Indexed OCR Text

Pages 601-620

وقال محمّدُ بنُ عليّ السُّلَميُّ: قُمتُ ليلةً سَحراً لآخُذَ النَّوْبَة على ابنِ الأخْرَم ،
فوَجدتُ قد سَبقَني ثلاثونَ قارئاً ، وقال : لمْ تُدْرِكْنِي النَّوبَةُ إلى العَصْرِ .
تُوفِّي ابنُ الأخْرَم في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وعاشَ إحدَى وثمانين
سنة(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الصَّابىء : الأديبُ ، البَليغُ، صاحِبُ التَّرسُلِ
البَديع ، أبو إسحاقَ، إبراهيمُ بنُ هِلال، الصَّابِىءُ الحَرَّنيُّ، الْمُشْركِ(٢).
حَرِصُوا عليه أنْ يُسلِمَ فَأَبَىْ، وكانَ يَصُومُ رَمَضانَ ، ويَحفَظُ القُرآنَ ، ويَحْتَاجُ إليه
في الإِنْشَاءُ وله نَظمٌ رَائقٌ .
ولَمَّا تَملَّكَ عَضُد الدَّولَةِ هَمَّ بقَتلِهِ وسَجَنَه ، ثم أطْلقَه في سَنةِ إحْدَى وسَبعينَ وَثَلاثٍ
مئة، فأَلَّفَ له كتابَ: ((التَّاجي في أخْبارِ بَنِي بُوَيه)) .
ماتَ في سَنةِ أَرْبَع وثَمانينَ وثَلاثِ مئة ، وله إحْدَى وسَبعونَ سَنةً ، ويُقالُ : قَتَلَه
لأنَّه أمَرَه بعَمَلِ التَّارِيخِ الثَّاجي، فدَخلَ عليه رجلٌ فسَأْلَه ما تُؤْلِّفُ ؟ فقالَ : أَبَاطِيلَ
أُلَفِّقُها، وأكَاذِيبَ أُنَمِّقُها فَتَحرَّكَ عليه عَضُدُ الدَّولَةَ وطَردَه، وماتَ، فرَثاهُ الشَّرِيفُ
الرَّضِي ، فَلِيمَ في ذلكَ، فقالَ : إنَّما رَثَيْتُ فَضلَه، وهذا عُذرٌ بارِدٌ .
وكانَ مُكثِراً من الآدَابِ .
وكذلكَ ماتَ علىُ كُفرِه ابنُهُ الْمُحسنُ ، وكانَ مُحتَشِماً أديباً ، ثم خَلَفَه ابنُهُ الصَّدرُ
الأوْحَدُ هِلالُ بنُ الْمُحسِنُ ، الصَّابىء ، الذي أسْلَمَ وعاشَ كَثيراً ، وبَقِيَ إلى سَنةِ ثَمانٍ
وأرْبَعِينَ وأَرْبَع مئة(٣) .
أُحضر إلى محمود بغزنَةَ شَخصان من النَّسْناس من بادية بلاصيغون وهي مَملكة
قدرخان ، وعَدْوُ النَّسْناسِ في شِدَّةِ عَدْوِ الفَرَس ، وهو في صُورة آدَميّ ، لكنَّه بدنه
(١) انظر السير: (ابنُ الأخْرَم) ٥٦٤/١٥-٥٦٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٩.
(٢) انظر السير: (الصَّابىءُ) ١٦/ ٥٢٣-٥٢٤، وانظر النزهة: ٤/١٣١٢.
(٣) انظر السير: (الصَّابىءُ) ٥٢٣/١٦-٥٢٤، وانظر النزهة: ١/١٣١٣.
٦٠١

مُلَبَّس بالشَّعْرِ، وكلامُه صَغيرٌ، ويأكُلُ حَشيشاً ، وأهلُ تلكَ البلادِ يَصطادُونَهم ،
ويَأْكُلُونَهم فسَألَ مَحْمود الفُقَهاءَ عن أكل لحْمِهم ، فَنَهَوا عنه (١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ سينا : وقال الرئيسُ : قد صَحَّ عندي بالثَّواتُر ما كان بجَوْزجان
في زَمانِنا من أمر حديد - لعلَّه زِنَةً مئة وخمسين مَنًَّ - نزلَ من الهَواءِ ، فنشَبَ في
الأرض، ثم نَبَا نَّوَة الكُرة ، ثم عادَ ، فَتَشْبَ في الأرض ، وسُمع له صوتٌ عظيمٌ
هائلٌ ، فلمَّا تَفَقَّدوا أمرَه ، ظفروا به ، وحُملَ إلى والي جوزجان فحاولوا كَسْرَ قِطعَة
منه ، فما عملت فيه الآلاتُ إلَّ بجَهدٍ ، فراموا عَمل سَيفٍ منه ، فَتَعذَّر . نقَله في
((الشِّفاء))(٢).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ الخُطَيْئَة: وحَكَى لنا شُجاعٌ أنَّ أبا العَبَّاسِ ابنَ
الخُطَيَِّة وُلِدَت له بِنتٌ، فلمَّا كَبِرَت أَقْرَأْها بالسَّبْعِ، وقَرَأتْ عَليه ((الصَّحيحَين)) وغَيْرَ
ذلك، وكَتَبَت الكَثيرَ وتَعلَّمَت عَليه كثيراً من العِلمِ، ولَمْ يَنظُرْ إليها قَطُ ، فسَألتُ
شُجاعاً : أكانَ ذلكَ عن قَصْدٍ ؟ فقالَ: كانَ في أوَّلِ العُمرِ اتَّفاقاً ، لأنَّه كانَ يَشتَغلُ
بالإِقْراءِ إلى الْمَغْرِبِ ، ثم يَدخُلُ بَيْتَه وهي في مَهْدِها ، وتَمادَى الحَالُ إلى أن كَبِرَت ،
فصارَت عادَةً ، وزَوَّجَها ودَخَلت بَيْتَها والأمْرُ على ذلك، ولَمْ يَنظُرْ إليها قَطُ .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: لا مَدْحَ في مثل هذا، بَلْ السُّنَّةُ بِخِلافِهِ ، فقد كانَ سَيِّدُ
البَشَرِ صلى الله عليه وسلم يَحمِلُ أُمَامَةَ بنتَ ابْنَتِهِ وهو في الصَّلاةِ .
تُوقِّيَ ابنُ الخُطَيْئَة رَحمَه الله سَنَةَ ستّينَ وخَمسٍ مئة، وقَبرُه بالقَرافَة ظاهرٌ يُزَارُ(٣).
وقالَ ابنُ النَّجَّار: وكانَ لابنِ الدَّهَّانِ النَّظمُ والنَّثْرُ ويُنشىءُ الخُطَبَ والرَّسائلَ بلا
كُلفَةٍ ولا رَويّة ، ويَتكلَّمُ بالتُّركيَّة والفارِسيّة والرُّوميَّة والحَبَشِيَّة والهِنْدِيَّة والزِّنْجِيَّة بِكَلام
فَصيح عندَ أهْلِ ذَلكَ اللِّسان وكانَ حَليماً بَطيءَ الغَضَب، مُتَواضِعاً دَيَّناً صالِحاً ، كَثِيرَ
الصَّدَقَةِ ، مُتَفَقِّداً للفُقَراء والطَّلبَة، تَفَقَّه أولاً لأبي حنيفة ، ثم تَحوَّلَ شَافِعِيّاً بعدَ عُلُوٌ
(١) انظر السير: (السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ١/١٣٥٥.
(٢) انظر السير: (ابنُ سينا) ٥٣١/١٧-٥٣٧، وانظر النزهة: ١/١٣٥٩.
(٣) انظر السير: (ابنُ الحُطَيئة) ٢٠/ ٣٤٤ -٣٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٦٠.
٦٠٢

سِنُّه ، ووَلِيَ تَدريسَ النَّحْوِ بالنِّظامِّيَّة إلى أنْ ماتَ، قَرأْتُ عليه كَثِيراً ، وهو أوَّلُ مَنْ فَتَحَ
فَمِي بالعِلمٍ ، لأنّ أُمِّي أسْلمَتني إليه ولِيَ عَشْرُ سِنينَ ، فكُنتُ أقْرِأُ عليه القُرآنَ والفِقْهَ
والنَّحْوَ وأُطالِعُ له لَيْلاً ونَهاراً، وإذا مَشَىْ، كُنتُ آخِذاً بَيَدِه(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ الأَبَار: ومن تَواليفِه ((الأَرْبَعونَ)) عن أُرْبَعينَ
شَيْخاً من أرْبَعينَ تَصْنيفاً لأَرْبَعِينَ عَالِماً من أرْبَعينَ طَرِيقاً إلى أرْبَعِينَ تَابِعِيّاً عن أرْبَعِينَ
صَحَابِيّاً لهم أرْبَعُونَ اسْماً من أَرْبَعِينَ قَبِيلَة في أرْبَعِينَ بَاباً .
وقد رَأيتُ لأبي عبدِ الله الأبَّار جُزءاً سَمَّاه («دُرَرَ السِّمطِ في خَبَرِ السِّبطِ عليه السلام)»
يَعني الحُسَين بإنْشاءِ بَدِيعِ يَدلُّ على تَشَيُّع فيه ظاهِر ، لأنَّه يَصِفُ عَليّاً رضي الله عنه
بالوَصِيِّ ، ويَنالُ من مُعاويَة رضي الله عنه .
وكانَ مَصْرَعُه عامَ ثَمانيَةٍ وخَمسينَ وسِتِّ مئة بتُونُسَ (٢).
(١) انظر السير: (ابنُ الدَّهَّان) ٨٦/٢٢-٨٩، وانظر النزهة: ٣/١٦٦٧.
(٢) انظر السير: (ابنُّ الأبَّار) ٣٣٦/٢٣ -٣٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٩.
٦٠٣

(١٢) مِنْ العُقُوبات
١ - الإِقَامَةُ الجَبْريَّة :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ الوَزيرِ ظَهِيرِ الدِّينِ أبي شُجاع : وَزرَ سَبعَ سِنِينَ وسَبعَةً
أشْهُر، ثم عُزلَ ثم خَرجَ إلى الجُمُعَة، فضَجَّت العَامَّةُ يَدِعُونَ له ، ويُصافِحُونَهَ ، فَأُلزِمَ
لذلك بأنْ لا يَخرُجَ من دَارِهِ ، فَتَّخَذَ في دِهْلِيزِهِ مَسْجِداً، ثم حَجَّ لِعامِهِ ، ورَجَعَ ،
فمُنعَ من دُخُولِ بَغْدَادَ ، وبُعثَ إلىْ رُوذْرارَ ، فَبَقِيَ فيها سَنتَيْنِ ، ثم حَجَّ بعد مَوْتٍ
الخَلِيفَة ، ونَزَلَ الْمَدِينَةَ وتَزَهَّد ، فمَاتَ خادِمٌ، فأعْطَى الخُذَّامَ ذَهَباً حتَّى جُعِلَ مَوْضِعَ
الخَادِمِ ، فكانَ يَكِنِسُ ويُوقِدُ ، وحَفظَ القُرآنَ هناك .
دُفِنَ بالبقيعِ سَنةَ ثَمانٍ وثَمانينَ وأَرْبَع مئة عن إحْدَى وخَمسينَ سَنةً، رَحمَهُ اللهُ
تَعالَى(١).
٢ - حَلْقُ اللِّحْيَة:
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ الخَليفَة العَبَّاسيِّ الْمُتَوَكل عَلى الله ابنِ الْمِعْتَصِم:
بَعثَ إلى نائبه بمِصْرَ، فحَلقَ لِحْيَةَ قَاضي القُضَاة محمَّدِ بنِ أبي اللَّيثِ ، وضَربَه ،
وطَوَّفَ به علىُ حِمَارٍ فِي رَمَضَانَ، وسُجنَ ، وكان ظَلُوماً جَهْمياً ، ثم وَلَيَ القَضاءَ
الحارِثُ بنُ مَسكين ، فكانَ يَضرِبُه كُلَّ حين عِشرينَ سَوْطاً لِيُؤْدِّي ما وَجَبَ عَليه ،
فإِنَّا لله(٢).
(١) انظر السير: (ظَهيرُ الدِّين) ٢٧/١٩ -٣١، وانظر النزهة: ٥/١٤٥٤.
(٢) انظر السير: (الْمُتَوَكلُ على الله) ١٢/ ٣٠-٤١، وانظر النزهة: ٢/٩٧٨.
٦٠٤

(١٣) العَمَلُ والكسْبُ عندَ الشَّلَف
١- حَثُّ السَّلَف على العَمَلِ :
عن عُثْبَةَ الغُلام قالَ: لا يُعْجِبُنِي رَجلٌ أَلاَ يَحْتَرِف(١).
٢ - غَالِبُ عُلَماءِ السَّلَف يُنْفِقُونَ مِنْ كسْبِهِم :
كانَ أبو نُعَيم شريكاً لعبدِ السَّلامِ بنِ حَرْب الْمُلائي ، كانَا في حَانُوتٍ بالكُوفَة يَبِعَانِ
الْمُلَاءَ وغَيرَ ذَلكَ، وكانَ كَذلكَ غَالِبُ عُلِمَاءِ السَّلَف إنَّما يُنفِقُونَ من كَسْبِهِم(٢).
٣- صُوَرٌ على العَمَلِ والكشْب :
قالَ أبو عُمَرِ البَصْرِيُّ: كانَ رَأْسُ مَالٍ عُتَبَة الغُلام فِلْساً يَشْتَري به خُوصاً يَعمَلُ
ويَبيعُهُ بِثَلاثَةِ فُلوس، فيَتَصَدَّقُ بفِلْسٍ، ويَتَعَشَّى بفِلْسٍ، وفِلسٌ رَأْسُ مَالِهِ(٣).
وكانَ حَمْزَةُ بنُ حَبيب يَجلِبُ الزَّيتَ من الكُوفَة إلى حُلوَانَ ، ثم يَجلِبُ منها الجُبنَ
والجَوْزَ ، وكانَ إماماً قَيِّماً لِكِتَابِ الله، قَانِتَاً له، ثَحينَ الوَرَعِ، رَفيِعَ الذِّكْرِ ، عَالِماً
بالحَديثِ والفرائض أصْلُهُ فَارِسيّ (٤) .
وكانَ هِشَامُ الدَّسْتُوائيُّ يَّجِرُ في القماش الذي يُجلَبُ من دَسْتُوا ولذا قيلَ له :
صاحِبُ الدَّسْتُوائيُّ، ودَسْتُوا بُلَيْدَة من أعْمَالِ الأَهْوَازِ(٥) .
وقالَ سَوَّارُ بنُ عبد الله: حدَّثنا أبي: كُنتُ آتي حَمَّادَ بنَ سَلَمَة في سُوقِهِ ، فإذا رَبحَ
انظر السير: ( عُثْبَةُ الغُلام) ٧/ ٦٢ - ٦٣، وانظر النزهة: ٧/٦٧٦.
(١)
(٢)
انظر السير: ( أبو نعيم) ١٠/ ١٤٢ -١٥٧، وانظر النزهة: ٤/٨٥٩.
(٣)
انظر السير: ( عُتْبَةُ الغَلام) ٧/ ٦٢ -٦٣، وانظر النزهة: ٥/٦٧٦.
انظر السير: ( حَمْزَةُ بنُ حَبيب) ٧/ ٩٠ - ٩٢، وانظر النزهة: ٦٧٩ /٤.
(٤)
انظر السير : (هِشامُ الدَّسْتُوائيُّ) ١٤٩/٧ -١٥٦، وانظر النزهة: ٢/٦٨٧.
(٥)
٦٠٥

في ثَوبٍ حَبَّةً أو حَبَّتَيْن ، شَذَّ جَوْنَتَه(١) ولَمْ يَبعْ شَيئاً، فكُنتُ أظُنُ ذَلكَ يَقُوتُه(٢) .
كانَ أبو نُعَيم شَريكاً لعبدِ السَّلامِ بنِ حَرْبِ الْمُلائي ، كانَا في حَانُوتٍ بالكُوفَة يَبِعَانِ
الْمُلَاءَ وغَيرَ ذَلِكَ، وكانَ كَذلكَ غَالِبُ عُلِمَاءِ السَّلَف إنَّما يُنفِقُونَ من كَسْبِهِم(٣).
وقالَ صالِحُ بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : قالَ لي وَالِدِي : كانَت وَالِدَتُك في الظَّلامِ تَغْزِلُ
غَزْلاً دقيقاً ، فَتَبيعُ الأسْتَارَ بِدِرْهَمَين أقَلَّ أو أكْثَر، فَكَانَ ذَلكَ قُوتَنَا، وكُنَّا إذا اشْتَرِيْنا
الشَّيءَ نَسْتُرُهُ عَنه كَيْلا يَراهُ، فيُوَبِّخُنا، وكانَ رُبَّما خُبزَ له، فيَجعَلُ في فَخَّارَة عَدَساً
وشَحْماً وتَمَراتٍ، وكانَ يَأْتَدِمُ بالخَلِّ كَثِيراً (٤) .
وكانَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل رُبَّما أخَذَ القَدُّومَ، وخَرجَ إلى دَارِ السكان ، يَعمَلُ الشَّيءَ بَيَدِهِ
واعْتَلَّ فَتَعالَج(٥) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي إسْحاقَ الشِّيرازيِّ: كانَ الفَقيهُ رَافِعٌ الحَمَّالُ
رَفيقَه في الاشْتِغال ، فيَحمِلُ شَطْرَ نَهَارِه بالأُجرَةِ ، ويُنفِقُ على نَفْسِه وعلى أبي إسْحاقَ
الشِّيرازيِّ، ثم إنَّ رَافِعاً حَجَّ وجَاوَرَ ، وصَارَ فَقيهَ الحَرَم .
وماتَ أبو إسْحاقَ ولَمْ يُخَلِّف دِرْهَماً، ولا عَليه دِرْهَم ، وكَذَا فَلْيَكُنِ الزُّهْدُ ،
وما تَزَوَّجَ فيما أعْلم ، وبحُسنِ نَّه في العِلمِ اشْتَهرَت تَصانيفُه في الدُّنيا كـ«الْمُهذَّب )»
و (( التّنْبيه)) و(«اللُّمَع في أصُولِ الفِقْه))(٦) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ سبطِ الخَيَّاط ، أبي عبدِ الله، الحُسَينِ بنِ عليٍّ بنِ أحمَدَ
البَغْدادِيُّ ، قالَ السَّمْعانِيُّ: صَالِحٌ ، حَسَنُ الإِقْراء ، دَيِّنٌ ، يَأْكُلُ من كَدِّ يَدِهِ .
وقالَ أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزي : قَرأْتُ عليه القُرآنَ .
(١) الجَوْنَةَ: سُلَيلَة مُستَدِيرَة مُغشَّاةٌ بالجلدِ ، يَحفَظُ العَطَّارُ فيها الطِّيبَ .
انظر السير: (حَمَّادُ بنُ سَلمَة) ٧/ ٤٤٤ - ٤٥٦، وانظر النزهة : ٥/٧١٥ .
(٢)
انظر السير: ( أبو نُعَيم) ١٠ / ١٤٢ - ١٥٧، وانظر النزهة: ٤/٨٥٩.
(٣)
انظر السير: ( أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١-٣٥٨، وانظر النزهة : ١/٩٢٧.
(٤)
انظر السير: ( أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٢٧.
(٥).
(٦) انظر السير: (أبو إسْحاقَ الشيرازيُّ) ٤٥٢/١٨ -٤٦٤، وانظر النزهة: ٢/١٤٣١.
٦٠٦

ماتَ سَنَةَ سَبعٍ وثَلاثينَ وخَمسٍٍ مئة (١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ الحُطَيَّة: وقد دَخلَ الشَّامَ وزَارَ ، وسَكنَ
مِصْرَ، وتَزوَّجَ، وكانَ يَعيشُ من الوَرَّاقَةُ، وعلَّمَ زَوجَتَه وبِنْتَه الكِتابَة، فَكَتَبَا مثلَه ،
فكانَ يَأْخُذُ الكِتابَ ويُقَسِّمُهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما ، فَيَنسَخُ كُلٌّ منهُما طائفَةً من الكِتابِ فلا يُفَرَّقُ
بين الخُطُوطِ إلَّ في شَيء نادر ، وكانَ مُقيماً بجَامِعِ رَاشِدَة خارجَ الفُسْطاط ، ولأهْلِ
مِصْرَ حتَّى أمَرائها العُبَيديَّة فيه اعتْقِادٌ كَبير، كانَ لا يَقبَلُ من أحَد شَيئاً ، مع العِلمِ
والعَمَلِ والخَوفِ والإخلاص .
وأحْكمَ العَربيَّةَ والفِقهَ، وخَطُهُ مَرغُوبٌ فيه لإتْقَانِهِ وبَرَكَتِهِ (٢) .
(١) انظر السير: (سبطُ الخَيَّاط) ١٢٩/٢٠ - ١٣٠، وانظر النزهة: ٢/١٥٣٦.
(٢) انظر السير: (ابنُ الحُطَيِّئة) ٣٤٤/٢٠ -٣٤٨، وانظر النزهة: ٢/١٥٥٩.
٦٠٧

(١٤) العَيْن
العَيْنُ حَقٌّ :
عن أبي أُمامَةَ بنِ سَهْل ، قالَ: رَأْىُ عَامِرُ بنُ رَبِيعَة سَهْلَ بنَ حَنيف ، فقالَ: والله
ما رَأيتُ كاليَومَ ولا جِلدَ مُختَّةٍ (١)! فلُبِطَ (٢) بسَهْل، فَأَتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم، فقيلَ : يا رَسُولَ الله، هلْ لكَ فِي سَهْل؟ والله ما يَرفَعُ رَأْسَه! قالَ صلى الله
عليه وسلم: ((هَلْ تَّهِمُونَ بِهِ أَحَداً؟ )) قالوا: نَّهِمُ عامِرَ بنَ رَبِيعَة فَدَعَاه فَتَغْيَّظَ عليه ،
وقالَ صلى الله عليه وسلم: ((عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكمْ أَخَاهُ! أَلا بَرَّكتَ! اغْتَسِلْ لَه )).
فَغَسلَ وَجهَه، ويَدَيْه ، ومِرْفَقَيِه، ورُكْبَتَيه، وأُطْرافَ رِجْلَيْه، ودَاخِلَةَ إِزَارِهِ(٣) ،
فِي قَدَحِ ، ثم صُبَّ عليه فرَاحَ سَهلٌ مع النَّاسِ ما به بأسٌ(٤) .
(١) الْمُخَبَّة: الجارية التي في خِدرها لم تَتزوج بعد، لأنَّ صيانتها أبلَغ مِمَّن قد تَزوَّجت.
(٢) لُبطَ: صُرِعِ .
(٣) دَاخِلَة الإزار: طَرفُه الداخل الذي يلي الجسد، ويلي الجانب الأيمن من الرجل إذا انتزر، لأن
المؤتزر إنما يبدأ بجانبه الأيمَن ، فذلك الطرف يُباشر جسده ، وهو الذي يغسل ، وقيل : هو الورك ،
وقيل : أراد به مذاكيره ، فكني بالداخلة ، كما كني عن الفرج بالسراويل .
(٤) انظر السير: (سَهْلُ بنُ حَنيف) ٣٢٥/٢-٣٢٩، وانظر النزهة: ٢/٢٦٨.
٦٠٨

(١٥) الفُرْصَة
الفُرْصَةُ إِنْ لَمْ تُنْتَهَزْ فَهِي غُصَّةٌ :
عن خالدٍ بنِ مَعْدانَ ، قالَ : إذا فَتَحَ أحَدُكم بابَ خَيرٍ فَلِيُسرِعْ إليه ، فإنَّه لا يدري
مَتَّى يُغلَقُ عنه(١) .
وقالَ عَفَّانُ بنُ مُسلم : حدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ سَلمَة قالَ : قَدمتُ مَكةَ وعَطاءُ بنُ أبي رباح
حَيٌّ - في شَهرِ رَمَضَانَ ، فقُلتُ : إذا أفْطَرتُ دَخلتُ عَليه ، فمَاتَ فِي رَمَضَانَ .
ماتَ حَمَّادُ بنُ سَلمَة سَنةَ سَبعٍ وسِتِينَ ومئة (٢) .
(١) انظر السير: (خالدُ بنُ مَعْدان) ٥٣٦/٤-٥٤١، وانظر النزهة: ٣/٥٥٢.
(٢) انظر السير: (حَمَّادُ بنُ سَلمَة) ٤٤٤/٧-٤٥٦، وانظر النزهة: ٢/٧١٦.
٦٠٩

(١٦) فُكَاهَاتٌ ونَوَادِر
قالَ عبدُ العَزِيزِ ابنُ أخِي الْمَاحِشُونَ: بلَغَنا أنَّه كانت لعَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَة جاريَةٌ
يَسْتَسِرُّها عن أهْلِه، فبَصُرَت به امْرأتُه يَوماً قد خَلا بها، فقالَت: لقد اخْتَرتَ أمَتَك
على حُرَّتِك؟ فجاحَدَها ذلكَ ، قالَت : فإنْ كُنتَ صَادِقاً ، فاقْرأ آيَةً من القُرآنِ قال :
وأن النارَ مثوى الكافرينا
شهدتُ بأن وعدَ اللهِ حقٌّ
قالَت : فِزِدْني آيةً ، فقالَ :
وفوقَ العرشِ ربِّ العالمينا
وأن العرشَ فوقَ الماءِ طافٍ
ملائكة الإله مقرَّبينا
وتحمله ملائكة كرام
فقالَت : أمَنتُ بالله ، وكذَّبتُ البَصَرَ ، فأَتَىْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
فحدَّثه، فضَحِكَ صلى الله عليه وسلم ولَمْ يُغَيِّر عليه(١) .
وعن إبراهيمَ ، قالَتْ أمُّ الْمُؤمنين سَوْدَةُ: يا رَسُولَ الله، صَلَّيْتُ خَلفَكَ البَارِحَة ،
فَرَكَعتَ بي ، حتَّى أَمْسَكتُ بأنفِي مَخافَةَ أنْ يَقطُرَ الدَّمُ فضَحِكَ صلى الله عليه وسلم
وكانَتِ رَضيَ اللهُ عَنها تُضحِكُه الأحْيانَ بالشَّيءٍ(٢) .
وقالَ عَليٍّ رضي الله عنه: كَذَبَتكم (٣) من النِّسَاءِ الحَارِقَةِ(٤) ، فما ثَبْتَتْ منهُنَّ امْرأةٌ
إلاَّ أسْماءُ بنتُ عُمَيْس (٥) .
(١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ رَوَاحَة) ١/ ٢٣٠ -٢٤٠، وانظر النزهة: ١/١٥٤.
(٢) انظر السير: (سَوْدَةُ أُمُّ الْمُؤمنين) ٢٦٥/٢-٢٦٩، وانظر النزهة: ٥/٢٥٦.
(٣) كذب ها هنا إغراءٌ، أي: عَليكُم بالحارِقَة ، وهي كلمة نادرة جاءت على غير القياس.
(٤) الحارقَة: المرأة التي تَغْلبُها شَهوَتُها، وَقيلَ: الضيِّقَة الفَرْج، وقيل: النِّكَاحُ على الجَنبِ من حارِقَة
الوِرْكَ: وهي عصبة فيها، والمعنى: عَليكم من مُباشَرة النساء بهَذا النَّوع، انظر ((الفائق))،
و((النهاية))، و(( اللسان)) ( حرق ).
(٥) انظر السير: (أسْماءُ بنتُ عُمَيْس) ٢/ ٢٨٢ -٢٨٧، وانظر النزهة: ٤/٢٦٠.
٦١٠

ويُروَى أنَّ شاعِراً جاءَ الى عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَر فأنْشدَه:
كساني من الخزِّ دراعة
رأيتُ أبا جعفرٍ في المنامْ
فقال ستؤتى بها الساعةٌ
شكوتُ إلى صاحبي أمرَها
ومن كفُّه الدهرَ نفاعةٌ
سيكسوكها الماجدُ الجعفرُ
فقال له السمعُ والطاعة
فمن قال للجود لا تعْدُّني
فقالَ عبدُ الله الغُلامِه : أعْطِه جُبَّتَي الخَزَّ ثم قالَ له وَيْحَكَ كَيفَ لَمْ تَرَ جُبَّتِي الوَشْيَ؟
اشْتَرِيتُها بِثَلاثِ مثَّة دِينَار مَنْسُوجَةً بالذَّهَبِ فقالَ أنامُ فَلَعلِّي أَرَاهَا فضَحِكَ عبدُ الله وقالَ
ادْفَعُوها لَهُ (١) .
وقالَ الأعْمَشُ ، عن إبراهيمَ ، قالَ : كانَ زَيْدُ بنُ صُوحانَ يُحدّثُ ، فقالَ أغْرابيّ :
إِنَّ حَديثَكَ يُعجِبُني ، وإنَّ يَدَكَ لَتُرِيبُني قالَ: أومَا تَراها الشِّمالَ؟ قالَ : والله مَا أدْري
اليَمِينَ يَقْطَعونَ أم الشِّمَال؟ فقالَ زَيدٌ: صَدَقَ اللهُ ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقَا وَأَجْدَرُ
أَلَّا يَعْلَمُوْ حُدُ ودَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِةٍ. وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾(٢) فَذَكرَ الأعْمَشُ أنَّ يَدَه قُطِعَت يَومَ
نَهَاوَنْد(٣).
وعن إبراهيمَ ، قالَ : أقرَّ رجلٌ عند شُرَيح، ثم ذَهب يُنْكِر ، فقال: قد شَهدَ عَليكَ
ابنُ أخْتِ خالَتِك (٤) .
عن ابن سيرينَ ، قال : تَزوَّجَ عِمْرانُ خَارِجِيَّةً وقالَ : سأرُدُّها ، قالَ فصَرَفَتْه إلى
مَذْهَبها(٥) .
فِذَكَرَ المَدائِيُّ أنَّها كانت ذاتَ جَمالٍ ، وكان دَميماً فأعْجَبَتْه يَوماً فَقالَت : أنا وأَنْتَ
(١) انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣-٤٦٢، وانظر النزهة: ٥/٤٠٨ .
(٢) سورة التوبة ، الآية : ٩٧ .
انظر السير: (زَيدُ بنُ صُوحان) ٥٢٥/٣-٥٢٨، وانظر النزهة : ٢/٤١٩.
(٣)
(٤) انظر السير: (شُرَيح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة: ١/٤٥٧.
(٥) انظر السير: (عِمْران بن حِطان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨١.
٦١١

في الجَنَّةِ ، لأنَّكَ أُعْطِيتَ فِشَكَرْتَ، وابْتُلِيتُ فِصَبَرْتُ(١) .
وقالَ عَمرُو بنُ دينار ، قالَ أبو سَلمَة : أنا أفْقَهُ مَنْ بالَ ، فقالَ ابن عَبَّاس : في
الْمُبارَكِ(٢).
وعن أبي الأسْوَد، قالَ: كانَ أبو سَلمَة بنُ عبد الرحمَن مع قَومِ ، فرَأوا قَطيعاً من
غَنَمِ ، فقالَ أبو سَلمَة : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ فِي سَابِقٍ عِلمِكَ أنْ أُكُونَ خَلِيفَةَ فاسْقِنا من لَبَّنِها ،
فانْتُهى إليها فإذا هي تُيُّوسُّ كُلُّها(٣) .
ورَوَى مُجالدٌ وغَيْرُه، أنَّ رَجُلاً مُغفَّلاً لَقِيَ الشَّعْبيَّ ومَعه امْرأةٌ تَمشي ، فقالَ:
أيّكُمَا الشَّعْبِيُّ؟ قالَ : هذه(٤) .
وعن عامِرِ بنِ يَسَاف ، قالَ لي الشَّعْبِيُّ : امْضٍ بنا نَفِرُّ من أصْحابِ الحَديث ،
فخَرَجْنا، قالَ: فمَرَّ بنا شَيخٌ ، فقالَ له الشَّعْبِيُّ : ما صنْعَتُك؟ قالَ : رَفَّاء قالَ : عندَنا
دِنّ مَكسُورٌ تَرْفُوهُ لنا؟ قالَ : إِنْ هيَّأْتَ لي سُلوكاً من رَمْل، رَفَوْتُه فضَحِكَ الشَّعْبيُّ حتَّى
اسْتَلِقَى(٥) .
وعن الأعْمَش : قالَ : أَتَى رَجلُ الشَّعْبِيَّ، فقالَ : ما اسْمُ امْرأةِ إبليس ؟ فقالَ ذلك
عُرسٌ ما شَهدتُه(٦) .
وكانَ يُقالُ أشْأُمُ مِن ◌ُوَيْس ، قيلَ: لأنَّه وُلدَ يَومَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ،
وفُطِمَ يَومَ مَوْتٍ أبي بكر، وبَلَغَ يَومَ مَقْتَل عُمَرَ ، وتَزوَّجَ يَومَ مَقْتَل عُثْمانَ، ووُلِدَ له يَومَ
مَقْتَل عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهم .
ماتَ سَنةَ اثْنَتَينٍ وَتِسْعِينَ(٧).
انظر السير: ( عِمْران بن حِطَّان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٤/٤٨١.
(١)
انظر السير: ( أبو سَلَمَة بنُ عبد الرحمن) ٢٨٧/٤ -٢٩٢، وانظر النزهة : ٤/٤٩٩ .
(٢)
انظر السير: ( أبو سَلَمَة بنُ عبد الرحمن) ٢٨٧/٤ -٢٩٢، وانظر النزهة: ١/٥٠٠.
(٣)
انظر السير: ( الشّعْبيُّ) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٣/٥٠٤.
(٤)
انظر السير: (الشَّعْبيُّ) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة : ٤/٥٠٤.
(٥)
(٦)
انظر السير: ( الشّعْبيُّ) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ٧/٥٠٤.
(٧) انظر السير: (طُوَيْس) ٣٦٤/٤، وانظر النزهة : ٢/٥١١.
٦١٢

قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ قُتَيبَةَ بنِ مُسْلِمٍ : وباهِلَةُ قَبِيلَةٌ مُنْحطَّةٌ بينَ العَرب ، قالَ
الشَّاعرُ :
عوى الكلبُ من لُؤمِ هذا النسب(١)
ولو قيل للكلب يا بـاهلي
وقالَ آخَرُ :
وما ينفعُ الأصلُ من هاشمٍ
إذا كانت النفسُ من باهلةٌ
وقيلَ: إِنَّ قُتَيِبَةَ بنَ مُسلِم قالَ لِهُبَيْرَةَ : أَيُّ رَجُلٍ أنتَ لَوْلا أَنَّ أَخْوالَك من سَلُول ،
فَلَوْ بادَلتَ بهم ، قالَ : أيُّها الأميرُ، بادِلْ بهم مَنْ شِئتَ، وجَنِّبْنِي باهِلَة وقيلَ
لأَعْرابيّ : أَيَسُرُكَ أنَّك باهِليّ وتَدخُلُ الجَنَّة؟ قالَ : إي والله، بشرطِ أنْ لا يَعلمَ أهلُ
الجَنَّةِ أَنِّي باهِليٌّ (٢).
ولَقِيَ أعْرابِيٌّ آخَرَ فقالَ: مِمَّنْ أنتَ؟ قالَ: من بَاهِلَة، فَرَثَى له فقالَ : أزيدُك :
إِنِّي لَستُ من أنْفَسِهم، بلْ من مَواليهِم ، فأخَذَ الأعْرابِيُّ يُقبِّلُ يَدَيه ويَقُولُ :
ما ابْتَلاكَ اللهُ بهذه الرَّزيَّة إلاَّ وأنتَ من أهْلِ الجَنَّةُ(٣).
وعن مُجاهِدٍ ، قالَ : كُنتُ في جِنازَة رَجُلٍ ، فسَمعتُ رَجُلاً يَقُولُ لامْرأةِ الْمَيِّتِ :
لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك قالَت : قَد سُبقتَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ: ولِمُجاهِد أقْوالٌ وغَرائبُ في العِلمِ والتَّفسيرِ تُسْتَنكَر .
ماتَ مُجاهِدٌ ساجِداً سَنةَ اثنَتَين ومئة(٤) .
وعن أشْعَبَ، قَالَ : دَخَلتُ على سَالِمِ بنِ عبدِ الله فقالَ: حُملَ إلَيْنَا هَريسَةٌ وأنا
صَائِمٌ، فاقْعُد كُلْ، قالَ: فأمْعَنتُ ، فقالَ: ارْفُقْ فما بقيَ يُحمَلُ مَعك ، قالَ :
فَرَجَعتُ، فَقَالَت الْمَرأةُ: يا مَشْؤومُ بَعثَ عبدُ الله بنُ عَمرو بنِ عُثْمانَ يَطلبُك ،
انظر السير: ( قُتَيبَةُ بنُ مُسْلِم) ٤١٠/٤-٤١١، وانظر النزهة: ٢/٥٢٤
(١)
انظر السير: ( قَتَيْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ) ٤١٠/٤-٤١١، وانظر النزهة: ٣/٥٢٤ .
(٢)
انظر السير: ( قُتَيبَةُ بنُ مُسْلِم) ٤/ ٤١٠ -٤١١، وانظر النزهة : ٤/٥٢٤.
(٣)
(٤) انظر السير: ( مُجاهِدُ بنُ جَيْر) ٤٤٩/٤ -٤٥٧، وانظر النزهة: ٧/٥٣٠.
٦١٣

وقُلتُ : إِنَّكَ مَريضٌ قالَ : أحْسَنتِ ، فَدَخَلَ حَمَّاماً وتَمَّجَ بَدُهْنِ وصُفْرَة ، قالَ :
وعَصبتُ رَأْسي ، وأخَذتُ قَصَبةً أتَوكأُ عَليها وأتَيتُه ، فقالَ : أَشْعَبُ ؟ قُلْتُ : نَعَم
جُعلتُ فِداكَ ما قُمتُ مُنذُ شَهْرَين، قالَ : وعندَه سَالِمٌ ولَمْ أَشْعُر، فقالَ : وَيْحَك
يا أشْعَبُ، وغَضبَ وخَرجَ فقال: عبدُ الله، ما غَضبَ خَالي سَالِمٌ إلاَّ من شَيءٍ
فاعْتَرفْتُ له ، فضَحِكَ هو وجُلسَاؤُه، ووَهَبَ لي، فخَرجْتُ فإذا أشْعَبُ قد لَقِيَ سَالِماً
فقالَ: وَيْحَكِ ، أَلَمْ تَأْكُلْ عِندِي الهَرِيسَةَ؟ قُلتُ: بَلَىْ، فقالَ: والله لقد
شَكَّكْتَني(١) .
وحَكَى الأصْمَعِيُّ، أنَّ أشْعَبَ مَرَّ في طَرِيقٍ ، فَعَبَثَ به الصِّبْيانُ فقالَ : وَيْحَكُم ،
سَالِمٌ يَقْسِمُ جَوْزاً أو تَمْراً ، فمَرُوا يَعِدُونَ فعَدَا أَشْعَبُ مَعَهم ، وقالَ : ما يُدرِينِي لَعلَّه
٠٠(٢)
حق
.
وقالَ حَمَّادٌ ، عن أيُّوبَ : سَمعتُ رَجُلاً قالَ لِعِكْرِمَة : فُلانٌ قَذَفَني في النَّومِ ،
قالَ : اضْرِبْ ظِلَّه ثَمانين(٣) .
وقالَ عليُّ بِنُ الْمَديني : كانَ عِكْرِمَةُ يَرَى رَأْيَ نَجِدَةَ الحَروريِّ .
قالَ ابنُ عُليّة : ذَكرَ أيُوبُ عِكْرِمَةَ فقالَ : كَانَ قَليلَ العَقلِ ، أَتَيْنا ، يَوماً فقالَ : واللهِ
لِأُحَدِّثنَّكم ، فمَكثَ ، فجَعلَ يُحدِّثنا، ثم قالَ: أَيُحْسِنُ حَسَنُكُم مثلَ هذا؟ وبَينا أنا
عِندَه إذ رَأى أعْرابيّاً فقالَ: هَاه(٤)، ألَمْ أَرَكَ بأرْضِ الجَزيرَة أو غَيرِها، فأقْبلَ عَليه
وتَركَنا(٥) .
وعن ابنِ إذْريسَ ، قالَ ليَ الأعْمَشُ : أَمَا تَعجَبُ من عبدِ الْمَلِكِ بنِ أَبْجَر قالَ :
جاءَني رَجُلٌ فقالَ : إِنِّي لَمْ أمْرَضْ وأنا أشْتَهِي أنْ أمْرَضَ ، قالَ: فقُلتُ: احْمَد اللهَ
انظر السير: ( سالِمُ بنُ عبد الله) ٤/ ٤٥٧-٤٦٧، وانظر النزهة : ٢/٥٣٢.
(١)
(٢) انظر السير: (سالِمُ بنُ عبد الله) ٤/ ٤٥٧-٤٦٧، وانظر النزهة: ٣/٥٣٢.
(٣)
انظر السير: ( عِكرمَة) ١٢/٥ -٣٦، وانظر النزهة: ٧/٥٧٦.
كلمَةٌ تُقالُ للتَّذكُّر ،َ وتُقَالُ أيضاً عند الثَّوجُّع والتَّلهُّف .
(٤)
(٥) انظر السير: (عِكرمَة) ١٢/٥-٣٦، وانظر النزهة: ٨/٥٧٦.
٦١٤

على العافية ، قالَ : أنا أشْتَهي أنْ أمْرَضَ قالَ كل سَمَكاً مَالِحاً ، واشْرَبْ نَبِيذاً مَريساً ،
واقْعُدْ في الشَّمسِ ، واسْتَمِرِضْ اللّهَ فجَعلَ الأعْمَشُ يَضحَكُ ويَقُولُ : كأنَّما قالَ له :
واسْتَشْفِ اللهَ عَزَّ وجَلَّ (١).
وقالَ وَكيعٌ : جَاؤوا إلى الأعْمَشِ يَوماً، فخَرجَ ، وقالَ لَوْلا أَنَّ فِي مَنِزِلِي مَنْ هُوَ
أَبْغَضُ إليَّ مِنكُم ما خَرَجتُ إلَيكُم .
قيلَ: إِنَّ أبا دَاوُد الحائكَ سَألَ الأعْمَشَ: ما تَقُولُ يا أبا مُحمَّد في الصَّلاةِ خَلفَ
الحَائكِ؟ فقالَ: لا بأسَ بها على غَيرِ وُضوءٍ قالَ: وما تَقُولُ في شَهادَتِهِ ؟ قالَ: يُقبَلُ
مع عَدَلَيْنِ (٢) .
وقالَ عِيسَىُ بنُ يُونُسَ: أتَى الأَعْمَشَ أضْيافٌ، فأخْرجَ إليهم رَغيفَينِ
فأكَلُوهُما .
فدَخَلَ فأخْرِجَ لهم نِصفَ حَبلٍ قَتِّ ، فَوَضَعَه على الخِوَانِ ، وقالَ : أكَلتُم قُوتَ
عيالي فهَذا قُوتُ شَاتِي فَكُلُوه(٣).
وقالَ عبدُ الله بنُ إدريسَ ، قُلتُ للأعْمَشِ: يا أبا مُحمَّد، ما يَمنَعُك من أخْذِ
شَعْرِك ؟ قالَ : كَثْرَةُ فُضُولِ الحَجَّامِينَ قُلتُ: فأنا أجيئُكَ بحَجَّام لا يُكلِّمُكَ حتَّى تَفَرَغَ
فأتَيْتُ جُنَيْداً الحَجَّامَ ، وكانَ مُحدِّثاً، فَأَوْصَيتُه فقالَ: نَعَم فَلمَّا أَخَذَ نِصْفَ شَعرِهِ
قالَ : يا أبا مُحمَّد، كَيفَ حَديثُ حَبيبٍ بنِ أبي ثابت في الْمُسْتَحاضَةِ ؟ فصَاحَ
صَيْحَةً ، وقَامَ يَعدُو ، وبَقِيَ نِصفُ شَعرِه بَعدَ شَهٍ غَيرِ مَجْزُوز (٤) .
وقالَ عيسَىُ بنُ يُونُس: خَرجَ الأعْمَشُ فإذا بجُندي ، فسَخَّرَه لِيَخُوضَ به نَهْراً فلمَّا
رَكبَ الأعْمَشُ قالَ: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾(٥) فلمَّا تَوَسَّطَ به الأعْمَشُ قال :
(١) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦ -٢٤٨، وانظر النزهة: ٣/٦٤٤.
(٢)
انظر السير: ( الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٥/٦٤٤ .
(٣) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٢/٦٤٥.
انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة : ٦٤٥ /٤.
(٤)
(٥) سورة الزخرف ، الآية : ١٣ .
٦١٥

وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِى مُنًَّا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (١) ثم رَمَى به (٢).
وعن حُسَينٍ بنٍ وَاقِدٍ قالَ: قَرأْتُ على الأعْمَشِ ، فَقُلتُ له : كَيفَ رَأيتَ قِراءَتي ؟
قالَ : ما قَرأَ عَليَّ عِلْجٌ أَقْرأْ مِنكَ(٣).
وجاءَ رَجلٌ نَبِيلٌ كَبِيرُ اللِّحْيَة إلى الأعْمَشِ، فسَألَه عن مَسأَلَةٍ خَفِيفَةٍ فِي الصَّلاةِ
فالْتَّفتَ إلينا الأعْمَشُ فقالَ: انْظُرُوا إليه! لِحِيتُه تَحتَمِلُ حِفظَ أرْبَعَةِ آلافٍ حَديثٍ ،
ومَسألَتُه مَسأَلَةُ صِبْيانِ الكُتَاب (٤) .
وعن أبي بكر بنِ عَيَّاش قالَ : رَأيتُ الأعْمَشَ يَلْبَسُ قَميصاً مَقْلُوباً ويَقُولُ : النَّاسُ
مَجانينَ يَجْعَلونَ الخَشِنَ مُقابِلَ جُلودِهم(٥) .
وقيلَ: إنَّ الأعْمَشَ كانَ لَهُ وَلِدٌ مُغفَّلٌ فقالَ له : اذْهَبْ فاشْتَرِ لنا حَبْلاً للغَسيل
فقالَ : يا أبَتِ طُولُ كَمْ؟ قالَ : عَشرَة أذْرُع قالَ : في عَرضٍ كَمْ ؟ قالَ : فِي عَرضٍ
مُصيبَتي فيكَ(٦) .
ويُقالُ: إنَّه لَيسَ مرَّةً فَرواَ مَقلُوباً ، فقالَ له قائلٌ: يا أبا مُحمَّد لَوْ لَبستَها وصُوفُها
إلى داخِل كانَ أدْفَأً لك قالَ: كُنْتَ أشَرتَ علىَ الكَبشِ بهذه الْمَشُورَةِ(٧) .
وقالَ الأصْمَعِيُّ: عَبثَ بأشْعَبَ صِبْيانٌ فقالَ: وَيْحَكُم ، اذْهَبُوا، سَالِمٌ يُفَرِّقُ تَمْراً
فَعَدُوا فِعَدَا مَعَهم وقالَ : لَعلَّهِ حَقٌّ(٨) .
وقالَ الزُّبَيرُ : قيلَ لأَشْعَب : نُزَوِّجُك؟ قالَ : ابْغُوني امْرأةً أَتَجَشَىْ فِي وَجْهِهَا
(١) سورة المؤمنون ، الآية : ٢٩.
(٢) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٥/٦٤٥.
(٣) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٦/٦٤٥.
(٤) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ١/٦٤٦.
انظر السير: ( الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٣/٦٤٦.
(٥)
(٦) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٤/٦٤٦.
(٧) انظر السير: (الأعْمَش) ٢٢٦/٦ -٢٤٨، وانظر النزهة: ٥/٦٤٦.
(٨) انظر السير: (أشعَبُ الطَّمَع) ٦٦/٧-٦٨، وانظر النزهة: ١/٦٧٧.
٦١٦

تَشْبَع، وتَأَكُلُ فَخِذَ جَرادَة تَنْتَخِم (١) .
ويُقالُ : دَعاهُ رَجلٌ فقالَ : أنا خَبِيرٌ بِكَثْرَة جُمُوعِك قالَ : لا أدْعُو أحَداً ، فجاء ،
إِذْ طَلِعَ صَبِيٍّ، فقالَ أشْعَبُ : أينَ الشَّرطُ ؟ قالَ : يا أبا العَلاء !! هو ابْني وفيه عَشرُ
خِصَالٍ: أَحَدُها: أنَّه لَمْ يَأْكُلْ مع ضَيفٍ ، قالَ: كَفَى، التِّسْعُ لَك أدْخِلْهِ(٢) .
وقالَ أبو عاصِم : أوْقَفَني ابنُ جُرَيج على أشْعَب فقالَ: ما بَلِغَ من طَمَعِك ؟ قالَ :
ما زُقَّتِ امْرأةٌ إلاَّ كَنَستُ بَيْتِي رَجاءَ أنْ تُهْدَى إليَّ(٣).
وعن أبي عاصِم أنَّ أَشْعَبَ مَرَّ بمَنْ يَعمَلُ طَبقاً فقالَ: وَسِّعْه لَعلَّهم يُهْدونَ لَنَا فيه
ومَرَرْتُ يَوماً فإذا هوِ وَرائي ، قُلتُ : ما بِكَ ؟ قالَ : رَأيتُ قَلَنْسُوتَك مائلَةً فقُلتُ :
لَعَلَّها تَقَعُ فَآَخُذَها قالَ: فَأعْطَيْتُهُ إِيَّاها (٤) .
قالَ أبو عبدِ الرحمَنِ الْمُقرىء : قالَ أشْعَبُ : ما خَرَجتُ في جِنازَةٍ ، فَرَأيتُ اثنَيْنِ
يَتَّسارَّانِ ، إلاَّ ظَنَنتُ أنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِي بِشَيءٍ(٥) .
وقالَ سليمانُ بنُ أبي شَيخ : حَكَىْ لي عبدُ الله بنُ صالِح بنِ مُسلِمٍ ، قالَ : كانَ
شَريكٌ علىْ قَضاءِ الكُوفَة ، فخَرجَ يَتلقَّى الخَيزُرانَ، فَبَلِغَ شاهي(٦) ، وأبْطَأْت
الخَيْزُران، فأقامَ يَنتَظرُها ثلاثاً، ويَبِسَ خُبزُه، فجَعلَ يَبْلُّهُ بِالْمَاءِ ويَأْكُله ، فقالَ
العَلاءُ بنُ الْمِنْهَالِ الغَنَويُّ(٧):
بأَنْ قَدْ أَكْرَهُوكَ على القَضاءِ
فإنْ كانَ الَّذِي قُلتَ حقّاً
تلَقَّى مَنْ يَحُجُّ مِن النِّساءِ
فما لكَ موْضِعاً في كُلِّ يَومٍ
بِلا زادٍ سوَىْ كِسَرٍ وَمَاءٍ
مُقيماً في قُرَى شَاهِي ثَلاثاً
(١) انظر السير: (أشْعَبُ الطَّمَع) ٦٦/٧-٦٨، وانظر النزهة: ٢/٦٧٧.
13
(٢)
انظر السير: ( أشعَبُ الطَمَع) ٦٦/٧ -٦٨، وانظر النزهة: ٣/٦٧٧.
انظر السير: ( أشعَبُ الطَّمَع) ٦٦/٧ - ٦٨، وانظر النزهة : ٦٧٧ /٤.
(٣)
انظر السير: (أشْعَبُ الطَّمَع) ٦٦/٧ -٦٨، وانظر النزهة: ٥/٦٧٧ .
(٤)
انظر السير: ( أَشْعَبُ الطَّمَع) ٦٦/٧ -٦٨، وانظر النزهة: ٦/٦٧٧.
(٥)
(٦) مَوضع قُرب القادسية .
(٧) انظر السير: (شريك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة: ٦/٧٤٣
٦١٧

وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي عَوَانَةَ : قالَ الحافِظُ ابنُ عَدي : كانَ مَوْلاهُ يَزِيدُ
قد خَيَّرَه بينَ الحُريَّة ، وكتَابَةِ الحَديثِ ، فاختار كتَابَةَ الحَديثِ وفَوَّضَ إليه مَوْلاهُ
التِّجارَة، فجاءَه سَائلٌ، فقالَ: أَعْطِنِي دِرْهَمَينِ ، فإنِّي أَنْفَعُك، فأعْطَاهُ ، فدارَ
السَّائِلُ على رُؤْسَاءِ البَصْرَة، وقالَ : بَكِّروا على يَزِيدِ بنِ عَطَاء ، فإنَّه قد أعْتَقَ أبا عَوَانَةً
قالَ: فَاجْتَمَعُوا إلى يَزِيدَ، وهَنَّؤوهُ، فأنِفَ من أنْ يُنكِرَ ذلك، فأعْتَقَه حَقيقَةٌ (١) .
وعن يَحْيَى بنِ مَعين: كان غُنْدَر يجلس على رأس المنارة يُفرِّقُ زكاتَه ، فقيل له :
لِمَ تَفعلُ هذا؟ قالَ: أُرَغِّبُ النَّاسَ في إخْراج الزَّكاة(٢).
واشْتَرَى غُنْدَرُ سَمَكاً ، وقالَ الأهلِه : أصْلِحُوه، ونامَ، فَأَكَلَ عيالُهُ السَّمكَ ،
ولَطَّخُوا يَدَه فلمَّا انْتُبَه، قالَ: هاتُوا السَّمكَ، قالوا: قد أكَلتَ، فقالَ: لا قالُوا:
فشُمَّ يَدَك ففَعَلَ، ثم قالَ : صَدَقْتُم ولكنْ ما شَبعتُ(٣) .
ونقلَ ابنُ مَرْوانَ في الْمُجالَسَة قالَ : حدَّثنا جَعْفَرُ بنُ أبي عُثْمانَ ، سَمعتُ يَحْيَى بنَ
مَعين يَقُولُ: دَخَلنا عَلىْ غُنْدَرِ، فقالَ: لا أُحدِّئكم بشَيءٍ حتَّى تَجيئوا مَعي إلى السُّوقِ
وتَمْشُونَ ، فيَرَاكُمُ النَّاسُ، فَيُكْرِمُوني ، قالَ: فَمَشَيْنا خَلفَه إلى السُّوقِ .
فجَعلَ النَّاسُ يَقُولُونَ له : مَنْ هَؤلاء يا أبا عَبدِ الله ؟ فيَقُولُ : هَؤلاء أصْحابُ
الحَديثِ ، جاؤُوني من بَغْدَادَ يَكْتُبُونَ عَنِّي .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: التَّفَقَ أرْبابُ الصِّحاحِ على الاحْتِجاجِ بِغُنْدَر .
وكانَت وَفاتُه في سَنةِ ثَلاثٍ وتِسْعينَ ومئة، وهو في عَشْر الثَّمانين، رَحمَهُ الله (٤) .
ورَوَى أبو عُبَيد الآجُرِّيُّ عن أبي داوُدَ قالَ: كانَ أبو عاصِم الضَّخَّاكِ يَحفَظُ قَدرَ
ألفِ حَديث من جَيِّ حَديثِهِ، وكانَ فيه مِزاحٌ، ويُقالُ: إنَّما قيلَ له النَبيل، لأنَّ فيلاً
قَدِمَ البَصْرَة ، فَذَهبَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إليه ، فقالَ له ابنُ جُرَيج : مَا لَك لا تَنْظُر ؟ قالَ :
(١) انظر السير: (أبو عَوَانَةٌ) ٢١٧/٨ -٢٢٢، وانظر النزهة: ٣/٧٤٥.
(٢) انظر السير: (غُنْدَر) ٩٨/٩ -١٠٢، وانظر النزهة: ٦/٨٠٢.
(٣) انظر السير: (غَنْدَر) ٩٨/٩ -١٠٢، وانظر النزهة: ٧/٨٠٢.
(٤) انظر السير: (غُنْدَر) ٩/ ٩٨ -١٠٢، وانظر النزهة: ٨/٨٠٢.
٦١٨

لا أجدُ منكَ عِوَضاً، قالَ: أنتَ نَبِيلٌ وبَعضُهم نَقَلَ أنَّ أبا عاصِم كانَ ضَخمَ الأنْفِ ،
فَتَزوَّجَ امْرأةً، فلمَّا خَلا بها دَنا منها لِيُقبِّلَها ، فقالَت: نَحِّ رُكَبَتَكَ عن وَجْهي قالَ:
لَيسَ ذَا رُكبَة، إنَّما هو أنْفٌ .
وقيل : لأنَّه كانَ يَلْبَسُ الخَزَّ وجَيِّدَ الثِّيابِ، وكانَ إذا أقْبلَ، قالَ ابنُ جُرَيج: جاءَ
النَّبِيلُ .
وقيلَ لأنَّ شُعبَة حَلفَ ألاَّ يُحدِّثَ أصْحابَ الحَديثِ شَهْراً، فَقَصَدَه أبو عاصِم فدَخلَ
مَجلِسَه، وقالَ: حَدِّث وغُلامي العَطَّارُ حُرٌّ لِوَجْه الله كفَّارةً عن يَمِينِك فأعْجَبَه
ذلك(١).
وقالَ الحَسَنُ بنُ سُفْيانَ: سَمعتُ فَيَّاضَ بنَ زُهَيرِ النَّسائيَّ، يَقُولُ: تَشَفَّعنا بامْرأةٍ
عبدِ الرَّزَّاق عَليه ، فدَخَلنا ، فقالَ: هاتوا ، تَشَفَّعْتُم إليَّ بِمَنْ يَنقَلِبُ مَعي علىُ فِراشِي ؟
ثم قالَ :
ليْسَ الشفيعُ الّذي يَأْتِيكَ مِثَّزِراً
مِثْلُ الشَّفِيعِ الَّذي يَأتيكَ عُرْيَانًا(٢)
وقالَ الأَصَمُّ : سَمعتُ الرَّبيعَ يَقُولُ : سَألَ رَجلٌ الشَّافِعِيَّ عن قاتِلِ الوَزَعْ هِلْ عَليه
غُسلٌ ؟ فقالَ : هذا فُتْيَا العَجَائز(٣).
وقد كانَ أبو نُعَيم ذا دُعابَة ، فرَوَى عَلَيُّ بنُ العَبَّاسِ الْمَقَانِعِي، سَمعتُ الحُسَين بنَ
عَمْرُو العَنْقَزِيَّ يَقُولُ: دَقَّ رَجلٌ على أبي نُعَيم البابَ ، فقالَ : مَنْ ذَا؟ قالَ : أنا ،
قالَ : مَنْ أنا؟ قالَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ، فخَرجَ إليه أبو نُعَيم، وقَبَّله، وقالَ: مَرْحَباً
وأهْلاً ، ما ظَنَنتُ أنَّه بَقِيَ من هَذا النَّسْلِ أَحَدٌ (٤) .
وقالَ مُحمَّدُ بنُ سَلَم : كُنَّا مع أبي عُبَيدَة بقُربِ دارِ الأصْمَعِيِّ ، فسَمِعنا منها ضَجَّة
(١) انظر السير: (أبو عاصِم) ٩/ ٤٨٠ - ٤٨٥، وانظر النزهة: ٣/٨٣٦.
(٢) انظر السير: (عبدُ الرَّزَّاق بنُ هَمَّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٢/٨٣٩
(٣) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٥٠.
(٤) انظر السير: ( أبو نعيم) ١٠/ ١٤٢ -١٥٧، وانظر النزهة: ٤/٨٦١.
٦١٩

فِبَادَرَ النَّاسُ لِيَعرِفُوا ذلكَ، فقالَ أبو عُبَيدَة: إنَّما يَفعَلُونَ هَذا عندَ الخُبزِ، كذا يَفْعَلون
إِذَا فَقَدوا رَغيفاً(١) .
وقال الجاحظُ : حدَّثني ثُمامَةُ، قال: شَهِدُتُ رجُلاً قدَّم خَصْمَه إلى والٍ ، فقال :
أَصْلَحكَ الله، هذا ناصِبِيٌّ، رافِضيٍّ، جَهْمِيٍّ، مُشَبٌِّ ، يَشْتمُ الحجَّاجَ بنَ الزُّبَيرِ الذي
هدمَ الكَعْبَةَ على عليٍّ ، ويَلْعَنُ مُعاويَةَ بنَ أبي طالب(٢).
قال جَعفرُ بنُ أبي عُثْمان: كنّا عندَ يَحْبَى بن مَعين ، فجاءه رجلٌ مُسْتَعجلٌ ،
فقال : يا أبا زَكَرِيّا، حَدِّثْني بشيءٍ أَذْكُرك به ، فقال يَحْيَى: اذكُرني أنَّك سألتَني أنْ
أُحدِّثك فلمْ أفعلْ(٣) .
وقالَ الحُسَينُ بنُ فَهْم : سَمعتُ يَحْيَى بِنَ مَعين ، يَقُولُ : كُنتُ بِمِصْرَ ، فَرَأيتُ
جاريَةَ بِيعَتْ بألفِ دِينارٍ ، ما رَأيتُ أحْسَنَ منها ، صَلَّى اللهُ عَليها فقُلتُ: يا أبا زَكريّا ،
مثلُكَ يَقُولُ هَذا؟ قالَ: نَعَم ، صَلَّى اللهُ عَليها وعَلَى كُلِّ مَليح .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: هذه الحِكايَةُ مَحمُولَة على الدُّعابَة من أبي زكريّا وتُروَى
عَنه بإِسْناد آخَر (٤) .
وقالَ خَيْثَمَة : سَمعتُ محمَّدَ بنَ عَوْفٍ، يَقُولُ : أَتَينا هِشَامَ بنَ عَمَّار في مَزْرَعَة
له ، وهو قاعِدٌ على مُروج له، وقد انْكَشِفَتْ سَوْءَتُه، فقُلنا: يا شَيخُ غَطِّ عَليكَ
فقالَ : رَأيْتُمُوه ؟! لَنْ تَرْمَدَ عَينُكُمْ أَبَداً، يَعنِي يَمْزَح(٥) .
وقالَ محمَّدُ بنُ الفَيْضِ جاءَ رَجْلٌ من قَرِيَة الحُرْجُلَّةُ(٦) يَطلُبُ لِعُرسِ أخيه لَعَّابينَ ،
فوَجدَ الوَالِي قد مَنَعَهم ، فجاءَ يَطلُبُ مُغَبِرينَ، يَعني : مُزَمْزِمينَ يُغَبِّرُونَ بِالقَضيبِ ،
قالَ: فَلَقِيَه صُوفيٌّ مَاجِنٌّ، فَأرْشَدَه إلى ابنِ ذَكْوانَ، وهو خَلفَ الْمِنْبَر ، فجاءَه ،
(١) انظر السير: (الأصْمَعيُّ) ١٧٥/١٠ - ١٨١، وانظر النزهة : ٤/٨٦٤.
(٢) انظر السير: ( ثُمامَة بنُ أَشْرَس) ٢٠٣/١٠ -٢٠٦، وانظر النزهة : ٥/٨٦٨.
(٣)
انظر السير: ( يَحْيَى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٣/٩١١.
انظر السير: ( يَحْيَى بن مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٤/٩١١.
(٤)
(٥) انظر السير: (هِشامُ بنُ عَمَّار) ١١/ ٤٢٠ -٤٣٥، وانظر النزهة: ٢/٩٥٧.
(٦) قرية من قرى دمشق .
٦٢٠