Indexed OCR Text
Pages 161-180
أضف إلى ذلك من ذكرهم السهمي من الغرباء في مجلس شيخه الإسماعيلي، أثناء وصفه لتلك المجالس التي كان يحضرها عنده(١) . كما أن في قائمة تلاميذ الإسماعيلي مزيداً من التفصيل في توضيح من تتلمذ على يديه من الغرباء (٢). وبذلك نكون قد تعرفنا على المكانة العلمية الرفيعة التي ارتقى إليها المؤلف، ومكنت المصنفين من تدوين اسمه بين أسماء أئمة المسلمين وحفاظهم . صفاته، ومكانته الاجتماعية، وشهرته : - هناك ارتباط وثيق بين المكانة العلمية، والمكانة الاجتماعية في حياة بعض العلماء، فالعالم المتميز بعلمه، المشمر عن ساعد الجد في معترك العمل الدائب، المبلغ لما آتاه الله من علم، هو الذي يفوز بتقدير الخاص والعام، ويصبح تاجاً على رأس مجتمعه، حتى يذيع صيته في الأمصار المختلفة . والإِسماعيلي حظي بالمكانة العلمية والاجتماعية معاً . وقد جمع الإسماعيلي بحبوحة العيش، والكرم والمروءة والسخاء، إلى العلم والمعرفة، فإذا كانت المساجد في عصره مفتوحة لأداء الصلاة، وعقد الحلقات العلمية، فإن بيته كان مفتوحاً للذكر والتدريس، وإذا كانت الفنادق قد أعدت لاستقبال الغرباء، فإن بيته يشهد على استقبال ضيوفه طيلة حياته . وفي ((تاريخ جرجان)) وغيره بعض النصوص التي يستفاد منها في هذا (١) تقدم ذلك في ثقافة المؤلف. ص ١٥٣ - ١٥٤ . (٢) سيأتي ذكر هذه القائمة. ص ٢٠٢ - ٢١٥ . ١٦١ المقام، حيث يقول السهمي: في سنة خمس وستين وثلاثمائة، قدم جرجان عبد الرحمن بن محمد بن جعفر السعيدي (ت ٣٦٧ هـ) نزيل نيسابور، وحدثنا في دار أبي بكر الإسماعيلي (١). وقال أيضاً: كان أحمد بن عيسى بن نعمان الصائغ الأستراباذي، يقدم جرجان كل سنة، وينزل في دار الشيخ أبي بكر الإسماعيلي (٢). كما سمع السهمي، من طيفور بن إسحاق الميشقي - من قرى جرجان - على باب دار الإِسماعيلي (٣) . وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قدم أبو الطيب الطبري جرجان ، للسماع من الإسماعيلي، فلم يدركه، إلا أنه حضر وفاته، وفي تلك الأثناء كان الغطريفي (ت ٣٧٧ هـ) نازلاً في بيت أبي بكر الإسماعيلي، فسمع منه أبو الطيب (٤). وكان الغطريفي أحد رفاق الإسماعيلي، وقد روى عنه الإِسماعيلي في ((المستخرج)) (٥). أضف إلى ذلك، تصدره للتدريس في مسجده المعروف به، وفي الجامع الكبير(٦)، مما فسح له المجال لمخالطة الناس خاصتهم وعامتهم . وبالمقابل، يبدو أن الإِسماعيلي كان إذا ما رحل عن جرجان لزيارة بعض المدن الأخرى ، ينزل عند بعض معارفه . ففي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، قدم نيسابور، على أبي نصر منصور (١) انظر: تاريخ جرجان ٢٧٨ - ٢٧٩. (٢) انظر: تاريخ جرجان ٧٦، ٢١٨. (٣) انظر: تاريخ جرجان ٢٤٨. (٤) انظر: تاريخ جرجان ٤٩١. وتاريخ بغداد (٩/ ٣٥٩). (٥) انظر: تذكرة الحفاظ (٩٧٢/٣). ومعجم المؤلفين (٢ /٦٨). (٦) تقدم تفصيل ذلك في الكلام على الحياة الفكرية بجرجان. ص ٧٦. ١٦٢ ابن قراتكين (ت ٣٤٠ هـ) صاحب جيش خراسان للسامانيين، فسأله الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي - شيخ الإِسماعيلي(١) - النزول عنده في منزله مراسلة وهو في الطريق، فأجابه إلى ذلك، ثم إن الشيخ أبا نصر العبدوسي استقبله بنفسه، وسأله النزول عنده، فنزل عنده إيثاراً للتخفيف عن الإِمام الصبغي(٢)، فعقد له المجالس بالعشيَّات(٢) .... لا شك أن اتساع بيت الإسماعيلي، لزواره، وأصدقائه، وتلامذته، وربما لشيوخه أيضاً -، ونزوله عند معارفه، في البلدان التي يزورها، مع ملاحظته التخفيف عنهم، ولقائه بالناس في المساجد، كل ذلك يدل على رحابة صدره، والروح الاجتماعية العالية التي كان يتمتع بها هذا العالم الجليل، إلى جانب التواضع والذوق الرفيع اللذين كان يعاشر الناس بهما . كما أن قدومه على صاحب الجيش الساماني بخراسان، يدل على صلته الوثيقة بالسلاطين من أهل السنة، ومكانته عندهم، الأمر الذي جعل معاصريه يصفونه، بأنه ((شيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة، والمروءة .... ))(٤)، وأنه ((جمع بين رئاسة الدين والدنيا))(٥). ومما يدل على رئاسته، وعظم جاهه، وعلو مكانته عند معاصريه وثقتهم به، أنه كان يوجه القضاة إلى الأمصار المختلفة، منهم: بندار بن إبراهيم بن حيان الفقيه الجرجاني، حيث وجهه الإسماعيلي إلى رباط فراوة للفتيا والقضاء (٦). كما دعاه شيخه أبو زرعة الأنصاري - وكان الإسماعيلي (١) هذا الشيخ لم يذكره الإسماعيلي في معجمه، وسيرد ذكره في ص ٢٠٠ . (٢) انظر: الأنساب (١/ ٢٥٠). (٣) تقدمت تتمة هذا النص في رحلة المؤلف إلى نيسابور. ص ١٣٩ (٤) تقدم مثل ذلك في مكانته العلمية. ص ١٥٥ - ١٥٧ . (٥) انظر: تبيين كذب المفتري ١٩٤. وطبقات السبكي (٨/٣). والتقييد (٨/ أ). (٦) انظر: تاريخ جرجان ١٦٤. ١٦٣ ختنه - ليدوّن شهادته على مستند يتضمن وقف أبي زرعة لخاناته وحوانيته على أولاده وأولادهم من الصلب (١) . وكذلك إذا تصفحنا ((تاريخ جرجان))، فإنه قلما تذكر فيه ترجمة من تراجم معاصري الإسماعيلي، والذين كانت وفياتهم أثناء تواجد الإسماعيلي بجرجان، إلا وتجد السهمي يقول: ((وصلى عليه الإِسماعيلي)). فهو الذي صلى على عبدالله بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن (ت ٣٣٧ هـ)(٢)، وعلى الحافظ أبي أحمد عبدالله بن عدي (ت ٣٦٥ هـ)(٣)، وعلى القاضي عبدالله بن علي بن الحسن القومسي (ت ٣٦٧ هـ) (٤)، وأمثلة ذلك كثيرة (٥) . ولا ريب في أن من كانت سيرته على هذا المستوى، من العلم الواسع، والدين المتين، والأخلاق العالية، والسخاء الوافر، والجاه العريض، - من كان كذلك - سوف يرتفع نجمه، ويذيع صيته، ويشتهر اسمه ، ويعرف أهله به . فمن ذلك، أن عائلته وأفرادها، من الجد إلى الأحفاد، وحتى الأسباط، والأختان، كل هؤلاء، قد جاء التعريف بهم في المصادر المختلفة، بـ ((جد أبي بكر، والد أبي بكر، ابن الإسماعيلي (٦) ختن الإسماعيلي (٢) ..... إلخ. حتى إن السهمي صار يؤرخ بعض الحوادث (١) المرجع السابق ٤٣٩. والأنساب (٧/ ٣٣٤). (٢) انظر: تاريخ جرجان ٢٩٤ . (٣) المرجع السابق ٢٨٧ - ٢٨٨. وطبقات السبكي (٣١٦/٣). (٤) انظر تاريخ جرجان ٢٩٦. والأنساب (٢٦٢/١٠). وطبقات السبكي (٣/ ٣١٠). (٥) انظر: تاريخ جرجان ٨١، ٤٨٨، ٤٩٠، ٥٠٦. (٦) انظر: وسطه العائلي من هذه المقدمة. ص ٨١ - ٩٤. (٧) انظر: تاريخ جرجان ٤٧٤. والسير (١٦ /٥٦٣). ١٦٤ ويقرنها بحياة شيخه أبي بكر الإسماعيلي، حيث يقول مثلاً: دخل عبد الواحد بن بكر الورثاني (ت ٣٧٢ هـ) جرجان سنة خمس وستين وثلاثمائة في أيام الشيخ الإِسماعيلي(١) . وقال أيضاً: توفي علي بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قبل الإسماعيلي بشهر (٢) . ومما يتوج مكانتيه العلمية والاجتماعية معاً، ما فعله العلماء ببغداد ، لما وردهم نعي الإمام أبي بكر الإسماعيلي، حيث اجتمع جميع الفقهاء والمتفقهة، من أهل السنة، في أحد المساجد، ثلاثة أيام، أو خمسة أيام للتعزية (٣). نظرة في مؤلفاته وآثاره : - تعتبر المؤلفات من أهم الوسائل التي تمكن العالم من بث ثقافته في طياتها، وتحفظ المعلومات القديمة للأجيال المتتابعة، فتعكس مدى مقدرة صاحبها على التصنيف والتأليف، وتكشف عن مدى تمكنه من العلوم التي کتب فيها . فقد كان للإسماعيلي العديد من المصنفات في أكثر من فن ، حيث أشار بعض المصنفين إلى كثرتها، إلا أنهم لم يذكروا إلا القليل منها، وأكثرها مفقود . قال السهمي: سألني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات (ت ٣٩١ هـ) بمصر عن الإسماعيلي وما صنف وسيرته، فكنت أخبره بما صنف من الكتب وجمع المسانيد، والمقلِّين، وتخريجه على كتاب (١) انظر: تاريخ جرجان ٣٥٠ - ٣٥١. (٢) المرجع السابق ٢٧٠ . (٣) سيأتي تفصيل هذا الخبر عند ذكر وفاة المؤلف. ص ٢١٦ - ٢١٧ . ١٦٥ البخاري، وجميع سيرته فتعجب من ذلك وقال: لقد كان رُزق من العلم والجاه وکان له صیت حسن(١) . وقد استخلصت بعض النصوص المتناثرة في ثنايا بعض الكتب، والمقتبسة من بعض مصنفات الإسماعيلي لإلقاء الضوء على مؤلفاته، وإعطاء فكرة موجزة عنها، إلى جانب الكشف عن جوانب ثقافته . وفيما يلي ذكر هذه المؤلفات : ١ - المعجم في أسامي شيوخه. ٢ - المستخرج على صحيح البخاري. ٣ - المدخل . ٤ - المسند الكبير. ٥ - مسند عمر. ٦ - مسند علي . ٧ - مسند يحيى الأنصاري. ٨ - حدیث یحیی بن أبي كثير. ٩ - الفرائد. ١٠ - العوالي . ١١ - كتاب أحاديث الأعمش . ١٢ - حديث بالمكتبة الظاهرية . ١٣ - سؤالات السهمي . ١٤ - معجم الصحابة . (١) انظر: تاريخ جرجان ٨٧. والتقييد (٧/ ب). ١٦٦ ١٥ - سؤالات البَّرْقاني. ١٦ - رسالة في العقيدة . ١٧ - كتاب فى الفقه . ١ - المعجم : - سيأتي الكلام عليه وتحليله أثناء دراسته في هذه المقدمة . ٢ - المستخرج : - المستخرج في اللغة: اسم مفعول مشتق من الفعل ((استخرج)» المزيد من الثلاثي ((خرج)). يقال: خَرج خروجاً، أي برز من مقره وانفصل. وخرج من الأمر إذا خلص منه . ويقال: استخرجه استخراجاً، أي استنبطه استنباطاً، وكذلك إذا طلب إليه أن يخرج. واستخرج الشيء من المعدن، إذا خلصه من ترابه(١). وفي الاصطلاح: هو أن يُخرِّج المحدث أحاديث أحد كتب الحديث السابقة، بأسانيد لنفسه، من غير طريق مؤلف الكتاب، إلى أن يلتقي معه في شيخه، أو من فوقه (٣). والعلاقة بينهما: أن المستخرج أبعد صاحب الكتاب المستخرج عليه عن الأسانيد وأخرجه منها، ثم خلص بالكتاب لنفسه بعد أن أورده بأسانيده الخاصة. وقد يذكر فيه بعض الاستنباطات والأحكام الزائدة على الأصل . (١) انظر: لسان العرب (٧٣/٣ - ٧٤). وتاج العروس (٢٨/٢ - ٣٠). مادة: خَرَج (٢) قوله: ((أو من فوقه)): المراد به شيخ شيخه. أما إذا تجاوزه إلى من هو أعلى ففيه خلاف. وقد أجازوا ذلك إذا تحققت منه فائدة مهمة لم توجد في الأصل المخرج عليه . انظر: (فتح المغيث (٣٩/١ - ٤١). وتدريب الراوي (١١٢/١، ١١٤). ١٦٧ وبعد فإن جل قصد المستخرجين من الاستخراج، هو علو الإِسناد، يجتهدون أن يكونوا هم والمخرّج عليه سواء في الرواية عن شيخه، وإلا فمن فوقه. وقد يضيق عليهم المخرج، فلا يتهيأ لهم علو، فيوردونه نازلاً . وإذا تحقق العلو، فذلك أحد فوائد المستخرجات(١). وهناك فوائد أخرى للمستخرجات، ستأتي قريباً في هذا المبحث إن شاء الله . أما كتاب المستخرج للإسماعيلي : - فقد اختلف المصنفون في تسميته على أقوال، فمنهم من سماه ((الصحيح)) (٢)، ومنهم من سماه ((المستخرج على الصحيحين)) (٣)، ومنهم من سماه ((الصحيح على شرط البخاري)) (٤)، ومنهم من سماه ((المستخرج على الصحيح)) (٥). إلا أن أدق تسمية له وأصحها، هي: ((المستخرج على صحيح البخاري))، وإليها ذهب بعض المصنفين، منهم السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وقيدها بقوله: ((استخرج على البخاري فقط)) (٦). ويقع هذا المستخرج في أربع مجلدات (٧)، شملت على فوائد كثيرة وعلوم غزيرة (٨). وتضمن أحد أجزائه تعاليق البخاري بإسناد عال (٩). (١) المرجع السابق . (٢) تبيين كذب المفتري ١٩٤. وتذكرة الحفاظ (٩٤٩/٣). والوافي للصفدي (٦/ ٢١٣). والأعلام للزركلي (١/ ٨٣). (٣) الإِرشاد للخليلي. وتدريب الراوي (١/ ١١١). (٤) النجوم الزاهرة (٤/ ١٤٠). ومعجم المؤلفين لكحالة (١٣٥/١). (٥) انظر: سير أعلام النبلاء (٢٩٣/١٦). وطبقات السبكي (٨/٣). والبداية والنهاية (١١/ ٢٩٨). (٦) انظر: تاريخ جرجان ٨٧ - ٨٨. والمنتظم (٧/ ١٠٨). وفتح المغيث (٣٩/١). (٧) قاله الذهبي في السير (١٦/ ٢٩٣). (٨) قاله ابن كثير في البداية والنهاية (١١ / ٢٩٨). (٩) انظر: المعجم المفهرس لابن حجر ١٢٣ / ب . ١٦٨ وقد رواه البَرْقاني عن شيخه الإسماعيلي(١)، كما سمعه ابن الجوزي، من يحيى بن ثابت بن بُنْدار، عن أبيه، عن البَرْقاني(٢). وكذلك سمعه ابن حجر من طرق تنتهي إلى البَّرْقاني أيضاً(٣). وكان ابن حجر يمتلك نسخة منه - المستخرج(٤) -. وقال الُعَلِّمِي في تعليقه على الإِكمال - ١/ ٣٥٨ -: ((قال ابن العربي: سمعنا ((صحيح الإِسماعيلي)) من ثابت بن بُنْدار الدينوري البقَّال. وفي كتاب ابن نقطة: سمع يحيى وأحمد ابنا ثابت بن بُنْدار عن أبيهما، صحيح الإِسماعيلي من الحافظ البَرْقاني . ومن يتصفح كتاب ((هدي الساري)) لابن حجر، وكتاب ((فتح الباري)) - له أيضاً -، ويتأمل مدى إفادة ابن حجر فيهما من ((مستخرج الإسماعيلي فإنه سيقف على أهمية هذا الكتاب، وتنوع ثقافة مؤلفه، حيث أفاد منه ابن حجر في كتابه الأول، في أربعة وثلاثين ومائة موضع، منها أربعة نصوص ومائة نص تتعلق بوصل بعض معلقات البخاري (٥) . ومنها أربعة نصوص بيّن بواسطتها بعض الأسماء المهملة (٦)، وأحد عشر نصاً يتعلق بتوضيح بعض من ذكر بلقب ونحوه (٧). ومنها أيضاً أربعة عشر نصاً، تناول فيها ابن حجر مناقشة بعض الأحاديث المنتقدة من (١) انظر: السير (١٧ / ٤٦٧). (٢) انظر: المنتظم (٧/ ١٠٨). (٣) انظر: المعجم المفهرس لابن حجر ١٢٣ / ب. (٤) انظر: فتح الباري (٤٠٤/١٠). وقال فيه: لم أر الحديث في نسختي من مستخرج الإسماعيلي . (٥) انظر: هدي الساري ٢٠ - ٧٠ . (٦) هدي الساري ٢١٧ - ٢١٨، ٢٢٣، ٢٢٤. (٧) هدي الساري ٢٥١ - ٣٤١. ١٦٩ الدار قطني وغيره (١) . بالإِضافة إلى نص واحد يتعلق بمروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، وهو ممن طُعن فيه من رجال البخاري(٢) . أما ((فتح الباري))، ففيه ألف وسبعمائة وسبعة وخمسون نصاً أخذها ابن حجر من ((مستخرج الإسماعيلي)) فيما عدا ثلاثة نصوص، كان قد تناول أحدها من ((جمع حديث يحيى بن أبي كثير)) للإسماعيلي (٣). وثانيها: من ((مسند علي)) له أيضاً(). وثالثها: من ((مسند عمر)) له كذلك (٥) . فيكون عدد النصوص التي أخذها ابن حجر من ((المستخرج)) ودونها في كتابه ((فتح الباري))، ألفاً وسبعمائة وأربعة وخمسين نصاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النصوص المتناثرة في ((فتح الباري)) قد تضمنت النصوص التي أجملها ابن حجر في مقدمته ((هدي الساري)). لقد تعامل ابن حجر مع ((المستخرج)) وغيره من الكتب - أثناء شرحه لصحيح البخاري -، تعاملاً علمياً بحتاً، حرر فيه الأبواب، والأسانيد، والمتون. وعقد المناقشات، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بإبراز أهمية ((الصحيح))، وعلو شأن صاحبه، مما أدى في نفس الوقت إلى إبراز أهمية هذا ((المستخرج))، ومدى تمكن الإسماعيلي في كثير من العلوم. أما الكلام على طبيعة ((مستخرج الإِسماعيلي)) وتحليله، فإنه سوف يكون على حسب النصوص التي وفرها ابن حجر في ((فتح الباري)) (٦)، لعلها تكشف عن بعض جوانب مادته العلمية وتنوعها . (١) هدي الساري ٣٤٦ - ٣٧٧. (٢) هدي الساري ٤٤٣. (٣) فتح الباري (١/ ٣٥٠). (٤) فتح الباري (١١/ ٢٩٣). (٥) فتح الباري (١٢/ ١٣٥). (٦) لأن أصل المستخرج مفقود . ١٧٠ ولكن طالما استخرج الإسماعيلي ((الصحيح)) بأسانيد لنفسه، فإن الكلام على ((المستخرج)) يقتضي معرفة مدى مطابقته ((للصحيح)). وهذا الأمر تناول ابن حجر جانباً منه في قوله: ((أما كتاب الإسماعيلي - المستخرج -، فليس فيه أحاديث مستقلة زائدة، وإنما تحصل الزيادة في أثناء بعض المتون، والحكم بصحتها متوقف على أحوال رواتها))(١)، إذ لا يحتج بزيادة الضعيف (١) بل إن هناك بعض الأحاديث الموجودة في ((الصحيح)) لم يستخرجها ((الإِسماعيلي))، منها ما أخرجه البخاري، من رواية إبراهيم، عن أبيه، عن جده، قال: أذن عمر بن الخطاب لأزواج النبي ◌َّر في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن (٢) قال ابن حجر: هكذا أورده مختصراً، ولم يستخرجه الإسماعيلي (٢) .. وقد يسقط من ((المستخرج)) بعض ألفاظ الحديث(٣)، أو يطرأ عليها بعض التغييرات (٤). وربما وردت بعض الروايات بالمعنى (٥)، وقد يحدث في بعض المتون تقديم وتأخير (٦) . هذا من جهة الإسناد والمتن، أما بالنسبة للنظام العام في ترتيب أبواب ((الصحيح)) وترتيب أحاديثه، ومناسبتها للأبواب، فإنه قد يُحدث صاحب ((المستخرج)) بعض التغييرات في ذلك، كأن يزيد باباً(٧)، أو يحذف (١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢٩٢/١). (٢) انظر: فتح الباري (٤/ ٦١ - ٦٢) في باب حج النساء. (٣) انظر مثلاً: فتح الباري (٩/ ١٩٤). (٤) انظر مثلاً: فتح الباري (١/ ٤٢٦)، (١١٩/١٣). (٥) المرجع السابق (٢٨٣/١١). (٦) المرجع السابق (١/ ٣٢١)، (٣٥٦/١٢) (٧) المرجع السابق (٤٤/١٢ - ٤٥)، (١٣/ ٥٠) ١٧١ آخر (١). وقد يحذف ترجمة الباب (٢)، أو يختصر بعضها(٢)، أو يدمج بابين في باب واحد (٤) . ولعله يتصرف أحياناً في ترتيب أحاديث الباب الواحد، من حيث التقديم والتأخير(٥) ، وكثيراً ما يعترض الإسماعيلي على مناسبة هذه الأحاديث لترجمة الباب ، إلا أن ابن حجر يناقش الموضوع ويحرره(٦) . وهناك فوائد كثيرة للمستخرجات، ذكر منها السيوطي سبع فوائد، ثم أشار إلى كثرتها (٧). وفيما يلي عرض لأهمها، مع ذكر بعض الأمثلة التي أوردها ابن حجر في ((فتح الباري)) نقلاً عن ((مستخرج الإسماعيلي)) أ - علو الإِسناد : منه، ما قاله البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان - ابن عيينة -، قال: حفظناه من في الزهري .... ثم ساق الإِسناد ورفع الحديث (٨). استخرجه الإسماعيلي، من طريق عمرو بن علي، وعبد الجبار بن العلاء والوليد بن شجاع، وأبي خيثمة، ويعقوب الدورقي، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، عن سفيان به (٨) . هكذا، أخرج الإسماعيلي من الإِسناد، البخاري وشيخه. ولو أنه رواه من طريق البخاري، لطالت سلسلة إسناده إلى سفيان، مما يجعل الإِسناد نازلاً . (١) المرجع السابق (٩/ ٤٢١)، (٢٠١/١٠). (٢) المرجع السابق (٣٦٢/١٠). (٣) المرجع السابق (٤٦٢/١)، (٦٢/١٠)، (١٨٦/١٣). (٤) المرجع السابق (٣٥/١٢). (٥) انظر مثلاً: فتح الباري (١١/ ٤٠٩ - ٤١٢، ٤١٥). (٦) المرجع السابق (٧/١ - ٨، ١٧، ٤٦٦)، (٢٦٢/٩)، (١٢١/١١)، (٢٥٨/١٢). (٧) انظر: تدريب الراوي (١/ ١١٤ - ١١٦). (٨) انظر: فتح الباري (١٢١/١٢) في المحاربين، باب الاعتراف بالزنا. ١٧٢ والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا أمر طبيعي في المستخرجات(١). ولكن هذا لا يعني أن جميع ما في ((المستخرج)) قد تحقق فيه العلو، بل قد يضيق المخرج على الإِسماعيلي، فيروي الحديث من طريق البخاري نفسه، كما في حديث عائشة، أنها أخذت سواكاً من أخيها عبد الرحمن فقصمته، ثم مضغته .... الحديث(٢) . رواه البخاري عن إسماعيل .... ثم ذكر الإِسناد مرفوعاً. ومن طريق البخاري رواه الإسماعيلي(٢). وقد تكرر ذلك كثيراً في ((المستخرج))(٢) . ب - زيادة الثقات : - لأن زيادة الضعيف لا يحتج بها، فلا تدخل في فوائد المستخرجات، لا سيما وأن الإسماعيلي قد روى عن إبراهيم بن الفضل المخزومي، على ضعفه فلا يحتج بزيادته في حديث أبي هريرة: ((وخير الناس للمساكين جعفر ... ))(٤). والأمثلة على الزيادات كثيرة (٥)، ومنها: حديث عائشة، كان رسول الله ◌َلّ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يده(٦). استخرجه الإسماعيلي، وزاد: ((يصب على يده اليمنى أي من الإِناء، فيغسل فرجه، يفرغ على شماله، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)) الحديث (٦). (١) المرجع السابق (١/ ٣٢١)، (١٥٧/٢)، (٤٠٤/٨)، (٧٢/٩)، (٥٢/١٣). (٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٣١٤). في الجمعة، باب من تسوك بسواك غيره. (٣) انظر مثلاً: فتح الباري (١٣٥/٣)، ٣٤٤، ٣٤٧، (٣١٢/٤)، (٣٩٠/٦)، (٣٦٨/٩)، (١١/ ٢٧٤)، ٤١٣، ٥١٧، (١٣/ ٢٥١). (٤) انظر: فتح الباري (٩/ ٤٨٤) في الأطعمة. وانظر أيضاً (١٥/١١) في الاستئذان، باب إفشاء السلام. (٥) انظر مثلاً: فتح الباري (١/ ٤٥١)، (٥١/٢)، (٦/ ١٥٠)، (٣٥٠/٩)، (٤٢٢/١٣). (٦) انظر: فتح الباري (١/ ٣٢١) في الغسل، باب هل يُدخل الجنب يده في الإِناء. ١٧٣ جـ ـ القوة بكثرة الطرق : - وذلك للترجيح عند المعارضة . منه، ما ذُكر في الفائدة الأولى آنفاً . وحديث أبي بردة مرفوعاً: ((لا يُجلد فوق عشر جلدات إلا في حد ... )) حيث قال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بُكير بن عبدالله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبي بُريدة، مرفوعاً (١). استخرجه الإسماعيلي من رواية حفص بن مسيرة، عن مسلم بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه به(١) . د- تمییز رواية المختلط، وتحديد وقتها : - قد يرد مثل ذلك في ((الصحيح)) على أننا لا نشك في صحة ما رُوي فیه(٢) . ومن ذلك حديث عبدالله بن مغفل، مرفوعاً: ((بين كل أذانين صلاة لمن شاء)). حيث أخرجه البخاري، من طريق خالد، عن الجُرَيْري، عن ابن بُردة، عن ابن مُغفل، مرفوعاً(٣). قال ابن حجر: ((سعيد بن إياس الجُرَيْري، معدود فيمن اختلط، واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه، وخالد منهم. لكن أخرجه الإِسماعيلي من رواية يزيد بن زُرَيْع، وعبد الأعلى، وابن عُلَيَّة، وهم ممن سمع منه قبل اختلاطه، وهي إحدى فوائد المستخرجات))(٢). (١) انظر: فتح الباري (١٢ / ١٥٦) في المحاربين، باب كم التعزير. (٢) انظر الفائدة التالية (هـ). (٣) انظر: فتح الباري (٢/ ٨٨) في الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة . ١٧٤ هـ - التصريح بالسماع عند ذكر عنعنة المدلسين : - فهاتان فائدتان جليلتان، وإن كنا لا نتوقف في صحة ما رُوي في ((الصحيح)) لأننا نتوقع أن يكون مصنفه قد اطلع على أن الرواية كانت قبل الاختلاط، وأن سماع المدلي ثبت عنده(١) . ومثاله كثير في ((المستخرج)) (٢). و - تعیین مبهم : - كقولهم : حدثنا فلان، أو رجل، أو فلان وغيره، أو غير واحد، فيعينه المستخرج . مثاله ما جاء في حديث عائشة، من طريق عروة بن الزبير، قولها: ألا يعجبك أبا فلان .... (٣). قال ابن حجر: وللإسماعيلي، ألا يعجبك أبا هريرة ... (٣). ومنه: أن امرأة قالت لعائشة: أتجزىء إحدانا صلاتها إذا طهرت . استخرجه الإسماعيلي، عن معاذة (٤). ومنه أيضاً : ... وصلى وراءه قوم قياماً. وقد سمى منهم أنس عند الإِسماعيلي (٥) . ومنه كذلك قوله: حدثنا عبدالله بن يزيد المقرىء، حدثنا حيوة، وغيره . .. (١) انظر: تدريب الراوي (١١٦/١). (٢) انظر مثلاً: فتح الباري (١/ ٥٨، ٢٦٦)، (٧٦/٢ - ٧٧)، (٤٧١/٣)، (٥/ ٥٤)، (٢١٣/٩)، (٣٨١/١٠)، (٣٠/١١)، (٣٥/١٢). (٣) انظر: فتح الباري (٤٢٢/٦ - ٤٢٣) في المناقب، باب صفة النبي صَثير. (٤) انظر: فتح الباري (١ / ٣٥٨) في الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة. (٥) انظر: فتح الباري (٢/ ١٤٩) في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به . ١٧٥ استخرجه الإسماعيلي من طريق يوسف بن موسى، عن المقرىء، عن ابن لَهِيْعَة (١) . ز - تعيين مهمل : - كقولهم : حدثنا محمد، من غير ذكر ما يميزه عن غيره من المحمدين . مثاله: قول البخاري: حدثنا محمد، أخبرنا عبد الوهاب ... (٢) استخرجه الإِسماعيلي من طريق محمد بن المثنَّى، عن عبد الوهاب (٣) .. وأخيراً قال السيوطي، نقلاً عن ابن حجر، قوله: وكل علَّة أُعلَّ بها حديث في أحد الصحيحين وجاءت رواية المستخرج سالمة منها فهي من فوائده وذلك كثير جداً (٤) . وقد برزت فوائد كثيرة في ((مستخرج الإِسماعيلي)) من خلال استخدام ابن حجر له في ((فتح الباري)) منها : ح - وصل معلقات : - حيث أفاد ابن حجر من ((المستخرج)) في وصل ثلاث ومائة تعليق من معلقات البخاري (٥) . ك - رفع موقوف : - مثاله: ما أسنده البخاري إلى ابن عباس، قوله: من استمع، ومن تحلَّم (٦) ... استخرجه الإِسماعيلي بإسناده إلى ابن عباس مرفوعاً مفصلاً (٦). (١) انظر: فتح الباري (٨/ ١٩٧) في تفسير سورة النساء، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوفاهُم الملائكة ... ﴾. (٢ و٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٣٩٦) في مناقب أسلم وغِفَار ومُزَيْنة .. (٤) انظر: تدريب الراوي (١١٦/١). (٥) تقدم ذلك آنفاً، أثناء الكلام على إفادة ابن حجر من ((المستخرج)). (٦) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٦) في التعبير، باب من كذب في حلمه. وكذلك (٩/ ٢٧٦)، (٣٥٥/١٠). ١٧٦ ل - تعيين إدراج : - مثاله: حديث أخرجه البخاري، من طريق سفيان، ثم أسنده إلى أبي هريرة، قال: كان رسول الله وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء (١). قال سفيان: الحديث ثلاثة، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن هي. استخرجه الإسماعيلي من طريقين، أوضح فيهما أن المزيدة هي ((شماتة الأعداء))(١). م - تحديد زمن الحادثة : - كما في حديث أسنده البخاري إلى أبي صالح السمان ، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره ... (٢). جاء في مستخرج الإِسماعيلي: ومروان يومئذٍ على المدينة (٢). ن - تحديد مكان الحادثة : - كما في حديث أسنده البخاري إلى سهل بن سعد الساعدي، يقول : إني لفي القوم عند رسول الله وَيقر، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبت نفسها لك ... الحديث (٣). استخرجه الإسماعيلي بسنده، وحدد أن ذلك كان في المسجد (٣). س - وجود أحكام فقهية : - حيث أورد ابن حجر في ((فتح الباري)) أحكاماً واستنباطات كثيرة أخذها من ((المستخرج)) (٤). (١) انظر: فتح الباري (١٢٥/١١). في الدعوات، وكذلك (١١/ ٣٨٤)، (٣١٦/١٢). (٢) انظر: فتح الباري (١/ ٤٨٠) في سترة المصلي. (٣) انظر: فتح الباري (٩/ ١٧٦ - ١٧٧) في النكاح، باب التزويج على القرآن. (٤) سيأتي ذكر بعضها في مذهب المؤلف الفقهي، ص ١٩٥ - ١٩٩ . ١٧٧ ع - شرح ألفاظ غريبة، ونحوه من الشروحات : - وقد تقدم مثاله في ثقافة المؤلف، وغيره كثير (١) . ف ـ تحرير بعض الأسانيد : - مثاله: ما أسنده البخاري إلى أنس، أن أم سليم كانت تبسط للنبي نطعاً، فيقيل عندها (٢). استخرجه الإسماعيلي بإسناده إلى أنس: أن النبي وهل كان يدخل على أم سليم، وذكر الحديث (٢) . قال ابن حجر: فدل على أنه من مسند أنس لا من مسند أم سليم (٢). ص - حل بعض الإشكالات الغامضة : - مثالها، ما أخرجه البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبدالله بن يزيد الأنصاري، عن أبي مسعود الأنصاري، فقلت: عن النبي صل؟ فقال: عن النبي وَلير(٣). القائل فقلت، هو شُعبة، بينه الإسماعيلي في رواية له (٣). ٣ - الكتاب الثالث - المدخل : - يبدو أن الإسماعيلي جعل هذا الكتاب عبارة عن توطئة لكتابه ((المستخرج على صحيح البخاري))، حيث جاء في المدخل - فيما نقله ابن حجر منه -: ((أما بعد: فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبدالله البخاري فرأيته جامعاً - كما سُمي - لكثير من السنن الصحيحة، ودالاً على جمل من (١) انظر مثلاً: فتح الباري (١/ ١٧٠)، (٢٣٧/١٠)، (٥١٦/١١). (٢) انظر: فتح الباري (٥/١١) في الاستئذان. (٣) انظر: فتح الباري (٩/ ٤٣٧) في النفقات. ١٧٨ المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علماً بالفقه واللغة، وتمكناً منها كلها، وتبحراً فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك ، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير، فنفعه اللّه، ونفع به، قال: وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم الحسن بن علي الحُلواني، لكنه اقتصر على السنن، ومنهم أبو داود السجستاني، وكان في عصر أبي عبد الله البخاري، فسلك فيما سماه سناً ذكر ما روي في الشيء وإن كان في السند ضعف إذا لم يجد في الباب غيره. ومنهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبدالله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبدالله للرواية عنهم، وكلٌ قصد الخير، غير أن أحداً منهم لم يبلغ من التشدد مبلغ أبي عبدالله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له صلة بالحديث المروي فيه تسببه. ولله الفضل يختص به من يشاء))(١) . وعند قول البخاري: (باب شهادة القاذف، والسارق، والزاني، وقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمِ الفَاسِقُون إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (٢). وجلد عمر أبا بكرة وشِبْل بن معبد، ونافعاً، بقذف المغيرة، ثم استتابهم، وقال: من تاب قبلت شهادته)(٣). قال ابن حجر: وقد حكى الإسماعيلي في (المدخل): (أن بعضهم استشكل إخراج البخاري هذه القصة، واحتجاجه بها، مع كونه احتج بحديث أبي بكرة في عدة مواضع. وأجاب الإسماعيلي بالفرق بين الشهادة والرواية، (١) هدي الساري ٨ - ٩. (٢) الآية ٤ من سورة النور. (٣) فتح الباري (٥/ ١٨٧). ١٧٩ وأن الشهادة يطلب فيها مزيد تثبت لا يطلب في الرواية، كالعدة، والحريَّة، وغير ذلك)(١). وهذا لأن أبا بكرة لم يتراجع عن شهادته، بل أصرَّ عليها ولم يُثْن عدَمُ قبولِ شهادتِه البخاريَّ عن تخريج حديثه . وقال السخاوي (٩٠٢ هـ): (مَيَّز أبو بكر الإسماعيلي بين ما يخرجه في مستخرجه من طريق من يعرض في القلب منه شيء، وبين الصحيح على شرطه، بذكر الخبر من فوق، ثم بعد فراغه منه يقول: أخبرنيه فلان، عن فلان - كما نبه عليه في ((المدخل)))(٢). مما يدل على أن ((المدخل)) للإسماعيلي بالنسبة لـ ((المستخرج)) بمثابة ((هدي الساري)) بالنسبة لـ ((فتح الباري))، لا سيَّما وأن المصنفين الذين عنوا بترجمة الإسماعيلي، وذكر مصنفاته لم يذكروا ((المدخل)) مما يرجح كونه مقدمة للمستخرج. إلا أنه من الصعب الجزم بذلك، لأن المعلومات المتوفرة لدينا حول هذا ((المدخل)) ضئيلة جداً، لا تمكن الباحث من وصفه وصفاً دقيقاً شاملاً، ويحلل مادته . ٤ - المسند الكبير : المسند في اللغة: اسم مفعول من الفعل ((أسند)) بمعنى أضاف ونسب (٢) . والحديث المسند في الإِصطلاح: ما اتصل سنده مرفوعاً إلى (٤) النبي يسير (٤). (١) فتح الباري (١٨٧/٥ - ١٨٨). (٢) فتح المغيث (٢/ ٥٧). (٣) انظر: المعجم الوسيط (٤٥٣/١ - ٤٥٤) مادة: سَنّد. (٤) انظر: فتح المغيث (٩٩/١ - ١٠١). وتدريب الراوي (١/ ١٨٢). ١٨٠