Indexed OCR Text
Pages 61-80
وكانَ العَلاءُ بنُ زياد رَبَّانياً تَقَيّاً قانِتاً لله، بكاءً من خَشْيَة اللهِ (١). قالَ قَتَادَة: كانَ العَلاءُ بنُ زياد قد بَكَى حَتَّى غُشيَ بَصَرُه، وكانَ إذا أرادَ أنْ يَقرأَ أو يَتَكلَّمَ ، جَهِشَه البُكاءُ ، وكانَ أبُوهُ قد بَكَى حتىُ عَمِيَ(٢). وقالَ أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِيُّ: حدَّثنا يَحْيَى بنُ الفَضْلِ الأنيسي ، سَمعتُ بعضَ مَنْ يَذكُرُ عن محمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِر، أنَّ بينا هو ذاتَ ليلَة قائمٌ يُصلِّي إذ استَبْكَى ، فكثُرُ بُكاؤه حتى فزِعَ له أهْلُه ، وسَألوه ، فاسْتعجَمَ عَليهم ، وتَمَادَى في البُكاءِ ، فَأَرْسَلوا إلى أبي حازِمٍ فجاءَ إليه ، فقالَ : ما الذي أبْكاكَ ؟ قال مَرَّتْ بي آيَةٌ ، قالَ : ما هيَ ؟ قالَ: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾(٣) ، فبَكَىْ أبو حازِم معه ، فاشْتدَّ بُكاؤُهما(٤) . وكانَ مُحمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِر إذا بَكَىُ ، مَسحَ وَجهَه ولِحْيتَه من دُموعِه ، ويَقولُ : بَلغَني أنَّ النَّارَ لا تَأْكُلُ مَوْضِعاً مَسَّتَهُ الدُّمُوعُ(٥). وقالَ عَطاءٌ الخَفَّاف : ما لَقِيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ إلَّ باكياً ، فقُلتُ : مَا شَأْنُك ؟ قالَ : أَتَخَوَّفُ أنْ أَكُونَ فِي أُمّ الكتابِ شَقِيًّا (٦) . وقالَ يَحْيَىُ بنُ أبي بُكَير : قُلْتُ للحَسَنِ بنِ صالِح : صِفْ لنا غَسْلَ الْمَيِّتِ فمَا قَدِرَ عليه من البُكَاءِ(٧) . وقالَ أبو زُرْعَة : حدَّثني أبو النَّضْرِ إسْحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قالَ : كُنتُ أسْمَعُ وَقْعَ دُمُوعٍ سَعيدٍ بن عبدِ العَزيزِ عَلى الحَصيرِ في الصَّلاةِ(٨). (١) انظر السير: (العَلاء بن زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٣/٤٧٧. (٢) انظر السير: ( العَلاء بن زياد) ٤/ ٢٠٢ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٤/٤٧٧. (٣) سورة الزمر ، الآية : ٤٧ . انظر السير: ( محمد بن الْمُنكدر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٧/٦٠٧. (٤) (٥) انظر السير: (محمد بن الْمُنْكَدِر) ٣٥٣/٥-٣٦١، وانظر النزهة: ٦/٦٠٨. (٦) انظر السير: ( سُفْيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٥/٦٩٨. انظر السير: ( الحَسَن بن صالح) ٣٦١/٧ -٣٧١، وانظر النزهة : ٢/٧٠٣. (٧) (٨) انظر السير: ( سَعيد بن عبد العَزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة: ٤/٧٢٣. ٦١ وقالَ أبو عبدِ الرَّحْمَنِ الأسَدِي : قُلْتُ لسَعيدِ بنِ عبدِ العَزيزِ: ما هذا البُكاءُ الذي يَعرِضُ لكَ في الصَّلاةِ ؟ فقالَ : يا ابنَ أخي ، وما سُؤالُك عن ذلك ؟ قُلتُ: لَعَلَّ اللهَ أنْ يَنفَعَني به ، فقالَ: ما قُمتُ إلى صَلاةٍ إِلَّ مَثُلَت لي جَهَنَّمُ(١) . وقالَ نُعَيمُ بنُ حمَّاد : كانَ ابنُ الْمُبارَك إذا قرأ كتابَ الرِّقاق، يَصيرُ كأنَّه ثَورٌ مَنْحورٌ، أو بَقَرَةٌ مَنْحُورَةٌ ، من البُكاءِ ، لا يَجْتَرىء أحدٌ مِنْ أنْ يَسألَه عن شَيء إلاَّ دَفعَه(٢) . وقالَ الزَّاهِدُ يُوسُفُ الهَمَذَاني: انْطَرَشَ أبو الحُسَين ، فكانَ يَقرأُ عَلينا ، وكانَ دَائمَ العِبَادَة، قَرأَ عَلينا حَديثَ الْمَلَكين(٣). فَبَكَىْ بُكاءً عَظيماً، وأبْكَىَ الحَاضِرِينَ . ماتَ سَنةَ خَمسٍ وستِّيْنَ وأرْبَع مئة (٤) . ٨- تَرْكُ البُكاء خِذْلان : وقالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: لِكُلِّ شيءٍ عَلَمٌ، وعَلَمُ الخِذْلانِ تَرِكُ البُكاءِ، ولِكُلِّ شيء صَدَأْ، وصَدأُ القَلبِ الشِّبَع(٥) . ٩- البُكاءُ المطْلُوب : عن مُعاويَةَ بنِ قُرَّة قالَ: بُكاءُ العَمَلِ أحَبُّ إليَّ من بُكاءِ العَينِ(٦). (١) انظر السير: (سَعيد بن عبد العَزيز) ٣٢/٨-٣٨، وانظر النزهة: ٥/٧٢٣. (٢) انظر السير: (عبد الله بن الْمُبارَك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٧. (٣) ينظر في هذا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل المخرَج في ((الْمُسنَد)) (٢٨٧/٤، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦) وأبي داود (٣٢١٢) الطيالسي (٧٥٣)، وصحَّحه الحاكم (٤٠/٣٧/١)، وأقرَّه الذَّهَبِيُّ، وصحَحَه غيرُ واحد من الأئمّة وهو كما قالوا، وحديث أنَس في البُخاري ( ١٣٧٤ )، ومُسلم ( ٢٨٧٠). (٤) انظر السير: (ابنُ الْمُهْتَدي بالله) ١٨/ ٢٤١ -٢٤٤، وانظر النزهة: ١/١٤٠٩. (٥) انظر السير: ( أبو سُليمان الدَّاراني) ١٠/ ١٨٢-١٨٦، وانظر النزهة: ٣/٨٦٥. (٦) انظر السير: ( مُعاويَة بن قُرَّة) ١٥٣/٥ - ١٥٥، وانظر النزهة: ٤/٥٩٤. ٦٢ ١٠ - العَمَىُ من كَثْرَة البُكاء : قالَ قَتَادَةُ : كان العَلاءُ بنُ زِياد قد بَكَىْ حتى غُشيَ بَصَرُه، وكانَ إذا أرادَ أنْ يَقرأ أو يَتكلَّمَ ، جَهِشَه البُكاءُ ، وكانَ أَبُوهُ قد بَكَىُ حتىْ عَمِيَ(١) . وقالَ يُوسُفُ بنُ مُسْلم: بَكَى عَليّ بنُ بِكَّار، حَتَّى عَمِيَ، وكانَ قد أثَّرَت الدُّمُوعُ في خَذَّيْه(٢) . وقالَ الحاكمُ : سَمعتُ عُمرَ بنَ عَلَّك يَقولُ : ماتَ البُخاريُّ، فَلَمْ يُخلِّفْ بِخُراسانَ مثلَ أبي عيسَى التِّرْمِذِيّ ، في العِلمِ والحِفِظِ ، والوَرَعِ والزُّهْدِ بَكىُ حتَّى عَمِيَ ، وبَقيَ ضَريراً سِنِينَ(٣) . ١١ - الغَشْيُ (الإغْماءُ) من خَشْيَة الله : قيلَ: إنَّ حَوْشَباً قالَ لِمَالكِ بنِ دِينار : رَأيتُ ، كأنَّ مُنادياً يُنادي الرَّحيلَ ، الرَّحِيلَ ، فمَا ارْتَحَلَ إلَّ مُحمَّدُ بنُ وَاسِعٍ فَبَكَىْ مَالِكٌ، وخَرَّ مَغْشياً عَليه (٤) . وقالَ مُحمَّدُ بنُ زَكريّا الغَلابي، حذَّثنا أبو عُمرَ الجَرْميُّ النَّحْويُّ، حذَّثنا الفَضْلُ بنُ الرَّبيع ، قالَ : حَجَّ أميرُ المؤمنين - يَعْني هارُونَ الرَّشيدَ - فقالَ لي : وَيْحَكِ ، قَد حَكَّ فِي نَفَسي شَيءٌ ، فانْظُر لي رَجُلاً أسْألُه فقُلتُ : ها هُنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةِ ، فقالَ : امْضٍ بنا إليه ، فأَتَيْناهُ ، فَقَرَعْنا بابَه ، فقالَ : مَنْ ذا؟ فقُلتُ : أجِبْ أميرَ المؤمنين . فَخَرجَ مُسْرِعاً، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، لَوْ أَرْسَلتَ إليَّ أَتَيْتُك فقالَ: خُذْ لِما جِئْتُك له، فحَدَّثَه ساعَةً، ثم قالَ له : عَليكَ دَينٌ قالَ : نَعَم فقالَ لي : اقْضٍ دَيْنَه ، فلمَّا خَرِجْنا قالَ : ما أغْنَى عَنِّي صاحبُك شَيئاً ، قُلتُ: ها هُنا عبدُ الرَّزَّاق قالَ: امْضٍ بنا إليه ، فأَتَيْناهُ ، فقَرَعْتُ البابَ فخَرَجَ، وحادَثَه ساعَةً ، ثم قالَ : عَليكَ دَينٌ ؟ قالَ : (١) انظر السير: (العَلاء بن زياد) ٢٠٢/٤ -٢٠٦، وانظر النزهة : ٤/٤٧٧. (٢) انظر السير: (عَليُّ بن بكار) ٩/ ٥٨٤_ ٥٨٥، وانظر النزهة: ٣/٨٤١. (٣) انظر السير: (التُّرْمِذيُّ) ١٣/ ٢٧٠ -٢٧٧، وانظر النزهة: ١/١٠٨١. (٤) انظر السير: (محمَّد بن واسع) ١١٩/٦ -١٢٣، وانظر النزهة: ٩/٦٣٨. ٦٣ نَعَم قالَ : يا أبا عبَّاس، اقْضٍ دَيْنَه، فلمَّا خَرجْنا قالَ : مَا أَغْنَى عَنِّي صاحبُكَ شَيئاً ، انظُر لي رَجُلاً أسألُه ، قُلتُ: ها هُنا الفُضَيلُ بنُ عِياض ، قالَ : امْضٍ بنا إليه ، فأَتَيْناه ، فإذا هو قائمٌ يُصلِّي، يَتْلوآيَةً يُردِّدُها، فقالَ : اقْرَع البابَ ، فقَرعْتُ ، فقال : مَنْ هَذا؟ قلتُ أجبْ أميرَ المؤمنين ، قالَ : ما لي ولأميرِ المؤمنينَ ؟ قُلْتُ سُبْحَانَ الله، أما عَليكَ طَاعَةٌ، فَتَزَلَ، فَفَتحَ البابَ، ثمَّ ارْتَقَى إلى الغُرْفَة، فَأَطْفَأً السِّراجَ ثمَّ الْتَجأ إلى زاويةٍ، فدَخَلنا، فجَعَلْنا نَجولُ عليه بأيدينا، فسَبَقَتْ كفُّ هَارُونَ قَبْلي إليه ، فقالَ : يا لَها من كَفِّ، ما ألْيََّها إنْ نَجَتْ غَداً من عَذابِ الله ، فقُلتُ في نَفَسي : لَيُكَلِّمَنَّ اللَّيلةَ بِكَلامِ نَقَيٍّ من قَلْبٍ تَقَيٍّ ، فقالَ له : خُذ ◌ِلِما جِئناكَ له ، رَحمَك الله، فقالَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ لَمَّا وَلَيَ الخِلافَةَ دَعا سالِمَ بنَ عبدِ الله ، ومحمَّدَ بنَ كَعْبٍ ، ورَجاءَ بنَ حَيْوَة ، فقال لهم: إنَّي قد ابتُليتُ بهَذا البَلاء فأشيروا عليَّ، فعَدَّ الخِلافَةَ بلاءً وعَدَدْتَها أنتَ وأصْحابُكَ نِعْمَة، فقالَ له سَالم: إنْ أَرَدْتَ النَّجاةَ ، فصُم الدُّنيا ، وليَكُنْ إِفْطارَك منها الْمَوْتُ، وقالَ ابنُ كَعْب : إنْ أَرَدْتَ النَّجاةَ من عَذابِ الله ، فلْيَكُنْ كَبِيرُ المسلمينَ عندَك أباً ، وأوْسَطُهم أخاً ، وأصْغَرُهم وَلَداً ، فوَقِّرْ أباك ، وأكْرِمْ أخاكَ ، وتَحَنَّنْ علىْ وَلَدِك . وقال له رَجاءُ : إنْ أَرَدْتَ النَّجاةَ من عَذابِ الله، فأحِبَّ للمسلمينَ ما تُحبُّ لِنَفْسِك، واكْرَه لهم ما تَكْرَهُ لِنَفْسِك، ثم مُتْ إذا شِئتَ، وإنِّي أقولُ لكَ هَذا وإنِّي أخافُ عليكَ أشدَّ الخَوْفِ يوماً تَزِلُّ فيه الأقْدامُ ، فهلْ مَعكَ رَحِمَكَ الله مَنْ يُشيرُ عليكَ بمثلِ هذا، فبَكَىْ هارُونُ بُكاءً شديداً حتّى غُشيَ عليه ، فَقُلتُ له : ارْفُقْ بأميرٍ المؤمنين ، فقالَ : يا بنَ أُمِّ الرَّبيع، تَقْتُلُه أنتَ وأصْحابُك، وأَرْفُقُ به أنا ؟ !! ، ثمَّ أفَاقَ فقالَ له : زِدْني رَحِمَكَ اللهُ قلتُ: بَلَغَني أنَّ عامِلاً لِعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز شُكيَ إليه ، فكتبَ إليه : يا أخي أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهر أهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مع خُلودِ الأَبَد ، وإيّاكَ أنْ يُنْصَرَفَ بك من عند الله، فَيَكونُ آخرَ العَهْدِ وانْقِطاع الرَّجَاءِ ، فلمَّا قرأ الكتابَ طَوَى البلادَ حتّى قِدِمَ عليه، فقالَ: خَلَعْتَ قَلبي بكتَابِك، لا أعُودُ إلى وِلايَة حتَّى ألْقَى اللهَ، فبَكَىْ هارُونُ بُكاءً شَديداً، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ : إنَّ العَبَّاسَ عمَّ النَّبِي ٦٤ صلى الله عليه وسلم جاءَ إليه فقالَ: أمِّرْني، فقال له: ((إنَّ الإمَارَةَ حَسْرَةٌ ونَدَامَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَكُونَ أَمِيراً فَافْعَلْ)) فَبَكَىْ هارُونُ ، وقالَ : زِدْني قالَ: يا حَسَنَ الوَجْه أنتَ الذي يَسألُكَ اللهُ عن هذا الخَلقِ يَومَ القِيامَة ، فإنْ اسْتطَعْتَ أنْ تَقَي هَذا الوَجْهَ من النَّارِ فافْعَلْ، وإيّاكِ أنْ تُصْبِحَ وتُمْسي وفي قَلِك غِشٌّ لأحَدٍ من رَعِيَتِك، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشَّاً لَمْ يَرُحْ رَائحَةَ الجَنَّةِ )) فبَكَىْ هارُونُ وقالَ له : عَليكَ دَيْنٌ؟ قالَ نَعَم: دَينٌ لِرَبِّي، لم يُحاسِبْنِي عَليه ، فالوَيلُ لي إنْ ساءَلَني ، والوَيلُ لي إنْ ناقَشَني، والوَيْلُ لي إِنْ لَمْ أَلْهَم حَُّتي ، قالَ : إنَّما أعْنِي من دَينِ العِبادِ ، قالَ : إِنَّ رَبِّي لَمْ يأمُرني بهَذا ، أمَرَني أنْ أُصَدِّقَ وَعْدَه ، وأُطِيعَ أمْرَه، فقالَ عزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(١) ، فقالَ: هَذه ألْفُ دينار خُذْها ، فأنْفِقْها على عِيالِك ، وتَقَوَّ بها على عِبادَة رَبِّك ، فقالَ : سُبْحانَ الله أنا أدُلك على طريقِ النَّجاةِ وأنتَ تُكافِتُني بِمِثْلِ هَذا !! سَلَّمَك الله، ووَفَّفَكَ ثم صَمتَ، فلمْ يُكلِّمْنا، فخَرَجْنا، فقالَ هَارُونُ : أبا عبَّاس، إذا دَلَلْتَنِي، فَدُلَّني على مثلِ هذا ، هذا سيِّدُ المسلمينَ ، فدَخَلَت عَليه امرأةٌ من نِسائه فقالَت : قد تَرى ما نَحنُ فيه من الضِّيقِ ، فَلَوْ قَبَلْتَ هَذا المالَ قالَ : إنَّما مَثَلي ومَثَلُكم كمثلٍ قومٍ لهم بَعِيرٌ يأكلونَ من كَسْبه ، فلمَّا كَبِرَ نَحَروهُ، فأكَلُوا لَحْمَه ، فلمَّا سَمِعَ هارونُ هذا الكَلامَ قال : نَدخُلُ فعَسَى أنْ يَقبَلَ المالَ، فلمَّا عَلمَ الفُضَيلُ، خَرجَ فجَلسَ في السَّطْحِ على بابِ الغُرْفَة ، فجاء هارونُ ، فجلسَ إلى جَنبه يُكلِّمُه فلا يُجيبُه ، فبينا نحنُ كذلك إذ خَرجَت جاريَةٌ سَوْداء ، فقالَت: يا هَذا قَد آذَيتَ الشَّيخَ منذُ اللَّيْلَةِ ، فَانْصَرِفْ ، فانْصَرَفْنَا (٢). قال إبراهيمُ بنُ الحارث العُبّادي : حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عقَّان، حدَّثنا أبو بَكْر بن عيّاش قال : صلَّيتُ خَلفَ فُضَيل بنِ عِياض المغربَ وابنُه عليٍّ إلى جانبي (١) سورة الذَّاريات، الآية : ٥٦ . (٢) انظر السير: (الفُضَيلُ بن عِياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٨/٧٧٤. ٦٥ فقرأ: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾(١) فلمَّا قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٢) سَقطَ عليٍّ على وَجِهِه مَغْشِيّاً عليه(٣) . وقالَ ابنُ الْمُبارَك للفُضَيلِ بنِ عِياض : يا أبا عَليّ ما أحْسَنَ حَالَ مَنْ انقَطعَ إلى الله ، فسَمعَ ذلكَ عَليٌّ ابنُه ، فسَقطَ مَغْشِيّاً عليه(٤) . وعن محمدٍ بن ناجية قال : صلَّيتُ خَلفَ الفُضَيل بن عياض، فقرأ: ﴿الْحَقَّةُ﴾ (٥) في الصُّبحِ فلمَّا بَلِغَ إلىْ قَولِه: ﴿خُذُوهُ فَغُُّهُ﴾ (٦) غَلْبَه البُكاءُ فسَقطَ ابنُه عَلَيٍّ مَغْشياً عليه(٧) . وعن مُحمَّدٍ بن أبي عُثمانَ قالَ : كانَ عَليُّ بنُ الفُضَيل عند سُفْيانَ ابنِ عُيَيْنَة ، فحَدَّثَ بحَديثٍ فيه ذِكْرُ النَّار ، فَشَهِقَ عَلِيٍّ شَهِقَةٌ ، ووَقِعَ ، فالْتَّفتَ سُفْيَانُ فقالَ : لَوْ عَلمتُ أنَّك ها هُنا ما حدَّثتُ به، فمَا أفَاقَ إلاَّ بعدَ ما شَاءَ اللهِ(٨). وقالَ خالدُ بنُ خِداش : قُرىء على عبدِ اللهِ بنِ وَهْب كتابُ أهْوالِ يَومِ القيامة - وهو من تَأليفِه -فخَرَّ مَغْشِيّاً عليه قالَ: فَلَمْ يَتَكلَّم بَكَلمَة حتّى مَاتَ بعدَ أيّامٍ رَحمَه الله تَعالَى (٩). وقالَ تَميمُ بنُ عبد الله : سَمعتُ سُويدَ بنَ سَعيد يَقولُ : كُنتُ عندَ سُفيانَ ، فجاءَ الشَّافعيُّ فسَلَّم، وجَلسَ ، فَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَة حَديثاً رَقيقاً، فغُشِيَ على الشَّافِعِيِّ، فقيلَ: با أبا مُحمَّد، ماتَ مُحمَّدُ بنُ إِدْريسَ ، فقالَ ابْنُ عُيَيْنَة : إنْ كانَ مَاتَ ، فقَد مَاتَ أفضلُ أهلِ زَمانِهِ (١٠) . (١) سورة التكاثر ، الآية : ١ . (٢) سورة التكاثر ، الآية : ٦ . (٣) انظر السير: (عليُّ بنُ الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٨٠. (٤) انظر السير: (عليُّ بنُ الفَضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة : ٥/٧٨٠ . (٥) سورة الحاقة ، الآية : ١ . (٦) سورة الحاقة ، الآية : ٣٠. انظر السير: (عليٌّ بنُ الفُضَيل) ٨/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٦/٧٨٠. (٧) (٨) انظر السير: (عليٌّ بنُ الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٤/٧٨١. (٩) انظر السير: (عبد الله بن وَهب) ٢٢٣/٩ -٢٣٤، وانظر النزهة: ٢/٨١٩. (١٠) انظر السير: (الإمامُ الشَّافعيُّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٣/٨٤٦. ٦٦ ١٢ - المَوْتُ من خَشْيَة الله : عن يَعْلى بنِ حَكيم، قالَ : قال سَعيدُ بنُ جُبَير : ما رَأيتُ أرْعَى لِحُرْمَة هذا البَيتِ ، ولا أحْرَصَ عليه، من أهْلِ البَصْرَة ، لقد رَأيتُ جارِيةً ذاتَ لَيلَة تَعلَّقَت بأسْتَارِ الكَعْبَة تَدعُو وتَضْرَعُ وتَبكي حتَّى ماتَت(١). وقالَ الخَطيبُ : مَاتَ عَليُّ بِنُ الفُضَيلِ قبلَ أبيه بمُدَّة من آيَةٍ سَمِعَها تُقْرَأُ ، فغُشيَ عليه ، وتُوفِّيَ في الحَالِ(٢) . وقال عليُّ بنُ محمّد المِصْري ، سَمعتُ أبا سَعيد الخَرَّاز، سَمعتُ إبراهيمَ بنَ بِشَّار يقولُ : الآيةُ التي ماتَ فيها عليُّ بنُ الفُضَيل، في الأنْعام: ﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْلَا تُرَهُ﴾(٣) مع هذا المَوْضع ماتَ وكنتُ فيمَن صلَّى عليه، رحمَه الله (٤) . وحَكَى القاضي حُسَينُ عن القَفَّالِ أسْتاذِهِ أَنَّه كانَ في كَثيرٍ من الأوْقَاتِ يَقَعُ عليه البُكاءُ حالَةَ الدَّرْسِ ، ثم يَرفَعُ رَأْسَه ويَقولُ : مَا أَغْفَلَنَا عَمَّا يُرادُ بنا. ماتَ في سَنةِ سَبع عَشْرَة وأرْبَع مئة ، وله من العُمرِ تِسْعُونَ سَنةً (٥) . ١٣ - صَغِيرٌ عَظيمٌ يَخْشَى الله : ورَوىْ ضِمَام بنُ إسْماعيلَ عن أبي قَبِيل : أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العَزيزِ بَكَىْ وهو غُلامٌ صَغِيرٌ فأرْسَلت إليه أُّه ، وقالت : ما يُبكيكَ؟ قالَ : ذَكَرتُ الْمَوْت . قالَ : وكان يومئذٍ قد جَمعَ القُرآنَ، فَبَكَت أُمُّه حين بَلَغَها ذلك(٦). (١) انظر السير: (سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ٦/٥٠٦. انظر السير: ( عليُّ بنُ الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٢/٧٨٠. (٢) (٤) انظر السير: (عليٌّ بن الفُضَيل) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٧/٧٨١. (٣) سورة الأنعام ، الآية : ٢٧ . (٥) انظر السير: (القفال) ٤٠٥/١٧-٤٠٨، وانظر النزهة: ١/١٣٤٨. (٦) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٦. ٦٧ ١٤ - شِعْرٌ في الخَشْبَة : قالَ عَمرُو بنُ مَسْرور، أنْشَدَنا أبو سَهْل الحَنَفيّ لنَفْسِهِ(١): أنَامُ عَلَىْ سَهْرٍ وَتَبْكِي الحَمَائِمُ كَذَبْتُ وَبَيْتِ اللهِ لَوْ كُنْتُ عَاقِلاً وقالَ ابنُ الفَرَضي(٢): أَسِيرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفٌ يَخَافُ ذُنُوبَاً لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْجُو سِوَاكَ وَيَتَّقِي فَيَا سَيِّدِي لاَ تُخْزِنِي فِي صَحِيفَتي وَلَيْسَ لَهَا جُرْمٌ وَمِنِّي الجَرَائِمُ لَمَا سَبَقَتْنِي بِالْبُكَاءِ الْحَمَائِمُ عَلَىْ وَجَلٍ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفُ وَيَرْجُو فِيهَا فَهُوِ راجٍ وَخَائِفُ وَمَالَكَ فِي فَصْلِ القَضَاءِ مُخَالِفُ إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الِحِسَابِ الصَّحَائِفُ ١٥ - صُوَرٌّ على الخَوْفِ من الله وخَشْيَتِه : عن ابنِ عُمَرَ قالَ : شَهِدْتُ جَلُولاءَ ، فابْتَعتُ من الْمَغْنَم بأرْبَعِينَ ألفاً ، فلمَّا قَدمْتُ علىْ عُمَرَ قالَ : أَرَأْيتَ لَوْ عُرضْتُ على النَّارِ فقيلَ لكَ: افتَذْه، أكنتَ مُفْتَديَّ به ؟ قُلتُ : واللهِ ما من شَيءٍ يؤذيكَ إلاَّ كُنتُ مُفْتَديكَ منه، قالَ : كأَنِّي شَاهِدُ النَّاس حينَ تَبَايَعوا فقَالُوا: عَبدُ الله بنُ عُمَرَ صاحِبُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وابنُ أَميرِ المؤمنينَ وأحَبُّ النَّاسِ إليه، وأنتَ كَذلكَ، فكانَ أنْ يُرْخِصُوا عَليكَ أحَبَّ إليهم مِنْ أنْ يُغْلُوا عَليك ، وإِنِّي قاسِمٌ مَسْؤولٌ وأنا مُعْطِيكَ أكْثرَ ما رَبِحَ تاجرٌ من قُرَيش : لكَ رِبِحُ الدِّرْهَمَ دِرْهَم، قالَ: ثم دَعَا الثُّجَّارَ فابْتَاعُوا منهُ بأرْبَعمائة ألفِ دِرْهَم ، فدَفَع إليَّ ثمانينَ ألفاً وبَعثَ بالبَاقِي إِلى سَعْد بنِ أبِي وَقَّاص ليَقْسِمَه(٣). قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أمير المؤمنينَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ : وأثْنَى عليه ابنُ انظر السير: ( الصُّعْلوكيُّ) ٢٣٥/١٦-٢٣٩، وانظر النزهة : ٤/١٢٩١. (١) (٢) انظر السير: (ابنُ الفَرَضيّ) ١٧٧/١٧ - ١٨٠، وانظر النزهة: ١/١٣٣٤. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٠. ٦٨ عَبَّاس، فقالَ: لَوْ أنَّ لي طَلاعَ الأرضِ ذَهَبً(١) فافْتَدَيتُ به من هَولِ الْمَطْلَع ، وقد جَعلتُها شُورَى في عُثمانَ و عليٍّ وطَلحَةَ، والزُّبَيرِ، وعبدِ الرَّحْمَن ، وسَعْد ، وأمَرَ صُهَيْباً أنْ يُصلِّ بِالنَّاسِ، وأجَّل السَِّّةَ ثَلاثاً . وعن عمرو بن مَيْمون أن عُمرَ قالَ: ((الحَمْدُ لله الذي لَمْ يَجْعَلْ مَنيَّي بيَد رَجلٍ يَدَّعي الإسْلامَ)) ثم قالَ لابنِ عبَّاس أنتَ وأبُوكَ تُحِبَّنِ أنْ يَكثُرَ العُلوجُ بالمدينَةِ، وكانَ العَبَّاسُ أكثَرَهم رَقيقاً . ثم قالَ: يا عبدَ الله! انظُرْ ما عَليَّ من الدَّيْن، فحَسَبوه فوَجَدُوه سِتَّة وثمانين ألفاً أوْ نَحْوَها ، فقالَ: إنْ وَفَّى مَالُ آلِ عُمَرَ فأدِّه من أمْوَالِهِم ، وإلاَّ فاسْأَلْ في بَنِي عَديّ ، فإنْ لَمْ تَفِ أمْوالُهم فسَلْ فِي قُرَيش ، اذْهَب إلى أُمّ المؤمنينَ عائشةَ فقلْ : يَستَأذِنُ عُمَرُ أن يُدفَنَ مع صَاحَبَيّه، فذهَبَ إليها فقالَت: كُنتُ أريدُه - تَعني المكانَ - لنَفْسِي ، ولأوثرَنَّه اليومَ على نَفَسِي ، قالَ: فأتَى عبدُ الله فقالَ: أذِنَتْ لك، فحَمدَ الله . ثم جاءَت أم المؤمنينَ حَفْصَةٍ ، والنِّساءُ يَسْتُزْنَها، فلمَّا رَأيْناها قُمْنا، فمَكثَتْ عندَه ساعَةٌ، ثم اسْتَأْذَنَ الرِّجالُ فوَلَجَتْ داخِلَةً، ثم سَمِعْنا بُكاءَها وقيلَ له : أوْصِ يا أميرَ المؤمنينَ واسْتَخِلِفْ، قالَ: ما أرَىُ أحَداً أحَقَّ بهَذا الأمْرِ من هَؤلاءِ النَّفَر الذين تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عَنهم راضٍ ، فسَمَّى السنَّةَ وقالَ : يَشهَدُ عبدُ الله بنُ عُمرَ مَعَهم ، ولَيسَ له من الأمْرِ شَيءٌ - كَهَيئَة النَّعْزِيَة له - فإنْ أصابَت الإمْرَةُ سَعداً فهُو ذاكَ وإلاَّ فليَسْتَعِينَ به أيُّكم ما أمَرَه ، فإنِّي لم أعْزِلْه من عَجزٍ ولا خيانَةً(٢). وعن عبدِ الله بنِ عِبَّاس قالَ: لَمَّا ◌ُعنَ عُمرُ جاءَ كَعبٌ فقالَ: والله لَئِنْ دَعَا أميرُ المؤمنين ليُبْفِيَّنَّه الله وليَرْفَعَنَّه لهذه الأُمَّة حتَّى يَفعَلَ كَذا وكذا، حتَّى ذَكرَ الْمُنافقينَ فيمَنْ ذَكر ، قالَ : قُلتُ : أُبْلغُه ما تَقُولُ؟ قالَ : ما قُلتُ إلَّ وأنا أُريدُ أنْ تُبُلِغَه ، فقُمتُ وتَخطَّيتُ النَّاسَ حتَّى جَلَستُ عندَ رَأسِه فقُلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ ، فَرَفعَ رَأْسَه فقُلتُ: إنَّ كَعْباً يَحْلِفُ بالله لَئِنْ دَعَا أميرُ المؤمنينَ ليُبْقِيَّ الله وليَرْفَعَنَّه لهذه الأُمّة قالَ : (١) أي ما يملأ الأرض ذهباً حتى يطلع عنها ويسيل. (٢) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ١/٥٤. ٦٩ ادْعُوا كَعْباً، فدَعَوه ، فقالَ : ما تَقولُ؟ قالَ: أَقُولُ كَذا وكَذا ، فقالَ : لا والله لا أَدْعُو اللهَ ولَكِنْ شَقِيَ عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ له. وعن ابنِ عبَّاس قالَ: كانَ أبو لُؤْلُؤةَ مَجُوسيّاً(١) . وقالَ ابنُ عُمَرَ : كانَ رَأْسُ عُمَرَ في حِجْري ، فقالَ: ضَعْ خَدِّي على الأرضِ ، فَوَضَعْتُه، فقالَ: وَيْلٌ لي ووَيلُ أمي إنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي (٢). وعن قَتَادَةَ قالَ أبو عُبَيْدَة بنُ الجَرَّاحِ ، وَدِدْتُ أَنِّي كنتُ كَبشاً، فيذْبَحُني أهْلي ، فِيَأْكُلُونَ لَحْمي، ويَحْسُونَ مَرَقِي(٣) . وعن علقَمَةَ ، قالَ : أَتَيَ عبدُ الله بشَرابٍ فقالَ: أعْطِ عَلْقَمَة ، أعْطِ مَسْروقاً فكلُّهم قالَ : إنِّي صائمٌ، فقالَ: ﴿ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾(٤) ، وقالَ إبراهيمُ: كانَ علقَمَةُ يَقرَأُ القُرآنَ في خَمسٍ، وقالَ علقَمَةُ : أطيلُوا كَرَّ الحَديثِ لا يُدرَسُ(٥) . وعن ابنةٍ للرَّبيع بنِ خُثَيْمِ ، قالَت : كُنتُ أَقُولُ: يا أَبَتَاهُ ، ألا تَنَامُ؟ فيقولُ: كَيفَ يَنامُ مَنْ يَخافُ البَياتَ(٦) . وقالَ القاسِمُ بنُ أبي أيُّوبَ: سَمعتُ سَعيدَ بنَ جُبِير يُردِّدُ هذه الآيَةَ في الصَّلاةِ بِضْعاً وعِشرينَ مرَّة ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾(٧)، (٨) . قالَ مُعاويَةُ بنُ عبدِ الكَريمِ الثَّقَفي ، سَمعتُ بَكرَ بنَ عبدِ الله يَقولُ يَومَ الجُمُعَة : لَوْ قيلَ لي: خُذْ بَيَدِ خَيرِ أهْلِ الْمَسجِدِ ، لقُلتُ : دُلُّوني على أنْصَحِهِم لعامَّتِهِم ، فإذا (١) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٦. (٢) انظر السير: ( عُمَر بن الخَطّاب)، وانظر النزهة: ١/٥٧. انظر السير: ( أبو عُبَيْدَة بنُ الجَرَّاح) ٥/١-٢٣، وانظر النزهة: ٢/١٢٣. (٣) (٤) سورة النور ، الآية : ٣٧ . انظر السير: (عَلَقَمَة) ٥٣/٤-٦١، وانظر النزهة: ٣/٤٤٣. (٥) انظر السير : ( الرَّبيع بن خُثَيم) ٢٥٨/٤ -٢٦٢، وانظر النزهة : ٥/٤٩٣ . (٦) (٧) سورة البقرة ، الآية : ٢٨١. (٨) انظر السير: (سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤-٣٤٣، وانظر النزهة: ٤/٥٠٥. ٧٠ قيلَ : هذا ، أخَذتُ بِيَدِهِ ، ولَوْ قيلَ لي : خُذْ بَيَدِ شَرِّهم ، لقُلتُ : دُلُّوني على أغَشُهم لعامَّتِهِم ، ولَوْ أنَّ مُنادياً نادَى من السَّماءِ: إنَّه لا يَدخُلُ الجنَّة منكُم إلاَّ رَجلٌ واحِدٌ ، لكانَ يَنْبَغي لكُلِّ إنْسَانٍ أنْ يَلتَمِسَ أنْ يَكونَ هُوَ، ولَوْ أنَّ مُنادياً نادَى: إنَّه لا يَدخُلُ النَّارَ منكُم إلاَّ رَجُلٌ واحِدٌ لكانَ يَنبَغِي لكُلِّ إنْسَانٍ أنْ يَفْرَقَ أنْ يَكونَ ذلك الوَاحِد(١). وعن الحَسَنِ قالَ : الْمُؤْمِنُ مَنْ عَلِمَ أنْ ما قَالَ اللهُ كما قالَ ، والْمُؤْمِنُ أَحْسَنُ النَّاسِ عَملاً ، وأشدُّ النَّاسِ وَجلاً، فَلَوْ أَنْفَقَ جَبلاً من مالِهِ ما أمِنَ دُونَ أنْ يُعاينَ ، لا يَزِدادُ صَلَاحاً وِراً إلاَّ ازْدَادَ فَرَقاً ، والْمُنافِقُ يَقولُ: سَوادُ النَّاسِ كَثِيرٌ ، وسَيُغْفَرُ لي ولا بَأسَ عَلَىَّ فيُسيءُ العَمَلَ، ويَتمَنَّى على الله(٢). وعن قَيسٍ بنِ مُسْلم، قالَ : كانَ الضَّخَّاكُ بنُ مُزاحِم إذا أمْسَى بَكَىْ ، فيُقالُ له ، فيَقولُ : لا أدري ما صَعَدَ اليومَ من عَمَلي (٣). وعن الحُرِّ بنِ أبي الحُصَين العَنْبَرِيِّ قالَ : مَرَّ طاوُوسُ بِرَؤَّاسٍ قد أخْرَجَ رَأساً فغُشِيَ عليه (٤) . ورَوَىُ عبدُ الله بنُ بِشْرِ الرَّقِّي قالَ : كانَ طاؤُوسُ إذا رَأْىُ تلكَ الرُّؤوسَ الْمَشْوِيَّةِ لَمْ يَتعَشَّ تلكَ اللَّيْلَةِ(٥) . وعن أبي كَبير البَصْري، قالَت أمُّ محمَّد بنِ كَعْب القُرَظِيِّ له: يا بنَيَّ! لَوْلا أَنِّي أَعْرِفُك طَيِّاً صَغيراً وكبيراً لقُلتُ: إِنَّكَ أذْنَبَتَ ذَنباً مُوبِقاً لِمَا أَرَاكَ تَصنعُ بنَفْسِك ، قالَ : يا أُمَاه! وما يُؤْمِّنُني أنْ يَكُونَ اللهُ قد اطَّلِعَ عليَّ ، وأنا في بَعضٍ ذُنوبي فمَقَتَنِي، وقالَ : اذْهَبْ لا أُغْفِرُ لك ، مع أنَّ عَجائبَ القُرآنِ تردُ بي على أمُورٍ حتَّى إنَّه لِيَنْقَضِي اللَّيلُ ولَمْ أفْرُغْ من حاجَتي(٦) . (١) انظر السير: (بكر بن عبد الله) ٥٣٢/٤ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٥٥١. (٢) انظر السير: (الحَسَن البَصْريّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة : ٥/٥٦٣. (٣) انظر السير: ( الضّخَّاك بن مُزاحِم) ٥٩٨/٤-٦٠٠، وانظر النزهة: ٣/٥٦٦. انظر السير: ( طاؤوس) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٢/٥٧٨. (٤) انظر السير: (طاؤُوس ) ٣٨/٥-٤٩، وانظر النزهة: ٣/٥٧٨. (٥) (٦) انظر السير: (القُرَظِي) ٦٥/٥-٦٨، وانظر النزهة: ١/٥٨١. ٧١ عن مُغيرةَ بن حَكيم : قالت فاطمةُ بنتُ عبد الملك بنِ مَرْوان امرأةُ عُمرَ بنِ عبد العزيز : حَدَّثنا مُغيرةُ أنَّه يكونُ فِي النَّاسِ مَن هو أكثرُ صلاةٌ وصياماً من عُمرَ بنِ عبد العزيز ، وما رأيتُ أحداً أشَدَّ فَرَقاً من ربِّه منه، كان إذا صَلَّى العِشَاءَ قَعَدَ في مَسْجِدِه ، ثُمَّ يَرفعُ يَدَيْهِ فَلَم يَزَلْ يَبكي حتى تَغْلِبُه عَينُهُ، ثم يَنْتَبَهُ ، فلا يزالُ يَدعُو رافعاً يديْه يَيكي حتى تَغْلِبُهُ عينُهُ ، يفعلُ ذلك ليلَهُ أَجْمَع(١) . وقالَ ابنُ شَوْذَب : كُنتُ إذا رَأيتُ هارُونَ بنَ رِئابٍ كأنَّما أقْلعَ عن البُكاءِ (٢). وقالَ ابنُ حِبَّان : كانَ يَحْيَى بنُ أبي كَثير من العُبَّاد، إذا حَضَرَ جَنَازَةً ، لَمْ يَتْعَشَّ تلكَ اللَّيْلَة ، ولا يُكلِّمُه أحَدٌ . وقالَ أبو حاتم : قد رَأى أنَساً يُصلِّي في الحَرَمِ(٣). وقالَ نُعَيم بنُ مُوزِّع: أتَينا عَطاءَ السَّلِيمي ، فجَعلَ يَقولُ: لَيَتَ عَطاء لَمْ تَلِدهُ أمُّه ، وكَرَّرَ ذلكَ حتَّى اصْفَرَّتِ الشَّمسُ (٤) . وقالَ صالحُ الْمُرِيُّ : قُلتُ له : يا شَيخُ قد خَدعَكَ إبليسُ ، فَلَوْ شَرِبْتَ ما تَقْوَى به علىْ صَلاتِكَ ووُضُوئك؟ فَأَعْطَاني ثَلاثَةَ دَراهِمَ، وقالَ : تَعَاهَدْني كُلَّ يَومٍ بِشَرْبةِ سَوِيق ، فشَربَ يَومَين وتَركَ، وقالَ : يا صالحُ إذا ذُكرَتْ جَهنَّمُ، ما يَسَعُني طَعامٌ ولا شَرابٌ(٥) . عن عُبيد الله العَيْشي قال: كان هِشامُ الدَّسْتُوائي إذا فُقِدَ السِّراجُ من بَيتِهِ ، يَتمَلمَلُ علىُ فِراشِه، فكانَت امْرأَتُه تَأتيهِ بالسِّراجِ ، فقالَت له في ذلك ، فقالَ : إنِّي إذا فَقَدتُ السِّراجَ ، ذكرتُ ظُلمَةَ القَبْرِ (٦). انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ١/٥٩١. (١) (٢) انظر السير: (هارون بن رئاب) ٢٦٣/٥ -٢٦٤، وانظر النزهة: ٢/٦٠٠. انظر السير: ( يَحْبَى بن أبي كثير) ٢٧/٦ -٣١، وانظر النزهة: ٣/٦٢٧. (٣) انظر السير: ( عَطاء السَّلِيمي) ٨٦/٦-٨٨، وانظر النزهة: ٢/٦٣٤. (٤) انظر السير : ( عَطاء السَّلِيمي) ٨٦/٦-٨٨، وانظر النزهة : ٤/٦٣٤. (٥) (٦) انظر السير: (هِشام الدَّسْتُوائي) ١٤٩/٧ - ١٥٦، وانظر النزهة: ٤/٦٨٧. ٧٢ وعن عبدِ الله بنِ خُبَيَق ، قالَ يُوسُفُ بنُ أسْباطِ: كانَ سُفيانُ إذا أخَذَ في ذِكْرِ الآخِرَةِ يَبُولُ الدَّمَ(١) . وقالَ ابنُ مَهْدي : كُنتُ أَرْمُقُ سُفْيَانَ فِي اللَّيْلَةِ بعدَ اللَّلَةِ ، يَنْهَضُ مَرْعوباً يُنادِي : النَّارِ النَّار ، شَغَلني ذِكرُ النَّارِ عن النَّومِ والشَّهَوَاتِ(٢). وقالَ ابنُ أبي الدُّنيا : حذَّثني عبدُ الصَّمَد بنُ يَزيد ، عن فُضَيلِ ابنِ عِياض قالَ : بَكَى عَليٌّ ابني ، فقُلتُ: بابَيَّ ما يُكِيكَ؟ قالَ: أخافُ ألاَّ تَجْمَعَنا القيامَةُ(٣). وعن عبدِ الصَّمَد بنِ يَزِيد ، سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ: أشْرَفتُ لَيَلَةً على عَليٍّ ، وهو في صَحْن الدَّار، وهو يَقولُ : النَّار ، ومَتَى الخَلاصُ من النَّارِ؟ وقالَ لي : يا أَبَتِ سَلِ الذي وَهَبَتِي لكَ فِي الدُّنيا أنْ يَهَبَي لكَ في الآخِرَة، ثم قالَ: لَمْ يَزَلْ مُنْكَسِرَ القَلبِ حَزِيناً، ثُمَّ بَكَى الفُضَيلُ، ثُمَّ قالَ: كانَ يُسَاعِدُني على الحُزْنِ والبُكَاءِ ، يا ثَمَرَةَ قَلبي ، شَكرَ اللهُ لكَ ما قَدْ عَلِمَه فيكَ (٤) . وقالَ أبو سُلَيمان الدَّاراني: كانَ عَلَيُّ بنُ الفُضَيلِ لا يَستطيعُ أنْ يَقْرِأَ ﴿اَلْفَارِعَةُ﴾(٥) ولا تُقْرأ عليه(٦). ويقولُ صالِح عن الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلَ : وكنتُ أسْمَعُه كَثيراً يقولُ : اللَّهُمَّ سلِّم .(٧) سلِّم(٧) . وقالَ المروذي : كان أبو عبد الله، أحمدُ بنُ حَنْبَلَ ، إذا ذُكِرَ الْمَوْتُ خَنقَتَهُ العَبْرَةُ، وكانَ يَقولُ : الخَوفُ يَمْنَعُني أُكْلَ الطَّعامِ والشَّرابِ ، وإذا ذكرتُ الْمَوْتَ هانَ (١) انظر السير: (سُفْيانَ الثَّوري) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٦. (٢) انظر السير: (سُفْيانَ الثَّوري) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٧٠٠. انظر السير : (عَليُّ بنُ الفُضَيل بن عياض) ٨/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٤/٧٨٠. (٣) انظر السير: ( عَلَيُّ بنُ الفُضَيل بن عياض) ٨/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ١/٧٨١. (٤) (٦) انظر السير: (عَليُّ بنُ الفُضَيل بن عياض) ٤٤٢/٨-٤٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٨١. (٥) سورة القارعة (١ ). (٧) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٥/٩٢٧. ٧٣ عليَّ كلُّ أمْرِ الدُّنيا ، إنَّما هو طَعامٌ دُونَ طَعامٍ، ولِبَاسٌ دُونَ لِبَاسِ ، وإنَّا أَيَامٌ قَلائلُ ، ما أعْدِلُ بالفَقْرِ شَيْئاً ، ولَوْ وَجَدتُ السَّبِيلَ لَخَرَجتُ حتَّى لا يَكون لي ذِكرُ(١). وقالَ الحاكِمُ : سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ حَمْدونَ يَقولُ : رَأيتُ أبا بَكْر الصِّبْغِيَّ غَيرَ مرَّة عَقيبَ الآذانِ يَدعُو ويَبْكي ، ورُبَّما كانَ يَضربُ برأسِه الحائِطَ حتَّى خَشِيتُ يَوماً أنْ يُدْمِيَ رَأْسَه ، وما رَأيتُ في جَماعَةِ مَشايِخِنا أحْسَنَ صَلاةٌ منه، وكانَ لا يَدَعُ أَحَداً يَغْتَابُ في مَجلِسِه(٢) . الصِّدْق ١ - تَعْرِيفُ الصِّدْق : عن النَّهْرَ جُورِيٍّ قالَ : الصِّدقُ مُوافَقَةُ الحَقِّ في السِّرِّ والعَلانِيَة ، وحَقيقَةُ الصِّدْقِ القَولُ بالحَقِّ في مَواطِنِ الهَلِكَةِ(٣) . ٢ - الصّدقُ مَنْجَاة : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ كَعْبٍ بنِ مالِك : ابنُ أبي كعْب ، الأنْصاريُّ ، الخَزْرَجِيُّ ، العَقَبِيُّ الأُحديُّ . شاعِرُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصاحِبُه، وأحَدُ الثَّلاثَة الذين خُلِّقوا ، فَتَابَ اللهُ عليهم . قالَ ابنُ أبي حاتِم : كانَ كعْبٌ من أهْلِ الصُّفَّة، وذَهَبَ بَصَرُهُ في خِلافَةِ مُعاوِيَة(٤) . قالَ عبدُ الرَحْمَانِ بنُ كعْب ، عن أبيه : أنَّه قالَ : يا رَسولَ الله ، قد أنْزَلَ اللهُ في (١) انظر السير: (أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٦/٩٢٩. (٢) انظر السير: (الصِّبْغي) ٤٨٣/١٥-٤٨٨، وانظر النزهة: ٢/١٢٥١. انظر السير: ( النّهْرَ جُوريٍّ) ٢٣٢/١٥ -٢٣٣، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٤. (٣) (٤) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ٤/٢٩٩. ٧٤ الشُّعَراءِ ما أَنْزَلَ قالَ: ((إنَّ الْمُجَاهِدَ، مُجَاهِدٌ بِسَيْفِهِ ولِسَانِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكأنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ» (١) . قالَ ابنُ سِيرِينَ ، أمَّا كعْبٌ، فكانَ يَذْكُرُ الحَربَ ، يَقولُ: فَعلنا ونفعلُ ويتهدّدُهم، وأمَّا حَسَّانُ، فكانَ يَذْكرُ عُيوبَهم، وأيَّامَهم وأمَّا ابنُ رَوَاحَة ، فكانَ يُعَيِّرُهم بالكُفْر(٢) . وقد أسْلَمت دَوْسٌ فَرَقَاً من بيتٍ قالَه كَعْبٌ(٣): قواطعهن دوساً أو ثقيفا نخيرها ولو نطقت لقالت ماتَ كَعْبٌ سَنةَ أرْبَعين (٤). عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ ، عن أبيه : سَمعتُ كعْباً يقولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوةٍ ، حتى كانت تَبُوك إلاَّ بَدْراً، وما أُحِبُ أنِّي شَهِدتُها ، وفاتَثْنِي بَيْعَتي ليلةَ العَقَبَةِ(٥) وقَلَّما أرَادَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غَزْوةً إلاَّ وَرَّى عنها بغيرِها، فَأرَادَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكُ أنْ يَتَأْهَبَ النَّاسُ أُهبةً وكنتُ أَيْسَرَ ما كنتُ ، وأنا في ذلك أَصْغُو(٦) إلى الظِّلالِ وطَيِّبِ الثِّمَارِ ، فَلَمْ أَزَلْ كذلك حتىُ خَرَجَ فَقُلتُ : أَنْطَلِقُ غَداً ، فَأَشْتَرِي جَهَازِي، ثم أَلْحَقُ بِهِم فانْطَلَقْتُ إلى الشُّوقِ، فَعَسُرَ (١) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢-٥٣٠، وانظر النزهة: ٥/٢٩٩. (٢) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠٠. (٣) قوله: ((نُخَيِّرُها)) ، الضَميرُ يعودُ إلى السُّيوفِ في البيتِ الذي قَلَه، وهو : وخيبر ثم أجمعنا السيوفا قضينـا من تهامة كل ريب أي نعطيها الخيرة ، ولو نطقت ، لاختارت أن نحارب دَوْساً أو ثَقيفاً ، وهما من قصيدة أوردها ابنُ هشام في ((السِّيرَة)) (٤٧٩/٢، ٤٨٠) قالها كعْبُ حينَ فَرِغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأجْمَعَ الْمَسيرَ إلى الطّائف . (٤) انظر السير: (كعب بن مالك) ٢/ ٥٢٣- ٥٣٠، وانظر النزهة: ٢/٣٠٠. (٥) في البخاري ومسلم : ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها . (٦) أصغو : أميل . ٧٥ عليَّ، فِرَجَعتُ ، فقُلتُ: أرْجِعُ غَداً فَلَمْ أَزَلْ حتى الْتَبَسَ بي الذنْبُ، وَتَخَلَّيْتُ ، فجعَلتُ أمشِي فِي أَسْواقِ المدِينَةِ، فَيُحْزِنُنِي أَنِّي لا أَرَى إلاَّ مَغْمُوصً (١) عليه في النِّفاقِ، أو ضَعِيفاً وكان جَميعُ مَنْ تَخَلَّفَ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِضْعَةً وثَمَانِينَ رَجُلاً(٢). ولمَّا بَلَغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَبُوك ذَكَرَنِي، وقال: (( ما فَعَلَ كَعْبٌ ؟ )) فقال رجُلٌ من قَوْمِي: خَلَّفَهُ يَا نَبِيَّ اللهِ بُرداهُ ، والنَّظَرُ في عِطْفَيْه، فقال مُعاذٌ: بِئْسَ ما قُلتَ : واللهِ ما نَعْلمُ إلَّ خَيْراً . إلىْ أَنْ قال: فَلَمَّا رَآنِي صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب وقال صلى الله عليه وسلم: ((أَلَمْ تَكن ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ؟)) قُلتُ: بَلَى قال: ((فَمَا خَلَّفَكَ ؟)) قُلتُ: واللهِ لَوْ بَيْنَ يَدَي أَحَدٍ غَيْرِك جَلَسْتُ لخَرَجْتُ من سُخْطِهِ عليَّ بعدُ ، لقد أُوتِيتُ جَدَلاً ، ولكنْ قد عَلِمتُ يا نَبِيَّ الله أنِّي أُخْبِرُكَ اليومَ بقَولٍ تَجِدُ عليَّ فيه وهُوَ حَقٌّ فإِنِّي أَرْجُو فيه عُقْبَى الله . إلى أنْ قالَ: والله ما كُنتُ قَطُّ أَيْسَرَ ولا أَخَفَّ حاذاً(٣) مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((أمَّا هـذا فَقَدْ صَدَقَكم، قُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ)) فَقُمتُ . إلى أن قال : ونَهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ(٤) فجعلتُ أخرجُ إلى السوق ، فلا يُكلِّمني أحدٌ، وتَنَكَّرَ لنا الناسُ ، حتى ما هُم بالذين نعرفُ، وتَنَكَّرَت لنا الحيطانُ والأرضُ، وكنتُ أطوفُ وآتي المسْجدَ ، فأدخلُ (١) أي مطعوناً عليه في دينه، متهماً بالنفاق، وقيل: معناه مستحقراً، فتقول غمصتُ فلاناً إذا استحقرته . (٢) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢ -٥٣٠، وانظر النزهة: ٣/٣٠٠. (٣) الحاذ : الحال . (٤) أيّها الثلاثةُ: مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص ، أي : مختصين بذلك دون بقية الناس . ٧٦ وآتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسَلِّمُ عليه، فأقولُ هل حَرَّكَ شَفَتَه بالسلام !! ؟(١). واسْتَكانَ صاحِبَايَ(٢)، فَجَعَلا يَبكيانِ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يُطْلِعانِ رُؤُوسَهما! فبَيْنا أنا أُطُوفُ بالسُّوقِ إذا بنَصْرانيٍّ جاءَ بطَعامٍ ، يَقولُ : مَنْ يَدلُّ علىَ كَعْب؟ فدَلُوهُ عَليَّ!، فأَتَانِي بصَحِيفَةٍ من مَلِكِ غَسَّانَ ، فإذا فيها : أمَّا بَعدُ فإنَّه بَلغَني أنَّ صاحِبَك قد جَفَاكَ ، وأقْصَاكَ ، ولَسْتَ بِدَارِ مَضْيَعَة ولا هَوَانٍ ، فالْحَقْ بنا نُواسِكْ فسَجَّرتُ لها التَُّّورَ وأحْرَقتُها . إلى أنْ قالَ : إذْ سَمعتُ نداءً من ذِرْوَة سَلْع(٣): أَبْشِرْ يا كعْبُ بنُ مالِك فخَرَرْتُ ساجِداً ، ثم جاءَ رجلٌ علىُ فَرَس يُبَشِّرُنِي ، فَكَانَ الصَّوتُ أسْرَعَ من فَرسِه ، فَأَعْطَيْتُه ثَوْبَيَّ بِشَارَةً ، ولَبِستُ غَيرَهُما . ونَزَلَتْ تَوبَتُنا على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُلثَ اللَّيلِ، فقالَت أمُ سَلمَة: يا نَبِيَّ الله، ألا نُبَشِّرُ كعْباً؟ قالَ: ((إذاً يَحْطِمُكُمُ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ » قالَ: فانْطَلقتُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو جالِسٌ في المسجِدِ ، وحولَه المسلمونَ، وهو يَسْتَنِيرُ كاسْتِنَارَةِ القَمَرِ، فقالَ: «أَبْشِرْ يَا كعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَّى عَلَيْكَ ))، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ الآية(٤). وفينا نَزَلت أيْضاً: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ﴾(٥). فقُلتُ: يانبيَّ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتي ألَّ أُحَدِّثَ إلاَّ صِدْقاً، وأنْ أنْخَلِعَ من مَالي كُلِّه صَدَقَةً، فقالَ صلى الله عليه وسلم : ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) الحديث(٦) . (١) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ٤/٣٠٠. (٢) وهما : مِرارَةُ بنُ الرَّبيع العمريّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيّ. (٣) سلع : جبل بالمدينة. سورة التوبة ، الآية : ١١٧ . (٤) (٥) سورة التوبة ، الآية : ١١٩ . (٦) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠١. ٧٧ وفي لَفِظٍ ، فقَامَ إليَّ طَلِحَةُ يُهَرْوِلُ، حتَّى صافَحَني وهَنَّأْنِي، فكانَ لا يَنْسَاها لِطَلْحَةِ(١). وقالَ الأصْمَعِيُّ : أتَى رَجلٌ الحَجَّاجَ فقالَ: إِنَّ رِبْعِيَّ بنَ حِرَاش زَعَمُوا لا يَكذِبُ ، وقدْ قدمَ وَلَدَاهُ عاصِيَيْن قالَ: فَبَعثَ إليه الحَجَّاجُ فقالَ: ما فَعَلَ ابْناكَ ؟ قالَ : هُما في البَيتِ والله الْمُسْتَعانُ فقالَ له الحَجَّاجُ بنُ يُوسُف: هُما لكَ وأعْجَبَهُ صِدْقُه(٢). ٣- مِنْ صِفَاتِ الصَّادِقِ : عن يُوسُفَ بنِ أسْباط قالَ : للصَّادِقِ ثلاثُ خِصالٍ : الحَلاوَةُ، والْمَلَاحَةُ، والْمَهَابَة . وعنه : خُلقَتِ القُلوبُ مَساكِنَ الذِّكْرِ، فصارَت مَساكِنَ للشَّهَواتِ لا يَمحُو الشَّهَوَاتِ إِلاَّ خَوفٌ مُزْعِجْ ، أو شَوقٌ مُقْلِقْ، الزُّهدُ في الرِّئَاسَة أشَدُّ منه في الدُّنيا(٣). ٤- الصِّدْقُ زِينَة : قالَ عبدُ الصَّمَد بنُ يَزِيد مَرْدَوَيْهِ : سَمعتُ الفُضَيلَ يَقولُ: لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِشَيءٍ أفْضَلَ من الصِّدْقِ، وطَلَبِ الحَلالِ فقالَ ابنُهُ عَلَيٍّ: يا أبَتِ إنَّ الحَلالَ عَزِيزٌ قالَ : يا بَيَّ، وإنَّ قَليلَه عندَ الله كَثِيرٌ(٤). ٥- التَّخَلُّصُ الحَسَنُ صِدْقٌ : قالَ أبو القاسِم بنُ عَسَاكر : قَرأتُ في كتابٍ أبي الحُسَين الرَّازي - يَعْني والِدَ تَمَّام - قالَ : سَمعتُ جَماعَةً قالوا : لَمَّ اتَّصلَ الخَبرُ بأبي أحمَد الوَائِقِ، أنَّ أحمَدَ بنَ طُولُونَ قد خَلعَه بدِمَشْقَ، أمَرَ بلَعنِ أحمَدَ بنِ طُولُونَ على الْمَنابِرِ ، فَلَمَّا بلغَ أحمَدَ ، أمَرَ بلَعْنِ (١) انظر السير: (كعب بن مالك) ٥٢٣/٢- ٥٣٠، وانظر النزهة: ١/٣٠٢. (٢) انظر السير: (ربْعِيُّ بن حِرَاش) ٣٥٩/٤ -٣٦٢، وانظر النزهة: ٤/٥١٠. (٣) انظر السير: ( يُوسُف بن أسْباط) ١٦٩/٩ -١٧١، وانظر النزهة: ٥/٨١٤. (٤) انظر السير: (الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٤/٧٧٣. ٧٨ الْمُوَفَّق على الْمَنابِرِ بِمِصْرَ والشَّامِ ، كانَ أبو زُرْعَة محمَّدُ بنُ عُثْمانَ القَاضِي مِمَّنْ خَلَعَ الْمُوَفَّقَ - يَعني من وِلايَةِ العَهْد - وَلَعنَه، ووَقَفَ عند الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ، ولَعنَه، وقالَ : نَحنُ أهلُ الشَّامِ ، نَحنُ أهْلُ صِفِينَ ، وقد كانَ فينا مَنْ حَضَرَ الجَملَ ، ونَحنُ القائمُونَ بمَنْ عانَدَ أهْلَ الشَّامِ ، وأنا أُشْهِدُكُم أنِّي قد خَلعتُ أبا أحمَقَ - يَعني أبا أحمَدَ - كمَا يُخلَعُ الخَاتم من الإضَّبَعِ، فالْعَنوه لَعنَه الله (١). قالَ الرَّازيُّ: وحدَّثني إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ صالِحِ، قالَ: لَمَّا رَجَعَ أحمَدُ بنُ الْمُوَفَّق من مَوقِعَةِ الطَّوَاحينَ إلىْ دِمَشْقَ، من مُحارَبَة خُمَارَوَيه ابنٍ أحمَدَ بنِ طُولُونَ - يَعني بَعدَ مَوتِ أبيه أحمَدَ ، وذلكَ في سَنةِ إحْدَى وسَبعينَ - قالَ لأبي عبدِ الله الوَاسِطَيّ: انْظُر ما انْتُهى إليكَ مِمَّنْ كانَ يَبِغَضُنا فليُحْمَل فحُملَ يَزِيدُ بنُ عبدِ الصَّمَد ، وأبو زُرْعَة الدِّمَشقيّ، والقاضي أبو زُرْعَة بنُ عُثْمانَ، حتَّى صارُوا بهم مُقَيِّدِينَ إلى أَنْطَاكِيَة، فَبَينا أحمَدُ بنُ أبي الْمُوَفَّق - وهو الْمُعْتَضِدُ - يَسيرُ يَوماً ، إذ بَصُرَ بِمَحامِلِ هَؤلاء ، فقالَ لِلوَاسِطَيِّ: مَنْ هَؤلاءِ؟ قالَ : أَهْلُ دِمَشْقَ قالَ : وفي الأحْياءِ هُم ؟! إذا نزلتُ فاذكرني بهم . قالَ ابنُ صالح: فحدَّثنا أبو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ ، قالَ : فلمَّا نَزَلَ ، أُحْضِرْنا بعدَ أنْ فُكَّت القُيُودُ، وأُوَقِفْنا مَذْعُورينَ، فقالَ: أَيُّكُم القائلُ: قد نَزَعتُ أبا أحْمَقَ ؟ قالَ : فرَبَت ألسنتنا حتى خُيِّلَ إلَيْنا أنََّا مَقْتولُونَ، فأمَّا أنا: فَأُبْلِستُ(٢) وأمَّا ابنُ عبدِ الصَّمَد: فخَرِسَ، وكانَ تَمْتاماً، وكانَ أبو زُرْعَة القاضي أحْدَثنا سِنَّاً ، فقالَ: أصْلَحَ اللهُ الأميرَ فالْتُفتَ إليه الوَاسِطيُّ، فقالَ: أمْسِكْ حتَّى يَتْكلَّمَ أَكْبَرُ مِنْكَ ثم عَطَفَ عَلينا، وقالَ : مَاذا عِنْدَكم ؟ فقُلنا: أصْلَحَكَ اللهُ هَذا رَجلٌ مُتَكَلِّمٌ يتَكلَّمُ عَنَّا، قالَ : تَكلَّم فقالَ : واللهِ ما فينا هَاشِمِيٌّ ، ولا قُرَشِيٍّ صَحيحٌ ، ولا عَربِيٌّ فَصيحٌ، ولَكنَّا قَومٌ مُلِكْنا حتَّى قُهِرْنا ورَوَى أَحَاديثَ كَثيرَة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في السَّمْعِ والطَّاعَة ، في (١) انظر السير: (أبو زُرْعَة الدِّمَشْقيّ) ٣١١/١٣ -٣١٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٩. (٢) الإبْلاس: الانكسار والحُزن، والمبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل الذي يسكت عن انقطاع حُجَّتِه ولا يكون عنده جَواب : قد أُبْلس . ٧٩ الْمَنْشَطِ والْمَكْرَهِ ، وأحاديثَ فِي العَفْوِ والإِحْسَانِ ، وكانَ هُو الذي تَكلَّمَ بالكَلِمَة التي نُطالَبُ بِخِزْيِها، ثُمَّ قالَ : أصْلَحَ اللهُ الأميرَ، وأُشْهِدُكَ أنَّ نِسْوَانِي طَوَالِقِ ، وعَبيدي أحرارٌ، ومالي حَرامٌ إنْ كانَ في هَؤلاءِ القَومِ أحَدٌ قالَ هذه الكَلمَة، ووَراءَنا عِيالٌ وحُرٌَ ، وقد تَسامَعَ النَّاسُ بهَلاكِنا، وقد قَدَرْتَ، وإنَّما العَفوُ بعدَ الْمَقْدِرَةِ فقالَ للوَاسِطيِّ: يا أبا عبدِ الله! أطْلِقْهُم، لا كَثَّر اللهُ فِي النَّاسِ مثلَهم فأطْلَقَنَا، فاشْتَغلتُ أنا ويَزِيدُ بنُ عبد الصَّمَد عندَ عُثمانَ بنِ خُرَّزَاذ في نُزَهِ أنْطاكيَة وطِيبِها وحَمَّاماتِها ، وسَبقَ أبو زُرْعَة القاضي إلى حِمْصَ . ماتَ أبو زرعة النَّصْرِيُّ سَنةَ إِحْدَىُ وثَمانينَ ومِئْتَين (١). وقالَ الحافِظُ عبدُ الغَني: لَمَّا تَلَقَّى أبو الطَّاهِرِ الذُّهْلِيُّ الْمُعِزَّ أبا تَميم بالإِسْكَندَرِيَّة سألَه الْمُعِزُّ ، فقالَ: يا قاضي، كَمْ رَأْيتَ من خَليفَة ؟ قالَ: واحدٌ : قالَ : مَنْ هُوَ ؟ قالَ : أَنْتَ، والبَاقُونَ مُلوك، فأعْجَبَه ذلك، ثم قالَ له : أحَجَجْتَ؟ قالَ : نَعَم ، قالَ : وسَلَّمْتَ على الشَّيْخَينِ؟ قالَ: شَغَلني عَنهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كمَا شَغْلَني أميرُ المؤمنينَ عَنْ وَلِيٍّ عَهدِهِ ، فازْدَادَ به الْمُعِزُّ إِعْجاباً ، وتَخْلَّصَ من وَلِيٍّ العَهْدِ إِذْ لَمْ يُسلِّمْ عليه بحضْرَةِ الْمُعِزِّ فأجازَه يَومَئذٍ بِعَشْرَةِ آلافِ دِرْهَم . ولَمْ يَزِلْ أمْرُهُ مُستقيماً إلى أنْ لَحِقَتْهُ علَّةِ عَطَّلت شِقَّه في سَنةِ سِتٍّ وسِتِّينَ وَثَلاثٍ مئة، فقلَّدَ العَزيزُ صاحِبُ مِصْرَ القَضاءَ حينئذْ عَلَيَّ بنَ النُّعْمان . ماتَ سَنةَ سَبعٍ وسِتِينَ وثَلاثٍ مِئة(٢). وقامَ إلى ابنِ الجَوْزيِّ رَجلٌ بَغيضٌ ، فقالَ : يَاسَيِّدي : نُرِيدُ كَلمَةً نَنْقُلُها عَنكَ ، أيّهما أفْضَلُ أبو بَكر أو عَليّ ؟ فقالَ: اجْلِسْ، فجَلسَ ، ثم قامَ ، فأعادَ مَقالَه ، فأقْعَدَه ، ثم قامَ ، فقالَ: اقْعُد، فأنْتَ أفْضَلُ(٣). مِنْ كُلِّ أحَدٍ(٤). انظر السير: ( أبوٍ زُرْعَة الدِّمَشْقيّ) ٣١١/١٣ -٣١٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٨٩. (٢) انظر السير: (الذّهْليُّ) ٢٠٤/١٦-٢١٠، وانظر النزهة: ٣/١٢٨٨. (٣) يعني من الفُضول .. (٤) انظر السير: ( أبو الفَرَج بن الجَوْزي) ٣٦٥/٢١ -٣٨٤، وانظر النزهة: ١/١٦٣٤. ٨٠ =