Indexed OCR Text

Pages 561-580

وسَمعتُ أبا مُوسَىُ بنَ الحافِظِ ، حدَّثني صَنِيعَةُ الْمُلكِ هِبَةُ اللهِ بنُ حَيْدَرَة قالَ : لَمَّا
خَرَجتُ الصَّلاةِ على الحافِظِ لَقَيَني هذا الْمَغْرِبِيُّ (١) ، فقالَ: أنا غَرِيبٌ، رَأيتُ البَارِحَةَ
كأنِّي في أرْضٍ بها قَومٌ عَليهِم ثِيابٌ بِيضٌ ، فقُلتُ : ما هؤلاء ؟ قيلَ : مَلائِكَةُ السَّماءِ
نَزَلُوا لِمَوْتِ الحافِظِ عبدِ الغَنِيِّ، فقُلتُ : وأينَ هُو؟ فقيل لي: اقْعُدْ عندَ الجامع حتَّى
يَخْرُجَ صَنِيعَةُ الْمُلكِ فامْضٍ مَعَه ، قالَ: فَلَقيتُهُ وَاقِفاً عندَ الجَامِع (٢) .
وسَمعتُ الفَقيةَ أحمَدَ بنَ محمَّد بنِ عبدِ الغَنِيِّ سَنَ اثْنَي عَشْرَةَ يَقُولُ : رَأيتُ البارِحَةَ
أَخَاكَ الكَمَالَ عبدَ الرَّحيم - وكانَ تُوفِّيَ تِلكَ السَّنَة - في النَّومِ ، فَقُلتُ : يا فُلانُ أينَ
أنتَ ؟ قالَ : في جَنَّةِ عَدن ، فقُلتُ: أَيُّما أفْضَل الحافِظُ أو الشَّيخُ أبو عُمَر؟ فقالَ :
ما أدري، وأمَّا الحافِظُ فكُلُّ لَيلَةٍ جُمُعَة يُنصَبُ له كُرسيٍّ تَحتَ العَرشِ ، ويقرأُ عليه
الحَديث، ويُنْثَرُ عليه الدُّرُّ والجَوْهَرُ، وهذا نَصيبي منهُ، وكانَ في كُمِّه شَيءٍ(٣) .
وسَمعتُ القاضيَ الإمامَ عُمَرَ بنَ عَلَيِّ الهَكَّارِيَّ بنَابُلْسَ يَقُولُ: رَأيتُ الحافِظَ عبدَ
الغَنيُّ كأنَّه قد جاءَ إلى بَيَتِ الْمَقدِس ، فَقُلتُ : جِئتَ غَيرَ رَاكِبٍ ، فَعَلَ اللهُ بمَنْ جِئتَ
من عندِهم! قالَ: أنا حَمَلَني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم(٤) .
وحذَّثني(٥) الشَّيخُ الْمُقرىءُ عبدُ الله بنُ حَسَن الهَكَّارِيُّ بِحَرَّانَ قالَ : رَأيتُ في النَّومِ
قائلاً يَقُولُ لي : العِمَادُ من الأَبْدالِ ، فَرَأيتُ خَمسَ لَيَالٍ كَذلك(٦) .
وسَمعتُ الثَّقيَّ أحمَدَ بنَ محمَّد بنِ الحافِظِ يَقُولُ : رَأيتُ الشَّيخَ العِمَادَ في النَّوم
علىْ حِصَانٍ، فَقُلتُ: يا سَيِّدي الشَّيخ، إلى أينَ؟ قالَ: أَزُورُ الجَبَّارَ عَزَّ وجَلَّ(٧).
(١) كانَ رَجُلاً مَغربياً مَعه فهو يُشيرُ إليه.
(٢) انظر السير: (عبدُ الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٢/١٦٥٣.
(٣)
انظر السير: ( عبدُ الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٦٥٣.
انظر السير: ( عبدُ الغنيّ) ٤٤٣/٢١-٤٧١، وانظر النزهة : ١/١٦٥٤.
(٤)
(٥)
القَولُ للحافظ الضياء .
انظر السير: ( العِمَاد) ٤٧/٢٢-٥٢، وانظر النزهة: ٦/١٦٦٥.
(٦)
(٧) انظر السير: (العِمَاد) ٢٢/ ٤٧ -٥٢، وانظر النزهة : ٧/١٦٦٥.
٥٦١

وقالَ الحافِظُ الضِّياءُ ، رَأيتُ أحمَدَ بنَ حَنْبَل في النَّومِ فَألْقَى عليَّ مَسألَةٌ فقُلتُ :
هذه في الخِرَقي ، فقالَ: ما قَصَّرَ صاحِبُكُم الْمُوَفَّقُ في شَرَحِ الخِرَقِي .
قالَ الضِّياءُ : كانَ رَحمَهُ اللهُ إماماً في التَّفْسيِرِ وفي الحَديثِ ومُشْكِلاتِهِ ، إِمَاماً في
الفِقْه، بلْ أوْحَدَ زَمانِه فيه ، إمَاماً في عِلمِ الخِلافِ ، أَوْحَدَ في الفَرائضِ ، إِمَاماً في
أُصُولِ الفِقْهِ، إِمَاماً في النَّحْرِ والحِسَابِ والأَنْجُمِ السَّيَّارَة، والْمَنازِل(١).
(١) انظر السير: (ابنُ قُدامَة) ١٦٥/٢٢-١٧٣، وانظر النزهة: ٢/١٦٨١.
٥٦٢

مُتَفَرِّقَات
(١) الإِنْشَادُ والغِنَاء
١ - الإِنْشَاد :
عن محمَّدٍ بنِ سِيرينَ ، عن أنَسِ أنَّه دَخلَ على أخيه البَرَاء وهو يَتَغنَّى فقالَ :
تَتَّغَنَّى؟ قالَ : أَتَخْشَىْ عليَّ أنْ أَمُوتَ علىُ فِراشي وقد قَتلتُ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً من
الْمُشرِكِينَ مُبارَزَةً ، سِوَى ما شَارَكتُ فيه الْمُسلِمِينَ ؟ .
وفي رِوايَة: يا أخِي! تَتَغَنَّى بالشِّعرِ وقد أبْدَلكَ اللهُ به القُرآن ؟(١).
قالَ ابنُ النَّجَّار : سَمعتُ مَنْ يَذكرُ أنَّ عَددَ شُيوخ أبي سَعْد سَبعَةُ آلافٍ شَيخ قالَ :
وهذا شَيءٌ لَمْ يَبلُغْه أحَدٌ ، وكانَ مَلِيحَ التَّصانيفِ كَثيرَ النشوارِ والأناشِيدِ ، لَطِيفَ
الْمِزاج ، ظَرِيفاً ، حافِظاً ، واسِعَ الرِّحْلَةِ ، ثِقةً صَدوقاً دَيِّناً ، سَمعَ منه مَشايخُه
وأقرانُهُ .
ماتَ الحافِظُ أبو سَعْد سَنةَ اثنَتَينِ وسِتِّينَ وخَمسٍ مئة بمَرْو وله سِتٍّ وخَمسُونَ
سَنٌ(٢) .
٢ - الغِنَاء:
( أ) التَّحْذيرُ من الغِنَاء:
عن أبي عُثْمَانَ اللَّيْئِي ، أنَّ يَزِيدَ بنَ الوَليدِ بنِ عبدِ الْمَلِكِ النَّاقصَ ، قالَ: يا بَني
أُمَيَّةَ إِيَّاكم والغِناء فإنَّه يُنقِصُ الحَيَاءَ ، ويزيدُ في الشَّهْوَة، ويَهْدِمُ الْمَروءَةَ ، ويَنُوبُ عن
الخَمرِ ، فإنْ كُنتُم لا بُدَّ فاعِلينَ، فجَنِبُوهُ النِّساءَ فإنَّ الغِناءَ دَاعِيَّةُ الزِّنَا(٣).
٠
(١) انظر السير: (البَرَاءُ بنُ مَالِك) ١/ ١٩٥-١٩٨، وانظر النزهة: ٤/١٤٧.
(٢) انظر السير: (السَّمْعَانِيُّ) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٧ .
(٣) انظر السير: (يَزيدُ بنُ الوَليد) ٣٧٤/٥-٣٧٦، وانظر النزهة: ١/٦١٤.
٥٦٣

(ب) مَنْ اشْتَغَلَ بالعِلْمِ من المُغَنِّين :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ إِسْحاقَ النَّديم : الإمامُ العَلَّمَةُ الحافِظُ ذُو الفُنون ،
أبو محمَّد إسْحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ مَيْمُونَ الثَّميمِيُّ الْمَوْصِليُّ الأخْبَارِيُّ ، صاحِبُ
الْمُوسيقَى، والشِّعرِ الرَّائق، والتَّصَانِيفِ الأدَبِيَّة مع الفِقْه واللُّغَة، وأيَّامِ النَّاسِ ،
والبَصَرِ بِالحَديثِ ، وعُلُوُّ الْمَرتَبَة .
وُلدَ سَنةً بضْعٍ وخَمسينَ ومئةٍ (١) .
وسَمِعَ من : مَالِكِ بنِ أَنَس ، وهُشَيْمٍ بِنِ بَشير، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنَة وبَقِيَّةَ بنِ
الوَليدِ، وأبي مُعاويَةَ الضَّرير، والأصْمَعيِّ، وعَددٍ كَثير (٢) .
حدَّثَ عَنه وَلَدُه حَمَّادُ الرَّاوِيَةِ، وشَيخُهُ الأصْمَعِيُّ، والزُّبَيْرُ بنُ بِكَّار أبو العَيْناء ،
ويَزِيدُ بنُ مُحمَّد الْمُهَلَّبيُّ، وَآخَرون .
ولَمْ يُكثِرْ عنه الحُفَّاظُ لاشْتِغَالِهِ عَنْهُمْ بالدَّولَة، وقيلَ : وُلدَ سَنةً خَمسينَ ومئة صَنَّفَ
كتابَ ((الأغاني)) الذي يَرويهِ عَنه ابنُهُ(٣) .
وعن إسْحاقَ الْمَوْصِلِيِّ قالَ: بقيتُ دَهْراً من عُمْري أغَلِّسُ كُلَّ يَومٍ إلى هُشَيْمٍ أو
غَيرِهِ من الْمُحدِّثينَ ، ثم أصيرُ إلى الكِسائِيِّ، أو الفَرَّاءِ ، أو ابنٍ غَزال، فأقْرِأُ جُزءاً من
القُرآنِ ، ثم إلى أبي مَنْصُور زلزَل (٤) فيُضَارِبُني طَرْقَيِن أو ثَلاثَة ، ثم آتِي عاتِكَةَ بنتَ
شَهْدَة، فَآَخُذُ منها صَوْتاً أوْ صَوْتَينِ ثم آتِي الأصْمَعِيَّ، وأبا عُبَيْدَة فَأَسْتَفيدُ منهما ،
وَآتِي مَجلِسَ الرَّشيدِ بالعَشيِّ(٥) .
(ج ) مَنْ كرهَ من المُغَنِّين أن يُنْسَبَ إلى الغِنَاء :
عن إسْحاقَ النَّديم أنَّه كانَ يَكرَه أنْ يُنسَبَ إلى الغِناءِ، ويَقُولُ: لأنْ أُضرَبَ على
(١) انظر السير: (إسْحاقُ النَّديم) ١٨/١١ -١٢١، وانظر النزهة: ١/٩١٥.
(٢) انظر السير: (إسْحاقَ النّديم) ١٨/١١-١٢١، وانظر النزهة: ٢/٩١٥.
(٣)
انظر السير: ( إِسْحاقُ النَّديم) ١٨/١١ -١٢١، وانظر النزهة: ٣/٩١٥.
(٤)
وهو الذي علَم إِسْحاقَ الْمَوْصِليّ ضَربَ العُود .
(٥) انظر السير: (إسْحاقُ النَّديم) ١٨/١١ -١٢١، وانظر النزهة : ٤/٩١٥.
٥٦٤

رَأْسي بالْمَقارعِ أحَبُّ إليَّ من أنْ يُقَالَ عَنِّي : مُغَنِّي .
وقالَ الْمَأْمُونُ: لَوْلا شُهِرَةُ إِسْحَاقَ بالغِناءِ ، لَوَليتُه القَضاءَ(١).
(ج ) مُغَنُّون ومُغَنِّات :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عُلَيَّة بنتِ الْمَهْدِيِّ أُختِ الرَّشِيدِ : الهَاشِمِيَّةُ العَبَّاسِيَّةُ ،
أديبةٌ، شَاعِرَةٌ، عارِفَةٌ بالغِناءِ والْمُوسيقَى، رَخيمَةُ الصَّوتِ ، ذَاتُ عِنَّةٍ وتَقْوَى
ومَناقِب .
وكانت عُلَيَّةُ من مِلاحِ زَمانِها ، وأظْرَفِ بَناتِ الخُلَفَاءِ(٢) .
ورَوَى إبراهيمُ بنُ إسْماعيل الكاتِب أنَّها لا تُغَنِّي إلاَّ زَمَنَ حَيْضِها، فإذا طَهُرَت
أقْبَلَت على التِّلاوَة والعِلمِ ، إلاَّ أنْ يَدعُوها الخَليفَةُ، ولا تَقَدِرُ تُخالِفُه(٣).
وعن مَنْصُورِ بنِ الْمَهْدِيِّ قالَ: كانَ أخي إبراهيمُ إذا تَنَحْنَحَ ، طَرِبَ مَنْ يَسمَعُه ،
فإذا غَنَّى، أصْغَت الوُحُوشُ حتَّى تَضَعَ رُؤوسَها في حِجْرِهِ ، فإذا سَكتَ ، هَرَبَت وكانَ
إذا غَنَّى لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلاَّ ذهِلَ (٤) .
وقالَ ابنُ الفَضْلِ بنِ الرَّبيع : ما اجْتَمعَ أخٌ وأخْتٌ أحْسَن غِناءً من إبراهيمَ بنِ
الْمَهْدِيِّ وأُختِهِ عُلَيَّة(٥).
(١) انظر السير: (إسْحاقُ النَّديم) ١٨/١١ -١٢١، وانظر النزهة: ٥/٩١٥ .
(٢) انظر السير: (عُليَّة بنتُ المَهْدي) ١٨٧/١٠ -١٨٨، وانظر النزهة: ٧/٨٦٥.
انظر السير: ( عُليَّة بنتُ المَهْدي) ١٠/ ١٨٧ - ١٨٨، وانظر النزهة: ٨/٨٦٥.
(٣)
انظر السير: ( إبراهيمُ بنُ الْمَهْدي) ١٠/ ٥٥٧ - ٥٦١، وانظر النزهة : ٢/٨٩٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (إبراهيمُ بنُ الْمَهْدي) ١٠/ ٥٥٧-٥٦١، وانظر النزهة : ٣/٨٩٣ .
٥٦٥

(٢) الأوائل
١ - أَوَلُ مَنْ أحْدَثَ المُصافَحَة :
عن أنَسٍ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدَاً قَوْمٌ هُمْ
أَرَقُّ قُلُوباً لِلإِسْلامِ مِنْكم)) فقَدِمَ الأَشْعَرِيُّونَ، فلمَّا دَنَوا جَعَلوا يَرْتَجِزُونَ :
غداً نلقى الأحبة
محمداً وحزيه
فلمَّا أنْ قَدِمُوا تَصافَحُوا، فَكَانُوا أوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْمُصافَحَةِ (١).
٢ - أَوَلُ مَنْ سُلِّمَ عليه بالإِمْرَة عندَ خُروج الإمَام إلى الصَّلاة :
عن سمَّاكِ بنِ سَلمَة قالَ: أوَّلُ مَنْ سُلُّمَ عليه بالإِمْرَةِ الْمُغيرَةُ بنُ شُعْبَة .
يَعني : قَولَ الْمُؤذِّن عندَ خُروجِ الإمَامِ إلى الصَّلاةِ: السَّلامُ عَليكَ أيُّها الأمِيرُ
ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ(٢).
٣- أشْياءُ مُتعَدِّدَة أحْدَثَها مُعاوِيّة:
عن الشَّعْبِيِّ، قالَ: أوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِساً مُعاويَةُ حينَ سَمن(٣).
وقال الزُّبَيرُ بنُ بَكار : كانَ مُعاويَةُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الدِّيوانَ للخَتمِ وأمَرَ بالنَّيْروزِ
والْمُهْرَجان، واتَّخَذَ الْمَقاصِيرَ في الجَامِعِ، وأوَّلَ مَنْ قَتْلَ مُسْلِماً صَبْراً(٤) ، وأَوَّلَ مَنْ
قامَ علىْ رَأْسِهِ حَرَسٌ ، وأوَّلَ مَنْ قُيِّدَتْ بِينَ يَدَيهِ الجَنائبَ، وأوَّلَ مَنْ اتَّخِذَ الخُذَّامَ
الخِصْيانَ في الإِسْلامِ ، وأوَّلَ مَنْ بَلِغَ دَرَجَاتِ الْمِنْبَرِ خَمسَ عَشرةَ مرْقاً ، وكانَ يَقُولُ :
أنا أوَّلُ الْمُلوكِ (٥) .
(١) انظر السير: (أبو مُوسَى الأشْعَريُّ) ٣٨٠/٢ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٤/٢٧٨.
(٢) انظر السير: (الْمُغيرَةُ بنُ شُعْبَة) ٢١/٣-٣٢، وانظر النزهة: ٣/٣٢٤.
انظر السير: ( مُعاويَةُ بنُ أبي سُفْيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٣/٣٥٦.
(٣)
يريد حجرَ بنَ عَدي وأُصْحابَه.
(٤)
(٥) انظر السير: ( مُعاويَةُ بنُ أبي سُفْيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٤/٣٥٦.
٥٦٦

٤- أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ النَّحْو :
قالَ أحمَدُ العِجليُّ: أبو الأسْوَدِ الدُّؤْلِي ثِقَةٌ، كانَ أوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ في النَّحْوِ (١) .
وقالَ الوَاقِدِيُّ: أسْلمَ في حَياةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وقالَ غَيرُه : قَاتَلَ
أبو الأسْوَد يومَ الجَمَل مع عَليٍّ بنِ أبي طالب، وكانَ من وُجوه الشِّيعَة ومن أكْمَلِهِم
عَقْلاً ورَأياً وقد أمَرَه عَليٍّ رضي الله عنه بوَضْعِ شَيءٍ في النَّحْوِ لَمَّا سَمِعَ اللَّحنَ ، قالَ :
فَأَرَاهُ أبو الأسْوَد ما وَضَعَ ، فقالَ عَليٍّ: ما أَحْسَنَ هذا النَّحْوَ الذي نَحَوْتَ، فمِنْ ثَمَّ
سُمِّيَ النَّحْوُ نَحْواً(٢).
قالَ محمَّدُ بنُ سَلَّم الجُمَحِيُّ : أبو الأسْوَد هو أوَّلُ مَنْ وَضَعَ بابَ الفَاعِلِ والْمَفْعُولِ
والْمُضاف، وحَرْفَ الرَّفْعِ والنَّصْبِ والجَرِّ والجَزْمِ، فَأَخَذَ ذلكَ عَنه يَحْبَى بنُ
يَعْمُر(٣) .
وقالَ الْمُبَرِّدُ : حدَّثنا الْمَازِنِيُّ قالَ : السَّببُ الذي وُضِعَت له أبوابُ النَّحْوِ أنَّ بِنْتَ
أبي الأسْوَد قالَت له : ما أشَدُّ الحَرِّ فقالَ: الحَصْباءُ بالرَّمْضاءِ ، قالَت : إنَّما تَعَجَّبتُ
من شِدَّتِه فقالَ : أوَقد لَحِنَ النَّاسُ ؟ فأخْبَرَ بذلك عَليّاً رضي الله عنه فأعْطَاهُ أُصُولاً بَنَى
منها، وعَملَ بَعدَه عَليها وهو أوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ (٤).
٥- أَوَلُ مَنْ قَصَّ القَصَصَ :
عن ثابت قالَ : أوَّلُ مَنْ قَصَّ عُبَيْدُ بنُ عُمَير علىُ عَهْدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب رضي الله
عنه(٥) .
(١) انظر السير: ( أبو الأسْوَد) ٨١/٤-٨٦، وانظر النزهة: ٤/٤٤٨.
(٢)
انظر السير: ( أبو الأسْوَد) ٤/ ٨١-٨٦، وانظر النزهة : ٥/٤٤٨.
انظر السير: ( أبو الأسْوَد) ٤/ ٨١ -٨٦، وانظر النزهة : ٦/٤٤٨.
(٣)
انظر السير: ( أبو الأسْوَد) ٤/ ٨١-٨٦، وانظر النزهة : ٧/٤٤٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (عُبَيْدُ بنُ عُمَير) ١٥٦/٤ -١٥٧، وانظر النزهة: ٢/٤٦٧.
٥٦٧

٦ - أَوَلُ مَنْ ضَرَبَ الذَّنانِيرَ وكتبَ عليها بالقُرآنِ :
قالَ مَالكٌ: أوَّلُ مُنْ ضَربَ الدَّنانيرَ عبدُ الْمَلكِ بنُ مَرْوانَ ، وكَتبَ عليها
بالقُرآن(١).
٧- أَوَلُ مَنْ صَنَّفَ الكُتُب :
قالَ عبدُ الله بنُ أحمَد : قُلتُ لأبي: مَنْ أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الكُتُبَ ؟ قالَ : ابنُ
جُرَيْج ، وابنُ أبي عَروبَةٍ (٢) .
٨- أَوَلُ مَنْ شَغَلَ المُلُوكَ بكتُبِ العِلْمِ :
وقالَ ابنُ عَدي : ولوْ لمْ يكن لابنِ إسْحاقَ من الفَضلِ إلاَّ أنَّه صَرفَ الْمُلوكَ عن
الاشتغالِ بكُتبٍ لا يَحصُلُ منها شَيءٌ إلى الاشتغالِ بمَغَازي رسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم ومَبعَثِهِ ومُبتَدأ الخَلقِ ، لكانَت هذه فَضيلَةٌ سَبقَ بها ، ثم مِن بَعده صَنَّفَها قَومٌ
آخَرون فَلَمْ يَبلُغوا مَبلَغَ ابنِ إسْحاقَ منها ، وقد فَتَّشْتُ أحاديثَه كَثيراً فَلَمْ أجد من أحاديثِهِ
ما يَتِهِيَّأْ أنْ يُقطَعَ عليه بالضَّعفِ ورُبَّما أخْطأ ، أو يَهِمُ في الشَيء بعد الشَيء كما يُخطىءُ
غَيرُه ولمْ يَتخلَّف في الرِّوايَة عنه الثِّقَاتُ والأئمَّةُ وهو لا بأسَ به .
ماتَ ابنُ إسْحاقَ سَنةً خَمسينَ ومئة(٣) .
٩- أَوَلُ مَنْ جَرَّحَ الرِّجَالَ وعَدَّلَهُم :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أبي بِسْطام، شُعْبَةَ بنِ الحَجَّاج : وكانَ أبو بِسْطام
إماماً ثَبْتاً حُجَّةً، ناقِداً، جِهْبَذاً، صالِحاً، زَاهِداً قانِعاً بالقُوتِ ، رَأساً في العِلمِ
والعَمَلِ ، مُنْقَطِعَ القَرينِ، وهو أوَّلُ مَنْ جَرَحَ وعَذَّل، أخَذَ عنه هذا الشَّأْنَ يَحْبَى بنُ
انظر السير: (عبد الملك بن مَرْوان) ٢٤٦/٤ -٢٤٩، وانظر النزهة: ٣/٤٩٠.
(١)
(٢) انظر السير: (ابنُ جُرَيْج) ٣٢٥/٦ -٣٣٦، وانظر النزهة: ٣/٦٥٤.
(٣) انظر السير: (ابنُ إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٣/٦٧٥.
٥٦٨

سَعيد القَطَّان، وابنُ مَهْدِي وطَائِفَةٌ ، وكانَ سُفْيانُ الثَّورِيُّ يَخضَعُ له ويُجِلُّه ، ويَقُولُ :
شُعْبَةُ أميرُ الْمُؤمنينَ في الحَديث .
وقالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْلا شُعْبَة لَمَا عُرِفَ الحَديثُ بالعِراقِ(١).
١٠ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُسْتَداً :
عن أحمَدَ قالَ: أوَّلُ مَنْ عَرَفْنَاهُ يَكْتُبُ الْمُسْنَدَ نُعَيمُ بنُ حَمَّاد(٢).
(١) انظر السير: (شُعْبَةُ) ٧/ ٢٠٢-٢٢٨، وانظر النزهة: ١/٦٩٣.
(٢) انظر السير: (نُعَيمُ بنُ حَمَّاد) ١٠/ ٥٩٥ -٦١٢، وانظر النزهة : ٥/٨٩٧.
٥٦٩

(٣) البَرَ كة
١ - صُوَرٌ من البَرَكة :
عن عائشةَ ، قالَت : لَمَّا قَسَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ ،
وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي سَهْمٍ رَجُلٍ، فكاتَبَتْهُ، وكانَت حُلوَةً مُلَّحَةً، لا يَرَاهَا أحَدٌ إلاَّ
أخَذَتْ بِنَفسِه .
فَأَنَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَستَعينُهُ ، فكَرِهْتُها - يَعني لِحُسْنِها - فقالَت :
يا رَسُولَ الله، أنا جُوَيْريَةُ بنتُ الحارِث ، سَيِّ قَومِه، وقد أصَابَني من البَلاءِ ما لَمْ
يَخْفَ عَليكَ، وقد كاتَبتُ، فأعِنِّي فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ،
أُؤَدِّي عَنْكِ، وَأَتَزَوَّجُك)) ؟ فقالَت: نَعَم ففَعَلَ فبَلِغَ النَّاسُ ، فقالوا: أصْهَارُ
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم! فأرْسَلوا ما كَانَ في أَيْدِيهِم من بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَلَقَد أُعْتِقَ
بها مئةُ أهْلِ بَيْتٍ فمَا أعْلَمُ امْرأةً كانَتْ أَعْظَمَ بَرَكةً علىْ قَومِها منها(١) .
وعن أبي هُرَيْرَةَ ، قالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بتَمراتٍ ، فقُلتُ :
ادْعُ لِي فِيهِنَّ يا رَسُولَ الله بالبَرَكَة فقَبَضَهُنَّ، ثم دَعَا فِيهِنَّ بالبَرَكَة ، ثم قال صلى الله
عليه وسلم: (( خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ ،
فَخُذْ ، وَلا تَنْثُرُهُنَّ نَثْراً)).
فقالَ: فحَملتُ من ذلكَ الثَّمر كَذا وكَذا وَسَقاً(٢) في سَبيلِ الله، وكُنَّا نَاكُلُ
ونُطِعِمُ، وكانَ الْمِزْوَد مُعلَّقاً بحَقْوي (٣) ، لا يُفارِقُ حَقْوي، فلمَّا قُتَلَ عُثْمَانُ ،
انْقَطَع .
(١) انظر السير: (جُوَيْرِيَةُ أمُّ الْمُؤمنينَ) ٢٦١/٢ _٢٦٥، وانظر النزهة: ١/٢٥٦.
(٢) الوَسَق: مكيلة معلومة عندهم، يُقال: هو حِملُ بَعير، وهو ستُّونَ صَاعاً بصَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم.
(٣) الحِقَوُ : معقد الإزار.
٥٧٠

قالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
مُسنَدُه : خَمسَةُ آلافٍ وثَلاثُ مئةٍ وأرْبَعَةٌ وسَبْعونَ حَديثاً(١).
وعن ابنِ عَبَّاس، قالَ: مَسحَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رَأْسِي ، ودَعا لي
بالحِكْمَة(٢) .
وعن سَعيدِ بنِ جُبَير ، عن عبدِ الله، قالَ: بِتُّ فِي بَيَتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَوَضَعتُ
للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غسْلاً، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ وَضَعَ هَذا؟))
قالوا: عبدُ الله فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأوِيلَ وَفَقِّهْهُ فِي
الدِّينِ))(٣).
وعن إسْحاقَ بنِ عبد الله بنِ أبي طَلْحَة، حدَّثنا أنَسٌّ قالَ: جاءَت بي أمُّ سُلَيم إلى
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قد أزَّرَتْني بنِصْفِ خِمارِها، ورَدَتْني بَبَعضِه فقالَت :
يا رَسُولَ الله! هذا أُنَيْسٌ ابني أتَيْتُكَ به يَخْدِمُك ، فَادْعُ اللهَ له فقالَ صلى الله عليه
وسلم: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ)) فوالله إنَّ مالي لكَثِيرٌ، وإنَّ وَلَدِي ووَلَدَ وَلَدي
يَتَعاذُّونَ على نحوٍ من مئة اليَومَ(٤) .
وعن أنَسٍ، قالَ: دَعَا لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: ((اللَّهُمَّ أكْثِرْ مَالَهُ
وَوَلَدَهُ، وَأَطِلْ حَيَاتَه)) فاللهُ أكثرَ مالي حتَّى إِنَّ كَرْماً لِي لَتَحمِلُ في السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ ، ووُلِدَ
لِصُلِي مِئَةٌ وسِتَّة(٥) .
٢ - مَاءُ زَمْزَمْ مُبَارَكٌ :
قالَ القاسِمُ بنُ محمَّد بنِ عِبَّاد : سَمعتُ سُوَيدَ بنَ سَعيد يَقُولُ : رَأيتُ ابنَ الْمُبارَك
بِمَكَة أَتَى زَمْزَمَ ، فَاسْتَقَى شَرْبَةً، ثم اسْتَقْبَلَ القِبِلَةَ، فقالَ («اللَّهُمَّ إِنَّ ابنَ أبي الْمَوال،
(١) انظر السير: (أبو هُرَيْرَةَ) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣١٦.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ عَبَّاس البَحْر) ٣٣١/٣-٣٥٩، وانظر النزهة: ٣/٣٨٩.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ عَبَّاس البَحْر) ٣٣١/٣ -٣٥٩، وانظر النزهة: ٥/٣٨٩.
(٤)
انظر السير: (أنَسُ بنُ مَالِك) ٣٩٥/٣-٤٠٦، وانظر النزهة: ٣/٤٠٠.
انظر السير: ( أنَسُ بنُ مَالِك) ٣/ ٣٩٥ -٤٠٦، وانظر النزهة : ٤/٤٠٠.
(٥)
٥٧١

حدَّثنا عن محمَّدٍ بنِ الْمُنْكَدِر عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: (( مَاءُ
زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه » وهذا أشْرَبُه لِعَطَشِ القِيامَة، ثم شَرِبَه (١) .
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : رَأيتُ أبي أخَذَ قَصْعَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
فَغَسَلها في حُبِّ الْمَاءِ ثم شَربَ فيها ، ورَأيْتُهُ يَشْرَبُ من مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتشفي به ، وَيمسَحُ
به یَدَیه ووَجْهَه(٢) .
وقالَ الحاكِمُ : أخْبَرنا أبو بكر مُحمَّدُ بنُ جَعْفَر ، سَمعتُ ابنَ خُزَيْمَةَ وسُئلَ : مِنْ
أينَ أُوتِيتَ العِلمَ؟ فقالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ
لَه )) وإنِّي لَمَّا شَرِبتُ سَألْتُ اللهَ عِلماً نَافِعاً(٣).
وقالَ أبو حازِمٍ عُمَرُ بنُ أحمَد العَبْدوبيُّ الحافِظُ : سَمعتُ الحالِمَ أبا عبدِ الله إمامَ
أهْلِ الحَديثِ في عَصرِهِ يَقُولُ: شَربتُ مَاءَ زَمْزَمَ، وسَألتُ اللهَ أنْ يَرزُقَنِي حُسْنَ
التّصْنيفِ (٤) .
وقالَ الحافِظُ ابنُ عَساكِرِ : سَمعتُ الحُسَينَ بنَ مُحمَّد يَحْكي ، عن ابنٍ خَيْرُونَ أو
غَيْرِهِ، أنَّ الخَطِيبَ ذَكَرَ أنَّه لَمَّا حَجَّ شَربَ من مَاءِ زَمْزَمَ ثَلاثَ شَرباتٍ ، وسَألَ اللهَ ثَلاثَ
حَاجَاتٍ : أنْ يُحَدِّثَ بـ ((تَارِيخ بَغْدَادَ)) بها، وأنْ يُمْلِيَ الحَديثَ بجَامعِ الْمَنْصُورِ ،
وأنْ يُدفَنَ عندَ بِشْرِ الحَافي فقُضيَتْ له الثَّلاثُ(٥) .
(١) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُبارَك) ٨/ ٣٧٨ -٤٢١، وانظر النزهة: ٣/٧٦٧.
(٢) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٢٩.
انظر السير: ( ابنُ خُزَيْمَة) ١٤ / ٣٦٥-٣٨٢، وانظر النزهة: ٣/١١٦٠.
(٣)
(٤) انظر السير: (الحاكمُ) ١٦٢/١٧ -١٧٧، وانظر النزهة: ١/١٣٣٢.
(٥) انظر السير: (الخَطيبُ) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤١٢.
٥٧٢

( ٤ ) التَبَرُّك بآثارِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم والصَّالحين
١ - صُوَرٌّ من التَّبَؤُّكُ بآثارِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم :
عن عبدِ الحَميدِ بنِ جَعْفَر، عن أبيه، أنَّ خالدَ بنَ الوَليد فقدَ قَلْسُوةً لَه يَومَ
اليَرْمُوك ، فقالَ: اطْلُبُوها، فلَمْ يَجدُوها، ثم وُجدَت فإذا هي قَلنسُوة خَلِقَة فقالَ
خالدٌ : اعْتَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فحَلقَ رَأْسَه ، فابْتَدرَ النَّاسُ شَعرَه ،
فَسَبَقْتُهم إلى ناصِيَتِه ، فجَعلتُها في هذه القَلْسوَة، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتالاً وهي مَعي إلاَّ رُزِقتُ
النَّصْرَ(١).
وقالَ لنا الحافِظُ أبو محمَّد : حَلقَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شِقَّ رَأسِه فَوَزَّعَه على
النَّاسِ، ثم حَلقَ شِقَّه الآخَر، فأعْطاهُ أبا طَلْحَةٍ(٢).
عن أمِّ عَطَّة ، قالت : لمَّا ماتَتِ زَيْنَبُ بنتُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قال :
((اغْسِلْنَهَا وِتْرَاً، ثَلاثَاً، أوْ خَمْسَاً، واجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كافُورٍ ،
فإذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي)) فلمَّا غَسَّلْناها، أعْطانا حَقْوَهُ(٣) ، فقال صلى الله عليه وسلم :
((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاه )) (٤) .
وعن أمُّ سُلَيم ، قالَت: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقِيلُ في بَيْتِي ، وكُنتُ
أبْسُطُ له نَطْعاً فيَقيلُ عَليه ، فَيَعْرَقُ ، فَكُنتُ آخُذُ سُكّاً فأعْجِنُهُ بِعَرقِه .
قالَ ابنُ سِيرينَ : فاسْتُوهبتُ من أمِّ سُلَيم من ذلكَ السُّكِّ، فوَهَبَتْ لي منه .
انظر السير: (خالدُ بنُ الوَليد) ٣٦٦/١ -٣٨٤، وانظر النزهة : ٣/١٧٩ .
(١)
(٢)
انظر السير: ( أبو طَلْحَة الأنصاري) ٢٧/٢ - ٣٤، وانظر النزهة: ٥/٢١٤ .
والحقو : الإزار ، وجمعها: حِقِيٍّ وأَحْقٍ وأحْقاء ، والأصل في الحقو: معقد الإزار، وسُمي الإزار
(٣)
حقواً لأنه يُشَدُّ على الحقو، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أشْعِرْنها إيّاه)) يريد اجعلنه شعاراً لها،
وهو الثوب الذي يلي جسدها ، فالشعار الثوب الذي يلي الجسد ، والدثارُ فوق الشعار .
(٤) انظر السير: (زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٢٤٦/٢ - ٢٥٠، وانظر النزهة: ٦/٢٥٣.
٥٧٣

قالَ أيُّوبُ : فاسْتَوهَبتُ من محمَّد من ذلكَ السُّكِّ فوَهبَ لي منه ، فإنَّه عندي
الآنَ .
قالَ: ولَمَّا ماتَ محمَّدٌ حُنِّطَ بِذَلِكَ السُّكِّ(١).
وعن أنَسِ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، دَخلَ على أمِّ سُلَيمٍ ، وقِرِبَةٌ مُعلَّقَةٌ ،
فشَربَ منها قائماً ، فقامَت إلى فِيِّ السِّقاءِ ، فقَطْعَته (٢) .
رَوَاهُ عُبَيْدُ الله بنُ عَمرُو ، فزادَ : وأمْسَكَتْه عندَها(٣).
وعن أنَسِ : أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، لَمَّا أرادَ أنْ يَحْلِقَ رَأْسَه بمِنَى، أخذَ
أبو طَلْحَة شِقَّ شَعْرِهِ ، فجاءَ به إلى أُمّ سُلَيم، فكانَتْ تَجعَلُه في سُكِّها (٤) .
وقالَت : وكانَ يَقيلُ عِندي على نَطْعِ، وكانَ صلى الله عليه وسلم مِعْراقاً(٥) ،
فجَعَلتُ أسْلِتُ العَرَقَ في قارُورَة، فَاسْتَيقَظَ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: (( مَا
تَجْعَلِينَ؟)) قُلتُ: أُريد أنْ أدُوفَ(٦) بِعَرَقِكَ طِيِي(٧).
وعن أبي مُوسَى، قالَ : كُنتُ عندَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بالجِعِزَّانَةَ ،
فأتَى أعْرابِيٌّ فقالَ: ألا تُنْجز لي ما وَعَدتَني؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((أبْشِرْ))
قالَ : قد أكثَرتَ من البُشْرَى فأقبلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ وعلىُ بِلال ،
فقالَ: ((إنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ المُشْرَى فَاقْبَلَا أنْتُمَا)): فقَالَ: قَبلنَا يا رَسُولَ الله فدَعَا بقَدَح ،
فَغَسَلَ يَدَيه ووَجْهَه فيه، ومَجَّ فيه، ثم قالَ: ((اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى رُؤوسِكمَا
(١) انظر السير: (أمُّ سُلَيم الغُمَيْصَاء) ٢/ ٣٠٤-٣١١، وانظر النزهة: ١/٢٦٥.
(٢) قال النووي في ((رياضِه)) (ص٣٣٩): (وإنما قَطعَتها لتَحفَظَ مَوضِعَ فَمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم وتتبَرَّكَ به وتصُونَه عن الابْتِذال ) .
انظر السير: (أُمّ سُلَيْم الغُمَيْصَاء) ٢/ ٣٠٤-٣١١، وانظر النزهة: ٢/٢٦٥ .
(٣)
(٤)
انظر السير: (أُّ سُلَيْم الغُمَيْصَاء) ٢/ ٣٠٤ -٣١١، وانظر النزهة: ٣/٢٦٥.
(٥)
المعراق : كثيرٍ العرق .
(٦)
وأدوفُ : أخلطَ .
(٧) انظر السير: (أمّ سُلَيم الغُمَيْصَاء) ٢/ ٣٠٤ -٣١١، وانظر النزهة: ٤/٢٦٥.
٥٧٤

وَنُحُورِكمَا)) ففَعَلا! فَنَادَت أمُّ سَلمَة مِنْ وَراءِ السُّترِ أنْ فَضِّلا لأمّكُمَا، فأفْضَلا لَهَا
منه(١).
وعن أبي رُهم : أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصَارِيّ حَدَّثَه : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
نَزَلَ فِي بَيْتِنا الأسْفَل وكُنتُ في الغُرِفَةِ ، فَأَهْرِيقَ ماءٌ في الغُرِفَةِ ، فَقُمتُ أنا وأُمُ أَيُّوبَ
بقَطِيفَةٍ لنا نَتَتَبَّعُ الماءَ ، ونَزَلتُ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ لا يَنْبَغِي أن نَكونَ فَوْقَكَ ، انْتَقِلْ
إلى الغُرِفَة فَأَمَرَ بِمَتَاعِهِ فَنُقِلَ - ومَتَاعُهُ قليل - قلتُ : يا رسولَ الله ، كنتُ تُرسِلُ
بالطَّعام ، فأنظُرُ فإذا رأيتُ أَثَرَ أصابِعِكَ ، وضَعتُ فيه يَدِي(٢) .
وعن الْمُغيرَة بنِ شُعْبَة، قالَ : أنا آخِرُ النَّاسِ عَهْداً برَسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم ، لَمَّ دُفِنَ خَرجَ عَليُّ بنُ أبي طَالِب من القَبرِ ، فَألْقَيْتُ خَاتَمِي ، فَقُلتُ : يا أبَا
الحَسَن خَاتَمي! قالَ: انْزِلْ فَخُذْه، قالَ: فمَسَحتُ يَدي على الكَفَنِ ، ثمَّ
خَرَجتُ(٣) .
وعن عبدِ الأعْلَىَ بنِ مَيْمونَ بنِ مِهْرانَ: عن أبيه ، أنَّ مُعاويَةَ أوْصَى فقالَ : كُنتُ
أُوَضِّئُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فتَزَعَ قَميصَه وكَسَانيه ، فَرَفَعتُه وخَبَّأْتُ قُلامَةَ
أَظْفَارِهِ ، فإذَا مِثُّ فَأَلْبِسُوني القَميصَ على جِلْدي، واجْعَلوا القُلامَةَ مَسْحُوقَةً في
عَيْنَيَّ، فَعَسَى الله أنْ يَرِحَمَني ببَرَكتِها (٤) .
قال محمدُ بنُ سِيرين : قلتُ لعَبيدَة بن عَمرو : إنَّ عِندَنا من شَعرِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم شيئاً من قِبَلِ أنسٍ بنِ مالك ، فقال : لأَنْ يَكونَ عِندي مِنْهُ شَعرَةٌ
أَحَبُّ إليَّ من كُلِّ صَفْراءَ وبيْضَاءَ على ظَهرِ الأرض .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : هذا القَولُ من عُبَيْدَة هو مِعْيارُ كَمَالِ الحُبّ، وهو يُؤْثِرُ شَعرَةً
نَبَوِيَّةً علىُ كُلِّ ذهبٍ وفِضَّةٍ بِأَيْدِي النَّاس .
(١) انظر السير: (أبو مُوسَى الأشْعَريّ) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ١/٢٧٩.
(٢) انظر السير: (أبو أيوب الأنصاري) ٢/ ٤٠٢-٤١٣، وانظر النزهة: ١/٣٨٢.
(٣) انظر السير: (الْمُغيرَةُ بنُ شُعْبَةٍ) ٢١/٣ -٣٢، وانظر النزهة: ١/٣٢٤.
(٤) انظر السير: ( مُعاويَةُ بنُ أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٧/٣٥٦.
٥٧٥

ومِثلُ هذا يقُولُه الإمامُ بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخَمسينَ سنةً ، فما الذي
نَقُولُه نحنُ في وقتِنا لو وَجَدْنا بعضَ شَعرِه بإسْنادٍ ثابت ، أو شِسْعَ نعلٍ كان له ، أو قُلامَةً
ظُفْرٍ أو شَقْفَةً من إناءٍ شَرِبَ فيه صلى الله عليه وسلم فَلَو بَذَلَ الغَنيُّ مُعظَمَ مالِه في
تحصيلٍ شيء من ذلك عِندَه أكُنتَ تَعُدُّه مُبَذِّراً أو سَفِيهاً؟ كلَّ فابذُل مالَكَ في زَورَةِ
مسجِدِه الذي بنى فيه بيدِه والسَّلام عليه عندَ حُجرَتِه في بَلَدِهِ ، والتَّذَّ بالنَظَرِ إلى أُحُدِهِ
وأحِبَّه، فقد كان نبيّكَ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّه وتَمَلاَ بالحُلُولِ في رَوضَتِهِ ومقعَدِهِ ،
فلَنْ تكونَ مُؤمِناً حتّى يكونَ هذا السيِّدُ أحَبَّ إليكَ من نفسِك وولَدِك وأموالِك والنَّاسِ
كلِّهم وقَبِّلْ حَجَراً مُكَرَّماً نَزَلَ من الجَنَّة ، وضَعْ فَمَكَ لائِماً مكاناً قَبَّلَه سَيِّدُ البَشَر بِيَقِين ،
فهنَّاكَ الله بما أعطاك، فما فوقَ ذلك مَفْخَر ولو ظَفِرِنا بالمِحجَن الذي أشَارَ به الرسولُ
صلى الله عليه وسلم إلى الحَجَرِ ثمَّ قَبَّلَ مِحْجَنَه، لحُقَّ لنا أنْ نَزْدَحِمَ على ذلك المِحْجَن
بالتَّقْبيل والتَّبْجِيل، ونحن نَذْرِي بالضَّرُورة أنَّ تَقَبِيلَ الحَجَرِ أرْفَعُ وأفْضَلُ من تَقْبِيل
مِحْجَنِهِ ونَعْلِه صلى الله عليه وسلم .
وقد كان ثابتٌ البُنَانِيُّ إذا رَأَىُ أنَسَ بنَ مالك أخَذَ يَدَه فَقَبَّلَها ويقولُ يدٌ مَسَّتْ يَدَ
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فنقولُ نَحنُ إذْ فاتَنا ذلك: حَجَرٌ مُعَظّمٌ بِمَنزِلَةٍ
يَمِينِ اللهِ في الأرضِ مَسَّته شَفَتَا نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم لائِماً له، فإذا فاتَكَ الحَجُّ
وتَلَقَّيْتَ الوَفْدَ فَالْتَزِمِ الحَاجَّ وَقَبِّل فَمَه، وقُلْ: فمٌّ مَسَّ بالتَّقِيل حَجَراً قَبَّلَه خَلِيلِي
صلی الله عليه وسلم(١) .
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : رَأيتُ أبي يأْخُذُ شَعْرةً من شَعْرِ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم ، فَيَضَعُها علىُ فِيه يُقْبِّلُها وأحْسَبُ أنِّي رأيتُه يَضَعُها علىَ عَيْنَيْهِ ، ويَغْمِسُها
في الْماءِ وَيَشْرَبُّه يَسْتَشفي به(٢).
ورَأيْتُه أخَذَ قَصْعَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَغَسَلها في حُبِّ الْمَاءِ ثم شَربَ فيها ،
(١) انظر السير: (عَبيدة بن عَمرو) ٤/ ٤٠ -٤٤، وانظر النزهة: ٤/٤٣٩.
(٢) انظر السير: (أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١-٣٥٨، وانظر النزهة: ٥/٩٢٨.
٥٧٦

ورَأيْتُه يَشْرَبُ من مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتشفي به ، وَيمسَحُ بِه يَدَيِه ووَجْهَه(١) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: أينَ الْمُتَنطِّعُ الْمُنكِرُ على أحمَدَ، وقد ثَبتَ أنَّ عبدَ اللهِ
سَألَ أباه عَمَّن يَلمَسُ رُمَّانَةَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، ويَمَسُّ الحُجْرَةَ النَّبويَّةَ ،
فقالَ: لا أَرَى لِذَلِكَ بَأساً أعَاذَنا اللهُ وإِيَّكم من رَأي الخَوَارِجِ ومن البِدَعَ (٢).
قال : وقد صار إليَّ شَعْرٌ من شَعْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في كُمِّ قَميصي، فوَجَّه
إليَّ إِسْحاقُ بنُ إبراهيم، يقول: ما هذا المَصْرورُ؟ قلتُ : شَعْرٌ من شَعرِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم، وسَعَى بعضُهم ليَخْرِقَ القَميصَ عنِّي، فقال المُعْتَصِمُ :
لا تَخْرقوه ، فتُزِعَ، فظَنَنْتُ أنَّه إنَّما دُرِىءَ عن القَميص الخَرق بالشَّعْرِ قال : وجَلَسَ
المُعْتَصمُ على كُرسيٍّ ثم قال: العُقابَيْن والسِّياط، فجِيءَ بالعُقابَين ، فمُدَّت يَدايَ ،
فقال: بعضُ مَنْ حَضَرَ خَلفي: خُذْ ناتِىءَ الخَشَبَتَيْنِ بَيَدَيك، وشُدَّ عليهما ، فلمْ أفْهَم
ما قال ، فتخَلَّعَتْ يَداي(٣).
وقال الخَلاَّلُ : أخْبَرني عِصْمَةُ بنُ عِصَام ، حذَّثنا حَنْبَل ، قالَ : أعْطَى بَعضُ وَلَدِ
الفَضْلِ بنِ الرَّبيعِ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حَنْبَل ، وهو في الحَبسِ ثَلاثَ شَعْراتٍ ، فقالَ :
هذه من شَعْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فأوْصَىُ أبو عبد الله عند مَوتِهِ أنْ يُجعَلَ على
كُلِّ عَينٍ شَعرَةً ، وشَعرَةً علىْ لِسَانِهِ ففُعلَ ذلكَ به عند مَوتِه .
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَد ومُطيِّنٌ وغَيرُهما: ماتَ لاثنَتَي عَشرَةَ خَلتْ من رَبيع
الأوَّل ، يَومَ الجُمُعَة .
قالَ صالحُ بنُ أحمَد : واشْتَرِينَا له حَنُوطاً ، وفُرِغَ من غُسْلِه، وكفَّنَّه وحضَر نَحوُ
مئة من بني هاشِم، ونَحنُ نُكفِّتُه وجَعلوا يُقبَّلُونَ جَبهَتَه حتَّى رَفعْناهُ على السَّريرِ .
قالَ عبدُ الله: صَلَّى على أبي مُحمَّدُ بنُ عبد الله بنِ طاهِر ، غَلَبَنا على الصَّلاةِ
عَليه، وقد كُنَّا صَلَّينا عليه نَحنُ والهاشِمِيُّونَ في الدَّار ، ولَمْ يَعلَمِ النَّاسُ بذلكَ ،
(١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٢٩.
(٢) انظر السير: (أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٢٩.
(٣) انظر السير: (أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٨.
٥٧٧

فلمَّا كانَ في الغَدِ عَلِموا، فجعلوا يَجيؤُونَ ، ويُصَلُّونَ على القَبرِ ومَكثَ النَّاسُ
ما شَاءَ الله، يَأْتُونَ، فيُصلُّونَ على القَبْرِ (١).
قالَ محمَّدٌ الورَّاقُ: دَخلَ أبو عبد الله محمَّدُ بنُ إسْماعيلَ البُخاريُّ بِفِرَبْر
الحمَّامَ ، وكنتُ أنا في مَشْلَح الحمَّام ، أتَعاهَدُ عليه ثيابَه ، فلمَّا خَرِجَ ناوَلتُه ثيابَه ،
فَلَبسَها ثم ناوَلتُه الخُفَّ ، فقالَ : مَسَسْتَ شَيئاً فيه شَعرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
فقُلتُ : في أيِّ مَوْضِعِ هو من الخُفِّ؟ فَلَمْ يُخبِرْني، فَتَوَهَّمتُ أنَّه فِي سَاقِهِ بينَ
الظُّهَارَة والبطَانَةَ(٢).
وقالَ الْمُسبِّحيُّ : لَمَّا غُسِّلَ الوَزِيرُ ابنُ حِنْزَابَة جُعلَ فيه ثَلاثُ شَعراتٍ من شَعرِ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم كانَ أخَذَها بمَالٍ عَظيم .
وحِنْزَابَة: جارَةٌ هِي وَالِدَةُ الفَضْلِ الوَزير، وفي اللُّغَة: الحِنْزَابَة هي القَصيرَة
السَّمينَةُ(٣) .
٢ - صُوَرٌ من التَّبَؤُّك بالصَّالحين وآثارِهم :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ يَحْيَى بن يَحْبَى: وبَلغَنا أَنَّ يَحْتَى أَوْصَى بثيابٍ بَدَنِهِ
لِأحمَدَ بنِ حَنْبَل ، فلمَّا قَدِمَتْ على أحمَد ، أخَذَ منها ثَوباً واحداً للبَرَكَة ، ورَدَّ الباقي ،
وقالَ : إِنَّه لَيسَ تَفصيلُ ثيابِه من زِيِّ بَلدِنا(٤) .
وقالت فاطمةُ بنتُ أحمدَ بن حَنْبَل : وقع الحريقُ في بيتِ أخي صالح ، وكان قد
تَزَوَّجَ بفَتِيَّة، فحَملوا إليه جهازاً شَبيهاً بأربعة آلاف دينار فأكلَتْهُ النَّارُ ، فجَعلَ صالحٌ
يقولُ : ما غَمَّني ما ذهب إلاَّ ثوبٌ لأبي كان يُصَلِّي فيه أتَبَرَّكُ به وأصَلِّي فيه قالت :
فطُفِيءَ الحَرِيقُ، ودَخَلوا فوَجَدوا الثَّوبَ علىُ سَريره قد أكلَت النَّارُ ما حَوْلَه وسَلِمَ(٥).
(١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٩.
(٢)
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريُّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة : ١/١٠١٧.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ حنزابَة) ٤٨٤/١٦-٤٨٨، وانظر النزهة : ٤/١٣٠٧.
انظر السير: (يَحْيَى بنُ يَحْيَى) ٥١٢/١٠-٥١٩، وانظر النزهة: ٤/٨٨٩.
(٤)
(٥) انظر السير: (أحمدُ بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣١.
٥٧٨

وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ يَحْيَى بنِ مُجاهِد: ذكرَه ابنُ بَشكوال في غير
((الصِّلَة))، فقال: زاهِدُ عَصرِهِ، وناسِكُ مِصْرِه، الذي به يَتَبَرَّكونَ ، وإلى دُعائِه
يَفْزَعُون .
كانَ مُنقَطِعَ القَرين، مُجابَ الدَّعوَة ، جُرِّبَت دَعوَتُهُ فِي أَشْيَاءَ ظَهَرَت، حَجَّ وعُنِيَ
بالقِراءاتِ والتَّفسيرِ ، وله حَظٍّ من الفِقْه، لكنْ غَلَبَتْ عليه العِبَادَةِ(١).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أبي إسْحاقَ الشِّيرازيِّ: قالَ محمَّدُ بنُ عبدِ الْمَلكِ
الهَمَذانيُّ : نَدبَ الْمُقْتَدي بالله أبا إسحاقَ للرسْليَّة إلى الْمُعَسكَرِ ، فَتَوجَّه في آخِرِ
سَنةِ خَمسٍ وسَبعِينَ ، فكانَ يَخرُجُ إليه أهْلُ البَلدِ بنسائهم وأوْلادِهم يَمْسَحونَ
أرْدانَه(٢)، ويأخُذُونَ تُرابَ نَعَلَيْهِ يَسْتَشِفُونَ به، وخَرجَ الخَبَّارُونَ، ونَثَروا الخُبز ،
وهو يَنْهَاهُم ولا يَنْتَهُونَ، وخَرِجَ أصْحابُ الفَاكِهَةِ والحَلْواءِ ، ونَثَروا علىُ
( أبي إسْحاقَ وصَحْبِه، ومَرُوا علىٌ)(٣) الأَسَاكِفَة وعَملوا مَدَاسَاتٍ صِغَاراً،
ونَثَرُوها ، وهي تَقَعُ على رُؤوسِ النَّاسِ، والشَّيْخُ يُعجَبُ، وقالَ لنَا: رَأيْتُم
النُّثَّارَ ، ما وَصلَ إلَيْكُم منه؟ فقَالُوا: يَا سَيِّدي! وأنتَ أيُّ شَيءٍ كانَ حَظُّكَ منه ؟
قالَ : أنا غَطَّتُ نَفَسِي بِالْمِحَفَّة .
وكان أهل سبتة يتغالون فيه ، ويتبركون برؤيته رحمه الله(٤) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الحَجْريِّ : وكانَ أهلُ سَبْتَة يَتَغالونَ فِيه ، ويَتَبَزَّكونَ
برُؤْيَتِهِ ، رَحمَهُ الله(٥) .
(١) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مُجاهِد) ٢٤٤/١٦ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٦/١٢٩١ .
(٢) الأرْدان: جَمع ردن ، وهو أصْلُ الكُمِّ .
(٣) قالَ صاحبُ ((النَّزهَة)): ما بينَ القَوسين زيادة متعينة ليُفهَم السياق، وانظر الخبرَ بسياقٍ أحسن في
((طبقات الشافعية الكبرى)) للسُبكي (٢٢٠/٤).
(٤) انظر السير: (أبو إسحاقَ الشيرازي) ٤٥٢/١٨-٤٦٤، وانظر النزهة: ٦/١٤٣٠.
(٥) انظر السير: (الحَجْريُّ) ٢٥١/٢١-٢٥٤، وانظر النزهة: ١/١٦١٧.
٥٧٩

٣ - الاسْتشْفاء بآثارِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم :
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : رَأيتُ أبي يأْخُذُ شَعْرةً من شَعْرِ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم ، فَيَضَعُها علىُ فِيه يُقبَّلُها وأحْسَبُ أنّي رأيتُهُ يَضَعُها علىُ عَيْنَيْه، ويَغْمِسُها
في الْماءِ ويَشْرَبُّه يَسْتَشفي به(١) .
٤ - التَّبَُّك بمُصافَحَةِ الصَّالحين :
وقال أبو عمرو بنُ نُجَيد : سَمعتُ أبا عُثمانَ سَعيدَ بنَ إسْماعيلَ يقولُ : تَقدَّمتُ
لأُصافحَ أبا عبدِ الله البُوشَنْجِي تَبرُّكاً ، فقَبَضَ عَنِّ يَدَه، ثم قال: يا أبا عُثمان! لَستُ
هُناك(٢).
٥- التَّبَّك بالدَّفْنِ بِجِوار الصَّالحين :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ عبدِ الله بنِ أحمَدَ بنِ حَنْبَل : ماتَ ودُفِنَ في مَقابِر
الِّبْن(٣) ، وكان الجَمِعُ فَوقَ الْمِقْدار .
وقيلَ : إِنَّه أمَرَهم أنْ يَدِفِنُوهُ هُناكَ، وقالَ: بَلغَني أنَّ هُناكَ قَبَرَ نَبِيٍّ، ولأنْ أُكُونَ
في جِوارِ نَبِيِّ أحَبُّ إليَّ أنْ أُكُونَ في جِوارِ أبي(٤) .
وقالَ الحافِظُ ابنُ عَساكِرِ : سَمعتُ الحُسَينَ بنَ مُحمَّد يَحْكي ، عن ابنٍ خَيْرُونَ أو
غَيْرِه ، أنَّ الخَطِيبَ ذَكَرَ أنَّه لَمَّا حَجَّ شَربَ من مَاءِ زَمْزَمَ ثَلاثَ شَرباتٍ، وسَأَلَ اللهَ ثَلاثَ
حَاجَاتٍ : أنْ يُحَدِّثَ بـ «تَارِيخ بَغْدَادَ )) بها، وأنْ يُمْلِيَ الحَديثَ بجَامعِ الْمَنْصُورِ ،
وأنْ يُدفَنَ عندَ بِشْرِ الحَافي فقُضيَتْ له الثَّلاثُ (٥) .
(١) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ حَنْبَل) ١٧٧/١١-٣٥٨، وانظر النزهة : ٥/٩٢٨.
(٢) انظر السير: ( البُوشَنْجي) ٥٨١/١٣-٥٨٩، وانظر النزهة: ١/١١١٨.
(٣)
باب التُّبْن : محلة كبيرة كانت ببغداد على الخندق بإزاءه قطيعة أم جعفر .
(٤) انظر السير: (عبدُ الله بنُ أحمَد) ٥١٦/١٣-٥٢٦، وانظر النزهة: ١/١١١٤.
(٥) انظر السير: ( الخَطيبُ) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤١٢.
٥٨٠