Indexed OCR Text
Pages 381-400
مَوْلدُهُ سَنةَ إحْدَى عَشْرَة وخَمسٍ مثَّةٍ (١) . وكانَ نُورُ الدِّين حامِلَ رايَتَي العَدْلِ والجِهادِ ، قَلَّ أنْ تَرَى العُيونُ مثلَه، حاصَرَ دِمَشْقَ ، ثم تَملَّكَها ، وبَقِيَ بها عِشْرِينَ سَنةً . وبَنَى المَدَارِسَ بحَلَبَ وحمْصَ وبَعْلَبَك والجَوامِعَ والْمَساحِدَ وسُلِّمَت إليه دِمَشْقُ للغَلاءِ والخَوْفِ ، فحَصَّنها، ووَسَّعَ أسْواقَها، وأنْشَأ المارِسْتَانَ ودارَ الحَديثِ والمَدارِسَ ومَساجِدَ عِدَّة، وأبْطَلَ المُكُوسَ ، ثم أخَذَ من العَدُوِّ بانِيَاسَ والْمُنَيْطِرَةِ(٢) ، وكَسْرَ الفِرَنْجَ مَرَّاتٍ ، ودَوَّخَهم وأذلَّهم(٣) . وكان نُورُ الدِّينِ زِنْكِي بَطَلاّ شُجَاعَاً وافِرَ الهَيْبَة، حَسَنَ الرَّمَيِّ، مَلِيحَ الشَّكْلِ ، ذا تَعَبُّد وخَوْف ووَرَع ، وكان يَتَعرَّضُ لِلشَّهَادَةِ ، سَمِعَه كاتِبُه أبو اليُسْرِ يَسْألُ الله أنْ يُحْشَرَ من بُطُونِ السِّباعِ وَحَوَاصِلِ الطير . وبنىُ دَارَ العَدْلِ، وأَنْصَفَ الرَّعِيَّة، ووَقَفَ على الضُعَفَاءِ والأيتام والمُجاوِرِين وأَمَرَ بتَكْميل سُورِ المدينة النَّبَويَّة، واسْتَخْرَاجِ العَيْنِ بأُحد دَفَنَهَا السَّيْلُ، وفَتَحَ دَرْبَ الحِجَاز، وعَمَّر الخَوَانِقِ والرُّبُطَ والجُسُورَ وَالخاناتِ بدِمَشْقَ وغيرها وكذا فعل إذْ مَلَكَ حَرَّانَ وسنْجَارَ والرُّها والرَّقَّة ومَنْج وشَيْزَر وحُمْصَ وحمَاة وصَرْخَدٍ وبَعْلِبَكَّ وتَدْهُرَ ووَقَفَ كُتُباً كثيرةً مُثَمَّنَةٍ، وكَسَرَ الفِرِنْجَ والأَرْمَنَ على حارِم وكانوا ثلاثين ألفاً فقَلَّ مَنْ نَجَا ، وعلى بانياسَ (٤) . وكانت الفِرنْجُ قد استضَرَّتْ على دِمَشقَ ، وجعلوا عليها قطيعةً ، وأتاهُ أميرُ الجُيُوشِ شَاوَرُ مُستَجِيراً به ، فأكْرَمَه ، وبَعَثَ معه جَيشاً ليُرَدَّ إلى مَنصِبِه، فانْتَصَرَ ، لكنَّه تَخَابَثَ وتَلاثَمَ ، ثم استنجَدَ بالفِرِنْجِ ، ثم جَهَّزَ نورُ الدين رحِمَه الله جَيشاً لَجِباً مع نائِهِ أسَدُ الدين شِيركُوه، فافتَتَحَ مِصرَ ، وقَهَرَ دولتَها الرَّافِضِيَّة، وهَرَبَتْ منه الفِرِنْجُ ، (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٩. (٢) حصنٌ بالشام قريبٌ من طرابُلْسَ . (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٧٩. (٤) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٠. ٣٨١ وقُتِلَ شَاوَرُ وصَفَتِ الدِّيارُ المِصْرِيَّة لِشِيركُوه نائبٍ نورِ الدين ، ثم لصَلاحِ الدين ، فأبَادَ العُبَيْدِيِينَ واسْتَأْصَلَهم ، وأقَامَ الدَّعوةَ العَبَّاسِيَّة . وكان نورُ الدِّين مَلِيحَ الخَطِّ ، كثيرَ المُطالَعَةِ ، يُصَلِّي فِي جَماعَةٍ ويَصُومُ ويَتْلُو ويُسَبِّحُ، ويَتَحَرَّىَ في القُوتِ ويَتَجَنَّبُ الكِبرَ، ويَتَشَبَّه بالعُلمَاءِ والأخْيَارِ ، ذَكَرَ هذا ونَحْوَه الحافِظُ بنُ عَسَاكِر، ثم قال: رَوَىَ الحَدِيثَ، وأسْمَعَه بالإِجازَةِ ، وكان مَنْ رَآهُ شَاهَدَ من جَلالِ السَّلْطَنَةِ وهَيْبَةِ المُلكِ ما يَبْهَرُهُ ، فإذا فَاوَضَهُ ، رَأْىُ مِن لَطَافَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ ما يُحَيِّرُه، حَكَى مَنْ صَحِبَهُ حَضَراً وسَفَراً أنَّه ما سُمِعَ منه كَلِمَةُ فُحْشٍ فِي رِضَاهُ ، ولا في ضَجَرِه ، وكان يُواخِي الصَّالِحِين، ويَزُورُهم، وإذا احْتَلَمَ مَمَالِيكُهُ أَعْتَقَهُم ، وزَوَّجَهُم بِجَوَارِيهِ ، ومتى تشكَّوْا من وُلاتِهِ عَزَلَهُم، وغَالِبُ ما تَمَلَّكَهُ من البُلدَانِ تَسَلَّمَهُ بالأمانِ ، وكان كُلَّما أخَذَ مدينةً، أسْقَطَ عن رَعِيَّتِهِ قِسْطاً(١). وقال أبو الفَرَجْ بنُ الجَوْزِيّ : جاهَدَ نورُ الدِّين وانْتُزَعَ من الكُفَّارِ نَّماً وخَمْسِين مدينةً وحِصْناً ، وبَنَى بالمَوْصِلِ جامِعَاً غَرِمَ عليه سَبْعِينَ ألفَ دِينَار ، وتَرَكَ المُكُوسَ قبلَ مَوْتِه، وبَعَثَ جُنُوداً فَتَحُوا مِصْرَ، وكان يَمِيلُ إلى التَّواضُع وحُبِّ العُلمَاءِ ، والصُلَحَاءِ ، وكاتَبَنِي مِراراً، وعَزَمَ علىْ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ ، فَتُوُفِّيَ سَنةَ تسعٍ وسِقِينَ وخَمْسٍ مِئَةٍ (٢) . وقال المُوَفَّقُ عبدُ اللَّطِيفِ : كان نورُ الدِّين لَمْ يَنْشَفْ له لِبِدٌ من الجِهَادِ، وكان يأْكُلُ من عَمَلِ يَدِهِ ، يَنْسِجُ تارةً، ويَعْمَلُ أغْلافاً تارةً، ويَلْبَسُ الصُّوفَ، ويُلازِمُ السِّجادَةَ والمُصْحَفَ، وكان حَنَفِيَّاً يُراعِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ومَالِك وكان ابنُهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ أحْسَنَ أهْلِ زَمَانِه(٣) . وقالَ ابنُ الأثير: طَالَعتُ السِّيرَ ، فَلَمْ أَرَ فيها بعد الخُلفاء الرَّاشِدين وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أَحْسَنَ من سِيرَته ، ولا أكْثَرَ تَحَرِّياً منه للعَدْلِ ، وكانَ لا يَأْكلُ ولا يلبَسُ (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٠. (٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠_٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨١. (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨١. ٣٨٢ ولا يَتصرَّفُ إلَّ من مُلكِ له قد اشْتراه من سَهْمِه من الغَنِيمَةِ ، لِقَدْ طَلَبَتْ زَوجَتُه منه ، فأعْطَاهَا ثَلاثةَ دَكاكين فاسْتَقلَّتها ، فقالَ : ليسَ لي إلاَّ هذا، وجَميعُ ما بيَدي أنا فيه خازنٌ للمُسلمينَ ، وكان يتهجَّدُ كثيراً، وكان عارفاً بمَذْهَب أبي حَنِيفَةٍ(١) . قال له القُطبُ النيسابوريُ: بالله لا تُخاطِرْ بنفسِكَ، فإِنْ أُصِبْتَ في مَعْرِكَة لا يَبْقَى للمُسلمينَ أحدٌ إلاَّ أخَذَه السَّيفُ، فقالَ: ومَنْ مَحْمودٌ حتى يُقالَ هذا؟ !! حَفِظَ اللهُ البِلادَ قَبْلِي، لا إلهَ إلاَّ هُو (٢). وقال مَجدُ الدِّين بنُ الأثير في نقل سبطِ الجَوْزِيِّ عن نُورِ الدِّينِ زِنْكِي : لَمْ يَلْبَسْ نُورُ الدِّينِ حَرِيرَاً ولا ذَهَبَاً ، ومَنَعَ بَيْعَ الخَمرِ في بلادِه ، قال : وكان كَثيرَ الصَّوم ، وله أَوْرَادٌ كثيرةٌ في اللَّلِ والنَّهارِ ، ويُكثِرُ اللَّعِبَ بالكُرَةِ ، فَأَنْكَرَ عليه فقيرٌ فَكَتَبَ إليه : والله ما أقْصِدُ اللَّعِبَ، وإنَّما نَحنُ في ثَغْرِ ، فربَّما وَقَعَ الصَّوتُ ، فتكونُ الخَيلُ قد أدمَنَت على الانْعِطافِ والكَرِّ والفَرِّ . وأُهْدِيَتْ له عَمَامَة من مِصْرَ مُذَهَّبَة، فأعطَاهَا لابنِ حَقُّويه شَيخِ الصُّوفِيَّة فِيعَتْ بألفٍ دينار(٣). وقال ابنُ الأثير : جاءَ نورَ الدين زنكي رجلٌ يَطْلُبُه إلى الشَّرْع، فجاءَ معَهُ إلى مَجْلِسِ كمَالِ الدينِ الشَّهِرَزورِيِّ، وتَقَدَّمَه الحَاجِبُ يقولُ للقاضي : قد قالَ لكَ : اسْلُكَ مَعَهُ ما تَسْلُك مع آحَادِ النَّاسِ، فلمَّا حَضَرَ سَوَّىُ بينَه وبينَ خَصْمِهِ وتَحَاكَمَا فَلَمْ يَثْبُتْ الرَّجُلِ عليه حَقٌّ، وكان مِلْكَاً ، ثم قال السُّلطَانُ: فاشْهَدُوا أَنِّي قد وَهَبْتُهُ له . قال العِمَادُ في (( البَرْقِ الشَّامِيّ)) أكثَرَ نورُ الدين عامَ مَوْتِه من البِرِّ والأوْقَافِ وعِمَارَةِ المَسَاجِد، وأسْقَطَ ما فيه حَرَامٌ، فما أبْقَىْ سِوَى الجِزْيَةِ والخَرَاجِ والعُشْرِ، وكَتَبَ بذلك إلىْ جَميعِ البِلادِ ، فَكَتَبْتُ له أكثَرَ من ألْفِ مَنْشُورِ (٤). (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨١. (٢) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨١. (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٨٢. (٤) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١_٥٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٥٨٢. ٣٨٣ قالَ سبطُ الجَوْزِي : كان له عَجائزٌ، فكان يَخيطُ الكَوافي ، ويَعمَلُ السَّكاكِرَ فَيَبَعْنَها له سِراً، ويُفْطِرُ على ثَمَنِها (١) . وقال ابنُ وَاصِل : كان نورُ الدِّين من أَقْوَى النَّاسِ قَلْباً وبَدَناً ، لَمْ يُرَ علىُ ظَهْرِ فَرَسٍ أَحَدٌ أَشَدَّ منهُ، كأنَّما خُلِقَ عليه لا يَتَحَرَّكُ، وكان يقولُ: طالَمَا تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ ، فلَمْ أُدْرِكُها . قال الذَّهبيُّ : قد أدْرَكَها علىُ فِراشِه، وعلىُ الْسِنَةِ النَّاسِ: نُورُ الدِّينِ شَهِيدٌ(٢). قال سِبطُ الجُوزِيّ : حَكَى لي نَجْمُ الدِّين بنُ سَلام عن وَالِدِه أنَّ الفِرِنْجَ لمَّا نَزَلَت على دِمْياطَ ، ما زالَ نورُ الدِّينِ عِشْرِين يوماً يَصُومُ ، ولا يُفطِرُ إلاَّ على المَاءِ ، فضَعُفَ وكادَ يَتْلَفُ، وكان مَهِيباً، ما يَجْسُرُ أحدٌ يُخاطِبُه في ذلك، فقال إمامُه يَحْيَى: إنَّه رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ يقولُ: يا يَحْيَى ، بَشِّرْ نورَ الدِّينِ برَحِيلِ الفِرِنْجَ عن دِمْياطَ، فقلتُ : يا رسُولَ الله، رُبَّما لا يُصَدِّقُنِي قال: قُلْ لَهُ: بِعَلامَةِ يومٍ حَارِمِ وانْتُبَهَ يَحْيَى، فلمَّا صَلَّى نورُ الدِّينِ الصُّبْحَ، وشَرَعَ يَدْعُو ، هَابَه يَحْيَى فقال له : يا يَحْيَىْ تُحَدِّثُنِي أَوْ أُحَدُّتُكَ؟ فَارْتَعَدَ يَحْيَى، وخَرُسَ ، فقال نورُ الدين: أنا أُحَدِّئُكَ ، رَأَيْتَ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم هذهِ الليلَةَ، وقال لكَ كَذَا وكَذَا ، قال : نَعَم فبالله يا مَوْلانا ما مَعْنَى قولِه بعَلامَةِ يومِ حارِمٍ؟ فقال: لمَّا الْتَّقَيْنَا العَدُوَّ ، خِفْتُ على الإسْلام ، فانْفَرَدْتُ ونَزَلْتُ، ومَرَّغْتُ وَجْهِيَ على التُرابِ ، وقُلتُ: يا سَيِّدِي مَنْ مَحمُودٌ فِي الْبَيْن ، الدِّينُ دِينُك ، والجُنْدُ جُنْدُك ، وهذا اليَوْمِ افْعَلْ ما يَلِيقُ بكَرَمِكَ ، قال : فَنَصَرَنا اللهُ عَليهِم . وتَمَلَّكَ بعدَهُ ابنُهُ المَلِكُ الصَّالِحُ أَشْهُراً، وسَلَّمَ دِمَشْقَ إلى السُّلطانِ صَلاحِ الدِّين وتَحَوَّلَ إِلَىْ حَلَبَ فِدَامَ صَاحِبَها تِسْعَ سِنين وماتَ بِالقُولَنْج ، وله عِشْرُونَ سنةً ، وكان شاباً دَيَّناً رَحِمَهُ الله(٣). (١) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٨٢. (٢) انظر السير: (نور الدين) ٢٠/ ٥٣١-٥٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٨٢. (٣) انظر السير: (نور الدين) ٥٣١/٢٠-٥٣٩، وانظر النزهة: ٥/١٥٨٢. ٣٨٤ (٢٠) دَوْلَةُ الْمُوَحدين (أ) ابنُ تُومَرْت : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ : الشَّيخُ الإمامُ ، الفَقِيهُ الأُصُولِيُّ الزَّاهِدُ ، أبو عبد الله محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ تُومَرْت، البَرْبَرِيُّ الْمَصْمُوديُّ الهرْغيُّ، الخارج بالمغرب المدَّعي أنَّه عَلويٌّ حَسَنيٍّ، وأنَّه الإمامُ الْمَعْصُومُ الْمَهْدِي، وأنَّه محمَّدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الرحمَن ابنِ هُود بنِ خَالد بنِ تَمَّام بنِ عَدْنان بنِ صَفْوان بنِ جَابِرِ بنِ يَحْيَى بِنِ رَباح بنِ يَسار بنِ العَبَّاس بنِ مُحمَّد بنِ الحَسَن بنِ الإمامِ عليٍّ بنِ أبي طالب . رَحلَ من السُّوسِ الأَقْصَى شاباً إلى الْمَشْرِقِ، فحَجَّ وتَفقَّه، وحصَّل أطْرافاً من العلم ، وكان أمَّاراً بالمعروف ، نهَّاءَ عن المنكر ، قوي النفس ، زَعِراً شجاعاً ، مَهيباً قَوَّالاً بالحق، عَمَّلاَ على الْمُلكِ، غَوياً في الرِّياسَة والظُهور، ذا هَيبةٍ ووَقارٍ ، وجَلالة ومُعامَلَة وتألهٍ، انْتُفَع به خَلقٌ، واهْتَدوا في الجُمْلَة، ومَلكُوا المَدائنَ ، وقَهَروا المُلوكَ . وأخذ عن إِلْكِيا الهَرَّاسيِّ وأبي حامد الغَزَّاليِّ، وأبي بَكْر الطُّرْطُوشيِّ وجاوَرَ سنةً . وكان لَهِجاً بعلمِ الكَلام ، خائضاً في مَزالُ الأقْدام ، ألَّفَ عَقيدَةً لِقَّبَها بِالْمُرْشِدَة ، فيها تَوحيدٌ وخَيرٌ بانْحرافٍ، فحَملَ عليها أتْباعَه وسَمَّاهم الْمُوَحِّدينَ ، ونَبَّزَ مَنْ خَالَفَ الْمُرْشِدَةَ بالتَّجْسيمِ ، وأباحَ دَمَه ، نَعوذُ بالله من الغَيِّ والهَوَى . وكان خَشِنَ العَيشِ، فَقيراً ، فانِعاً باليَسيرِ ، مُقْتَصِراً علىْ زِيِّ الفَقْرِ ، لا لذَّةَ له في مَأْكَلٍ ولا مَنْكَحٍ ، ولا مالٍ ، ولا في شيءٍ غَيرَ رِياسَةِ الأمْرِ حتىْ لَقِيَ اللهَ تَعالَى . لكنَّ دَخَلَ - واللهِ- في الدِّماءِ لنَيْلِ الرِّياسَة الْمُرْدِيَة. وكانَ غَرامُه في إزالَة الْمُنْكَرِ ، والصَّدْعِ بالحَقِّ ، وكانَ يَتْبسَّمُ إلى مَنْ لَفِيَه . وله فَصاحَةٌ في العَربيّة والبَزْبَرِيَّة ، وكان يُؤْذَى ويُضرَبُ ويَصْبِرُ أُوذِيَ بِمَكةَ ، فراحَ ٣٨٥ إلى مِصْرَ، وبالَغَ في الإِنْكَارِ ، فَطَرَدُوهُ ، وَآذَوْهُ وكان إذا خَافَ من البَطْشِ به خلَّطَ وتَبَالَه. ثم سَكِنَ الثَّغْرَ مُدَّة ، ثم رَكبَ إلى المَغْرِبِ ، وقد رَأى أنَّ شَرِبَ ماءَ البَحْر مَرَّتَين ، وأخَذَ يُنكِرُ في المَرْكبِ على النَّاسِ، وألْزَمَهم بالصَّلاةِ، فَآذَوْهُ، فَقَدِمَ الْمَهْدِيَّةِ(١) ، وعليها ابنُ باديس ، فَنَزَلَ بمَسْجدٍ مُعَلَّق، فمَتِى رَأى مُنكراً أو خَمْراً، كَسَرَ وبَدَّد ، فالتَفَّ عليه جَماعَةٌ واشْتَغْلُوا عليه فطَلبَه ابنُ باديس، فلمَّا رَأى حالَه، وسَمعَ كَلامَه سألَه الدُّعاءَ، فقال: أصْلَحَكَ اللهُ لرَعيَّتِك. وسارَ إلى بجايَةِ ، فَبَقي يُنكِرُ كعادَتِهِ، فَنُفَيَ فَذَهَبَ إلى قَرِيَةِ ملَّلَةٌ ، فوقَعَ بها بعبد الْمُؤمِن الذي تَسلْطَنَ ، وكان أمْرَدَ عاقلاً ، فقالَ : يا شابُ ، ما اسْمُك ؟ قال : عبدُ الْمُؤْمِن، قال : اللهُ أكْبَر، أنْتَ طِلْبَتِي، فَأَيْنَ مَقْصِدُكَ ؟ قال : طَلبُ العِلمِ ، قال : قد وَجَدْتَ العلمَ والشَّرفَ ، اصْحَبْني . فربَطَ الشَّابَ، وشَوَّقَه إلى أُمورِ عَشِقَها ، وأفْضَى إليه بسِرِّه وكانَ في صُحبَتِهِ الفَقيهُ عبدُ الله الوَنْشَريسيُّ، وكان جَميلاً نَحْوياً، فاتَّفَقا على أن يُخْفِي عِلْمَه وفَصاحَتَه ، ويَتظاهَرَ بالجَهْلِ واللَّكَنِ مَّةٍ ، ثم يَجعَلَ إظهارَ نَفَسِهِ مُعْجِزَةً ، ففعلَ ذلك. وسار ابنُ تُومَرْت إلى أغْمات، فَتَزَلوا على الفَقيهِ عبدِ الحَقِّ الْمَصْمُوديِّ ، فَأَكْرَمَهم ، فاسْتَشارُوه ، فقالَ: هُنا لا يَحْمِيكُم هذا الْمَوْضعُ فعَلِيكُمْ بَتِيْنَمَلَّ فهي يَومٌ عَنَّا، وهو أحْصَنُ الأمَاكنِ، فأقِيمُوا به بُرْهَةً كي يُنسَى ذِكْرُكمُ فلمَّا رَآهُم أهْلُ الجَبلِ على تلكَ الصُّورَة، عَلموا أنَّهم طَلبَةُ عِلمٍ ، فَأَنْزَلُوهُم ، وأقْبَلوا عليهم ، ثم تَسامَعَ به أهْلُ الجَبلِ فَتَسارَعوا إليهم ، فكان ابنُ تُومَرْت مَنْ رَأى فيه جَلادَةً ، عَرضَ عليه ما في نَفَسِه، فإنْ أسْرَعَ إليه ، أضَافَه إلى خَواصِّه، وإِنْ سَكتَ ، أَعْرَضَ عنه ، وكانَ كُهولُهم يَنْهَونَ شُبَّانَهم ويُحذِّرُونَهم، وطَالَت الْمُدَّة ، ثم كَثُرَ أتْباعُه من جِبال درَن ، وهو جَبلُ الثّلجِ ، وطَريقُه وَعِرٌ ضَيِّقٌ . (١) مدينة محدثة بساحل إفريقية بينها وبين القيروان ستون ميلاً، والبحر محيط بها من جهاتها الثلاثة، بناها عُبيدُ الله الشِّيعيُّ الخارجيُّ علىْ بَني الأغْلِب، وهو سمَّاها ((الْمَهْدِيَّة))، وكان ابتداءُ بنيانها سنة ثلاث مئة .. ٣٨٦ قال اليَسَعُ في ((تاريخِه)): لا أعْلَمُ مَكاناً أحْصَنَ من تِيْثَمَلَّ لأنَّها بين جَبَلَيْن ، ولا يَصلُ إليهما إلاَّ الغارِسُ، ورُكَّمَا نَزَلَ عن فَرَسِه في أمَاكِنَ صَعْبَةٍ ، وفي مَواضِعَ يَعْبُرُ على خَشبَةِ ، فإذا أُزيلَت الخَشِبَةُ، انْقَطَعَ الدَّرْبُ، وهي مَسافَة يَومٍ، فَشَرعَ أتْباعُه يُغيرُونَ ويَقتُلونَ، وكَثُرُوا وقَوُوا ثم غَدَرَ بأهْلِ تِيْثَمَلَّ الذين آوَوْه ، وأمَرَ خَواصَّه ، فَوَضَعوا فيهم السَّيفَ فقالَ له الفَقِيهُ الإفْريقيُّ أحَدُ العَشْرَة من خَواصِّه: ما هَذا؟! قَومٌ أكْرَمُونا وأَنْزَلونا نَقْتُلُهم !! فقالَ لأصْحابِهِ : هذا شَكَّ في عِصْمَتِي، فَاقْتُلُوه ، فقُتِلَ . قال اليَسَعُ: وكُلُّ ما أذكُرُه من حالِ الْمَصَامِدَة، فقَد شاهَدتُه أو أخَذتُه مُتواتِراً ، وكان في وَصَّتِهِ إلى قَومِه إذا ظَفِروا بمُرابِطٍ أو تِلْمِسَانِيِّ أنْ يَحْرِقُوهُ. فلمَّا كانَ عامُ تِسْعَة عَشَر وخَمسِ مئة ، خَرجَ يوماً ، فقالَ : تَعلَمون أنَّ البَشيرَ - يُريدُ الوَنْشَريسيَّ - رَجلٌ أُمِّيٌّ، ولا يَثْبُتُ علىْ دَابَّة، فقد جَعَلَه اللهُ مُبشِّراً لكم ، مُطَّلِعاً على أسْرارِكُم، وهو آيةٌ لكُم ، قد حَفِظَ القُرآنَ، وتَعلَّمَ الرُّكوبَ، وقالَ : أقْرأ ، فقَرأ الخَتْمَة في أرْبَعَةِ أَيَّامٍ ورَكِبَ حِصاناً وساقَه ، فبُهِتُّوا، وعَدُّوها آيَةً لِغَبَاوَتِهِم ، فقامَ خَطيباً وتَلا ﴿ لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾(١)، وتلا ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَاسِقُونَ﴾(٢) فهذا البَشِيرُ مُطَّلِعٌ على الأنْفُسِ، مُلْهَمٌ، ونَبتُّكم صلى الله عليه وسلم يَقولُ: ((إِنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَدَّثِينَ وإنَّ عُمَرَ مِنْهُم)) وقد صَحِبَنَا أقْوامٌ أَطْلَعَه اللهُ على سِرِّهم ، ولا بُدَّ من النَّظَرِ في أمْرِهِم، وتَيَقُّم العَدْل فيهم ، ثم نُوديَ في جِبالِ الْمَصَامِدَة : مَنْ كان مُطيعاً للإِمَامِ، فَلْيَأْتِ ، فَأقْبَلوا يَهْرَعُونَ، فكانوا يُعْرَضُونَ على البَشيرِ ، فَيُخْرِجُ قَوماً على يَمِينِهَ، ويَعُدُّهُم من أهْلِ الجنَّة ، وقَوماً علىُ يَسارِهِ ، فيقولُ: هذا تائبٌ رُدُّوه على اليَمِينِ تابَ البَارِحَةَ ، فَيَعترفُ بما قال، واَّفْقَت له فيهم عَجائبُ ، حتى كان يُطلقُ أهلَ اليَسار، وهم يَعلَمون أنَّ مَآلَهم إلى القَتلِ فلا يَفرُّ منهم أحدٌ ، وإذا تَجمَّعَ منهم عدَّةٌ ، فَتَلَهم قَراباتُهم حتى يَقْتُلَ الأخُ أَخَاهُ . قال اليَسَعُ : فالذي صَحَّ عندي أنَّهم قُتِلَ منهم سَبعون ألفاً على هذه الصِّفَة (١) سورة الأنفال، الآية : ٣٧ . (٢) سورة آل عمران، الآية ١١٠. ٣٨٧ ويُسَمُّونَه التَّمْيِيزَ ، فلمَّا كَمُلَ التَّمْيِيزُ، وَجَّه جُموعَه مع البَشيرِ نَحْوَ أغْمَات ، فالْتَقاهُم الْمُرابِطُونَ، فهَزْمَهم الْمُرابِطُون، وثَبْتَ خَلقٌ من الْمَصَامِدَةِ، فَقُتِلُوا، وجُرحَ عُمَرُ الهِْتاتيُّ عِدَّة جِراحاتٍ ، فحُملَ على أعْناقِهِم مُثْخَناً، فقالَ لهم البَشِيرُ : إنَّ لا يَموتُ حتىْ تُفْتَحَ البِلادُ ، ثم بعدَ مُدَّة، فَتَحَ عَينِيْه، وسَلَّمَ ، فلمَّا أتَوا، عَزَّاهم ابنُ تُومَرت ، وقال : يَومٌّ بَيَومٍ ، وكذلك حَربُ الرُّسُل . وكان ابنُ تُومَّرت طَوِيلَ الصَّمْتِ ، دائمَ الانْقِباضِ ، له هَيبَةٌ في النُّفُوسِ وكان فيه تَشَيُّع(١) ، ورتَّبَ أصْحابَه، فمنهم العَشْرَة، فهم أوَّلُ مَنْ لَّاه ثم الخَمسينَ ، وكان يُسمِّيهم الْمُؤمنينِّ، ويَقولُ : ما في الأرضِ مَنْ يؤمن إيمانكم ، وأنّتُم العِصابةُ الذين عَنَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يَزَالُ أَهُلِ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ))(٢)، وأنتم تَفْتَحونَ الرُّومَ ، وتَقْتُلُونَ الدَّجَّالَ، ومنكُم الذي يَؤْمُ بعيسَى، وحَدَّثَهم بجُزئياتِ اتَّفْقَ وُقوعُ أكْثرها، فعَظُمتِ فِتْنَةُ القَومِ به حتى قَتلوا أبناءَهم وإخوَتَهم لقَسْوَتِهِم وغِلِظِ طِباعِهم، وإِقْدامِهِم على الدِّماءِ، فَبَعثَ جَيشاً، وقالَ : اقْصُدوا هؤلاء المَارِقِينَ المُبَدِّلينَ الدين، فادْعُوهُم إلى إماتَةِ الْمُنْكَرِ وإِزَالَةِ البِدَع ، والإِقْرارِ بالْمَهْدِيِّ الْمَعْصُومِ ، فإنْ أجابُوا فهم إخْوانُكم ، وإلاَّ فالسُّنَّةُ قد أباحَت لكم قِتالَهم ، فسَارَ بهم عبدُ المؤمن يَقصِدُ مَرَّاكِشَ، فالْتَّقَاهُ الزُّبَيرُ بنُ أميرِ الْمُسلمينَ ، فكلَّموهم بالدَّعْوَة ، فرَدُّوا أَقْبَحَ رَدِّ ، ثم انْهَزَمَت الْمَصَامِدَةُ، وقُتلَ منهم مَلحَمَةٌ فلمَّا بَلِغَ الخَبرُ ابنَ تُومَرت ، قالَ : أَنَجَى عبدُ الْمُؤْمِن؟ قيلَ : نَعَمَ قال: لَمْ يُفْقَد أحَدٌ ، وهوَّنَ عَليهم ، وقالَ : قَتَلاكُمْ شُهَداءٌ . وقالَ الأميرُ عَزيزٌ في ((أَخْبَارِ القَيْرَوان)): سَمَّى ابنَ تُومَرت أصْحابَه بالْمُؤَخِّدينَ ، ومَنْ خَالفَه بالْمُجَسِّمينَ ، واشْتُهرَ سَنةَ خَمسَ عَشرَةَ وخَمسٍ مئة ، وبايَعتْه هَرْغَة على أنَّه الْمَهْدِيُّ ، فقَصدَه الْمُلثَّمونَ ، فَكَسَروا الْمُلَّمِينَ، وحَازُوا الغَنائمَ ، ووَثقَت نُفُوسُهم ، (١) قال ابنُ خَلدون : وكان من رأيه القول بعصمة الإمام على رأي الإمامية من الشيعة . (٢) وتمامه: ((عَلَى الحَقِّ حَتَى تَقُومَ السَّاعَةُ))، والمراد بأهل الغرب في هذا الحديث أهل الشام ، لأنهم بالنسبة للمدينة المنورة من الجهة الشمالية الغربية ، وانظر فتح الباري : ٢٩٥/١٣ ، الطبعة السلفية . ٣٨٨ وأتَتْهُم أمدادُ القَبائِلِ ، ووُحدَتْ هنتاتَه وهي من أقْوَى القَبائلِ . ثم قالَ عَزيزٌ: لهم تَودُّد وأدَبٌ وبَشاشَةٌ، ويَلْبَسُونَ الثِّيَابَ القَصيرَة الرَّخِيصَة ، ولا يُخلون يوماً من طِرادٍ ومثاقَفة ونِضالٍ ، وكانَ في القبائل مُفسِدونَ ، فطَلبَ ابنُ تُومَرْت مَشايخَ القَبائل ووَعَظَهم ، وقالَ : لا يَصْلُحُ دينُكُم إلاَّ بالنَّهي عن الْمُنْكَر ، فابْحَثوا عن كُلِّ مُفْسدٍ، فانْهَوْهُ، فإنْ لَمْ يَنْتُهِ ، فَاكْتُبوا إليَّ أسْماءَهم ، ففَعلوا ، ثم هَذَّد ثانياً ، فأخَذَ ما تَكرَّرَ من الأسْماءِ ، فأفْرَدَها، ثم جَمَعَ القَبائلَ وحَضَّهم على أنْ لا يَغِيبَ منهم أحَدٌ، ودَفَع تلكَ الأسْماءَ إلى البَشيرِ، فَتَأْمَّلها، ثم عَرضَهم رَجُلاً رَجُلاً، فمَنْ وَجَدَ اسْمَه رَدَّه إلى الشِّمالِ ، ومَنْ لَمْ يَجِدْهُ ، بَعثَه على اليمينِ ، ثم أمَرَ بِتَكْتِيفِ أهْلِ الشِّمالِ ، وقَالَ لقَراباتِهم : هَؤلاءِ أشْقياءٌ من أهْلِ النَّارِ ، فلتَقْتُّل كلُّ قَبِيلَة أَشْقِياءَها، فقَتَلوهم ، فكانَت واقِعَةٌ عجيبة ، وقالَ : بهَذا الفِعْلِ صَخَّ دينُكُم ، وقَويَ أُمْرُكم . وفي أوَّلَ سَنةِ أَرْبَع وعِشْرِينَ وخَمسِ مئة، جَهَّزَ عِشْرِينَ ألفَ مُقاتِل عَليهم البَشِيرُ وعبدُ الْمُؤْمِن بعدَ أمُورٍ يَطولُ شَرحُها ، فالْتَّقَى الجَمْعانِ واسْتَحرَّ القَتْلُ بِالْمُوَحِّدينَ ، وقُتْلَ البَشِيرُ ، ودَامَ الحَربُ إلى اللَّيلِ فصَلَّى بهم عبدُ الْمُؤْمِن صَلاةَ الخَوْفِ، ثم تَحيَّر بِمَنْ بَقِيَ إلى بُسْتَانٍ يُعرَفُ بالبُخَيْرَة ، فراحَ منهم تحَت السَّيفِ ثلاثَةَ عَشَر ألفاً ، وكان ابنُ تُومَرْت مَرِيضاً ، فأوْصَىُ باتِباعِ عبدِ الْمُؤْمِن، وعَقَدَ له ، ولقَّبَه أميرَ المؤمنين ، وقال : هو الذي يَفْتَحُ البلادَ ، فاعْضُدوه بأنْفُسِكم وأمْوالِكم ثم ماتَ في آخِرِ سَنةِ أَرْبَع وعشرين وخَمسٍ مئة . قال اليَسَعُ بنُ حَزْم : سَمَّى ابنُ تُومَرْت الْمُرابِطِينَ بِالْمُجَسِّمين ، وما كان أهلُ الْمَغْربِ يَدِينُون إلاَّ بتنزيه الله تعالى عمَّا لا يَجبُ وَصْفُه بما يَجبُ له، مع تَرْكُ خَوْضِهم عمَّا تَقْصُرُ العُقُولُ عن فَهْمِه . إلى أن قال: فكفَّرَهم ابنُ تُومَرت لجَهْلِهِم العَرَضَ والجَوْهَر، وأنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذلك ، لَمْ يَعْرِفْ الْمَخْلُوقَ من الخَالِقِ، وبأنَّ مَنْ لَمْ يُهاجِرْ إليه ويُقاتِلْ معه ، فإنَّه حَلالُ الدَّمِ والحَريم ، وذَكرَ أنَّ غَضَبَه لله وقيامُه حِسْبَة . ٣٨٩ قال ابنُ خَلِّكان : قَبِرُه بالجَبلِ مُعظّمٌ ، ماتَ كَهْلاً وكان قُوتُه من غَزْلِ أُخْتِهِ رَغيفاً بزَيْت ، أو قَليلَ سَمْنٍ ، لمْ يَتَقِلْ عن ذلك حينَ كَثُرَت عليه الدُّنيا رَأىَ أصْحابَه يوماً ، وقد مالت نُفُوسُهم إلىْ كَثْرَة ما غَنِمُوه ، فأمَرَ بإحْراقٍ جَميعِه ، وقالَ : مَنْ أرادَ الدُّنيا فهذا له عندي ، ومَنْ كان يَبْغِي الآخِرَةَ، فجَزاؤُه عندَ الله، وكان يَتمثَّلُ كثيراً: تَجَرَّدْ مِن الدُّنْيا فإنَّك إنَّما خَرَجْتَ إلى الدُّنْيا وأنْتَ مُجَرَّدُ ولَمْ يَفْتِحِ شَيئاً من الْمَدائن، وإنَّما قَرَّرَ القَواعِدَ، ومَهَّدَ ، وبَغَتَهُ الْمَوتُ، وافْتَتْحَ بعدَه البِلادَ عبدُ الْمُؤْمِن . قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وقد بَلغَني - فيما يُقالُ - أنَّ ابنَ تُومَرت أخْفَىْ رِجالاً في قُبُور دَوَارِسَ، وجاءَ في جَماعَة لِيُرِيَهِم آيَةً يَعني فصَاحَ : أيُّها الْمَوْتَى أجِيبُوا ، فأجابُوه : أَنْتَ الْمَهْدِيُّ الْمَعْصُومُ، وأنْتَ وأنْتَ، ثمّ إنَّه خافَ من انْتِشارِ الحِيلَةَ فخَسَفَ فَوْقَهم القَبْوَ فماتُوا . وبِكُلِّ حالٍ فالرَّجُلُ من فُحُولِ العالَم، رَامَ أمْراً، فَتَمَّ له، ورَبطَ البَرْبَرَ بادِّعاءِ العِصْمَة، وأقْدَمَ على الدِّماءِ إقْدامَ الخَوارِجِ ، ووَجِدَ ما قَدَّم(١). ( ب ) عبد المُؤْمن بنُ عَليّ : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : ابنُ عَلَوي ، سلطان المغرب الذي يلقَّبُ بأمير المؤمنين ، الكُوفِيُّ القَيْسِيُّ الْمَغْربيُّ . مَولدُه بأعْمالِ تِلِمْسانَ ، وكانَ أَبُوهُ يَصنَعُ الفَخَّارَ . وكانَ الخُطباءُ إذا دَعوا له بعدَ ابنِ تُومَرْت ، قالوا : قَسيمُه في النَّسَبِ الكَريمِ مَولِدُه سَنَةَ سَبْعٍ وثَمانِينَ وأرْبَع مِنَّة . وقالَ ((الْمُعجبُ)) عبدُ الواحد الْمَرَّاكِشِيُّ: اسْتَدْعَى ابنُ تُومَرْت قبلَ مَوتِهِ الرِّجالَ الْمُسَمَّين بالجَماعَة وأهْلَ الخَمسينَ ، والثَّلاثةَ عُمرَ أرْتاجَ، وعُمرَ إنْتِي ، وعبدَ الله بنَ (١) انظر السير: (ابن تُومَرْت) ٥٣٩/١٩-٥٥٢، وانظر النزهة: ١٥٠٧ - ١٥١٣. ٣٩٠ سُلَيْمانَ ، فحَمِدَ اللهَ ثم قالَ: إنَّ اللهَ - سُبحانَه، ولَهُ الحَمْدُ - مَنَّ عَليكم أيُّها الطائفَةُ بتأييدِه ، وخَصَّكم بحَقيقَةِ تَوْحيدِهِ ، وقيَّضَ لكم مَنْ أَلْفَاكُم ضُلاَلاً لا تَهْتَدون وعُمياً لاتُبْصِرُونَ ، قد فَشَت فيكُم البِدَعُ، واسْتَهْوَتْكُم الأباطيلُ فهَداكم اللهُ به ، ونَصَرَكم ، وجَمَعَكم بعد الفُرقَة ، ورَفعَ عنكم سُلطانَ هَؤلاء المارِقينَ ، وسَيُورِثُكُم أرْضَهم ودِيارَهم ، ذلكَ بما كَسَبَتْ أيديهم ، فجَدِّدُوا لله خالِصَ نيَّاتِكُم، وأرُوهُ من الشُّكْرِ قَوْلاً وفعْلاً ممَّا يُزَكِّي به سَعيَكم، واحْذَروا الفُرقَة، وكُونوا يَداً واحِدَةً على عَدوِّكم ، فإنَّكم إِنْ فَعلتُم ذلك هابكم النَّاسُ وأسْرَعوا إلى طاعتِكُم ، وإِنْ لا تَفْعَلوا شَمِلَكم الدُّلُّ ، واحْتَقرتْكُم العامَّةُ، وعَلِيكُم بمَزْجِ الرَّقَةِ بالغِلْظَة، واللِّينَ بالعُنْفِ وقد اخْتَرْنا لَكُم رَجُلاً منكُم ، وجَعلنَاهُ أميراً بعدَ أنْ بَلَوْناهُ ، فرَأيناهُ ثَبْناً في دينِهِ مُتَبَصِّراً في أمْرِه ، وهو هذا - وأشارَ إلى عبدِ الْمُؤْمِنِ - فاسْتمعُوا له وأطيعُوا ما أطاعَ رَبَّه ، فإنْ بَدَّلَ ففي الْمُوَحِّدينَ بَرَكَةٌ وخَيْرٌ ، والأمرُ أمْرُ الله يقلِّدُه مَنْ يشاءُ فبايَعَ القَومُ عبدَ الْمُؤْمِن ، ودَعا لهم ابنُ تُومَرْت . وقال ابنُ خَلِّكان : ما اسْتخلَفَه بلْ أشارَ به قال : فأوَّلُ ما أخذَهُ من البلادِ هَورانَ ، ثم تِلِمْسانَ ، ثم فاسَ ، ثم سَلا ، ثم سَبْتَة ، ثم حاصَرَ مَرَّاكشَ أحدَ عَشرَ شَهْراً فأخذَها فِي سَنةِ اثْنَيْنٍ وأرْبَعين وخَمسٍٍ مئة ، وامْتَدَّ مُلكُه، وافْتحَ كَثيراً من الأنْدَلُس، وقَصَدتْهُ الشُّعَراءُ ولَمَّا قالَ فيه التِّفاشيُّ قَصيدَتَه : ماهَزَّ عِطْفَيْهِ بَيْنَ البِيضِ والأَسَلِ مِثْلُ الخَلَيْفَةِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ عَلي أشارَ إليه أنْ يَقْتَصِرَ على هذا المَطْلَع ، وأمرَ له بألفِ دينارٍ ، وانْقَطَعَتِ الدعْوَةُ العَبَّاسية بمَوْتِ أميرِ المسلمين عليٍّ بنِ تاشِفين وولَدِهِ تاشفينَ ، وكانت دَولَةُ تاشفينَ ثلاثَ سنين . قال ابنُ الجَوزي في (( المرآة)»: اسْتولَىُ عبدُ الْمُؤْمِنِ على مَرَّاكشَ فقَتلَ الْمُقاتِلَةَ وكفّ عن الرعيَّة وأحْضَرَ اليَهُودَ والنَّصَارَىْ وقالَ: إنَّ الْمَهْدِيَّ أمَرَني أنْ لا أُقِرَّ النَّاسَ إلاَّ علىُ مِلَّةِ الإِسْلامِ، وأنا مُخَيُِّكم بينَ ثَلاث، إمّا أن تُسْلِموا، وإمَّا أن تَلْحَقُوا بدارٍ الحَرْب ، وإمَّا الَقَتَلُ فأسْلمَ طائفَةٌ ولَحِقَتْ أُخْرَى بدارِ الحَرْب، وخرَّبَ كَنائسَهم ، ٣٩١ وعَمِلَها مَساجِدَ وألغَى الجِزْيَةَ ، فَعَلَ ذلك في جَميعِ مَدائِهِ ، وأنْفَقَ بُيوتَ الأمْوالِ وصَلَّى فيها اقْتِداءً بعَليٍّ، وليُريَ النَّاسَ أنَّه لا يَكْنِزُ الْمَالَ، وأقامَ كَثيراً من مَعالِمِ الإسْلامِ مع سِياسَةٍ كامِلَةٍ . ونادَىُ: مَنْ ترك الصَّلاةَ ثَلاثاً فاقْتُلُوهُ، وأزَالَ الْمُنْكَرَ ، وكانَ يَؤْمُّ بِالنَّاسِ ، ويَتْلُو في اليَومِ سَبعاً، ويَلبَسُ الصُّوفَ الفاخِرَ، ويَصومُ الإِثْنينِ والخَميسَ ، ويُقَسِّمُ الفَيْءَ بالشَّرعِ فَأحَبُّوهُ . قالَ عَزِيزٌ في كتاب ((الجمع )): كانَ عبدُ الْمُؤْمِنِ يأْخُذُ الحَقَّ إذا وَجَبَ علىَ وَلِدِهِ ، ولَمْ يَدَعْ مُشْرِكاً في بِلادِهِ لا يَهُودياً ولا نَصْرانياً فجَميعُ رَعيَّته مُسلمونَ . وكانَ عبدُ الْمُؤْمِنِ مُؤثِراً لأهْلِ العلم، مُحبّاً لهم، ويَجزِلُ صِلاتَهم وسُمِّيَت الْمَصَامِدَةُ بِالْمُوَحِّدينَ لأجْلِ خَوْضِ الْمَهْدِيِّ بهم في عِلمِ الاعْتقادِ والكَلامِ . وكان عبدُ الْمُؤْمِنِ رَزيناً وَقُوراً، كاملَ الشُّؤدد، سَرياً، عالي الهمَّة، خَليقاً للإمَارَة، واخْتَلَّت أحْوالُ الأَنْدَلُسِ، وتَخاذَلَ المُرابِطونَ وَآثَروا الرَّاحَةَ، واجْتَراً عليهم الفِرَنْجُ ، وانْفَردَ كُّ قائدٍ بمَدينَة وهاجَت عليهم الفِرَنْجُ ، وطَمِعُوا ، فجَهَّزَ عبدُ الْمُؤْمِنِ عُمَرَ إِيْتِي فَدَخَلَ إلى الأنْدَلُسِ، فَأَخَذَ الجَزِيرَةَ الخَضْراءَ ، ثم رُنْدَة ، ثم إِشْبِيلِيَة ، وقُرْطُبَةَ، وغَرْناطَةَ، ثم سارَ عبدُ الْمُؤْمِنِ بجيوشه، وعدَّى البحرَ من زُقَاقِ سَبْتَة ، فنزلَ جَبلَ طَارِق ، وسَمَّهُ جَبلَ الفَتْحِ، فأقامَ أشْهُراً، وبَنى هناك قُصوراً ومَدينَة ، ووَفِدَ إليه كُبَرَاءُ الأَنْدَلُسِ ، وقامَ بَعضُ الشُّعَراءِ مُنْشِداً : أيْنَ المَفَرُ وخَيْلُ اللهِ فِي الطَّلَبِ ما للعِدَى جُنَّةٌ أَوْقَى مِنَ الهَرَبِ وقَدْ رَمَتْهُ سِهَامُ اللهِ بِالشُّهُبِ وأيْنَ يَذْهَبُ مَنْ فِي رَأْسِ شَاهِقَةٍ والبَحْرُ قَدْ مَلَ البَرَّيْنِ بِالعَرَبِ حَدِّثْ عن الرُّومِ فِي أَقْطَارٍ أنْدَلُسٍ فأُعْجِبَ بها عبدُ الْمُؤْمِنِ ، وقال: بمثل هذا يُمدَحُ الخُلَفَاءُ، ثم أمَّر على إشبيلية ولدَه يُوسُفَ، وعلىْ قُرْطُبَةَ أبا حَفْصٍ عُمَرَ إِيْنْتِي، وعلىُ غَرْناطَةَ عُثْمَانَ وَلدَه، وقَرَّر بالأنْدَلُس جَيشاً كثيفاً من الْمَصَامِدَة والعَرَبِ وقَبائلِ بَني هِلال ، وكان قد حارَبَهم مُّدَّة ، ٣٩٢ وظَفِرَ بهم، وأذلَّهم ، ثم كاتَبَهم ولاطَفَهم، فخَدَموا معه، وخَلعَ عَليهم ، وكانَ دُخولُه إلى الأنْدَلُسِ فِي سَنةِ ثَمَانٍ وأرْبَعِينَ وخَمْسٍ مئة . قالَ عبدُ الوَاحِدِ الْمَزَّاكِشيُّ: حدَّثني غَيرُ واحِدٍ أنَّ عبدَ الْمُؤْمِنِ لَمَّا نَزَلَ سَلا - وهي على البَحرِ المُحيطِ يَنصَبُّ إليها نَهرٌ عَظيمٌ وَيَمُرُّ في البَحْرِ - عَبَرَ النَّهْرَ، وضُربَت له خَيمةٌ، وجَعلَت جيوشُه تَعْبُ قَبِيلَةً قَبيلةً فَخَرَّ ساجِداً ، ثم رَفَعَ وقد بَلَّ الدَّمْعُ لِحْيَتَه ، فقالَ : أَعْرِفُ ثَلاثَةً وَرَدُوا هذه المَدِينَةَ، لا شَيءَ لهم إلاَّ رَغيفٌ واحِدٌ ، فرامُوا عُبُورَ هذا النَّهْرِ، فَبَذَلُوا الرَّغيفَ لصاحِبِ القَارِبِ على أنْ يُعَدِّي بهم، فقالَ: لا آخُذُه إلاَّ عن اثْنَيَن ، فقالَ أحَدُهم وكانَ شَابّاً : تأْخُذُ ثيابي وأنا أسْبَحُ ، ففَعَلَ، فكان الشَّابُّ كلما أعْيا ، دَنا من القارِبِ ، ووَضَعَ يدَه عليه يَستريحُ ، فَيَضْرِبُه بالْمِجْدافِ فما عدَّى إلاَّ بعدَ جَهْدٍ فما شَكَّ السَّامِعُونَ أنَّه هو السَّابِحُ، والآخَرانِ ابنُ تُومَرْت ، وعبدُ الواحِد الشَّرقي . وقالَ ابنُ الأثير : نازَلَ عبدُ الْمُؤْمِنِ الْمَهْدِيَّةَ، فَبَرَزَ شُجْعانُ الفِرَنْجِ ، فنالوا من عَسْكِرِهِ، فأمَرَ ببناءِ سُورٍ عَليهم ، وصَابَرَهم وأخَذَ سَفَاقِسَ وطَرابُلْسَ وقابِسَ ، وجَرَت أمُورٌ وحُروبٌ يَطُولُ شَرْحُها ، وجَهَّزَ مَنِ افْتَتَحَ تَوزَرَ وبلادَ الجَريدِ وطَرَدَ عنها الفِرَنْجَ ، وطَهَّرَ إِفْرِيقِيَّةَ من الكُفْرِ ، وتَكمَّلَ له مُلكُ الْمَغْربِ من طَرابُلْسَ إلى السُّوسِ الأَقْصَىّ وأكْثُرُ مَمْلَكَةِ الأَنْدَلُسِ ، ولو قَصَدَ مِصْرَ لأخَذَهَا ، ولَمَا صَعُبَت عَليه . وَلَّمَا دَخَلَت سَنةُ ثَمانٍ وخَمسين وخَمسٍ مئة أمَرَ الجَيشَ بالجهازِ لِجِهَادِ الرُّومِ واسْتَنفَرَ النَّاسَ عاماً ، ثم سارَ حتى نَزَلَ بسَلا، فمَرِضَ، وجاءَه الأجَلُ بها في السَّابعِ والعِشْرينَ من جُمادَى الْآخِرَة ، وارْتَجَّت الْمَغْرِبُ لِمَوْتِه وكانَ قد جَعَلَ وَليَّ عَهِدِهِ ابنَه مُحمَّداً ، وكانَ لا يَصلُحُ لطَيْشِه وجُذامٍ به ولشُرْبِهِ الخَمْرَ ، فَتَملَّكَ أيّاماً ، وخَلَعوه ، واتَّفَقوا على تَوْلِيَهِ أخيه يُوسُفَ بنِ عبدِ الْمُؤْمِنِ ، فَبَقيَ في المُلكِ اثْنَتَينٍ وعشرين سَنةً ، وخلَّفَ عبدُ الْمُؤْمِنِ سَّةَ عَشرَ وَلداً ذَكَراً . قالَ صاحبُ كتابِ (( الجمع)) : وَقَفتُ على كتابٍ كَتَبَه عن عبدِ الْمُؤْمِنِ بعضُ ٣٩٣ كُتَّابِه : من الخَلِيفَة الْمَعْصُومِ الرَّضيِّ الزَّكيِّ، والذي بَشَّرَ به النَّبيُّ العَربيُّ، القامِعُ لكُلَّ مُجَسِّمٍ غَويٍّ، النَّاصِرُ لدين الهِ العَليّ أميرِ المؤمنينَ عبدِ الْمُؤْمِنِ بنِ عَليّ(١). (ج) يُوسُف بن عبد المُؤمن : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : الُّلطانُ الكَبيرُ ، أبو يَعْقُوبَ يُوسُفُ ابنُ السُّلطانِ عبدِ الْمُؤْمِنِ بنِ عَلِّي ، صاحبُ الْمَغْرِبِ . تَمَلَّكَ بعد أخيه الْمَخْلوعِ مُحمَّد لطَيشه، وشُرِبِهِ الخَمْرَ ، فخُلِعَ بعدَ شَهِرٍ وِنِصْف ، وبُويعَ أبو يَعْقُوب، وكانَ شَيخاً مَليحاً ، أبْيَضَ بِحُمْرَة، مُسْتَدِيرَ الوَجْه ، أَقْوَهَ ، أعْيَنَ، تَامَّ القَامَةِ، حُلْوَ الكَلامِ فَصيحاً ، حُلْوَ الْمُفَاكَهَةِ، عارِفاً باللُّغَة والأخْبارِ والفِقْهِ ، مُتَفَيِّاً ، عالِيَ الهِمَّة، جَوَاداً، مَهيباً ، شُجاعاً ، خَلِيقاً للمُلكِ . قالَ عبدُ الواحِد بنُ عليّ الثَّميمي: صَحَّ عندي أنَّه كان يَحْفَظُ أحدَ الصَّحيحَين ، أظُنُّه البُخاريَّ . قالَ : وكان سَديدَ الْمُلوكِيَّة، بَعيدَ الهِمَّة، جَواداً، اسْتَغنى النَّاسُ في أيّامه ، ثم إِنَّه نَظَرَ في الطِّبِّ والفَلْسَفَةِ، وحَفِظَ أكثرَ كتابِ ((الملكي)) وجَمعَ كُتَبَ الفَلَاسِفَة ، وتَطلََّها من الأقْطارِ، وكانَ يَصْحَبُه أبو بَكْر مُحمَّدُ بنُ طُفَيْلِ الفَيْلَسوفُ فكان لا يَصبرُ عنه . وفي وَسَط أيّامه خَرجَ عليه سَبْعُ بنُ حيَّان ومَزَدَغْ فِي غُمَارَةٍ(٢) ، فحارَبَهما ، وأسَرَهما ، ودَخلَ الأنْدَلُسَ فِي سَنةِ سَبعٍ وسِتَينَ وخَمسٍ مئة للجِهادِ ، ويُضْمِرُ الاسْتيلاءَ على باقي الجَزيرَة، فَجَهَّزَ الجَيشَ إِلَى مُحمَّدِ بنِ سَعْد بن مَرْدَنيش، فالْتَّقُوا بقُربٍ مُرْسَيَةَ، فانْكَسَرَ مُحمدٌ، ثم ضايَقَه الْمُوَحِّدونَ بمُرْسَيَة مُدَّة، فماتَ، وأخَذَ أبو يَعْقوب بلادَه، ثم سارَ ، فنازَلَ مَدينَةَ وَبْذَى فحاصَرَها أشْهُراً ، وكادُوا أنْ يُسْلِموها (١) انظر السير: (عبد المؤمن بن عليّ) ٣٦٦/٢٠ -٣٧٥، وانظر النزهة: ١٥٦٢ عبد المؤمن بن عليّ. (٢) اسم القبيلة التي ثار فيها سَبْعُ بن حيّان ، وقال عبد الواحد : والقبيلة المذكورة لا يكاد يحصرها ولا يحدّها حزر لكثرتها . ٣٩٤ من العَطَشِ، ثم اسْتَسْقوا - لَعَنهم الله - فسُقوا، وامتلأت صَهاريجُهم، فرَحَلَ ، وهادَنَ الفُنْشَ، وأقامَ بإِشْبيليَة سَنتَيْن ونِصْفاً، ودانَت له الأنْدَلُسُ، ثم رَجعَ إلى الشُّوسِ سَنةَ إِحْدَىُ وسَبعينَ وخَمسٍ مئة لتَسكنَ فِتْنٌّ وَقَعَت بينَ الْبَرْبَر . وكانَ فَقيهاً يَتَكلَّمُ فِي المَذاهِبِ ويَقولُ : قَولُ فُلانٍ صَوابٌ ، ودَليلُه من الكتاب والسُّنَّة كَذا وكذا(١) . قال عبدُ الواحد : لمَّا تَجَهزَ لغَزْوِ الرُّومِ، أَمَرَ العُلَماءَ أن يَجْمَعوا أحَادِيثَ في الجهاد تُملَى على الجُند، وكان هو يُملِي بنفسِه، وكِبارُ المُوَحِّدِين يَكْتُبُون في ألْوَاحِهم وكان يُسَهِّلُ عليه بَذْلَ الأموَالِ سِعَةُ الخَرَاجِ ، كان يأتِيه من إفريقيةَ في العامِ مئةٌ وخمسونَ وَقْرَ بِغْلِ واسْتَنْفَرَ في سنةٍ تِسْعِ وسَبعينَ أهلَ السَّهْلِ والجَبَلِ والعَرَبِ ، فَعَبَرَ إلى الأنْدِلُسِ، وقَصَدَ شَنْتَرِيْنَ بِيَدِ (٢) ابنِ الرِّيقِ، لَعَنَه الله، فحَاصَرَها مُدَّةً، وجَاءَ البَردُ فقال : غداً نتَرَخَّلُ ، فكان أولَ مَنْ قَوَّضَ مُخَيَّمَه عليٌّ بنُ القاضِي الخَطِيب ، فلمَّا رَآه النَّاسُ، قَوَّضُوا أَخْبِيَتَهم، فكَثُر ذلك، وعَبَرَ لَيْلَئِذِ العَسْكَرُّ النَّهرَ، وتَقَدَّموا خَوفَ الازْدِحامِ، ولَمْ يَدْرِ بذلك أبو يَعْقُوب، وعَرَفَتِ الرُّوم ، فانْتُهَزُوا الفُرْصَةَ ، وبَرَزُوا ، فحَمَلُوا عَلى النَّاسِ ، فَكَشَفُوهم ، ووَصَلوا إلى مُخَيَّمِ السُّلطانِ ، فَقُتِلَ على بابِهِ خَلقٌ من الأبطال، وخُلِصَ إلى السُّلطانِ ، فطُعِنَ تحتَ سُرَّتِه ◌َطَعْنَةً مات بعدَ أيامٍ منْها ، وتَدَارَكَ النَّاسُ، فَهَزَموا الرُّومَ إلى البلدِ وهَرَبَ الخَطيبُ، ودَخَلَ إلى صاحِبٍ شَنْتُرِينَ، فَأَكْرَمَه ، واحْتَرَمَه، ثم أخَذَ يُكاتِبُ المُسلمينَ ، ويَدُّلُ علىَ عَوْرَةِ العَدُوِّ فَأحْرَقُوه ، ولَمْ يَسِيرُوا بأبي يَعقُوبَ إلاَّ لَيْلِتَيْنِ وتُوفِّي، وصَلَّى عليْه وصُبِّر في تابوتٍ ، ويُعِثَ إِلَىْ تَيْنَمَلَّ (٣) ، فدُفِنَ مع أبيه وابنٍ تومرت مات سنةً ثمانين وخمس مئة ، وبايَعُوا ابنَه يَعقُوبَ (٤). (١) انظر السير: ( ابنُ عبد المؤمن) ٩٨/٢١ -١٠٣، وانظر النزهة: ١٦٠٢ / ابنُ عبد المؤمن. (٢) يعني التي بيد . (٣) جبال بالمغرب بينها وبين مرّاكش ثلاثة فَراسخ . (٤) انظر السير: (ابنُ عبد المؤمن) ٩٨/٢١ -١٠٣، وانظر النزهة: ١/١٦٠٣. ٣٩٥ (د) يَعْقوبُ بن يُوسُف ( صاحِبُ الْمَغْرِب ) : قالَ الإمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الكَبِيرُ، الْمُلَقَّبُ بأميرِ المؤمنينَ الْمَنْصُورُ، أبو يُوسُف، يَعقُوبُ ابنُ الشُّلطانِ يُوسُف ابنِ السُّلطانِ عبدِ الْمُؤْمِنِ بنِ عِلِيٍّ، الْمَغْرِبِيُّ، الْمَرَّاكشيُّ، الظَّاهِرِيُّ، وأُّه رُومِيَّةَ اسْمُها سَحَر عَقَدوا له بالأمْرِ سَنةَ ثَمانينَ وخَمسٍ مئة عندَ مَهْلكِ أبيه ، فكانَ سِنُّهُ يَومئذٍ ثِنْتَين وثَلاثينَ سَنةً عَمِلَ الوَزارَةَ لأبيه ، وخَبَرَ الخَيْرَ والشَّرَّ . ولَمَّا تَملَّكَ، كانَ حَولَه مُنافسونَ له من عُمومَتِهِ وإخْوَتِه ، ثم تَحَوَّلَ إلی سَلا ، وبها تَمَّت بَعتُه، وأَرْضَى آلَه بالعَطاءِ، وبَنى مَدينةً تَلِي مَرَّاكِشَ على البَحرِ، فما عَتمَ أنْ خَرِجَ عليه عَليُّ بنُ غانيَة الْمُلثَّم، فَأَخَذَ بِجايَةَ، وخَطبَ لِلنَّاصِرِ العَبَّاسِيِّ، فكانَ الخَطيبُ بذلك عبدُ الحَقِّ مُصنِّفُ ((الأحْكامَ))، ولَوْلا حُضورُ أجَلِه، لأَهْلَكَه الْمَنْصُورُ . ثم تَملَّكَ ابنُ غانيَة قَلْعَةَ حمَّاد، فسارَ الْمَنْصُورُ، واسْتردَّ بِجَايَةَ ، وجَهَّزَ جَيشَه ، فالْتُّقاهم ابنُ غانيَة فمَزَّقَهم، فسارَ الْمَنْصُورُ بنفسِه، فَكَسَرَ ابنَ غانيَة ، وذَهبَ مُثْخَناً بالجِراحِ ، فماتَ في خَيمَةِ أعْرابيّةٍ ، وقَدَّم جَيشُه عليهم أخاه يَحْبَى فانْحازَ بهم إلى الصَّحْراءِ مع العَرَبِ ، وجَرَتْ له حُروبٌ طَوِيلَةٌ واسْتردَّ الْمَنْصُورُ قَفْصَةَ ، وقَتلَ في أهْلِها، فأسْرَفَ ثم قَتلَ عَمَّيْهِ سُليمانَ وعُمَرَ صبراً، ثم نَدم، وتَزهَّدَ وتَقَشَّفَ، وجالَسَ الصُّلَحاءَ والْمُحَدِّثينَ، ومالَ إلى الظَّاهِرِ، وأغْرَضَ عن الْمَالِكِيَّة، وأحْرَقَ ما لا يُحْصَى من كتُبِ الفُروعِ (١) . قال عبدُ الواحدِ بنِ عليٍّ : كنتُ بفاسَ ، فشهدتُ الأحْمالَ يُؤْتَى بها، فتُحْرَق ، وتَهدَّدَ على الاشْتغالِ بالفُروعِ، وأمَرَ الحُفَّاظَ بجَمِعِ كتابٍ في الصَّلاةِ من (الكُتُبِ الخَمسَة)، و((المُوَطَّأ))، وَ((مُسْنَدِ ابنِ أبِي شَيْبَة))، و((مُسْندِ البَزَّار))، و(( سُنَّنِ الدَّارَقُطْنِي))، و(( سُنَنِ البَيْهَقِيِّ)) كما جَمِعَ ابنُ تُومَرت في الطَّهَارَة ثم كان يملي ذلك (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٦. ٣٩٦ بنَفْسِه على كبارِ دَولَتِهِ، وحَفِظَ ذلك خَلقٌ، فكانَ لمَنْ يَحفَظُه عَطاءٌ وخِلْعَةٌ إلى أنْ قالَ: وكانَ قَصْدَه مَحْوُ مَذهَب مالك من البلادِ ، وحَمْلُ النَّاسِ على الظَّاهِر ، وهذا المَفْصِد بعَينِه كان مَقْصِدَ أبيه وجدِّه ، فلَمْ يُظْهِراهُ، فأخْبَرني غَيرُ واحد أنَّ ابنَ الجَدُّ أُخْبَرَهم قالَ : دَخلتُ على أميرِ المُؤمنينَ يوسُفَ ، فوَجدتُ بينَ يدَيه كتابَ ابنِ يُونُس ، فقالَ: أنا أَنْظُرُ في هذه الآراء التي أُحْدِثَت في الدِّين ، أرأيتَ المَسْألَةَ فيها أقْوالٌ ، ففي أيُّها الحَقُّ ؟ وأيُّها يَجبُ أنْ يَأْخُذَ به المُقدِّد ؟ فافْتَتَحتُ أُبَيِّنُ له ، فقَطَعَ كَلامي ، وقالَ : لَيسَ إلا هذا، وأَشَارَ إلى المُصْحَفِ، أوْ هذا وأشارَ إِلى (( سُنَنِ أبي داوُدَ))، أو هذا ، وأشارَ إلى السَّيفِ . قالَ يَعقوبُ: يا مَعْشرَ المُؤَخِّدينَ ، أنْتُم قَبائِلُ، فمَنْ نابَه أمرٌ ، فَزِعَ إلىْ قَبِيلَتِهِ ، وهؤلاء - يَعني طَلبَةَ العِلمِ - لا قَبِيلَ لهم إلاَّ أنا، قالَ: فَعَظُمُوا عند المُوَحِّدينَ(١). وقالَ الإمامُ الذهَبِيُّ : وفي سَنةِ خَمسٍ وثمَانِينَ وخَمسِ مئة غَزَا صاحِبُ المَغرِبِ الشُّلطانُ يَعْقُوبُ بنُ يُوسُفَ الفِرَنْجَ، ثمَّ رَجَعَ ، فمَرِضَ ، وتَكَلَّمَ أخُوهُ أبو يَحْيَى في المُلكِ، فلمَّا عُوفِيَ قَتَلَهُ ، وَتَهَدَّدَ القَرَابَةَ(٢). وفي سَنةِ تَسْعِينَ انْتُقَضَتْ الهُدنَةُ، فَتَجَهَّزَ ، وعَرَضَ جُوشَه بإشْبيليةَ، وأَنْفَقَ الأموالَ ، فقَصَدَهُ الْفُنْشُ فالْتَّقَوْا، وكان النَّصرُ عَزِيزاً ، ما نَجَا الْفُنْشُ إلَّ في شُرَئِذِمَةٍ ، واسْتُشْهِدَ من الكِبارِ جَماعَةٌ ، واسْتَوْلَىْ يَعْقُوبُ علىْ قِلَاعِ ، ونَازَلَ طُلَيْطِلَةَ ، ثمَّ رَجَعَ ، ثُمَّ غَزَا وَوَغَّلَ ، بحيثُ انْتُهى إلى أرْضٍ ما وَصَلَتْ إليها المُلوكُ ، فَطَلَبَ الْفُنْشُ المُهَادَنَةَ، فَعُقِدَتْ عَشْراً، ثمَّ رَدَّ السُّلطانُ إلى مرّاكُشَ بعد سَنَينٍ ، وصَرَّحَ بِقَصْدِ مِصْرَ . وكان يَتَوَلَّى الصَّلاةَ بنفسِه أشْهُراً، فَتَعَوَّقَ يوماً، ثمَّ خَرَجَ، وهم يَنْتُظِرُونَه ، فلامَهُم ، وقال : قد قَدَّمَ الصَّحابَةُ عبد الرَّحمنِ ابنَ عَوْفٍ للعُذْرِ ، ثمَّ قَرَّرَ إِمَاماً عنه ، (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٦. (٢) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١ -٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٧. ٣٩٧ وكان يَجْلِسُ للحُكْمِ، حتى اخْتَصَمَ إليه اثنانِ فِي نِصْفٍ (١) ، فقَضَىْ، ثمَّ أَذَّبَهُما، وقال : أمَا كان في البَلَدِ حُكَّامٍ . وكان يَجْمَعُ الأَيْتَامَ في العَامِ ، فَيَأْمُرُ للصَّبِيِّ بدينارٍ وَثَوبٍ وَرَغِيفٍ ورُمَّانِةٍ(٢) . وبَنَى صَاحبُ المَغربِ السُّلطانُ يَعْقُوبُ بنُ يُوسُف مارستاناً ما أظنُّ مثله، غَرسَ فيه من جَميعِ الأشْجَارِ، وزَخْرَفَه وأجْرَى فيه الميَاهَ ، ورَتَّبَ له كُلَّ يومٍ ثَلاثينَ دينَاراً للأدويةِ، وكان يَعُودُ المَرضَىْ في الجُمُعَة . وكان لا يقُولُ بالعِصْمَةِ في ابنٍ تُومَرْت . وسَأَلَ فَقِيهاً : ما قَرأْتَ؟ قال : تَوالِيفَ الإمَام ، قال: فَزَوَّرَنِي ، وقال : ما كذا يُقُولُ الطالِبُ! حُكمكَ أنْ تقولَ : قَرأْتُ كتَابَ اللهِ ، وقَرأتُ من السُّنَّةِ ، ثمَّ بعدَ ذا قُلْ ما شِئْتَ . وكانت مَجَالسُه مُزْيَّنَةً بحُضُورِ العُلمَاءِ والفُضَلاءِ ، تُفْتَتَعُ بالتِّلاوَة ثمّ بالحَديثِ ، ثمّ يَدعُو هوَ، وكان يُجِيدُ حِفْظَ القُرآنِ، ويَحفَظُ الحَديثَ، ويَتَكلَّمُ في الفِقْهِ ، ويُنَاظِرُ ، ويَنْسِبُونَهَ إلى مَذْهِبِ الظَّاهِر، وكان فَصيحاً ، مَهيباً، حَسَنَ الصُّورَة ، تَامَّ الخِلْقَةِ ، لا يُرَى منه اكْفِهْرارٌ، ولا عن مُجالِسِه إِعْراضٌ، بِيِّ الزُّهَّادِ والعُلماء ، وعَليه جَلالَةٌ المُلُوكِ، صَنَّفَ في العِبادات ، وله ( فَتَاوٍ ) ، وبَلَغَني أنَّ السُّودانَ قَدَّموا له فِيلاً فوَصَلَهم، ورَدَّه ، وقال : لا نُريدُ أن نكونَ أصْحَابَ الفيلِ، وكان يَجْمَعُ الزَّكَاةَ، ويُفَرِّقُها بِنَفْسِهِ، وعَمِلَ مَكْتَباً للأيتامِ، فيه نَحْوَ ألفِ صَبِيٍ، وعَشْرَةُ مُعَلِّمُونَ ، حَكَىْ لي بَعضُ عُمَّالِه: أنَّه فَرَّقَ في عيدٍ نَّهَاً وسَبعينَ ألْفَ شاةٍ . وقال عبدُ الواحد : كان مُهْتَمَّاً بالبناءِ ، كُلَّ وَقتٍ يُجَدِّدُ قَصراً أو مَدينةً، وأنَّ الذين أسْلَمُوا كُرهاً أمَرَهُم بِلِبْسٍ كُحْلِيٍّ وأكْمَامِ مُفْرِطَةِ الُولِ ، وكلوتاتٍ ضخمةٍ بَشِعَةٍ ، ثمَّ ألْبَسَهم ابنُهُ العَمَائِمَ الصُّفْرِ ، حَمَلَ يَعقُوَبَ على ذلكَ شَكُهُ فِي إِسْلامِهِم ، ولَمْ تَنْعَقِد (١) يعني في نصف درهم . (٢) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٧. ٣٩٨ عندنا ذمَّةٌ لِيَهُودِيٍّ ولا نَصْرانيّ مُنذُ قَامَ أمْرُ المَصَامِدَة ، ولا في جَميعِ المَغْرِبِ كَنيسَةٌ ، وإِنَّمَا اليَهُودُ عندنا يُظْهِرونَ الإسْلامَ، ويُصَلُّونَ ، ويُقْرِئُونَ أوْلادَهُم القُرآنَ جارينَ على مِلَّتِنَا . وكان ابنُ رُشْد الحفيدُ قد هَذَّبَ له كتابَ «الحَيَوان))، وقال: الزُّرافة رأيتُها عند مَلِكِ البَرْبَر ، كذا قال غيرَ مُهتبل، فأَحْنَقَهُم هذا ، ثمَّ سَعَى فيه مَنْ يُناوِتُه عند يَعقُوبَ فَأَرَوْهُ بِخَطِّهِ حاكياً عن الفَلَاسِفَةِ أنَّ الزُّهْرَةَ أحَدُ الآلِهَةِ ، فَطَلَبَه ، فقال: أهذا خَطُّك ؟ فأنْكَرَ، فقال: لَعَنَ اللهُ مَنْ كَتَبَه، وأمَرَ الحاضِرينَ بلَعْنِهِ، ثمَّ أَقَامَه مُهَاناً، وأحْرَقَ كُتُبَ الفَلْسَفَةِ سِوَى الطِّبِّ والهَنْدَسَةِ(١) . وقد كَتبَ صَلاحُ الدِّين إلى يَعْقُوبَ يَسْتَنْجِدُ به في حِصَارِ عَكًَّا، ونفَّذ إليه تَقدمةً ، وخَضعَ له ، فما رَضيَ لكَوْنِه ما لَقَّبَه بأميرِ المؤمنينَ(٢). وقيلَ : إنَّ يَعْقُوبَ أَبْطَلَ الخَمرَ في مَمالِكِه ، وتَوَّدَ عَليها فعُدمَت ، ثم قالَ لأبي جَعْفَرِ الطَّبِيبِ : رَكِبْ لنا تزْياقاً، فأعْوَزَهُ خَمرٌ، فأخْبرَه بذلك، فقال: تَلَطَّفْ في تَحْصيلِه سِرّاً، فحَرِصَ ، فعَجَزَ فقالَ الْمَلكُ : ما كانَ لي بالتُّزْياقِ حاجَةً ، لكنْ أَرَدتُ اختبار بلادي . ماتَ سنةً خَمسٍ وتسْعينَ وخَمْسٍ مئة (٣). (هـ) مُحمَّد بن يَعْقوب (صاحِبُ الغَرْبِ ) : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ أبو عبدِ الله الملكُ النَّاصِرُ مُحمَّدُ ابنُ السُّلطانِ يَعْقُوبَ ابنِ السُّلطانِ يُوسُفَ بنِ عبدِ الْمُؤْمِنِ بنِ عَلَيِّ القَيْسيِّ، وأُمه رُومِيّة اسْمُها زَهْر . تَملَّكَ البلادَ بعَهْد من أبيه مُتقدِّم وكانَ أشْقَرَ أَشْهَلَ، أسْيَلَ الخَدِّ مَلِيحَ الشَّكلِ ، كَثِيرَ (١) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٨. (٢) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ١/١٦٢٩. (٣) انظر السير: (صاحب المغرب) ٣١١/٢١-٣١٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٢٩. ٣٩٩ الصَّمْتِ والإطْراقِ ، شُجاعاً مَهيباً ، بَعيدَ الغَوْرِ حَليماً ، عَفيفاً عن الدِّماءِ ، وفي لِسانِه لَشْغَة، وكان يُبخَّل(١). فَرَغَتْ هُدنَةُ الفِرَنْجِ ، فَعَبَرَ السُّلطانُ بجُيُوشِه إلى إِشْبِيَّةَ ، ثمَّ تَحرَّكَ فِي سَنةِ ثمانٍ وستِ مِئَةٍ لِجِهَادِ العَدُوِّ، فَنَازَلَ حِصْناً لهم فأخَذَهُ فسَارَ ألْفُنشُ في أقاصِي المَمَالِك يَسْتَنْفِرُ عُبَّدَ الصَّلِيبِ، فاجْتَمَعَتْ له جُيوشٌ ما سُمِعَ بمثلِها، ونَجَدَتْه فِرَنْجُ الشَّامِ ، وعَسَاكِرُ القُسْطَنْطِينِيَّة، ومَلكُ أرْغُن البَرْشلونيّ، واسْتَنْفَرَ السُّلطانُ أيضاً النَّاسَ ، والْتَّقَى الجَمعَانِ، وتُعْرَفُ بوَقْعَةِ العِقابِ، فَتَحَمَّلَ الْفُنْشُ حَمْلةً شَديدةً ، فَهَزَمَ المُسلمِينَ ، واسْتُشْهِدَ خَلْقٌ كثيرٌ، وكان أكْبَرَ أسْبابِ الكَسْرَةِ غَضَبُ الجُندِ من تَأَخْرٍ عَطَائِهِم، وثَبُتَ الشُّلطانُ ثبَاتاً كُلِّياً، لَوْلاهُ لاسْتُفْصِلَ جَيشُه، وكانت المَلْحَمَةُ في صَفَرَ ، سَنَةَ تِسعِ وسِتِّ مِئَةٍ ، ورَجَعَ العَدُوُّ بغَنَائِمَ لا تُوصَفُ، وأَخَذُوا بِيّاسة معُنْوَةً ، فإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . مَرِضَ السُّلطانُ أيَّاماً، ومَاتَ سَنَةَ عَشْرِ وسِتْ مِئَةٍ وكانت أيَّامُه خَمْسَةَ عَشرَ عاماً ، وقَامَ بعدَه ابنُهُ المُسْتَنْصِرُ يُوسُف عَشْرَةَ أَعْوَامٍ (٢). ( و ) يُوسُف بن مُحمَّد : قالَ الإِمامُ الذهَبِيُّ في تَرْجَمتِهِ : السُّلطانُ الْمُسْتَنِصِرُ بالله أبو يَعقُوبُ يُوسُفَ بنِ مُحمَّد بنِ يَعقُوبَ الْمُؤْمِنيُّ . تَملَّكَ الْمَغْرِبَ سَنةً عَشرٍ وسِتِّ مئة ، وكان بَديعَ الحُسنِ ، بَلِيغَ الْمَنْطِقِ غارِقاً في وادي اللَّهْوِ والبَطَالَة . وُلدَ سَنة أَرْبَع وتِسْعينَ وخَمسٍ مئة، فملَّكوهُ وله سِتَّ عَشرةَ سَنةٍ فِضَيَّعُوا أمْرَ الأُمّة. مات الْمُسْتَنْصِرُ في سَنةِ عِشرينَ وسِتٌّ مئة ولَمْ يُخلِّفْ وَلداً، فمَلَّكَت الْمُوَحِّدونَ بعدَه عَمَّ أبيه عبدَ الوَاحِد(٣). (١) انظر السير: (صاحب الغرب) ٣٣٧/٢٢-٣٣٩، وانظر النزهة: ١/١٦٩٨. (٢). انظر السير: (صاحب الغرب) ٣٣٧/٢٢-٣٣٩، وانظر النزهة: ٢/١٦٩٨. (٣) انظر السير: (ابنه) ٣٣٩/٢٢ - ٣٤٠، وانظر النزهة: ١٦٩٩ / ابنه. ٤٠٠