Indexed OCR Text

Pages 281-300

٦- صَنائعُ المَعْروف تُزَيِّنُ مَنْ قُبِّح :
قالَ عَونُ بنُ محمَّد الكنْدِيُّ : لَعَهْدِي بِالكَرْخِ ، ولَوْ أَنَّ رَجُلاً قالَ : ابنُ أبي دُواد
مُسلمٌ لقُتلَ ، ثم وَقِعَ الحَريقُ في الكَرْخِ ، فَلَمْ يَكنْ مِثْلُه قَطُّ فكلَّم ابنُ أبي دُواد الْمُعْتَصِمَ
في النَّاسِ ، ورَقَّقه إلى أنْ أطلَقَ له خمسةَ آلافِ ألفِ دِرْهَم ، فقسَّمَها على النَّاسِ ،
وغَرِمَ من مَالِهِ جُملةً فَلَعَهْدي بالكَرْخِ ولو أنَّ إنْسَاناً قالَ : زِرُّ أحمَدَ بنِ أبي دُواد وَسِخٌ
لِقُتِلَ (١).
٧ - صَنائعُ المَعْروف تُثْمِرُ حتى مع البَهَائم :
قالَ عليُّ بنُ عبدِ العَزيزِ، حدَّثنا عارِمٌ ، قالَ: أَتَيْتُ أبا مَنْصُورٍ أُعُودُه، فقالَ لي :
باتَ سُفْيانُ في هذا البَيتِ ، وكانَ هنا بُلْيُلٌ لابني، فقالَ : ما بالُ هذا مَحْبُوساً ؟ لَوْ
خُلِّيَ عنه قُلتُ: هو لابني ، وهو يَهِبُه لك قالَ: لا، ولكنْ أُعْطيه ديناراً قالَ :
فأَخَذَه ، فخَلَّى عنه ، فكانَ يَذْهَبُ ويَرْعَى ، فيَجيءُ بالعَشْيِّ ، فَيَكونُ في ناحيّةِ البَيتِ ،
فلمَّا ماتَ سُفْيانُ ، تَبَعَ جنازَتَه، فكانَ يَضْطَّربُ على قَبْرِهِ ، ثم اخْتَلفَ بعد ذلك لَياليَ
إلىْ قَبِهِ ، فكانَ رُبَّما باتَ عليه، ورُبَّما رَجَعَ إلى البَيتِ ، ثم وَجَدوه مَيِّاً عند قَبِهِ ،
فدُفِنَ عندَه(٢) .
٨- المَعْروفُ التَّام :
عن يَحْبَى بنِ الفُراتِ أنَّ جَعْفَرَ بنَ محمَّد الصَّادِقِ قالَ : لا يَتِمُّ الْمَعروفُ إلاَّ
بَثَلاثَةٍ : بتَعجيلِه ، وتَصْغِيرِه، وسَتْرِه(٣) .
(١) انظر السير: (أحمَدُ بنُ أبي دُواد) ١٦٩/١١ -١٧١، وانظر النزهة: ٤/٩٢٠.
(٢) انظر السير: (سُفْيانُ الثَّوْريّ) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٧/٦٩٨.
(٣) انظر السير: (جَعْفَرُ بنُ محمَّد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ٣/٦٤٨.
٢٨١

كتْمَانُ الأَعْمَال الصَّالحَة
١ - الحَثُّ على كتْمَانِ الأعْمَال الصَّالحة :
كان أيُّوبُ السِّخْتِيانيُّ يَقولُ: لِيَتَّقِ اللهَ رجلٌ فإنْ زَهَدَ ، فلا يَجْعَلَنَّ زُهْدَه عَذاباً على
النَّاس، فلأنْ يُخْفيَ الرجُلُ زُهْدَه خَيرٌ مِنْ أنْ يُعْلِنَهِ(١).
وعن أبي حازمٍ قالَ : اكتُمْ حَسَناتِكَ ، كَما تَكْتُمُ سَيِّاتِك .
وقالَ ابنُ سَعْد: كانَ أبو حازِمِ يَقُصُّ بعدَ الفَجْرِ وبعدَ العَصْرِ في مَسجِدِ الْمَدينَةِ ،
وماتَ في خِلافَة أبي جَعْفَر، بعدَ سَنةٍ أَرْبَعينَ ومئة، قالَ : وكانَ ثِقةً كَثِيرَ
الحَديثِ(٢) .
وعن بَشْرِ بنِ الحَارِثِ قالَ: لا تَعمَلْ لتُذكَرَ، اكتُم الحَسَنَةَ كما تَكْتُمُ السَّيَّةَ(٣).
٢ - صُوَرٌّ على كتْمانِ الأعْمَال الصَّالحة :
قالَ مُغيرَةُ: كَانَ لشُرَيْحِ القاضي بَيَتٌ يَخلُو فيه يَومَ الجُمُعَة ، لا يَدري النَّاس
ما يَصنَعُ فيه .
وقيلَ : كانَ شُرَيْح قائفاً عائفاً ، أي : يَزِجُرُ الطَّيرَ ، ويُصيبُ الحَدْس (٤).
وعن سلام قال : كان أيوبُ السَّخِيَاني يقومُ الليلَ كُلَّه فيُخْفِي ذلك ، فإذا كان عند
الصُّبْحِ رَفَعَ صَوتَه كأنَّه قامَ تلك السّاعة(٥) .
وكان أيُوبُ مِمَّن يُخفي زُهْدَه دَخلْنا عليه ، فإذا هو على فِراشٍ مُخَمَّسٍ أحمر ،
فرَفَعَتُه، أو رَفَعَه بَعضُ أصْحابِنا، فإذا خَصَفةٌ مَحْشِوَّةٌ بليفٍ (٦) .
(١) انظر السير: (أيوبُ السَّخْتيانيّ) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ٦/٦٢٦.
(٢)
انظر السير: ( أبو حازم) ٩٦/٦ - ١٠٣، وانظر النزهة: ٦٣٧ /٩.
(٣) انظر السير: ( بشْرُ بنُ الحارث) ٤٦٩/١٠-٤٧٧، وانظر النزهة: ١١/٨٨٦.
انظر السير: ( شُرَيْح القاضي) ١٠٠/٤-١٠١، وانظر النزهة : ٤/٤٥٧.
(٤)
انظر السير: ( أيوبُ السَّخْتيانيّ) ١٥/٦-٢٦، وانظر النزهة: ٢/٦٢٦.
(٥)
(٦) انظر السير: ( أيوبُ السَّخْتيانيّ) ١٥/٦ -٢٦، وانظر النزهة: ٧/٦٢٦.
٢٨٢

قالَ الفَلَأَسُ : سَمعتُ ابنَ أبي عَديّ يقول : صامَ داوُدُ بنُ أبي هندٍ أربعينَ سَنَةً
لا يَعلمُ به أهلُه كان خَزَّاراً يَحمِلُ معه غَدَاءَه فيَتَصَدَّقُ به في الطَّرِيقِ(١) .
قالَ عبدُ الرحمن بنُ مَهْدي : قُلتُ لابنِ الْمُبارَك : إبراهيمُ بنُ أدْهَم مِمَّنْ سَمِعَ ؟
قالَ : قد سَمِعَ من النَّاسِ ، وله فَضْلٌ فِي نَفْسِه، صاحِبُ سَرائر وما رَأيتُه يُظهِرُ
تَسْبيحاً ، ولا شَيئاً من الخَيرِ ، ولا أكَلَ مع قَومٍ قَطُّ إلاَّ كانَ آخِرَ مَنْ يَرفَعُ يَدَه (٢).
وقالَ نُعيمُ بنُ حمّاد ، سَمعتُ ابنَ الْمُبارَك يقولُ: ما رَأيتُ أحَداً ارْتَفَعَ مثل مالِك
لَيسَ له كثيرُ صَلاةٍ ولا صِيامٍ ، إلاَّ أنْ تكونَ له سَريرةٌ (٣) .
وعن الخُرَيْبِيِّ، قالَ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَكُونَ للَّجُلِ خَبِيئَةً من عَمَلٍ صالِحٍ
لا تَعلَمُ به زَوجَتُه ولا غَيرُها (٤).
التُّصْح
١ - التُّصْحِ لعَامَّة النَّاس :
قالَ مُعاويَةُ بنُ عبدِ الكَريمِ الثَّقَفي ، سَمعتُ بَكرَ بنَ عبدِ الله يَقولُ يَومَ الجُمُعَة : لَوْ
قيلَ لي: خُذْ بِيَدِ خَيرِ أهْلِ الْمَسجِدِ ، لقُلتُ : دُلُوني على أنْصَحِهِم لعامَّتِهِم ، فإذا
قيلَ: هذا ، أخَذتُ بَيَدِه ، ولَوْ قيلَ لي: خُذْ بَيَدِ شَرِّهم ، لقُلتُ: دُلُوني على أغَشِّهم
لعامَّتِهم، ولَوْ أَنَّ مُنادياً نادَى من السَّماءِ: إِنَّه لا يَدخُلُ الجنَّة منكُم إلاَّ رَجلٌ واحِدٌ ،
لكانَ يَنْبَغِي لَكُلِّ إنْسَانٍ أنْ يَلْتَمِسَ أنْ يَكونَ هُوَ، ولَوْ أنَّ مُنادياً نادَى: إنَّه لا يَدخُلُ النَّارَ
منكُم إلاَّ رَجلٌ واحِدٌ لكانَ يَنْبَغِي لكُلِّ إِنْسانٍ أنْ يَفْرَقَ أنْ يَكونَ ذلك الوَاحِد(٥).
(١) انظر السير: (داود بن أبي هند) ٣٧٦/٦-٣٧٩، وانظر النزهة: ٢/٩٥٦.
(٢)
انظر السير: (إبراهيمُ بنُ أدْهَم) ٧/ ٣٨٧ -٣٩٦، وانظر النزهة : ٥/٧٠٧ .
(٣)
انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٧/٧٣٣.
انظر السير: ( الخُرَيْبِيُّ) ٣٤٦/٩ -٣٥٢، وانظر النزهة : ٥/٨٢٧.
(٤)
(٥) انظر السير: (بَكرُ بنُ عبد الله) ٥٣٢/٤-٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٥٥١.
٢٨٣

٢ - طَلَبُ النَّصيحَة:
عن جَعْفَر بنِ بُرْقَانَ : قالَ لي مَيْمونُ بنُ مِهْران : يا جَعْفَرُ قُلْ لي في وَجْهي
ما أكْرهُ ، فإنَّ الرجلَ لا يَنصَحُ أخاهُ حتَّى يَقولَ له في وَجْهه ما يَكرَه(١) .
قيلَ: إنَّ الإمَامَ الرِّفَاعِيَّ أَقْسَمَ على أصحابِهِ إنْ كانَ فيه عَيبٌ يُنَبِّهونَه عَليه ، فقالَ
الشَّيخُ عُمَرُ الفاروثيُّ: يا سَيِّدي أنا أعْلمُ فيكَ عَيباً قالَ: ما هو؟ قالَ: يَا سَيِّدِي عَيبُك
أنَّنَا من أصْحابِك فبَكَى الشَّيخُ والفُقَراءُ ، وقالَ - أيْ عُمَرُ - : إنْ سَلِمَ الْمَرْكَبُ، حَملَ
مَنْ فيه(٢) .
٣- الاسْتجابَةُ للتَصيحَة :
عن عَلقَمَةَ قالَ : كُنَّا عندَ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ فجاءَ خبَّابُ بنُ الأَرَتِّ حتَّى قَامَ عَلينا ،
فِي يَدِه خاتَمٌ من ذَهَب ، فقالَ : أكُلُّ هؤلاء يَقْرِؤون كما تَقْرأ؟ فقالَ عبدُ الله : إنْ
شِئتَ أمَرتُ بَعضَهم يَقرأ ، قالَ: أجلْ، فقالَ: اقْرأ يا علقَمَة! فقالَ فلانٌ: أتَأمُرهُ أنْ
يَقرأ ولَيسَ بأَقْرَئنا ؟ قالَ عبدُ الله : إنْ شِئتَ حدَّثْتُك بما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم في قَومِه وقَومِك ، قالَ علقَمَة : فَقَرأْتُ خَمسينَ آيَةً من سُورَةٍ مَرْيَم ، فقالَ
عبدُ الله: ما قَرأ إلاَّ كمَا أَقْرأ ثم قالَ عبدُ الله: ألَمْ يَأْنِ لِهَذا الخَاتَم أنْ يُطرَح؟ فَتَزَعَه ،
ورَمَىُ به ، وقالَ: والله لا تَراهُ عليَّ أبداً (٣) .
وعن أبي الفَيْض ، سَمعَ أبا حَفْص الحمْصيَّ يَقولُ : أعْطَى مُعاويَةُ الْمِقْدَادَ حِمَاراً
من الْمَغْنَمِ ، فقالَ : العِرْباضُ بنُ سارِيَة : ما كانَ لكَ أنْ تَأْخُذَه ، ولا له أنْ يُعطِيَكَ ،
كأنِّي بكَ في النَّارِ تَحمِلُه فرَدَّه .
تُوفِّيَ العِرْباضُ سَنةَ خَمسٍ وسَبعينَ(٤) .
(١) انظر السير: (مَيْمونُ بنُ مِهْران) ٧١/٥ -٧٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٢.
(٢)
انظر السير: ( الرِّفاعيّ) ٢١/ ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠١.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ مَسْعُود) ١/ ٤٦١-٥٠٠، وانظر النزهة: ١/١٩٤.
(٤) انظر السير: (العِرْباضُ بنُ سارية) ٤١٩/٣-٤٢٢، وانظر النزهة: ٣/٤٠٥.
٢٨٤

الهِمَّة
١ - من نوع الهِمَم :
من كَلامِ أحمَدَ بنِ خِضْرَوَيْهِ : القُلوبُ جوَّالَة، فإمّا أنْ تَجُولَ حَوْلَ العَرْشِ، وإمَّا
أنْ تَجُولَ حَوْلَ الحُشِّ .
قيلَ إِنَّه تُوفِّيَ سَنةَ أرْبَعين ومئتَين(١).
٢ - الهِمَّةُ العَاليَةُ فِي طَلَبِ العِلْم:
قالَ سَعيدُ بنُ الْمُسَيِّب : إنْ كُنتُ لأسيرُ الأيَّامَ واللَّياليَ فِي طَلبِ الحَديثِ
الوَاحِد(٢).
قالَ مَعْمَرُ: أَقَامَ قَتَادَةُ عندَ سَعيدٍ بِنِ الْمُسَيِّبِ ثَمانيَةَ أيّامِ ، فقالَ لَه في اليوم
الثالث: ارْتَحِلْ يا أعْمَى فقد أنزَفْتَني(٣)، (٤).
وعن مَطرِ الوَرَّاق، قالَ : ما زَالَ قَتَادَةُ مُتعلِّماً حتَّى ماتَ .
قالَ أبو هِلال : قالوا لقَتَادَة: نَكْتُبُ ما نَسمَعُ منكَ؟ قالَ: ومَا يَمنَعُكَ أنْ تَكْتُبَ،
وقد أخْبَرَكَ اللَّطيفُ الخَبِيرُ أنَّ يَكْتُبُ، فقالَ: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ كِتَفٍ﴾(٥)، (٦).
وقالَ الإمامُ أحمَدُ : كانَ قَتَادَةُ أحْفَظَ أهلِ البَصْرَة ، لا يَسْمَعُ شَيئاً إلاَّ حَفظَه ، قُرىءَ
عليه صَحِيفَةُ جابرٍ مرَّة واحدَة فحَفِظَها(٧) .
وعن ابنِ جُرَيْج قالَ : أَقَمتُ على عَطاء إحْدَىُ وعِشرينَ حجَّة ، يَخرُجُ أَبُوايَ إلى
(١) انظر السير: ( أحمَدُ بنُ خِضْرَوَيْه) ١١ / ٤٨٧-٤٨٩، وانظر النزهة: ١/٩٦٢.
(٢) انظر السير: (سَعيدُ بنُ الْمُسَيِّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٨/٤٨٢.
(٣) أي: أخذتَ منِّي علمي كلَّه ولم يبقَ منه شيءٌ، يُقالُ: نزفت ماء البئر نزفَاً: إذا نزحته كلَّه.
(٤)
انظر السير: ( قَتادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٥/٦٠١.
(٥)
سورة طه ، الآية : ٥٢ .
(٦) انظر السير: (قَتَادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٥/٦٠٢.
انظر السير: ( قَتادَة) ٢٦٩/٥ -٢٨٣، وانظر النزهة: ٣/٦٠٣.
(٧)
٢٨٥

الطَّائفِ وأُقيمُ أنا تَخوُّفاً أنْ يَفْجَعَنِي عَطاءٌ بنَفْسِه قالَ بَعضُ الحُفَّاظ : لابنِ جُرَيج نَحوٌ
من ألفٍ حَديثٍ - يَعني الْمَرفُوعَ - وأمَّا الآثارُ والْمَقاطيعُ والنَّفسيرُ ، فشيء كثير(١).
وقالَ فُضَيلُ بنُ غَزْوَان : كُنَّا نَجلسُ أنا وابنُ شُبْرُمَة ، والحارِثُ بنُ يَزِيد العكليُّ ،
والْمُغيرَةُ، والقَعْقَاعُ بنُ يَزِيد باللَّيلِ نَتَذَاكَرُ الفِقْهَ، فَرُتَّمَا لَمْ نَقُمْ حَتَّى نَسمَعَ النِّدَاءَ(٢).
وقالَ عليُّ بنُ الحُسَن بنُ شَقيق: قُمتُ لأخْرُجَ مع ابنِ الْمُبارَك في لَيلةٍ بارِدَةٍ من
الْمَسجِدِ ، فَذَاكَرَني عندَ البابِ بِحَديثٍ ، أو ذاكَرتُه، فما زِلْنا نَتَذاكَرُ ، حَتَّى جاءَ
الْمُؤذِّنُ للصُّبحِ(٣) .
وعن أبي بَكْر قال : اخْتلَفَتُ إلى عاصِم نَحْواً من ثلاث سنين، في الحَرِّ والشِّتَاءِ
والمَطَر ، حتى رُبَّما اسْتَحْيَيتُ من أهْلِ مَسْجدٍ بَني كاهِل .
وعن أبي بَكْر بنِ عَيَّاش قال: الدُّخُولُ في العلمِ سَهلٌ ، لكنَّ الخُروجَ منه إلى الله
شَديد (٤) .
وسُئلَ أبو داود : أيُما أحْفَظُ وَكيعٌ أو عبدُ الرحْمَانِ بنُ مَهْدي؟ قالَ: وَكيعٌ أحْفَظُ
وعبدُ الرَحْمَن أتْقَنُ، وقد الْتَقَيا بعدَ العِشاءِ فِي الْمَسجِد الحَرامِ ، فَتَواقَفا حتَّى سَمعا
أذانَ الصُبْحِ (٥) .
وقالَ محمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعيد : قالَ أبي : كُنتُ أخْرجُ من البَيتِ أطلُبُ الحَديثَ ،
فلا أرْجِعُ إلاَّ بعدَ العَتمَةِ (٦).
جاءَ في تَرجَمَةِ أبي عبدِ الله القَعْنَيِّ، قالَ أبو حاتم : ثِقَةٌ حُجَّةٌ لِمْ أَرَ أَخْشَعَ منه ،
سَألْنَاه أنْ يَقرأْ عَلينا ((الْمُوَطَّأ)) فقالَ: تَعالوا بالغَدَاة، فقُلنا لنا مَجلِسٌ عندَ حَجَّاجٍ بنِ
(١) انظر السير: (ابنُ جُرَيْج) ٣٢٥/٦ -٣٣٦، وانظر النزهة: ٤/٦٥٥.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بنُ شُبْرُمَة) ٣٤٧/٦ -٣٤٩، وانظر النزهة: ٦/٦٥٥.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بنُ الْمُبارَك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٣/٧٦٩.
انظر السير: ( أبو بكر بن عيّاش) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ٣/٧٨٧.
(٤)
انظر السير: ( وَكيع) ١٤٠/٩ -١٦٨، وانظر النزهة: ٢/٨١٠.
(٥)
(٦) انظر السير: (يَحْيَى القَطَّان) ١٧٥/٩-١٨٨، وانظر النزهة: ٢/٨١٦.
٢٨٦

مِنْهَال، قالَ: فإذا فَرَغتم منه قُلنا: نأتي حينئذ مُسْلمَ بنَ إبراهيمَ قالَ : فإذا فَرَغتم
قُلنا : نَآتي أبا حُذَيْفَةَ النَّهْدِيَّ قالَ : فَبَعدَ العَصْرِ قُلنا : نَآتِي عَارِماً أبا النُّعْمَان ، قالَ:
فَبَعَدَ الْمَغربِ فكانَ يَأتينا باللَّيلِ، فَخرُجُ عَلينا، وعَليه كبْلٌ(١) ما تَحتَه شَيءٌ في
الصَّيفِ ، فكانَ يَقرأ عَلينا في الحَرِّ الشَّديدِ حينئذ .
قالَ عَمرُو بنُ عَلَيّ بنِ الفَلأَس: كانَ القَعْنَبِيُّ مُجابَ الدَّعْوَة(٢).
وقالَ أبو أُمَّة الطَّرَسُوسيُّ : سَمعتُ عليَّ بِنَ الْمَديني ، يَقولُ: رُبَّما أُذْكرُ الحَديثَ
في اللَّيلِ ، فَآمُرُ الجاريَةَ تُسْرِجُ السِّراجَ فَأَنْظُرُ فيه(٣) .
وكانَ أبو بَكْر السِّجِسْتانيُّ يَقولُ : دَخلتُ الكُوفَةَ ومَعي دِرهَمٌ واحِدٌ ، فأخَذتُ به
ثَلاثينَ مُدَّ باقلاًّ(٤) ، فكُنتُ آكُلُ منه، وأكتُبُ عن أبي سَعيد الأشَجِّ ، فما فَرِغَ الباقلاً
حتىْ كَتبتُ عنه ثَلاثِينَ ألفَ حَديثٍ ، ما بَيْنَ مَقطُوعٍ ومُرْسَل(٥) .
وقالَ ابنُ أبي حاتم الرَّازي في أوَّل كتاب ((الجَرْحِ والتَّعْديل )) له : سَمعتُ
أبي يَقولُ: أوَّلُ سَنةٍ خَرجتُ فِي طَلبِ الحَديثِ ، أَقَمتُ سَبعَ سِنِينَ ، أَحْصَيتُ
ما مَشَيتُ علىُ قَدَمي زيادَةً علىَ ألفِ فَرْسَخ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: مَسافَةُ ذلكَ نَحوُ أرْبَعة أشْهُر، سَيرَ الجادّة.
قالَ : ثم تَركتُ العَددَ بعدَ ذلك، وخَرجتُ من البَحْرَينِ إلى مِصْرَ ماشياً ، ثم إلى
الرَّمْلَةِ ماشياً ، ثم إلى دِمَشْقَ ، ثم أنْطاكيَة وطَرَسُوسَ ، ثم رَجَعتُ إلى حِمْصَ ، ثم إلى
الرَّقَّة ، ثم رَكبتُ إلى العِراقِ ، كلُّ هذا في سَفري الأوَّل وأنا ابنُ عِشرينَ سَنةً(٦) .
وقالَ ابنُ أبي حاتم سَمعتُ أبي يَقولُ : بقيتُ فِي سَنةِ أَرْبَعِ عَشرَة ثمانية أشْهُر
(١) الكَبْلُ : الفَرو الكبير .
(٢)
انظر السير: ( القعْنبيُّ) ١٠/ ٢٥٧-٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/٨٧٥.
(٣)
انظر السير: ( عَلَيُّ بِنُ الْمَدينيّ) ٤١/١١ -٦٠، وانظر النزهة: ٢/٩٠٨.
(٤)
الباقلاء باللهجة العراقية : الفول .
انظر السير: ( أبو بكر السِّجِسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ٣/١٠٧٢.
(٥)
(٦) انظر السير: (أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ - ٢٦٣، وانظر النزهة: ٤/١٠٧٥.
٢٨٧

بالبَصْرَة ، وكانَ في نَفَسي أنْ أُقيمَ سَنةً ، فانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي ، فجعلتُ أبيعُ ثيابي حتى
نَفِذَت ، وبقيتُ بلا نَفَقَة، ومَضيتُ أطُوفُ مع صَديق لي إلى الْمَشْيَخَة ، وأسْمَعُ إلى
الْمَساء ، فانْصَرَفَ رَفيقي ، ورَجَعتُ إلى بَيْتِي ، فَجَعَلتُ أَشْرَبُ الماءَ من الجُوعِ ، ثم
أَصْبَحْتُ ، فَغَدا عليَّ رَفيقي، فجَعلتُ أَطُوفُ معه في سَماعِ الحَديثِ علىْ جُوعٍ
شَديدٍ ، وانْصَرفتُ جائعاً، فلمَّا كان من الغَد ، غدا عليَّ فقالَ: مُرَّبنا إلى الْمَشايخِ .
قُلتُ : أنا ضَعيفٌ لا يُمكني قالَ : ما ضَعفُك؟ قُلتُ : لا أكْتُمُك أمْري ، قد
مَضَى يَومان ما طَعِمتُ فيهما شَيْئاً، فقالَ : قد بَقيَ معي دينارٌ، فِنِصْفُه لك ، ونَجعَلُ
النَّصْفَ الآخَر في الكِراء ، فخَرَجنا من البَصْرَة، وأخَذتُ منه النِّصْفَ دينار(١).
وقالَ أبو العَبَّاسِ ثَعلبُ: ما فَقدتُ إِيْراهيمَ الحَربيَّ(٣) من مَجلس لُغَة ولا نَحْو ،
من خَمسينَ سَنةً(٣).
وقالَ أبو القاسِمِ بنُ عَقيل الوَرَّاق: إنَّ أبَا جَعْفَرَ الطَّبَرِيَّ قالَ لأصْحابِهِ : هلْ
تَنْشَطُونَ لتَارِيخِ العَالَم من آدَمَ إلى وَقِتِنا؟ قالوا: كَمْ قَدرُه؟ فذَكرَ نَحْوَ ثَلاثينَ ألفَ
وَرَقَةٍ ، فقالوا: هذا مِمَّا تَفْنَى الأعْمارُ قبلَ تَمامِه! فقالَ: إِنَّا لله! ماتَتِ الهِمَمُ فاخْتَصرَ
ذلكَ في نَحْوٍ ثلاثةِ آلافٍ وَرَقَة، ولَمَّا أنْ أرادَ أنْ يُمليَ التَّفسيرَ قالَ لهم نَخْواً من ذلك ،
ثم أمْلاهُ على نَحْوٍ من قَدرِ التَّاريخ(٤) .
وقال محمّدُ بنُ عليّ السُّلَميُّ : قُمتُ ليلةٌ سَحراً لآخُذَ النَّوْبَة على ابنِ الأخْرَم ،
فوَجدتُ قد سَبقَني ثلاثونَ قارئاً ، وقال : لمْ تُدْركْني النَّوبَّةُ إلى العَصْر .
تُوفِّي ابنُ الأخْرَم في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وعاشَ إحدَى وثمانين
سنة (٥) .
(١) انظر السير: (أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٥/١٠٧٥.
(٢) الحربيُّ: نسبةً إلى محلة غربي بغداد بها جامع وسوق ((اللباب)).
(٣)
انظر السير : ( إبراهيمُ الحَرْبيُّ) ٣٥٦/١٣ -٣٧٢، وانظر النزهة : ٥/١٠٩٤.
(٤) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرير الطّبَري) ٢٦٧/١٤-٢٨٢، وانظر النزهة: ٣/١١٥١ .
(٥) انظر السير: (ابنُ الأخْرَم) ٥٦٤/١٥-٥٦٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٩.
٢٨٨

وقالَ ابنُ حِبَّان في أثناء كتابِ ((الأنْواع)): لَعلَّنا قد كَتبنا عن أكثر من ألْفَي شَيخ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كَذا فلتَكُن الهِمَمُ ، هذا مع ما كانَ عَليه من الفِقْهِ
والعَربيّة ، والفضائلِ البَاهِرَة، وكثرَة التَّصانيفِ(١).
وقالَ أبو مَسْعود عبدُ الرَّحيم الحَاجي : سَمعتُ محمدَ بنَ طاهِرٍ يَقولُ : بُلتُ الدَّمَ
فِي طَلبِ الحَديثِ مرَّتين ، مرَّةً بَغدادَ ، وأخرَىْ بمَكَّة، كُنتُ أمشي حافياً في الحَرِّ ،
فَلَحِقَني ذلك ، وما رَكبتُ دَابَّةٌ قَطُّ فِي طَلبِ الحَديثِ وكنتُ أحملُ كُتبِي على ظَهْري ،
وما سَألتُ في حالِ الطَّلبِ أحَداً ، كُنتُ أعيشُ على ما يأتي(٢).
وقالَ يوسُفُ بنُ أحمدَ الشِّيرازيُّ في ((أرْبَعين البُلْدان)) له : لَمَّا رَحلتُ إلى شَيخِنا
رُحْلَةِ الدُّنيا ومُسْنِدِ العصر أبي الوَقت ، قدَّر الله لي الوُصولَ إليه في آخِرِ بلادِ كرمانَ ،
فسَلمتُ عليه ، وقَبَّلْتُه، وجَلستُ بينَ يَدِيه فقالَ لي: ما أقْدَمَك إلى هذه البلادِ ؟ قُلتُ
كانَ قَصدي إليكَ، ومُعَوَّلي بعد الله عَليكَ، وقد كتبتُ ما وقعَ إليَّ من حَديثك
بقَلَمي ، وسَعيتُ إليك بقَدَمي ، لأَدْرِكَ بَرَكَةَ أنْفَاسِك، وأحْظَى بِعُلُوِّ إِسْنادِك، فقالَ:
وفَّقْكَ اللهُ وإِيَّانا لِمَرْضاتِهِ ، وجَعلَ سَعيَنا له وقَصْدَنا إليه، لَوْ كُنْتَ عَرَفُتَنِي حَقَّ مَعْرفَتِي
لَمَا سلَّمْتَ عليَّ، ولا جَلَسْتَ بين يديَّ، ثم بَكَىُ بكاءً طويلاً ، وأبْكَى مَنْ حَضَرَه ، ثم
قالَ : اللَّهُمَّ اسْتُرْنا بسِتْرِك الجَميلِ، واجْعَل تَحتَ السِّتْرِ ما تَرضَى به عنَّا، يا وَلدي
تَعلمُ أَنِّي رَحلتُ أيضاً لسَماعِ ((الصَّحيح)) ماشياً مع وَالِدي من هَرَاةَ إلى الدَّاووديِّ
بـ((بُوشَنْجِ)) وليَ دون عَشر سنين، فكانَ وَالِدي يَضِعُ على يَدِيَّ حَجَرين ويقولُ:
احْمِلْهما ، فكُنتُ من خَوْفه أحفَظُهما بيَديَّ، وأمشي وهو يَتأمَّلُني ، فإذا رآني قد عَبيتُ
أمرَني أن أُلْقِيَ حَجَراً واحداً ، فَأُلْقِي ويَخِفتُّ عنِّي ، فأمشي إلى أنْ يَتِبينَ له تَعَبِي ،
فيَقولُ لي : هَلْ عَبِيتَ ؟ فأخافُه، وأقُولُ : لا فيَقولُ: لِمَ تُقَصِّرْ في المَشْيِّ؟ فَأَسْرِعُ
بين يَدِيْه ساعةً ، ثم أعْجَزُ، فَيَأْخُذُ الآخَرَ فِيُلقيه، فأمشي حتَّى أعْطَب ، فحينئذ كانَ
يَأْخُذني ويَحمِلُني، وكُنَّا نَلَتَفي جَماعَةً من الفَلَأَحينَ وغَيرَهم ، فيقولون: يا شَيخُ
(١) انظر السير: (ابنُ حِبَّان) ٩٢/١٦ -١٠٤، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٩.
(٢) انظر السير: (محمَّدُ بنُ طاهِر) ٣٦١/١٩ -٣٧١، وانظر النزهة: ٢/١٤٨٦.
٢٨٩

عيسَىْ ، ادْفَع إلينا هذا الطِّفْلَ نُركِبُه وإِيَّكَ إلى بُوشَنْجِ، فَيَقولُ: مَعاذَ الله أنْ نَركَبَ في
طَلبٍ أحاديثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، بلْ نَمِشِي ، وإذا عَجزَ أرْكَبْتُه على
رَأسي إجْلالاً لحَديثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ورَجاءَ ثَوابِه فكانَ ثَمرَةُ ذلكَ من
حُسْنِ نِيَتِهِ أَنِّي انْتُفَعتُ بسَماع هذا الكِتَاب وغَيْرِهِ ، ولَمْ يَبْقَ من أقْراني أحَدٌ سِوايَ ،
حثَّى صارَت الوُفُودُ تَرَحَلُ إِلَيَّ من الأمْصارِ ثم أشارَ إلى صاحِبِنا عبدِ الباقي بنِ عبدِ
الجَبَّار الهَرَويِّ أنْ يُقدِّمَ لَيَ حَلَوَاءَ ، فَقُلتُ: يا سَيِّدي، قِراءَتي الجُزءٍ أبي الجَهْم أَحَبُّ
إليَّ من أكْلِ الحَلْواء ، فَتَبسَّمَ، وقالَ: إذا دَخلَ الطَّعامُ خَرِجَ الكَلامُ ، وقَدَّمَ لنا صَحْناً
فيه حَلْواءُ الفانيذ، فأكَلنا، وأخْرَجتُ الجُزءَ، وسَألْتُه إحْضَارَ الأصْلِ ، فَأَحْضَرَه ،
وقالَ : لا تَخَفْ ولا تَحْرِصْ، فإنِّي قد قَبرتُ مِمَّنْ سَمعَ عليَّ خَلقاً كثيراً ، فسَلْ اللهَ
السَّلامَةَ ، فقرأتُ الجُزءَ، وسُرِرْتُ به، ويَسَّر اللهُ سَماعَ ((الصَّحِيحِ)) وغَيرِهِ مِراراً(١).
السَّمْعانيُّ :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَتِهِ: الإمامُ الحافِظُ الكَبيرُ الأوْحَدُ الثَّةُ ، مُحدِّثُ
خُراسَانَ، أبو سَعْد عبدُ الكَريم بنِ الإمامِ الحافِظِ النَّقِد أبي بَكْر محمَّدٍ بنِ العَلَّمَة مُفْتي
خُراسَانَ أبي الْمُظفَّر مَنْصُور، الثَّميمِيُّ السَّمْعانِيُّ الخُرَاسَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، صاحبُ
الْمُصنَّفَاتِ الكَثيرَة .
وُلد بمَرْوَ، سَنَةَ سِتُّ وخَمسٍ مئة (٢) .
ولا يُوصَف كثرةُ البلادِ والمشايخ الذين أخذَ عنهم .
فسَمِعَ بَآمُّل طَبَرِسْتان، وبأبِيْوَرد ، وبإسفرايين، وبالأنْبار، ويبُخارَى ،
ويُبُرُوجِرْد، وببَسْطام ، وبالبَصْرة، وببَغْشور، وببَلْخ، وبتِرْمِذ، وبجُرْجان ،
وبحَلَب ، وبحَماة ، وبحَمْص، وبخَرْتَنْك عند قَبِ البُخاريِّ، وبخُسْرَ وجِرد ،
وبالريِّ ، وبسَرْخَس، وبسَمَرْقَند ، وبهَمَذان وهَراة والحَرمَين ، والكُوفَة ، وطُوس ،
(١) انظر السير: (أبو الوقت) ٣٠٣/٢٠-٣١١، وانظر النزهة: ١/١٥٥٣.
(٢) انظر السير: (السَّمْعَانِيُّ) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة : ١/١٥٧٧.
٢٩٠

والكَرِخ، ونَسَا، وواسِط ، والمَوْصِل، ونَهاوَنْد، والطَّالقان، وبوشنج ،
والمَدائن ، وبِقاع يَطولُ ذِكْرُها بحيث إنَّه زارَ القُدسَ والخَليلَ وهما بأيدي الفِرَنْج ،
تَحْيَّلَ ، وخاطَرَ في ذلك ، وما تَهِيََّ ذلكَ للسِّلَفيِّ ولا لابنِ عَساكر .
وكان ظَرِيفَ الشَّمائل، حُلوَ المُذاكَرَةِ ، سَرِيعَ الفَهْم ، قَويَ الكتابَة سَرِيعَها ،
دَرسَ وأفْتَى ووَعَظَ، وسادَ أهلَ بَيتِهِ ، وكانوا يُلقِّبُونَه بلقَب والدِه تاج الإسلام ، وكان
أَبُوه يُلقَّب أيضاً مُعين الدِّين(١) .
قالَ ابنُ النَّجَّار : سَمعتُ مَنْ يَذْكرُ أنَّ عَددَ شُيوخ أبي سَعْد سَبعَةُ آلافِ شَيخ قالَ :
وهذا شَيءٌ لَمْ يَبلُغْه أحَدٌ ، وكانَ مَلِيحَ التَّصانيفِ كَثيرَ النشوارِ والأناشِيدِ ، لَطِيفَ
الْمِزاج، ظَريفاً، حافِظاً، واسِعَ الرِّحْلَة، ثِقةً صَدوقاً دَيَّناً، سَمعَ منه مَشايخُه
وأقرانُه .
ماتَ الحافِظُ أبو سَعْد سَنةَ اثنَتَينِ وَسِتِّينَ وخَمسٍ مئة بمَرْو وله سِتٍّ وخَمسُونَ
سَنةً(٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ السِّلَّفَيِّ: بَقِيَ ثَمانيَةَ عَشرَ عَاماً ، يَكْتُبُ الحَديثَ
والفِقْهَ والأدَبَ والشِّعْرَ وقَدِمَ دِمَشْقَ سَنَ تِسعِ وخَمسِ مئة ، فأقامَ بها سَنْتَينٍ ، يَكتُبُ
العِلْمَ مُقيماً بالخانقاه ثم اسْتَوطَنَ ثَغْرَ الإِسْكَندِّرَّة بضْعاً وسِتِينَ سَنةً وإلى أنْ ماتَ يَنشُرُ
العِلمَ ويُحصِّلُ الكُتبَ التي قَلَّ ما اجْتمَعَ لعَالِمٍ مثلَها في الدُّنيا .
ارْتَحلَ إليه خَلقٌ كَثِيرٌ جداً، ولا سيَّما لَمَّا زالَت دَولَةُ الرَّفْضِ عن إِقْلِيمٍ مِصْرَ
وتَملَّكَها عَسكَرُ الشَّام، فارْتَحلَ إليه السُّلطَانُ صَلاحُ الدِّينِ، وإِخْوَتُه وأُمَرَاؤُه ،
فسَمِعُوا منه .
وحدَّث عنه الأئمَّةُ وكانَ مُكبّاً على الكِتابَة والاشْتِغالِ والرِّوايَة ، لا رَاحَةَ له غالباً إلاَّ
في ذلك ولَه تَصانيفُ كَثيرة ، وكانَ يَستَحسِنُ الشِّعرَ، ويَنْظُمُه، ويُثيبُ مَنْ يَمدَحُه(٣).
(١) انظر السير: (السَّمْعَانيُّ) ٤٥٦/٢٠ -٤٦٥، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٧.
(٢) انظر السير: (السَّمْعَانيُّ) ٤٥٦/٢٠-٤٦٥، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٧.
(٣) انظر السير: (السِّلفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٩١.
٢٩١

٣- الهِمَّةُ العَاليَةُ فِي التَّصْنِيفِ والقِراءَة :
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ الجَاحِظِ: كان من بُحُورِ العِلمِ ، وتَصانيفُه كثيرة جداً
قيلَ: لَمْ يَقَع بِيَدِه كتابٌ قَطُّ إلَّ اسْتَوفَى قِراءَتَه، حتَّى إِنَّه كانَ يَكْتَرِي دَكاكينَ الكُتْبِّينَ ،
ويَبيتُ فيها للمُطالَعَةِ ، وكانَ باقِعَةً(١) في قُوَّةِ الحِفظِ .
وله كتابُ ((الحيَوان)) سَبعَ مُجلَّدات، وأضَافَ إليه كتابَ ((النِّساء)) وهو فَرِقُ
ما بَينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى، وكتابُ ((البغَال)) وقد أُضيفَ إليه كتابٌ سَمَّوهُ كتابَ (( الجِمَال ))
لَيْسَ من كَلامِ الجاحِظِ ، ولا يُقارِبُه .
قالَ رَجلٌ للجاحِظِ : أَلَكَ بالبَصْرَةِ ضَيْعَةٌ؟ قالَ: فَتَبَسَّمَ، وقالَ : إنَّما إناءٌ وجارِيَةٌ
ومَنْ يَخدِمُها ، وحِمارٌ، وخادِمٌ أَهْدَيتُ كتابَ ((الحَيَوان)) إلى ابنِ الزيَّات ، فَأَعْطَاني
ألْفَيْ دينار ، وأَهْدَيتُ إلى فُلان فذَكَرَ نَحْواً من ذلك، يَعني: أنَّه في خَيرٍ وَثَروَةٍ(٢) .
وقالَ الحاكمُ : سَمعتُ أبا عَليٍّ محمَّدَ بنَ أحمَدَ بنِ زَيْد الْمُعدَّل يَقولُ : سَمعتُ
يَحْيَى بِنَ الذُّهْليِّ يَقولُ : دخلتُ على أبي في الصَّيفِ الصائف وَقتَ القائلَة وهو في بَيَتِ
كُتْبِهِ ، وبينَ يَدَيه السِّراجُ، وهو يُصنِّفُ، فقُلتُ: يا أبتِ هذا وَقتُ الصَّلاةِ، ودُخانُ
هذا السِّراج بالنَّهارِ ، فلو نفَّسْتَ عن نَفَسِك قالَ : يا بُنَّي ، تَقولُ لي هذا، وأنا مع
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصْحابِهِ والتَّابِعِينَ !! (٣).
وقالَ محمَّدُ بنُ يُوسُف البخاريُّ: كُنتُ مع مُحمَّدٍ بنِ إِسْماعيلَ البُخاري بمَنِزِلِه
ذاتَ لَيَلَة ، فأَحْصَيتُ عليه أنَّه قامَ وأسْرَجَ يَسْتَذكِرُ أَشْياءَ يُعلِّقُها في لَيلةٍ ثَمان عَشرَةَ
مرَّة (٤) .
(١) أي داهيةً، يُقالُ: ما فُلانُ إلاَّ باقِعَة من البَواقع، سُمِّيَ باقعة لحلوله بقاع الأرض ، وكثرة تنقيبه في
البلاد ، ومعرفته ما بها ، فشبه الرجل البصير بالأمور ، الكثير البحث عنها ، المجرب لها به ، والهاء
دخلت في نعت الرجل للمبالغة في صفته ، كما قالوا : رجلٌ علَّمَة ونسَّابَة .
(٢) انظر السير: (الجَاحظُ) ٥٢٦/١١-٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٩٦٦.
(٣) انظر السير: (الذُّهْلِيُّ وابنُه) ٢٧٣/١٢ - ٢٨٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٠٠.
(٤) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريُّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ١/١٠١٢.
٢٩٢

وقالَ الخَطيبُ : سَمعتُ عليَّ بنَ عُبَيدِ اللهِ اللُّغَويَّ يَحكي: أنَّ محمَّدَ بنَ جَرِير
مَكثَ أَرْبَعِينَ سَنةً يَكتُبُ في كُلِّ يَومٍ منها أرْبَعِينَ وَرَقةٌ .
قالَ الخَطيبُ : وبَلغَني عن أبي حامد أحمدِ بنِ أبي طاهِرِ الإسْفَراييني الفَقيه أنَّه
قالَ : لَوْ سافَرَ رَجلٌ إلى الصِّينِ حتَّى يُحَصِّلَ تَفسيرَ محمَّد بنِ جَرِير لَمْ يَكُنْ كثيراً .
قالَ الحاكمُ : سَمعتُ حُسَيْنَك بنَ عليّ يَقولُ : أوَّلُ ما سَأَلَني ابنُ خُزَيْمَة فقالَ لي :
كَتبتَ عن محمَّدِ بنِ جَرير الطَّبَرِي؟ قُلتُ : لا، قالَ : ولِمَ ؟ قُلتُ : لأنَّه كان
لا يَظَهرُ ، وكانت الحَنابلَةُ تَمنَعُ من الدُّخولِ عليه، قالَ: بئسَ مَا فَعلتَ ، لَيتَكَ لَمْ
تَكْتُبْ عن كُلِّ مَنْ كَتبتَ عَنهم ، وسَمعتَ من أبِي جَعْفَر .
قالَ الحاكمُ : وسَمعتُ أبا بَكْر بنَ بالُويه يَقولُ : قالَ لي أبو بَكْر بنُ خُزَيْمَة : بَلَغَني
أنَّك كَتبتَ التَّفسيرَ عن محمَّدِ بنِ جَرير؟ قُلتُ : بَلَى كَتبتُه عنه إمْلاءً، قالَ : كُلَّه ؟
قُلتُ : نَعَم ، قالَ في أيِّ سَنةٍ ؟ قُلتُ : من سَنةِ ثَلاثٍ وثَمانينَ إلى سَنةِ تِسعينَ ومِئْتَين
قالَ : فَاسْتَعارَه مِنِّي أبو بَكْر ابنُ خُزَيْمَة ، ثم رَدَّه بعدَ سِنِينَ ، ثم قالَ : لقد نَظرتُ فيه
من أوَّلِه إلى آخِرِهِ وما أعْلَمُ على أديمِ الأرْضِ أَعْلَمَ من محمَّدِ بنِ جَرير ولقد ظَلمَتْه
الحَنابِلَةِ(١) .
وقالَ ابنُ الآبْنُوسي : كانَ الحافِظُ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ يَمشي وفي يَدِه جُزءٌ
يُطالِعُهُ(٢) .
قالَ يَحْيَىُ بنُ البَنَّاءِ: كانَ الحُمَيْدُّ من اجْتهادِهِ يَنسَخُ بِاللَّيْلِ فِي الحَرِّ ، فكانَ
يَجلسُ في إجَّانَةٍ في ماءٍ يَتبرَّدُ به .
قالَ الحُسَينُ بنُ محمَّد بنِ خُسْرو : جاءَ أبو بَكْر بنُ مَيْمونَ ، فَدَقَّ البابَ على
الحُمَيْدِيِّ، وظنَّ أَنَّ أذِنَ له ، فدَخلَ، فوَجدَه مَكشُوفَ الفَخْذِ فَبَكى الحُمَيْدِيُّ ،
وقالَ : والله لقد نَظَرتَ إلى مَوْضِع لَمْ يَنْظُرُهُ أحَدٌ منذُ عَقَلتُ .
(١) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرِير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ١/١١٥١.
(٢) انظر السير: (الخَطيبُ) ١٨/ ٢٧٠ -٢٩٧، وانظر النزهة: ١/١٤١٣.
٢٩٣

قالَ القاضي عياض : محمَّدُ بنُ أبي نَصْر الأزْدِيُّ الأَنْدَلُسيُّ، سَمعَ بمُيُورقَةَ من ابنِ
حَزْم قَديماً، وكانَ يَتعصَّبُ له، ويَميلُ إلىْ قَولِهِ وأصَابَتْه فيه فَتَنَةٌ ، ولَمَّا شُدِّدَ على ابنِ
حَزْم، خَرِجَ الحُمَيْدِيُّ إلى الْمَشْرِقِ .
تُوفِّيَ الحُمَيْدِيُّ سَنةً ثَمانٍ وثَمانينَ وأرْبَع مئة عن بضع وستِّينَ سَنةً أو أكثر ، وصلَّى
عليه أبو بكر الشَّاشي، ودُفنَ بِمَقْبَرَة باب أبْرَز ، ثم إنَّهم نَّقَلوهُ بعدَ سَنتَين إلى مَقْبَرَة بابٍ
حَرْب، فدُفِنَ عندَ بِشْرِ الحافي(١).
قالَ الحافِظُ عبدُ القادِرِ الرَّهاويُّ : وسَمعتُ أبا الفَضْلِ بنَ بْنَيْمانَ الأديبَ يَقولُ :
رَأيتُ أبا العَلاءِ العَطَّارِ الهَمَذانيَّ في مَسجِدٍ من مَساجِد بَغدادَ يَكتُبُ وهو قائمٌ، لأنَّ
السِّراجَ كان عالياً ، إلى أنْ قالَ : فَعَظُمَ شَأْنُه في القُلوب، حتَّى إنْ كانَ ليَمُرُ فِي هَمَذانَ
فلا يَبقَى أَحَدٌ رَآهُ إلاَّ قامَ ودَعا له، حتَّى الصِّنْيَانُ واليَهودُ ، ورُبَّما كانَ يَمضي إلى بَلدَةِ
مُشْكَانَ يُصلِّي بها الجُمُعَة، فيَتلقَّاهُ أهلُها خارجَ البَلدِ ، الْمُسلِمُونَ على حِدَة ، واليَهُودُ
على حِدَة، يَدعُونَ له ، إلى أنْ يَدخُلَ البَلَد .
وكان يُفْتَحُ عليه من الدُّنيا جُمَلٌ ، فَلَمْ يدَّخِرْها ، بل يُنْفِقُها على تَلامِذَتِهِ ، وكانَ
عليه رُسومٌ لأقْوَام ، وما كانَ يَبرَح عليه ألفُ دينار هَمَذانِيَّة أو أكثر من الدَّيْن ، مع كثرَةِ
ما كانَ يُفْتَحُ عليه .
وكانَ يَطلبُ لأَصْحابِهِ من النَّاس ، ويُعِزُّ أصْحابَه ومَنْ يَلُوذُ به ، ولا يَحضُرُ دَعوَةً
حتَّى يَحضُرَ جَماعَةُ أَصْحَابِهِ ، وكانَ لا يَأْكُلُ من أمْوالِ الظَّلمَة ، ولا قَبلَ منهم مَدرَسةً
قَطُ ولا رِباطاً ، وإنَّما كانَ يُقرىءُ في دارِه ، ونَحنُ في مَسجِدِه سُكَّانٌ .
وكانَ يُقرىءُ نصفَ نَهَارِهِ الحَديثَ ، ونصفَه القُرآنَ والعِلمَ ولا يَغْشَى السَّلَاطِينَ ،
ولا تَأْخُذُه في الله لَوْمَةُ لائم ، ولا يُمَكِّنُ أحداً في مَحِلَّتِهِ أنْ يَفعَلَ مُنْكَراً ، ولا سَماعاً ،
وكان يُنَزُِّ كلَّ إِنْسَانٍ مَنزلَتَه، حتَّى تألَّفَت القُلوبُ على مَحبَّتِهِ وحُسْنِ الذِّكر له في
الآفاقِ الْبَعيدَة، حتَّى أَهْلُ خُوَارِزْمَ الذين هم مُعْتَزِلَة مع شِدَّته في الحَنْبَلَة .
(١) انظر السير: (الحُمَيْديُّ) ١٢٠/١٩ -١٢٧، وانظر النزهة: ١/١٤٦٩.
٢٩٤

وكانَ حَسنَ الصَّلاةِ لَمْ أرَ أحَداً من مشايخنا أحْسَنَ صَلاةً منه ، وكانَ مُتَشدِّداً في أمْرِ
الطَّهارَة ، لا يَدعُ أحَدَاً يَمَسُّ مَداسَه ، وكانَت ثيابُه قِصاراً ، وأكْمَامُه قِصاراً ، وعَمامَتُه
نَحْوَ سَبعَةٍ أُذْرُع .
وكانَ السُّنَّة شِعارَه ودِثارَه اعْتقاداً وفِعْلاً ، بحَيثُ إنَّه كانَ إذا دَخلَ مَجلِسَه رَجلٌ ،
فَقَدَّمَ رِجَلَه اليُسْرَىْ كلَّفَه أنْ يَرجِعَ ، فَيُقدِّمَ الْيُمْنَى ، ولا يَمسُّ الأجْزاءَ إلاَّ على وُضوءٍ ،
ولا يَدْعُ شَيئاً قَطُّ إلاَّ مُستَقْبِلَ القِبِلَة تَعظيماً لها .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : هذا لَمْ يَرِدْ فِيهِ ثَوابٌ .
وسَمعتُ الحافِظَ أبا القاسِم عليَّ بنَ الحَسَن يَقولُ وذَكرَ رَجلاً من أصْحابِهِ رَحَلَ :
إِنْ رَجَعَ ولَمْ يَلقَ الحافِظَ أبا العَلاء ضاعَت رِحَتُه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كانَ أبو العَلاء الحافِظُ في القِراءاتِ أكبرَ منه في
الحَديثِ ، مع كَونِه من أعْيانِ أئمّة الحَديثِ ، له عدَّة رَحلات إلى بغدادَ وأصْبَهانَ
ونیسَابُورَ .
تُوفِّيَ أبو العَلاءِ الهَمَذانيُّ بها سَنةَ تِسْعِ وستِّينَ وخَمسِ مئة ، وله نَيٌِّ وثمانونَ
سَنةً(١).
وقالَ ابنُ النَّجَّار : سَمعتُ أبا القاسِمِ الْمُقرىءَ جارَنا يَقولُ ، وكانَ صالِحاً : كان
الحَازِمِيُّ رَحمَه اللهُ في رِباطِ البَديع ، فكانَ يَدخُلُ بَيْتَه في كُلِّ لَيَلَةٍ ، ويُطالِعُ ، ويَكتُبُ
إلىْ طُلوعِ الفَجْرِ، فقالَ البَدِيعُ للَخادِمِ : لا تَدَفَع إليه اللَّيْلَةَ بزراً للسِّراجِ لعلَّه يَستريحُ
اللَّيلةَ قالَ: فلمَّا جَنَّ اللَّيلُ، اعتذرَ إليه الخادِمُ لأجلِ انْقِطاع البزر ، فدَخلَ بَيْتَه ،
وصَفَّ قدَمَيْه يُصلِّي، ويَتلو، إلى أنْ طَلَعَ الفَجرُ، وكانَ الشَّيخُ قد خَرجَ لِيَعرِفَ
خَبرَه ، فوَجدَه في الصَّلاةِ .
ماتَ أبو بكر الحازِمِيُّ سَنةَ أرْبَع وثَمانينَ وخَمسٍ مئة ، وله سِتٌّ وَثَلاثونَ سَنةٌ(٢).
(١) انظر السير: (أبو العَلاءِ الهَمَذانيُّ) ٤٠/٢١ -٤٧، وانظر النزهة: ٢/١٥٩٥.
(٢) انظر السير: (الحازميُّ) ١٦٧/٢١ -١٧٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٦.
٢٩٥

٤ - صُوَرٌ مُتنوّعَة على الهِمَّة العالية :
قصَّةُ سلمان الفارسيّ رضي الله عنه :
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَتِهِ : قالَ الحافِظُ أبو القاسِمِ بنُ عَسَاكِرِ : وهو سَلْمانُ
ابنُ الإسْلام، أبو عبدِ الله الفَارِسيُّ سابِقُ الفُرسِ إلى الإسْلام، صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله
علیه وسلم وخَدمَه وحدَّثَ عنه .
وكانَ لَبِيباً حازِماً من عُقَلاءِ الرِّجالِ وعُبَّادِهم ونُلائهم(١).
عن عُرْوَةَ بن رُويم، عن القاسِم أبي عبدِ الرحمَن حدَّثه قالَ : زارَنا سَلمانُ
الفارسيُّ فصلَّى الإمامُ الظُهرَ، ثم خَرجَ وخَرجَ النَّاسُ، يَتلقَّوْنَه كما يُتَلَقَّى الخَليفَةُ،
فَلَقيناهُ وقد صلَّى بأصْحابِهِ العَصرَ ، وهو يَمشي فوَقَفْنا نُسلِّمُ عليه ، فَلَمْ يَبقَ فينا شَريفٌ
إِلَّ عَرضَ عَليه أنْ يَنْزِلَ به ، فقالَ : جَعلتُ على نَفْسِي مرَّتي هذه أنْ أنزلَ علىُ بَشِيرِ بنِ
سَعْد فلمَّا قَدمَ ، سَألَ عن أبي الدَّرْداء ، فقالوا: هو مُرابطٌ ، فقالَ : أينَ مُرابَطُكم ؟
قالوا : بَيرُوت، فَتَوجَّه قِبَلَه ، قالَ : فقالَ سَلمانُ: يا أهلَ بَيرُوتَ: ألا أُحدِّثُكم
حَديثاً يُذهِبُ الله به عَنكم عَرضَ الرِّباط سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
يقولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَصِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطَاً أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ،
وَجَرَىْ لَهُ صَالِحُ عَمَّلِهِ إِلَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))(٢) .
عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: حدَّثني سَلْمانُ الفَارِسيُّ قالَ : كُنتُ رَجلاً فارسياً من أهلِ
أصْبَهانَ ، من أهلِ قَريَةٍ منها يُقالُ لها : جيّ، وكانَ أبي دِهْقَانَها وكنتُ أحبَّ خَلقِ الله
إليه ، فَلَمْ يَزِلْ بي حبُّ إِيَّاي حتَّى حَبَسَنِي فِي بَيتِهِ كما تُحْبَسُ الجاريَةُ ، فاجْتَهدتُ في
الْمَجوسيّة حتَّى كنتُ قاطِنَ النَّارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبُو سَاعةً وكانت لأبي ضَيْعَةٌ
عَظيمَةٌ ، فشُغلَ فِي بُنيَانٍ له يَوماً ، فقالَ لي : يا بُنَيَّ إنِّي قد شُغلتُ في بُنيَانِي هذا اليومَ
عن ضَيْعَتِي ، فاذْهَب فاطَّعْها، وأمَرَني ببعض ما يُريدُ فخَرجتُ، ثم قالَ: لا تَخْتَبسْ
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/١٩٨.
(٢) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/١٩٨.
٢٩٦

عليَّ، فإِنَّك إنْ احْتَبستَ عليَّ كُنتَ أهَمَّ إليَّ من ضَيْعَتِي، وشَغِلْتَني عن كُلِّ شَيءٍ من
أمْري فخَرجتُ أريدُ ضَيعَتَه ، فمَرَرتُ بكَنيسَةٍ من كَنَائسِ النَّصَارَى ، فسَمعتُ أصْواتَهم
فيها وهم يُصلُّونَ ، وكُنتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاسِ بحَبْسٍ أبي إيَّايَ فِي بَيْتِهِ ، فلمَّا مَرَرْتُ
بهم، وسَمعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ إليهم أَنْظُرُ ما يَصْنَعونَ ، فلمَّا رَأيتُهم أعْجَبَني
صَلوَاتُهم ، ورَغِبتُ في أمْرِهِم ، وقُلتُ : هذا والله خَيرٌ من الدِّينِ الذي نَحنُ عليه ،
فوالله ما تَرَكتُهم حتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ، وتَرَكتُ ضَيْعَةَ أبي ولَمْ آتِهَا ، فَقُلتُ لهم : أينَ
أصْلُ هذا الدِّينِ ؟ قالوا : بالشَّامِ .
قالَ : ثم رَجعتُ إلى أبي وقد بَعثَ في طَلَبي وشَغَلتُه عن عَمِلِهِ كُلِّه، فلمَّا جِئْتُه
قالَ : أي بُنَيَّ أينَ كُنتَ؟ ألَمْ أَكُنْ عَهدتُ إليكَ ما عَهدتُ ؟ قُلتُ : يا أَبَتِ مَرَرتُ بناسٍ
يُصَلُّونَ في كَنِيسَةِ لَهم ، فأعْجَبَني ما رَأيتُ من دِينِهِم ، فوالله ما زِلتُ عندَهم حتَّى
غَرِبَت الشَّمسُ قالَ أي بُنَيَّ لَيسَ في ذلكَ الدِّينِ خَيْرٌ ، دينُكَ ودينُ آبائكَ خَيرٌ منه قُلتُ :
كلَّ والله! إنَّه لَخَيرٌ من دِينِنا قالَ: فخَافَنِي ، فَجَعلَ في رِجْلِي قَيداً ، ثم حَبَسَني في
بَيْتِهِ ، قالَ : وبَعَثتُ إلى النَّصَارَى فَقُلتُ: إذا قَدِمَ عَلِيكُمْ رَكبٌ من الشَّامِ تُجَّارٌ من
النَّصَارَىُ، فأخْبِرُوني بهم فقَدِمَ عَليهم رَكبٌ من الشَّامِ قالَ : فَفَعَلوا فألْقَيتُ الحَديدَ من
رِجْلي ، ثم خَرِجْتُ مَعهم حتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فلمَّا قَدِمْتُها ، قُلتُ : مَنْ أَفْضَلُ أهْلِ هذا
الدِّينِ ، قالوا : الأُسْقُفُ في الكَنيسَة فجئتُه ، فقُلتُ : إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ ،
وأحْبَيتُ أنْ أكُونَ مَعكَ أخْدُمُكَ في كَنيسَتِك ، وأَتَعلَّمُ منكَ، وأُصَلِّي مَعكَ قالَ :
فَادْخُلْ ، فَدَخَلتُ مَعه ، فكانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُهم بالصَّدَقَةِ ويُرَغُّبُهم فيها ، فإذا جَمَعوا
منها شَيئاً ، اكْتَنزَه لَنَفْسِه، ولَمْ يُعطِهِ الْمَساكِينَ حتَّى جَمِعَ سَبِعَ قِلالٍ من ذَهَبٍ ووَرِق ،
فَأَبْغَضتُه بُغضاً شديداً لِمَا رَأيتُهُ يَصنَعُ ثم ماتَ، فَاجْتَمَعَت إليه النَّصَارَى لِيَدِفِئُوهِ ، فَقُلتُ
لهم : إنَّ هَذا رَجُلُ سُوءٍ ، يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، ويُرَغِّبُكم فيها ، فإذا جئتُم بها ، كَنزَها
لِنَفْسِه، ولَمْ يُعْطِ الْمَساكينَ ، وأَرَيْتُهم مَوْضِعَ كَنزِهِ سَبعَ قِلالِ مَمْلوءَة ، فلمَّا رَأوْها
قالوا : والله لا نَدِفِنُه أبداً .
فِصَلَبُوهُ ثم رَمَوْه بالحِجَارَة ثم جاؤوا برَجُلِ جَعلُوه مَكانَه ، فما رَأیتُ رَجُلاً - يَعني
٢٩٧

لا يُصَلِّي الخَمسَ - أرَىَ أنَّه أَفْضَلَ منه، أَزْهَدَ في الدُّنيا، ولا أرْغَبَ في الآخِرَة ،
ولا أذْأبَ لَيْلاً ونَهاراً، ما أعْلَمُني أحْبَبتُ شَيئاً قَطُ قَبَلَه حُبَّه ، فَلَمْ أزَلْ مَعَه حتَّى حَضَرَتْهُ
الوَفاءُ ، فقُلتُ : يا فُلانُ! قد حَضَرَكَ ما تَرَى من أمْرِ الله ، وإنِّي والله ما أحْبَبتُ شَيئاً قَطُ
حُبَّك، فمَاذا تَأْمُرُني وإلىْ مَنْ تُوصِيني ؟
قالَ لي : يا بُنَيَّ والله ما أعْلِمُه إلاَّ رَجُلاً بالْمَوْصِلِ ، فائتِهِ ، فإنَّكَ سَتجدُه على مثلِ
حالي .
فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ ، لَحِقْتُ بِالْمَوْصِلِ ، فأتَيْتُ صاحِبَها ، فوجدتُه على مثلِ حالِه من
الاجْتِهادِ والزُّهْدِ فقُلتُ له : إنَّ فُلاناً أَوْصَاني إليكَ أنْ آتيكَ وأكُونَ مَعَك قالَ : فأَقِمْ أي
بُنَيَّ، فأَقَمتُ عندَه على مثلِ أمْرٍ صاحِبِه حتَّى حَضَرَتَهُ الوَفاةُ فقُلتُ له : إنَّ فُلاناً أوْصَىُ
بي إليكَ وقد حَضَرَكَ من أمْرِ اللهِ ما تَرَىُ ، فإلى مَنْ تُوصِي بي ؟ وما تَأْمُرُني به ؟ قالَ :
واللهِ ما أعْلَمُ ، أي بُنَيَّ، إلاَّ رَجُلاً بَنَصِيبِينَ .
فلمَّا دَفَنَّه ، لَحِقْتُ بِالآخَرِ ، فأقَمتُ عندَه على مثلِ حالِهِم حتَّى حَضَرَه الْمَوتُ ،
فأوْصَى بي إلىْ رَجُلٍ من أهْلِ عَمُوريَة بالرُّومِ ، فَأَتَيْتُه فَوَجَدتُه مثلَ حالِهِم ، واكْتَسَبتُ
حتَّى كَانَ لِي غُنِيمَةٌ وَبْقَيْرات .
ثم اخْتُضِرَ فكلَّمتُه إلى مَنْ يُوصي بي ؟ قالَ : أي بُنَيَّ! والله ما أعْلمُه بَقِيَ أحَدٌ على
مثلٍ ما كُنَّا عليه آمُرُكَ أنْ تَأَتَهِ، ولكنْ قد أظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيِّ يُبعَثُ من الحَرَمِ ، مُهَاجَرُه
بَيْنَ حَرَّتَيْنِ إلى أرْضٍ سَبِخَة ذاتِ نَخْلٍ ، وإنَّ فيه عَلامَاتٌ لا تَخْفَى ، بَيْنَ كَتَفَيْهِ خَاتَمُ
النُّبوَّة، يَأْكُلُ الهَدِيَّة ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَة، فإنِ اسْتَطِعْتَ أنْ تَخلُصَ إلى تِلكَ البِلادِ
فافْعَلْ ، فإنَّه قد أظلَّكَ زَمانُهُ.
فلمَّا وَارَيْناهُ ، أَقَمتُ حتَّى مَرَّ بي رِجالٌ من تُجَّارِ العَرَبِ من كَلبٍ ، فَقُلتُ لهم :
تَحْمِلُونِي إِلىْ أرْضِ العَرَبِ ، وأُعْطِيكُمْ غُنَيْمَتي وبَقَراتي هذه؟ قالوا: نَعَم فأعْطَيْتُهم
إيّاها وحَمَلُوني ، حتَّى إذا جاؤوا بِي وَادِي القُرَىُ ، ظَلَمُوني ، فَبَاعُونِ عَبْداً من رَجُلٍ
يَهُودِيٌّ بوَادِي القُرَى فوالله لَقَدْ رَأيتُ النَّخلَ، وطَمِعتُ أنْ يَكُونَ البَلدَ الذي نَعتَ لي
صاحِبي .
٢٩٨

وما حقَّت عندي حتَّى قَدِمَ رَجلٌ من بَنِي قُرَيْظَة وادي القُرَى، فَابْتَاعَني من
صاحِبِي ، فَخَرَجَ بي حتَّى قَدِمْنا الْمَدِينَةَ فوالله ما هُو إلاَّ أنْ رَأيْتُها ، فعَرَفْتُ نَعْتَها .
فأقَمتُ فِي رِقِّي ، وبَعثَ اللهُ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم بمَكةً لا يُذكَرُ لي شَيءٌ من
أمْرِهِ مع ما أنا فيه من الرِقِّ، حتَّى قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُبَاءَ ، وأنا أعمَلُ
لِصَاحِبِي فِي نَخْلَةٍ له ، فوالله إنِّي لفيها إذ جاءَه ابنُ عَمِّ له ، فقالَ : يا فُلانُ قاتَلَ الله بَني
قَلة ، والله إنَّهم الآنَ لَفِي قُباءَ مُجتَمِعُونَ علىْ رَجُلٍ جاءَ من مَكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّه نبيٌّ .
فوالله ما هو إلاَّ أنْ سَمعتُها فأخَذَتني العُرَواءُ - يَقولُ الرِّعْدَة - حتَّى ظَنَنتُ الأسْقُطَنَّ
على صَاحِبِي ونَزَلتُ أَقُولُ : ما هذا الخَبرُ ؟
فِرَفْعَ مَوْلايَ يَدَه فَلَكَمَني لَكِمَةً شَديدَةً ، وقالَ : ما لَكَ ولَهَذا؟! أقْبلْ علىْ عَمَلِك
فقُلتُ : لا شَيءَ، إنَّما سَمعتُ خَبراً ، فأَحْبَيتُ أنْ أَعْلمَه .
فلمَّا أمْسَيتُ ، وكانَ عندي شَيءٌ من طَعَامِ ، فحَمَلتُه وذَهَبتُ إلىُ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم ، وهو بقُبَاءَ، فقُلتُ له : بَلَغَني أنَّكَ رَجلٌ صالِحُ، وأنَّ مَعكَ
أصْحاباً لَكَ غُرَبَاءَ ، وقد كانَ عندي شَيءٌ من الصَّدَقَةَ فَرَأيْتُكم أحَقَّ مَنْ بهذه البلادِ ،
فَهَاكَ هَذا ، فكُلْ مِنهُ .
قالَ: فَأمْسَكَ، وقالَ لأصْحابِهِ : ((كلُوا)) فَقُلتُ في نَفَسِي: هذه خَلَّةٌ مِمَّا وَصَفَ
لي صَاحِبي .
ثم رَجَعتُ، وتَحوَّلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الْمَدينَة ، فجَمَعتُ شَيئاً
كانَ عندي ثم جئتُه به فقُلتُ : إنِّي قد رَأيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَة، وهذه هَديَّةٌ فأكَلَ
رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأكَلَ أَصْحَابُه ، فقُلتُ هذه خَلَّتان .
ثم جِئتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَتْبَعُ جنازَةً وعليَّ شمْلتان لي وهو في
أصْحابِه ، فاسْتَدَرتُ أنْظُرُ إلى ظَهرِه هَلْ أَرَى الخَاتَم الذي وُصِفَ فلمَّا رآني اسْتَدبَرْتُه
عَرَفَ أَنِّي أَثَبَّتُ فِي شَيءٍ وُصِفَ لِي ، فَأَلْقَى رِداءَه عن ظَهرِهِ فَنَظَرتُ إلى الخَاتَم
فَعَرَفْتُه ، فانْكَبَيْتُ عليه أُقْبِّلُه وأبكي .
٢٩٩

فقالَ لي : تَحوَّلْ: فَتَحَوَّلتُ، فَقَصَصْتُ عَليه حَديثِي كَما حدَّثْتُكَ يا ابنَ عَبَّاس ،
فَأَعْجَبَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَسمَعَ ذلكَ أصْحابُه(١) .
ثم شَغْلَ سَلَمَانَ الرِّقُّ حتَّى فاتَه مع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَدْر وأُحُد ثم قالَ
رَسُولُ الله: ((كَاتِبْ يَا سَلْمانُ)) فكاتَبتُ صاحِبي علىُ ثَلاثِ مئة نَخْلة أُحْبِيها له بالفَقير
وبأرْبَعينَ أُوْقِيَّة فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصْحابِهِ: ((أَعِينُوا أَخَاكُمْ))
فأعانُوني بالنّخْل، الرَّجُلُ بِثَلاثِينَ وَدِيَّة (٢)، والرَّجُلُ بعِشرينَ، والرَّجُلُ بِخَمسَ
عَشرَة، حتَّى اجتَمعَت ثَلاثُ مئة وَدِيَّة فقال صلى الله عليه وسلم: ((اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ
فَفَقِّرْ لَهَا ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِي أَكونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ )) ففَقَّرتُ لها وأعَانَي أصْحابي ،
حتَّى إذا فَرَغتُ منها ، جئتُه وأخْبَرَتُه ، فخَرَجَ مَعي إليها نُقَرِّبُ له الوَدِيَّ، ويَضَعُه
بِيَدِهِ ، فوالذي نَفَسُ سَلمانَ بِيَدِه ما ماتَت منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ فأدَّيتُ النَّخْلَ ، وبَقِيَ عليَّ
المالُ ، فأَتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بمثلٍ بَيْضَة دَجاجَة من ذَهَب من بَعضٍ
الْمَغَازِي فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكاتَبُ؟)) فِدُعيتُ له، فقالَ
صلى الله عليه وسلم: ((خُذْهَا فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ)) قُلتُ: وأينَ تَقَعُ هذه يا رَسُولَ الله
ممَّا عليَّ؟ قالَ: خُذْها فإنَّ اللهَ سَيؤدِّي بها عَنكَ فأخَذتُها فوَزَنتُ لهم منها أرْبَعِينَ
أُوقِيَة ، وأَوْفَيْتُهم حَقَّهم وعَتقتُ ، فشَهدتُ مع رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الخَنْدَقَ
حُرَّاً ، ثم لَمْ يَفُتْني معه مَشْهَدٌ(٣) .
عن عائذِ بنِ عَمرُو أنَّ أبا سُفْبِانَ مَرَّ على سَلمانَ وبِلال وصُهَيب في نَفَر فقالوا :
ما أخَذَت سُيوفُ الله من عُنُق عَدو الله مأخَذَها فقال أبو بكر : تَقولون هذا الشَيخ قُرَيش
وسَيِّدِها! ثم أتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرَه، فقالَ: ((يَا أَبَا بَكرٍاَ لَعَلَّكَ
أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كِنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)) فأتاهُم أبو بكر فقالَ: يا إخْوَتَاهُ
أغْضَبتُكم ؟ قالُوا : لا يا أبا بكر ، يَغْفِرُ اللهُ لك (٤).
(١) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة : ٤/١٩٨.
(٢) الودية : جمع ودي : صِغار الفسيل .
(٣) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارِسيُّ) ١/ ٥٠٥-٥٥٨، وانظر النزهة: ١/٢٠٢.
(٤) انظر السير: (سَلْمانُ الفَارَسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٢/٢٠٢.
٣٠٠