُوثاً إليهم لما كان
القرآن الذي أتى به لازماً لهم ولا خوفوا به.
ومنها قولهم فيها: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾، فَأَمْرُ بعضهم بعضاً بإجابته دليل على أنه داعٍ
لهم، وهو معنی بعثہ إلیھم.
ومنها قولهم: ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ ... ) الآية، وذلك يقتضي ترتيب المغفرة على
. الإيمان به، وأن الإيمان به شرط فيها، وإنما يكون كذلك إذا تعلّق حكم رسالته بهم، وهو
معنی کونه مبعوثاً إليهم .
ومنها قولهم: ﴿وَمَنْ لاَ يُحِبْ دَاعِيَ اللَّهِ .. ) الآية، فعدم إعجازهم وأوليائهم،
وكونهم في ضلال مُرَتّب على عدم أجابته، وذلك أدلّ دليل على بعثته إليهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّقَلاَنِ﴾(٣). فهذا تهديد ووعيد شامل لهم وارد
على لسان رسوله وَ﴾ عن الله، وهو يقتضي كونه مرسلاً إليهم، وأيُّ معنى للرسالة غير ذلك
وكذلك مخاطبتهم في بقيَّة السورة بقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَتَانٍ﴾(٤)؛ وغير ذلك من
الآيات التي تضمَّنتها هذه السورة.
ومنها قوله تعالى في سورة الجنّ: ﴿فَآمَنَا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبَِّا أَحَداً﴾(٥) فإن قوة هذا
(١) الفرقان: ١.
(٢) الأحقاف: ٢٩.
(٣) الرحمن: ٣١.
(٤) الرحمن: ٤٦.
(٥) الجن: ٢.

١٤
المقدمة
الكلام تقتضي أنهم أنقادوا له وآمنوا بعد شركهم، وذلك يقتضي أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهم مكلَّفون به،
وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السُّورة التي خاطبوا بها قومهم.
ومنها قولهم فيها: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آَمَنَّا بِهِ ... ﴾(١)، وكذا قولهم: ﴿فَمَنْ
أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوارُشداً﴾(٢) الآيات.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْتَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ
وَمَنْ بَلَغَ﴾(٣) .
فهذه الآية تقتضي أن النّبيِ وَ لّ منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيًّا كان أو إنسيًّا،
وهي في الدّلالة كآية الفُرْقَانِ، أو أصرح، فإن احتمال عَوْدِ الضَّمير على الفرقان غير وارد
هنا، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأَنْعَام هذه، وتليها آية
الفرقان، وتليها آيات الأَحْقَافِ، وتليها آيات الرحمن، وخطابها في عدَّة آيات: ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ وتليها سورة الجنِّ، فقد جاء ترتيبها في الدّلالة والقوة كترتيبها في
المصحف، وفي القرآن أَيْضاً ما يدلُّ لذلك، ولكن دلالة الاطلاق اعتمدها كثيرٌ من العلماء
في مباحث، وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود، لأن الأمر بالانذار، والمطلق إذا لم يتقيّد بقيد
يدل على تمكّن المأمور في الاتيان به في أي فرد شاء من افراده وفي كلها، وهو ◌َّ كامل
الشفقة على خلق الله، والنّصيحة لهم والدّعاء إلى الله تعالى، فمع تمكّنه من ذلك لا يتركه في
شخص من الأشخاص، ولا في زمن من الأزمان، ولا في مكان من الأمكنة، وهكذا كانت
حالته ◌َ﴿، ويعلم أيضاً من الشّريعة أن الله تعالى لم يرد من قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾(٤) مطلق
الانذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التَّشمير والاجتهاد في ذلك، فهذه
القرائن تفيد الأمر بالانذار لكل من يقيد فيه الانذار، والجنّ بهذه الصُّفة، لأنه كان فيهم سُفّهَاء
وقَاسِطُونَ وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النّبي ◌َ لالدعاءهم، والآية
بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، ومنها كل آية فيها لفظ
المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أَمْرٌ أو نهي ونحو ذلك فإنّ المؤمنين والكافرين صفتان
المحذوف، والموصوف المحذوف لا يتعيَّن أن يكون النَّاس بل المكلّفون أَعْمُّ من أن يكونوا
إنساً أو جنًا، وإذا ثَبَتَ ذلك أمكن الاستدلال بما لا يُعَدَّ ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(٥)
(١) الجن: ١٣.
(٢) الجن: ١٤.
(٣) الأنعام: ١٩.
(٤) المدثر: ٢.
(٥) الأعراف: ١٥٧.

١٥
المقدمة
فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين، وإنما يكون كذلك، وإذاً ثبتت رسالته في حقهم،
وكقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ الّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾(١)، وكقوله: ﴿هُدّى
لِلْمُثَّقِينَ﴾(٢)، ونحو ذلك من الآيات أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾(٣)،
ومن الجن كذلك، ولو تتَّعنا الآيات الَّتي من هذا الجنس لوجدناها جاءت كثيرة.
واعلم أن المقصود بتكثير الأدلّة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرّق)
إليها الاحتمال، فإذا كثرت قد تَترقى إلى حدٍ يقطع بإرادة ظاهرها، ويقي الاحتمال والتأويل
عنها .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ففي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ال رسول اللّه وَال
قال: ((فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاء بِسِتُ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ ونصُرْتُ بِالرُّغْبِ، وأُحِلْتْ لَيَ
الغَنَائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَّ الأَرْضُ طَهُوراً ومَسْجِداً، وَأُرْسِلْتُ إِلى الخَلْقِ كَافّةً، وَخْتِمَ بِي
النَِّيُّونَ))(٤) .
ومحل الاستدلال قوله: ((وَأَزْسِلْتُ إِلى الخَلْقِ كافَّة))، فإنه يشمل الجن والإنس،
وحمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل فلا يجوز، والكلام فيه كالكلام في قوله
تعالى: ﴿للعالمين﴾ .
فإن قال قائل: على أن المراد بالخَلْقِ الناس رواية البخاري من حديث جابر عن النبيّ
﴿* قال: ((أُعْطِيتُ خَيْساً لَمْ يُعْطُهِنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي)»(٥)، فذكر من جملتها:
(١) الأحقاف: ١٢.
(٢) البقرة: ٢.
(٣) يس: ١١.
(٤) أخرجه مسلم في الصحيح ٣٧١/١ -٣٧٢ كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥) حديث رقم (٥٢٣/٥)
والترمذي في السنن ١٠٤/٤ - ١٠٥ كتاب السير (٢٢) باب ما جاء في الغنيمة (٥) حديث رقم ١٥٥٣
وقال حسن صحيح وأحمد في المسند ٤١٢/٢ - والبيهقي في السنن ٤٣٢/٢، ٥/٩ والبيهقي في
دلائل النبوة ٤٧٢/٥ - وذكره الهيثمي في الزوائد ٢٦٩/٨ - والهندي في كنز العمال حديث رقم
٣١٩٣٢.
(٥) متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أخرجه البخاري في الصحيح ٤٣٥/١ .٤٣٦
كتاب التيمم (٧) باب (١) حديث رقم (٣٣٥) - واللفظ له . مسلم في الصحيح ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد
(٥) حديث رقم (٥٢١/٣) وأحمد في المسند ٣٠٤/٣، ١٤٨/٥ - والدارمي في السنن ٢٢٤/٢
والبيهقي في السنن ٢١٢/١، ٣٢٩/٢، ٤٣٣، ٢٩١/٦، ٤/٩ وأبو نعيم في الحلية ٣١٦/٨ - وابن
ابي شيبه ٤٣٢/١١ والبخاري في التاريخ الكبير ١١٤/٤، ٤٥٥/٥ وذكره المنذري في الترغيب ٤/
٤٣٣ - والهيثمي في الزوائد ٦١/٨، ٦٢ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٠، ٣٢٠٥٩،
٣٢٠٦٠، ٣٢٠٦١، ٣٢٠٦٢.

١٦
المقدمة
(وَأُؤْسِلْتُ إِى النَّاسِ كَافَّةً))، قلنا: لو كان هذا حديثاً واحداً كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من
الرّواة، ولکن الذي ينبغي ان یقال: انهما حدیثان، لان حديث مسلم من رواية ابي هريرة،
وفيه ست خصال، وحديث البُخَارِيُّ من رواية جابر وفيه خمس خصال.
والظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيّ وَّه قالهما في وَقْتَين، وفي حديث مسلم زيادة في عدة الخِصَال،
وفي سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، وليس بنا ضرورة إلى حمل
أحد الحديثين على الآخر إذ لا مُنَافَاةَ بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج والمعنى، وإن
كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، وخرج كل من صاحبي الصَّحِيحَيْنِ واحداً منهما ولم
يذكر الآخر .
فهذا الحديث الّذي ذكرناه عن مسلم واستدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدّالة
على شمول الرِّسَالة للچنِّ والإنس.
ومن الأدلَّة أيضاً أن النّبِيّ ◌َله خاتم النبيين وشريعته آخر الشرائع وناسخة لكل شريعة
قبلها، ولا شريعة باقية الآن غير شريعته، ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم وَ﴿إنّمَّا يحكم
بشريعة محمّد ◌ّفلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، وهو
خلاف ما تقرّر، وإِمَّا أَلاَ يكونوا مكلّفين أَضْلاً، ولم يقل أحدٌّ بذلك، ولا يمكن القول به،
لأن القُرْآن كله مليء بتكليفهم، قال تعالى: ﴿لِأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾،
وقال: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ إلى غير ذلك
من الآيات، ودخولهم النَّارَ دليل على تكليفهم، وهذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن
تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، وتكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها،
فثبت أنّهم مُكلّفون بهذه الشريعة كالإنس(١).
وقال أَبْنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ:
((قد أعلمنا الله أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النّبيّ ◌َ* ففيهم صحابة
فضلاء)) .. هذاوالله تعالى أعلى وأعلم.
بِم يُعْرَفُ الصَّحَابِيُّ؟
يعرف الصَّحَابِيِّ بأحد الأَدِلَّةِ التّالية:
أَوْلاً: التَّوَاتُرُ، وهو رواية جَمْعٍ عَنْ جَمْع يستحيل عادة تَوَاطُؤُهُمْ على الكذب، وذلك
كَأَبِهِي بَكرٍ وَعُمَر وعُثْمَانَ وعَلِيٍّ وبقيّةً العشرة المُبشّرين بالجنّة - رضي الله عنهم.
(١) انظر فتاوي السبكي ٥٩٤/٢ وما بعدها بتصرف.

١٧
المقدمة
ثَانِياً: الشُّهْرَةُ أَوِ الاسْتِفَاضَةُ القاصرة عن حد التواتر كما في أمر ضمَامٍ بْنِ ثَعْلَبَةً،
وعُكَاشَةِ بْنِ مخصَنٍ .
ثَالِئاً: أَن يروى عن آحّادِ الصَّحابة أنه صحابي كما في حَمَمَةَ بْنِ أَبِي حمَّمَةَ الدَّوْسِيِّ
الذي مات بـ ((أَصْبَهَانَ)» مبطوناً فشهد له أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ أنه سمع النَّبِيّ وَّرُحكم له
بالشّهادة، هكذا ذكره أَبُو نُعَيمٍ في «تَارِيخِ أَصْبَهَانَ)).
رَابِعاً: أن يخبر أحد النَّابعين بأنه صحابي بناءً على قبول التّزكية من الواحد العذلِ وهو
الرّاجح .
خامساً: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابيّ بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنه بعد ذلك
لا يقبل ادِّعاؤه بأنه رأى النّبيّ وَلّ أو سمعه؛ لقوله ◌ّ في الحديث الصحيح:
(أَوَ أَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسٍ مِائَةٍ سَنَةٍ مِنْهُ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ عَلَى ظَهْرٍ
الأَرْضِ ... ))(١).
يريد بهذا أنْخِرَامَ ذلك القرن، وقد قال النّبيّ ◌َّ ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ
لم يقبل الأئمّة قول مَنْ آذَّعى الصُّحبة بعد الغاية المذكورة.
وقد ذكر الحافظ ابنُ حَجَرٍ في ((الإِصَابَةِ)). هنا- ضابطاً يستفاد منه معرفة جمع كثير من
الصَّحابة يكتفي فيهم بوصفٍ يتضمّنُ أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار:
أَحَدُهَا: أنهم كانوا لا يؤمِّرون في المَغَازي إلا الصَّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من
الرّدة، والفتوح وجد من ذلك الكثير .
ثَانِيهَا: أن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أَتِي بِهِ النَّبِيّ ◌َّ
فدعاله، وهذا أيضاً يوجد منه الكثير.
ثَالِثُهَا: أنه لم يَبْقَ بالمدينة ولا بمكّةَ ولا الطَّائِفِ ولا من بينهما من الأَعْرَافِ إلا مَنْ
أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجوداً اندرج فيهم؛ لحصول رؤيتهم
للنبيّ ټ وإن لم یرهم هو.
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢٣٥/١ كتاب مواقيت الصلاة باب ذكر العشاء والعتمة حديث رقم ٥٦٤
ومسلم في الصحيح ١٩٦٥/٤ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب قوله والقر لا تأتي مائة سنة وعلى
الأرض نفس منفوسه اليوم (٥٣) حديث رقم (٢٥٣٧/٢١٧) والترمذي في السنن ١/ ٤٥٨ كتاب الفتن
(٣٤) باب (٦٤) حديث رقم ٢٢٥١ - وأحمد في المسند ٢٢١/٢ والبيهقي في السنن ٤٥٣/١، ٧/٩
والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥٠٠ والحاكم في المستدرك ٣٧/٢ وذكره الهندي في كنز العمال حديث
رقم ٣٨٣٤٤.
أسد الغابة / ٢٢/١٢

١٨
المقدمة
قال الذَّهَبِيُّ في (المِيزَانٍ) في ترجمة (رَتَنْ)) ٤٥/٢ ((وما أدراك مارتن؟! شيخ دَجَّالٌ
بلا ريب، ظهر بعد السِّتمائة فادَّعى الصّحبة، والصّحابة لا يكذبون وهذا جريء على الله
ورسوله، وقد ألَّفتُ في أمره جزءاً.
حِكْمَهُ اللَّهِ فِي أُخْتِيَارِ الصَّحَابَةِ
الواقع أَنَّ العقل المجرّد من الهوى والتعضُّب، یحیل على الله في حكمته ورحمته، أن
يختار لحمل شريعته الختاميّة أمةً مغموزة أو طائفة ملموزة تعالى اللَّهُ عن ذلك عُلوًّا كبيراً،
ومن هنا كان توثيق هذه الطَّبقة الكريمة طبقة الصَّحابة، يعتبر دفاعاً عن الكتاب والسُّنَّة
وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبيًّا لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تَقْدِيراً
لِحكمة اللَّهِ البالغة من اختيارهم لهذه المُهِمِّة العُظْمى من ناحية ثالثة، كما أن توهينهم والنَّيْلَ
منهم يُعَدُّ غَمْزاً في هذا الاختيار الحكيم، ولَمْزاً في ذلك الاصْطِفَاءِ والتَّكْريم فوق ما فيه من
هدم الكتاب والسنّة والدّين.
على أن المُتَّصَفْحَ لتاريخ الأُمَّةِ العربية وطبائعها ومميزاتها یری من سلامة عنصرها
وصفاء جوهرها، وسموّ مميزاتها، ما يجعله يحكم مطمئناً بأنَّها صارت خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجت
للنَّاسِ بعد أن صهرها الإسلام، وطهرها القرآن ونفى خبثها سيِّد الأنام، عليه الصَّلاة
والسَّلام.
ولكن الإسلام قد آبْتُلِي حديثاً بمثل أو بأشدّ مِمَّا أَبْتُلِيَ به قديماً، فانطلقت أَلْسِنَةٌ في
هذا العصر تُرجف في كتاب الله بغير علم، وتخوض في السُّنة بغير دليل، وتطعن في
الصَّحابة دون استحياء، وتنال من حفظة الشريعة بلا حجّة، وتتهمهم تارةً بسوء الحفظ،
وأخرى بالتزيد وعدم التثبت، وقد زودناك، وسلّحناك، فانزل من الميدان ولا تخش عداك.
﴿يَا أَيُّها الّذِين ◌َآمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
نصرنا الله بنصرة الإسلام، وثبت منا الأقدام الأقلام والحمد لله في البدء والختام.
مَرْتَبَةُ الصَّحَابَةِ
الصَّحّابة رضي الله عنهم أجمعين. خصيصة، وهي أنه لا يُسْأَلُ عن عدالة أحد منهم،
وذلك أمر مُسلّم به عند كافّة العلماء؛ لكونهم على الاطلاق مُعَدَّلين بنصوص الشرع من
الكتاب والسّنة، وإجماع من يعتدُّ به في الاجماع من الأُمَّة.
فَأَمَّا الكِتَابُ :
قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْتَهُمْ تَرَاهُمْ
رُكَّعاً سُجَّداًيَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً، سَيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْاَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ

١٩
المقدمة
الزُّرَّاعَ لِيَتَغِيظَ بِهِمْ الكُفَّارِ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً
عَظِيماً﴾(١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ
قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(٣) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَّ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايُعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَّلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيباً﴾(٤).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾(٥).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّاتِ تَجْرِي تَخْتَها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ
العَظِيمُ﴾(٦) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾(٧) .
والوَسّطُ : الخيار والعدول، فهم خير الأُمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم
ونِيَّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، والله تَعَالى يقبل
شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نَوَّه بهم ورفع ذكرهم، وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما
اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشُّهداء، وأمر ملائكته أن
تصلّي عليهم وتدعوا لهم وتستغفر لهم، والشَّاهِدُ المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم
وصِدْقٍ فيخبر بالحق مُسْتنداً إلى علمه به، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ وَهُمْ
بَعْلَمُونَ﴾ (٨)(٩)
وَقَالَ تْعَالَى: ﴿كُثْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسَّ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهونَ عَنِ المُنْكُرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(١٠).
(١) الفتح: ٢٩.
(٢) الحشر: ٨- ٩.
(٣) الأنفال: ٧٤.
(٤) الفتح: ١٨.
(٥) التوبة: ١١٨.
(٦) التوبة: ١٠٠ .
(٧) البقرة: ١٤٣.
(٨) الزخرف: ٨٦.
(٩) أعلام الموقعين ١٠٢/٤.
(١٠) آل عمران: ١١٠.

٢٠
المقدمة
ويدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أَوْلَى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف
وینهون عن کل مُنْکر .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقْ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلْةَ
أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكّونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(١) .
فأخبر تعالى أنه أجتباهم، والاجْتِّاء كالاضطِفَاءِ، وهو اُفْتِعَالٌ من («اجْتَبَى الشَّيْءَ
يَجْتَبِيه))، إذا ضَمَّه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المُجْتَبُون الّذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله
وخاصّته وصفوته من خلقه بعد النَّبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يُجَاهدوا فيه حقَّ
جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمَحَبَّةِ والعبودية، ويختاروه وحده إلهاً معبوداً محبوباً
على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إِلَّهَهُمْ ومعبودهم الّذي
يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم فيؤثرونه في كل حال على مَنْ
سواه كما أنَّخذهم عبيده وأولياءَهُ وأحبَّاءَهُ، وآثرهم بذلك على مَّنْ سواهم، ثم أخبرهم تعالى
أَنَّهُ يَسَّر عليهم دينه غاية التَّيسير، ولم يجعلِ عليهم فيه من حَرَجٍ أَلْبََّ لكمال محبّته لهم ورأفته
ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملَّة إمام الحنفاء أبيهم إِبراهِيمَ، وهي إفراده تعالى
وَحْدَه بالعبودية والتَّعظيم والحبّ والخوف والرّجاء والتوكّل والإنابة والتّفويض
والاسْتِسْلاَم؛ فيكون تعلُّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك
ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على النَّاس، فيكون مشهوداً لهم بشهادة الرَّسول،
شاهدين على الأمم بقيام حُجَّةِ الله عليهم(٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الّذِينَ اضْطَفَى﴾(٣) .
قال أبْنُ عَبَّاسٍ: أصحاب محمد ◌َّ اصطفاهم الله لنبيه عليه السَّلام(٤).
(١) الحج: ٧٨.
(٢) أعلام الموقعين ٤/ ١٠٢.
(٣) النمل: ٥٩.
(٤) شرح السنة بتحقيقنا ٧/ ٧١ والدَّلِيلُ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفينا من عبادنا﴾
[فاطر: ٣٢] وحقيقة الاصطِفَاء: افتعال من التّصفية فيكون قد صفّاهم من الأكدار والخطأ من الأكدار
فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا؛ لأن الحق لم يُعْدُهُمْ، فلا يكون قول بعضهم
كَدَراً؛ لأن مخالفته الكَدّرُ، وبيانه يزيل كونه كدراً بخلاف ما إذا قال بعضهم قولاً ولا يخالف فيه فلو
كان قولاً باطلاً لم يرده راد لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبيّ وَّ
في بعض أموره، فإنها تخرجه عن حقيقة الاصطفاء. أعلام الموقعين ٤/ ١٠٠.