Indexed OCR Text

Pages 141-160

سَبْع، فطُرِحَ ، فبقي ليلةً، ثم جاؤوا والسَّبُعُ يلحَسُه وهو مُستَقبل القِبْلَة ، فأطلَقَه
خُمارويه واعْتَذَرَ إليه(١) .
وقالَ أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزِي: مَنْ قَنَعَ ، طَابَ عَيْشُهُ ومَنْ طَمعَ طال طيشُه(٢).
٢ - صُوَرٌ على القَنَاعَة :
عن أبي وَائلٍ قالَ: ذَهبتُ أنا وصاحبٍ لي إلى سَلْمانَ ، فقالَ : لَوْلا أنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى الله عليه وسلم نَهانا عن التَّكلُّفِ، لتَكلَّفْتُ لكم، فجاءَنا بخُبزٍ ومِلْحِ فَقُلتُ
لصاحِبِي : لَوْ كانَ في مِلْحِنا صَعْتَرٌ فِبَعَثَ سَلْمَانُ بِمِطْهَرَتِهِ ، فَرَهَنَها ، فجاء بصَعْتَر ،
فلمَّا أكَلْنا قالَ صاحبي : الحَمْدُ لله الذي قَنَّعَنا بما رَزَقَنا، فقالَ سَلْمَانُ : لَوْ قَنَعْتَ لَمْ
تَكُنْ مِطْهَرَتِي مَرْهونَةَ(٣) .
وقال الحَسَن بنُ صالِح : رُبَّما أصْبحتُ وما مَعي دِرْهَم وكأنَّ الدُّنيا قد حِيزَتْ
لي (٤) .
وذكرَ إبراهيمُ بنُ السَّري الزَّجَّاجَ : أنَّه كان يُجرَى على أبي جَعْفرِ التِّرْمِذيِّ في الشَّهرِ
أرْبَعةُ دَراهم ، يَتقوَّتُ بها قالَ : وكانَ لا يَسألُ أحَداً شَيْئً(٥) .
وجاءَ في تَرجَمَةِ ابنِ الطَّلَّية، قالَ السَّمْعَانِيُّ: شَيخٌ كَبِيرٌ أَفْنَى عُمرَه في العِبَادَة
والقِيامِ والصِّيامِ لَعلَّه ما صَرفَ سَاعةً من عُمرِهِ إلاَّ في عِبادَة وانْحَنَى حتَّى لا يَتَبيَّنُ قِيامُه
من رُكُوعِه إلاَّ بِيَسير ، وكانَ حافِظاً للقُرآنِ ، لا يَقبَلُ من أحَدٍ شَيئاً وله كِفَايَةٌ يَتقنَّعُ
بها (٦)
(١) انظر السير: (بُنَانُ الحَمَّال) ١٤ /٤٨٨- ٤٩٠، وانظر النزهة: ١/١١٦٩.
(٢) انظر السير: (أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة : ٤/١٦٣٤.
انظر السير: (سلمان الفارسيُّ) ٥٠٥/١-٥٥٨، وانظر النزهة: ٣/٢٠٤.
(٣)
انظر السير: (الحَسَن بن صالح) ٣٦١/٧ -٣٧١، وانظر النزهة : ٥/٧٠٣ .
(٤)
انظر السير: (أبو جَعْفَر التِّرْمِذيّ) ٥٤٥/١٣-٥٤٧، وانظر النزهة: ٢/١١١٥.
(٥)
(٦) انظر السير: (ابنُ الطّلأَّيَة) ٢٦٠/٢٠ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٥٤٩.
١٤١

الكرم
١ - أكرَمُ النَّاس :
رَوَى العُتبيُّ عن رَجلٍ قالَ: خَطبَ خَالدُ بنُ عبد الله القَسريُّ بواسِطَ فقالَ : إنَّ أُكْرَمَ
النَّاسِ مَنْ أعْطَى مَنْ لا يَرُجُوه ، وأَعْظَمَ النَّاسِ عَفْواً مَنْ عَفَا عن قُدرَة ، وأَوْصَلَ النَّاسِ
مَنْ وَصَلَ عن قَطِيعَةِ (١) .
٢۔الکریمُ حَبیبٌ إلی الله :
وعن بِشْرِ بنِ الحارِثِ ، قالَ : شَاطِرٌ سَخِيٌّ أحبُّ إلى اللهِ من صُوفِيِّ بَخيل(٢).
٣- صُوَرٌ على الكرَم :
حَكَى الْمَدائنيُ أنَّ يَزِيدَ بنَ الْمُهَلَّب كانَ يَصلُ نَديماً له كُلَّ يَومٍ بمئة دينار فلمَّا عَزمَ
على السَّفرِ أعْطَاهُ ثَلاثَةَ آلافِ دِينار(٣).
وقيلَ : إِنَّه حَجَّ فلمَّا حَلقَ رَأْسَه الحَلَّقُ أعْطاهُ ألفَ دِرْهَم فدُهِشَ بها وقالَ : أَمْضِىُ
أُبَشِّرُ أُمِّي قالَ : أَعْطُوهُ ألفاً أُخرَىُ فقالَ : امْرأتي طالِقٌ إنْ حَلقتُ لأحَدٍ بَعدَك قالَ :
أعْطُوهُ أَلْفَيْنِ آخَرَين(٤) .
عن ابن نوحٍ قالَ : سَمعتُ خالدَ بنَ عبدِ اللهِ القَسْريَّ يَقولُ على الْمِنْبَر : إنِّي لأطْعِمُ
كلَّ يَومٍ سِنَّةً وثَلاثينَ ألفاً من الأعْرابِ تَمْراً وسَوِيقاً(٥) .
وقال محمَّدُ بنُ عليٍّ بنِ الحَسن بنِ شَقيق، سَمعتُ أبي قال : كان ابنُ الْمُبارَك إذا
كان وَقتُ الحَجِّ ، اجتمعَ إليه إخْوانُهُ من أهْلِ مَرْو ، فيقولون : نَصحبُك، فيقولُ :
هاتوا نَفَقاتِكم ، فيأخُذُ نَفَقاتِهم ، فيَجعلُها في صُندوقٍ ، ويُقفِلُ عليها ، ثم یکتري له ،
(١) انظر السير: (القَسْريّ) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ٥/٦١٨.
(٢) انظر السير: (بشر بن الحارث) ٤٦٩/١٠ -٤٧٧، وانظر النزهة: ٩/٨٨٥.
(٣) انظر السير: (يَزِيدُ بنُ الْمُهَلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة : ٤/٥٤٤.
انظر السير : ( يَزِيدُ بنُ الْمُهَلَّب) ٥٠٣/٤-٥٠٦، وانظر النزهة: ٢/٥٤٥.
(٤)
(٥) انظر السير: (القَسْريّ) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ٣/٦١٩.
١٤٢

ويُخرجُهم من مَرْوَ إلى بغدادَ ، فلا يَزالُ يُنفِقُ عليهم ويُطعِمُهم أطْيَبَ الطَّعامِ ، وأَطْيَبَ
الحَلوَىْ ، ثم يُخرجُهم من بغدادَ بأحْسنِ زِيٍّ وأكْملِ مُروءَة ، حتى يصلوا إلى مَدينةِ
الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم ، فيقولُ لكُلِّ واحدٍ : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من
المَدِينَةِ من طُرَفِها؟ فيقولُ: كذا وكذا فيَشتري لهم ، ثم يُخرجُهم إلى مكة ، فإذا قَضوا
حَجَّهم ، قال لكلِّ واحدٍ منهم : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من مَتاع مكة ؟ فيقولُ :
كذا وكذا ، فيَشتري لهم ، ثم يُخْرجُهم من مكةَ ، فلا يَزالُ يُنفقُ عليهم إلى أنْ يَصيرُوا
إلىْ مَرْوَ ، فيُجَصِّصُ بُيُوتَهم وأبوابَهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيَّام ، عَملَ لهم وَلِيمَةً
وكَساهم ، فإذا أكَلوا وسُرُوا، دَعا بالصُّندوقِ ، ففَتحَه ودَفعَ إلى كُلِّ رجلٍ منهم
صُرَّتَه ، عليها اسْمُه .
وقال محمَّدُ بنُ المُثَنَّى: سَمعتُ عبدَ الرَّحمَن بنَ مَهْدي يقولُ : ما رأتْ عَينايَ
مثلَ أرْبَعة : ما رأيتُ أحْفَظَ للحَديثِ من الثَّوْرِيِّ ، ولا أشدَّ تَقتُّفاً من شُعبة ،
ولا أعْقَلَ من مالِك ، ولا أَنْصَحَ للأمّة من ابنِ المُبارَكِ(١).
٤ - شِعْرٌ في الكرَم :
جاءَ في تَرَجَمَةِ خالدِ بنِ الخَليفَة يَزيد بنِ مُعاوِيَة ، قال أبو زُرْعَة الدِّمَشْقيُّ: هو
وأخَواه من صالحي القَوْم .
وقالَ الإمامُ الذَّهَبِيُّ : أجازَ شاعِراً بمئة ألف لقَوْله فيه(٢):
فقَالا جميعاً إِنَّنَا لَعَبِيد
سَأَلْتُ النَّدَى وَالجُودَ حُرَّانِ أَنْتُمَا
عَلَيَّ وقَالا خَالِدُ بنُ يَزيد
فقُلتُ فمَنْ مَوْلاَكُمَا فَتَطَاوَلاَ
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القَسْرِيِّ، وقيلَ أنْشَدَه أعْرابيّ:
فَأيُّهُما يَأْتِي فَأنْتَ عِمَادُ
أَخَالِدُ بَيْنَ الحَمْدِ وَالأَجْرِ حَاجَتي
سِوَىْ أَنَّنِي عَافٍ وَأَنْتَ جَوَادُ
أَخَالِدُ إِنِّي لَمْ أَزْركَ لِحَاجَةٍ
(١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٦.
(٢) انظر السير: (خالد ابنُ الخَليفة يَزيد) ٣٨٢/٤-٣٨٣، وانظر النزهة: ٢/٥١٥
١٤٣

فقالَ: سَلْ ، قالَ : مئة ألفٍ ، قالَ : أسْرَفْتَ يا أعْرابيُ، قالَ: فأَحُطُّ للأمير ؟
قالَ : نَعَم قالَ : قد حَطَطْتُك تِسْعينَ ألْفاً ، فتعَجَّبَ منه، فقالَ : سَألْتُكَ علىْ قَدرِكَ ،
وحَطَطْتُكَ علىُ قَدْري ، وما أسْتأهِلُهُ في نفسي ، قالَ : لا والله لا تَغْلِبُني ، يا غُلام
أعْطِه مئةَ ألفٍ (١) .
٥- مَنْ هُو الكريم ؟
عن أبي حَفْص النِّسَابوريِّ، قالَ: ما اسْتحَقَّ اسْمَ السَّخاءِ من ذَكَرَ العَطَاءَ
ولا لَمَحَهُ بِقَلِهِ(٢) .
٦ - الكرَمُ الحَقيقيُّ :
عن أبي حَفْص النِّيسَابوريِّ، قالَ: الكرَمُ طَرْحُ الدُّنيا لِمَنْ يَحْتَاجُ إليها والإقْبَالُ
عَلى اللهِ بِحَاجَتِك إليه(٣) .
٧- صُوَرٌ من الكرم والجُود :
عن ابنِ سِيرينَ : كانَ سَعْدُ بنُ عُبَادَة يَرجعُ كل لَيَلَةٍ الى أهلِه بِثَمانينَ من أهْلِ الصُّفَّة
يُعَشِّيهم(٤) .
وكان سَعْدُ بنُ عُبَادَة وعدَّة آباءٍ له قبلَه يُنادَى على أُطُمِهِم: مَنْ أحَبَّ الشَّحْمَ واللَّحْمَ
فليَأْتِ أُطُمَ دُلَيْمِ بنِ حَارِثَةَ(٥) .
عن عَطاءِ : أنَّ مُعاويَةَ بَعثَ الى عائشَةَ بقلادَة بِئَةِ ألفٍ فقسَّمَتْها بين أُمَّهاتِ
المؤمنین
(٦)
(١) انظر السير: (القَسْريّ) ٤٢٥/٥ -٤٣٢، وانظر النزهة: ٤/٦١٩.
(٢) انظر السير: (أبو حَفْص النَّيْسَابوريُّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ١٠/١٠٢٥.
انظر السير: ( أبو حَفْص النَّسَابوريُّ) ٥١٠/١٢-٥١٣، وانظر النزهة: ١١/١٠٢٥.
(٣)
(٤)
انظر السير: ( سَعْد بنُ عُبادَة) ١/ ٢٧٠ -٢٧٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢.
(٥)
انظر السير: ( سَعْد بنُ عُبادَة) ١/ ٢٧٠ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/١٦٢.
(٦) انظر السير: (عائشَة أَمِّ المؤمنين) ١٣٥/٢ -٢٠١، وانظر النزهة : ١/٢٤٤.
١٤٤

عن القاسِمِ بنِ محمَّد : سَمعتُ ابنَ الزُّبَيرِ يَقولُ : ما رَأيتُ امْرأةً أجْوَدَ من عائشَةَ
وأسْماءَ ، وَجُودُهُما مُخْتِلِفٌ: أمَّا عائشَةُ فكانَت تَجمَعُ الشَّيءَ إلى الشَّيءٍ حَتَى إذا
اجْتمَعَ عندَها وَضعَتَهُ مَواضِعَه وأمَّا أسْماءُ فكانت لا تدَّخرُ شَيئاً لَغَدٍ(١).
وقالَ الوَاقِدِيُّ : حدَّثْنَا دَاوُدُ بنُ قَيس، ومَالكٌ، وطائفَةٌ قالوا : بَعثَ رَسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم أبا عُبَيْدَة في سَريَّة فيها الْمُهاجِرونَ والأنْصَارِ وهم ثَلاثُ مئة إلى
ساحِلِ البَحْرِ إلى حَيٍّ من جُهَيْنَةَ فأصَابَهم جُوعٌ شَدِيدٌ فأمَرَ أبو عُبَيدَة بالزَّادِ فجُمعَ حتَّى
كانوا يَقْتَسمُونَ الثَّمرَةَ فقالَ قَيَسُ بنُ سَعد : مَنْ يَشتري مِنِّي تَمْراً بجُزُرٍ يُوَفِّيني الجُزُرَ ها
هُنَا وَأُوَفِيه الثَّمْرَ بِالْمَدينَةَ فجَعلَ عُمَرُ يَقولُ : يا عَجباً لهذا الغُلامِ يَدِينُ في مال غَيرِهِ
فوَجدَ رَجلاً من جُهَيْنَةَ فساوَمَه فقالَ: ما أعْرفُكَ! قال : أنا قَيْسُ بنُ سَعْد بنِ عُبَادَة بِنِ
دُلَيم فقالَ: ما أعْرَفَنِي بِنَسَبِك أمَا إِنَّ بَيْنِي وبَيْنَ سَعْدٍ خِلَّةً سَيِّدُ أهْلِ يَثْرِب فابْتَاعَ منه
خَمسَ جَزائرَ كُلَّ جَزُورٍ بِوَسَقٍ من تَمْر وأشْهَدَ له نَفَرَأَ فقالَ عُمَرُ : لا أَشْهَدُ هذا يَدينُ
ولا مَالَ له إنَّمَا الْمَالُ لأبيه فقالَ الجُهَنيُّ : والله ما سَعدٌ لِيَخُنِّي (٢) بابنِه في شقَّةٍ من تَمْر
وأرَى وَجْهاً حَسناً فَنَحَرِها لهم في ثَلاثةِ مَواطِن فلمَّا كانَ في اليَومِ الرَّابعِ نَهاهُ أميرُه ،
وقالَ : تُريدُ أنْ تَخْرِبَ ذِمَّتَكَ ولا مَالَ لك .
قالَ(٣): فحدَّثني محمّدُ بنُ يَحْيَى بن سَهْل ، عن أبيه عن رافع بنِ خَدِيج قال : بلغَ
سَعْداً ما أصابَ القَوْمَ من الْمَجاعَةِ ، فقالَ: إنْ يَكُ قَيْسٌ كما أعْرِفْ فسَوفَ يَنْحَرُ
للقوم ، فلمَّا قَدِمَ ، قَصَّ على أبيه ، وكيف مَنَعوه آخِرَ شَيءٍ من النَّحْر ، فَكَتبَ له أرْبَعَ
حَوائطَ (٤) أذْنَى حائط منها يَجدُّ(٥) خَمسينَ وَسَقاً، فقيلَ: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم لَمَّا بلغَه ، قالَ: « أَمَا إنَّه في بَيْتِ جُودٍ )) .
(١) انظر السير: ( أسْماء بنتُ أبي بكر) ٢/ ٢٨٧ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٣/٢٦٢.
(٢) قوله ( ليَخُنِّي) أي: يُسلمه ويخفر ذمته، من أخْنى عليه الدهر، وقوله (في شقة من تَمْر) أي : قطعة
تُشُّ منه .
(٣) أي الوَاقِدِيُّ.
(٤) الحَوائط: جمع حائط، وهو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار .
(٥) يجدُّ : من الجداد ، وهو قطع الثمر ، والمعنى : أقل بستان منها يعطي من الثمار خمسين وَسقاً.
١٤٥

وقالَ أبو عاصِم : حدَّثنا جُوَيْرِيَةِ ، قالَ : كَانَ قَيْسٌ يَسْتَدِينُ ويُطْعِمُ ، فقالَ أبو بكر
وعُمَرُ : إِنْ تَرَكْنا هذا الفَتَىُ، أَهْلَكَ مالَ أبيه، فمَشَيا في النَّاسِ، فقامَ سَعْدٌ عندَ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم وقالَ : مَنْ يَعْذُرُني من ابنِ أبي قُحافَة وابنِ الخَطَّاب ، يُبَخِّلانِ
عليَّ ابني(١).
وقيلَ : وَقَفَتْ على قَيْسٍ بِنِ سَعْد عَجوزٌ فَقَالَت: أشْكُو إليكَ قِلَّةَ الجُرذانِ فقالَ :
ما أحْسَنَ هذه الكِتابَة، امْلَؤوا بَيْتَها خُبزاً ولَحْماً وسَمناً وتَمْراً(٢).
وعن هِشامِ بنِ عُروَة عن أبيه قالَ: باعَ قَيْسُ بنُ سَعْد مالاً من مُعاويَةَ بتسعينَ ألفاً
فأمَرَ مَنْ نادَى فِي الْمَدِينَةِ مَنْ أرادَ القَرْضَ فليَأْتِ فأقْرَضَ أرْبَعينَ ألفاً وأجَازَ بالبَاقِي ،
وكَتبَ على مَنْ أقْرِضَه فمَرضَ مَرضاً قَلَّ عُوَّادُه، فقالَ لزَوجَتِهِ قُرَيِبَة أُخْتِ الصِّدِّيقِ : لِمَ
قَلَّ عُوَّادي ؟ قالَت : للدَّيْنِ، فأرسلَ إلى كُلِّ رَجُلٍ بصَكِّهِ وقالَ اللَّهُمَّ ارْزُقني مالاً
وفِعالاً فإنَّه لا تَصلحُ الفِعَالُ إلَّ بِالْمَالِ(٣).
قالَ ابنُ سِيرينَ : تَزوَّجَ الحَسَنُ امْرأةً فأرسَلَ إليها مئةَ جارِيَة مع كُلِّ جارِيَة ألفُ
دِرْهَم(٤) .
وكانَ الحَسَنُ يُعْطِي الرَّجُلَ الواحدَ مئة ألفٍ (٥) .
قيلَ: إِنَّ أعْرابياً قَصدَ مَرْوانَ فقالَ: ما عِندَنا شَيءٌ ، فَعَليكَ بعبدِ اللهِ بنِ جَعْفَر ،
فأتَى الأعْرابِيُّ عبدَ الله فأنْشَأْ يَقولُ :
صِلاتُهُم لِلْمُسْلِمِينَ طَهُورُ
أَبُو جَعْفَر مِنْ أهْلِ بَيْتِ نُؤَّةٍ
وأنْتَ عَلى مَا في يَدَيْكَ أَميرُ
أبا جَعْفَر ضَنَّ الأميرُ بمَالِه
جَنَاحَانِ فِي أَعْلَى الجِنَّانِ يَطِيرُ
أبا جَعْفَر يا ابنَ الشَّهيدِ الذي لَه
فَلا تَتْرِكَنِّي بالفَلاةِ أَدُورُ
أبا جَعْفَر مَا مِثْلُكَ اليَومَ أَرْتَجِي
(١) انظر السير: (قَيْسُ بنُ سَعْد) ١٠٢/٣ -١١٢، وانظر النزهة: ٣٤٣ /٤.
(٢)
انظر السير: ( قَيْسُ بنُ سَعْد) ٣/ ١٠٢-١١٢، وانظر النزهة: ١/٣٤٤.
(٣) انظر السير: (قَيْسُ بنُ سَعْد) ١٠٢/٣-١١٢، وانظر النزهة: ٢/٣٤٤.
(٤) انظر السير: (الحَسَنُ بنُ عَليّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٣٧٩.
(٥) انظر السير: (الحَسَنُ بنُ عَلَيّ بن أبي طالب) ٢٤٥/٣-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٣٧٩.
١٤٦

فقالَ : يا أعْرابِيُّ سارَ الثَّقَلُ فَعَليكَ بِالرَّاحِلَة بما عَليها وإيّاك أنْ تُخْدَعَ عن السَّيفِ
فإنِّي أخَذتُهُ بألف دينار(١) .
ويُروَى أَنَّ شاعِراً جاءَ إلى عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَر فأنْشدَه :
كَسَاني من الخَزِّ دُرَّاعَةٌ
رَأيتُ أبا جَعْفَرٍ في الْمَنَامْ
فَقَالَ سَتُوتَى بِهَا السَّاعَة
شَكَوْتُ إلَى صَاحِبِي أَمْرَهَا
وَمَنْ كَفُّهُ الدَّهْرِ نَقَّاعَةٌ
سَيَكْسُوكَهَا الْمَاجِدُ الْجَعْفَرِيْ
فَقَالَ لَهُ السَّمْعُ والطَّاعَة
وَمَنْ قَالَ لِلْجُودِ لا تَعْدُنِي
فقالَ عبدُ الله لِغُلامِه : أعْطِه جُبَّتي الخَزَّ ثم قالَ له : وَيْحَكَ كَيفَ لَمْ تَرَ جُبَّتِي
الوَشْيَ ؟ اشْتَرِيتُها بِثَلاثِ مِثَة دِينَار مَنْسُوجَةً بالذَّهَبِ فقالَ: أنامُ فَلَعلِّي أَرَاهَا فضَحِكَ
عبدُ الله وقالَ ادْفَعُوها لَه (٢).
عن الأصْمَعيِّ أنَّ امْرأةً أنَّت بدَجاجَة مَسْموطَة فقالت لابنِ جَعْفَر : بأبي أنتَ هذه
الدَّجاجَة كانت مثل بِنْتِي فَآلَيتُ أنْ لا أدْفِنَها إلاَّ في أكْرَم مَوْضِع أقْدِرُ عليه ولا والله ما في
الأرضِ أُكْرَم من بَطنِك قالَ: خُذها منها واحْمِلُوا إليها ، فذَكَر أنْواعاً من العَطاء ، حتَّى
قالَت: بأبي أنتَ ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(٣).
ذَكرَ الزُّبَيرُ بنُ بِكَّار أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ أبِي مُلَيْكَة عن أبيه عن جَدِّه قالَ : دَخلَ ابنُ
أبي عَمَّار وهو يَومئذ فَقيهُ أهلِ الحِجازِ على نَخَّاس فعَرضَ عليه جاريَةً فعَلقَ بها وأخَذَه
أمْرٌ عَظيمٌ ولَمْ يَكِنْ مَعه مِقْدارُ ثَمنِها فمَشَىْ إليه عَطاءُ وطَاؤُوسُ ومُجاهِدُ يَعْذُلونَه وبَلغَ
خَبرُه عبدَ الله فاشْتَراها بأرْبَعِينَ أَلْفاً وزَيَّنَها وحَلاَّها ثم طَلبَ ابنَ أبي عَمَّر فقَالَ :
ما فَعَلَ حُبُّكَ فُلانَةَ؟ قالَ : هي التي هامَ قَلبي بِذِكْرِها والنَّفْسُ مَشْغُولَةٌ بها فقالَ :
يا جارِيَة أخْرِجيها فأخْرَجَتْها تَرفُلُ في الحُلِيِّ والخُلَل، فقالَ: شَأْنُك بها بارَكَ اللهُ لكَ
فيها فقالَ : تَفَضَّلتَ بشَيءٍ ما يَتفضَّلُ به إلاَّ الله فلمَّا وَلَّى بها قالَ: يا غُلامُ احْمِلْ مَعه
(١) انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣ -٤٦٢، وانظر النزهة: ٤/٤٠٨.
(٢) انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣-٤٦٢، وانظر النزهة: ٥/٤٠٨.
(٣) انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣-٤٦٢، وانظر النزهة: ٢/٤٠٩.
١٤٧

مئةَ ألفِ دِرهَم فقالَ: لَئِنْ والله وُعِدْنا نَعيمَ الآخِرَة فقد عَجَّتَ نَعيمَ الدُّنيا(١) .
وقالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرَجَمَةِ القَسْريِّ، وقيلَ أنْشَدَه أعْرابيّ :
فَأَيُّهُمَا يَأْتِي فَأنْتَ عِمَادُ
أَخَالِدُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالأَجْرِ حَاجَتِي
سِوَى أَنَّنِي عَافٍ وَأَنْتَ جَوَادُ
أَخَالِدُ إِنِّي لَمْ أَزُرْكَ لِحَاجَةٍ
فقالَ : سَلْ، قالَ : مئة ألفٍ ، قالَ : أسْرَفْتَ يا أعْرابيُّ، قالَ: فأحُطُّ للأمير ؟
قالَ : نَعَم قالَ: قد حَطَطْتُك تِسْعينَ ألْفاً ، فتعَجَّبَ منه ، فقالَ : سَألْتُكَ على قَدرِكَ ،
وحَطَطْتُكَ علىْ قَدْري ، وما أسْتأهِلُهُ في نفسي ، قالَ : لا والله لا تَغْلُبُني، يا غُلام
أعْطِه مئةَ ألفٍ(٢) .
عن يَحْيَى الوحاظي : ما رأيتُ رجلاً كان أكبرَ نَفَساً من إسْماعيلَ ابنِ عِيَّاش، كنّا
إذا أتَيناه إلى مَزْرَعةٍ لا يَرضَىْ لنا إلاَّ بالخَروفِ والخَبيصِ ، سَمعتُه يقولُ : وَرِثْتُ من
أبي أربعةَ آلافِ دينار ، فأنفَقتُها في طلبِ العلم (٣).
المُدَاراة
١ - رِضا النَّاسِ غايَةٌ لا تُذْرَكُ:
قالَ يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى: قَالَ الشَّافِعِيُّ لِيَ: رِضَا النَّاسِ غايَةٌ لا تُدرَكُ ولَيسَ إلى
وَالسَّلامَة منهم سَبِيلٌ فَعَليكَ بمَا يَنفَعُك فالْزَمهُ (٤) .
٢ - التَّغافُلِ نَوعٌ من المُداراةِ أحياناً:
عنِ الشَّافعيِّ قالَ: اللَّبِيبُ العَاقِلُ هو الفَطِنُ الْمُتَغْافِلِ(٥) .
(١) انظر السير: (عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣-٤٦٢، وانظر النزهة: ٣/٤٠٩.
(٢) انظر السير: (القَسْريّ) ٤٢٥/٥-٤٣٢، وانظر النزهة: ٤/٦١٩.
(٣)
انظر السير: ( إسْماعيل بن عيَّاش) ٨/ ٣١٢-٣٢٨، وانظر النزهة: ٤/٧٦٠.
انظر السير: ( الإمام الشافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٤/٨٥٣.
(٤)
(٥) انظر السير: ( الإمام الشافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٦/٨٥٣.
١٤٨

٣- صُوَرٌّ من المُدَاراة :
عن بِلالِ بنِ يَحْيَى قَالَ: بَلغَني أنَّ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمان كانَ يَقولُ: ما أدْرَكَ هذا الأمْرَ
أحَدٌ من الصَّحابَة إلاَّ قد اشْتَرى بَعضَ دِينِهِ ببَعضٍ قالُوا: وأنتَ ؟ قالَ: وأنا والله إنِّي
الأدخُلُ على أحَدِهم - ولَيسَ أحَدٌ إلاَّ فيه مَحاسِنٌ ومَساوىءٌ - فأذكُرُ مَحاسِنَه وأُعرِضُ
عمَّا سِوَى ذلك، ورُبَّما دَعاني أحَدُهم إلى الغَدَاء ، فأقُولُ : إنِّي صائمٌ ولَستُ
بصَائمٍ (١) .
وعنِ الأحْنَفِ بنِ قَيْس ، قالَ: ما نازَعَني أحدٌ إلاَّ أخَذتُ أمْري بأمُورِ ، إن كانَ
فَوْقِي عَرفتُ له ، وإنْ كانَ دُوني رَفعتُ قَدْري عنه ، وإنْ كانَ مِثلي تَفَضَّلتُ عَليه(٢) .
عن ابنِ الحَنفيَّة قالَ : لَيْسَ بحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعاشِرْ بمَعرُوفٍ مَنْ لا يَجدُ من مُعاشَرتِهِ
بُدّاً حتَّى يَجعلَ اللهُ من أمرِه فَرَجاً أو قال مَخْرَجاً(٣) .
قالَ هِشَامُ بنُ عُرْوَة بنِ الزُّبَيْرِ : قالَ أبي: رُبَّ كَلمَةِ ذُلِّ احْتَمَلتُها أوْرَثَتَنِي عِزّاً
طَوِيلاً(٤).
عن مَالِك قالَ : كانَ في نافِعِ حِدَّةٌ ثم حَكَىْ مَالِكٌ أنَّه كانَ يُلاطِفُه ويُداريه(٥) .
وعن إسْماعيلَ بنِ أبي أُوَيْس ، عن أبيه : كُنَّا نَخْتَلِفُ إلى نافِع وكانَ سَيِّىءَ الخُلُق ،
فقُلتُ : ما أصْنعُ بهذا العَبدِ! فَتَركَتُهُ ولَزِمَهِ غَيْرِي فَانْتُفْعَ به(٦) .
قالَ أبو الوَليدِ البَاجي : عبدُ الغَنِي بِنُ سَعيد حافِظُ مُتِقِنٌّ ، قُلتُ لأبي ذَر الهَرَوي :
أخَذتَ عن عبدِ الغني ؟ فقالَ: لا إنْ شاءَ الله على مَعنَى التَّأكيدِ ، وذلكَ أنَّه كانَ لعَبدِ
الغَني اتِّصالٌ بَبَنِي عُبَيْد ، يَعني أصْحَابَ مِصْرَ .
انظر السير: ( حُذَيْفَة بنُ اليَمان) ٣٦١/٢-٣٦٩، وانظر النزهة: ٣/٢٧٦.
(١)
(٢)
انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٩/٤٥١.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ الحَنَفيّة) ١١٠/٤-١٢٩، وانظر النزهة : ٥/٤٥٨.
انظر السير: ( عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر) ٤٢١/٤ - ٤٣٧، وانظر النزهة : ٥/٥٢٨.
(٤)
انظر السير: ( نافع) ٩٥/٥ -١٠١، وانظر النزهة : ٢/٥٨٥.
(٥)
(٦) انظر السير: (نافع) ٩٥/٥ -١٠١، وانظر النزهة: ٣/٥٨٥.
١٤٩

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: اتِّصالُه بالدَّولَةِ العُبَيْدِيَّةِ كانَ مُدارَاةً لهم وإلاَّ فَلَوْ جَمَحَ
عليهم لاسْتأصَلَه الحاكِمُ خَليفَةُ مِصْرَ ، الذي قيلَ إِنَّه اذَّعَى الإلَهِيَّة .
وأظنُّه وَلَيَ وَظيفةً لهم، وقد كانَ من أثمَّة الأثَر نَشأ في سُنَّةٍ واتِّبَاعٍ قَبَلَ وُجودِ
الرَّفْضِ واسْتمَّ هو على التَّمَشُّك بالحَديثِ ولكنَّه دَارَى القَومَ ودَاهَنَهم فلذلك لَمْ يُحِبَّ
الحافِظُ أبو ذَر الأخْذَ عَنه(١) .
المروءة
صُوَرٌ على المَرُوءَة :
قالَ ابنُ الْمُبارَك: قيلَ للأحْنَفِ بنِ قَيْس: بِمَ سَوَّدُوكَ ؟ قالَ: لَوْ عَابَ النَّاسُ الْمَاءَ
لَمْ أَشْرَبْهُ(٢) .
وقالَ الأحْتَفُ : مَنْ أسْرِعَ إلى النَّاسِ بما يَكرَهون قالوا فيه ما لا يَعلَمون ، وعنه
سُئلَ : ما الْمَروءَة ؟ قالَ : كِتْمانُ السِّرِّ والبُعْدُ من الشَّرِّ وعَنه : الكامِلُ مَنْ عُدَّتْ
سَقَطاتُه(٣) .
وقيلَ: كانَ الأحْنَفُ إِذا أتَاهُ رَجُلٌ وَسَّعَ له فإنْ لَمْ يَكنْ له سِعَة أَرَاه كأنَّه يُوَسِّعُ له(٤) .
وعن الأحْنَفِ بنِ قَيْس قالَ : جَنِّبُوا مَجَالِسَنا ذِكرَ النِّساءِ والطَّعام إنِّي أبْغَضُ الرَّجلَ
يَكونُ وَصَّافاً لفَرْجِه وبَطْنِه(٥) .
عن جَميلٍ بِنِ مُرَّةِ قالَ: كان مُوَرِقٌ رَحمَه اللهُ يَجِيتُنا فيَقولُ: أمْسِكُوا لِنَا هَذه
الصُّرَّة فإنْ احْتَجْتُم فأنْفِقُوها فيَكونُ آخِرَ عَهدِه بها (٦) .
(١) انظر السير: (عبدُ الغَني بنُ سَعيد) ١٧ /٢٦٨ -٢٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٣٤٠ .
(٢)
انظر السير: (الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤ - ٩٧، وانظر النزهة: ١/٤٥١.
انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة : ٦/٤٥٢.
(٣)
انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ١٠/٤٥٢.
(٤)
انظر السير: ( الأحْنَف بن قَيْس) ٨٦/٤ -٩٧، وانظر النزهة : ١/٤٥٣.
(٥)
(٦) انظر السير: (مُوَرِّق) ٣٥٣/٤ _٣٥٥، وانظر النزهة: ١/٥١٠.
١٥٠

وعن عبدِ العَزيز بنِ عُمرَ : قَالَ لي رَجاءُ بنُ حَيْوَة : ما أكْمَلَ مَروءَةَ أبيكَ! سَمرتُ
عندَه ، فَعَشِيَ السِّراجُ ، وإلى جانبِه وَصيفٌ نامَ ، قُلتُ: ألا أُنْبِّهُه ؟ قالَ: لا، دَعْهُ،
قُلتُ: أنا أَقُومُ، قالَ: لا لَيسَ من مَروءَةِ الرَّجُلِ اسْتخدامُه ضَيفَه، فقامَ إلى بَطَّةُ(١)
الزَّيْتِ وأصْلَحَ السِّراجَ ، ثم رَجعَ ، وقالَ : قُمتُ وأنا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ، وَرَجَعتُ
وأنا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيز(٢) .
وقالُ أيوبُ بنُ الْمُتَوَكل : كانَ الخَليلُ بنُ أحمَدَ الفراهيدي إذا أفادَ إنْساناً شيئاً لم
يُرِهِ بأنَّه أفَادَه، وإنْ اسْتَفادَ من أحَدٍ شَيْئاً أراهُ بأنَّه اسْتَفادَ منه .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: صارَ طَوائفُ في زَمانِنا بالعَكْسِ(٣) .
وقال محمَّدُ بنُ عليٍّ بنِ الحَسن بنِ شَقيق، سَمعتُ أبي قال: كان ابنُ الْمُبارَك إذا
كان وَقتُ الحَجِّ ، اجتمعَ إليه إخْوانُه من أهْلِ مَرْو ، فيقولون : نَصحبُك، فيقولُ :
هاتوا نَفَقاتِكم ، فيأْخُذُ نَفَقاتِهِم ، فيَجعلُها في صُندوقٍ ، ويُقفِلُ عليها ، ثم يَکتري له ،
ويُخرجُهم من مَرْوَ إلى بغدادَ ، فلا يَزالُ يُنفِقُ عليهم ويُطْعِمُهم أْيَبَ الطَّعام ، وأطْيَبَ
الحَلوَى، ثم يُخرجُهم من بَغدادَ بأحْسنِ زِيٍّ وأكْملِ مُروءَة ، حتى يصلوا إلى مَدينةِ
الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم ، فيقولُ لكُلِّ واحدٍ : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من
المَدينَةِ من طُرَفِها؟ فيقولُ : كذا وكذا فيَشتري لهم ، ثم يُخرجُهم إلى مكة ، فإذا قَضوا
حَجَّهم ، قال لكلِّ واحدٍ منهم : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من مَتاع مكة ؟ فيقولُ :
كذا وكذا ، فيَشتري لهم، ثم يُخْرجُهم من مكةَ ، فلا يَزالُ يُنفقُ عليهم إلى أنْ يَصيرُوا
إلى مَرْوَ ، فَيُجَصِّصُ بُيُوتَهم وأبوابَهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيَّام ، عَملَ لهم وَلِيمَةٌ
وكَساهم ، فإذا أكَلوا وسُرُّوا ، دَعا بالصُّندوقِ ، فَفَتحَه ودَفعَ إلى كُلِّ رجلٍ منهم
صُرَّتَه ، عليها اسْمُه .
وقال محمَّدُ بنُ المُثَنَّى : سَمعتُ عبدَ الرَّحمَن بنَ مَهْدي يقولُ : ما رأتْ عَينايَ
(١) البطة: الدبة بلغة أهل مكَّة، لأنها تُعمل على شكل البطة من الحيوان، وهي إناء كالقارورة.
(٢)
انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٨/٥٩٠.
(٣) انظر السير: (الخَليلُ) ٤٢٩/٧-٤٣١، وانظر النزهة : ٤/٧١٣.
١٥١

مثلَ أرْبَعة : ما رأيتُ أحْفَظَ للحَديثِ من الثَّوْرِيِّ، ولا أشدَّ تَقتُّفاً من شُعبة ،
ولا أعْقَلَ من مالِك، ولا أنْصَحَ للأمّة من ابنِ المُبارَكِ(١) .
وقال الربيع : كان الشافعي مارَّاً بالحَذَّائينَ فسَقطَ سَوطُه فوَثبَ غُلامٌ ومَسَحَه بكُمِّه
وناوَلَه فأعْطَاهُ سَبعَةَ دَنانير (٢).
وعن الشَّافِعِيِّ، قالَ: لَوْ أعْلمُ أنَّ الْمَاءَ البَارِدَ يُنْقِصُ مَرُوءَتي ما شَربْتُه(٣).
قال أحْمَدُ بنُ مَهْدي : جاءَتني امرأةٌ بِبَغْدَادَ ليلةٌ ، فذَكرَت أنَّها من بَناتِ النَّاس وأنَّها
امتُحَنَت بِمِحْنَةٍ ، وأسْألُكَ بالله أنْ تَسْتُرَني فقَد أكْرِهْتُ على نَفَسِي وأنا حُبْلَى ، وقُلْتُ:
إِنَّكَ زَوْجي فلا تَفْضَحْني فنَكَّبتُ عنها ومَضَيت فَلَمْ أشْعُر حتَّى جاءَ إمَامُ الْمَحِلَّة
والجيران يُهَنُِّوني بالوَلَدِ الْمَيْمُونِ فَأَظْهَرتُ التَّهْلِيلَ ووَزَنتُ فِي الْيَومِ الثاني للإمامِ
دينارَين ، وقُلتُ : أعْطِها نَفَقَة فقَد فارَقْتُها وكنتُ أُعْطيها في كُلِّ شَهرٍ دينارَين حتَّى أَتَّىّ
علىُ ذَلِكَ سَنتانِ فِمَاتَ الطِّفْلُ وجاءَفي النَّاسُ يُعَزُّونَنِي فَكُنتُ أُظهِرُ لهم التَّسْليمَ والرِّضَا
فجاءَتني بعدَ أيَّام بالدَّنانيرِ فَرَدَّتها ودَعَتْ لي ، فقُلتُ: هذا الذَّهَبُ كان صِلَةً للوَلَدِ وقد
ورِثْتيه وهو لك (٤) .
وكان محمَّدُ بنُ جَرِير رُبَّما أهْدَى إليه بَعضُ أصْدِقائِهِ الشَّيءَ فيَقبَلُه ويُكافِئُه أضْعافاً
لِعِظَمِ مَرُوءَتِه (٥) .
قالَ يَحْيَى بِنُ مَنْدَة: سَمعتُ أبي يَقولُ: أَفْطَرنا في رَمَضانَ ليلةً شَديدةَ الحَرِّ
فكُنَّا نَأْكلُ ونَشربُ وكانَ أخي عبدُ الرحمَن يَأْكُلُ ولا يَشرَبُ فخَرَجتُ وقُلتُ : إنَّ من
عادَةِ أخي أنَّه يَأْكُلُ لَيَلَةً ولا يَشرَبُ، ويَشرَبُ لَيلَةً أُخرَى ولا يَأْكُلُ قَالَ : فمَا شَرِبَ تِلكَ
اللَّيْلَةَ واللَّيلَةَ الآتيَة كانَ يَشرَبُ ولا يَأْكُلُ ألبَّة فلمَّا كانَ في اللَّيْلَة الثالثَة قالَ :
(١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٦.
(٢) انظر السير: (الإمامُ الشَّافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٩/٨٤٨.
(٣)
انظر السير: ( الإمامُ الشَّافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة : ٧/٨٥٣.
(٤) انظر السير: (أحْمَدُ بنُ مَهْدي) ١٢/ ٥٩٧-٥٩٨، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٨.
(٥) انظر السير: (محمَّدُ بنُ جَرير) ٢٦٧/١٤ -٢٨٢، وانظر النزهة: ٣/١١٥٠.
١٥٢

يا أخي لا تَلَعَبْ بعدَ هذا فإنِّي ما اشْتَهيتُ أنْ أُكذِّبَكَ(١).
وكان الإمامُ الطُّرْطُوشِيُّ يأتي إلى الفُقَهاء وهم نِيامٌ ، فَيَضَعُ في أفْواهِهم الدَّنانيرَ
فيَهُبُّونَ فِيَرَوْنَها في أفْواهِهِم(٢) .
المُوَاسَاة
عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ : كُنَّا نُسَمِّي جَعْفَراً أبا الْمَساكين كانَ يَذْهَبُ بنا إلىُ بَيَتِهِ فإذا لَمْ
يَجِدْ لنا شَيْئًا أَخْرَجَ إِلَينا عُكَّة(٣) أثَرُها عَسَل، فَتَشُقُّها ونَلَعَقُها(٤).
وقيلَ : كانت لأبي بَرْزَةَ جَفْنَةٌ من ثَريد غُدْوَةً وجَفْنَةٌ عَشِيَّة للأرَامِلِ والْيَتَامَى
والْمَساكينِ (٥) .
عن عِراكِ بنِ مالِك أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزام قال : كان مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أَحَبَّ
النَّاسِ إليَّ في الجاهِليَّةِ فلمَّا نُّىءَ وهاجَرَ شَهِدَ حَكِيمُ المَوْسِمَ كافِراً ، فوَجَدَ حُلَّةً لِذِي
يَزَن تُباعُ ، فَاشْتَراها بِخَمسينَ ديناراً لِيُهْدِيَها إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَدِمَ بها
عليه المَدينَةَ ، فأرادَه علىْ قَبْضِها هَديّةً، فأبَى، قال عبدُ الله حَسِبْتُه قال: ((إنَّا لا نَقْبَلُ
من المُشْرِكِينَ شَيئاً، ولَكِنْ إنْ شِئْتَ بالثَّمَنِ)) ، قال: فأعطَيْتُه حينَ أَبَى عليَّ الهَديَّة (٦).
وفي رِوايَةِ ابنِ صالِحِ زِيادَةٌ: ((فَلَبِسَها ، فرَأيْتُها عليه على المِنْبَرِ، فَلَمْ أَرَ شَيئاً
أَحْسَنَ منه يَؤْمئذٍ فيها ، ثمَّ أعْطاها أُسامَةَ فرآها حَكِيمُ على أُسامَة ، فقال: يا أُسامَة !!
أَتَلْبَسُ حُلَّةَ ذي يَزَن؟ قال: نَعَم والله لأنا خَيْرٌ منه، ولأَّبِي خَيْرٌ من أبيه فانْطَلَقْتُ إلى
مَكّةَ فَأعْجَبْتُهُم بقَولِهِ(٧) .
(١) انظر السير: (ابنُ مَنْدَه) ٣٤٩/١٨ -٣٥٤، وانظر النزهة: ٤/١٤١٩.
(٢) انظر السير: (الطُّرْطُوشيُّ) ١٩/ ٤٩٠ -٤٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٠.
(٣) المُكَّة : ظرف السَّمن .
انظر السير: ( جَعْفَر بن أبي طالب) ٢٠٦/١ -٢١٧، وانظر النزهة: ٤/١٥١.
(٤)
انظر السير: ( أبو بَرْزَة الأسْلَميّ) ٣/ ٤٠ -٤٣، وانظر النزهة: ٤/٣٢٨.
(٥)
(٦) انظر السير: (حكيم بن حزام) ٣/ ٤٤-٥١، وانظر النزهة: ٦/٣٢٩ .
(٧) انظر السير: (حكيم بن حزام) ٤٤/٣-٥١، وانظر النزهة: ١/٣٣٠.
١٥٣

وقالَ ابنُ عُيَيْنَةٍ : كانَ سَعيدُ بنُ العَاصِ إذا قَصَدَه سَائِلٌ ولَيسَ عندَه شَيءٌ قالَ :
اكْتُب عليَّ سجلاً بِمَسْألَتِك إلى الْمَيْسَرَةِ(١) .
وذَكرَ عبدُ الأَعْلَى بِنُ حَمَّاد : أنَّ سَعيدَ بنَ العَاصِ اسْتَسْقَىْ من بيتٍ فسَقَوهُ وانَّفَقَ أنَّ
صَاحِبَ الْمَنْزِلِ أرادَ بَيْعَه لدَينٍ عليه فأدَّى عَنه أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ (٢) .
وعن عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرِ : أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أتاهم بَعدَما أخْبَرَهم بقَتلِ
جَعْفَرِ بعدَ ثالثة، فقالَ: ((لا تَنْكوا أَخِي بَعْدَ الْيَوْمَ)) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم :
(( اقْتُونِي بِبَنِّي أَخِي))، فجِيءَ بنا كأنَّنَا أفْرَاغٌ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((ادْعُوا لِيَ
الْحَلَّقَ))، فأمَرَه فحَلقَ رُؤوسَنا، ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: ((أَمَّا مُحَمَّدٌ، فَشِبْهُ
عَمِّنَا أَبِي طَالِب، وَأَمَّا عَبدُ اللهِ فَشِبْهُ خَلْقِي وَخُلُقِي)) ، ثم أخَذَ بَيَدي ، فأشَالَها ، ثم
قالَ صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرَأْ فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللهِ فِي صَفْقَتِهِ))
قالَ: فجاءَت أُمُّنَا، فَذَكَرَت يُثْمَنا، فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ
عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))(٣) .
عن أبي حَمْزَةَ الثُّماليِّ أنَّ عليّ بنَ الحُسَين كانَ يَحملُ الخُبزَ باللَّلِ على ظَهرِهِ يتَّبِعُ به
الْمَساكينَ فِي الظُّلمَة ويَقولُ: إِنَّ الصَّدَقَة في سَوادِ اللَّيلِ تُطْفِىءُ غَضبَ الرَّبِّ (٤).
وعن محمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ : كانَ ناسٌ من أهْلِ الْمَدِينَةِ يَعيشُونَ لا يَدِرُونَ من أيْنَ كانَ
مَعاشُهُم فلمَّا مَاتَ عَلَيُّ بنُ الحُسَينِ فقَدوا ذلكَ الذي كانوا يُؤْتَوْنَ باللَّيلِ (٥).
وعن عَمرو بنِ ثابِت: لَمَّا مَاتَ عَليُّ بنُ الحُسَينِ وَجَدوا بظَهرِه أثَراً مِمَّا كَانَ يَنْقُلُ
الجُرْبَ باللَّيلِ إِلى مَنازِلِ الأَرَامِلِ(٦).
انظر السير: ( سَعيدُ بنُ العَاص) ٣/ ٤٤٤-٤٤٩، وانظر النزهة : ٤/٤٠٦.
(١)
انظر السير: ( سَعيدُ بنُ العَاص) ٤٤٤/٣-٤٤٩، وانظر النزهة: ٥/٤٠٦.
(٢)
انظر السير: ( عبدُ الله بن جَعْفَر) ٤٥٦/٣ -٤٦٢، وانظر النزهة : ٤/٤٠٧.
(٣)
انظر السير: (عَليُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٦/٥١٨.
(٤)
انظر السير: ( عَلَيُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ٧/٥١٨.
(٥)
(٦) انظر السير: (عَليُّ بنُّ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٨/٥١٨.
١٥٤

وقالَ شَيْبَةُ بنُ نعامَة : لَمَّا مَاتَ عَليُّ بِنُ الحُسَين وَجَدوه يَعولُ مئةَ أَهْلِ بَيْتٍ .
قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ مُعقِّباً: لِهَذا كان يُبَخَّلُ فإنَّه يُنفِقُ سِرَاً ويَظُنُّ أهْلهُ أنَّه يَجمَعُ
الدَّرَاهِمَ(١).
عن عَمرو بنِ دِينار قالَ : دَخَلَ عَليُّ بنُ الحُسَين عَلى مُحمَّدِ بنِ أُسامَة بنِ زَيْد في
مَرَضِه فجَعلَ مُحمَّدٌ يَبكي فقالَ : مَا شَأْنُك؟ قالَ : عَلَيَّ دَينٌ قالَ : وكَمْ هو ؟ قالَ :
بِضْعَةَ عَشرَ ألفِ دِينارٍ قالَ : فِهِيَ عليّ(٢).
عن بَكرِ بنِ عبدِ الله قالَ : إنِّي لأرْجُو أنْ أعيشَ عَيشَ الأغْنياءِ وأمُوتَ مَوْتَ الفُقَراء
فكانَ رَحمَهُ اللهُ كَذَلك يَلْبَسُ كِسْوَتَه ، ثم يَجيءُ إلى الْمَساكين فيَجلِسُ مَعهم يُحدِّثُهم
ويَقولُ : لَعلَّهم يَفرَحون بذلك(٣) .
وكان لزَيْدِ بنِ أسْلَمْ حَلقَةٌ لِلِعِلمِ في مَسجِدٍ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، قالَ
أبو الأعْرَج : لقد رَأيْتُنا في مَجلِسِ زَيدِ بنِ أسْلَم أرْبَعِينَ فَقيهاً أدْنَى خَصلةٍ فينا الثَّوَاسي
بما في أيدينا وما رَأيتُ في مَجلِسِه مُمَاريَيْنِ ولا مُتَنَازِ عَيْن في حَديثٍ لا يَنفَعُنا (٤) .
وقالَ عبَّاسُ الدُّوري: كانَ أبو حَمْزَة الشُّكري من الثَِّاتِ، وكانَ إذا مَرِضَ عندَه
مَنْ قد رَحَلَ إليه ، يَنظُرُ إلى ما يَحتاجُ إليه من الكِفَايَةِ فَيَأْمُرُ بالقِيامِ به ، ولَمْ يَكنْ يَبيعُ
الشُّكرَ ، وإنَّما سُمِّيَ الشُّكرِيَّ لِحَلاوَةِ كَلامِهِ(٥) .
وعن محمَّدِ بنِ عَليٍّ بنِ الحَسَنِ بنِ شَقيق قالَ: أرادَ جارٌ لأبي حَمْزَة السُّكريّ أنْ
يَبيعَ دَارَه فقيلَ له : بكَمْ؟ قالَ: بألْفَينِ ثَمن الدَّار وبألْفَين جِوار أبي حَمْزَةٍ ، فَبَلِغَ ذلك
أبا حَمْزَة فوَجَّه إليه بأرْبَعة آلافٍ وقالَ: لا تَبَعْ دَارَك(٦) .
(١) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة: ١/٥١٩.
(٢) انظر السير: (عَلَيُّ بنُ الحُسَين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٥١٩.
(٣) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٤/ ٥٣٢-٥٣٦، وانظر النزهة: ٤/٥٥٠.
(٤) انظر السير: (زَيْد بن أسْلَم) ٣١٦/٥ -٣١٧، وانظر النزهة: ٦/٦٠٥.
(٥) انظر السير: ( أبو حَمْزَة السُّريّ) ٧/ ٣٨٥ -٣٨٧، وانظر النزهة : ٤/٧٠٦.
(٦) انظر السير: ( أبو حَمْزَة السُّريّ) ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٧، وانظر النزهة : ٤/٧٠٦.
١٥٥

قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القاضي أبي يُوسُف : وكانَ أَبُوه فَقيراً له حانُوتُ
ضَعِيفٌ، فكانَ أبو حَنيفَة يَتعَاهَدُ أبا يُوسُفَ بالذَّراهِمَ مئةً بعدَ مئة(١) .
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ بَقيِّ بنِ مَخْلَد: قد مَشَى مع ضَعيف في مَظْلمَة إلى
إِشْبِيلِيَة، ومَشَىْ مع آخَر إلى إِلْبِيْرةَ ، ومع امْرأةٍ ضَعيفة إلىْ جَيَّان(٢).
وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ القَاضِي الخَيَّاط: عُرف بالخيَّاط لأنَّه كانَ يَخيطُ على
الأنْتَامِ والْمَساكينِ حِسْبَةٌ(٣).
وقالَ الحاكِمُ : سَمعتُ أبي يَقولُ : كانَ القاضي مَّمُد بنُ عَلَيّ الْمَروزي طُولَ
أَيَّامِه يَسكُنُ دارَ ابنَ حَمْدونَ بحِذاءِ دَارِنا ، وكُنتُ أعْرِفُه يَخيطُ باللَّيْلِ وإذا تَفَرَّغَ بالنَّهارِ
للأنْتَامِ والضُّعَفاءِ ، ويَعُدُّها صَدَقَةٍ(٤) .
وقال أحمدُ بنُ الحُسَين الوَاعِظُ : أَوْدَعَ أبو عبد الله بنُ أبي مُوسَى الهاشِمِيُّ عَشرةَ
آلافِ دينارٍ ليتيم ، فضاقَت يَدُه فأَنْفَقَها وكَبُرَ الصَّبيُّ ، وأُذنَ له في قَبض مالِه ، قال ابنُ
أبي موسى : فضاقَت عليَّ الأرضُ، وتَحِيَّتُ ، فبَكرتُ علىْ بَغْلَتي ، وقَصدتُ الكَرْخَ
فانْتُهتْ بي البَغْلةُ إلى دَرْبِ السلولي ووَقَفَتْ بي على بابِ مَسجِدٍ دَعْلَج ، فدَخلتُ
فصَلَّيْتُ خلفَه الفَجرَ ، فلمَّا انْفْتَلَ رَخَّبَ بي، وقُمنا فدَخلنا دَارَه، فقُدِّمَت لنا هَرِيسَةٌ ،
فأكَلتُ وقَصَّرتُ ، فقالَ : أراكَ مُنقَبضاً، فأخْبَرَتُه ، فقالَ: كُلْ فإنَّ حاجَتَك تُقْضَى،
فلمَّا فَرَغْنا ، اسْتَدعَى بِالذَّهَبِ والمِيزانِ ، فوَزَنَ لي عَشرةَ آلافِ دينارٍ وقُمتُ أطيرُ
فَرحاً ، ثم سَلَّمتُ المالَ إلى الصَّبِيِّ بحَضرةِ قاضي القُضاة، وعَظُمَ الثَّنَاءُ عليَّ ، فلمَّا
عُدتُ إلى مَنِزِلي اسْتدعاني أميرٌ من أولادِ الخَليفَة فقال : قد رَغبتُ في مُعامَلَتِك
وتَضْمِينِك أمْلاكي ، فضَمنُّها فرَبحتُ في سَنَتَي رِبحاً عَظيماً وكَسبتُ في ثلاث سنين
ثلاثينَ ألفَ دينار، وحَملتُ لدَعْلَج المالَ، فقالَ: سُبحانَ الله، والله ما نَوَيتُ
(١) انظر السير: (القاضي أبو يُوسُف) ٥٣٥/٨-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/٧٨٨.
(٢) انظر السير: (بَقيُّ بنُ مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٨٧.
انظر السير : ( القاضي الخَيَّاط) ١٤/ ٥٦٤_ ٥٦٥، وانظر النزهة: ٥/١١٧٣.
(٣)
(٤) انظر السير: (القاضي الخَيَّاط) ١٤ /٥٦٤_٥٦٥، وانظر النزهة: ١/١١٧٤.
١٥٦

أخْذَها ، حَلِّ بها الصِّبْيانَ ، فقلتُ : أيُّها الشَّيخُ، أيشْ أصْلُ هذا المال حتى تَهبَ لي
عشرةَ آلافٍ دينار ؟ فقال : نَشأتُ ، وحَفظتُ القُرآنَ، وطَلبتُ الحَديثَ ، وكُنْتُ
أَتَبِزَّزُ، فوافاني تاجرٌ من البَحْرِ فقال : أنْتَ دَعْلَج ؟ قلتُ : نَعَم قال : قد رَغبتُ في
تَسليمٍ مالي إليك مُضارَبةً ، فسلَّمَ إليَّ برنامجات بألفِ درهم ، وقال لي : ابْسُطْ يَدِكَ
فيه ولا تَعَلمْ مَكاناً يُنفَقُ فيه المَتَاعُ إلَّ حَملْتَه ، ولمْ يَزِلْ يَتردَّدُ إليَّ سَنةً بعدَ سَنةٍ يَحملُ
إليَّ مثلَ هذا والبضاعَةُ تَنْمَى ثم قال: أنا كثيرُ الأسْفارِ في البَحرِ ، فإنْ هَلكتُ فهذا
المالُ لكَ على أنْ تَصدَّقَ منه، وتَبني المَساجدَ، فأنا أفعلُ مثل هذا ، وقد ثمَّرَ اللهُ
تعالى المالَ في يَدي ، فاكْتُم عليَّ ما عِشتُ .
قال الحاكمُ : كان السُّلطانُ لا يَتعرَّضُ لتَركَةِ، ثم لمْ يَصْبرْ عن أموالِ دَعْلَج ،
وقيلَ : لمْ يكنْ في الدُّنيا أيْسَرُ منه من الثُّجَّار ، وتَركوا أوْقَافَه ، رَحمَه الله .
ماتَ سنةَ إِحْدَىُ وخَمسينَ وثلاثٍ ومئة(١) .
وجاءَ في تَرَجَمَةِ ابنِ أبي ذُهل، قالَ الحاكمُ : صَحبتهُ حَضَراً وسَفَراً فما رأيتُ
أحسنَ وُضوءاً ولا صَلاةً منه ولا رَأيتُ في مَشايِخنا أحْسَنَ تَضرُّعاً وابتِهالاً منه قيل لي :
إنَّ عُشرَ غَلَّته تَبَلِغُ ألفَ حِمْل وحدَّثني أبو أحمَدَ الكاتبُ أنَّ النُّسخَةَ بأسَامي مَنْ يَمونُهم
تَزِيدُ على خَمسَةِ آلافٍ بَيَتٍ وقد عُرضَت عليه ولاياتٌ جَليلَةٌ فَأَبَى .
قالَ الخَطيبُ : كانَ ثقةً نَبِيلاً من ذَوي الأقْدارِ العالية ، سَمعتُ البرقانيَّ يَقولُ : كانَ
مَلكُ هَرَاةَ من تَحتِ أمْرِهِ لقَدْرِهِ وأبُوَّته .
اسْتُشهِدَ ابنُ أبي ذُهل سَنَ ثَمانٍ وسَبعينَ وثَلاثِ مئة (٢) .
وقيلَ : كانَ الرِّفاعيُّ شَافِعياً يَعرِفُ الفِقْهَ، وقيلَ : كانَ يَجمَعُ الحَطبَ ويَجيءُ به
إلىْ بُيُوتِ الأَرَامِلِ ويَمْلأ لهم بالجَرَّةِ(٣).
(١) انظر السير: (دَعْلج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ٤/١٢٦٦.
(٢) انظر السير: (ابنُ أبي ذهل) ٣٨٠/١٦ -٣٨٢، وانظر النزهة: ٤/١٢٩٩.
(٣) انظر السير: (الرُّفاعِيُّ) ٢١/ ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة: ٤/١٦٠١.
١٥٧

الوَفَاء
١ - كلمَةٌ في الوَفَاء :
عن الأحْنَفِ بنِ قَيْس قالَ : رَأْسُ الأدَبِ آلَةُ الْمَنْطِقِ ، لا خَيرَ في قَولِ بلا فِعلٍ ،
ولا في مَنْظَرٍ بلا مَخْبَر ، ولا في مَالٍ بلا جُودٍ ، ولا في صَديقٍ بلا وَفاءٍ ، ولا في فِقْهِ
بِلا وَرَعٍ ، ولا في صَدَقةٍ إلا بنيّة ، ولا في حَياةٍ إلَّ بِصِحَّةٍ وأمْنٍ (١).
٢ - صُوَرَةٌ على الوَفَاءِ :
قالَ السَّمْعانيُّ: كانَ عَطاءُ بنُ أبي سَعْد مِمَّنْ يُضرَبُ به الْمَثَلُ في إرادَةٍ شَيخِ
الإسْلام(٢) والجدِّ في خِدمَتِهِ ، وله حِكاياتٌ ومَقاماتٌ في خرُوجِ شَيخِه إلى بَلْخ في
الْمِحْنَةَ وجَرَى بينَه وبينَ الوَزيرِ نِظامِ الْمُلكِ مُحاوَرَةٌ ومُرادَدَةٌ واحْتمَلَّ له النِّظامُ(٣).
قالَ : وسَمعتُ أنَّ عَطاءً قُدِّمَ للخَشَبَة ليُصلَب فنَجَّاهُ اللهُ لحُسنِ نِيَّتِه فلمَّا أُطلِقَ عادَ
إلى التَّظلُّمِ ، وما فَتَرَ ، وخَرِجَ مع النِّظامِ مَاشياً إلى الرُّومِ ، فمَا رَكبَ ، وكانَ يَخوضُ
الأنْهارَ مع الخَيْلِ ويَقولُ : شَيْخِي فِي الْمِحْنَة ، فلا أسْتَرِيحُ ، قالَ لي ابنُهُ مُحمَّدٌ عَنه
قالَ : كنتُ أعْدو في مَوْكبِ النِّظامِ ، فوَقَعَ نَعْلي فمَا الْتَّفتُّ ورَمَيتُ الأُخْرَىُ فأمْسَكَ
النِّظامُ الدَّابَّةَ وقالَ : أينَ نَعْلَاكَ ؟ فَقُلتُ وَقِعَ أحَدُهما فخَشيتُ أنْ تَسْبِقَنِي إِنْ وَقَفْتُ
قالَ : فِلِمَ رَمَيتَ الأُخْرَى؟ فقُلتُ: لأنَّ شَيخي أخْبَرَنا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
نَهَى أنْ يَمْشيَ الرجُلُ فِي نَعْلٍ واحدٍ ، فمَا أَرَدتُ أنْ أُخالِفَ السُّنَّة فأعْجَبَه وقالَ : أكْتبُ
إِنْ شَاءَ اللهُ حتَّى يَرجِعَ شَيخُكِ إلى هَرَاةَ ، وقالَ لي ارْكبْ بَعضَ الجَنائبِ ، فَأَبَيْتُ ،
وعَرضَ عليَّ مالاً ، فأَبَيتُ (٤) .
(١) انظر السير: (الأحْتَف بن قَيْس) ٨٦/٤-٩٧، وانظر النزهة: ٧/٤٥٢.
(٢) يعني : أبا إسماعيل الأنصاري.
(٣) انظر السير: (عَطاءُ بنُ أبي سَعْد) ٢٠/ ٥٤ -٥٦، وانظر النزهة: ١/١٥٣٠.
(٤) انظر السير: (عَطَاءُ بنُ أبي سَعْد) ٢٠/ ٥٤-٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٥٣٠.
١٥٨

٣- وَفَاءُ واحِدٍ من الكفَّار :
قال اليسعُ بنُ حَزْم : حذَّثني عنه أبو القاسم هِلالٌ أحَدُ وُجُوه العَرب قالَ : كان بيني
وبَيْنَ الْمُرابِطِينَ أمر أَلْجَأني إلى الوُفودِ على ابنِ رُذْمير(١) ، فرخَّب بي ، وأمَرَ لي براتبٍ
كَبير فحَضرتُ معه حَرْباً طُعِنَ عنه حِصانُهُ، فوقَفتُ عليه ذابَّاً عن حَوْزَتِه فلمَّا انْصَرفنا
إلى رشْقَة أمرَ الصَّوَّاغينَ بعَملٍ كأسٍ من ذَهَبٍ رَصَّعَه بالدُّرِّ، وكتبَ عليه: (( لا يَشْرِبُ
مِنْه إلاَّ مَنْ وَقَفَ علىُ سُلْطانِهِ)) فحضَرتُ يوماً فأخْرَجَ الكأسَ ، وملأه شَراباً ، وناوَلَني
بحضْرَة ألفٍ فارس ، ورَأيتُ أعْناقَهم قد اسْوَدَّت من صَدأ الدُّروعِ قال : فنادَيتُ ،
وقُلتُ : غَيرِي أَحَقُّ به ، فقالَ: لا يَشْرَبُ هذا إلاَّ مَنْ عَمَلَ عَمَلَكَ وكان هِلالٌ هذا
مِن قَريَةِ هِلالِ بنِ عامِر ، تابَ بعدُ وغَزَا مَعَنا، فكانَ إذا حَضرَ في الصَّفِّ جَبَلاً راسياً
يَمْنَعُ تَهائمَ الجُيوشِ أنْ تَميدَ ، وقَلْباً في البَسَالَة قَاسياً ، يَقولُ في مُقارَعَةِ الأبْطَالِ: هَلْ
مِنْ مَزيد؟ أبْصَرتُه - رَحمَهُ اللهُ - أُمَّةً وَحْدَه، يَتحامَاهُ الفَوارِسُ(٢).
فحدَّثني هِلالٌ عن ابنِ رُذْمير وإِنْصَافِه قالَ : كنتُ معه بظاهر رُوْطَة وقد وجَّه إليه
عِمادُ الدولة وَزيرَه أبا محمَّد عبدِ الله بن هَمُشْك الأميرَ رَسولاً ، فطَلبَ فارسٌ من ابنِ
رُذْمير أنْ يُمكَّنَ من مُبارَزَة ابنِ هَمُشْك، فقالَ: لا ، هو عِنْدِنا ضَيفٌ، فسَمعَ بذلك
ابنُ هَمُشْك، وأمْضَى ابنُ رُذْمير حاجَتَه ، وصَرفَه فقالَ : لا بد لي من مُبارَزَة هذا فأمَرَ
الملكُ ذاكَ الفارِسَ بالمُبارَزَة وقالَ: هذا أشْجَعُ الرُّومِ فِي زَمانِهِ ، فَانْصَرِفَ عبدُ الله
يُريدُ رُوْطَةٍ وخَرِجَ وَراءَه الرُّوميُّ شاكّاً في سِلاحِهِ ، وما مع ابنِ هَمُشْك دِرْعٌ ولا بَيْضَةٌ
فأخَذَ رُمْحَه وطارِقَتَه من غُلامِه، وقَصَدَ الرُّوميَّ، فحَملَ كلٌّ منهما على الآخَرِ
حَمَلاتٍ، ثم ضَربَه ابنُ هَمُشْك في الطَّارِقَة فأعانَه اللهُ فانْقَطَعَ حِزامُ الفارِسِ ، فَوَقَعَ
بسَرْجِه إلى الأرض، فطَعنَه ابنُ هَمُشْك فقَتْلَه والمَلِكُ يُشاهِدُه على بُعْد ، فَهَمَّت الرُّومُ
بالحَمْلَة على ابنِ هَمُشْك فمَنعَهم المَلكُ، ونَزَلَ غُلامُ ابنِ هَمُشْك، فجرَّدَ الفارِسَ ،
(١) هو ابنُ رُذمير اللعين، صاحب مملكة أرَغونة من شرق الأندلس، كان قسِّيساً مُجرّباً داهية مُتَرَهِّباً،
قوي على بلاد ابن هود وطواها .
(٢) انظر السير: (عماد الدولة بن هود) ٢٠/ ٣٧ -٤١، وانظر النزهة: ٣/١٥٢٤.
١٥٩

وسَلَبَه ، وأخَذَ فَرسَه ، وذَهبَ لم يَلتِفِتْ إلى ناحِيَيِّنا فما أدْري مِمَّ أعْجَبُ ، من إنْصافٍ
المَلِك ، أو من ابنِ هَمُشْك كيفَ مَضَىْ ولمْ يُعَرِّجْ إلينا ؟ ! .
وأقام ابنُ رُذْمير محاصراً سَرَقُسْطَة زماناً ، وأخذ كثيراً من حُصُونِها فلمَّا رَأى
أبو عبدُ الله محمدُ بنُ غَلْبُون القائدُ ما حَلَّ بتلك البلادِ من الرُّوم ، ثارَ بدورقة وقَلَعَة
أيُّوب وملينَة ، وجَمعَ وحَشدَ ، وكافَحَ ابنَ رُذْميرَ واسْتولَى أبو بكر بنُ تیفلوت علی
سَرَقُسْطَة، وأقامَ بقَصرها في لذَّاتِهِ ، وأمَّا ابنُ غَلْبُون، فأَحْسَنَ السِّيرَة، وعَدلَ ،
وجاهَدَ ورُزِقَ الجُنْدَ ، رأيتُه رَجلاً طُوالاً جداً ، واجتمعتُ به ، أقامَ مُثاغراً لابن رُذْمير
شجىّ في حَلْقه ، الْتَّقَى مرَّة في ألفِ فارِسٍ لابنِ رُذْمير ، والآخَرُ في ألفٍ ، فاشْتدَّ
بينهما القِتالُ ، وطالَ ، ثم حَملَ ابنُ غَلْبُون على ابنِ رُذْمير ، فصَرعَه عن حِصانِه ،
فَدَفَعَ عنه أصْحابُه فسَلِمَ ، ثم انْهَزَموا ، ونَجا اللَّعينُ في نَحْو المئتَين فقط، وأمَّا ابنُ
تيفلوت فإنَّه راسَلَ ابنَ غَلْبُونَ ، وخَدعَه ، حتىْ حَسَّنَ له زيارة أمير المسلمين عليٍّ ابنٍ
يوسُف ، فاسْتَخلَفَ على بلادِهِ وَلدَه أبا الْمُطرف ، وكان من الأبْطالِ المَوْصُوفين
أيضاً ، فقَدمَ محمدُ مَرَّاكش، فأُمْسِكَ، وأُلْزِمَ بأنْ يُخاطِبَ بَنِيهِ في إخْلاء بلادِه
للمُرابطين، فأخْلَوها طاعَةً لأبيهم، وتَرَخَّلوا إلى غَربِ الأَنْدَلُس ، فَفَرِحَ بذلك ابنُ
رُذْمير وحَصَرَ سَرَقُسْطَة، وصَنعَ عليها بُرْجَين عَظيمَين من خَشَب ، وإنَّ أهلَها لَمَّا يَبِسُوا
من الغِياثِ، خَرجوا وأحْرَقوا البُرْجَين ، واقْتَتَلوا أشَدَّ قِتالٍ ، وكَتبوا إلى ابنِ تاشِفين
يَسْتَصْرِخُون به ، وماتَ ابنُ تيفلوت، وذلكَ في سنة إحْدَى عَشرَة وخمس مئة ،
فأنْجَدَهم بأخِيه تَميمٍ ابنِ يوسُف ، فقَدمَ في جَيشٍ كَبير ، وعَنَّى ابنُ رُذْمير جُيوشَه ،
فَفَرِحَ أهْلُ سَرَقُسْطَة بَتَميم ، فكانَ عليهم لا لَهُم .
جاء مُواجِهَ المدينة ، ثم نَكَّبَ عنها ، وكان طائفَةٌ من خَيلِها ورَجِلِها قد تلَقَّوه ،
فحَملَ عليهم حَمْلةً قَتلَ منهم جَماعَةً كَثيرة ، ثم نَكبَ عن لقاءِ العَدوِّ ، وانْصَرِفَ إلى
جهاتِ المورالة، واشْتدَّ البَلاءُ على البَلدِ ثم سَلَّموهُ بالأمَان ، على أنَّ مَنْ شَاءَ أَقَامَ
(١)
به(١).
(١) انظر السير: (عِمادُ الدولَة بن هُود) ٢٠/ ٣٧-٤١، وانظر النزهة: ١/١٥٢٥.
١٦٠