Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
وقد قال الإمام أبو أحمد الحاكم في ((الأسامي والكنى)) له ١: ١٥٥/آ عن مَعْبَد بن خالد الجهني:
((كان ألزمَ جهنيٍّ للبادية)».
٦" - ((مجهول)) عند العُقَيلي وابن الجارود وأبي العَرَب القَيْرواني، يُطْلقونها في كتبهم في ((الضعفاء))
ويريدون منها جهالةَ العدالة إذا لم يقفوا على توثيق صريح في الرجل.
قال العلامة الكوثري رحمه الله في ((مقالاته)) ص ٦١ وهو بصدد تصحيح حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
في الاجتهاد بالرأي: ((والحارث هذا - ابن عمرو الثقفي - ذكره ابن حبان في ((الثقات)) - ٦: ١٧٣ - وإن
جهَّله العقيلي(١) وابن الجارود وأبو العرب، يعنون الجهالة بحاله من جهة أنهم لم يَظْفَروا بتوثيقه نصاً من
أحد)) .
فتجهيلُ هؤلاء الثلاثة رجلاً ينصرفُ إلى جهالة العدالة أولاً، وثانياً: سببُه أنهم لم يقفوا على تعديل
فیه .
٧" - قال ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ٩: ٤٨٨ آخر ترجمة محمد بن نَجيح السندي: ((قلت:
عدَّه أبو الحسن ابن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصورٌ منه، فلا تَغْتَرَّ به، وقد أكثر من وصف جماعة من
المشهورين بذلك، وسَبَقَهُ إلى مثل ذلك أبو محمد بن حزم، ولو قالا: لا نعرفه: لكان أولى لهما)). وانظر:
((اللسان)) ١ : ٢٣١، ٢٢٤ .
وقال العراقي في ((ذيل الميزان)) ص ١٠٣ (١١٢) في ترجمة أحمد بن عبيد الله بن الحسن العَنْبَري:
((قال ابن القطان: علته الجهل بحال أحمد)). وعلَّق عليه الحافظ في ((اللسان)) ١: ٢١٩، فقال: ((ابنُ القطان
تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطّلعون على حاله))(٢).
واشتهر قولُ المصنف في ((الميزان)) ١ (٢١٠٩) في ترجمة حفص بن بُغَيل: ((إن ابن القطان يتكلّم
في كلِّ مَنْ لم يَقُل فيه إمام عاصر ذاك الرجلَ أو أَخَذَ عمن عاصره ما يدلُّ على عدالته)). وابن القطان قال في
المذكور: ((لا يعرفُ له حال، ولا يُعرف)).
وقولُه في ترجمة مالك بن الخَيْرِ الزَّبَادي ٣ (٧٠١٥): ((قال ابن القطان: هو ممن لم تثبتْ عدالتهُ.
يريد: أنه ما نصَّ أحد على توثيقه)).
ويُستفادُ من قولَيْ الذهبي هذين: مصطلحُ ابن القطان في إطلاقه .
ويستفاد من قولي ابن حجر أيضاً أمران:
- لفتُ نظرِ الباحث إلى حال هذين الإِمامين خاصةً بشأن استعمالهما هذه الكلمة.
(١) ليس في ((الضعفاء الكبير) للعقيلي ١ (٢٦٢) إلا نقل كلمة البخاري: ((لا يصح ولا يعرف إلا مرسلاً)). وهذا حكم على
الحديث لا الرجل، لذلك نقل المصنف في ((الميزان)) ١ (١٦٣٥) عبارة البخاري بالمعنى: ((لا يصح حديثه)). وتمام
كلام العقيلي يؤيده.
(٢) وكثيراً ما يرد في ((الميزان)) و(تهذيب التهذيب)) متابعة عبد الحق لابن حزم في تجهيل بعض الرواة، فصاروا ثلاثة.

٦٢
- التذكيرُ بالفرق بين قول الإِمام: لا أعرفه، وفلانٌ لا يعرف. فالأول: حكم على نفسه بأنه لا يَعرِفُه،
فهو يحكم على نفسه بعدم معرفته له، والثاني: حكمٌ على الرجل، وحكمٌ على نفسه، ونقلٌ عن الآخَرين
أنه غير معروف، وأنهم لا يعرفونه، فهو قائلٌ صراحة، وناقلٌ ضمناً. فالفرق بينهما كبير، فإذا ما تَوَالى نقلُ
العلماء للقول الأول، وتواردوا عليه دون تعقّب له: ساوى حينئذٍ القول الثاني.
ومثلُ هذا تماماً يُقَال في قولهم عن حديث ما: لا أعرفه، ولا يُعرف.
ويقال في هذا نحو ما تقدم في دعوى تفرد رواية فلان عن فلان، صفحة ٥٦، ٥٩.
٢٨ - ومن الألفاظ الواردة في هذا الكتاب وغيره: قولُ ابن معين في الرجل: لا أعرفه. وقد تكرر قولُه
هذا مراتٍ تلفتُ النظر في رواية عثمان الدارمي عنه، حتى إني جمعتُها فجاءتْ سبعين مرة، إلا واحدةً قال
فيها: لا أدري، قال ذلك في سعيد التمار (٣٩٣).
ولما كان ابنُ أبي حاتم وابنُ عدي حريصيْنِ جِدَّ الحِرْصِ على نَقْلِ أقوالِ ابن معين: كنتُ أرجعُ
إليهما للنظر في حال الرجل عندهما، فأرى لهما تعليقاً على نَفْي ابن معينَ معرفتَه حالَ الرجل، بما يُلْقي
ضوءاً على معرفة مصطلحه في هذه الكلمة.
ووفاءً بما وعدتُ في التعليق على (١٣٠٩): أني سأدرسُ قوله هذا في هذه الدراسات، فسأذكرُ اسمَ
الرجل مع رقم ترجمته في ((تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي)) ثم تفسيرَ ابن أبي حاتم للكلمة المرادة هنا ((لا
أعرفه))، ثم أَتْبعُ ذلك بالتراجم التي علَّق ابنُ عدي فيها على الكلمة بما يفسِّرها عنده، ثم أخلُص إلى نتيجة
أراها، إن شاء الله .
١" - سهل بن حماد - غير أبي عتَّاب الدلَاَل ـ (٣٩١)، قال ابن أبي حاتم ٤ (٨٤٥): ((يعني: ما
اخبره)».
٢" - عمر بن عثمان بن عمر التَّيمي (٢٩، ٥٩٧)، قال ابن أبي حاتم ٦ (٦٧٤): ((يعني أنه مجهول)).
:
٣" - عَنْبَسَة بن مِهْران (٢٨)، وقال ابن أبي حاتم ٦ (٢٢٤٤): ((لأنه مجهول)).
٤" - قُدَامة بن كُلْثُوم (٧١١)، وعند ابن أبي حاتم ٧ (٧٣٧): ((لم يعرفه لأنه كان مجهولاً)).
٥ " - قدامة بن محمد بن قدامة الخَشْرَمي (٧١٠)، وفي ((الجرح)) ٧ (٧٣٥): ((يعني: لا يخبره، وأما
قدامة فمشهور)). يريد أنه معروف العين، برواية عدد من الرواة عنه.
٦" - قُرَّة بن أبي الصَّهْباء (٧٠٥)، وفي ((الجرح))، ٧ (٧٤٦): ((يقول: ما أعرفه لأنه مجهول)).
٧" - مالك بن عَبيدة الدِّيلي (٧٨٣)، وفي ((الجرح)) ٨ (٩٤٨): ((يعني: أنه مجهول)).
٨ " - محمد بن أبي صالح السمان (٧٧٦)، وفي ((الجرح)) ٧ (١٣٨٠): ((يعني لا أخبُره)).
٩ - محمد بن عبد العزيز التَّيْمي (٨١٣)، وقال ابن أبي حاتم ٨ (٢٣): ((يعني لا أخبره)).
١٠" - معاوية بن مَعْبَد بن كعب السُّلَمي (٧٧٧)، وفي ((الجرح)) ٨ (١٧٣٠): ((يعني لأنه مجهول)).

٦٣
أما التراجم التي علَّق ابن عدي عليها فبلغ عددها خمساً وأربعين ترجمةً، وها هي أسماؤهم وأرقامُهم
عند عثمان الدارمي، ومواطنُ تعليق ابن عدي عليهم ولفظه :
١١" - أَصْبَغ بن سفيان (١٤٦)، وقال ابن عدي ٣٩٩:١: ((هو كما قال يحيى بن معين، مجهول لا
يعرف، وما أظنُّ له إلا شيئاً يسيراً، ولم يحضُرني في وقتٍ ما أمليتُ له حديثٌ، وهو قليلُ الرواية جداً)).
١٢" - بكر بن سليم (١٩٦)، وقال ابن عدي ٢: ٤٦٣: ((له غير ما ذكرت من الحديث قليل، وعامةُ
ما يرويه غير محفوظ)). وقد ذكر له ستة أحاديث.
١٣" - بُهْلول بن راشد (١٨٩)، وقال ابن عدي ٢: ٤٩٩: ((ليس بذاك المعروف)).
١٤ " - الجرَّاح بن مَليح البَهْراني (٢١٤)، وفي ((الكامل)) ٢: ٥٨٤: ((كان يحيى إذا لم يكن له علم
ومعرفة بأخباره ورواياته يقول (لا أعرفه) .. )) ثم أثنى على الجراح بقوله: لا بأس به وبرواياته ...
١٥" - حاتم بن حُرَيث (٢٨٧)، وقال ابن عدي ٢: ٨٤٥: ((ولعزَّة حديثه لم يعرفه يحيى، وأرى أنه
لا بأس به)).
١٦" - حُصَيْنٌ الجُعْفي (٢٦٥)، وقال ابن عدي ٢: ٨٠٥: ((لا أعلم له روايةً إلا عن علي)).
١٧" - حُميدٌ الشامي (٢٦٨)، وروى له في ((الكامل)) ٢: ٦٨٦ حديثاً واحداً وقال: ((إنما أُنكِرَ عليه
هذا الحديثُ، وهو حديثُه، ولم أعلم له غيره)).
١٨" - خالد بن الحويرث (٢٩٦)، وعلَّق ابن عدي ٩١٠:٣: ((خالد هذا كما قال ابن معين، لا
يعرف، وأنا لا أعرفُه أيضاً، وعثمانُ بن سعيدِ الدارميُّ كثيراً ما يَسأل يحيى عن قومٍ ، فكان جوابُه أنْ قال: لا
أُعرفهم، وإذا كان مثلُ يحيى لا يعرفه، لا يكون له شهرةٌ ولا يُعرفُ)).
١٩" - داود بن خالد العطار (٣١٤)، قال ابن عدي ٣: ٩٦١: ((كأن أحاديثه أفرادات، وأرجو أنه لا
بأس به)).
٢٠" - زهير بن مرزوق (٣٤٤)، وقال ابن عدي ٣: ١٠٧٩: ((إنما لم يعرفه يحيى لأن له حديثاً واحداً
مُعضلًا)).
٢١" - سعيد بن الصَّح (٤٠٤)، قال ابن عدي ٣: ١٢٤٦: ((لسعيدٍ غيرُ ما ذكرتُ من الحديث،
ولیس بکثیر، وأرجو أنه لا بأس به)).
٢٢" - سعيد بن عُمَير بن عُقْبة (٣٧٣)، قال ابن عدي ٣: ١٢٤٦: ((أظن أن له حديثاً واحداً، ولم
يحضُرني في وقتي هذا)).
٢٣" - سعيد التمار، قال فيه ابن معين (٣٩٣): ((لا أدري))، وقال ابن عدي ٣: ١٢٢٥: ((إنما قال (لا
أعرفه) بنسبته، لأنه لم يُنسَب ابن من، وإنما عُرِف: سعيد التمار)).
٢٤ " - سعيدٌ المؤذن (٣٦٥)، وكذلك قال ابن عدي ٣: ١٢٤٥: ((لأنه لم يُنْسَب)).

٦٤
٢٥" - سفيان بن عُثْبة (٣٧٠)، قال ابن عدي: ٣: ١٢٤٥: ((قول يحيى لا أعرفه: يعني أنه لم
يَرَه ولم يكتبْ عنه، فلم يَخْبر أمره، وهو عندي سفيان بن عُقْبة، ولا بأس به ولا برواياته)).
٢٦" - سليمان بن سفيان (٣٨٥)، قال ابن عدي ٣: ١١٢٢: ((وسليمانُ يُعرف بهذين الحديثين، وما
أظنُّ أن له غيرَهما إلا شيئاً يسيراً)).
٢٧ " - سهل بن حماد (٣٩١)، قال ابن عدي ٣: ١٢٨٣: ((سهل غير معروف، ولم يَحضُرني له
حديث فأذكرَه)).
٢٨" - شعيب بن طلحة (٤١٩)، وفي ((الكامل)) ٤: ١٣١٨: ((هو كما قال، لا يعرف، ولم أجد له
حديثاً فأذكرَه)).
٢٩" - صالح أبو بشر (١٥٥)، وفي ((الكامل)) ١٣٨٦:٤: ((هذا الذي قال يحيى إنه لا يعرفه، لأنه
مجهول لا يعرف)).
٣٠" - الصباح أبو سهل الواسطي (٤٣٨)، وعلَّق في ((الكامل)) ٤: ١٤٠٢: ((لأن جميع ما يروي من
الحديث لا يبلغ عشرة أحاديث، وهي أحاديثُ لا يُتابعه أحدٌ عليها)).
٣١" - عاصم بن سُوَيد (٥٩٢)، وقال ابن عدي ٥: ١٨٨٠: ((إنما لا يَعرِفُه لأنه قليلُ الرواية جداً،
ولعل جميعَ ما يرويه لا يبلغ خمسة أحاديث)).
٣٢" - عبد الله بن حفص (٤٦٤)، ووافقه ابن عدي ٤: ١٥٥٨ فقال: ((هذا الذي لا يَعرفه ابن معين:
لا أعرفُه أنا، فلا أدري عثمان بن سعيد من أين عَرَفه، ولا من أين وجد اسمه)).
٣٣ " - عبد الله بن سلم (٦٤٩)، وزاد عثمان بن سعيد الدارمي نقلاً عن القواريري: ((قلَّ ما كان
يحدِّث)) وقال ابن عدي ٤: ١٥٦٣: ((لم يحضُرني له حديث فأذكرَه)).
٣٤" و٣٦" - عبد الله بن عبد الله بن الأسود الحارثي، وعبد الله بن عثمان بن سعد (٦٣٦، ٦٠٨)،
قال ابن عدي: ((هو كما قال، وهما مجهولان)).
٣٥" و٣٧" - عبد الله بن عبد الرحمن الجُمَحي، وعبد الله البُنَّاني (٢٧، ٥٩١، ٥٩٨)، وقال ابن
عدي ٤: ١٥٥٩ - ١٥٦٠: ((هذان الاسمان اللذان قال يحيى بن معين لا أعرفهما: مجهولان كما ذكرهما
یحیی)) .
٣٨" - عبد الأعلى الزهري (٦١٩)، وهو عند ابن عدي ٥: ١٩٥٤ عبد الأعلى بن أبي المساور، وذكر
فيه روايتين أُخْرَيين عن ابن معين: ليس بشيء وليس بثقة.
٣٩" و٤٠" - عبد الرحمن بن آدم، وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (٦٠٠، ٤٨١)، وعند ابن عدي
٤: ١٦٠٧: ((إذا قال مثلُ ابن معين (لا أعرفه): فهو مجهول غير معروف، وإذا عَرَفه غيره فلا يُعتمد على
معرفةٍ غيره، لأن الرجال بابن معين تُسْبَر أحوالهم)).
٤١ " - عثمان بن عمر التيمي (٢٩، ٥٩٧)، وعند ابن عدي ٥: ١٨٢١: ((هو كما قال، لأنه مجهول)).

٦٥
٤٢" و٤٤" - عثمان وعمر ابنا مُضَرِّس (٢٦٢)، وفي ((الكامل)) ٥: ١٨٢٤: ((ليس هما بمعروفين،
وإنما أشار إلی حدیث واحد)).
٤٣ " - عمر بن عثمان بن عمر التَّيْمي (٢٩، ٥٩٧)، وفي ((الكامل)) ٥: ١٧٢٣: ((هو كما قال)).
٤٥" - محمد بن عبد العزيز التيمي (٨١٣): وقال ابن عدي ٦: ٢١٣: ((لا يعرفه لقلَّة حديثه)).
٤٦" - مالك بن عبيدة الديلي (٧٨٣)، قال ابن عدي ٦: ٢٣٧٧: ((ما أظنُّ لمالك بن عبيدة غير هذا
الحدیث)).
٤٧" - معاوية بن مَعْبَد بن كعب (٧٧٧)، قال ابن عدي ٦: ٢٣٩٩: ((هو كما قال ابن معين، لا
يعرف)).
٤٨" - مُنَخَّل بن حكيم (٧٩٠)، وقال ابن عدي ٦: ٢٤٢١: ((ليس بالمعروف، ولهذا لم يعرفه
ابن معين، ولم أجد له غير هذا)).
٤٩" - ميمون أبو محمد (٧٧٣)، وفي ((الكامل)) ٦: ٢٤١٠: ((عثمان بن سعيد يَسألَ أبداً يحيى بن
معين عمن لا يعرف، فيجيبُه يحيى: إني لا أعرفه، وإذا لم يعرفه يحيى يكون مجهولاً)).
٥٠" - نافع أبو هرمز (٨٢٦)، ونقل ابن عدي ٧: ٢٥١٣ أيضاً عن ابن معين من رواية أبي يعلى
المَوْصِلي: ((ليس بشيء))، ومن رواية ابن أبي مريم: ليس بثقة، كذاب، ومن رواية الدوري ٢ : ٦٠٢
(٣٤٨٢): ((ضعيف))، ولم يذكر روايته الثانية ٢: ٦٠٢ (٣٨٢٨): ((ليس بشيء)). وذكر له نحو عشرة أحاديث
وقال: ((له غيرُ ما ذكرت ... )).
٥١" - يحيى بن زَبَّان (٨٩٠)، ووافقه ابن عدي ٧: ٢٦٧٨ فقال: ((أنا أيضاً لا أعرفُ يحيى بن زَبَّان
هذا فأذكرَ له شيئاً)).
٥٢" - يونس بن سُلَيم الصَّنْعاني (٨٨٧، ٨٩٨)، وأكَّده ابن عدي ٧: ٢٦٣٢ فقال: ((ليس
بالمعروف)».
٥٣" - أبو سَلَمة مولى بني ليث (٩٦٢)، وعَذره ابن عدي فقال: ٧: ٢٧٤٧: ((أبو سلمة لا يذكر إلا
في حديث واحد، فكيف يعرفه ابن معين؟!)).
٥٤ " - أبو يزيد الطحان (٩٦٨)، وفي ((الكامل)) ٧: ٢٧٥٠: ((وابن يونس يروي عن غير واحدٍ ممن
يَكْنيهم ولا يُعرفون، فلهذا قال ابن معين: لا أعرفه)».
٥٥" - مولى سِباع (٩٥٧) وقال ابن عدي ٧: ٢٧٥٧: ((لا أعرف له غير هذا الحديث، ويروي عنه
موسى بن عُبیدة، وهو مجهول لا يعرف)).
ویضاف إلى هؤلاء:
٥٦" - حاجب بن الوليد. قال الخطيب في ((تاريخه)) ٢٧١:٨ - وعنه المزي ٥: ٢٠٥ وابن حجر
٢: ١٣٤ -: ((قال عبد الخالق بن منصور: سألت يحيى بن معين عن حاحب فقلت: أَتَرى أن أكتبَ عنه؟
فقال: ما أعرفه، وأما أحاديثُه فصحيحة. فقلت: أترى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه، وهو صحيح

٦٦
الحديث، وأنت أعلم)(١) .. وحاجبُ هذا عصريُّ ابن معين، وقد ذكر المزي ستةَ عَشَرَ راوياً عنه.
٥٧ " - عبيد الله بن حُمَيد بن عبد الرحمن الحِمْيري. في ((الجرح)) ٥ (١٤٨١): ((قُرىء على
العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه سُئل عن عبيد الله بن حميد الذي يروي عن الشعبي،
قيل: هو ابن حميد بن عبد الرحمن؟ قال: لا أعرفه. يعني لا أعرف تحقيق أمره))(٢).
هذا ما جمعتُه - ولا ريبَ أن هناك سواه - ويتبيَّن منه أسبابُ عدمِ معرفة ابن معين بالرجل، وهي تدور
حول هذه النقاط .
- إما أنه لم يعرفه لجهالته بعينه.
- وإما أنه لم يعرفه لجهالته بعدالته.
- وإما أنه لم يعرفه لجهالته بضبطه.
وقد يجتمع أمران منها، وقد تجتمع الثلاثة. والشواهد على ذلك ناطقة بما أقول، فلا يُحتاجُ إلى
تعيين مثال، وإن كان المحورَ الأساسيَّ فيها قلةُ حديث الرجل، كما تراه في كلام الإمامين ابن أبي حاتم
وابن عدي .
فقلَّةُ حديثه سببٌ رئيسي في جهالة ضبطه، وقلَّةُ حديثه أيضاً دلالةٌ على قلَّة من يروي عنه، وغالباً ينفردُ
عنه راوٍ واحد، ومن كان قليلَ الروايةِ والرواةِ عنه: كان مغموراً غامضاً أمرُه عند علماء الجرح والتعديل.
ولقائل أن يقول: إن الحافظ ابن حجر رحمه الله صرَّح في (النكت على ابن الصلاح)) ٢ : ٦٧٧ بأن
ابن معين قال في يحيى بن المتوكل: ((لا أعرفه)»، وأراد «جهالةَ عدالته لا جهالةَ عينه، فلا يُعترضُ عليه بكونه
روى عنه جماعة))، ونحوه قوله في ((التهذيب)) ٦: ٢١٨ في ترجمة عبد الرحمن الغافقي .
وأقول في الجواب: ينبغي أن يُحملَ تفسير ابن حجر أمامَ هذه الشواهد الكثيرة على أن ابن معين أراد
هذا المعنى هنا في هذه الترجمة، لا أنه تفسيرٌ عامٌّ لهذه الكلمة حيثما وردتْ. وهذا ما حملني على جمع
هذه النصوص والأمثلة الكثيرة. والله أعلم.
وخلاصة ذلك: أن مراد ابن معين من قوله: (لا أعرفه) أعمُّ من أن يكون جهالةً عينٍ، أو عدالةٍ، وقد
تجتمع جهالتان منهما. والسببُ في ذلك قلةُ حديث الرجل، وقد يكون السببُ عدمَ علمه به.
(١) انظر هذا وتأمُّلْه، واعجبْ مما تقدمت الإِشارة إليه ص ٢٩ عن المعلِّمي في حق هذا الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه،
وجزاه عن خدمة السنة المطهرة أحسن الجزاء. فإن قال قائل: كيف يقول: صحيح الحديث وهو لا يعرفه؟ فجوابه: عرف
صحة حديثه بالطريقة التي شرحها شيخنا أحمد الصديق فيما تقدم ص ٢٥.
وها هنا فائدة نادرة غالية، هي أنهم قد يطلقون ((صحيح الحديث)) ويريدون سلامته من النكارة ومخالفة الثقات، ولا
يريدون أنه استوفى شروط الصحة الخمسة: الاتصال، العدالة، الضبط، السلامة من الشذوذ في متنه وسنده، والسلامة
من العلة القادحة فيهما أيضاً. لكن هذا الإطلاق نادر، فليتنبه له، ولا يصح إطلاق التوثيق على راويه، أو رواته.
(٢) هذا النص غير موجود في الجزء الثاني المطبوع المرتب من رواية الدوري.

٦٧
وممن أطلق الجهالةَ وعدمَ المعرفة لقلّة حديث الرجل: الإمامُ الترمذي في ((سننه)) باب المشي خلف
الجنازة ٣: ٣٨٩ (١٠١١)، قال: ((إن أبا ماجد رجلٌ مجهول لا يُعرف، إنما يُرْوَى عنه حديثان عن
ابن مسعود)). فكونُ الرجلِ قليلَ الحديث، وأنه سببٌ لإطلاقِ عدمِ المعرفة به: أمرٌ معروف عند أهل
العلم، وهو واضح من حيثُ النظر، فلا يُستشكل عليه.
وهذا ما يمهِّدُ لنا السبيلَ للبحث في كلمة اصطلاحية ثانية لابن معين، هي قوله:
٢٩ - ليس بشيء: فإنها كلمةٌ ظاهرةُ المرادِ في أن الرجل لا يُلْتفت إليه ولا يُعبأ به، ولكن لماذا؟ لأنه
تالفٌ هالك، أو لأنه قليلُ الحديث فلا يُشتغلُ به؟.
فالشواهدُ الكثيرةُ التي جمعها شيخنا العلامة الحجة الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة سلَّمه الله تعالى
في تعليقاته على ((الرفع والتكميل)» ص ٢١٢ - ٢٢١، هي شواهدٌ ناطقةٌ بأن المراد: تالفٌ هالك، كما هو
المدلولُ الأصلي لها.
وتفسيرُها بقلَّة الحديث أمرٌ صحيح أيضاً، فقد يكونُ قليلَ الحديث ومجهولَ العين، أو مجهول
العدالة، أو فاقدَ الضبط، كما تقدم قبل قليل.
وأولُ من جاء بهذا التفسير: أشهرُ تلامذة ابن معين - تقريباً - وصاحبُ أوسعِ روايةٍ عنه: العباسُ بن
محمد الدُّوري. ففي («تاريخه ٢: ٤٥٦ (٤٢٠٩) عن ابن معين: ((كان عميرُ بن إسحاق لا يُساوي شيئاً،
ولكنْ يكتب حديثه)). وفسَّرها الدوري بقوله: ((وقال أبو الفضل - هو الدوري نفسُه -: يعني يحيى بقوله: أنه
ليس بشيء، يقول: إنه لا يُعرف، ولكنَّ ابن عون رَوَى عنه. فقلت ليحيى: ولا يُكتب حديثه؟ قال: بلى))
أي: یکتب حديثه.
وقال ابن معين أيضاً في كثير بن شِنْظِير، في رواية الدوري ٢ : ٤٩٣ (٤٠١٤): ((ليس بشيء)). فقال
الحاكم - كما في ((الفتح)) ٦: ٣٥٦ و((التهذيب)) ٤١٩:٨ - : ((قول ابن معين (ليس بشيء): يعني لم يُسنِد من
الحديث ما يُشتَغَل به)).
والظاهر أن قول الدوري والحاكم هو مستند ابن القطان في قوله الذي نقله عنه الحافظ - واشتهر به -
في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٢١ في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري: ((إن مراد ابن معين بقوله في بعض
الروايات (ليس بشيء) يعني أن أحاديثه قليلة جداً)).
وقولُه ((في بعض الروايات)): يُشْبِه قول الحاكم: ((ربما قال فيه: ليس بشيء))، وإنْ كان قولُ الحاكم
أوضحَ .
وتصرَّف السخاويُّ رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ٣٤٥ تصرُّفاً مخِلًا في نقل كلام ابن القطان فقال
عن إدراج ((ليس بشيء)) مع قولهم: ((ليس بثقة، واهٍ بمرة)): ((هو المعتمد، وإنْ قال ابن القطان: إن ابن معين
إذا قال في الراوي ((ليس بشيء)): إنما يريد أنه لم يَرْوِ حديثاً كثيراً))، فَأَوْهَمَ اطرادَ هذا التفسير !.
أقول: إنه تصرُّفُ مخلٍّ، لا سيما مع تأمُّلِ الموقعِ الذي نَقَلَ فيه ابن حجر كلمة ابن القطان هذه،
وهذا لفظه من المصدر المذكور: ((عبد العزيز بن المختار البصري، وثّقه ابن معين في رواية ابن الجنيد

٦٨
وغيره، وقال في رواية ابن أبي خيثمة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: مستوي الحديث ثقة، ووثقه العجلي
وابن البَرْقي والنسائي، وقال ابن حبان في ((الثقات)): يخطىء. قلت: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطان
الفاسي ... )).
فمن وُثِّق من قِبَل ابن معين نفسِه وهؤلاء الأئمة، وجاءت فيه رواية عن ابن معين ((ليس بشيء)) فمن المقبول
المعقول تفسيرُها بقلَّة أحاديثه، فهو ملجأٌ يُلْجأُ إليه عند الحاجة، وهو أولى من دعوى تعارض قولَيْه فيه.
ومن ذلك: صَدَقة بن أبي عمران الكوفي أحدُ رجالٍ مسلم وابن ماجه، قال فيه أبو حاتم ٤ (١٨٩٧):،
((صدوق شيخ صالح، وليس بذاك المشهور))، وقال ابن معين في رواية أبي داود عنه: ((ليس بشيء))، وقال
في رواية إسحاق بن منصور: ((لا أعرفه)).
فيفسَّر قوله: ((ليس بشيء)) بقوله الآخر: ((لا أعرفه)) ولا يُحملان على التعارض.
أما مع اقترانها بـ: ذاهب الحديث، أو ليس بثقة، أو نحو هذه الألفاظ الجارحة بشدة منه أو من غيره: فلا
وجه لذلك. والله أعلم.
ومما يحسن التنبيه إليه أخيراً: أنه لا يلزم من قلَّة حديث الرجل أن يقول فيه ابن معين: ((ليس بشيء))
أو ((لا أعرفه)). أعني: أن قلَّة حديثِ الرجل ليست عنواناً على عدم ثقته. وقد يضعِّفه. انظر (٢٠١٢).
فقد رأيتَ حال عبد العزيز بن المختار، كيف وثقه في رواية، وقال في أخرى: ليس بشيء، وكذلك
سأله عثمان الدارمي (٩٦١) ((عن أبي دِراس ما حالُه؟ فقال: إنما يروي حديثاً واحداً (١)، ليس به بأس)).
٣٠ - ٣٢ - وأما ألفاظ البخاري الثلاثة: ((فيه نظر، في حديثه نظر، في إسناده نظر)»: فقد مشيتُ في
التعليق على المغايرة بين مدلولاتها، وحَرَصت على التنبيه إلى اللفظ المنقول عن البخاري إن كان في نقل
المصنف أو البرهان السبط شيءٌ من التصرف.
١" - فقوله: ((فيه نظر)): الضمير يعود على الرجل، فيكون للإمام البخاري رحمه الله وقفةٌ في الرجل،
وهي وقفةٌ شديدة لا خفيفة، أي: إنها من الجرح الشديد. وكأنها تَعدِل ((منكر الحديث)) عنده(٢).
قال المصنف في ((الميزان)) ٢ (٤٢٩٤) في ترجمة عبد الله بن داود الواسطي التمار: ((قال البخاري في
((التاريخ الكبير)) - ٥ (٢٢٦) -: فيه نظر .. ، وقال ابن عدي - ٤: ١٥٥٧ - : وهو ممن لا بأس به إن شاء الله.
قلت - الذهبي -: بل كلَّ البأس به، ورواياتهُ تشهدُ بصحة ذلك، وقد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا
إلا فيمن يتَّهمه غالباً)).
ونَقَل عن البخاري قولَه في عثمان بن فائد ٣ (٥٥٥٢): ((في حديثه نظر)»، ثم قال: ((قلَّ أن يكون عند
البخاري رجلٌ فيه نظر إلا وهو متَّهم)). فهذا يدلُّ على تسويته بين الكلمتين. وسَبَقه إلى التسوية بينهما ابنُ
عدي، فإنه ترجم ٢: ٥٨٨ لجُمَيْع بن عُمَير التميمي، ونقل فيه قول البخاري ٢ (٢٣٢٨): ((فيه نظر))، ثم
(١) إذا وضعنا الفاصلة هنا يكون الضمير في قوله: ((ليس به بأس)) عائداً على الرجل، وإذا لم نضعها يكون قوله: ((ليس به بأس))
صفةً للحديث الواحد. والله أعلم. وانظر لزاماً آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق من ((تهذيب الكمال)).
(٢) انظر التعليق على (١٤١٧، ١٥٧٦).
١٠

٦٩
فسَّرها وعلَّق عليه فقال: هو ((كما قال، في أحاديثه نظر)). وسكتَ ابن حجر في ((التهذيب)) ٢: ١١٢ على
كلام ابن عدي، فكأنه یرتضيه .
وقال المصنف في ((المُوقِظة)) ص ٨٣: ((وكذا عادته - أي البخاري - إذا قال (فيه نظر)، بمعنى أنه
متَّهم، أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالاً من الضعيف)).
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١: ٧٤ في حديث أبي ثِقَال المُرِّي في التسمية على الوضوء:
((قال البخاري: في حديثه نظر، وهذه عادته فيمن يضعِّفه)).
قلت: لكن لفظ المصنف في («سِيرَ أعلام النبلاء)» ١٢: ٤٣٩ نقلاً عن الإمام البخاري: ((أنه قال: إذا
قلتُ: فلان في حديثه نظر: فهو متّهم واهٍ)). فهو صريح في بيان المراد بهذا القول من البخاري نفسه، وليس
عادةً له عُرِفت بالاستقراء.
فكلامُ المصنفِ في الموضع الثاني، وابنٍ عدي، وابنٍ حجر في ((التلخيص)): متناسبٌ متلائم مع
صريح بيان البخاري لمصطَّلَحه في قوله: ((في حديثه نظر)).
ويبقى النظر أيضاً في إطلاق البخاري قولَه واصطلاحَه الذي نُقِل عنه، وفي تقييد المصنف ذلك
في الموضعين من ((الميزان)) بـ: ((غالباً، وقَلَّ ... )).
فالبخاريُّ عبَّر عن اصطلاحه فأطلق، أما الذهبي في ((الميزان)) فكأنه لاحظ حال الرجل عند غير
البخاري، فرأى الغالب الاتفاق بين البخاري وغيره في حكمهم على الرجل، وأحياناً يكون خلاف ذلك،
فعَبَّر بقوله: ((غالباً، وقلَّ أن يكون ... )).
ولا بدَّ من التنبيه إلى ضرورة ثلاثة أمور:
أولها: التحقق من النقل لمثل هذه الألفاظ عن البخاري، ماذا قال؟ وما لفظه؟.
ففي ((الكامل)) ٧: ٢٦٤٣ ترجمة ياسين بن شيبان العِجْلي: ((قال البخاري: فيه نظر))، في حين أن
العقيلي نقله ٤ (٢١٠٠) بلفظ: ((في حديثه نظر))، وانظر التعليق على ترجمته (٦١٢١) وعلى (٣٠٠٢).
ثانيها: التحقُّق والتأمُّل في سياق كلامه. فالذي يبدو لي - والله أعلم - أنه يراعي سياق كلامه إلى حدٍّ
أنه يُطلق كلمةً لولا سِياقُ كلامه لقال غيرها. انظر التعليق على (٣٠٠٢) أيضاً.
مثال ذلك: قوله في صَعْصَعةً بن ناجية جدِّ الفرزدق ٤ (٢٩٧٨): ((قال لي العلاء بن الفضل: حدثني
عباد بن كسيب، حدثني طُفَيل بن عمرو، عن صعصة بن ناجية المُجَاشِعي: قدمت على النبي ◌ِّ فعرض
عليَّ الإِسلام فأسلمتُ ... فيه نظر)). فصعصعةُ صحابيُّ، وترجمه المؤلفون في الصحابة، لكن حديثه هذا
فيه نظر، لا أنه هو فيه نظر، فإنه صحابي. وأكَّد هذا التأويل: أنه قال في ترجمة عباد بن كسيب
٦ (١٦٢٤)، وقد ذكر السند فقط -: ((لم يصح))، وقال في ترجمة طُفيل ٤ (٣١٦٠): ((لم يصح حديثه)).
فأفادنا أن النظر هناك: في الحديث لا في الرجل، وأفادنا أن النظر يعني عدم الصحة. وهذا الجمع بين
النصوص الثلاثة نَّهَنا إلى ضرورة مراعاة الأمر الثالث.

٧٠
ثالثها: ضرورة جمع ألفاظه المتعلقة بالرجل الواحد أو بالحديث الواحد، والتنبُّه لذلك أثناء الاستقراء،
كي لا يُظَنَّ أنها مختلفة المراد، متعدِّدة، وهي في رجل واحد، متفقة متحدة.
وقد يريد النظر في الإسناد، لاضطرابه، أو لانقطاعه.
ففي ((التاريخ الكبير)) ٥ (٣٨٩) قال: ((عبد الله بن عبد الرحمن. قال يحيى بن قَزَعة وإبراهيم بن
مهدي، عن إبراهيم بن سعد. ح عبيدة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مُغَفَّل ... )). فذكر
طرقاً وختمها بقوله: ((فيه نظر)).
وقال ٥ (٥٧٥): ((عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ، عن أبيه،
عن جده ... ))، وختم الترجمة بقوله: ((فيه نظر، لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض)). فهذا كقوله:
٢" - ((في إسناده نظر)). وقد قال البخاري ذلك في رواة كثيرين، منهم: أوس بن عبد الله الرَّبَعي
أبو الجوزاء، المترجمُ في ((التاريخ الكبير)) ٢ (١٥٤٠). وأوسٌ ثقة عندهم، لذلك فسَّر ابن عدي هذا القول
في ((الكامل)) ١: ٤٠٢ بقوله: يريد: ((أنه لم يسمعْ من مثلِ ابنِ مسعود وعائشةً وغيرهما، لا أنه ضعيف
عنده)) .
ويساعدُه على هذا التفسير صياغةُ الجملة مقطوعةً عما قبلها وبعدها من سِبَاق ولِحَاق، فهي بظاهرها
صريحةٌ في أن المراد: فيما يسنده أوسٌ إلى رسول الله وَّر من طريق ابن مسعود وعائشة: نظرٌ ووقفةٌ.
وزاد ابنُ عدي هذا الفهمَ ترسيخاً بأنه: لم يسمع منهم، ففيما يسنده انقطاع وإرسال، ووافقه على هذا
التفسير ابنُ حجر في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٩١ - ٣٩٢ ترجمة أوسٍ المذكور.
أما الذهبيُّ: فإنه صَنَعِ عَجَباً!
ترجَم لأوس هذا ١ (١٠٤٥) ونقل كلمةً البخاري فيه ولم يفسِّرها بهذا التفسير، وبعد أسطرٍ قليلةٍ ترجَم
لُأَوَيسِ القَرَني رحمه الله تعالى ١ (١٠٤٨) ونقل كلمة البخاري نفسَها فيه ٢ (١٦٦٦)، وفسَّرها بـ ((أن
الحديث الذي رُوي عن أُويس في الإسناد إلى أويس نظر)).
وعجبتُ منه - أولاً - لمَ لمْ يفسِّرِها في ترجمة أوسٍ أيضاً، مع أنها قبل أسطر، فأخَّر تفسيرها !! ثم زال
عَجَبي وزاد يقيني بإمامة المصنف ودقَّته . . وقد كان هذا التأمُّلُ سبباً في انكشاف الوهم في تفسير ابن عدي
المذكور. وإليك البيان .
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢ (١٥٤٠): ((أوس بن عبد الله الرَّبَعي أبو الجوزاء البصري، سمع
عبد الله بن عمرو، روى عنه بُدَيل بن مَيْسَرة، قال يحيى بن سعيد: قُتِل أبو الجوزاء سنة ثلاث وثمانين في
الجماجم. وقال لنا مُسَدَّد: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكْري، عن أبي الجوزاء قال: أقمتُ
مع ابن عباس وعائشة اثنتَيْ عَشْرَة سنة، ليس من القرآن آيةٌ إلا سألتهم عنها. قال محمد - هو البخاري
نفسه -: في إسناده نظر)).
قال ابن عدي ١: ٤٠٢: ((وأبو الجوزاء روى عن الصحابة: ابن عباس، وعائشة، وابن مسعود

٧١
وغيرهم، وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصحّح روايتُه عنهم: أنه سمع منهم، ويقول البخاري: ((في إسناده
نظر)»: أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا لأنه ضعيفٌ عندهم، وأحاديثُه مستقيمة مستغنيةٌ
عن أن أذكرَ منها شيئاً في هذا الموضع)).
فعجبت من ابن عدي كيف يقول: مرادُ البخاري أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما،
والنصُّ صريحٌ أمامَه: أقمتُ مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ...! ونظرت في ((مقدمة الفتح)) فرأيتُه
أَخَذَ هذا التفسيرَ بالتسليم! ثم نظرتُ في ((التهذيب)) ترجمة أوسٍ فأزاحَ الإشكال، قال: ((وقولُ البخاري:
في إسناده نظر ويختلفون فيه: إنما قاله عقبَ حديثٍ رواه له في ((التاريخ)) من رواية عمرو بن مالك
النُّكْري، والنكريُّ ضعيفٌ عنده)»، ثم حكى كلام ابن عدي: لم يسمع من مثل ابن مسعود ...
فتبَيّن من هذا: أن معنى قول البخاري ((في إسناده نظر)): في الإسناد المُوْصِلِ إلى المترجَم نظر،
وهذا هو تماماً معنى قولِ المصنفِ الذي قاله في ترجمة أُوَيس القَرَني، وتقدم نقله.
وعلى كلام ابن عدي يكونُ المعنى: في الإسناد منه إلى مَن فوقه نظر، فينظر فيمن فوقه، هل هو ثقة أو
ضعيف، أو: ينظر ما فوقه، هل متصلٌ أو منقطع، فاختلفت الحيثية - كما يقولون.
وبهذا تبيَّن لي سببُ إعراضِ المصنف عن نقل قول ابن عدي في ترجمة أوس، وتفسيره من عنده في
نرجمة أويس. والله أعلم.
وعلى كلٍّ: فهذه الكلمة من البخاري ليس فيها جرحٌ لذات الرجل، لما تقدم، ويؤكّده: أنه قال في
أبي خداش زياد بن الربيع اليحمدي (١٦٨٥): ((في إسناده نظر))، ومع ذلك فقد احتج به في («صحيحه)).
انظر ((الكامل)) ١٠٥٢:٣، و((الميزان)) ٢ (٢٩٣٧).
بقي التنبيه إلى جزئيةٍ جانبية وَرَدتْ في كلام ابن حجر المتقدِّم، وهي: أن عمرو بن مالك النُّكْريَّ
ضعيف عند البخاري، ولم أَرَ تصريحاً بذلك، ولا تلميحاً، لكنْ عجبت من ابن عدي وابن حجر نفسه.
فابن عدي ترجم للنُّكْري ٥: ١٧٩٩ وصدَّر الترجمة بقوله: ((منكر الحديث عن الثقات، ويسرق
الحديث))(١)، وختمها بنحو ذلك. فكيف لا يُعِلُّ به الخبرَ الذي أسنده البخاريُّ من طريقه؟. وهذا عَجَبٌ ثانٍ
من ابن عدي في هذه الترجمة الواحدة.
وابنُ حجر - والمزيُّ من قبله - لم ينقلا كلام ابن عدي هذا في ترجمة النّكْري، بل اقتصرا على أنه
مذكور في ((ثقات)) ابن حبان وأنه قال ٧: ٢٢٨: ((يُعتبر حديثُه من غير رواية ابنه عنه)).
وكما أهملَ المزيُّ وابنُ حجرٍ كلامَ ابن عدي هنا، أهمله الذهبي في ((الميزان)» ٣ (٦٤٣٦)، بل لم
یذکر فیه شيئاً أبداً إلا أنه ثقة! فھو- في الغالب - اعتمد توثيق ابن حبان له.
وأخيراً: إن تفسير ابن عدي لقَوْلةِ البخاري هذه يحتاج إلى تتُعٍ ودراسة. فالذي يبدو لي أنه صحيح
في بعضٍ دون بعضٍ ، فلا بدَّ من النظر في سياقٍ قولِ البخاري - أيِّ قول له - لنخلُصَ إلى نتيجة صحيحة.
(١) زاد ابن حجر عن ابن حبان: ((يخطىء ويغرب))، وهو سَبْق نظر، فإنها جاءت في ترجمة عمرو بن مالك الراسبي ٨:
٤٨٧، فبين الترجمتين مسافة شاسعة، من ٧: ٢٢٨، إلى ٨: ٤٨٧، لكن الحافظ يأخذ من ((ترتيب الثقات)) الهيثمي،
والترجمتان متتاليتان فيه، بدلالة الترتيب المعجمي. وانظر آخر صفحة من هذه الدراسات.

٧٢
والأمر - كما قال شيخنا في تعليقاته على ((الرفع والتكميل)) ص ٣٩١، وعلى ((قواعد في علوم الحديث))
ص ٢٥٧ - ((يَستحقُّ أن يُولِيه بعضُ الباحثين الأفاضل تتبعاً خاصاً، رجاءَ أن يُتَوصَّل به إلى تقعيد قاعدةٍ
مستقرَّة تحدَّد مرادَ البخاري من تعابيره المختلفة)) ..
هذا، ولم يبقَ إلا أربعُ كلماتٍ يَستعملُها الذهبي كثيراً في كتبه عامة، ومنها: ((الكاشف))، وليست من
كلمات الجرح ولا التعديل، وهي: متألِّه أو يتألَّه، وجَلْد، وممدَّح، وبَسْ.
١" - أما متألّه أو يتألَّه: فيذكرها الذهبيُّ رحمه الله في سياق تنويهه بعبادةِ الرجل وإشادته بتوجُّهه
إلى الله تعالى بالكليَّة. كقوله في رَبَاح بن زيد الصنعاني: ((ثقة، زاهد، متألِّه)).
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في ((المقصِد الأسنى في معاني أسماء الله الحسنى)) ص ٦٢ بعد ما
شرح اسم (الله): ((تنبيه: ينبغي أن يكون حظّ العبد من هذا الاسم: التألُّه، وأعني به: أن يكون مستغرِقَ
القلب والهمة بالله عز وجلٍ، لا يَرَى غيره، ولا يلتفتُ إلى سواه، ولا يرجو ولا يخافُ إلا إياه)). وفي
((القاموس المحيط)): ((التألُّه: التنسّك والتعبُّد، والتأليه: التعبيد)).
وهذه الكلمة نادرةُ الورود على لسان المحدثين، ولم أرها في كلامهم إلا مرة واحدة، جاءت في كلام
الإمام أبي زرعة الرازي رحمه الله، رأيتها في ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ٢: ٣٦٧، قالها في عبد الكريم
الجرجاني .
٢" - وأما جَلْد: فيستعملُها غالباً مع الرافضي الشيعي، وهي للدلالة على تمكّنه وتشدُّده في مذهبه.
وفي ((القاموس)): ((الجَلَد :... الشدَّة والقوّة، وهو جَلْد، وجليد، من أجلاد وجُلَداء، وجِلاد، وجُلْد)).
ويستعملُ المصنف بهذا المعنى والسِّياق كلمةً أخرى، لا سيما في كتاب ((الميزان)) فيقول مثلاً: فلان
من عُتُق الشيعة، يريد من المتشدِّدين فيهم، لأن العتيق هو القديم، ومَن قَدُم في أمر تمكَّن فيه وقَوِي.
٣" - وأما ممَّح: فيقولُها فيمن كان كثير المكارم والسماحة والجود، فكَثُر مدح الناس له. وفي
((القاموس)): المُمَدَّح: ((الممدوح جداً)). وممن قالها فيه: خالد بن عبد الله القَسْري (١٣٣٥)، وعاصم بن
عمر بن الخطاب (٢٥١٠).
٤" - وأما بَسْ: فهكذا ضَبْطُها: السين ساكنة، وهي بمعنى: فقط، وحَسْب، وهي كلمة عربية
فصيحة، وقيل: لغة ضعيفة مسترذَلَة. كما في ((القاموس)).
وإنما ضبطتُ السين بالسكون - مع وضوحه - لأني رأيت المصنفَ والحافظَ ابن الإسكندري صاحبَ
نسخة السبط وَضَعَا شدَّة كبيرةً على السين في ترجمة الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري!، وهي على
عربيَّتها نادرة الاستعمال على لسان المتقدمين - بَلْهَ المتأخرين - فلم أرَها في كلامهم إلا مرة في كلام أبي
زرعة الرازي، في أجوبته لأبي سعيد البرذعي ٢ : ٤١٤ لما قال له: سفيان بن وكيع، كان يتّهم بالكذب؟
قال أبو زرعة: ((الكذب بَسْ؟!)). والله أعلم.

٧٣
٤ - أحكام الذهبي في ((الكاشف)) خاصة
بلغت تراجم ((الكاشف)» ٧١٧٩ ترجمة، لكن الذهبي رحمه اللّه لم يكنْ يحرصُ على إعطاءِ حكمٍ
على كل ترجمة من حيثُ الجرحُ والتعديلُ.
فقسم كبير من التراجم ليس معها حكم من هذه الناحية، وقسم كبير آخر معه حكم.
ويُمكنُ تصنيفُ هذا القسم الثاني إلى أقسام:
١" - منهم مَن حكم عليه الذهبي من تلقاء نفسه.
٢" - ومنهم من اختار قولاً فيه من كلام السابقين، وقد يُسَمِّيه، أوْ لا يسميه فيشتبه بالقسم الأول.
٣" - ومنهم من أشار إلى الاختلاف فيه، فذكر فيه جرحاً وتعديلاً.
والأمثلة على هذه الأقسام ليست بذاتِ بالٍ، فلا أحفِلُ بها، إنما الشأنُ في الحديث عن أمور أخرى،
ذاتِ بالٍ وأهمية .
أولها: ضرورةُ التنبيه والتنبّه إلى رجوع الباحث إلى كتب الذهبي الأخرى غيرِ هذا، ولا سيما كتابَيْه
الآخَرَيْن: ((ميزان الاعتدال)) و((سير أعلام النبلاء)). ذلك أن الذهبي فيهما بارزُ الشخصية النقَّدة، لَمَّاحٌ يَقِظٌّ،
ما تمرُّ به كلمة تحتاج إلى تهذيب وتشذيب، أو تصحيح وتصويب، إلا ونَّه إليها، وأيقظَ فهم القارىء إلى ما
تحملُه من معنى يُستدرك ويقوّم على الجادَّة، إلا ما تأباه العصمة على غير صاحبها !.
فهو في ((الميزان)): ذو شخصية متميِّزة، نقَّاد، مستحضِرٌ لحالِ الرجل باستيفاء وعموم - غالباً - ينقلُ كلامَ
علماء الجرح والتعديل، فيفسِّر، ويجمع، وينقُد، ويعلِّق .
وشأنُه في ((السِّيَر)): اليَقظَةُ والإيقاظُ، وإبداءُ الرأي الصائب السديد حولَ كثير من النقول، بل كأنه ما
يأتيك بالنقل إلا لِيُبْدِيَ ملاحظته وينبِّهَكَ إلى ما فيه. فرحمه الله تعالى وجزاه خير الجزاء.
أما في ((الكاشف)) فلا تجدُ من هذا إلا الشيءَ بعد الشيءِ، وفيه إفاداتٌ عن طريق الإشارات والرموز
بصمتٍ وسكون .
من ذلك الذي يجبُ التنبّهُ لمراجعة كتبه الأخرى: أن كثيراً ممن يقولُ فيهم هنا: وثَّق، تجده في
(«الميزان» - مثلاً - وغيره يقولُ: لا يُعرف، أو نحو ذلك.

٧٤
بل قد يجزمُ هنا بتوثيقه، ويقولُ في كتابٍ آخر: مجهول، ونحوه.
فقد قال هنا في أَصْبَغ مولى عمرو بن حريث: ((ثقة))، وقال عنه في ((المجرِّد)) (٤٥٨): ((مجهول)).
وقال هنا عن زياد بن أبي مريم: ((ثقة))، وفي ((المجرِّد)) (٥٠٧): ((جُهِل))، وفي ((الميزان)) ٢ (٢٩٦١):
((فيه جهالة، وقد وثق، ما روى عنه سوى عبد الكريم بن مالك فيما أرى، وقيل: هو زياد بن الجراح، وقيل:
هما اثنان)).
وقد نقل هذا الكلامَ البرهانُ السبطُ رحمه الله، ولم أذكُر من وثَّقه في التعليق إلا ابن حبان، وأَزيدُ هنا
لُيُستدركَ هناك: أن العجليَّ وثقه ١ (٥١٤)، ونقل توثيقَه الحافظُ في ((التقريب)) (٤٢٠٩٩) مقتصراً عليه مع أنه
ذكر في ((تهذيبه)) أيضاً توثيق الدارقطني له، فالرجل ثقة، وإن لم يذكروا راوياً عنه سوى عبد الكريم بن مالك
الجزري، فقد تقدم ص ٣٣، ٥١ أن من روى عنه واحد ووُثَّق: فهو ثقة.
ووَثق في ((الكاشف)) عبد الله بن عِصمة الجُشَمي، وقال في ((الميزان)) ٢ (٤٤٤٩): ((لا يعرف))، وقال
في ((الكاشف)) عن عبد الله بن عمر بن غانم: ((مستقيم الحديث)) - وهي كلمة أبي داود فيه - أما في ((الميزان))
٢ (٤٤٧٠) فقال: ((مجهول)).
وفي ((الكاشف)) ترجمة نبهان مولى أمِّ سلمة: ((ثقة))، واقتصر في ((المغني)) ٢ (٦٥٩٥) على أن
ابن حزم قال: ((مجهول)).
وانظر كلامه على مدلاج بن عمرو السلمي، المتقدم ص ٦٠.
والأمثلة كثيرة، أَتَّى سبطُ ابن العجمي رحمه الله على جانب كبير منها في ((حاشيته)). وانظر الأمر
الخامس الآتي قريباً ص ٧٦.
ثانيها: وهو السببُ الرئيسيُّ - فيما أرى - في اختلاف أحكامه هنا عن أحكامه في كتبه الأخرى، وهو
أنه يحكم على الرجل من خلال ما قدَّمه المزي إليه - وإلى غيره - في ((تهذيب الكمال)) من جرح وتعديل،
دونَ التفاتٍ إلى ما هناك من أقوال أخرى، ودون غَرْبَلة لها ونقد. وتجدُ في هذه الحواشي الشيءَ الكثير من
ذلك مشروحاً أو مشاراً إليه بالنقل عن ((تقريب التهذيب)) خلاصةً تُخَالف حكم المصنف.
من ذلك: قول المصنف في الصَّلت بن محمد الخارَكي: ((صالح الحديث))، ولم ينقل المزي في
ترجمته ١٣: ٢٢٩ إلا أن أبا حاتم قال فيه ٤ (١٩٣٣): ((صالح الحديث))، وأن ابن حبان ذكره في ((ثقاته))
٨: ٣٢٤ فاعتمد قول أبي حاتم واختاره.
وزاد عليه ابنُ حجر توثيقَ البزارِ والدار قطنيٍّ إياه، وأن الدارقطني صحح له حديثاً انفرد به، ومع ذلك
قال عنه في ((التقريب)) (٢٩٤٩): ((صدوق))! فعلقتُ بعده: بل ثقة، اعتماداً على التوثيق المذكور، وأنه لا
يلزمُ من قول أبي حاتم أن ننزِلَ بالرجل عن التوثيق درجة. وانظر أيضاً التعليق على ترجمة محمد بن مسلم
ابن مهران.
وقال في ((الكاشف)) (٢٦٤٧): ((عبد الله بن بِشْر، قاضي الرقّة .. ثقة)). وهذا مقتضى ترجمته في
((تهذيب الكمال)) ١٤: ٣٣٦، ففيه عن ابن معين: «ثقة من خيار المسلمين، وقال أبو زرعة: لا بأس به،

٧٥
ـيء
وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثُه عندي مستقيمة، وذكره ابن حبان في كتاب
الثقات)).
لكنْ من نَظَرَ ترجمته عند المصنف في ((الميزان)) ٢ (٤٢٢٦)، وزياداتِ ابن حجر في ((تهذيبه)) رأى أن
فيه اختلافاً كثيراً، حتى إن ابنَ معين وابن حبان اللذين وثَّقاه: قد ضعَّفاه أيضاً، بل لفظُ ابن معين - عند
الساجي - فيه تكذيب عريض! وتُكُلُّم في روايته عن الزهري والأعمش خاصةً.
وهذا الأمر - كما قلت - سبب رئيسي في اختلاف أحكام الذهبي هنا مع أحكامه في كتبه الأخرى،
وكذلك مع أحكامِ غيرهِ، ولا سيما ابنُ حجر في ((التقريب)).
ثالثها - وهو متصلٌ بما قبله -: متابعةُ المصنف للمزي، حتى في بعض أوهامه .
مثال ذلك: قولُه في ترجمة داود بن عبد الله الأَوْدي: ((فيه لين، ووثّقه أحمد ولم يترك)). ذلك أن
المزيَّ نقل في ((تهذيبه)) ٨: ٤١٢ عن الدُّوري عن ابن معين أنه قال: ((ليس بشيء))، فأشار إلى هذا
بالتلیین، وتقدم ص ٣٤ - ٣٥ أن مثل هذا لا يليق وصفه بالتلیین، إنما هو جرحُ شدید.
ومع هذا فإن المصنف قال في ((الميزان)) ٢ (٢٦٢١): ((روى الكَوْسَج - هو إسحاق بن منصور - عن
يحيى: ثقة، وروى عباس عن يحيى: ليس بشيء. فيحرَّر هذا، لأن هذا في: ابن يزيد)) المترجَمِ في
((الكاشف)) برقم (١٤٦٧)، و ((الميزان)) ٢ (٢٦٥٥) و((تهذيب)) المزي ٨: ٤٦٨، وابن حجر ٣: ١٩١،
ووافقَ ابنُ حجر الذهبيَّ على هذا الاستدراك، وهو كذلك في رواية الدوري ٢ : ١٥٤ - ١٥٥ (١٣٢١،
٢٩٧١).
فتراه في ((الميزان)) تنبَّه للوهم ونَبَّه إليه، في حينٍ أنه تابع المزيَّ في ((الكاشف))! وتابعه كذلك في
((المغني)) ١ (٢٠٠٤)، فقال: ((وثقه أحمد، ولابن معين فيه قولان)).
وكَنَّى المزي في ((تهذيبه)) ١٤٣٠/٣ هارون بن عنترة: أبا عبد الرحمن، فتبعه المصنف في مختصره
((التذهيب)) ٤: ١٠٩/ب، أما أبو أحمد الحاكم فكنَّاه: أبا عمرو، فتبعه المصنف في مختصره ((المقتنَى))
(٤٦٤٥)! فهذا أغربُ.
ويجد القارىء في حواشي ترجمة سُنَيد بن داود مثالاً آخر، لكني لم أذكره هنا لاحتمال اختلافٍ
نسخِ ((الجرح والتعديل)).
رابعها: أن يكون الوهم منه، لا من جَرَّاء متابعته للمزي .
مثال ذلك: أنه قال في هشام بن يحيى بن العاص المخزومي: ((مختلَف فيه))، مع أن لفظ المزي :
((روى عنه عمرو بن دينار، ومحمد بن راشد، وفيه نظر، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وهو بهذا اللفظ في
((التذهيب)) ٤: ١٢٠/آ، و(تهذيب)) ابن حجر، وواضحٌ منه أن قوله: ((وفيه نظر)) يعودُ على رواية محمد بن
راشد عنه، لا على الرجل نفسه. وانظر التعليق على ترجمته (٥٩٧٦).
وقال عن سليمان بن جُنَادة الأزدي: ((وهَّاه البخاري))، مع أن البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٤ (١٧٧٠)
ساق له حديثاً، وقال عقبه: ((هو منكر))، فهو صريح في عَوْده على الحديث لا على الرجل، وصرَّح

٧٦
ابن عدي بذلك في ((الكامل)) ٣: ١١٣٣، مع ما تراه من جَعْله القولَ في الرجل هنا وفي («الميزان))
٢ (٣٤٣٨)، ولفظه: ((منكر الحديث)). وانظر التعليق هناك.
وقال في ترجمة زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: ((وَلِيَ القضاء لعمر بن
عبد العزيز))، ونبهتُ في التعليق إلى أن الذي تولَّى القضاء لعمر هو زيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد، كما
قاله ابن أبي حاتم.
ومما يُلحق بهذا الأمر الرابع: تسامحُه في نقل ألفاظ الجرح والتعديل بكلماتٍ غير محدَّدة تماماً. مثال
ذلك من ألفاظ الجرح ما تقدم قبل قليل، حين عبَّر عن قول ابن معين ((ليس بشي)) بقوله: فيه لين !.
ومثال ذلك من ألفاظ التعديل: قوله في ترجمة إبراهيم بن طَهْمان: ((وثقه أحمد وأبو حاتم))، مع أن
لفظ أبي حاتم: ((صدوق حسن الحديث)).
وهذا يقع كثيراً في كتب الرجال وغيرها، يقولون: ضعَّفه فلان وفلان، ويكون في بعض ألفاظ
التضعيف: التليين أو الجرح الشديد، ويقولون: وثقه فلان وفلان، ويكون فيها ما دون ذلك. فلا بدَّ من
التبين بمراجعة الأصول. وانظر صفحة ٣٣.
خامسها: هل كان الذهبيُّ رحمه الله من المتشدِّدين في أحكامه هنا أوْ لا؟.
والجواب: أن الذي خَبَرتُه من أمر هذا الإمام براءتُه من نَزْعة التشدُّد أو التساهل، وما عرفتُ عنه إلا
الاعتدالَ في أحكامه على الرواة، وما يراه الباحثُ في كتبه من توثيق لفلانٍ، والصوابُ خلافه، أو من
تضعيفٍ والصوابُ غيره: فإنما مردُّه إلى الواقع الذي انتهجه في كلِّ كتاب، وليس مردُّه إلى أنه متشدِّد أو
متساهل .
وأوضح من هذا: أن التوثيقَ الذي نجده في ((الكاشف)) مثلاً، ونجدُ خلافَه في كلامه أو كلامٍ غيره:
ليس سببَ هذا التوثيق كونُه متساهلاً.
والجرحُ الذي نجده في ((الميزان))، وقد نرى خلافَه في كلام غيره، ليس مردُّه إلى أن الذهبي في
((الميزان)) من المتعنتين، إنما سببُ هذا وذاك - في الغالب - الطريقة التي سلكها وهو يصنّف كلَّ واحد
منهما، وما سوى الغالب فمما لا يخلو عنه الطبع البشري الضعيف، وكفاه نُبْلًا أن تعدَّ أوهامه. رحمه الله
تعالى .
وأضربُ مثلًا من اختلاف أحكامه غير الأمثلة المتقدمة:
قال في ((الكاشف)): ((صدقة بن أبي عمران، عن قيس بن مسلم .. ، لَيِّن)). مع أنه قال في ((الميزان))
٢ (٣٨٧٣): (([صح] صدقة بن أبي عمران، م ق، الكوفي قاضي الأهواز .. ، صدوق، وقال أبو حاتم -
٤ (١٨٩٧) -: (صدوق) شيخ صالح، وليس بذاك المشهور، وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بشيء))، ثم
أسندَ حديثَه الذي في ((صحيح مسلم))، وقال: ((هذا من غرائب مسلم)).
فتراه رمز أولَ الترجمة بكلمة [صح] وهي علامةٌ منه ((على أن العمل على توثيق الرجل))، كما نقل هذا

٧٧
عنه ابن حجر في مقدمة ((لسان الميزان)) ١: ٩، ونبهتَ إليه في التعليق مراراً. ثم صدَّر الترجمةَ بقوله:
((صدوق))، وهذا خلاصةُ رأيه في الرجل، وكثيراً ما يفعلُه في ((الميزان)). ثم نقل كلمة أبي حاتم وسقط منها
كلمة ((صدوق)) فأضفتُها من ((الجرح)) ووضعتُها بين هلالين كبيرين لذلك. وتراه لم يأخذ بكلمة ابن معين.
في حين أنه أخذ بها ضمناً في ((الكاشف)) فقال: ((لَيِّن))، توليداً منه لحكم مستخلّص من كلمة
((صدوق)) وكلمة: ((ليس بشيء)).
وليس معنى هذا الاختلافِ أنه كان في ((الكاشف)) من المتشدِّدين، وصار في ((الميزان)) من
المتساهلين، ولو كان كذلك لاعتُرِض علينا بما جاء في ((الميزان)) ٤ (٩٥٩٦)، ترجمة يحيى بن أبي عمرو
السَّيباني: ((صدوقٌ ما علمت عليه مَغْمزاً، قال أحمد: ثقة ثقة)). ومن يكرِّر فيه أحمد كلمة التوثيق فهو في
أعلى مراتب التعديل، فلمَ نزلَ به إلى ((صدوق))؟ !.
ولو كان في ((الكاشف)) متشدِّداً لما قال عن كل من الزبير بن الوليد، وزيد بن أبي الشعثاء: ((ثقة))،
ولم يروِ عن كلِّ منهما إلا واحدٌ، وليس فيهما إلا أن ابن حبان ذكرهما في ((ثقاته))، فأين التشدُّد؟ !.
في أمثلةٍ أخرى كثيرةٍ تدلُّ على أنه لا يوصفُ بتشدُّد ولا بتساهل، وأما هذا الاختلافُ فمنشؤُه مسيرةُ
الرجل في كل كتاب، ومنهجهُ الذي انتهجه فيه. والله سبحانه أعلم.
وأرى لزاماً قبلَ أن أنتقلَ عن الحديث عن أحكام الذهبي في ((الكاشف)) أن أنّبِّه إلى تسديد عبارة
شائعة .
تلكم هي قولُ بعض الباحثين: فلان - من الرواة -: وثّقه - أو ضعَّفه - أحمد وابن معين، والبخاري،
و ... ، والذهبي، وابن حجر، وقد يحد ون ذلك وينسبونه إلى ((الكاشف)) و((التقريب)). وفي هذا القول
خطأٌ أو تجوُّزٌ كبير، فالذهبي وابن حجر وأمثالُهما من العلماء المتأخرين لا ينسب إليهم توثيق ولا تضعيف،
على معنى أنه هو منشىءُ ذلك وقائلُه، ذلك أن الذهبي - مثلاً، وأقصُرُ الحديث عليه للمناسبة التي أنا فيها - لم
يُعاصِر الرواةَ ولم يخبرهم ليوثَّقَهم أو يجرحهم، إنما يجمعُ أقوال المتقدمين ويتخيَّر منها باجتهاده، ويكتبُ
ما يختاره في كتبه.
ولو أن القائل اقتصر على قوله: فلان وثقه الذهبي، لكان التجوُّز مقبولاً نوعاً ما، أما هذا العطف
والتركيب: وثقه القطان وابن مهدي و .. ، والذهبي: فهذا تجوُّز كبير، في سَواغيته نظر. والله أعلم.

٧٨
٥ - رموز ((الكاشف))
قال المصنف رحمه الله في المقدمة: ((والرموزُ فوقَ اسم الرجل: خ للبخاري، و: م لمسلم، و: دلأبي
داود، و: ت للترمذي، و: س للنسائي، و: ق لابن ماجه، فإن اتفقوا فالرمز: ع، وإن اتفق أربابُ السنن
الأربعة فالرمز: ٤)).
١" - وقد استخدمَ المصنف رموزَ كتب أخرى ليستْ على شرطه، منها ما كان استعمالُه إياه نادراً،
ومنها ما كان استعمالُه إياه كثيراً، لكنْ يجمعُ الجميعَ: أنه لم يطّرد في استعماله.
وهذه الرموزُ الزائدةُ النادرة: مق: لمن يروي له مسلم في مقدمة «صحيحه». فق: لمن يروي له ابن
ماجه في ((تفسيره)). سي: لمن يَروي له النسائي في ((عمل اليوم والليلة)). ص: لمن يروي له النسائي في
((خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه)).
أما الرمز الزائد الذي أكثر من استعماله فهو: خت، لمن يروي له البخاري في معلَّقات («صحيحه)).
- ((مق)): أما رمز مق فقد بينتُ في دراسة ((تقريب التهذيب)) ص ٤٩ أهمية تمييز هذا الرمز عن الرمز
الأصلي لصحيح مسلم، وهو م. ولو أن المصنف رحمه الله اطَّرد في أيِّ الأمرين: الرمزِ أو عدمِه: لكان
أولى، فالتزامُ أمرٍ ما أولى من التردُّد فيه. وأولُ مرةٍ استعمل فيها هذا الرمز في ترجمة إياس بن معاوية
القاضي الشهير (٥٠٢). وزاد الأمرَ غرابةً أنه استعمله مع رمزٍ آخَرَ ثانويٍّ أيضاً: خت.
- ((فق)): ولا أعلمه استعمله إلا في موضع واحد، عند رقم (٧٠١٦)، وقد علقتُ عليه بما يبيِّن سببَ
استعماله، مع أنه كان يمكنُ للمصنف أن يجعلَ على هذه الترجمة القصيرة جداً علامةً إلغاء، كما فعل
بترجمة أطولَ منها، هي ترجمةُ عبد الله بن بُجَير القيسي، فإنه كتبها كاملة، ثم كتب على أولها: لا، وعلى
آخرها: إلى، لأنه من رجال «مراسيل أبي داود)).
- ((سي، ص)): تابع المصنفُ شيخَه المزيَّ في اعتبار هذين الكتابين منفصلين عن ((سنن النسائي
الكبرى))، ويلزمُ من هذا أن لا يعرِّجَ على هذين الرمزين، فلا يذكر الترجمة إذا كان رمزها سي فقط، أو
ص فقط، وإذا كان للترجمة رموز أصلية أخرى سواهما، فينبغي أن يأتي بتلك الرموز، ويُلغي هذين الرمزين.
وقد فعل هذا كثيراً، لكنه لم يطَّرِد، فقد أتى بهما أحياناً، من ذلك في ترجمة يحيى بن عبد الله بن
الضحاك البابلتِّي : خت سي.

٧٩
وأغربُ من هذا: أنه قد يُبْدِلُهما س، وهذا يتمشّى مع اعتبار هذين الكتابين بابينٍ من أبواب ((السنن
الكبرى)» كما فعل الحافظ ابن حجر.
فقد رمز المزيُّ لحنش بن المعتمِر الکِناني: دت ص، فجعلها الذهبي: دت س.
ورمز المزي كذلك لإبراهيم بن عبد الله بن عبد القاريِّ: سي، فجعله الذهبي: س، ورمز لإبراهيم بن
بکر بن أبي شيبة م سي ق، فجعله الذهبي : مس ق.
بل إن المزي ترجم لعمرو بن يزيد الجَرْمي، ورمز له: ص، فقط، فترجمه المصنف هنا (٤٢٥٤) ورمز
له: س، وجاءت الترجمة مستدركةً على الحاشية.
أما ابنُ حجر فاطَّرد صنيعه - تقريباً - في جعل هذين الرمزين س - في ((التقريب)) - وأبانَ عن وُجْهة
نظره في مقدمة ((التهذيب)) ١: ٦ فقال: ((أفردَ - المزيُّ - ((عمل اليوم والليلة)) للنسائي عن ((السنن)) وهو من
جملة كتاب ((السنن)) في رواية ابن الأحمر وابن سَيَّار، وكذلك أفرد ((خصائص علي)) وهو من جملة المناقب
في رواية ابن سيار، فما تبيَّن لي وجهُ إفرادِه ((الخصائص)) و((عمل اليوم واليلة)).)).
بل إن المزيَّ لم يَستوفِ أشياءَ أخرى هي في رواية ابن الأحمر لسنن النسائي، كما قال الحافظ نفسه
في ((التهذيب)) ٦: ٣٩٦.
وينشأ عن إهمال المصنف رمز مق سي ص: أن الناظر في ((التقريب)) يرى رموز المترجَم على أنه من
رجال مسلم والنسائي، فيرجع إلى ((الكاشف)) فقد لايرى الترجمة بتاتاً، وقد يجدُها ويجدُ رموزها ناقصةً عن
رموز ((التقریب)).
- (خت)): اضطرب المصنف في هذا الرمز، فقد أهمله أولاً إهمالاً مطلقاً، سواء كان للترجمة رمزٌ
سواه أو لا، ثم صار يذكُره إذا كان مشتركاً مع رمز آخر، ثم ترجم عدةً تراجمَ ليس لها رمز سواه. ومع ذلك
کان یُهمله أحياناً.
وظني أنه لاحظَ أن الرجال المذكورين في معلَّقات البخاري إنما هم رجالٌ مذكورون ضمنَ ما يُسمَّى
((الجامع الصحيح))، فُيُسْتَحْسَنُ الرمز لهم والترجمة. والله أعلم.
وهذا التوجيهُ يؤيّده صنيعُه في ترجمة عبد الله بن عثمان بن خُثَيم المكي، فإنه رمز له أولاً بالحبر
الأحمر - كالمعتاد -: م ٤، ثم ألحق بعدهما بالحبر الأسود: خت، فظهر في الصورة جلياً.
ويعكّر عليه: قولُه في الكنى: ((أبو الشَّموس البَلَوي، صحابي، علَّق له البخاري ... ))، وكتب بدل
الرمز خت: صح، إشارةً إلى صحة إخلائه من الرمز، وأنه لم يكن سهواً منه.
ولا يُقال: إن هذا متأخر، لأنه جاء في قسم الكنى، وذاك في وسط الكتاب، لأني أظن أن هذا
الإلحاق لرمز خت بالحبر الأسود إنما جاء منه متأخِّراً مستدركاً أثناءَ قراءة الكتاب عليه. والله أعلم.
٢" - وأودُّ التنبيه إلى أن المعتاد المألوف: ترتيبُ أسماء أصحاب الكتب الستة على النحو الذي ذكره
المصنف في مقدمة الكتاب، سواء كان ذلك بذكر أسمائهم صراحة، أو رموزاً. ومع ذلك فإن المصنف لا
يحفِلُ بهذا احتفالَ ملتزِم، فإنه قد يُخلُّ به. انظر لذلك مثلاً، ترجمة زَمْعَة بن صالح الجَنَّدي، فإنه رمز له
هکذا: ت س ق م قَرَنه.

٨٠
وليس هذا الإخلالُ هنا من أجل إضافة كلمة ((قَرَنه)) كما لا يخفى على الناظر فيه. وإنما نبهتُ إلى
هذا لئلا يَظُنَّ قارىءٌ أن الإخلال من قَبِيل الخطأ المطبعي.
٣" - والذهبيُّ متابعٌ للمزي في رموزه غالباً، دون استدراك عليه فيما يقصر فيه.
ففي ترجمة أبان بن يزيد العطار رمز المزي: خم .. ، وتبعه المصنفُ والحافظُ في كتابيه، لكنه في
((فتح الباري)) و((مقدمته)) حقَّق أن البخاري علَّق لأبانٍ تعليقاً وليس مسنَداً، فصوابُ رمزه: خت م .. ،
ذكرتُ هذا في التعليق على الترجمة، وفاتني أن أؤيِّد تحقيقَ الحافظِ هذا بأن الكَلَاباذِيَّ والباجيَّ لم يُتَرجما
في كتابيهما لأبانٍ هذا، ولو كان ممن رَوَى له البخاري مَسنّداً لترجَمَاه، أما من يُعلِّق له تعليقاً: فقد قال
الحافظ في ((الفتح)) ٤: ٣٩٩ تحت باب التجارة في البحر، من كتاب البيوع: ((إن الذين أفردوا رجالَ
البخاريِّ كالكَلَاباذي لم يذكروا فيهم - مَطَراً - الوارقَ، لأنهم لم يَسْتَوعِبوا مَنْ علَّق لهم)).
ورمزّ المزيُّ لُبُسْرِ المازني رضي الله عنه: م، وتَبِعه المصنف، مع أنه ليس له رواية ولا ذكر في
((صحيح مسلم)) إلا أن ابنه عبد الله قال: نَزَل النبيَُّ ﴿ على أبي، لذا نَقَل السبطُ ابن العجمي تعقُّبَ شيخه
العراقي على المزي في ((النكت على ابن الصلاح)).
ولا أُطيل في الأمثلة، فانظر: ٢٠٤، ٨٤٨، ٢١٢٢، ٢١٤٧، ٢٤٣٠.
ومن مظاهر متابعته لشيخه: أن المزي يُترجم الرجلَ ويقول: قيل روى عنه - أوْ: له - النسائي، أو
أبو داود، أو غيرهما، ويصرِّح بأنه لم يقف على ذلك، ولا يرمز له.
فيتابعه الذهبي في ذلك: في الترجمة، وفي تضعيف القول بأن المترجَم مرويٌّ له في الكتاب
المسمَّى، وفي عدم الرمز.
ومن الأمثلة على هذه الظاهرة هذه التراجم: ٢٨٠، ٢٨٤، ٣٠٢، ١١٠٩، عند ٥٢٠٩.
٤" - وإنما قلت: الذهبي متابع للمزي في رموزه غالباً: لأني رأيتُ له بعض تراجمَ خالفه في رموزها،
وكان فيها دقيقاً، وفي بعضها نشأتْ مخالفته عن تحريف، والسبب في بعضها الآخر أن نسخته من ((تهذيب
الكمال)) أَخَذَها في وقت مبكّر عن نسخة شيخِه المزي، فكأنه ما كان يستدركُ إلحاقاتِهِ وتصحيحاتِه المتأخرةَ،
إذْ أن المزيَّ عاش ثلاثين سنة بعد فراغه من ((التهذيب)).
فمثال الحال الأولى: ترجم المزي لسليمان بن قَرْم ١٢: ٥١ ورمز له: خت م دت س، فجعلها
الذهبي: خت م تبعاً دس، فأفاد فائدتين: أفاد أن مسلماً روى له متابعة، وأفاد أن الترمذي لم يرو له.
وكأن نسخة الذهبي من ((سنن الترمذي)) ليس فيها حديثُ سليمانَ هذا، عن أبي يحيى القَتَّات، عن
مجاهد، عن جابر مرفوعاً: ((مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء))، وهو الحديثُ الرابعُ من ((سنن
الترمذي))، وقد قال المزي نفسُه في ((تحفة الأشراف)) ٢: ٧١٦ (٢٥٧٦): ((ليس في السماع، ولم يذكره أبو
القاسم)) أي: ابن عساكر في ((أطرافه)).
والظاهرُ أن تنبُّه الذهبيِّ لهذا جاء متأخراً قليلاً، فإنه في ((تذهيب التهذيب)) ٢: ١٣١/ب تابع المزيّ