Indexed OCR Text
Pages 541-560
وعن ثابتٍ مَوْلَى سُفيانَ قال: سمعتُ مُعاويَةَ وهو يَقولُ : إِنِّي لَستُ بخَيرِكُم ، وإنَّ فيكُم مَنْ هو خَيرٌ مِنِّي : ابنُ عُمَرَ ، وعَبدُ اللهِ بنُ عَمْرو وغَيرُهما ولَكِنِّي عَسيتُ أنْ أَكُونَ أنْكاكُمْ فِي عَدوَّكُمْ، وأنْعَمَكُم لكُم وِلايَةً وأحْسَنَكُمْ خُلُقاً(١) . ٧- عَدَمُ الأَنَفَة من مَسْؤولٍ صَغير السِّن : جاءَ في تَرجَمَةِ أبي أَيُّوبَ الأنْصاريِّ رضي الله عنه، عن أيُّوبَ، عن مُحمَّدٍ قال : شَهِدَ أبو أَيُّوبَ بَدْراً، ثم لَمْ يَتَخَلَّفْ عن غَزَاةٍ إلاَّ عاماً ، اسْتُعمِلَ على الجَيشِ شَابٌ ، فَقَعَدَ، ثم جَعَلَ يَتَلَّهَفُ، ويقولُ: ما عليَّ مَنْ اسْتُعمِلَ عليَّ فمَرِضَ ، وعلى الجَيشِ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة ، فأتاه يَعُودُه، فقال : حاجَتُكَ ؟ قال : نَعَم إذا أنا مِثُّ ، فارگَبْ بِي ، ثم تَبَّغْ (٢) في أرضِ العَدُوِّ ما وَجَدتَ مَسَاغاً، فإذا لَمْ تَجِدْ مَسَاغاً، فَادْفِنِّي ، ثم ارجع . فلمَّا ماتَ رَكبَ به، ثمَّ سارَ به، ثم دَفَنَه، وكان يقولُ: قالَ الله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(٣) لا أجدُني إلاَّ خَفيفاً أو ثَقِيلاً . قالَ الواقِدِيُّ: تُوفِّيَ عامَ غَزا يَزِيدُ في خِلافَةٍ أبيه القُسْطَنْطِينِيَّةَ، فلقد بلَغَني : أنَّ الرُّومَ يَتعاهَدونَ قَبْرَه، ويَرُمُّونَه، ويَسْتَقونَ به ، وذَكرَه عُرْوَةُ والجَماعَةُ في البَدْرِيِّين . وقال ابنُ إسْحاقَ : شَهِدَ العَقَبَةَ الثّانية . وقالَ الخَطيبُ : شَهِدَ حَربَ الخَوارِجِ مع عَليّ(٤). (١) انظر السير: ( مُعاويّة بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٣٥٤. (٢) قوله : ( ثم تَبيّغ ) كذا الأصل، وقد أثبت فوق الكلمة ( صح)، يُقال: تَبَيّغ به الدم ، أي: تردّد فيه الدم، وتَبَيّغ الماء إذا تردّد فتحيّر في مجراه مرةً كذا، ومرةً كذا، وفي ((الطبقات))، و((النهاية))، و(( أسد الغابة))، و((تهذيب)) ابن عساكر، ( ثم = سغ)، وفسّره ابن الأثير فقال: أي ادخل فيها ما وجدت مدخلاً ، وساغت به الأرض ، أي : ساخت ، وساغ الشراب في الحلق يسوغ ، أي : دخل سهلاً . (٣) سورة التوبة، الآية : ٤١ . (٤) انظر السير: ( أبو أيوب الأنصاريّ) ٤٠٢/٢-٤١٣، وانظر النزهة: ٧/٢٨٢. ٥٤١ وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرجَمَةِ أُسَامَةَ بنِ زَيْد : حِبُّ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومَوْلاهُ ، وابنُ مَوْلاهُ ، أبو زَيْد . اسْتَعْمَلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم علىُ جَيشٍ لِغَزْوِ الشَّام ، وفي الجَيْشِ عُمَرُ والكِبَارُ ، فَلَمْ يَسِرْ حتى تُوفِّيَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فبادَر الصِّديقُ بَبَعْثِهِم ، فأغاروا على أُبنىُ ، من ناحيةِ البَلْقاء . وقِيلَ : إِنَّه شَهِدَ يَومَ مُؤْتَة مع والدِهِ وقد سَكنَ الْمِزَّةَ مُدَّة ، ثم رَجعَ إلى الْمَدينَةِ فماتَ بها(١) . وقال ابنُ عُمرَ : أَقَّرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أُسامَةَ ، فطَعَنوا في إمارَتِهِ ، فقال: ((إِنْ يَطْعَنُوا في إمَارَتِهِ ، فَقَدْ طَعَنُوا فِي إِمَارَةٍ أَبِيهِ ، وَايمُ اللهِ إنْ كانَ لَخَلِيقَاً لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وإِنَّ ابْنَهُ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ». قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ : لَمَّا أمَّرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الجَيشِ، كانَ عُمرُه ثَمَانِيَ عَشْرةَ سَنةً(٢) . ٨- الأميرُ العَادِلُ مع رَعيَّ فاسِدَة : جاءَ في تَرجَمَةِ مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيان ، قال الواقِدِيُّ بعدَ أنْ ذَكرَ أمرَ التَّحْكِيمِ بينَ عليٌّ ومُعاويَةَ : فَلَمْ يَقَعَ اتِّفَاقُ ورَجَعَ عَليٍّ إلى الكُوفَةِ بالدَّغَلِ (٣) من أصْحابِهِ والاخْتِلافِ فخَرَجَ منهُم الخَوارِجُ، وأَنْكَرُوا تَحْكِيمَه، وقالوا: لا حُكْمَ إلاَّ له، ورَجَعَ مُعاويَةٌ بالأُلْفَةِ والاجْتِماعِ، وبَايَعَهُ أهْلُ الشَّامِ بالخِلافَةِ في ذي القِعْدَةِ سَنةَ ثَمانٍ وثلاثين . ثمَّ اسْتُشْهِدَ عَلَيٍّ في رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وصَالَحَ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ مُعَاوِيَةَ ، وبَايَعَهُ ، وسُمِّيَ عامَ الجَماعَةِ وحَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةً خَمسينَ . ثُمَّ اعْتَمَرَ سَنَ سِتٍّ وخَمْسِينَ فِي رَجَبَ ، وكان بَيْنَه وبينَ الحُسَيْنِ وابنِ عُمَرَ ، وابنِ انظر السير: (أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢-٥٠٧، وانظر النزهة : ١/٢٩٥. (١) (٢) انظر السير: (أسامة بن زيد) ٤٩٦/٢-٥٠٧، وانظر النزهة: ٣/٢٩٦. (٣) الدغل : الفساد . ٥٤٢ الزُّبَيْرِ ، وابنِ أبِي بَكْرٍ ، كَلامٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيدَ ، ثمَّ قال: إنِّي مُتَكَلِّمٌ بِكَلام ، فلا تَرُدُّوا عَلَيَّ أَقْتُلْكُمْ، فخَطَبَ، وأظْهَرَ أنَّهم قد بَايَعُوا، وسَكَتُوا ولَمْ يُنْكِروا، ورَحَلَ على هذا واذَّعَىْ زِيادٌ أَنَّه أخُوهُ فوَلاَه الكُوفَة بعدَ المُغِيرَة، فَكَتَبَ إليه في حُجْرِ بنِ عَديّ وأصْحابِهِ، وحَمَلَهم إليه فقتَلَهم بمَرْجِ عَذْراء، ثمَّ ضَمَّ الكُوفَة والبَصْرَة إلى زِيادٍ ، فَمَاتَ ، فوَلاهُمَا ابْنَه عُبَيْدَ الله بنَ زِياد(١) . وعن مُحمَّدٍ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفيِّ، سَمِعَ أبا صالِح يقول: شَهِدتُ عَليّاً وَضَعَ الْمُصْحَفَ علىْ رَأسِه ، حتّى سَمِعْتُ تَقَعْقُعَ الوَرَق فقالَ : اللَّهم إنِّي سَألتُهم ما فيه ، فمَنَعوني ، اللَّهم إِنِّي قد مَلَلْتُهم ومَلُّوني، وأبْغَضْتُهُم وأَبْغَضُوني ، وحَملُوني على غَيرِ أخْلاقي ، فَأَبْدِلْهُم بِي شَرّاً مِنِّي، وأنْدِلْنِي بهم خَيراً منهم ، ومِثْ(٢) قُلوبَهم مِئَةَ الْمِلْحِ في المَاءِ (٣). ٩ - اسْتحقاقات خَليفَة المسلمين من بَيَتِ المَال : قالَ عَطاءُ بنُ السَّائب: لَمَّا اسْتُخِلِفَ أبو بَكر أصْبحَ وعلى رَقَبَتِهِ أثْوابٌ يَتَّجِرُ فيها ، فَلَقِيَهُ عُمِرُ وأبو عُبَيْدَة فَكلَّماه فقالَ : فِمِنْ أينَ أُطعِمُ عِيالي ؟ قالا : انْطَلِقْ حتىْ نَفْرِضَ لكَ، قالَ : ففَرَضوا له كلَّ يومٍ شَطْرَ شاةٍ ، وماكَسُوهُ في الرَّأسِ والبَطْنِ ، وقالَ عُمرُ : إليَّ القَضاءُ، وقالَ أبو عُبَيْدَة: إليَّ الفَيْءُ، فقالَ: عُمرُ لَقد كان يأتي عليَّ الشَّهْرُ ما يَخْتَصِمُ إليَّ فیه اثْنانِ . وقالَ مُحمَّدُ بنُ سيرينَ كان أبو بَكر أعْبَرَ هذه الأُمَّة لِرُؤيا بعد النَّبِيِّ صلى الله عليه سلم . وقالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكار عن بَعضِ أشْياخِه ، قالَ : خُطَبَاءُ الصَّحابَة : أبو بكر ، وعَليٌّ(٤) . (١) انظر السير: (مُعاويَة بن أبي سفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ١/٣٥١. (٢) يُقالُ : مِثْتُ الْمِلْحَ في الماء إذا أذَبْتُه . (٣) انظر السير: ( مُعاوية بن أبي سُفيان) ١١٩/٣ -١٦٢، وانظر النزهة: ٢/٣٥٢. (٤) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٤/٢٥. ٥٤٣ قالَ صاحبُ النُّزْهَة : انظُر إلى هؤلاءِ الرِّجالِ، ما أعْظَمَهم ، وما أعْظَمَ ما قعَّدوه من قَواعِدَ للحُكمِ سبقوا بها الغَرْبَ بِقُرونٍ كَثيرة ، يُعطَى خَليفَةُ المسْلمينَ نَصيبه ، ويُجادِلونَ في أمْرِ رأسِ الشَّاةِ وبَطْنِها ، هل يَسْتحِقُّه أم لا؟ إنَّ هَؤلاء همُ السَّادَةُ ، وهم فَخْرُ الأُمَم (١) . وقالَ الأحْنَفُ بنُ قَيْس : سَمعتُ عُمرَ يَقولُ : لا يَحِلُّ لعُمرَ من مالِ اللهِ إلاَّ حُلَّتَينِ : حُلَّةٌ للشِّتَاءِ وحُلَّةٌ للصَّيفِ ، وما حَجَّ به واعْتَمرَ ، وقُوتُ أهْلي كرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش لَيسَ بأغْناهُم ، ثمَّ أنا رجلٌ من المسلِمينَ . وقالَ عُرْوَةُ : حَجَّ عُمرُ بِالنَّاسِ إِمارَتَهُ كُلَّها . وقالَ ابنُ عُمرَ : ما رَأيتُ أحَداً قَطُّ بعدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حينٍ قُبِضَ أجدَّ ولا أجْوَدَ من عُمَر(٢) . وقالَ المَدائنيُّ : ولَمَّا فَتَحَ اللهُ على المسْلمينَ غَنائمَ رُسْتُم، وقَدِمَت علىُ عُمَرَ الفُتوحُ من الشَّامِ والعِراقِ جَمَعَ المسْلمينَ فقالَ : ما يَحِلُّ للوَالي من هذا المالِ ؟ قالوا : أمَّا لخاصَّتِهِ فقُوتُهُ وقُوتُ عِيالِه لا وَكْسَ ولا شَطَط ، وكِسْوَتُهُ وكِسْوَتُهم ، ودَابَتَانِ لجِهادِهِ وحَوائِجِه ، وحَمَالَتِهِ إِلى حَجِّه وعُمْرَتِهِ ، والقَسمُ بالسَّويَّة أن يُعْطي أهلَ البلادِ علىْ قَدرِ بَلائهم ، ويَرُمَّ أمورَ المسْلمينَ ويَتَعاهَدَهم . وفي القَومِ عليٍّ رضي الله عنه سَاكتٌ، فقالَ: ما تَقُولُ يا أبا الحَسَن ؟ فقالَ: ما أصْلَحَكَ وَأَصْلَحَ عِيالَكَ بِالمَعْروفِ(٣). وقِيلَ: إنَّ عُمرَ قَعَدَ علىُ رِزْقِ أبي بكر حتى اشْتَدَّت حاجَتُه، فأرادوا أنْ يَزيدُوه (٤) فأبى عليهم(٤) . (١) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢٥/ هامش (٢). (٢) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٤٧. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٦٥. (٤) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٢/٦٥. ٥٤٤ ١٠ - مُمْتَلَكَات الخَليفَة : عن أبي بكر بنِ حَفْص بنِ عُمَر: إنَّ عائشَةَ تَمثَّلْت لَمّا احْتُضِرَ أبو بكر : إذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِها الصَّدْرُ لَعْمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَن الفَتَى فقالَ: لَيسَ كَذلكَ، ولكنْ قُولِي: ﴿ وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِاَلْقِ﴾(١) ، إنِّي نَحَلتُك حائطاً وإنَّ في نَفْسي منه شيئاً فرُدِّيه على المِيراثِ، قالَتْ : نَعَمْ، قالَ: أمَا إنَّا مُنذُ وَلينا أمرَ المسلمينَ لَمْ نَأَكُل لَهم ديناراً ولا دِرْهَماً، ولَكنَّا أكَلْنا من جَرِيشِ(٢) طَعامِهِم في بُطُونِنا، ولَبِسْنا مِنْ خَشنٍ ثَيَابهم على ظُهُورِنا ، ولَيسَ عِندنا من فَيْءِ المسْلمينَ شَيءٌ إلاَّ هذا العَبدُ الحَبَشِيُّ وهذا البَعيرُ النَّاضِحُ، وجرد هذه القَطيفَةِ(٣)، فإذا مِثُّ فَابْعَثْي بِهِنَّ إِلىَ عُمرَ ، ففعَلتْ(٤). وقال القاسمُ ، عن عائشَةَ : إنَّ أبا بكر حين حَضرَه الموتُ قال : إنِّي لا أعْلمُ عندَ آلِ أبي بكر غيرَ هذه اللقحَة وغيرَ هذا الغُلامِ الصَّيقل، كان يَعملُ سُيوفَ المسلمين ويَخْدمُنا ، فإذا مِثُ فَادْفَعيه إلى عُمَرَ ، فلمَّا دفَعْتُه إلى عُمَر، قال عُمَرُ : رَحِمَ اللهُ أبا بَكر لقَد أتْعَبَ مَنْ بَعدَه . وقال الزُّهريُّ: أوْصَىُ أبو بَكر أنْ تُغَسِّلَه امْرأْتُه أسْماءَ بنتُ عُمَيْس ، فإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ اسْتعانَت بابنِه عبد الرّحمَن(٥) . ١١ - الشُّورَىُ : جاءَ في تَرجَمَةِ أبي بكر رضي الله عنه، قالَ الوَاقِدِيُّ: إنَّ أبا بكر لَمَّا ثَقُلَ عليه دَعا عبدَ الرحمَن بنَ عَوْف فقالَ : أخْبِرْني عن عُمَرَ ، فقالَ : ما تَسْألُني عن أمْرٍ إلاَّ وأنَتَ أعْلَمُ به مِنِّي، قالَ: وإنْ، فقالَ: هو والله أفْضَلُ مِنْ رَأيك فيه ، ثمَّ دَعا عُثْمَانَ فسَأَلَه (١) سورة ق ، الآية : ١٩. (٢) أي : خَشن طعامهم . (٣) أي : التي انجرد حملها وخلقت . انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق )، وانظر النزهة : ١/٢٧ . (٤) (٥) انظر السير: (أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ١/٢٨. ٥٤٥ عن عُمَرَ ، فقالَ: عِلْمي فيه أنَّ سَرِيرَتَه خَيرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ ، وأنَّه لَيسَ فينا مِثْلُه ، فقالَ : يَرْحَمُكَ اللهُ، واللهِ لَوْ تَرَكْتُه ما عَدَوْتُك، وشَاوَرَ مَعَهما سَعيدَ ابنَ زَيْد، وأُسَيْدَ بنَ حُضَيْرِ ، وغَيرَهما فقالَ قائلٌ : ما تَقُولُ لِرَبِّكَ إذا سَأَلَكَ عن اسْتِخْلافِكَ عُمرَ ، وقد تَرَى غِلْظَتَه؟ فقالَ : أجْلِسوني ، أبالله تُخوِّفوني؟! أقولُ: اسْتَخْلَفتُ عليهم خَيْرَ أهلِك . ثُمَّ دَعا عُثْمانَ فقالَ : اكتُبْ : بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما عَهِدَ أبو بكر بنُ أبي قُحافَة في آخِرِ عَهْدِهِ بالدُّنيا خارجاً منها ، وعندَ أوَّلِ عَهْدِه بالآخِرَةِ داخِلاً فيها ، حيثُ يُؤْمِنُ الكافِرُ، ويُوقِنُ الفاجِرُ، ويُصَدِّقُ الكاذِبُ ، إنِّي اسْتَخْلَفَتُ عَليكُم من بَعْدِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ، فاسْتَمِعوا له وأطيعُوا ، وإنِّي لَمْ آلُ(١) اللهَ ورَسُولَه ودينَه ونَفْسي وإِيَّاكُمْ خَيراً، فإنْ عَدَلَ فذلكَ ظَنِّي به وعِلْمي فيه ، وإنْ بَدَّلَ فِلُكِلِّ امْرىءٍ ما اكْتَسَبَ ، والخَيرَ أرَدْتُ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ﴾(٢)، (٣). وقالَ مَعْدَانُ بنُ أبي طَلْحَة الْيَعْمُريّ: خَطَبَ عُمَرُ يَومَ الجُمُعَة وَذَكَرَ نَبيَّ اللهِ وأبا بكر ثم قالَ : رأيتُ كأنَّ دِيكاَ نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَينِ، وإنِّي والله لا أراه إلاَّ حُضورُ أجَلي ، وإنَّ قَوْماً يأمُروني أنْ أسْتَخْلِفَ، وإِنَّ الله لَمْ يَكِنْ لِيُضيعَ دينَه ولا خِلافَتَه فإنْ عَجَّل بي أمرٌ فالخِلافَة شُورَى بين هؤلاء السِّنَّة الذين تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ . وقالَ الزُّهْرِيُّ : كانَ عُمَرُ لا يأذَنُ لسَبي قد احْتَلِمَ في دُخولِ المَدينَة حتى كتبَ المُغيرَةُ بنُ شُعْبَة، وهو على الكُوفَة، يَذْكُرُ غُلاماً عندَه صَنِعاً(٤)، ويَستأذنُهُ أن يَدخُلَ المدينَة ويقولُ : إنَّ عنده أعْمالاً كثيرة فيها منافعُ للنَّاسِ: إنَّه حدَّادٌ ، نَقَّاشٌ، نَجَّارٌ ، فأذِنَ له أن يُرسلَ به ، وضرَبَ عليه المُغيرَةُ مائة دِرْهَم في الشَّهرِ، فجاء إلى عُمَرَ (١) لم أُقَصِّر . سورة الشُّعَراء ، الآية : ٢٢٧ . (٢) (٣) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ٥/٢٦ . (٤) صَنِعاً : حاذق. ٥٤٦ يَشْتَكِي شِدَّةَ الخَراجِ ، قالَ : ما خَراجُك بكثير ، فانْصَرَفَ ساخِطاً يَتَذَمَّرُ ، فَلَبِثَ عُمَرُ لَيَالِيَ ثم دَعاه فقالَ: أَلَمْ أُخْبَر أنَّك تقولُ: لَوْ شاءَ لَصَنَعْتُ رَحِىّ تَطَحَنُ بِالرِّيحِ ؟ فالْتَفَتَ إلى عُمَرَ عابِساً وقالَ: لِأَصْنَعَنَّ لك رَحَى يَتحدَّثُ النَّاسُ بها، فلمَّا وَلَّى قَالَ عُمَرُ لأصْحابِهِ : أوْعَدَني العَبْدُ آنِفاً ، ثم اشْتَمَلَ أبو لُؤْلُؤة علىُ خِنْجَر ذي رأسَين نِصابُه فِي وَسَطه ، فكَمنَ في زاوية من زوايا المَسْجِد في الغَلَسِ . وقالَ عَمْرو بنُ مَيْمون الأودي : إنَّ أبا لُؤْلُؤةَ عبدَ المُغيرَة طَعَنَ عُمَرَ بِخِنْجَر له رأسان، وطَعَنَ معه اثنَي عَشرَ رَجُلاً ، ماتَ منهم سِتَّةٌ فألْقَى عليه رجلٌ من أهْلِ العِراقِ ثَوْباً ، فلمَّا اغْتمَّ فيه قَتْلَ نَفَسَه . وقالَ عامِرُ بنُ عبد الله بنِ الزُّبَيْر، عن أبيه قالَ : جِئتُ من الشُّوقِ وعُمَرُ يَتَوَكَأُ عليَّ، فمرَّ بنا أبو لُؤْلُؤْة، فَنَظَرَ إلىْ عُمَرَ نَظْرَةَ ظَنَنْتُ أَنَّه لَوْلا مَكانِ لبَطَشَ به ، فجئتُ بعد ذلك إلى المَسْجدِ الفَجْرَ فإِنِّي لَبِينَ النَّائمِ والْيَقْظانِ ، إذْ سَمعتُ عُمرَ يَقولُ : قَتْلَنِي الكَلبُ ، فماجَ النَّاسُ ساعَةً، ثم إذا قِراءَةُ عبد الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ . وعن أبي رافع: كانَ أبو لُؤْلُؤةَ عَبداً للمُغيرَة يَصْنَعُ الأرْحاءَ ، وكان الْمُغيرَةُ يَسْتِغِلُه كلَّ يَومٍ أَرْبَعَةَ دَراهِم ، فَلَقِيَ عُمَرَ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ الْمُغيرَةَ قد أَثْقَلَ عليّ فَكَلِّمْه، فقالَ: أحْسِنْ إلى مَوْلاكَ، ومن نِيَّةِ عُمَرَ أنْ يُكلِّمَ الْمُغيرَةَ فيه ، فَغَضبَ وقالَ : يَسَعُ النَّاسَ كُلَّهِم عَدْلُهُ غَيري، وأَضْمَرَ قَتْلَه، واتَّخَذَ خِنْجَراً وشحذه وسمه ، وكان عُمَرُ يَقُولُ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُم)) قَبْلَ أنْ يُكَبِّرَ، فجَاءَ فقامَ حِذاءَه في الصَّفِّ وضَربَه في كَتِفِه وفي خاصِرَتِه ، فسَقَطَ عُمَرُ، وطَعَنَ ثَلاثَةُ عَشَرَ رَجُلاً معه ، فماتَ منهم سِنَّةٌ، وحُملَ عُمَرُ إلى أهْلِه وكادَت الشَّمسُ أنْ تَطلُعَ، فصَلَّى ابنُ عَوْفٍ بِالنَّاسِ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْن ، وأُتِيَ عُمَرُ بنَبِيذٍ فشَربَه فخَرَجَ من جُرْحِهِ فَلَمْ يُتَبِيَّن ، فسَقَوْه ◌َبَناً فخَرِجَ من جُرْحِه فقالُوا: لا بَأسَ عَليكَ ، فقالَ : إِنْ يَكُنْ بالقَتلِ بأسٌ فقد قُتلتُ ، فَجَعلَ النَّاسُ يُثنونَ عليه ويَقولُون: كُنتَ وكُنتَ ، فقالَ: أمَا والله ودِدْتُ أَنِّي خَرجْتُ منها كِفافاً لا عَلَيَّ ولا لِي، وأنَّ صُحبَة رَسُولِ الله سَلِمَت لي(١) . (١) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٥٣. ٥٤٧ وقالَ سالمُ بنُ عبد الله ، عن أبيه قالَ: دَخلَ علىْ عُمَرَ عُثمانُ ، وعَلَيٍّ ، والزُّبَيرُ ، وابنُ عَوْف ، وسَعْدٌ - وكان طَلْحَةُ غائباً - فنَظَرَ إليهم ثم قالَ: إِنِّي قد نَظرتُ لكم في أمْرِ النَّاسِ فلمْ أجدْ عند النَّاسِ شِقاقاً إلاَّ أنْ يَكونَ فيكم ، ثم قالَ: إِنَّ قَومَكم إمَّا يُؤمِّروا أحدَكم أيُّها الثلاثَة ، فإن كُنتَ على شيء من أمر النَّاس يا عُثمانُ فلا تَحْمِلَنَّ بَني مُعَيْط علىْ رِقابِ النَّاسِ ، وإِنْ كُنْتَ على شيء من أمرِ النَّاس يا عَلَيُّ فلا تَحْمِلَنَّ أقَارِبَك على رِقابِ النَّاسِ قوموا فتَشاوَروا وأمِّروا أحَدَكم، فقاموا يَتَشاوَرون(١). قالَ ابنُ عُمَر : فدَعاني عُثْمانُ مرَّةً أو مرَّتَين ليُدخِلَني في الأَمْر ، ولم يُسمِّنِي عُمَرُ ، ولا والله ما أُحبُّ أنّي كُنتُ معهم علماً منه بأنَّه سَيكونُ مِنْ أمْرِهِم ما قَالَ أبي ، والله لقَلَّما سَمعتُه حَوَّلَ شَفَتَيْهِ بِشَيءٍ قَطُّ إلاَّ كان حقّاً ، فلمَّا أكْثرَ عُثمانُ دُعائي قُلتُ : ألا تَعْقِلونَ! تُؤمِّرونَ وأميرُ المؤمنين حَيٍّ! فوالله لكأنَّما أيقظتُهم، فقالَ عُمَرُ: أمْهِلوا فإنْ حَدَثَ بِي حَدثٌ فليُصَلِّ للنَّاسِ صُهَيبٌ ثلاثاً ثم اجْمَعوا في اليَومِ الثَّالثِ أشْرافَ النَّاس وأُمَراءَ الأجْنادِ فأمِّروا أحَدَكم ، فمَنْ تَأمَّرَ من غَيرِ مَشورَةٍ فاضْرِبواَ عُنْقَه(٢) . عن السَّائبِ بنِ الأفْرع قال: زَحفَ للمسلين زَحْفٌ لم يُرَ مثلُه قطّ ، رَجفَ له أهلُ ماهَ وأهلُ أصْبَهان ، وأهلُ هَمَذان والريّ وقومس ونَهاوَنْدَ وأذَرْبِيجانَ ، قال : فبَلغَ ذلك عُمَرُ فشاوَرَ المسلمين ، فقال عليٍّ رضي الله عنه: أنت أفْضَلُنا رأياً وأعلَمُنا بأهلك فقال : لأسْتَعملَنَّ على النَّاسِ رجلاً يكون لأول أسِنَّة يلقاها ، يا سائبُ اذهبْ بكتابي هذا إلى النُّعْمان بن مُقَرِّن ، فليَسِرْ بثلثي أهل الكُوفَة ، وليَبْعَث إلى أهل البَصْرَة، وأنت على ما أصابوا من غَنِيمَة ، فإنْ قُتِلِ النُّعمانُ فحُذَيْفَةُ الأميرُ ، فإن قُتِلَ حُذَيْفَةُ فجَرِيرُ بنُ عبد الله ، فإن قُتِلَ ذلك الجَيشُ فلا أراك(٣). ورَوَى عَلْقَمَةُ بنُ عبد الله المُزنيّ، عن مَعْقلِ بنِ يَسَارٍ : أَنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الهُرْمُزَانَ فِي أصْبَهانَ وفارِسَ وأذْرَبيجانَ بأيّتهن يبدأ ، فقال: يا أميرَ المؤمنين أصْبَهانُ : الرَّأسُ (١) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٥٦. (٢) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٤/٥٦. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة : ١/٧٣. ٥٤٨ وفَارسُ وأَذْرَبيجانُ : الجَنَاحانُ، فإن قُطِعَ أحدُ الجَناحَين مالَ الرَّسُ بالجَناحِ الآخَرِ ، وإنْ قَطَعْتَ الرَّأْسَ وَقَعَ الجَناحَان، فدخلَ عُمَرُ المسجدَ فوجدَ النُّعْمانَ بنَ مُقَرَّن يُصلِّي فسَرَّحَهُ وسرَّحَ معه الزُّبَيرَ بنَ العَوَّام، وحُذَيفَة بنَ اليَمان ، والمُغيرَةَ بنَ شُعْبَة ، وعمرو بنَ مَعْد يَكرب ، والأشْعَثَ بنَ قَيْسَ ، وعبدَ الله بنَ عُمر ، فسارَ حتى أتى نَهاوَنْدَ ، فذَكرَ الحديثَ إلى أنْ قالَ النُّعْمانُ لمَّا التقى الجمعانِ : إنْ قُتلتُ فلا يُلْوي عليَّ أحدٌ ، وإنِّي داعٍ بِدَعْوَةٍ فأمِّنُو(١). وقالَ حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ : أَخْبَرَني المِسْوَرُ أنَّ النَّفَرَ الذين ولَهُم عُمَرُ اجْتَمَعوا فَتَشَاوَروا ، فقالَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْف: لَسْتُ بالذي أُنَافِسُكم هذا الأمْرَ ، ولكنْ إنْ شِئْتُم اخْتَرَتُ لكم منكم ، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن ، قال : لا يَخْلو به رجلٌ ذو رأي فيعدل بعثمانَ أحَداً ، وذكرَ الحَديثَ إلى أن قالَ: فتشهَّدَ وقالَ : أَمَّا بعدُ يا عَلَيُّ فإنِّي قد نَظَرْتُ فِي النَّاسِ فَلَمْ أرَهُم يَعْدِلونَ بعُثْمانَ فلا تَجْعَلنَّ على نَفَسِكَ سَبِيلاً ، ثم أخَذَ بيدِ عُثْمانَ فقالَ : نُبايُعُكَ على سُنَّةِ الله وسُنَّةِ رَسُولِه وسُنَّةِ الخَلْيفَتَين بعدَه، فبايَعَه عبدُ الرَّحْمن بنُ عَوْف وبايَعَه المُهاجِرونَ والأنْصَارُ(٢). ١٢ - طُرُق تَوَّلِّي الحُكم : جاءَ في تَرجَمَةِ أبي بكر رضي الله عنه، قالَ الوَاقِدُّ: إنَّ أبا بكر لَمَّا ثَقُلَ عليه دَعا عبدَ الرحمَن بنَ عَوْف فقالَ : أخْبِرْني عن عُمَرَ ، فقالَ: ما تَسْألُني عن أمْرٍ إلاَّ وأنَتَ أعْلَمُ به منِّي، قالَ: وإِنْ، فقالَ: هو والله أفْضَلُ مِنْ رَأيك فيه ، ثمَّدَعا عُثْمَانَ فسَأَلَه عن عُمَرَ ، فقالَ : عِلْمي فيه أنَّ سَرِيرَتَه خَيرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ ، وأَنَّه لَيسَ فينا مِثْلُه، فقالَ: يَرْحَمُكَ اللهُ، واللهِ لَوْ تَرَكتُه ما عَدَوْتُك، وشَاوَرَ مَعَهما سَعيدَ ابنَ زَيْد، وأُسَيْدَ بنَ حُضَيْرِ، وغَيرَهما فقالَ قائلٌ: ما تَقَولُ لِرَبِّكَ إذا سَأَلَكَ عن اسْتِخْلافِكَ عُمرَ ، وقد تَرَى غِلْظَتَه؟ فقالَ : أجْلِسوني، أبالله تُخوِّفوني ؟! أقولُ: اسْتَخْلَفَتُ عليهم خَيْرَ أهلِك . ثُمَّ دَعا عُثْمانَ فقالَ : اكتُبْ : بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَّحيمِ ، هذا ما عَهِدَ أبو بكر بنُ (١) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ١/٧٤. (٢) انظر السير: ( عُثمان بن عفَّان)، وانظر النزهة: ٨١. ٥٤٩ أبي قُحافَة في آخِرِ عَهْدِهِ بالدُّنيا خارجاً منها ، وعندَ أوَّلِ عَهْدِه بالآخِرَةِ داخِلاً فيها ، حيثُ يُؤْمِنُ الكافِرُ ، ويُوقِنُ الفاحِرُ ، ويُصَدِّقُ الكاذِبُ ، إِنِّي اسْتَخْلَفتُ عَلیگُم من بَعْدي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَاسْتَمِعوا له وأطيعُوا، وإنِّي لَمْ آلُ(١) اللهَ ورَسُولَه ودينَه ونَفْسي وإِيَّكُمْ خَيراً، فإنْ عَدَلَ فذلكَ ظَنِّي به وعِلْمي فيه ، وإنْ بَدَّلَ فِلُكِلِّ امْرىء ما اكْتَسَبَ، والخَيرَ أرَدْتُ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(٢)، (٣). عن ابنِ عبّاسِ ، أنَّ عُمَرَ خَطبَ النَّاسَ فقالَ في خُطبَتِهِ : وقد بَلغَني أنَّ قائلاً يقولُ : (( لَوْ ماتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلاناً)) ، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقولَ : كانت بَيْعَةُ أبي بكر فلتة ، وليس منكم مَنْ تُقُطِعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكر ، وإنَّه كان من خَبَرِنا حين تُوفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم اجْتمعَ الْمُهاجِرونَ، وتَخلَّفَ عَلَيٍّ والزُّبَيرُ فِي بَيْتِ فاطِمَة بِنتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وتَخَلَّفَ الأنْصَارُ في سَقيفَة بَني ساعِدَة ، فقُلتُ : يا أبا بكر انْطَلِقْ بنا إلى إخْوانِنا من الأنْصَارِ ، فَانْطَلَقْنا نَؤْمُّهم ، فَلَقِيَنَا رَجُلانِ صالِحانِ من الأنْصارِ فقالا: لا عَليكم أنْ لا تأتوهم وأبْرِموا أمْرَكم ، فَقُلتُ : والله لَنأتيَّهم ، فأتيناهم في سَقيفة بني ساعِدَة، فإذا هم مُجْتَمِعونَ علىْ رَجُلٍ مُزْمَّل بالثّابِ ، فقُلتُ : مَنْ هذا؟ قالوا سَعْدُ ابنُ عُبادَة مَريضٌ ، فجَلسْنا، وقام خَطيبُهم فأثْنَى على الله بما هو أهله ، ثم قالَ: أمّا بعدُ فَنَحْنُ الأنْصارُ وكَتَيبَةُ الإِيمَان ، وأنْتم مَعْشَرَ الْمُهاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وقد دَفَّت إليكم دافَّةٌ(٤) يُرِيدُونَ أنْ يَخْتَزِلونا(٥) من أصْلِنا ويَحُضُّونَنَا(٦) من الأمْرِ . قالَ عُمَرُ : فلمَّا سَكتَ أرَدتُ أنّ أتكلَّمَ بمَقالَة قد كانت أعْجَبتني بين يديْ أبي بكر ، (١) لم أقَصِّر. (٢) سورة الشُّعَراء ، الآية : ٢٢٧. انظر السير : ( أبو بكر الصدِّيق )، وانظر النزهة : ٥/٢٦. (٣) (٤) الدافّة : القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد. (٥) أي: يقتطعونا. (٦) بمعنى يُخرجونا. ٥٥٠ فقال أبو بكر : علىْ رِسْلك، وكُنتُ أعْرفُ منه الجدَّ، فكَرِهْتُ أنْ أُغْضِبَه، وهو كان خَيْراً مِنِّي وأَوْفَقَ وأَوْقَر ، ثمَّ تَكلَّمَ، فوالله ما تَركَ كلمَةً أعْجَبَتني إلاَّ قالَها وأفْضَلَ منها حتى سَكتَ ، ثمَّ قالَ: أَمَّا بَعدُ، ما ذَكَرتُم من خَيرٍ فهو فيكم مَعْشرَ الأنْصَارِ ، وأنْتم أهْلُه وأفضَلَ منه، ولَنْ تَعرِفَ العَرَبُ هذا الأمْرَ إلاَّ لهذا الحَيِّ من قُرَيش، هم أوْسَطُ العَرَبِ نَسَباً وداراً ، وقد رَضيتُ لكم أحدَ هذين الرَّجُلَين، فبايعوا أيَّهما شئتُم ، وأخذَ بَيَدي ويَدِ أبي عُبَيْدَة بنِ الجَرَّاحِ، قالَ: فما كَرِهْتُ شَيئاً ممَّا قالَه غَيرَها ، وكان والله أنْ أقدَّمَ فَتُضرَبَ عُنُقي لا يُقَرَّبُني ذلك إلى إثمِ أحَبُّ إليَّ من أنْ أَتأمَّرَ على قَومٍ فيهم أبو بكر إلاَّ أنْ تَتَغيَّرَ نَفَسي عندَ الْمَوتِ، فقالَ رَجَلٌ من الأنْصَارِ(١): أنا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ(٢) وعُذَيْقُها الْمُرَجَّبُ(٣) ، منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ مَعْشرَ الْمُهَاجِرِينَ، قالَ: وَكَثُرُ اللَّغطُ وارْتَفَعَت الأصْواتُ حتى خَشِيتُ الاختِلافَ ، فقُلنا: ابْسُطْ يَدَكَ يا أبا بكر، فَبَسَطَ يَدَه فبايَعتُه ، وبايَعَه الْمُهاجِرونَ ، وبايَعَه الأنْصَارُ، ونَزَوا(٤) على سَعْدِ بنِ عُبَادَةِ ، فقالَ قائلٌ : قَتَلتُم سَعْداً فقُلتُ: قَتَلَ اللهُ سَعْداً، قالَ عُمَرُ: فوالله ما وَجَدنا فيما حَضَرْنا أمْراً أَوْفَقَ من مُبايَعَةِ أبي بكر ، خَشينا إنْ نَحنُ فَرَقْنا القَومَ ولمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أنْ يُحْدِثوا بَعدَنا بَعَةً، فإمَّا بايَعْناهُم على ما لا نَرْضَى ، وإمَّا خالَفناهم فيَكونُ فَسادٌ . وعن زِرُّ، عن عبدِ الله قالَ : لَمَّا قُبضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنْصَارُ : مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ فأتاهُم عُمَرُ فقالَ: يا مَعْشرَ الأنْصَارِ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمونَ أنَّ أبا بكر قد أمرَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَؤْمَّ النَّاسَ ؟ قالوا : بَلَى ، قال : فأيُكم تَطِيبُ نَفَسُه أنْ يَتقدَّمَ أبا بكر ؟ - قُلتُ : يَعْني في الصَّلاة - فقالَت الأنْصَارُ : نَعوذُ بالله أنْ نَتَقدَّمَ أبا بكر . (١) هو الحُبابُ بنُ الْمُنذِر الأنصاريّ. الجُذَيل : تصغير جذل ، وهو عود يكون في وسط مبرك الإبل تحتك به وتستريح إليه فيضرب به المثل (٢) في الرجل يُشْتَفى برأيه . (٣) العُذَيق : تصغير عذق، وهو النخلة نفسها، والمرجب: الذي تبنى إلى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ولعزّه على أهله ، فضُربَ به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمُه قومُه. (٤) نزوا : وثبوا عليه ووطئوه . ٥٥١ عن ابن سيرينَ، قالَ أبو بكر لعُمَرَ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبايع لك، فقالَ عُمَرُ: أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي ، فقالَ أبو بكر : أنْتَ أقْوَى مِنِّي ، قالَ: إنَّ قُوَّتي لك مع فَضْلِك . عن أنس أنَّه سَمعَ خُطبَةَ عُمَرَ الآخِرَة قال : حينَ جَلسَ أبو بكر علىُ مِنْبَرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غداً من مُتَوَفَّى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَتَشهَّدَ عُمَرُ ، ثم قالَ : أمَّا بَعدُ، فإِنِّي قُلتُ لكم مَقالَةً ، وإنَّها لَمْ تَكنْ كما قُلتُ، وما وَجَدتُ الْمَقالَةَ التي قُلتُ لكم في كِتابِ الله ولا في عَهْد رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنْ رَجوْتُ أنَّه يَعيشُ حتى يَدِبْرَنا - يَقولُ حتى يَكونَ رَسُولُ اللهِ آخِرَنا - فاخْتَارَ الله لَرَسُولِه ما عنده على الذي عندَكم ، فإنْ يَكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قد ماتَ ، فإنَّ اللهَ قد جعلَ بينَ أظْهُركم كتابَه الذي هَدى به مُحمَّداً ، فاعْتَصِموا به تَهْتَدوا بما هُديَ به مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، ثم ذَكرَ أبا بكر صاحِبَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وثانيَ اثْنَين، وأنَّه أحَقُّ النَّاسِ بأمْرِهم ، فقُوموا فبايعوه ، وكان طائفَةٌ منهم قد بايَعوه قبلَ ذلكَ فِي سَقيقَةِ بَني ساعِدَة ، وكانَت البَيْعَةُ على الْمِنْبَرِ بَيْعَةَ العامَّة . وقد قيلَ : إنَّ عَليَّاً رضي الله عنه تَمادَى عن الْمُبَايَعة مدَّة، فقالَ عُرْوَة : عن عائشةَ قالت : لَمَّا تُوفِّيَت فاطمَةُ بعدَ أبيها بستَّة أشْهُر اجْتمَعَ إلى عليٍّ أهلُ بيتِهِ ، فَبَعَثوا إلى أبي بكر : اثْنِنا، فقالَ عُمَرُ : لا واللهِ لا تَأتيهم، فقالَ أبو بكر : والله لاَتِيَنَّهم ، وما تَخافُ عليَّ منهم! فجاءَهم حتَّى دَخِلَ عَليهم فحَمِدَ اللهَ ثم قالَ : إنِّي قد عَرَفتُ رَأْيُكم ، قد وَجَدتُم على أنْفُسِكُم من هذه الصَّدَقات التي ولّيْتُ عليكم ، ووَالله ما صَنعتُ ذلك إلاَّ أَنِّي لَمْ أكن أريدُ أن أكِلَ شيئا من أمْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كُنتُ أرَى أثَرَه فيه وعَمَلَه إلى غَيري حتَّى أسلُكَ به سَبيلَه وأُنْفِذُهُ فيما جَعَلَه الله ، وواللهِ لأَنْ أصِلَكم أحَبُّ إليَّ من أنْ أصِلَ أهْلَ قَرابَتي لِقَرابَتِكم من رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ولعَظيمٍ حَقِّه ثم تَشَهَّدَ عَليٍّ وقالَ: يا أبا بكر والله ما نَفَسْنا(١) عَليكَ خَيْراً جَعَلَه الله لك أنْ لا تَكونَ به أهْلاً لِمَا أُسْندَ إليكَ، ولكنَّا كُنَّا مِنْ الأمْرِ حَيثُ قد عَلمتَ (١) قالَ صاحبُ النُّزْهَة: معناه حَسَدنا وضَنَنَا ((القاموس المحيط)). ٥٥٢ فَتَفُوتَ به عَلينا ، فوَجَدْنا في أنفُسِنا ، وقد رَأيتُ أنْ أُبايعَ وأدْخُلَ فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ ، وإذا كانت العَشِيَةُ فَصَلِّ بالنَّاسِ الظُّهْرَ، واجْلِسْ على الْمِنْبَرَ حتَّى آتيكَ فَأُبَايِعُك ، فلَمَّا صَلَّى أبو بكر الظُّهْرَ رَكَبَ الْمِنْبَرَ فحَمدَ اللهَ وأثْنَى عَليه، وذَكرَ الذي كانَ من أمْرٍ عليٍّ ، وما دَخلَ فيه من أمْرِ الجَماعَة والبَيْعَة ، وها هو ذا فاسْمَعوا منه ، فقامَ عليٍّ فحَمدَ اللهَ وأثْنَى عليه ، ثم ذَكرَ أبا بكر وفِضْلَه وسِنَّه، وأنَّه أهْلٌ لِمَا ساقَ اللهُ إليه من الخَيْرِ ، ثم قامَ إلى أبي بكر فبايَعَه . أخْرَجْه البُخاريُّ من حَديثِ عَقيل عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَة ، عن عائشَةَ ، وفيه : وكانَ لعَلَيٍّ من النَّاسِ وَجْهٌ حَياةَ فاطمَة ، فَلَمَّا تُوفِّيَت اسْتَنْكَرَ عَليٍّ وُجوهَ النَّاسِ ، فالْتَمَسَ مُصالَحَةَ أبي بكر ومُبَايَعَتَه(١)، (٢). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرَجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: فلَمَّا فُرِغَ من دَفْنِهِ ورَجَعوا اجْتَمعَ هؤلاء الرَّهْطُ ، فقالَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْف: اجْعَلوا أمْرَكُم إلىْ ثَلاثَة منكم ، فقالَ الزُّبَيْرُ : قَد جَعَلتُ أمْري إلىُ عَلَيِّ، وقالَ سَعدُ : قَدْ جَعَلتُ أمْري إلىْ عَبدِ الرَّحْمَان ، وقالَ طَلحَةُ : قَد جَعلتُ أمْري إلىْ عُثْمانَ ، قالَ : فخَلا هؤلاء الثَّلاثَة فقالَ عبدُ الرَّحْمَن : أنا لا أُريدُها فأيُّكما تَبرَّأ من هذا الأمْرِ ونَجْعَله إليه واللهُ عليه والإِسْلامُ لِيَنْظُرِنَّ أَفْضَلَهم في نَفَسِه وليَحْرِ صَنَّ على صَلاحِ الأُمَّة ، قالَ : فسَكتَ الشَّيْخانِ عَليٌّ وعُثْمانُ، فقالَ عبدُ الرَّحْمَن: اجْعَلاه إليَّ، واللهِ لا آلو علىُ أفْضَلِكم ، قالا: نَعَم ، فخَلا بعَليٍّ وقالَ لك من القِدَمِ في الإسْلامِ والقَرابَة ما قد عَلَمْتُ ، والله عليكَ لَئِن أمَّرْتُك لتَعْدِلَنَّ، ولَئِنْ أمَّرتُ عليكَ لَتَسْمَعَنَّ وَتُطِيعَنَّ قالَ : ثم خَلا بالآخَرِ فقالَ له كذلك، فلَمَّا أخذَ ميثاقَهُما بايَعَ عُثْمانَ وبايَعَه عَليُّ(٣). (١) قال الحافظُ بنُ كثير في ((البداية والنهاية)) (٢٨٦/٥): فهذه البيعة التي وقعت من عليٍّ لأبي بكر، بعد وفاة فاطمة ، بَيعة مؤكّدة للصُّلح الذي وقع بينهما ، وهو ثانية للبَيَعَة التي ذكرناها أولاً يومَ السَقِيفَة، كما رواه ابنُ خُزَيمَة ، وصحَّحَه مسلم ، ولمْ يَكنْ عَليٌّ مُجانباً لأبي بكر هذه الستّة الأشهُر ، بلْ كان يُصلِّي وراءَه ويَحضُرُ عندَه للمَشورَة ، ورَكبَ معه إلى ذي القصّة . (٢) انظر السير: ( أبو بكر الصِّديق)، وانظر النزهة: ٢٩ / بيعة أبي بكر. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة: ٢/٥٥. ٥٥٣ وقالَ سالمُ بنُ عبد الله ، عن أبيه قالَ : دَخلَ علىْ عُمَرَ عُثمانُ ، وعَلَيٍّ ، والزُّبَيْرُ ، وابنُ عَوْف ، وسَعْدٌ - وكان طَلْحَةُ غائباً - فَنَظَرَ إليهم ثم قالَ : إنِّي قد نَظرتُ لكم في أمْرِ النَّاسِ فلمْ أجدْ عند النَّاسِ شِقاقاً إلاَّ أنْ يَكونَ فيكم ، ثم قالَ: إنَّ قَومَكم إمَّا يُؤْمِّروا أحدَكم أيُّها الثلاثَة ، فإن كُنتَ على شيء من أمر النَّاس يا عُثمانُ فلا تَحْمِلَنَّ بَني مُعَيْط علىْ رِقَابِ النَّاسِ ، وإنْ كُنْتَ على شيء من أمرِ النَّاس يا عَلَيُّ فلا تَحْمِلَنَّ أقَارِبَك على رِقَابِ النَّاسِ قوموا فتَشاوَروا وأمِّروا أحَدَكم، فقاموا يَتَشاوَرون(١) . قالَ ابنُ عُمَر : فدَعاني عُثْمَانُ مرَّةً أو مرَّتَين ليُدخِلَني في الأمر ، ولم يُسمِّني عُمَرُ، ولا والله ما أُحبُّ أنِّي كُنتُ معهم علماً منه بأنَّه سَيكونُ مِنْ أَمْرِهِم ما قَالَ أبي، والله لقَلَّمَا سَمعتُه حَوَّلَ شَفَتيه بِشَيءٍ قَطُّ إلاَّ كان حقّاً ، فلمَّا أكْثرَ عُثمانُ دُعائي قُلتُ : ألا تَعْقِلونَ! تُؤْمِّرونَ وأميرُ المؤمنين حَيٌّ! فوالله لكأنَّما أيقَظُهم ، فقالَ عُمَرُ : أمْهِلوا فإنْ حَدَثَ بي حَدثٌ فليُصَلِّ لِلنَّاسِ صُهَيبٌ ثلاثاً ثم اجْمَعوا في اليَومِ الثَّالثِ أشْرافَ النَّاس وأُمَراءَ الأجْنادِ فأمِّروا أحَدَكم، فمَنْ تَأْمَّرَ من غَيرِ مَشورَةٍ فاضْرِبوا عُنُقَه (٢) . ١٣ - مِنْ وَاجِبات الأمير والمسْؤُول: (أ) الاسْتعانَة بالعُلَماء والصَّالحين: وقالَ ابنُ سَعد : أخبَرَنا مُحمدُ بنُ عُمَرَ ، حدَّثنا ابنُ أبي الزِّناد ، عن أبيه ، قال : لَمَّا قَدِمَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ المَدينَةَ وَالياً، فصلَّى الظُّهْرَ دَعا بعَشْرَة: عُرْوَةَ، وعُبَيَدَ الله، وسُلَيمانَ بنَ يَسار، والقاسِم، وسالِماً، وخارِجَة ، وأبا بَكْر بنَ عبدٍ الرحمَان ، وأبا بَكْر بنَ سُليمان ابنَ أبي حثمَة ، وعبدَ الله بنَ عامِر بن رَبِيعَة ، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثم قالَ : إِنِّي دَعَوْتُكُم لأمْرٍ تُؤْجَرُون فيه ، ونَكونَ فيه أعْواناً على الحَقِّ ، ما أُريدُ أنْ أَقْطَعَ أمْراً إلاَّ برأيكم ، أو برأي مَنْ حَضرَ منكم ، فإنْ رأيتم (١) انظر السير: (عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٣/٥٦. (٢) انظر السير: ( عُمَر بن الخطّاب)، وانظر النزهة: ٤/٥٦. ٥٥٤ أحَداً يَتعدَّى، أو بَلغَكم عن عامِلِ ظُلامَة، فَأُحَرِّجُ بالله على مَنْ بَلغَه ذلك إلاَّ أبْلغَني فجَزَوْهُ خيراً، وافْتَرَقوا (١) . قالَ سَعيدُ بنُ عبدِ العَزيز : وَلِيَ سُليمانُ ، فقالَ لِعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيز: يا أبا حَفْص! إِنَّا وَلينا ما قد تَرَى، ولَمْ يَكُن لنا بتَدبيرِهِ عِلمٌ، فما رأيتَ من مَصْلَحَةِ العامَّة ، فمُرْ به ، فكانَ من ذلك عَزْلُ عُمَّالِ الحَجَّاجِ ، وأُقيمَت الصَّلواتُ في أوْقاتِها بعدما كانت أُميتَت عن وَقْتِها ، مع أُمُورٍ جَليلَةٍ كانَ يَسْمَعُ من عُمَرَ فيها ، فقيلَ : إِنَّ سُليمانَ حَجَّ ، فرأى الخَلائقَ بالْمَوْقِفِ ، فقالَ لِعُمرَ : أما تَرَى هذا الخَلقَ الذي لا يُخْصي عَددَهم إلاَّ اللهُ؟ قالَ: هَؤلاء اليومَ رَعيَُّك، وهُمْ غَداً خُصَماؤك ، فبكىَ بُكاءً شديداً . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : كانَ عُمرُ له وَزِيرَ صِدْقٍ، ومَرِضَ بدائِقِ أُسْبُوعاً ، وتُوِّيَ ، وكان ابنُهُ داودُ غائباً في غَزْوَة القُسْطَنْطِينِيَّة(٢) . وجاء في ترجَمَةِ أبي عَمرٍو الخَفَّاف ، قال الحاكِمُ : سَمعتُ محمّدَ ابنَ المُؤَمَّل بنَ الحَسَن الماسَرْ جسيَّ، سَمعتُ أبا عَمرِو الخَفَّف يقولُ : كان عَمروُ بنُ اللَّيْثِ الصَّفَّار - يَعْني السُّلطانَ - يَقولُ لي: يا عَمُّ! مَتَى عَلِمْتَ شَيئاً لا يُوافِقُكَ فَاضْرِبْ رَقَبَتَي ، إلى أنْ أرْجِعَ إِلى هَواكَ(٣). قال الإمام الذهبي : كذا فليَكُنِ السُّلطانُ مع الشَّيخ، وقد كان عَمرُو بنُ اللَّيث صانعاً في الصُّفر فتَنقَّلت به الأحوالُ إلى أنْ تَملَّك خُراسَانَ وتَملَّك بعدَه أخُوهُ يَعقوبُ ، فَانْظُر في تاريخ الإِسْلامِ تَسْمَعْ العَجَبَ من سيرتِهِما . وكان الرئيسُ أبو عَمرٍو عَظيمَ القَدْرِ ، سَيِّداً مُطاعاً بِبَلَدِه ، نالَ رئاسَةَ الدِّينِ والدُّنْيا ، وكانوا يُلقِّبُونَه بزَينِ الأشْرَف . وكانت وَفَاتُه سنةَ تسْعٍ وتسْعينَ ومِئتين ، من أبناء الثّمانين (٤). (١) انظر السير: (عُمَر بن عبد العَزيز) ١١٤/٥ -١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٦. (٢) انظر السير: (عُمَر بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٨. (٣) انظر السير: (أبو عَمرٌو الخَفَّاف) ٥٦٠/١٣-٥٦٤، وانظر النزهة: ١/١١١٧. (٤) انظر السير: (أبو عَمرٌو الخَفّاف) ٥٦٠/١٣-٥٦٤، وانظر النزهة: ٢/١١١٧. ٥٥٥ (ب) عَدَمُ تَقْرِيب الضَّالِّين : قالَ الخَطيبُ : اسْتَولَى أحمَدُ بنُ أبي دُواد على الخَلِيفَةِ الوَاثِقِ بالله، وحَملَه على التشَدُّد في الْمِحْنَةِ، والدُّعاءِ إِلى خَلقِ القُرآنِ (١) . وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة أحمدَ بنِ حَنبلَ : ثم إنَّ المَأمونَ نَظَرَ في الكَلامِ ، وناظَرَ ، وبَقيَ مُتوقُّفاً في الدُّعاء إلى بِدْعَته (٢). وقال أبو الفَرْجِ بنُ الجَوْزيّ : خَالَطَه قومٌ من المُعْتَزِلَة ، فحَسَّنوا له القَوْلَ بِخَلْقِ القُرآن ، وكان يَتَردَّدُ ويُراقِبُ الشُّيوخَ ، ثم قَويَ عَزْمُه وامْتَحنَ النَّاسَ . وعن ابنٍ عَرْعَرَة ، حدَّثني ابنُ أكْثَم ، قال : قال لنا المَأمونُ : لَولا مَكانُ يَزِيدَ بنِ هارون ، لأظْهَرتُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ ، فقال بعضُ جُلسائه: يا أميرَ المؤمنين ، ومَنْ يَزِيدُ حتىْ يُتَّقَى؟ فقال: وَيْحَك !! إنِّي أخافُ إِنْ أَظْهَرْتُه فيَرُدَّ عليَّ يَختلفُ الناسُ، وتَكونُ فِتنةً، وأنا أكْرهُ الفِتنَةَ فقال الرجلُ : فأنا أخْبُرُ ذلكَ منه ، قال له : نَعَم ، فخرجَ إِلَى وَاسِط، فجاءَ إلىْ يَزِيدَ ، وقال : يا أبا خالد ، إنَّ أميرَ المؤمنين يُقرتُك السَّلامَ ، ويقولُ لك : إنِّي أُريدُ أنْ أُظْهِرَ خَلقَ القُرآنِ ، فقال : كَذبتَ على أميرِ المؤمنين أميرُ المؤمنين لا يَحمِلُ النَّاسَ على ما لا يَعْرِفُونَه ، فإنْ كُنتَ صادقاً، فاقْعُد فإذا اجْتمَعَ النَّاسُ في المَجْلسِ ، فَقُلْ قال : فلمَّا كان الغَدُ ، اجتمعوا فقامَ ، فقال كمَقَالَتِهِ ، فقال يَزِيدُ: كَذبتَ على أميرِ المؤمنين، إنَّه لا يَحمِلُ النَّاسَ على ما لا يَعرِفُونَه ، وما لَمْ يَقُلْ به أحَدٌ قال : فقَدِمَ، وقال : يا أميرَ المؤمنين، كُنتَ أعْلمَ ، وقَصَّ عليه ، قالَ : وَيْحَك يُلْعَبُ بك !! . قال صالحُ بنُ أحمد : سَمعتُ أبي يقولُ: لمَّا دَخَلْنا على إسْحاقَ ابنِ إبراهيمَ للمِحْنة ، قَرأْ عَلينا كتابَ الذي صار إلى طَرَسُوس ، يَعْني: المَأمونَ ، فكان فيما قُرىءَ علينا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾(٣). (١) انظر السير: (الوَاثِق بالله) ٣٠٦/١٠ -٣١٤، وانظر النزهة: ٣/٨٨٠. (٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٣. (٣) سورة الشورى، الآية : ١١ . ٥٥٦ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(١)، فقلتُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٢). قال صالحٌ: ثم امتُحنَ القومُ ، ووُجِّهَ بمن امتنَعَ إلى الحَبْس ، فأجابَ القومُ جَميعاً غَيرَ أرْبَعَة: أبي ، ومحمّد بن نُوح، والقَواريري ، والحَسن ابن حمّاد سجَّادة ثم أجابَ هذان ، وبَقيَ أبي ومحمد في الحَبْس أيّاماً، ثم جاء كتابٌ من طَرَسوس بِحَمْلِهِما مُقَيَّدَينِ زَميلَين(٣). (ج) إِذْناء العُقَلاء والحُكماء وإنْ كانوا صِغاراً: عن سَعيدِ بنِ جُبير ، قالَ : كانَ ناسٌ من الْمُهاجرينَ قد وَجَدوا على عُمَرَ في إِذْنائه ابنَ عَبَّاس دُونَهم قالَ: وكانَ يَسْألُه فقالَ عُمَرُ: أما سأُريكُم اليَومَ منه ما تَعْرِفُونَ فَضْلَه، فسَأَلَهم عن هذه السُّورَةِ ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾(٤)، فقالَ بَعضُهم: أمَرَ اللهُ نَبِيَّه إذا رَأَى النَّاسَ يَدخُلونَ في دِينِ الله أفْواجاً أنْ يَحْمَدَه ويَسْتَغْفِرَه فقالَ عُمَرُ : يا ابنَ عَبَّاس تَكلَّم فقالَ : أَعْلَمَه متى يَموتُ ، أي: فهي آيَتُكَ مِن الْمَوْتِ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْه(٥) . (د) عَدَمُ تَفْضيل الأقارِب على الرَّعيّة : قالَ الليثُ : بدأ عُمرُ بنُ عبد العَزيز بأهْلِ بَيَتَه ، فأخذَ ما بأيديهم ، وسَمَّى أَمْوالَهم مَظالِمَ ، فَفَزِعَت بَنو أُميَّة إلى عَمَّتِهِ فاطِمَةَ بنتِ مَرْوان ، فَأَرْسَلت إليه : إنِّي قد عَناني أمْرٌ، فَأَتَّه ليلاً، فأنْزلَها عن دائَتِها، فلمَّا أخَذَت مَجْلِسَها قالَ يا عَمَّة! أنتِ أَوْلَى بالكلام ، قالَت : تَكلَّم يا أميرَ المؤمنين، قالَ: إنَّ اللهَ بَعثَ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم رَحمَةً، ولَمْ يَبْعَثْهِ عَذاباً ، واخْتَارَ له ما عنده ، فَتَركَ لهم نَهْراً، شُرْبُهُم سَواء ، ثم قامَ أبو بَكْر فَتَركَ النَّهْرَ على حالِه، ثم عُمَرُ ، فَعَمِلَ عَملَ صاحِبَه ، ثم لَمْ يَزَلْ النَّهْرُ (١) سورة الأنعام، الآية ١٠٢ . (٢) سورة الشورى، الآية : ١١ . (٣) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٢/٩٣٣. (٤) سورة النصر ، الآية : ١ . (٥) انظر السير: (عبد الله بن عبَّاس البَحْر) ٣٣١/٣-٣٥٩، وانظر النزهة: ٣/٣٩٠. ٥٥٧ يَشتَقُّ منه يَزِيدُ ومَرْوانُ وعبدُ الملكِ، والوَليدُ ، وسُليمانُ حتى أفْضَى الأَمْرُ إليَّ ، وقد بَيْسَ النَّهْرُ الأعْظَمُ، ولَنْ يَرْويَ أهلَه حتى يَعودَ إلى ما كانَ عليه ، فقالَت: حَسْبُكَ ، فَلَسْتُ بذاكِرَة لك شيئاً ، ورَجَعَت فَأَبْلَغَتْهم كلامَه(١) . قالَ الفريابيُّ: حَدَّثنا الأوْزاعيُّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ جَلسَ في بَتِهِ ، وعندَه أشْرافُ بَنِي أُمَيَّة ، فقالَ : أتحبون أن أُوَلِّي كلَّ رجل منكم جُنداً من هذه الأجْنادِ ، فقالَ له رجلٌ منهم : لِمَ تَعرِضْ علينا ما لا تَفْعَلُه؟ قالَ : تَرَوْنَ بساطي هذا؟ إنِّي لأعلمُ أنَّه يَصيرُ إلى بلى ، وإنِّي أكْرَهُ أنْ تُدنِّسِوهُ عليَّ بأرجُلِكم ، فكيفَ أُوَلِيكُمُ ديني ؟ وأُوَلِيكمُ أعْراضَ المسلمينَ وأبْشارَهم تحكمون فيهم ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ، قالوا : لِمَ ، أما لنا قَرابَةٌ؟ أمَا لنا حَقٌّ ؟ قالَ : ما أنتم وأقْصَى رَجلٍ من المسلمين عندي في هذا الأمْرِ إلَّ سَواءٌ، إلاَّ رجلٌ حبَسَه عنِّي طُولُ شُقَّةٍ(٢)، (٣). (هـ) خِدْمَة الرَّعيَّة : عن زَيدِ بنِ أسْلَم ، مَوْلَى عُمَرَ، عن أبيه ، قالَ ابنُ عُمَرَ : يا أبا خالِد ، إنِّي أَرَى أميرَ المؤمنينَ يَلزَمُكَ لُزُوماً لا يَلزَمُه أحَداً من أصْحابِك، لا يَخْرُجُ سَفَراً إلاَّ وأنْتَ مَعَه ، فأخْبِرْني عنه قالَ: لَمْ يَكُنْ أَوْلَى القَومِ بالظُّلِّ، وكانَ يُرَحِّلُ رَواحِلَنا، ويُرَحِّلُ رَحْلَه وَحدَه، ولقد فَرِغْنا ذاتَ لَيَلَة وقد رَخَّلَ رِحالَنا، وهو يُرَخِّلُ ويَرتَجِز (٤). ( و) اخْتِبَارُ البِلادِ والتَّأكدُ من عَدَم فُشُوّ المَعاصي بها : قيلَ : إنَّ صاحِبَ الْمَغْرِبِ يَعقُوبَ بنَ يُوسُف بنِ عبد الْمُؤمِنِ أَبْطلَ الخَمرَ في مَمالِكِه ، وتَوَّدَ عَليها فعُدمَت، ثم قالَ لأبي جَعْفَرَ الطَّيبَ: رَكِّبْ لنا تزياقاً ، فَأْوَزَهُ خَمْرٌ ، فأخبرَه بذلك، فقال: تَلَطَّفْ في تَحْصيلِه سِرّاً، فحَرِصَ ، فَعَجَزَ فقالَ (١) انظر السير: ( عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٥/٥٨٨. (٢) الشُّقَّة : السفر الطويل البعيد ، وفي حديث وفد عبد قيس : إنا نأتيك من شقة بعيدة ، أي مسافة بعيدة . (٣) انظر السير: (عُمرُ بن عبد العَزيز) ١١٤/٥-١٤٨، وانظر النزهة: ٤/٥٨٩. (٤) انظر السير: (أسْلم) ٩٨/٤ - ١٠٠، وانظر النزهة: ٢/٤٥٥. ٥٥٨ الْمَلكُ : ما كانَ لي بالتِّرْياقِ حَاجَةً ، لكنْ أَرَدتُ اخْتِبَارَ بِلادي . ماتَ سنةً خَمسٍ وتسْعينَ وخَمْسٍ مئة (١). (ز) ضَبْطُ الأسْواق : جاءَ في تَرجَمَةِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ، قالَ قَتَادَةُ : كَانَ عُمَرُ يَلْبَسُ ، وهو خَليفَة ، جُبَّة من صُوف مَرْقُوعاً بَعضُها بأدَم ، ويَطوفُ في الأسْواقِ على عاتِقِهِ الدُّرَّة يُؤدِّبُ النَّاسَ بها، ويَمُرُّ بِالنَّكْثِ (٢) والنَّوَىُ فِيَلقطُه ويُلقيه في مَنازِلِ النَّاسِ لِيَنْتَفِعُوا به(٣) . ١٤ - مِنْ حُقوق الأمِير والمَسْؤول الطَّاعَة : (أ) ضابطُ الطَّاعَة : عن عُمَرَ بنِ الحَكَم بنِ ثَوْبان ، أنَّ أبا سَعيد قالَ : بَعثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَريَّة عليهم عَلْقَمَةُ بنُ مُجَزِّز، وأنا فيهم، فخَرَجْنا، حتَّى إذا كُنَّا بَبَعضٍ الطَّريقِ ، اسْتأذَنَه طائفَةٌ فأذِنَ لهم، وأمَّرَ عليهم عبدَ الله بنَ حُذافَة ، وكان من أهْلِ بَدْر ، وكانت فيه دُعابَةٌ فبَيْنا نَحنُ في الطَّريقِ ، فأوْقَدَ القَومُ ناراً يَصْطَلون بها ، ويَصْنَعُونَ عَليها صَنيعاً لهم ، إذ قالَ : أَلَيْسَ لي عَليكم السَّمْعُ والطَّاعَةُ ؟ قالوا بَلَى قالَ : فإِنِّي أعْزِمُ عَليكم بحَقِّي وطاعَتي إلاَّ تَوائَبْتُم في هذه النَّارِ ، فقامَ ناسٌ فَتَحَجَّزوا(٤) حَتَّى إذا ظَنَّ أنَّهِم وَاقِعُونَ فيها قالَ: أمْسِكُوا ، إنَّما كُنتُ أضْحَكُ مَعَكم فلَمَّا قَدموا علىْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ذَكرُوا له ذلكَ فقالَ: ((مَنْ أَمَرَكمْ بِمَعْصِيَّةٍ فَلا تُطِيعُوهُ)) (٥) . (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٩. (٢) النكث : الغزل المنقوض. (٣) انظر السير: (عُمَر بن الخَطَّاب)، وانظر النزهة : ٥/٤٨. (٤) أي شَدُّوا أَوْساطَهم فِعْلَ مَنْ يتهيَّأْ . (٥) انظر السير: (عبد الله بن حُذافَة) ١١/٢ -١٦، وانظر النزهة: ٦/٢١٠. ٥٥٩ ( ب ) صُورٌ من الطَّاعَة : عن زَيْدِ بنِ وَهْب قالَ: لَمَّا بَعثَ عُثمانُ إلى ابنِ مَسْعودٍ يَأْمُرُه بِالْمَجيء إلى المدينة ، اجْتَمَعَ إليه النَّاسُ ، فقالُوا: أقِمْ فلا تَخْرُجْ، ونَحنُ نَمْنَعُك أنْ يَصِلَ إليكَ شَيءٌ تَكرَهُه فقالَ: إنَّ له عليَّ طاعَةٌ ، وإنَّها سَتكونُ أمورٌ وفِتَنٌ لا أحِبُّ أنْ أكونَ أوَّلَ مَنْ فَتَحَها فرَدَّ النَّاسَ وخَرجَ إليه(١) . عن حُمَيدِ بنِ هِلالِ ، قالَ : قامَ زَيدُ بنُ صُوحانَ إلى عُثْمَانَ ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ! مِلْتَ فمَالَتْ أُمَّتُك، اعْتَدِلْ يَعْتَدِلوا قالَ: أَسامِعٌ مُطيعُ أنْتَ؟ قالَ نَعَم قالَ : إِلْحَقْ بالشَّامِ فَطَلَّقَ امْرأْتَه ، ثم لَحِقَ بِحَيثُ أمَرَه(٢) . وعن الأوزاعيِّ، قالَ : القاسِمُ بنُ مُخَيْمِرَةَ يَقْدُمُ عَلينا ها هُنا مُتَطَوِّعاً ، فإذا أرادَ أنْ يَرجِعَ ، اسْتَأْذَنَ الوالي ، فقيلَ له : أرأيتَ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لك، قالَ : إذاً أُقيمُ ، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَ أَمٍَّ جَاِع لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِنُونَ﴾(٣) ، (٤). جاءَ في تَرجَمَةِ أبِي وَهْبٍ ، زَاهِدِ الأنْدَلُسِ : وقالَ فقيرٌ : قُلتُ لَيلةً لأبي وَهْبٍ : قُمْ بِنا لِزِيارَةِ فُلان ، قالَ : وأينَ العِلمُ؟ وَلِيُّ الأمْرِ لَه طَاعَةٌ، وقد مَنَعَ من الْمَشي لَيَلاً(٥). ١٥ - من الصِّفات اللَّزِمَة للأمِير والمَسْؤول : (أ) مَجْموعَة صِفات تَجدُها في الأمير : جاءَ في تَرَجَمَةِ أبي ذَرِ الغِفَاريِّ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذَرْ - مع قُوَّةِ أبي ذَرِّ وشَجاعَتِهِ - : ((يا أبا ذَرْ، إنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً ، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمََّنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ )) . (١) انظر السير: (عبد الله بن مَسْعود) ٤٦١/١ -٥٠٠، وانظر النزهة: ١/١٩٦. (٢) انظر السير : (زَيْدُ بنُ صُوحان) ٥٢٥/٣-٥٢٨، وانظر النزهة : ٤/٤١٩. (٣) سورة النور ، الآية : ٦٢ . (٤) انظر السير: ( القاسِمُ بن مُخَيْمِرَة) ٢٠١/٥ -٢٠٤، وانظر النزهة : ٥/٥٩٥ . (٥) انظر السير: ( أبو وَهْب) ٥٠٦/١٥-٥٠٨، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٤. ٥٦٠