Indexed OCR Text

Pages 201-220

أحمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة ، سَمعتُ قُطبَةَ بنَ العَلاءِ يَقولُ : تَركتُ حَديثَ فُضَيْلِ بنِ عِياض
لأنه رَوَىُ أحاديث أزْرَى علىْ عُثمانَ بنِ عَقَّان(١).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : فلا نَسمَعُ قَولَ قُطبَة، لَيْتَه اشتَغْلَ بحالِه ، فقد قالَ
البُخاريُّ: فيه نَظَر، وقالَ النَّسَائيُّ وغيرُه : ضَعيفٌ وأيضاً فالرجلُ صاحِبُ سُنَّة
واتِّباع .
قالَ أحمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة : حذَّثنا عبدُ الصَّمَد بنُ يَزِيد الصَّائغِ ، قالَ : ذُكرَ عند
الفُضَيل - وأنا أسْمعُ - الصَّحابَةَ، فقالَ: اتَّبِعوا فقد كُفيتم: أبو بكر وعُمَر وعُثْمان
وعَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهم (٢) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: إذا كانَ كُبَراءُ السَّابقين الأوَّلينَ قد تَكلَّم فيهم الرَّوافِضُ
والخَوارجُ ، ومثل الفُضَيل يُتكلّم فيه ، فمَنْ الذي يَسلَمُ من ألْسِنَةَ النَّاسِ ، لكن إذا
ثَبْتَت إِمَامَةُ الرجُلِ وفَضْلُهُ، لَمْ يَضرُّه ما قيلَ فيه، وإنَّما الكَلامُ في العُلماءِ مُفتقِرٌ إلى
وَزْنٍ بالعَدلِ والوَرَع(٣) .
وأمَّا قَولُ ابنُ مَهْدي : لَمْ يَكنْ بالحافِظِ ، فمعناه : لَمْ يَكنْ في عِلمِ الحَديث
كَهؤلاء الحُفَّاظِ البُخُور، كشُعبَة، ومَالِك وسُفْيان، وحمَّاد، وابن الْمُبارَك ،
ونُظرائِهم ، لكنَّه ثَبتُ قيِّمٌ بما نَقَلَ ، ما أُخذَ عَليه في حَديث فيما عَلمتُ وهل يُرادُ من
العِلمِ إِلَّ ما انتهى إليه الفُضَيلُ رَحمَةُ الله عَليه (٤) .
وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ الحَميد : وُلدتُ سَنةَ ماتَ الحَسَنِ سَنةَ عَشر، وكانَ من مشايخ
الإسْلام، وقالَ زُنَيَج : سَمعتُ جَريراً يَقولُ : رأيتُ ابنَ أبي نَجيح ولَمْ أكتُبْ عنه
شَيْئاً ، ورَأيتُ جابراً الجُعْفيَّ، فَلَمْ أكتُبْ عنه شَيْئاً ، ورَأيتُ ابنَ جُرَيْج ، ولَمْ أكتُبْ عنه
فقالَ له رَجلٌ : ضَيَّعتَ يا أبا عبدِ الله ، قالَ : لا ، أمَّا جابِر ، فكانَ يُؤْمِنُ بالرَّجْعَة ،
(١) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الفُضَيْل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٨/٧٨١.
(٢) انظر السير: (عَليُّ بنُ الفُضَيْل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ١/٧٨٢.
(٣) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الفُضَيْل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٢/٧٨٢.
(٤) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الفَضَيْل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٨٢.
٢٠١

وأمَّا ابنُ أبي نَجيح، فكانَ يَرى القَدَر ، وأمَّا ابنُ جُرَيج ، فإنَّه أوْصَىْ بَنيه بسِتِّينَ امْرأة ،
وقالَ : لا تَزَوَّجوا بهِنَّ، فإنَّهنَّ أُمَّهاتُكُم - كانَ يَرَى الْمُتَعَة.
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: أمَّا امْتِناعُه من الجُعْفيِّ، فمَعذورٌ، لأنَّه كانَ مُبتَدعاً ،
ولَمْ يَكِنْ بالثِّقَةِ وأمَّا الآخَران ففرَّطَ فيهما، وهما من أئمَّةِ العِلمٍ ، وإنْ غَلطا في
اجْتِهادِهما(١).
قالَ حمَّدُ بنُ سَلَمَة : ما كُنَّا نُشَبَّهُ شَمائلَ إسْماعيلَ بنِ عُلَيَّة إلاَّ بشَمائلِ يُونُسَ حتَّى
دَخلَ فیما دَخلَ فيه(٢) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: يُريدُ وِلايَتَه الصَّدقَة، وكانَ مَوْصوفاً بالدّينِ والوَرَعِ
والثَّلُهُ ، مَنْظوراً إليه في الفَضلِ والعِلمِ ، وبَدَت منه هَفَوَاتٌ خَفيفَةٌ، لَمْ تُغيِّر رُتِبَتَه إنَّ
شاءَ الله(٣).
ودخل ابنُ عُلَيَّة على الأمين محمَّدٍ بنِ هارُونَ ، فشَتَمَه محمَّدٌ ، فقالَ : أخطأتُ ،
وكانَ حدَّثَ بهَذا الحَديثِ: ((تَجِيءُ الْبَقْرَةُ وَآَلُ عِمْرَانَ كأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ تُحَاجَّانِ عَنْ
صَاحِبِهِمَا)) فقيلَ لابنِ عُلَيَّة: ألَهُمَا لِسَانٌ؟ قالَ: نَعَم: فقالوا: إنَّه يَقولُ : القُرآنُ
مَخْلوَقٌ، وإنَّما غَلطَ (٤).
وقالَ الإمامُ أحمَدُ: بَلَغَني أنَّه أُدخِلَ على الأمينِ ، فلمَّا رَآهُ ، زَحفَ وجَعَلَ يَقولُ :
يا ابنَ الفاعِلَة تَتَكلَّم في القُرآن؟ وجَعلَ إسْماعيلُ يَقولُ: جَعلَني اللهُ فِداكَ، زَلَّةٌ من
عَالِم ، ثم قالَ أحمَدُ : إنْ يَغْفِرِ اللهُ له - يَعني الأمينَ - فبها ثم قالَ أحمدُ : وإِسْماعيلُ
ثَبَثٌ(٥).
قالَ الفَضلُ بنُ زياد : قُلتُ : يا أبا عبدِ الله، إنَّ عبَد الوَهَّاب قال : لا يُحبُّ قَلبي
(١) انظر السير: (جَرير بن عبد الحَميد) ٩/٩-١٨، وانظر النزهة: ٢/٧٩٥.
(٢) انظر السير: (ابنُ عُليَّة) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة: ٦/٨٠٣.
(٣) انظر السير: (ابنُ عُلَيَّة) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة: ٧/٨٠٣.
انظر السير: ( ابنُ عُليَّة) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة: ١/٨٠٤.
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ عُلَيَّة) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة: ٢/٨٠٤.
٢٠٢

إِسْماعيلَ أبداً، لقد رَأيتهُ في الْمَنامِ كأنَّ وَجهُه أسْوَد فقالَ أحمَدُ : عافَى اللهُ عبدَ
الوَهَّابِ ، ثم قالَ : لَزِمْتُ إِسْماعيلَ عَشرَ سِنِينَ إلى أنْ أُعيبَ، ثم جَعلَ يُحرِّكُ رأسَه
كأنَّه يَتلقَّفُ ثم قالَ: وكانَ لا يُنصِفُ في التَّحدُّث(١) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ: تُوفِّيَ إسماعيلُ سَنةَ ثَلاثٍ وتسعينَ ومئة عن ثَلاثَةٍ وَثَمانينَ سَنةً.
وعن شُعبَةَ قالَ : ابنُ عُلَيَّةَ رَيْحانَةُ الفُقَهاء(٢).
وقالَ سَهلُ بنُ شاذويه ، سَمعتُ عليَّ بنَ خَشْرم يَقولُ : قُلتُ لوَكيع : رَأيتُ
إِسْماعيلَ بنَ عُلَيَّةٍ يَشرَبُ النَّبيذَ حتى يُحمَل على الحِمارِ، يَحتاجُ مَنْ يَردُّه إلى مَنِزِله!
فقالَ وَكيعُ : إذا رَأْيتَ البَصْريَّ يَشرَب ، فاتَّهِمهُ . قُلتُ: وكَيفَ ؟ قالَ : إنَّ الكُوفِيَّ
يَشربُه تَدَيُّناً، والبَصْرِيَّ يَتْرُكُهُ تَدَيُّنًا(٣).
قالَ الإمامُ الذِهَبِيُّ مُعقِّباً: وهذه حكايَة غَريبَة، ما عَلمنا أحداً غَمز إسْماعيلَ
بِشُربِ الْمُسكِر قَطُ، وقد انْحَرفَ بَعضُ الحُفَّاظ عَنه بِلا حُجَّة، حتَّى إِنْ مَنْصُورَ بنَ
سَلَمَة الخُزاعيَّ تَحدَّثَ مرَّةً، فسَبَقَه لِسانُه، فقالَ: حَدَّثنا إسْماعيلُ ابنُ عُلَيَّة ، ثم
قالَ: لا ، ولا كَرَامَة ، بلْ أَرَدتُ زُهَيراً وقالَ: لَيسَ مَنْ قَارَفَ الذَّنبَ كمَنْ لَمْ يُقارِفْه ،
أنا والله اسْتَتَبْتُه(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: يُشيرُ إلى تلكَ الهَفْوَة الصَّغيرَة، وهَذا من الجَرْحِ
الْمَرْدود ، وقد اتَّفَقَ عُلماءُ الأمَّة على الاحتجاجِ بإسْماعيلَ بنِ إبراهيمَ العَدلِ الْمَأمونِ ،
وقد قالَ عبدُ الصَّمَد ابنُ يَزِيد مَرْدَوَيه : سَمعتُ إسْماعيلَ ابنَ عُلَيَّةٍ يَقولُ : القُرآنُ
كَلامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلوقٍ(٥) .
(١) ذكره الإمامُ الذهَبِيُّ في ((الْمِيزَانِ)) وتَعَقَّبه بقوله: إمامة إسماعيلَ وثيقة لا نزاع فيها ، وقد بدت منه
هفوة وتاب ، فكان ماذا ؟ إني أخافُ الله لا يكون ذكرنا له من الغيبة ، وأما القرآن ، فقد قال
عبد الصمد بن يزيد بن مردويه : سمعتُ ابنَ عُلَيَّة يقول : القُرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوق .
(٢) انظر السير: (ابنُ عُليَّة) ١٠٧/٩-١٢٠، وانظر النزهة: ٣/٨٠٤.
(٣)
انظر السير : ( ابنُ عُليَّة) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة : ٤/٨٠٤.
انظر السير: (ابنُ عُلَيَّةٍ) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة : ٥/٨٠٤ .
(٤)
(٥) انظر السير: (ابنُ عُلَيَّةٍ) ٩/ ١٠٧ - ١٢٠، وانظر النزهة: ١/٨٠٥.
٢٠٣
۔

وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ محمَّدِ بنِ فُضَيل بنِ غَزْوانَ : حدَّث عنه عَددٌ كَثِيرٌ ،
وجَمِّ غَفِيرٌ علىْ تَشَيُّع كانَ فيه، إلاَّ أنَّه كانَ من عُلماءِ الحَديث ، والكَمَالُ عَزِيزٌ .
وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل: هو حَسَنُ الحَديثِ شِيعيٌّ(١).
وقالَ أبو داوُد السِّجِسْتانيُّ : كان شِيعِيّاً مُتَحرِّقاً .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : تَحُقُه على مَنْ حَارَبَ أوْ نَازَعَ الأمْرَ عَليّاً رضي الله عنه ،
وهو مُعَظِّمٌ للشَّيْخَيْنِ رَضيَ الله عَنْهُما .
ماتَ في سَنةً خَمسٍ وتِسْعينَ ومئة(٢).
وقالَ عَليُّ بِنُ الْمَديني : قالَ لي هِشامُ بنُ يُوسُف : كانَ عبدُ الرَّزَّاق بنُ هَمَّامٍ أَعْلَمَنا
وأحْفَظَنا(٣).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هكذا كان النُّظَرَاءُ يَعترفون لأقْرانِهم بالحِفِظِ .
وفي الْمُسنَدِ قالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل : ما كانَ في قَرِيَةِ عبدِ الرَّزَّاقِ بِئْرٌ فكُنَّا نَذْهبُ نُكِّر
علىُ ميلَين نَتَوَضأ، ونَحملُ مَعنا الماءَ (٤) .
وللعُقيلي في كتاب ((الضُّعَفاء))، في تَرجمَة عبدِ الرَّزَّاقِ بنِ هَمَّام: حدَّثنا
محمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ حمَّاد، سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ عُثْمانَ الثَّقَفيَّ، قالَ : لَمَّا قَدمَ
العَبَّاسُ بنُ عبد العَظيم من عند عبدِ الرَّزَّاق من صَنعاءَ ، قالَ لنا - ونَحنُ جَماعَة - أَستُ
قد تَجَشَّمتُ الخُروجَ إلى عبد الرَّزَّاق، فدَخلتُ إليه، وأقَمتُ عندَه حتَّى سَمعتُ منه
ما أرَدْتُ؟ والله الذي لا إلَهَ إلاَّ هو، إنَّ عبدَ الرَّزَّاق كذَّابٌ، والوَاقِدِيُ أصْدَقُ
منه(٥) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: بلْ والله ما بَزَّ عَبَّاسٌ في يَمِينِهِ ، ولَبئس ما قالَ ، يَعمدُ
(١) انظر السير: (محمّد بن فُضَيل) ١٧٣/٩ - ١٧٥، وانظر النزهة: ٩/٨١٤.
(٢) انظر السير: (محمّد بن فُضَيل) ٩/ ١٧٣ - ١٧٥، وانظر النزهة: ١/٨١٥.
انظر السير: (عبدُ الرزَّاق بنُ همَّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٤/٨٣٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (عبدُ الرزَّاق بنُ همَّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٥/٨٣٨.
(٥) انظر السير: (عبدُ الرزَّاق بنُ همَّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة : ٤/٨٣٩.
٢٠٤

إلىْ شَيخِ الإِسْلام، ومُحدِّث الوَقت، ومَنْ احْتَجَّ به كلُّ أرْباب الصِّحاحِ - وإنْ كانَ له
أوْهامٌ مَغمورَةٌ ، وغَيرُه أبرَعُ في الحَديث منه - فيَرَميه بالكَذبِ ، ويُقدِّمُ عليه الوَاقِدِيَّ
الذي أجْمَعت الحُفَّاظُ على تَركه، فهو في مَقالَتِهِ هذه خارِقٌ للإجْمَاعِ بيَقين (١).
وقالَ عَليُّ بنُ أحمَد بنِ النَّضْرِ الأزدي، سَمعتُ أحمَدَ بنَ حَنْبَل ، وسُئلَ عن
الشَّافِعِيِّ، فقالَ: لقد مَنَّ اللهُ عَلينا به ، لقد كُنَّا تَعلَّمنا كَلامَ القَومِ، وكَتَبْنَا كُتُبَهم ،
حتَّى قدِمَ عَلينا، فلمَّا سَمعنا كَلامَه، عَلِمنا أنَّه أعْلم من غَيرِهِ ، وَقد جالَسْناه الأيّامَ
واللَّيالي، فمَا رَأينا منه إلاَّ كُلَّ خَيرٍ، فقيلَ له : يا أبا عبدِ الله ، كانَ يَحْيَى وأبو عُبَيد
لا يَرْضَيانه - يُشيرُ إلى التَّشَيُّع وأنَّهما نَسَباه إلى ذلك - فقالَ: أحمَدُ بنُ حَنْبَل : ما نَدري
ما يقولان ، والله مَا رَأينا منه إلاَّ خَيراً(٢) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: مَنْ زَعمَ أنَّ الشَّافِعِيَّ يَتشيَّعُ فهو مُفْتَرٍ ، لا يَدري
ما يَقولُ(٣).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : لو كانَ الشافعي شِيعيّاً - وحاشاه من ذلك - لَمَا قالَ: الخُلَفَاءُ
الرَّاشِدونَ خَمسَةٌ، بدأ بالصِّدِّيقِ، وخَتَمَ بِعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ (٤).، (٥).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ زَكَريّا بنِ عَديّ: وقد نالَ منه أبو نُعيم الكُوفُّ بِلا
حُجَّة، وقالَ : ما لَه وللحَديثِ ؟ هو بالتَّوْراةِ أعْلمُ .
قالَ ابنُ سَعْد : هو من مَوَالِي تَيم الله ، وكانَ رَجلاً صالِحاً ثِقةً ، قالَ : وتُوفِّيَ في
سَنةِ إحْدَى عَشرَةَ ومِئْتَين(٦).
(١) انظر السير: (عبدُ الرزَّاق بنُ همَّام) ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ٥/٨٣٩.
(٢) انظر السير: (الإمامُ الشَّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٥٠.
(٣) انظر السير: (الإمامُ الشّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٧/٨٥٠.
(٤) وللخبر تتمة في غاية النفاسة عند البَّهَفيِّ، وهي: ثم قالَ أحمد بنُ حَنْبَل لِمَنْ حَوْلَه : اعْلِموا
رَحمكم اللهُ تعالى أنَّ الرجُلَ من أهل العِلمِ إذا مَنَحه اللهُ شَيئاً من العلم ، وحُرِمَهُ قُرَناؤه وأشْكالُه،
حسدُوه فرَمَوْه بما ليسَ فيه ، وبئسَت الخِصالُ في أهْلِ العِلمِ .
(٥) انظر السير: ( الإمامُ الشَّافِعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهةَ: ١/٨٥١.
(٦) انظر السير: (زَكَريّا بنُ عَدي) ١٠ / ٤٤٢ -٤٤٥، وانظر النزهة: ٤/٨٨٢.
٢٠٥

وقالَ مُسلمُ في عليٍّ بنِ الجَعْد : هو ثقةٌ لكنَّه جَهْميٌّ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: ولهذا مَنعَ أحمَدُ بنُ حَنْبَل وَلدَيه من السَّماعِ منه(١).
وقد كانَ طَائفَةٌ من الْمُحدِّثينَ يَتَنطَّعونَ فيمَنْ له هَفوَةٌ صَغِيرَةٌ تُخالِفُ السُّنَّة، وإلاَّ
فعليٌّ إمامٌ كبيرٌ حُجَّةٌ ، يُقالُ: مَكثَ سِتِينَ سَنةً يَصومُ يَوماً ، ويُفطِرُ يَوماً ، وبحَسْبكَ أنَّ
ابنَ عَدي يَقولُ في «كامِلِه)) لَمْ أَرَ في رواياتِهِ حَديثاً مُنْكَراً إذا حدَّث عنه ثِقَة .
تُوفِّيَ عَلَيُّ بنُ الجَعْد سَنةَ ثَلاث ومئتين، وقد اسْتَكمَلَ سِتَّأُ وتِسْعينَ سَنةً (٢).
وقالَ أحمَدُ بنُ سَلمَة : سَمعتُ إسْحَاقَ بِنَ رَاهَوَيه يَقولُ : الحَقُّ يُحبُّهُ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ ، أبو عُبَيد القاسِمُ بنُ سَلام أفْقَهُ مِنِّي وأعْلمُ منِّي (٣) .
وانصَرفَ القاسِمُ بنُ سَلام يوماً من الصَّلاة ، فمَزَّ بدارِ إِسْحاقَ الْمَوْصليِّ ، فقالوا
له : يا أبا عُبَيد، صاحبُ هذه الدَّار يَقولُ: إنَّ في كتابِك ((غَريب الْمُصنَّفَ)) ألفَ
حَرفٍ خَطأ .
فقالَ : كتابٌ فيه أكثرُ من مِئة ألفٍ يَقعُ فيه ألفٌ لَيسَ بِكَثير؟ ولَعلَّ إسْحاقَ عندَه
رِوايَة، وعندَنا رِوايَة، فَلَمْ يَعلَمْ، فخَطَّأنا، والرِّوَايَتَانِ صَوَابٌ، ولَعَلَّه أخْطَأ في
حُروفٍ ، وأخْطَأْنا في حُروفٍ ، فَيَبقَى الخَطأُ يَسيراً(٤).
قالَ أبو زُرْعَة الرَّزي : كانَ أحمَدُ بنُ حَنبَل لا يَرَى الكِتابَةَ عن أبي نَصْرِ التَّمَّار ،
ولا ابنِ مَعين ، ولا مِمَّنْ امْتُحِنَ فأجابَ(٥) .
وقالَ أبو الحَسَنِ الْمَيْمونيُّ: صَحَّ عندي أنَّه ◌ِ يَعني أحمَدَ بنَ حَنْبَل - لم يَحضُر أبا
نَصْر الثَّمَّار حينَ ماتَ، فحَسِبتُ أنَّ ذلكَ لَمَّا كانَ أجابَ فِي الْمِحْنَةِ(٦).
(١) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الجَعْد) ٤٥٩/١٠-٤٦٨، وانظر النزهة: ٢/٨٨٤.
(٢)
انظر السير: (عَلَيُّ بِنُ الجَعْد) ٤٥٩/١٠-٤٦٨، وانظر النزهة: ٣/٨٨٤.
(٣) انظر السير: (أبو عُبَيْد) ١٠/ ٤٩٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ٥/٨٨٧.
(٤) انظر السير: (أبو عُبَيْد) ١٠/ ٤٩٠-٥٠٩، وانظر النزهة: ١/٨٨٨.
انظر السير: ( أبو نَصْر التَّمَّار) ١٠/ ٥٧١-٥٧٤، وانظر النزهة: ٣/٨٩٤.
(٥)
(٦) انظر السير: (أبو نَصْر التَّمَّار) ١٠/ ٥٧١- ٥٧٤، وانظر النزهة: ٤/٨٩٤.
٢٠٦

قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: أجابَ تُقْيَةً وخوفاً من النَّكال، وهو ثِقَةٌ بحاله ولله
الحَمدُ(١).
وقد شَدَّدَ الإمامُ الذَّهَبِيُّ - رحمه اللهُ - النَّكير على العقيلي لإيراده عليَّ بنَ الْمَديني
في كتابه (( الضُّعَفاء ))، فقالَ في (( ميزانه)) (١٤٠/٣-١٤١): وقد بدت منه هفوة ثم
تاب منها ، وهذا أبو عبد الله البُخاريّ ۔ وناهيك به ۔ قد شحنَ صَحیحه بحديث
عليٍّ بن الْمَديني، ولو تركتَ حَديثَ عليٍّ، وصاحبَه محمَّد، وشَيخِه عبد الرَّزَّاق ،
وعُثمانَ بنِ أبي شَيْبَة لغَلَقنا الباب، وانقَطعَ الخطابُ، ولَماتَت الآثار ، واسْتولَت
الزَّنادقَةُ ، ولخَرجَ الدجّال أفما لك عَقلٌ يا عقيلي؟ !! أتَدري فيمَنْ تتكلَّمُ؟ !! وإنَّما
تَبَعناك في ذكر هذا النَّمَط لنَذُبَّ عنهم، ولنُزيَّ ما قيلَ فيهم كأنَّك لا تَدري أنَّ كُلَّ
واحد من هؤلاء أوثقُ منك بطَبقات ، بلْ أوثَقُ من ثقاتٍ كثيرين لمْ تُوردهم في
كتابك ، فهذا مما لا يرتاب فيه مُحدِّثٌ وأنا أشتَهي أن تُعرِّفَني مَنْ هو الثِّقَةُ الَّبْتُ الذي
ما غَلطَ ولا انْفرَدَ بما لا يُتَابَعُ عليه بل الثُّقَةُ الحافِظُ إذا انْفِرَدَ بأحاديث ، كان أرفَع له ،
وأكمَل لرُتِبَتُه وأدَلُّ على اعْتنائه بعلمِ الأثَر، وضَبطِه دون أقْرانِهِ لأشياءَ ما عَرفوها ،
اللَّهُمَّ إلاَّ أن يتَبيَّنَ غَلطُه ووَهْمُه في الشيء، فيُعرَف ذلك، فانظُر أوَّل شيء إلى
أصْحابٍ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم الكبار والصِّغار ، ما فيهم أحدٌ إلاَّ وقد انْفَردَ
بسُنَّة، فيُقالُ له : هذا الحديثُ لا يُتَابَعُ عليه !! وكذلك التَّابِعونَ، كلُّ واحد عندَه
ما لَيسَ عندَ الآخَر من العِلمِ، وما الغَرَض هذا ، فإن هذا مُقرَّر على ما يَنْبَغِي في عِلمٍ
الحَديث(٢) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ يَحْيَى ابنِ مَعين : ومن نادِر ما شَذَّ به ابنُ مَعين ،
رَحمَه الله ، كلامُه في أحمَدَ بنِ صالِح حافِظٍ مِصْرَ ، فإنَّه تَكلَّم فيه باجْتهادِهِ ، وشَاهَدَ
منه ما يُلَيِّنُهُ باعْتبارِ عَدالَتِهِ لا باعتبارِ إتْقَانِهِ ، فإنَّه مُتقنٌ ثَبتٌ ، ولكنْ عليه مأخَذٌ في تيه
وبَأوٍ كان يتعاطاه ، والله لا يُحبُّ كلَّ مُختالٍ فَخور، ولعلَّه اطَّلِعَ منه على حال في أيَّام
(١) انظر السير: (أبو نَصْر التَّمَّار) ٥٧١/١٠-٥٧٤، وانظر النزهة: ٥/٨٩٤.
(٢) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الْمَديني) ٤١١/١١ -٤٦٠، وانظر النزهة: ٩٠٦/ هامش (٢).
٢٠٧

شَبيبةِ ابنِ صالِح ، فتابَ منه أو من بَعضِه ، ثم شَاخَ ، ولَزِمَ الخَيرَ ، فَلَقيَه البُخاريُّ
والكِبارُ، واحْتَجُوا به وأمَّا كَلامُ النَّسائيِّ فيه، فَكَلامٌ مَوْتورٌ لأنَّه آذَى النَّسائيَّ، وطرَدَه
من مَجلِسِه، فقالَ فيه: لَيسَ بِثِقَةٍ (١).
قالَ سَعيدُ بنُ عَمْرو البَرْذَعيُّ : سَمعتُ الحَافِظَ أبا زُرْعَة الرَّازي يقولُ : كان
أحمَدُ بنُ حَنْبَل لا يَرَى الكِتابَةَ عن أبي نَصْر الثَّمَّار ، ولا عَنْ يَحْيَى ابنِ مَعين ، ولا عن
أيِّ أحدٍ مِمَّنْ امْتُحِنَ فأجابَ(٢) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذا أمرٌ ضَيقٌ، ولاحَرَجَ على مَنْ أجابَ في الْمِحْنَة ،
بل وعلىُ مَنْ أُكرِهَ علىْ صَريح الكُفْرِ عَملاً بالآيَةِ وهذا هو الَحَقُّ وكان يَحْتَى رَحمَهُ اللهُ
من أئمّة السُّنَّة ، فخافَ من سَطْوَةِ الدَّولَة، وأجابَ تُقْيَة(٣).
وقالَ الحَسَنُ بنُ سُفْيان: سَمعتُ هُدبَةَ بنَ خالد ، يقولُ : صلَّيتُ علىْ شُعْبَة فقيلَ
له : رَأْيتَه؟ فَغَضبَ، وقالَ: رَأيتُ مَنْ هوَ خَيرٌ منه حَمَّادَ ابنَ سَلَمَة ، وكانَ سُنِّياً ،
وكانَ شُعبَةُ رأيُه رأيُ الإرجاءِ(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: كلَّ لَمْ يَكُنْ شُعبَهُ مُرْجِئاً ولَعَلَّهِ شَيءٌ يَسيرٌ لا يَضُه(٥).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ كلَّب : وقال بعضُ مَنْ لا يَعلم : إنَّه ابتَدَعَ
ما ابتَدَعَه ليَدُسنَّ دينَ النَّصَارَىُ في مِلَّتنا، وإنَّه أرْضَىْ أُختَه بذلك، وهذا باطِلٌ ،
والرجلُ أقرَبُ المُتكلِّمين إلى السُّنَّة ، بل هو في مُناظِرِيهم(٦) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ محمّد الوَرَّاق : كنتُ في مجلسٍِ أحمدَ بنِ حَنْبَل ، فقال : من أين
أقْبَلْتُم ؟ قُلنا: من مَجلسٍٍ أبي كريب ، فقال: اكْتُبُوا عنه، فإنَّه شَيخٌ صالحٌ ، فَقُلنا :
(١) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ١/٩١١.
(٢) انظر السير: (يَحْيَىُ بنُ مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ٥/٩١١.
(٣)
انظر السير: ( يَحْيَىُ بنُ مَعين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة: ١/٩١٢.
انظر السير: ( هُدبَةُ بنُ خالد) ١١/ ٩٧ - ١٠٠، وانظر النزهة : ٣/٩١٤.
(٤)
(٥) انظر السير: ( هُدبَةُ بنُ خالد) ٩٧/١١ - ١٠٠، وانظر النزهة: ٤/٩١٤.
(٦) انظر السير: (ابنُ كلَّب) ١٧٤/١١ -١٧٦، وانظر النزهة: ٣/٩٢٢.
٢٠٨

إِنَّه يَطعنُ عليك قال: فأيُّ شيء حيلتي، شَيخٌ صالحٌ قد بُلِيَ بي(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ الرَّوَاجنيِّ: الشَّيِخُ العالِمِ الصَدوقُ، مُحدِّثُ
الشِّيعَة ، أبو سَعيد عَبَّادُ بنُ يَعقُوب الأسدي الرَّوَاجنيُّ الكُوفِيُّ المُبتَدِعِ .
وقال الحاكمُ : كان ابن خُزَيْمَة يقولُ : حَدَّثنا الثِّقَةُ فِي رِوايَتِهِ المُتَّهَمُ في دِينه ،
عبَّادُ بنُ يَعقُوب .
وقال ابنُ عدي : فيه غُلوٍّ في التَّشَيُّع(٢).
وقالَ أحمَدُ السُّلميُّ في (( مِحَنِ الصُّوفيَّة )»: أحمَدُ بنُ أبي الحَواريّ شَهدَ عَليه قَومٌ
أنَّه يُفَضِّلُ الأولياءَ على الأنْبياءِ وبَذلوا الخُطوطَ عليه ، فهَربَ من دِمَشْقَ إلى مَكةَ وجاوَرَ
حتَّى كَتبَ إليه السُّلطانُ ، يَسألُهُ أنْ يَرجِعَ فَرَجَعَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: إنْ صَحَت الحِكايَةُ فهذا من كَذْبِهِم على أحمَدَ ، وهو
كانَ أعلَم بالله من أنْ يَقولَ ذلكَ تُوفِّيَ أحمدُ سَنةَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ ومِئْتَين(٣).
وجاءَ في تَرَجَمَةِ الزُّبَيْرِ بنِ بَكار ، وقالَ أحمَدُ بنُ عَلَيٍّ السُّليْمانِيُّ الحافِظُ : مُنْكَرُ
الحَديثِ .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : كذَا قالَ ولا يدري ما يَنطِقُ به .
تُوفِّيَ الزُّبَيْرُ سَنَّةَ سِتٍّ وخَمسينَ ومئتين بمَكةَ، وقد بَلَغَ أرْبَعاً وثمانينَ سَنةً (٤) .
وقال عبدُ الرَّحمَن بنُ أبي حاتِمٍ في (( الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ)) قَدِمَ مُحمَّدُ ابنُ إِسْماعيل
الرَّيَّ سَنَةَ خَمْسينَ ومِئْتَيْنِ، وسَمِعَ منه أَبِي وأبو زُرْعَةَ وتَرَكا حَديثَهُ عندَما كَتَبَ إليهِما
مُحمَّدُ بنُ يَحْيَى أنَّه أظْهَرَ عندَهُم بنيسابُورَ أنَّ لَفْظَهُ بالقُرآنِ مَخْلُوقٌ (٥) .
(١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤٧.
(٢)
انظر السير: ( الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ٣/٩٦٩.
انظر السير: ( أحمَدُ بنُ أبي الحَواريُّ) ٨٥/١٢-٩٤، وانظر النزهة: ١/٩٨٨.
(٣)
(٤) انظر السير: (الزُّبَيْر بن بكار) ١٢/ ٣١١ -٣١٥، وانظر النزهة: ٤/١٠٠٤.
(٥) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١٩.
٢٠٩

قال الإمام الذهبيُّ: إنْ تَرَكا حَديثَه، أوْ لَمْ يَتْرُكَاهُ ، البُخاريُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُحْتَجٌّ به
في العَالَمِ (١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ داوُدَ بنِ عَليّ : للعُلماءِ قَولانِ في الاعْتِدادِ بخِلافٍ
داوُد وأتباعِه : فمَنْ اعْتَذَّ بخِلافِهم، قالَ: ما اعْتدادُنا بِخِلافِهم لأنَّ مُفْرَداتِهِم حُجَّة ،
بل لتُحْكَى في الجُملَة ، وبَعضُها سائغٌ ، وبَعضُها قَوِيٌّ وبَعضُها ساقطٌ ، ثم ما تَفَرَّدوا به
هو شَيءٌ من قَبِيلِ مُخالَفَة الإجماعِ الظنِّي، وتَنْدُرُ مُخالَفْتُهم لإجْماعِ قَطْعيٍّ ومَنْ
أَهْدَرَهم، ولَمْ يَعْتَد بهم، لمْ يَعذَّهَم في مَسائِلِهِم المُفْردَة خارجين بها من الدِّين،
ولا كَفَّرهم بها ، بلْ يقولُ : هؤلاء في حَيِّرِ العَوامِّ ، أو هم كالشِّيعَة في الفُروع ،
ولا نَلتَفتُ إلى أُقْوالِهم ، ولا نَنْصِبُ معهم الخِلافَ ، ولا يُعتَنَى بَتَحْصيلِ كُتِبِهم ،
ولانَدَلُّ مُسْتَفْتياً من العامَّة عليهم وإذا تَظاهروا بمَسْأَلَة مَعْلومَة الْبُطْلان، كمَسْحِ
الرِّجْلَين ، أَذَّبْناهم، وعَزَّرْناهم، وألْزَمْناهم بالغُسْلِ جَزْماً .
قال الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسْفَرَابِيني : قال الجُمهورُ : إِنَّهم - يَعني نُفَاةَ القِياسِ -
لا يَبْلغونَ رُتْبةَ الاجْتهادِ ، ولا يَجوزُ تَقليدُهم القَضاءَ.
وقال إمامُ الحَرمَين أبو المعالي: الذي ذَهبَ إليه الثَّحْقيقُ : أنَّ مُنْكري القياسِ
لا يُعدُّون مِنْ عُلماءِ الأُمَّة ، ولا مِنْ حَمَلَة الشَّرِيعَة، لأنَّهم مُعانِدون ، مُباهِتُون فيما
ثَبتَ اسْتفاضَةً وتَواتُراً، لأنَّ مُعْظمَ الشَّريعةِ صادِرٌ عن الاجْتهادِ ، ولا تَفي النُّصوصُ
بُعُشْرِ مِعْشارِها ، وهؤلاء مُلتَحِقونَ بالعَوامُّ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هذا القَولُ من أبي المَعالي أدَّاهُ إليه اجْتهادُه ، وهم فأدَّاهم
اجْتهادُهم إلى نَّفَي القَولِ بالقياسِ، فَكَيف يُرَدُّ الاجْتهادُ بِمِثْلِهِ ، ونَذْري بالضَّرورَة أنَّ
داوُد كانَ يُقْرِىءُ مَذهَبَه ، ويُناظِرُ عليه، ويُفْتي به في مثل بَغْدادَ ، وكثرةُ الأئمّة بها
وبغَيرِها ، فَلَمْ نَرَهُم قامُوا عليه، ولا أنْكَرُوا فَتاويه ولا تَدريسَه ، ولا سَعَوا في مَنِعِه
من بثّه ، وبالحَضْرةِ مثلُ إسْماعيلَ القاضي ، شَيخِ المالكيَّة ، وعُثمانِ بنِ بَشَّار
(١) انظر السير: (أبو عبد الله البخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٦/١٠١٩.
٢١٠

الأنْماطيِّ، شَيخِ الشَّافعيَّة، والمَرْوذيِّ شَيخِ الحَنْبَلِيَّة ، وابنَيْ الإمامِ أحمدَ ،
وأبي العبَّاس أحمَدَ بنِ محمّد البِرْتي، شَيخِ الحَنفيَّة، وأحمَدَ ابنِ أَبِي عِمْرانَ
القاضي ، ومثلُ عالِمٍ بَغْدادَ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ بَلْ سَكتُوا له ، حتى لقد قالَ قاسمُ بنُ
أصْبَعْ : ذاكَرتُ الطَّبريَّ - يَعني ابنَ جَرير - وابنَ سُرَيْج، فَقُلتُ لهما: كتابُ ابنِ قُنتَيْبَة
في الفِقْه أينَ هو عندَكُما؟ قالا : ليسَ بشيءٍ ولا كتابِ أبي عُبَيد ، فإذا أرَدْتَ الفِقْهَ
فَكُتبِ الشَّافعيِّ ، ودَاوُدَ ونُظَرَائِهِما .
ثم كانَ بعدَه ابنُهُ أبو بَكْر، وابنُ المُغَلّس ، وعدَّة من تلامِذَة داوُد وعلىُ أكْتَافِهِم
مثلُ : ابنِ سُرَيْج، شَيخِ الشَّافعيّة، وأبي بَكْر الخَلاَّل، شَيخِ الحَنْبَلِيَّة ، وأبي الحَسَن
الكَرْخِي شَيخ الحَنفيَّة، وكان أبو جَعْفَرِ الطَّحاويُّ بِمِصَّرَ بل كانوا يتَجالَسُون
ويَتناظَرون، ويَبرُزُ كلٌّ منهم بحُجَجِه ، ولا يَسْعَون بالداوُدِيَّة إلى السُّلطانِ بلْ أبلغُ من
ذلك ، يَنصِبُون معهم الخِلافَ، في تصانيفِهِم قديماً وحديثاً ، وبكلِّ الحالِ ، فلَهم
أَشْياءُ أحْسَنوا فيها ، ولهم مَسائلُ مُسْتَهْجِنَة ، يُشْغَبُ عليهم بها ، وإلى ذلك يُشيرُ الإمامُ
أبو عَمرو ابنُ الصَّلاح ، حيثُ يقولُ: الذي اخْتارَه الأستاذُ أبو مَنْصور، وذَكرَ أنَّه
الصَّحِيحُ من المَذْهَب ، أنَّه يُعْتَبَرُ خِلافُ داوُد ثمَّ قالَ ابنُ الصَّلاح : وهذا الذي اسْتقرَّ
عليه الأمرُ آخراً ، كما هو الأغْلَبُ الأعْرَفُ من صَفْوِ الأئمَّة المتأخرين ، الذين أُوْرَدوا
مَذْهَبَ داوُد في مُصنَّفَاتِهِم المَشْهورَة ، كالشَّيخِ أبي حامد الإسْفَراييني ، والماوَرْدِيِّ ،
والقاضي أبي الطَّيِّب فَلَوْلا اعْتدادُهم به لما ذَكرَوا مَذْهَبَه في مُصنَّفَاتِهِم المَشْهورَة .
قالَ : وأَرَى يُعْتَبَر قولُه إلاَّ فيما خالَفَ فيه القياسَ الجَليَّ، وما أجْمَعَ عليه
القياسيُّون من أنواعِه ، أو بَناهُ على أصُولِه التي قامَ الدَّليلُ القاطعُ على بُطْلانِها ، فاتَّفَاقُ
مَنْ سِواهُ إجْماعٌ مُنْعَقدٌ، كقَولِه في التَّغَوُّطِ في الماءِ الرَّاكِد (١) وتلكَ المَسائل الشَّنيعَة ،
(١) وهو قول ابن حَزْم، ونَصُّ كلامه في ((المُحلَّى)) (١٣٥/١): (إلاَّ أن البائل في الماء الراكد الذي
لا يجري حرامٌ عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسالُ به لغرض أو لغيره ، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره
فلوِ أحدَثَ في الماء أو بال خارجاً منه ثم جرى البولُ فيه فهو طاهرٌ يَجوزُ الوضوء منه والغسل له ولغيره
إلاَّ أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئاً من أوصاف الماء ، فلا يُجزىء حينئذ استعماله أصلاً لا له
ولا لغيره ) .
٢١١

وقولِه : لا رِبَا إلَّ في السِّنَّة المَنْصُوصِ عليها، فخِلافُه في هذا أو نَحوِهِ غيرُ مُعْتدٍّ به ،
لأنَّه مبنيٌّ على ما يُقطَعُ بُطْلانِهِ .
قال الإمامُ الذهبيُّ: لا رَيبَ أنَّ كُلَّ مَسألَةِ انْفرَدَ بها ، وقُطِعَ بَبُطْلانِ قَولِه فيها ،
فإنَّهَا هَدرٌ ، وإنَّما نَحكيها للتَّعُبِ، وكُلَّ مَسألَةٍ له عَضَدَها نَصٌّ ، وسَبقَه إليها صاحبٌ
أو تابعٌ ، فهي من مَسائلِ الخِلافِ ، فلا تُهْدَر .
وفي الجُملَةِ ، فداوُد بنُّ عليّ بَصيرٌ بالفِقْه، عالمٌ بالقُرآنِ ، حافِظٌ للأثَرِ ، رأسٌ في
مَعرِفَةِ الخِلافِ ، من أوْعيَّةِ العِلمٍ ، له ذَكاءٌ خارِقٌ ، وفيه دينٌ مَتينٌ وكذلكَ في فُقَهاءِ
الظَّاهِرِيَّة جَماعَةٌ لهم عِلمٌ باهِرٌ، وذَكَاءٌ قَويٌّ، فالكَمالُ عَزِيزٌ ، واللهُ المُوَفِّق.
ونحن : فنحكي قولَ ابنِ عبّاس في المتعة، وفي الصَّرْف(١) ، وفي إنْكارِ العَوْل،
وقَولِ طائِفَةٍ من الصَّحابَة في تَرَك الغُسْلِ من الإيلاجِ (٢)، وأشْباهَ ذلك، ولا نُجَوِّزُ
لأحد تقليدهم في ذلك .
مات داؤُدُ في شَهرِ رَمضانَ سَنةً سَبعينَ ومِئَتِن(٣) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ أبي بكر ، عبدِ اللهِ بنِ أبي داوُدَ السِّجِسْتانيّ، قَالَ عَلَيُّ بنُ
الحُسَينِ بنِ الجُنَيد : سَمعتُ أبا دَاوُدَ يَقولُ : ابني عبدُ الله كذَّاب قالَ ابنُ صاعِد : كفانا
ما قالَ فيه أبوه .
قال الحافظُ ابنُ عَدي : كانَ في الابتداءِ يُنسَبُ إلىْ شَيءٍ من النَّصْبِ(٤) ، فَنَفَاهُ ابنُ
الفُرات من بغدادَ إلى وَاسِط ، فرَدَّه ابنُ عيسىُ، فحدَّث ، وأظْهَرَ فَضائلَ عَليٍّ ثم
تَحَنْبَلَ ، فصَارَ شَیخاً فيهم .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : كان شَهْماً ، قَويَّ النَّفْسِ، وقَعَ بينَه وبينَ ابنِ جَریر ،
وبينَ ابنِ صاعِد(٥) .
(١) انظر شرح صحيح مسلم رقم (٥٩٦) (١٠٢)، وشَرح السُّنَّة: ٦٠/٨ -٦١
(٣) انظر السير: (داوُد بن عَليّ) ٩٧/١٣ - ١٠٨، وانظر النزهة: ١/١٠٥٨- ١٠٦٠.
(٢)
انظر شرح السُّنّة : (٥/٢-٧)
(٤) النَّصْب: أي بغضة عليٍّ رضي الله عنه، من نَصَبَ فُلانٌ لفُلانٍ نَصْباً، إذا قَصدَ له، وعاداه ، وتجرَّد له.
(٥) انظر السير: ( أبو بكر بنُ أبي داود السِّجِسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ٢/١٠٧٣.
٢١٢

وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ أيضاً : ولعلَّ قَولَ أبيه فيه - إنْ صَحَّ - أرادَ الكَذبَ في لَهِجَتِهِ ،
لا في الحَديثِ ، فإنَّه حُجَّة فيما يَنْقُلُه ، أو كان يَكَذِبُ ويُوَرِّي في كلامِه ، ومَنْ زَعَمَ أنَّه
لا يَكذِبُ أبداً، فهو أرْعَن، نَسألُ اللهَ السَّلامَةَ من عَثْرَةِ الشَّبابِ ، ثم إنَّه شاخَ
وازْعَوَىْ ، ولَزِمَ الصِّدَقَ والتُّقَىُّ(١).
وقال أبو أحمَد بنُ عَدي : سَمعتُ عَليَّ بنَ عبدِ الله الدَّاهريَّ يقولُ : سَألتُ ابنَ
أبي داود عن حَديثِ الطَّيْرِ (٢)، فقال: إن صح حديث الطير فنبؤَةُ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم باطلٌ ، لأنَّه حَكَى عن حاجبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خِيانةً - يَعْنى أنَسَاً -
وحَاجِبُ النبيِّ لا يَكونُ خائناً .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هذه عبارةٌ رديئةٌ، وكلامٌ نخسرٌ، بل نُبُوَّة محمَّد صلى الله
عليه وسلم حَقٌّ قَطْعِيٍّ ، إنْ صَحَّ خَبَرُ الطَّيْرِ ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ ، وما وَجْهُ الارْتِباطِ ؟!
هذا أنَسٌّ قد خَدمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَبلَ أنْ يَحْتِلِمَ ، وقَبَلَ جَرَيان القَلَم ،
فَيَجُوزُ أنْ تَكونَ قِصَّةُ الطَّائر في تِلكَ المُدَّةِ فَرْضنا أنَّه كان مُحْتَلِماً ، ما هو بمَعْصُوم من
الخِيانَةَ، بلْ فَعَلَ هذه الجنايَةَ الَخفيفَة مُتأوّلاً، ثمَّ إنَّه حَبَسَ عَلَّاً من الدُّخولِ كما
قِيلَ ، فكان ماذَا؟ والدَّعْوَةُ النَّبويّة قد نَفَذَت واسْتُجِيبَت ، فَلَوْ حَبَسَه، أو رَدَّه مَرَّات ،
ما بَقِيَ يُتَصوَّرُ أنْ يَدخُلَ ويَأْكلَ مع المُصطفَىْ سِواهُ ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَكونَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم قَصدَ بقَولِه: ((إيتِنِي بِأَحَبٌّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ ، يَأْكلُ مَعِي)) عَدداً من الخِيَارِ ،
(١) انظر السير: (أبو بكر بنُ أبي داود السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ٣/١٠٧٣.
(٢) وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال : كنتُ أخدمُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقدم له فرخ مشوي، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ ائتني
بأحبُّ خلقكَ إليك يأكلُ معي هذا الطير ، فقلتُ اجْعَلْه رجلاً من أهلي الأنصار ، فجاء عليٍّ ، فقلتُ
إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على حاجة ، ثم جاء فقلتُ ذلك ، فقال: اللَّهُمَّ ائتني كذلك، فقلتُ
ذلك، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( افتح ، فدخل فقال صلى الله عليه وسلم :
ما حبسكَ يا عليُّ ؟ فقال: إنَّه هذه آخر ثلاث كرَّات يردُّني أنس ، فقال صلى الله عليه وسلم :
ما حَملَكَ على ما صَنعتَ ؟ قلتُ : أحْبَيْتُ أن يكونَ رجلاً من قومي ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن
الرجلَ محبٌّ قومَه))، وانظر أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث وقعت في المصباح ٣١٣/٣ ،
٣١٤ و(الفوائد المجموعة) ص ٣٨٢، وسيذكر الإمام الذهبيُّ رأيه بعد إيراده الخبر .
٢١٣

يَصدُقُ على مَجْمُوعِهِم أنَّهُم أحَبُّ النَّاسِ إلى الله، كمَا يَصُّ قَوْلُنا: أحَبُّ الخَلْقِ
إلى الله الصَّالِحُونَ ، فيُقالُ: فمَنْ أحَبُّهُم إلى الله ؟ فتَقُولُ: الصِّدِّيقُونَ والأنْبياءُ
فيُقالُ : فمَنْ أحَبُّهُم إلى الله ؟ فَتَقُولُ: مُحمَّدٌ وإِبْراهِيمُ ومُوسَى، والخَطْبُ في ذلك
يَسِيرٌ وأبو لُبَابَة - مع جَلالتهِ - بدَتْ منه خِيانَةٌ، حَيثُ أشار لبَنِي قُرَيْظَة إلى حَلْقِهِ ،
وتابَ اللهُ عَليه وحاطِبٌ بدَت منه خِيانَةٌ ، فكاتَبَ قُرَيشاً بأمْرٍ تَخَفَّى به نَبيُّ الله صلى الله
عليه وسلم من غَزْوِهِم ، وغَفرَ اللهُ لحاطِب مع عِظَمٍ فِعْلِهِ رضي الله عنه وحَديثُ الطَّيرِ -
على ضَعْفِهِ - فَلَه طُرِقٌ جَمَّة، وقد أفْرَدتُها في جُزء، ولَمْ يَثْبُتْ، ولا أنا بالمُعْتَقِدِ
بُطْلانَه، وقد أخطأ ابنُ أبي داوُد في عِبَارَته وقولِه ، وله على خَطِئِهِ أجْرٌ واحدٌ(١) .
ولَيسَ من شَرط الثِّقَةِ أنْ لا يُخْطِىءَ ولا يَغْلَطَ ولا يَسْهِوَ ، والرجلُ فِمِنْ كِبَارِ عُلماء
الإسْلام ، ومن أَوْثَقَ الحُفَّاظ، رحمَه الله تَعالى(٢).
وقالَ مَسْعودٌ السِّجْزِيُّ : سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ الحاكِمَ يَقولُ : أجْمَعَت الأمَّةُ على أن
القُتَبِيَّ كذَّاب .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: هذه مُجازَفَةٌ وقلَّةُ وَرَع، فما عَلمتُ أحداً اَّهمَه بالكَذِب
قبلَ هذه القَولَة ، بل قالَ الخَطِيبُ: إِنَّهِ ثِقَةٌ (٣).
وعن حمَّادِ الحَرَّانِيِّ أنَّ سَمِعَ السِّلَفيَّ يُنكِرُ على الحاكم في قولِه : لا تَجوزُ الرِّوايَة
عن ابنِ قُتَيِّبَة ويَقولُ : ابنُ قُتَيبَة من الثِّقَاتِ ، وأهلِ السُّنَّة ثم قالَ : لكنَّ الحاكمَ قصدَه
لأجلِ الْمَذْهَب .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : عَهْدي بالحاكم يَميلُ إلى الكَرَّامِيَّة ، ثم ما رَأيتُ لأبي
محمَّد ابنِ قُتَيِبَة في كتاب (( مُشْكِل الحَديث)) ما يُخالِفُ طَرِيقَة الْمُثْبِتَةِ والحَنَابِلَة ، ومنْ
أَنَّ أخْبَارَ الصِّفات تُمَرُّ ولا تُتَأَوَّل ، فالله أعلم (٤) .
قال الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَندَة في مسألة الإيمان : صَرَّحَ محمدُ ابنُ نَصْر في كتاب
(١) انظر السير: (أبو بكر بنُ أبي داود السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ٥/١٠٧٣.
(٢)
انظر السير : ( أبو بكر بنُ أبي داود السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣-٢٣٧، وانظر النزهة: ١/١٠٧٥.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ قَتَيْبَة) ٢٩٦/١٣ -٣٠٢، وانظر النزهة: ١/١٠٨٨.
(٤) انظر السير: (ابنُ قَتَيْبَة) ٢٩٦/١٣ -٣٠٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٨.
٢١٤

((الإيمان )) بأنَّ الإيمانَ مَخْلوق، وأنَّ الإِقْرارَ، والشَّهادَةَ، وقِراءةَ القُرآن بلَفْظه
مَخْلوق ثم قال: وهَجَرَه على ذلك عُلماءُ وَقْتْه وخالَفَه أئمَّةُ خُراسانَ والعِراق(١).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : الخَوْضُ في ذلك لا يجوزُ ، وكذلك لا يجوزُ أنْ يُقالَ:
الإيمانُ ، والإقْرارُ، والقِراءةُ، والتَّلفُّظُ بالقُرآن غَيرُ مَخْلوق، فإنَّ اللهَ خَلقَ العِبادَ
وأعْمالَهم ، والإيمانُ : فَقَولٌ وعَمل، والقِراءَةُ والتَّلفُّظُ : من كَسْب القارىء ،
والمَقْروءُ المَلْفوظُ: هو كَلامُ الله ووَحْيُهُ وتَنزِيلُه، وهو غَيرُ مَخْلوق، وكذلك كَلمَةُ
الإيمان، وهو قَوْلُ: ((لا إلهَ إلاَّ الله، محمَّدٌ رَسُولُ الله )) داخلٌ في القُرآن ، وما كان
من القُرآن فليس بمَخْلوق ، والتكلُّمُ بها من فِعْلِنا، وأفْعالُنا مَخْلوقَةَ ، ولو أنَّا كُلما
أخطأ إمامٌ في اجْتهادِه في آحادِ المَسائل خطأً مَغْفوراً له ، قُمْنا عليه ، وبَدَّعْناه ،
وهَجَرْناه، لما سَلِمَ مَعنا لا ابنُ نَصْر ، ولا ابنُ مَنْدَة ، ولا مَنْ هو أكْبرُ منهما، واللهُ هو
هادي الخَلقِ إلى الحَقِّ، وهو أرْحَمُ الراحمين، فَنَعوذُ بالله من الهَوى والفَظاظَةِ (٢).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ مُحمَّدٍ بنِ جَرير : وكان ابنُ جَرير من رجال الكمال ،
وشُنِّعَ عليه بيَسير تشيُّع ، وما رَأينا إلاَّ الخَيرَ ، وبعَضُهم يَنقُلُ عنه أنَّه كانَ يُجيزُ مَسِحَ
الرِّجْلَينِ في الوُضوء ولَمْ نَرَ ذلك في كُتْبِه(٣) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ ابنِ خُزَيْمَةَ: وكِتابُ ابنِ خُزَيْمَة في ((التَّوحيدِ ))
مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ ، وقد تَأوَّلَ في ذَلِكَ حَديثَ الصُّورَةِ(٤)، (٥).
(١) انظر السير: (محمد بن نَصر) ١٤/ ٣٣ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/١١٢٧.
(٢)
انظر السير: ( محمد بن نصر) ١٤/ ٣٣ - ٤٠، وانظر النزهة: ٣/١١٢٧.
(٣) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٤/١١٥٢.
(٤) حديثُ الصورة، أخرجه البخاري في «صحيحه)) (٢/١١) أول الاستئذان، ومسلم (٢٨٤١) في الجنة: باب
يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير وأحمد : (٣١٥/٢)، وابن خُزيمة في ((التوحيد)) (٣٩ - ٤٠) من
طريق معمر عن همّام بن مُنبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خَلَقَ اللهُآدَمَ على صُورَتِهِ ،
طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعاً ، فلَمَّا خَلَقَه، قَالَ: اذْهَبْ، فَسَلَّمْ علىُ أُولَئِكَ - نَفَرِّ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاسْتَمِعْ
ما يُحَيُّونَكَ ، فَإِنَّهَا تَحِيُّكَ وَتَحِيَّةُ ذُرَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلِيكُمْ فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ فَزَادَهُ:
((ورَحْمَةُ اللهِ)) فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَىْ صُورَةٍ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حتّى الآن )» ورَاجِعْ مَا كَبَه الحافظُ
ابنُ حَجَر عن عَوْدِ الضَميرِ في ( صورته) في « الفتح»: (١٣٣/٥)، (٢٦٠/٦)، (٢/١١-٣).
(٥) انظر السير: ( ابن خُزيمة) ٣٦٥/١٤-٣٨٢، وانظر النزهة: ١/٢٦١١.
٢١٥

فلْيُعذَرْ من تَأْوُّلِ بَعضِ الصِّفاتِ، وأمَّا السَّلَفُ فما خَاضُوا فِي التَّأويلِ ، بَلْ آمَنُوا
وكَقُّوا، وفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلكَ إلى اللهِ ورسُولِه، ولَوْ أنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ في اجْتِهَادِه - مع
صِحَّةِ إِيْمانِهِ وتَوَخِّيه لاتِّبَاعِ الحَقِّ - أهْدَرْناهُ وبَدَّعْناهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ من الأئِمَّة مَعَنا
رَحِمَ اللهُ الجَميعَ بِمَنِّهِ وكَرَمِه(١) .
قالَ عبدُ الصَّمَد بنُ محمَّد بن محمَّد بنِ حِبَّان ، سَمعتُ أبي يقولُ : أَنْكَروا على
أبي حاتم بنِ حِبَّان قولَه: النُُّوَّةُ: ((العِلمُ والعَمَلُ))، فحَكَموا عليه بالزَّنْدَقَة،
وهُجرَ ، وكُتبَ فيه إلى الخَلِيفَةِ ، فَكَتبَ بقَتِلِه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: هذه حكايَةٌ غَرِيبٌ ، وابنُ حِبَّان فمن كبار الأئمّة ، ولَسنا
نَدَّعي فيه العِصمَة من الخطأ، لكن هذه الكَلمَة التي أطلَقَها ، قد يُطلِقُها المسلمُ ،
ويُطلقُها الزِّنْدِيقُ الفَيلَسوفُ ، فإطْلاقُ المسلم لها لا يَنبَغِي ، لكن يُعتَذرُ عنه ، فتَقولُ : لَمْ
يَردْ حَصِرُ الْمُبتَدأ في الخَبَر ونَظيرُ ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: ((الحَجُّ عَرَفَةَ )) ومَعلومٌ
أنَّ الحاجَّ لا يَصيرُ بمُجرَّد الوقوفِ بعَرفَة حاجّاً ، بل بقيَ عليه فُروضٌ وَاحِباتٌ وإنَّما ذَكَرَ
مُهِمَّ الحَجِّ وكذا هذا ذَكَرَ مُهِمَّ النُّؤَّة، إذ من أكمَلِ صِفاتِ النَّبِيِّ كمَالُ العِلمِ والعَمَل فلا
يَكونُ أحدٌ نَبياً إلاَّ بُوُجودِهما، ولَيسَ كلُّ مَنْ بَرزَ فيهما نَبِياً ، لأنَّ النُّؤَّةَ مَوْهِبَةٌ من الحَقِّ
تَعَالَى، لا حيلَةَ للعَبدِ في اكْتِسابِها ، بل بها يَتَوَلَّدُ العِلمُ اللَّهُنِّيُّ والعَمَلُ الصَّالِحِ .
وأمَّا الفَيلَسوفُ فيقولُ: النُُّوَّة مُكتسَبَة يُنتِجُها العِلمُ والعَملُ فهذا كُفْرٌ، ولا يُريدُهُ
أبو حاتم أصْلاً، وحاشاه، وإنْ كانَ في ((تَقَاسيمِه)) من الأقْوالِ، والتأويلاتِ البَعيدَة ،
والأحاديثِ الْمُنكَرَة عَجائبَ وقد اعترفَ أنَّ ((صَحيحَه)) لا يَقدِرُ على الكَشْفِ منهُ إلاَّ
مَنْ حَفِظَه ، كمَنْ عندَه مُصحَفٌ لا يَقدرُ على مَوضِع آيةٍ يُريدُها منه إلاَّ مَنْ يَحفَظُه (٢).
قال أبو إسماعيل الأنْصَاريّ : سَمعتُ يَحْبَىُ بنَ عمَّار الواعِظَ وقد سَألْتُه عن ابنِ
حبَّان ، فقال : نحنُ أخْرَجنَاه من سِجسْتان، كان له عِلمٌ كثير ، ولَمْ يَكُنْ له کبیرُ
دين ، قَدِمَ علينا ، فأنْكَرَ الحدَّ لله، فأخْرَجْناه .
(١) انظر السير: (ابن خُزيمة) ٣٦٥/١٤-٣٨٢، وانظر النزهة: ٢/٢٦١١.
(٢) انظر السير: (ابنُ حِبَّان) ٩٢/١٦ - ١٠٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٩.
٢١٦

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: إنْكَارُكُم عليه بِدْعَةٌ أيضاً ، والخَوضُ في ذلكَ ممَّا لَمْ
يَأْذَنْ به اللهُ، ولا أتَى نَصٌّ بإِثْبَاتِ ذلكَ ولا بِنَفْسِهِ، و(( مِنْ حُسْنِ إِسْلام المَرْءِ تَرْكهُ مَا لاَ
يَعْنِيه)) وتَعالَى اللهُ أنْ يُحَدَّ أو يُوصَفْ إلاَّ بما وَصَفَ به نَفَسَه، أوْ عَلَّمَه رُسُلَه بالمَعْنى
الذي أرادَ بِلا مِثْلٍ ولا كَيْف ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(١).
تُوفِّيَ ابنُ حِبَّن بسِجِسْتَانَ بِمَدينَة «بُست)) في سَنةِ أرْبَع وخَمسينَ وثَلاثِ مئة وهو
في عَشرِ الثَّمانين(٢) .
وقالَ أبو الحَسَنِ الصَّفَّارِ : سَمعتُ أبا سَهْلِ الصُّعْلُوكِيَّ، وسُئلَ عن تَفَسيرِ أبي بكر
القَفَّال فقالَ: قدَّسَه من وَجْه ، ودَنَّسَه من وجه أي : دَنَّسَه نَصرُه للاْتِزالِ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: الكَمالُ عَزِيزٌ ، وإنَّما يُمدَحُ العالِمُ بِكَثرَةِ ما لَه من
الفَضائل ، فلا تُدفَنِ الْمَحاسِنُ لوَرْطَةٍ، ولَعَلَّه رَجعَ عنها وقد يُغفَر له باسْتَفْراغِه الوُسْعَ
فِي طَلبِ الحَقِّ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٣).
رَوَى ابْنُ بَطَّة عن البَغَويِّ، عن مُصْعَبٍ بنِ عبدِ اللهِ عن مَالِك ، عن الزُّهْريِّ عن
أنَسٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) .
قالَ الخَطيبُ: هذا باطِلٌ ، والحَملُ فيه على ابنٍ بَطَّةَ(٤) .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّاً: أفْحَشَ العِبارَة وحاشَى الرجل من التَّعمُّد، لكنَه غَلِطَ
ودَخلَ عليه إسْنادٌ في إسْناد .
كان مَوْتُهُ فِي سَنةِ سَبعٍ وثَمانينَ وثَلاثِ مئة(٥) .
قالَ أبو الوليدِ البَاجي : عبدُ الغَني بنُ سَعيد حافِظُ مُتِقِنٌّ، قُلْتُ لأبي ذَر الهَرَوي :
(١) سورة الشورى، الآية : ١١.
(٢) انظر السير: (ابن حبّان) ٩٢/١٦ - ١٠٤، وانظر النزهة: ١/١٢٧٠.
(٣) انظر السير: (القَفَّلُ الشَّاشِي) ٢٨٣/١٦ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٩٥.
(٤)
حديثٌ حَسنٌ انظر (( فيض القدير)) ٤/ ٢٦٧ .
(٥) انظر السير: (ابنُ بَطَّة) ٥٢٩/١٦-٥٣٣، وانظر النزهة: ٤/١٣١٤.
٢١٧

أخَذتَ عن عبدِ الغني؟ فقالَ: لا إنْ شاءَ الله على مَعنَى التَّأكيدِ، وذلكَ أنَّه كانَ لعَبدِ
الغَنِي اتِّصالٌ بَبَنِي عُبَيْد ، يَعني أصْحَابَ مِصْرَ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: اتِّصالُه بالدَّولَةِ العُبَيْدِيَّةِ كانَ مُدارَاةً لهم وإلاَّ فَلَوْ جَمَحَ
عليهم لاسْتأصَلَه الحاكِمُ خَليفَةُ مِصْرَ ، الذي قيلَ إنَّه الدَّعَى الإلَهِيَّة .
وأظنُّه وَلَيَ وَظيفةً لهم، وقد كانَ من أكْمَّة الأثَرِ نَشأ في سُنَّةٍ واتِّبَاعِ قَبَلَ وُجودِ
الرَّقْضِ واسْتمَّ هو على التَّمَسُّك بالحَديثِ ولكنَّه دَارَى القَومَ ودَاهَنَهم فلذلك لَمْ يُحِبَّ
الحافِظُ أبو ذَر الأخْذَ عَنه(١) .
جاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ السِّمْسَارِ ، وقالَ أبو الوَليدِ البَاجي : فيه تَشَتُّع يُفضي به إلى
الرَّفْضِ ، وهو قَليلُ الْمَعرِفَةِ(٢) .
مات ابنُ السِّمْسار سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة وقد كَمَّلَ التسعين ، ولعلَّ تَشَيُّعَه
كان تَقَيَّةً لا سَجِيَّة ، فإنَّه من بَيْتِ الحَديثِ ، ولكن غَلتِ الشَّامُ في زَمانِهِ بالرَّفضِ ، بل
ومِصْرُ والمَغْرِبُ بالدولَة العُبَيْدِيَّة ، بل والعِراق ، وبعض العجم بالدولة البُونِهِيَّة ،
واشْتدَّ البلاءُ دَهراً، وشَمخَت الغُلاةُ بأنفِها، وتَوَاخَى الرَّفضُ والاعْتِزِالُ حينئذٍ ،
والنَّاسُ على دين المَلك، نسألُ اللهَ السَّلامةَ في الدِّين(٣).
وقالَ ابنُ عَساكِرٍ في (( تَبيين كَذْبِ الْمُفتَري )): لا يَستبعدَنَّ جاهلٌ كَذْبَ الأهْوَازيّ
فيما أوْرَده من تلك الحِكاياتِ ، فقد كان من أكْذَبِ النَّاسِ فيما يَدَّعي من الرِّواياتِ في
القِراءاتِ .
وقالَ عبدُ الله بنُ أحمَد بن السَّمَرْقَنديُّ: قالَ لنا أبو بكر الخَطيبُ : أبو عَليٍّ
الأهْوَازيُّ كذَّابٌ في القِراءاتِ والحَديثِ جَميعاً .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: يُريدُ تَركيبَ الإسْنادِ ، وادِّعاءَ اللِّقَاءِ ، أَمَّا وَضعُ حُروفٍ
أوْ مُتُونٍ فحَاشا وكلاً، ما أُجَوِّزُ ذلك عَليه، وهو بَحْرٌ في القِراءاتِ ، تَلَقَّى الْمُقرئون
(١) انظر السير: (عبدُ الغَني بنُ سَعيد) ١٧ /٢٦٨ -٢٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٠ .
(٢) انظر السير: (ابنُ السِّمسار) ٥٠٦/١٧ -٥٠٧، وانظر النزهة: ١/١٣٥٦.
(٣) انظر السير: (ابنُ السِّمسار) ٥٠٦/١٧-٥٠٧، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٦.
٢١٨

تَوالِيفَه ونَقَلَه للفَنِّ بالقَبولِ، ولَمْ يَنْتَقِدوا عليه انْتِقَادَ أصْحابِ الحَديثِ كما أحْسَنوا الظَّنَّ
بالنَّقَّاش، وبالسَّامريِّ ، وطائفة راجوا عليهم .
تُوفِّيَ أبو عَلَيٍّ - سَامَحَه الله - سَنَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ وأرْبَع مئة(١) .
وقالَ أبو الحَسَن بنُ الطُّيوريِّ: أكثر كُتب الخَطيبِ - سِوَى (( تاريخ بغداد )) -
مُستَفادَةٌ من كُتب الصُّوريِّ ، كانَ الصُّورُّ ابتدأ بها وكانت له أُختُ بصُور ، وخلّفَ
عندَها اثنَي عَشرَ عِدْلاً من الكُتبِ ، فحَصَّلَ الخَطيبُ من كُتِبِه أشياء .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: ما الخَطيبُ بمُفتَقِرٍ إلى الصُّوريِّ، هو أحْفَظُ وأوْسَعُ
رحْلَةً وحَديثاً ومَعرِفَةٍ(٢) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ أبي مُسْلمِ اللَّيْنِيِّ، قالَ أبو زَكريّا بنُ مَنْدَه: هو أحَدُ مَنْ يَدَّعي
الحِفظَ ، إلاَّ أنَّه يُدلِّسُ، ويَتعصَّبُ لأَهْلِ البِدَع، أحولُ ، شَرِهِ ، كلما هاجَت ريحٌ ،
قامَ مَعها، صنَّف (( مُسنَدَ الصَّحيحَين)) (٣).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: آلُ مَنْدَه لا يُعبَأ بقَدحِهم في خُصومِهم ، كما لا نَلَتَفتُ
إلىْ ذَمِّ خُصومِهِم لهم ، وأبو مُسْلم ثِقَةٌ فِي نَفَسِه .
ماتَ بخوزستانَ سَنةَ سِتُّ وسِتِينَ وأرْبَع مئة (٤) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ شَيخِ الإسْلامِ أبي إسْماعيلَ الهَرَويِّ ، قَالَ الْمُؤْتَمَنُ : كانَ يَدخلُ
على الأُمَراء والجَبابرَةِ فَما يُبالي، ويَرَى الغَريبَ من الْمُحدِّثينَ، فيُبالغُ فِي إِكْرامِهِ
وسَمعتُهُ يَقولُ : تَركتُ الحِيرِيَّ الله قال: وإنَّما تَركَه ، لأنَّه سَمعَ منه شَيئاً يُخالِفُ
السُّنَّةَ(٥) .
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : كان يَدري الكَلامَ على رَأي الأشْعَرِيِّ ، وكانَ شَيخُ
(١) انظر السير: (الأهْوَازِيُّ) ١٨/ ١٣ -١٨، وانظر النزهة: ٢/١٣٧٨.
(٢) انظر السير: (الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٤/١٤١٣.
انظر السير: ( أبو مُسْلم اللَّيْئِيُّ) ١٨ / ٤٠٧ -٤٠٩، وانظر النزهة: ٢/١٤٢٦.
(٣)
انظر السير: ( أبو مُسْلم اللَيْئِيُّ) ١٨/ ٤٠٧-٤٠٩، وانظر النزهة : ٣/١٤٢٦.
(٤)
(٥) انظر السير: (شَيخُ الإسْلام الهَرَويُّ) ٥٠٣/١٨-٥١٨، وانظر النزهة: ٣/١٤٣٦ .
٢١٩

الإسْلام أثَرياً قُتَاً، يَنالُ من الْمُتَكُلِّمَةِ، فلهذا أعْرَضَ عن الحِيَرِيِّ، والحِيَرِيُّ : فثقةٌ
عالمٌ ، أكثرَ عَنه البَيْهَقِيُّ والنَّاسُ(١) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ سُلَيْمانَ بنِ إبراهيم : قالَ يَحْيَى بنُ مَنْده : في سَماعِهِ كَلامٌ ،
سَمعتُ مِنْ ثِقاتٍ أنَّ له أخاً يُسمَّى إسْمَاعيل أكْبرَ منه، فحَكَّ اسمَه ، وأثبتَ اسمَ
نفسِه ، وهو شَيخ شَرِهٌ لا يَتَورَّعُ ، لَكَانٌ وَقَّاح(٢) .
تُوفِّيَ سَنَ سِتٍّ وَثَمانِينَ، وله تِسْعُونَ عَاماً غَيْرَ أَشْهُر(٣).
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً : وينبغي التوقف في كلام يَحْيَى ، فَبَينَ آلِ مَنْدَه وأصْحَابِ
أبي نُعَيم عَداواتٌ وإحَنٌ (٤).
وقالَ أبو عامِرِ العَبدَريُّ : سَمعتُ أبا نَصْر أحمَدَ بنَ مُحمَّد بنِ عبدِ القادِرِ الطُّوسيَّ
يَحلفُ بالله إنَّه أَبْصَرَ فِي نَومِه كأنَّه يَنظُرُ فِي كُتْبِ الغَزَّالِيِّ رَحمَه اللهُ، فإذا هي كلُّها تَصاوير .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقّباً: الغَزَّالِيُّ إمامٌ كَبِيرٌ، وما من شَرطِ العالِمِ أنَّه
لا يُخطىءٌ(٥) .
ولأبي الحَسَن ابنِ سُكَّرٍ رَدٌّ على الغَزَّالِيِّ في مُجَلَّد سَمَّاه: ((إحْياءُ مَيِّتِ الأحياء في
الردِّ على كتابِ الإِحْياء » .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِباً: ما زَالَ الأئمَّةُ يُخالِفُ بَعضُهم بعضاً، ويَردُّ هَذا على
هَذا ولَسْنا مِمَّنْ يَذُمُ العَالِمَ بالْهَوَىُ والجَهْلِ(٦).
قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ محمَّدٍ بنِ طاهِر ، وقد ذَكرَه الدَّقَّاقُ في رسالَتِهِ ، فخَطَّ
عليه ، فقالَ: كانَ صُوفيّاً مَلاَمتيّاً، سَكِنَ الرَّيّ، ثم هَمَذَانَ، له كتابُ ((صَفْوَة
التَّصوُّف)) وله أذْنَى مَعرِفَة بالحَديثِ في بابِ شُيوخِ البُخاريِّ ومُسلِمٍ وغَيرِهما .
(١) انظر السير: (شَيخُ الإسْلام الهَرَويُّ) ٥٠٣/١٨-٥١٨، وانظر النزهة : ٤/١٤٣٦.
(٢)
في اللسان: وَقُحَ الرجُلُ : إذا صار قليلَ الحَياء ، فهو وَقِحٌّ ووَقَّاح .
انظر السير: ( سُلْيْمانَ بنُ إبراهيم) ٢١/١٩ -٢٥، وانظر النزهة: ٢/١٤٥٣.
(٣)
انظر السير: ( سُلَيْمانُ بنُ إبراهيم) ٢١/١٩ -٢٥، وانظر النزهة: ٣/١٤٥٣.
(٤)
(٥) انظر السير: (الغزّاليُّ) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٨٤.
(٦) انظر السير: (الغزّاليُّ) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ٤/١٤٨٥.
٢٢٠