Indexed OCR Text

Pages 181-200

ما صَحَّ ، وتَرَكتُ من الصِّحاحِ كَي لا يَطولَ الكتابُ(١) .
وجاءَ في تَرَجمَة الإمام مُسْلمٍ ، قال الذهبيُّ : هو الإمامُ الكَبيرُ الحافظُ المُجَوِّدُ
الحُجَّة الصَّادِقُ ، أبو الحُسَين ، مُسْلمُ بنُ الحَجَّاجِ ابنُ مُسْلم بنُ وَرْد كُوشاذ
القُشَيْرِيُ(٢). النِّيسابوريُّ، صاحِبُ ((الصَّحيح)) فلعلَّه من مَوالي قُشَير .
لمْ يَروِ التِّرْمذيُّ في ((جامِعِه)) عن مُسْلمٍ سِوَى حَديثٍ واحِدٍ .
قالَ أحمَدُ بنَ سَلمَة: رَأيتُ أبا زُرْعَة وأبا حاتم يُقَدِّمانِ مُسْلماً في مَعْرِفَةِ الصَّحيح
على مَشايخ عَصرِهما .
قال أبو عَمرو بن حمدان: سألتُ الحافِظَ ابنَ عُقْدَة عن البُخاريِّ ومُسْلمٍ : أيُّهما
أعْلمُ؟ فقالَ : كانَ محمَّدٌ عالماً، ومُسْلمٌ عالمٌ ، فكرَّرتُ عليه مِراراً ، فقالَ : يا أبا
عَمرٍو ، قد يَقعُ لمحمَّد الغَلطُ في أهل الشَّام وذلك أنَّه أخذَ كُتْبَهم ، فَنَظَرَ فيها ، فرُبَّما
ذَكرَ الواحدَ منهم بكُنيَته ويَذْكُرُه في مَوْضِعٍ آخرَ باسْمِهِ ، يَتوَهَّم أنهما اثنان ، وأمَّا مُسلمٌ
فقلَّما يقعُ له من الغَلط في العِلل، لأنَّ كَتبَ المَسانيد ، ولَمْ يَكتبْ المَقاطيعَ
ولا المَراسيلَ .
قال الإمامُ الذهبيُّ: عَنَى بالمَقاطيعِ أقْوالَ الصَّحابَة والتَّابعينَ في الفِقْه والتَّفسير
قال أبو عبد الله محمدُ بن يعقوب بن الأخْرَم الحافظُ : إنَّما أخْرَجَتْ نيسابُورُ ثلاثَةَ
رجالٍ : محمدَ بنَ يَحْيِى ، ومُسلمَ بنَ الحجّاج ، وإبراهيمَ بنَ أبي طالب .
وقال الحُسَينُ بن محمد الماسَرجِسِيُّ : سَمعتُ أبي يقولُ: سَمعتُ مُسلماً يقولُ :
صَنَّفْتُ هذا ((المُسْنَدَ الصَّحيحَ)) من ثلاثةِ مئة ألفِ حَديثٍ مَسْموعَة .
قال الحاكمُ: سَمعتُ أبا عبد الرحمَن السُّلَميَّ يقولُ : رأيتُ شَيخاً حَسنَ الوَجْه
والثِّابِ ، عليه رِداءٌ حَسنٌ ، وعَمامةٌ قد أرْخاها بين كَتَفَيَه فقيلَ : هذا مُسلمٌ فتَقدَّمَ
أصْحابُ السُّلطانِ، فقالوا : قد أمَرَ أميرُ المؤمنينَ أنْ يَكونَ مُسلمُ بنُ الحجّاجِ إمامَ
(١) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢ -٤٧١، وانظر النزهة: ٦/١٠١١ .
(٢) القُشيري، من بني قُشَير ، قبيلة من العرب معروفة.
١٨١

المسلمينَ ، فقَدَّموه في الجامعِ فَكبَّرَ ، وصلَّىَ بالناس .
قال الحافظُ ابنُ مَندَة : سَمعتُ أبا عليٍّ النيسابوريَّ الحافظَ يقولُ: ما تَحتَ أديم
السَّماء كتابٌ أصَحّ من كتابٍ مُسلم .
وقال مَكُِّّ بنُ عَبدان : سَمعتُ مُسلماً يَقولُ: عَرضتُ كتابي هذا ((المُسْنَدَ )) على
أبي زُرعَة ، فكلُّ ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أنَّ له عِلَّةً وسَبباً تركتُه، وكلُّ ما قال :
إنَّه صَحيحٌ ليس له عِلَّةٌ، فهو الذي أخْرجْتُ ، ولوْ أنَّ أهلَ الحَديثِ يَكْتُبُون الحَديثَ
مئتي سنة فمَدارُهم على هذا ((المُسْنَد )).
قال الدَّارَقُطنيُّ : لَوْلا البُخاريُّ ما راحَ مُسلمٌ ولا جاء .
وقال الإِمامُ الذهبيُّ : ثم إنَّ مُسْلماً، لحِدَّةٍ في خُلقِه، انْحرَفَ عن البُخاريِّ ولمْ
يَذْكُرْ له حَديثاً، ولا سَمَّاهُ في ((صَحيحِه))، بل افْتَتَحَ الكتابَ بالحَطُّ على مَنْ اشْتَرَطَ
اللُّغِيَّ لمَنْ رَوى عنه بصيغة ((عنْ))، وادَّعَى الإِجْمَاعَ في أنَّ المُعاصَرَة كافية ،
ولا يَتَوَقَّفُ في ذلك على العِلمِ بالتِقائهما، ووَبَّخَ مَنْ اشْترَطَ ذلك وإنَّما يقولُ ذلك
أبو عبد الله البُخاريُّ، وشَيخُه عَلَيُّ بنُ المَديني ، وهو الأصْوَبُ الأقْوَى .
تُوقِّي مُسلمٌ سنةَ إِحْدى وستِّين ومئتَين بنيسَابُورَ، عن بِضعٍ وخَمسينَ سَنةٍ ، وقَبْرُه
يُزارُ(١) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة «الرَّبيع بنِ سُليْمانَ)»: قد كان من كبار العلماء ،
ولكن ما بَلِغَ رُتَبَة المُزَنِيٌّ ، كما أنَّ المُزَنِيَّ لَا يَبلُغُ رُتبَة الرَّبيع في الحَديث ، وقد رَوى
أبو عيسى في ((جامِعِه)) عن الرَّبيع بالإجازة، وقد سَمعنا من طريقه ((المُسْندَ))
للشَّافعيِّ انتَقاهُ أبو العَبَّاس الأصَمُّ من كتابِ ((الأُمّ)) لينشَطَ لروايَتِهِ للَّحالَة وإلاَّ
فالشَّافعيُّ رَحمَه اللهُ لَمْ يُؤْلِّ مُسْنَداً(٢).
وجاء في تَرجَمة أبي دوادَ ، قال الإمامُ الذهبيُّ: هو سُليمانُ ابنُ الأشْعَث الإمامُ ،
(١) انظر السير: ( مُسْلِم) ١٢ / ٥٥٧ - ٥٨٠، وانظر النزهة: ١٠٣٥ - ١٠٣٦.
(٢) انظر السير: ( الرَّبيعُ بن سُليمان) ٥٨٧/١٢-٥٩١، وانظر النزهة: ١/١٠٣٧.
١٨٢

شَيخُ السُّنَّة، مُقدَّمُ الحُفَّاظ، أبو داود ، الأزْدي السِّجِسْتاني ، مُحدِّثُ البَصرَة.
وُلدَ سَنَةَ اثنتَيْن ومئْتَين، ورَحَلَ، وجَمَعَ، وصَنَّفَ ، وبَرَعَ في هذا الشَّأن .
وسكن البَصْرَةَ بعدَ هَلاكُ الخَبيثِ طاغيَة الزِّنْج، فنشَرَ بها العِلمَ ، وكان يَتَرَدَّدُ إلى
بغدادَ(١).
وقال أبو بكر بن دَاسَة : سَمعتُ أبا داود يقول: (( كتبتُ عن رسُولِ الله صلى الله
عليه وسلم خَمسَ مئة ألفٍ حَديثٍ ، انتَخَبتُ منها ما ضَمتُه هذا الكتاب - يَعني كتاب
((السُّنَن)) - جَمعتُ فيه أربعةَ آلافِ حَديث وثمانيَ مئةٍ حَديث ، ذكرتُ الصَّحيحَ ،
وما يُشبِهُه ويُقارِبُه، ويَكْفي الإنسانَ لدينِهِ من ذلك أربعةُ أحاديث ، أحدُها : قولُه
صلى الله عليه وسلم: ((الأعْمَالُ بالنِّيَّات))، والثاني: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ
مَالا يَعْنِيهِ))، والثالثُ: قولُه: ((لا يَكونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنَاً حَتّىَ يَرْضَىَ لأَخِيهِ مَا يَرْضَىَ
لِنَفْسِهِ))، والرابعُ: ((الحَلالُ بَيِّنٌ)) الحديث .
قال الإمامُ الذهبيُّ : وقوَلُهُ: يَكْفي الإنسانَ لدينِهِ ، مَمْنوعٌ، بل يَحتاجُ المُسلمُ إلى
عَددٍ كثير من السُّنَن الصَّحيحَة مع القُرآن .
قال أبو بكر الخَلاَّل : أبو دواود الإمام المقدَّم في زمانه ، رجل لم يسبقه إلى
معرفته بتخريج العلوم ، وبصرِه بمَواضِعه أحدٌ في زَمانِهِ ، رجلٌ وَرِعٌ مُقدَّم ، سَمِعَ منه
أحمدُ بن حَنبل حَديثا واحداً .
وقال أبو بكر محمدُ بن إسْحاق الصَّاغاني، وإبراهيمُ الحَربي لمَّا صنَّف أبو داود
كتاب ((السُّنَن)) أُلِينَ لأبي داودَ الحَديثَ، كما أُلِينَ لدَاودَ عليه السلام الحديدُ(٢).
وقال الحافظُ موسَىُ بنُ هارُون : خُلِقَ أبو داود في الدُّنيا للحَديث ، وفي الآخِرَة
للجَنَّةَ(٣).
(١) انظر السير: (أبو داود) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ١/١٠٦٩.
(٢) انظر السير: (أبو داود) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٦٩.
(٣) انظر السير: (أبو داود) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ١/١٠٧٠.
١٨٣

قال القاضي الخليلُ بنُ أحمد السِّجْزيُّ : سَمعتُ أحمدَ بنَ محمَّدِ ابنِ الليَّث قاضي
بلدنا يقولُ : جاء سَهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَرِيُّ إلى أبي داوُد السَّجِسْتاني ، فقيلَ : يا أبا
داوُد : هذا سَهلُ بنُ عبد الله جاءَك زائراً فرَخَّبَ به ، وأجلسَه ، فقال سَهلٌ : يا أبا
داوُد! لي إليك حاجَة قال : وما هي ؟ قال: حتَّى تَقُولَ : قد قَضيتُها مع الإمكان قال :
نَعَم قال : أَخْرِجْ إلي لسَانَك الذي تُحدِّثُ به أحاديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
حتىْ أُقَبِّلَه فَأَخْرَجَ إليه لِسانَه فقَبَّلَه .
قال ابنُ دَاسَة : سَمعتُ أبا داود يقول: ذكرت في ((السُّنن)) الصحيحَ وما يُقارِبُه،
فإن کان فیه وهن شدید بيَّنُه
وقال الإمامُ الذهبيُّ: فقد وَفَّى - رَحمَه الله - بذلك بحَسْبِ اجتهادِه ، وبيَّن ما ضَعفُه
شَدِيدٌ، ووَهْنُهُ غيرُ مُحْتَمل وكاسِر (١) عن ما ضَعفُه خَفيفٌ مُحْتَمل، فلا يَلْزَمُ من
سُكوتِه - والحالةُ هذه - عن الحَديث أنْ يَكونَ حَسناً عندَه ، ولا سيَّما إذا حكمنا على
حدِّ الحُسْنِ باصْطِلاحِنا المولدِ الحادِث ، الذي هو في عُرفِ السَّلَف يَعودُ إلى قِسمٍ من
أقْسامِ الصَّحيح ، والذي يَجبُ العَملُ به عند جُمهور العُلمَاء ، أو الذي يَرغَبُ عنه
أبو عبد الله البُخاري ، ويُمِّيه مُسْلمٌ، وبالعَكس ، فهو داخلٌ في أدانى مَراتب
الصِّحَّة ، فإنَّه لو انْحَطَ عن ذلك لخَرجَ عن الاحتجاجِ ، ولبَقيَ مُتَجاذباً بين الضَّعْف
والحُسْن، فكتابُ أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أَخْرَجَه الشَّيْخان ، وذلك نَحْواً
من شَطر الكتاب ، ثم يَليهِ ما أخرَجَه أحدُ الشَّيْخَين، ورَغِبَ عنه الآخَر ، ثم يَليه
ما رَغِبا عنه، وكان إسْنادُه جيداً، سالماً من عِلَّة وشُذوذ، ثم يَليه ما كان إسنادُه
صالحاً، وقَبِلَه العُلماء لِمَجيئِه من وَجهين لَيِّنَيْن فصاعداً ، يَعضُدُ كلُّ إسْنادٍ منهُما
الآخَر ، ثم يَليه ما ضَعُفَ إسنادُه لنَقْص حِفْظِ رَاويه، فمثلُ هذا يُمشِّيه أبو داود ،
ويَسكُتُ عنه غالباً ، ثم يَليه ما كان بَيِّنَ الضَّعفِ من جِهَة رَاويه ، فهذا لا يَسْكُتُ عنه ،
بل يُوهِّنُه غالباً ، وقد يَسكُتُ عنه بحَسْبٍ شُهْرته ونَكارَتِهِ ، واللهُ أعلم .
(١) كسر من طرفه: غضَّ .
١٨٤

قال الحافظُ زَكرِيًّا السَّاجي: كتابُ الله أصْلُ الإسْلامِ ، وكتابُ أبي داوُدَ عَهْدُ الإسْلامِ.
قال الذهبي : كان أبو داوُد مع إمامَتِهِ في الحديث وفُنونِه من كبار الفُقَهاء فكتابُه
يَدُّ على ذلك، وهو من نُجَباء أصحابِ الإمامِ أحمدَ، لازَمَ مَجلِسَه مُدَّة، وسألَه عن
دِقاق المَسائل في الفُروع والأصُول .
وكان على مَذْهَبِ السَّلف في اتِباعِ السُّنَّة والتَّسْليم لها ، وتَرْك الخَوْض في مَضائق
الكَلام(١) .
عن عَلْقَمَةَ ، قال : كان عبدُ الله بن مسعود يُشَبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم في
هَدیه ودَلِّه .
وكان عَلْقَمَةُ يُشَبَّه بعبدِ الله في ذلك .
قال جَرِيرُ بنُ عبد الحَميد : وكان إبراهيمُ النَّخْعي يُشَبَّه بعَلْقَمَة في ذلك ، وكان
مَنصُورٌ يُشَبَّه بإبراهيمَ .
وقيل : كان سُفْيانُ الثَّورِيُّ يُشَبَّه بمَنْصور، وكان وَكِيعٌ يُشَبَّه بسُفْيان ، وكان أحمدُ
يُشَبَّه بوَكيع، وكان أبو دَاوُد يُشَبَّه بأحمدَ(٢) .
وعن أبي بكر بن جابر خادم أبي داود السِّجسْتاني - رحمه الله - قال : كنتُ مع
أبي داود ببَغْداد، فصلَيْنا المغرب، فجاءَه الأميرُ أبو أحمدَ المُوَفَّق - يَعني وَلِيَّ العَهد -
فدخل ، ثم أقبلَ عليه أبو داود ، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ قال :
خِلالٌ ثلاث قال : وما هي ؟ قال : تنتقلُ إلى البَصرة فتتَّخِذَها وطناً ليرحلَ إليك طلبةُ
العلم ، فتعمُّر بك ، فإنها قد خَرِبَتْ ، وانقطَعَ عنها النَّاسُ ، لِمَا جَرَى عليها من مِحْنَة
الزِّنج فقال: هذه واحدة قال: وتَرْوي لأولادي ((السُّنَن)) قال: نعم، هاتِ الثالثة
قال: وتُفْرِد لهم مَجْلساً ، فإن أولاد الخلفاء لا يَقعُدون مع العامَّة قال: أمَّا هـذه فلا
سبيلَ إليها ، لأنَّ النَّاسَ في العِلم سَواء .
(١) انظر السير: (أبو دَاوُد) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٧٠.
(٢) انظر السير: (أبو دَاوُد) ٢٠٣/١٣ -٢٢١، وانظر النزهة: ١/١٠٧١.
١٨٥

قال ابنُ جابر : فکانوا یحضُرُون ویقعُدون في کمِّ حيري ، علیه سِتْر ويسمعون مع
العامَّة(١).
وقال أبو داود في (( سُنَتِهِ)): شَبَرْتُ قِثَّاءَةً بمصر ثلاثةَ عشرَ شِبراً، ورَأيتُ أُتْرُجَّةً
علىْ بَعير ، وقد قُطْعَتْ قطعَتَين، وعُملَتْ مثلَ عِدْلَين .
تُوفِّي أبو داودَ سَنةً خَمسٍ وسَبعين ومثنَين(٢) .
وجاء في ترحمة أبي حاتم الرَّازي ، قال الذهبيُّ : إذا وَثَّقَ أبو حاتم الرَّازي رَجُلاً
فَتَمسَّك بقوله ، فإِنَّه لا يُوثِّقُ إلَّ رجلاً صَحِيحَ الحَديث، وإذا لَيَّنَ رَجلاً ، أو قال فيه :
لا يُحْتَجُّ به فَتَوقَّف حتى تَرى ما قال غيرُه فيه ، فإن وَثَّقَه أحدٌ ، فلا تَبْنِ على تَجريح
أبي حاتم ، فإنَّه مُتعنِّتٌ في الرِّجال، قد قال في طائفة من رجال ( الصِّحاح ) : ليسَ
بِحُجَّة ، ليسَ بقَوي ، أو نحو ذلك .
مات الحافظُ أبو حاتم سنة سبعٍ وسَبعينَ ومئتين وقيلَ : عاشَ ثلاثاً وثمانين
سنةً(٣) .
ومن كلامِ عبدِ الرَّحمَن بن أبي حاتم قال: وَجدتُ ألفاظَ التَّعْديل والجَرْح
مَراتب : فإذا قِيلَ : ثقةٌ: أو : مُتْقِنٌ احتُجَّ به ، وإنْ قيلَ: صَدوقٌ ، أو مَحلُّه
الصِّدقُ ، أو لا بأسَ به ، فهو ممَّن يُكتَب حَديثُه، ويُنظَرُ فيه وهي المَنِزِلَة الثانية ، وإذا
قِيلَ: شَيخٌ فِيُكتَبُ حَديثُهُ، وهو دُونَ ما قَبَلَه ، وإذا قِيلَ : صالحُ الحَديث ، فيُكتَبُ
حَديثُه وهو دُون ذلك يُكتَب للاعْتبار ، وإذا قِيلَ : لَيِّنٌ ، فدُونَ ذلكَ ، وإذا قالوا :
ضَعِيفُ الحَديث، فلا يُطرَحُ حَديثُه، بل يُعتَبَرُ به، فإذا قالوا : مَتْروكُ الحَديث ، أو :
ذاهِبُ الحَديث ، أو كذَّاب ، فلا يُكتَبُ حديثُه(٤) .
وقال أبو عيسَى التِّرْمذي عن كتابه (( الجامع)): صنَّفْتُ هذا الكتابَ ، وعَرضتُه
(١) انظر السير: (أبو دَاوُد) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٧١.
(٢)
انظر السير: ( أبو دَاوُد) ١٣/ ٢٠٣ -٢٢١، وانظر النزهة: ١/١٠٧٢.
(٣) انظر السير: ( أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٠٧٧.
(٤) انظر السير: (عبد الرحمن بن أبي حاتم) ١٣/ ٢٦٣-٢٦٩، وانظر النزهة: ٤/١٠٧٩.
١٨٦

علىُ عُلماء الحِجَاز، والعِراق وخُراسان، فرَضُوا به ، ومَنْ كان هذا الكتابُ في
بَيْتِهِ ، فكأنَّما في بيتِهِ نَبيِّ يَتكلَّمُ(١) .
قال الإمامُ الذهبيُّ: في (( الجامع)) علمٌ نافِعٌ، وفَوائدُه غَزيرة، ورُؤوسُ
المَسائل ، وهو أحدُ أصُول الإسْلام ، لولا ما كذَّره بأحاديث واهية ، بعضُها
مَوضُوعٌ ، وكثيرٌ منها في الفَضائل(٢).
وقال الإمامُ الذهبيُّ: ((جامعُه)) قاضٍ له بإمامَتِهِ وحفظِه وفِقْهِه، ولكن يَتَرَخَّصُ
في قَبولِ الأحاديث ، ولا يُشَدِّد ، ونَفَسُه في التَّضْعِيفِ رَخْوٌ(٣).
وفي ((المَنْور)) لابن أبي طاهر: سَمعتُ أبا إسْماعيلَ شيخَ الإسْلامِ يقولُ:
((جامع» التِّرْمِذِيِّ أَنفَعُ من كتاب البُخاريِّ ومُسْلم، لأنَّهما لا يَقِفُ منهما إلا المُتَبَخِّرُ
العالم، و((الجامعُ)) يَصلُ إلى فائدَتِه كلُّ أحَدٍ .
ماتَ أبو عيسى في سنةٍ تِسْعٍ وسبعينَ ومِئتين بتِرْمِذْ (٤).
وجاء في ترجمة ابنِ ماجَه ، قال الإمامُ الذهبيُّ : هو محمدُ ابنُ يَزِيد ، الحافظُ ،
الكَبيرُ، الحُجَّة، المُفَسِّرُ، أبو عبد الله ابنُ ماجَه، القَزْوينيُّ، مُصَنَُّ ((السُّنَن))،
و((التَّاريخ))، و((التَّفسير))، وحافظُ قَرْوين في عَصرِه .
وُلدَ سنة تسعِ ومِئْتَين .
عن ابن ماجه ، قال: عَرضْتُ هذه ((السُّنَنَ)) على أبي زُرعَة الرَّازي ، فنظرَ فيه ،
وقال : أظنُّ إنْ وَقعَ هذا في أيدي النَّاسِ تَعطَّلت هذه الجَوامعُ أو أكثَرُها، ثم قال:
لَعَلَّ لا يكونُ فيه تَمامُ ثلاثين حديثاً ، ممَّا في إسْنادِهِ ضَعفٌ ، أو نَحوذا .
قال الإمامُ الذهبيُّ : قد كان ابنُ ماجَه حافظاً ناقِداً صادِقاً ، واسِعَ العلمِ ، وإنَّما
غَضَّ من رُتبَة (( سُنَّتِهِ )) ما في الكتابِ من المناكير ، وقَليلٌ من المَوْضُوعات ، وقَولُ
(١) انظر السير: (التُّرْمِذيّ) ٢٧٠/١٣ -٢٧٧، وانظر النزهة: ٣/١٠٨١.
(٢) انظر السير: (التُّرْمِذيّ) ٢٧٠/١٣ -٢٧٧، وانظر النزهة: ٤/١٠٨١.
(٣) انظر السير: (التِّرْمِذيّ) ٢٧٠/١٣ -٢٧٧، وانظر النزهة: ٥/١٠٨١.
(٤) انظر السير: (التِّرْمِذيّ) ٢٧٠/١٣ -٢٧٧، وانظر النزهة: ١/١٠٨٢.
١٨٧

أبي زُرعَة - إنْ صَحَّ - فإنَّمَا عَني بثلاثين حَديثاً، الأحاديثَ المُطْرَحَة السَّاقِطَةِ، وأمَّا
الأحاديثُ التي لا تَقومُ بها حُجَّة، فكثيرةٌ ، لعلَّهَا نَحوَ الألفِ .
وقال أبو يَعلى الخَليلي : هو ثقةٌ كبيرٌ، مُتَفَقٌ عليه ، مُحتٌَّ به ، له مَعرِفَةٌ بالحَديثِ
وحِفظُ ، ارْتَحَلَ إلى العِراقَيْنِ، ومَكةَ، والشَّام ، ومِصْرَ والرّيِّ لكتْبِ الحَديثِ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : ماتَ سنةَ ثلاثٍ وسَبعينَ ومئتين وعاشَ أربعاً وستِين سنةً .
وقال أبو الحَسَن القطَّان: في ((السُّنن)) ألفٌ وخَمسُ مئة باب، وجملةُ ما فيه
أربَعةُ آلافِ حَديث(١) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة ((غُلام خَليل)): الشيخُ، العالمُ، الزَّاهِدُ ،
الواعِظُ، شَيخُ بَغدادَ ، أبو عبد الله ، أحمدُ بنُ محمّدُ ابنِ غالِب الباهِلِيُّ البَصْريُّ ،
غُلامُ خَليل(٢).
سَكِنَ بَغدادَ كان له جَلالةٌ عجيبةٌ ، وصَوْلةٌ مَهيبةٌ ، وأمْرٌ بالمَعروفِ ، واتِّباعٌ كثيرٌ ،
وصِحَّةُ مُعْتَقَدٍ ، إلاَّ أنَّه يَروي الكَذِبَ الفَاحِشَ، ويَرَى وَضْعَ الحَديثِ نَسألُ اللهَ العافيَةَ
وَخَفِيَ حالُهُ على الكِبارِ أوّلاً .
قال ابنُ أبي حاتم : سُئلَ أبي عنه ، فقال : رجلٌ صالحٌ ، لمْ يكنْ عندي ممَّن
يَفتعلُ الحَديثَ .
ورُويَ عن أبي داود السِّجِسْتاني أنَّه قالَ : ذاكَ دَجَّالُ بَغدادَ ، نَظرتُ في أَرْبع مئةٍ
حديثٍ له ، عُرضَت عليَّ ، كلُّها كَذبٌ ، مُتونُها وأسانيدُها .
وقال ابن عَديّ : سَمعتُ أبا عبد الله النُّهاوَنْدِيّ يقولُ : كلَّمتُ غُلامَ خَليل في هذه
الأحاديث ، فقال : وَضَعْناها لتُرَقِّقَ القُلوبَ.
وفي ((تاريخِ بَغدادَ )) أنَّ أبا جَعْفَرَ الشَّعيري قال: قُلتُ الغُلام خَليل لَمَّا رَوى عن
بَكْرِ بنِ عيسى، عن أبي عَوانَةَ: يا أبا عبد الله! هذا شَيخٌ قَديمُ الوَفاة ، لمْ تَلَحَقْه،
(١) انظر السير: (ابنُ ماجَه) ٢٧٧/١٣-٢٨١، وانظر النزهة: ١٠٨٢.
(٢) انظر السير: (غُلامُ خَليل) ١٣ /٢٨٢-٢٨٥، وانظر النزهة: ١/١٠٨٣.
١٨٨

ففَكَّر، وخِفتُ أنا ، فقُلتُ : كأنَّكَ سَمعتَ من رجلٍ باسْمِه؟ فسَكتَ ، فلمَّا كان من
الغَد ، قال لي : إنِّي نَظرتُ البارحة فيمَنْ سَمعتُ منه بالبَصْرة ، ممَّن يُقالُ له : بَكْرُ بن
عيسَىُ ، فوجَدتُهم ستِينَ رجلاً(١) .
وجاء في ترجمة بَقِيٍّ بنِ مَخْلَد ، قال الإمامُ الذهبيُّ : قال ابنُ يَزيد : هو الإمامُ
القُدوَة، شَيخُ الإسْلام، أبو عبد الرحمَن الأنْدَلسيُّ القُرْطُبيُّ، الحافِظُ ، صاحِبُ
((التَّفْسيرِ)) و((المُسْنَد)) اللَّذِينِ لا نَظيرَ لهما.
وُلدَ في حُدودِ سَنة مئتين ، أو قَبلَها بقَليل .
وعُني بهذا الشَّأنِ عِنايةً لا مَزِيدَ عليها ، وأَدَخَلَ جَزِيرَةَ الأَنْدَلسِ عِلْماً جَمَّاً ، وبه ،
وبمحمَّدٍ بنٍ وَضَّاح صارَت تلك الناحيَّةُ دارَ حَديثٍ ، وعدَّةُ مَشْيَختِهِ الذين حَملَ عنهم
مئتان وأربعةٌ وثمانون رجلاً .
وكان إماماً مُجتَهداً صالِحاً ، رَبَّانيّاً صادِقاً مُخلِصاً ، رَأساً في العِلمِ والعَملِ ، عَديمَ
المِثْل ، مُنقَطْعَ القَرين، يُفْتي بالأثَرِ ، ولا يُقَلِدُ أحَداً .
ذَكرَه أحمدُ بنُ أبي خَيْثَمَة، فقال: ما كُنَّا نُسمِّيه إلاَّ الِمِكْنَسَة ، وهل احتاجَ بلدٌ فيه
بقيٌّ إلى ها هُنا منه أحَد ؟!
وقال أبو الوليد بنُ الفَرَضِي في (( تاريخِه)): ملأ بَقيُّ بنُ مَخلَد الأنْدَلسَ حَديثاً ،
فأنْكرَ عليه أصحابُه الأَنْدَلسُّون: أحمدُ بنُ خالد ، ومحمدُ بنُ الحارِث ، وأبو زَيْد ،
ما أدْخَلَه من كُتبِ الاختلاف ، وغرائب الحَديث ، فأغْروا به السُّلطانَ وأخَافُوه به ، ثمّ
إنَّ اللهَ أظهَرَه عَليهم ، وعَصمَه منهم ، فنَشرَ حَديثَه وقَرأ للنَّاسِ رِوايتَه ثم تَلاهُ ابنُ
وَضَّاحِ ، فصارَت الأنْدلسُ دارَ حَديثٍ وإِسْنادٍ وممَّا انْفَرَدَ به ولمْ يُدخِلْه سواه (( مُصنَّفُ))
أبي بَكْر بنِ أبي شَيبَة بتَمامِه ، و(( كتابِ الفِقْه)) للشَّافعيِّ بكَمالِهِ - يَعني ((الأُمَّ )) -،
و ((تاريخ)) خَليفة، و((طَبقات)) خليفة، وكتاب (( سِيرَة عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز)) ،
لأحمدَ بنِ إبراهيمَ الدَّوْرَقِي ولَيسَ لأحدٍ مثلُ (« مُسْنِدِهِ )) وكان وَرِعَاً فاضِلاً زاهِداً قد
ظَهرت له إجاباتُ الدَّعوَة في غير ما شيء .
(١) انظر السير: (غُلامُ خَليل) ١٣ / ٢٨٢ - ٢٨٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٣.
١٨٩

قال الإمامُ أبو محمَّد بن حَزم الظَّاهري : أقْطعُ أنَّه لمْ يُؤْلَّف في الإسْلامِ مثلُ
((تفسير )) بَقِيٍّ، لا (( تَفْسير)) محمد بن جَرير، ولا غيره(١) .
قال : وكان محمَّدُ بنُ عبد الرحمن الأُمَوي صاحبُ الأنْدَلسِ مُحبًَّ للعُلومِ عارِفاً ،
فلمَّا دخلَ بَقِيٌّ الأَنْدَلسَ ((بمُصَنَّف)) أبي بَكْر بنِ أبي شَيْبَة، وقُرىءَ عليه، أنْكَرَ جَماعةٌ
من أهلِ الرَّأي ما فيه من الخِلافِ واسْتَبْشَعوه، ونَشَّطوا العامَّةَ عليه، ومَنْعُوه من
قِراءَتِه ، فاسْتحضَرَه صاحبُ الأَنْدَلس محمدُ وإِيَّاهم، وتَصفَّحَ الكتابَ كلَّه جُزءاً جُزءاً
حتى أتَى على آخِرِه ، ثم قال لخازِن الكُتبِ : هذا كتابٌ لا تَسْتَغني خِزانتنا عنه، فانْظُر
في نَسْخِه لنا ، ثم قال لبَقِيِّ : انْشُر عِلمَك، وازْوِ ما عِندَك ونَهَاهُم أنْ يَتعرَّضوا له(٢) .
وذكر عبد الرحمن بن أحمد عن أبيه : أن امرأةً جاءَت إلى بَقِيٍّ فقالت : إنَّ ابني
في الأسْرِ، ولا حِيلَةَ لي، فَلَوْ أشَرْتَ إلى مَنْ يَفْديه ، فإنَّني والِهَةٌ قال : نعم ،
انصَرفي حتى أنظرَ في أمره ، ثم أَطْرَقَ، وحرَّكَ شَفَتيه، ثم بعد مُدَّةٍ جاءت المَرأةُ
بابنها ، فقال : كنتُ في يَدِ مَلِكِ، فبَيْنا أنا في العَمَل ، سَقَطَ قَيدي قال : فذكرَ اليومَ
والسَّاعَة، فوافَقَ وقتَ دُعاءِ الشَّيخ قال: فصاحَ عليَّ المُرَسَّم بنا، ثم نَظَرَ وتَحيَّرَ ، ثم
أحضَرَ الحدَّادَ وقَيَّدني ، فلمَّا فرغه ومَشَيتُ سَقطَ القَيْدُ ، فَبُهِتوا، ودَعَوا رُهْبانَهم ،
فقالوا : أَلَكَ والدةٌ؟ قلتُ : نَعَم فقالوا: وافَقَ دُعاءَها الإجابة(٣).
كان بقيُّ بنُ مَخْلَد أوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الحَديثَ بالأنْدِلُس ونَشَره ، وهاجَمَ به شُيوخَ
الأَنْدَلُس ، فثارُوا عليه ، لأنَّهم كان عِلْمُهم بالمَسائِل ومَذهَب مالِك ، وكان بقيٌّ يُفْتي
بالأثَر، فشَذَّ عنهم شُذوذاً عظيماً ، فعَقَدوا عليه الشَّهادات ، ويَدَّعوه ، ونَسَبوا إليه
الَّنْدَقَةَ، وأشْياءَ نَزَّهَه اللهُ منها وكان بَقِيٌّ يقولُ: لقد غَرسْتُ لهم بالأنْدَلُس غَرْساً
لا يُقْلَعُ إلَّ بخُروجِ الدَّجَّال (٤) .
(١) انظر السير: (بقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٤.
(٢)
انظر السير: ( بقيُّ بن مَخْلَد ) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٥.
انظر السير: (بقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٥.
(٣)
(٤) انظر السير: (بَقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/١٠٨٦.
١٩٠

قال ابن حزم : و(( مُسْنَدُ )) بَقيِّ رَوى فيه عن ألفٍ وثلاث مئةٍ صاحِبٍ ونيف ورَتَّبَ
حديثَ كلِّ صاحبٍ على أبوابِ الفِقْه ، فهو مُسْندٌ ومُصنٌَّ ، وما أعلمُ هُذه الرُّتبَة لأحد
قبلَه ، مع ثقتِهِ وضَبطِه، وإثْقَانِهِ واحتفالِه في الحَديث ، وله مُصنٌَّ في فَتَاوَى الصَّحابة
والتّابعِين فمَنْ دُونَهم ، الذى قد أرْبَى فيه على ((مُصنَّف)) ابنِ أبِي شَيْبَة، وعلىُ
((مُصنَّفَ)) عبد الرَّزَّاق، وعلى ((مُصنَّف)) سَعيدِ بنِ مَنْصور ثمَّ إِنَّه نَّه بذكرِ ( تَفْسِيرِهِ ))
وقال : فصارَت تَصانيفُ هذا الإمامِ الفاضِلِ قَواعدَ الإسْلام، لا نَظيرَ لها ، وكان
مُتَخَيِّراً لا يُقلِّدُ أحداً ، وكان ذا خاصَّةٍ من أحمدَ بنِ حَنْبَل ، وجارياً في مِضْمارِ البُخاريِّ
ومُسْلمٍ والنَّسائيِّ(١) .
وقال عثمانُ بنُ سَعيد : مَنْ لمْ يَجمع حَديثَ شُعبَة وسُفيان ومَالك ، وحمّاد بن
زَيد، وسُفيان بن عُيَيْنة ، فهو مُفلِسٌ في الحَديثِ - يُريدُ أنَّه ما بَلِغَ درجَةَ الحُفَّاظ .
وقال الإمامُ الذهبيُّ مُعلِّقاً: وبلا رَيب، أنَّ مَنْ جَمعَ عِلمَ هؤلاء الخَمسَة ،
وأحاطَ بسائر حَديثِهم ، وكتبَه عالياً ونازِلاً، وفَهمَ عِللَه، فقد أحاطَ بشَطْر السُّنَّة
النبَويَّة ، بلْ بأكثرَ من ذلك، وقد عُدمَ في زَمانِنا مَنْ يَنهَضُ بهذا ، وببَعضِه ،
فنسألُ الله المغفرة وأيضاً فلو أرادَ أحدٌ أنْ يَتَبَّعَ حَديثَ الثَّوْرِيِّ وحْدَه ، ويكتُبَه بأسَانید
نفسِه علىْ طُولِها، ويُبَيِّنَ صَحِيحَه من سَقيمِه، لكانَ يَجِيءُ ((مُسْنَدُه)) في عَشرِ
مُجلَّدات، وإنَّما شَأنُ المُحَدِّث اليومَ الاعْتِناءُ بالدَّواوين السِّتَّة ، و(( مُسْنَد )» أحمدَ بنِ
حَنْبَل، و(( سُنَن)) البَيْهَقي، وضَبْط مُتونِها وأسَانيدِها، ثم لا يَنتَفعُ بذلك حتى يَتْقِيَ
ربّه ، ويَدينَ بالحَديث ، فعلَى عِلمِ الحَديثِ وعُلمائِهِ لِيَبْكِ مَنْ كانَ باكياً ، فقد عادَ
الإِسْلامُ المَخْضُ غَريباً ، كما بَدأ ، فليَسعَ امرُؤٌ في فِكَاكِ رَقبَتِهِ من النَّار ، فلا حَولَ
ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(٢).
وكان ابنُ مَندَة إذا رَوى الحَديثَ وسَكتَ ، أجادَ ، وإذا بؤَّبَ أو تَكلَّمَ من عندِه ،
(١) انظر السير: (بَقيُّ بن مَخْلَد) ٢٨٥/١٣-٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/١٠٨٦.
(٢) انظر السير: (الدَّارميّ) ٣١٩/١٣-٣٢٦، وانظر النزهة: ٣/١٠٩١.
١٩١

انْحَرَفَ وخَرْفَشَ (١) ، بلى ذَنْبه وذَنْبُ أبي نُعَيم أنَّهما يَرْويانِ الأحاديثَ السَّاقِطَة
والمَوْضُوعَة ، ولا يَهْتِكانِها ، فنسألُ اللهَ العَفوَ(٢).
وقال ابنُ حَزْم في تَراجم أبْوابِ (( صَحيح)) البُخاريِّ: منها ما هو مَقصورٌ على
آيَةٍ ، إذا لا يَصِحُّ في الباب شيءٌ غَيرُها ، ومنها ما يُنَبِّهُ بتَبْوِيِه على أنَّ في البابِ حَديثاً
يَجبُ الوُقوفُ عليه ، لكنَّه ليسَ من شَرطِ ما ألَّفَ عليه كتابَه ، ومنها ما يُبْوِّب عليه ،
ويَذْكُرُ نبذَةً من حَديثٍ قد سَطَّرَه في مَوضُوعٍ آخَر ، ومنها أبوابٌ تَقعُ بلَفِظِ حَديثٍ لَیس
من شَرطِه ويَذكُرُ في البابِ ما هو في مَعْناه .
قال الإمامُ الذهبيُّ : وكلامُ ابنِ حَزْم كثيرٌ ، ولوْ أخَذتُ في إيرادِ طُرَفِه وما شَدَّ به
لِطَالَ الأمرُ .
تُوفِّيَ سنةً ستٍّ وخَمسينَ وأربَع مئة عُمرُه إِحْدَى وسَبعينَ سنةً وأَشْهُر ،
رَحمَه الله(٣).
٤ - ضابطٌ لأخذِ الأجْر على التَّحْديث :
قال ابنُ النَّجَّار : سَمعتُ القاضي أبا القاسِم ابنَ العَديم يقولُ: سَمعتُ عبدَ
العَزِيزِ بنَ هِلالَة يَقولُ : وغالِبُ ظنِّي أَنَّني سَمعتُه من ابنِ هِلالَة بخُراسَان ، قالَ : رَأيتُ
عُمرَ بنَ طَبَرْزَذْ فِي النَّومِ بعدَ مَوتِه وعَليه ثَوبٌ أزْرَق ، فقُلتُ له : سَألتُ بالله ما لَقِيتَ
بعدَ مَوْتِك ؟ فقالَ : أنا في بيتٍ من نَّارٍ ، دَاخِلَ بَيتٍ من نارٍ ، فقُلتُ : ولِمَ ؟ قالَ :
لأخْذِ الذَّهَب على حَديثِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم (٤) .
قال الإمامُ الذهبيُّ: الظَّاهِرُ أنَّهُ أَخَذَ الذَّهبَ وكَنزَه ولمْ يُزَكِّه، فهَذا أشَدُّ من مُجرَّد
الأخذِ(٥) .
(١) أي خلَّط.
(٢) انظر السير: (ابن مَندَة) ٢٨/١٧ -٤٣، وانظر النزهة: ٥/١٣٢٢.
(٣) انظر السير: (ابن حَزْم) ١٨ / ١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٠٤.
انظر السير: ( ابن طَبَرْزَذ) ٢١/ ٥٠٧-٥١٢، وانظر النزهة: ٣/١٦٥٧ .
(٤)
(٥) انظر السير: (ابن طَبَرْزَذ) ٥٠٧/٢١-٥١٢، وانظر النزهة: ١/١٦٥٨.
١٩٢

فمَنْ أَخَذَ من الأُمَراء والكِبارِ بلا سُؤالٍ وهو مُحْتَاجٌ فَهَذا مُغْتَفَر له ، فإنْ أخذَ بسُؤالٍ
رُخِّصَ له بقَدْرِ القُوتِ، وما زادَ فلا، ومَنْ سَألَ وأخَذَ فَوقَ الكِفايَةِ ذُمَّ ، ومَنْ سَألَ مع
الغِنَى والكِفايَة حَرُمَ عليه الأخْذُ ، فإنْ أخذَ المالَ والحالةُ هذه وكَنزَه ولَمْ يُؤْدِّ حَقَّ اللهِ
فهُو من الظَّالمين الفَاسِقِين، فاسْتَفْتِ قلبَك، وكُنْ خَصْماً لِرَبِّكَ على نَفَسِك .
قال عُمرُ بنُ المُبارَك بنِ سَهْلان : لَمْ يَكُنْ أبو البقاء بنُ طَبَرْزَذْ ثقةً ، كانَ كذَّاباً يَضِعُ
للنَّاسِ أسْماءَهم في الأجْزاءِ ثمَّ يَذْهَبُ فيقرأُ عَليهِم، عَرَفَ بذلك شَيخُنا عبدُ الوَهَّاب
ومُحمَّدُ بنُ ناصِر وغيرُهما .
تُوفِّي أبو حَفْص بنُ طَبَرْزَذْ في سنة سَبع وستُ مئة ، ودُفنَ ببابٍ حَرْب ، واللهُ
يُسامِحِه، فمَعَ ما أَبْدَينا من ضَعْفِه قد تَكاثَرَ عَلَيهِ الطَّلبَةُ، وانْتَشَرَ حَديثُه في الآفاقِ وفَرِحَ
الحُفَّاظُ بعَواليه، ثم في الزَّمَن الثاني تَزَاحَموا على أصْحابِهِ، وحَمَلوا عَنهم الكَثيرَ
وأحْسَنُوا الظَنَّ، والله الموعد ، ووَثَّقَه ابنُ نُقْطَةٍ (١) .
٥ - عَدمُ الإكثار من التَّحْديث :
قال أبو هلال : سَمعتُ قَتَادَةَ يَقولُ : إنَّ الرَّجُلَ لَيَشْبَعُ من الكَلامِ كَما يَشْبَعُ من
الطَّعام(٢) .
٦ - ضابطٌ في الإكثار من التَّحْديث بالأحاديث :
عن ابنِ عجْلان: أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كان يقولُ: إني لأُحَدِّثُ أحاديثَ ، لوْ تَكلَّمتُ بها
في زَمَنِ عُمَر لشُجَّ رأسي .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هكذا هو كان عُمرُ رضي الله عنه يقولُ : أقِلُوا الحَديثَ عن
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وزَجرَ غَيرَ واحدٍ من الصَّحابَة عن بَثِّ الحَديثِ ، وهذا
مَذْهبٌ لعُمَرَ ولغَيرِهِ .
(١) انظر السير: (ابن طَبَرْزَذ) ٥٠٧/٢١-٥١٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٥٨.
(٢) انظر السير: (قَتادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٦٠٢ /٤.
١٩٣

فبالله عليك ، إذا كان الإكثارُ من الحَديثِ فِي دَولَة عُمَر ، كانوا يُمْنَعُون فيه ، مع
صِدقِهِم وعَدالَتِهِم وعَدَم الأسانيد، بلْ هو غَضٌّ لَمْ يُشَبْ، فما ظَنك بالإكثارِ من رِوَايَة
الغَرائِبَ والمَنَاكير في زَمانِنا مع طُولِ الأسَانيد، وكَثْرَة الوَهْمِ والغَلَطِ ، فبالحَريِّ أنْ
نَزَجُرَ القَومَ عنه، فيا لَيْتَهم يَقتصرُون علىْ رِوايَة الغَريبِ والضَّعِيفِ ، بَلْ يَرْؤُونَ - والله -
المَوْضُوعات والأباطِيل ، والمُسْتحيل في الأصُول والفُروع والمَلاحِم ، والزُّهْدِ ،
نَسألُ اللهَ العافية(١) .
فَمَنْ رَوَىْ ذلك مع علمِه بيُطْلانِهِ ، وغَرَّ المُؤمنينَ ، فهذا ظالمٌ لنفسِه ، جانٍ على
الشَّن والآثار ، يُسْتَتاب من ذلك، فإنْ أنابَ وأقْصَر ، وإلاَّ فهو فاسِقٌ ، كفى به إثْماً
أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمع وإِنْ هو لمْ يَعْلِمْ، فليَتَوَرَّعْ، وليَسْتَعِنْ بِمَنْ يُعينُهُ على تَنْقِيَةِ
مَرْويّاتِهِ نَسألُ اللهَ العافية، فلقَد عَمَّ البَلاءُ، وشَملت الغَفْلَةُ، ودَخلَ الدَّاخِلُ على
المُحَدِّثين الذين يَرْكنُ إليهم المُسْلمونَ ، فلا عُتَبَى على الفُقَهَاءِ وأهْلِ الكَلام(٢).
٧ - شُبْهَة تَكذيب بعض مَنْ لا يَعْلم أبا هُرَيْرَة رضي الله عنه ورَدُها :
عن أبي أنَس مالِكِ بنِ أبي عامِر ، قال: جاءَ رجلٌ إلى طَلْحَةَ ابنِ عُبَيد الله ،
فقالَ : يا أبا مُحمَّد، أرأيتَ هذا اليَماني - يَعني: أبا هُرَيْرَة - أهو أعْلِمُ بحَديثِ
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم منكُم ؟ نَسمَعُ منهُ أشْياءَ لا نَسْمَعُها منكُم ، أم هو يَقولُ
علىُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ما لَمْ يَقُلْ؟ قالَ: أمَا أنْ يَكُونَ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَع ،
فلا أشُكُ ، سأحَدَّتُك عن ذلك: إنَّا كُنَّ أهلَ بُيُوتَاتٍ وغَنَمٍ وعَمَلٍ ، كُنَّا نأتِي رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم طَرَفَيْ النهار ، وكان مِسْكيناً ، ضَيفاً على بابِ رسُولِ الله صلى الله
عليه وسلم ، يَدُه مع يَدِهِ ، فلا نَشْكُّ أَنَّه سَمِعَ ما لَمْ نَسْمَع، ولا تَجِدُ أَحَداً فيه خَيرٌ
يَقولُ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ما لَمْ يَقُلْ(٣).
(١) انظر السير: (أبو هُريْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣١٠.
(٢) انظر السير: (أبو هُريْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣١١.
(٣) انظر السير: (أبو هُريْرَة) ٥٧٨/٢-٦٣٢، وانظر النزهة: ٢/٣١١.
١٩٤

عن إبراهيمَ ، قالَ : ما كانوا يَأْخُذون من حَديثِ أبي هُرَيْرَة إلاَّ ما كانَ حَديثَ جَنَّةٍ
أو نَارٍ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هُذا لا شَيء ، بل احْتجَّ المسلمونَ قديماً وحديثاً بحَديثِهِ ،
لِحِفْظِهِ وجَلالَتِهِ وإثْقَانِه وفِقْهِهِ ، وناهِيكَ أنَّ مثلَ ابنِ عبَّاس يَتَأْذَّبُ مَعَه ، ويَقولُ : أنْتِ
يا أبا هُرَيْرَة .
وأصَحُ الأحَاديثِ ما جَاءَ عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّب ، عن أبي هُرَيْرَة .
وما جاءَ عن أبي الزِّنادِ ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَة
وما جاءَ عن ابنِ عَوْن ، وأيُّوبَ ، عن محمَّدٍ بنِ سِيرينَ ، عن أبي هُرَيْرَة وأين مثلُ
أبي هُرَيْرَة في حِفْظِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ(١).
وقال يوسُفُ بنُ علي الزنْجانيُّ الفَقيه : سَمعتُ الفَقيهَ أبا إسحاقَ الفَيْروزابادي :
سَمعتُ القاضي أبا الطيب يقولُ : كنَّا فِي مَجلِسِ النَّظَرِ بجامِعِ المَنْصُور ، فجاءَ شابٌّ
خُراسانيٌّ، فسَألَ عن مَسْأَلَةِ المُصَرَّةِ(٢)، فطالَبَ بالذَّليلِ، حتَّى اسْتَدَلَّ بحَديثِ
أبي هُرَيْرَة الوَارِدِ فيها .
فقالَ - وكان حَنفيَّاً -: أبو هُرَيْرَة غيرُ مَقْبولِ الحَديثِ.
(١) انظر السير: ( أبو هُريْرَة) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٣/٣١١.
(٢) المُصَرَّة: الناقة أو البقرة أو الشاة يُصَرَّى اللَّبِنُ في ضَرعها، أي: يُجْمَع ويُحبَس، ثم تُباع فيظُنُها
المشتري كثيرة اللبن ، فيزيد في ثمنها ، فإذا حلبَها مرتين أو ثلاثاً وقف على التصرية والغرور ،
وحديث أبي هريرة الوارد فيها هو في ((المُوطَّأ)» (٦٨٣/٢، ٦٨٤) في البيوع: باب ما ينهى عنه من
المساومَة والمُبايَعَة أخرجه البخاريُّ عن عبد الله بن يوسف، ومسلمٌ (١٥١٥)، (١١ ) عن یخْیَی بنِ
يَحْيَى ، كلاهما عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن عبد الله بن ذَكْوان، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة ، أنَّ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا تصرُّوا الإبلَ والغَنمَ ، فمَنِ ابتاعها بعد ذلك ، فهو بخير
النظرين بعد أن يحلبهما ، إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمر)) أي : يردها بعيب
التصرية ، ويرد معها صاعاً من تمر مكان ما حلب من اللبن ، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد
وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور .
١٩٥

فما اسْتَتَمَّ كَلامَه ، حتى سَقَطَت عليه حيَّةٌ عَظيمَةٌ من سَقْف الجامع ، فوَثبَ النَّاسُ
من أجْلِها ، وهَربَ الشَّاتُّ منها ، وهىْ تَتَبَعُه .
فِقِيلَ له : تُبْ ، تُبْ فقال : تُبْتُ فغَابَت الحيّةُ ، فلمْ يُرَ لها أثَرٌ .
إسنادها أئمة (١) .
وقالَ الإمامُ الذهبيُّ: قد كان أبو هُرَيْرَة وَثيقَ الحِفْظِ، ما عَلَمْنَا أنَّه أخْطاً في
حَديثٍ(٢).
(١) انظر السير: (أبو هُريْرَة) ٥٧٨/٢ -٦٣٢، وانظر النزهة: ٥/٣١٣.
(٢) انظر السير: (أبو هُريْرَة) ٢/ ٥٧٨ -٦٣٢، وانظر النزهة: ١/٣١٥.
١٩٦

( ٤) الفِقه
١ - الفُقَهاءُ العاملون أولياءُ الله :
قالَ الرَّبيعُ : قالَ ليَ الشَّافعيُّ: إنْ لَمْ يَكنْ الفُقهاءُ العامِلُونَ أوْلِياءُ الله فما لله
وَلَيٌّ(١) .
٢ - الفِقْهُ الحَقيقي :
عن عِمْرَانَ القَصير ، قَالَ: سَألتُ الحَسَنَ البَصْريَّ عن شَيءٍ فقُلتُ : إنَّ الفُقهاءَ
يَقولونَ كَذا وكذا ، فقالَ : وهل رَأْيَت فَقيهاً بعَيْنِكَ إنَّما الفَقيهُ: الزَّاهِدُ في الدُّينا ،
البَصيرُ بدِينِه ، المُداوِمُ على عبادَةِ رَبِّه(٢).
٣- قَواعِدُ في الاجْتهاد والتَّقْليد :
قال مالكيٌّ : قد نَدُرَ الاجْتهادُ اليومَ، وتَعذَّرَ، فمالِكٌ أفْضَلُ مَنْ يُقلَّد ، فرَجَحَ
تقليدُه(٣) .
وقال شيخٌ: إنَّ الإمامَ لِمَنِ الْتَزَمَ بتَقليدِه، كالنَّبِيِّ مع أُمَّتِهِ ، لا تَحِلُّ مُخالَفَتُه(٤).
قال الذهبيُّ : قولُه لا تَحِلُّ مُخالَفَتُه: مُجرَّدُ دَعوَى ، واجْتهادٌ بلا مَعرِفَة ، بل له
مُخالَفَةُ إِمامِه إلى إمامٍ آخَرَ ، حُجَّتُه في تلك المَسْألة أقْوَى، لا بَلْ عيه اتِّبَاعُ الدَّليلِ فيما
تَبَرْهَنَ له ، لا كَمَنْ تَّمَذْهَبَ لإمامِ ، فإذا لاحَ له ما يُوافِقُ هَواه ، عَمِلَ به من أي مَذْهَب
كان ، ومَنْ تَتَبَّعَ رُخَصَ المَذاهِبِ، وزَلاَّتِ المُجْتَهدين ، فقد رَقَّ دينُه ، كما قالَ
الأَوْزاعيُّ أو غيرُه : مَنْ أَخَذَ بقَولِ المَكِّينَ في المُتْعَةِ ، والكُوفِيِّينَ في النَِّيذِ ،
(١) انظر السير: (الإمام الشَّافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ١/٨٥٠.
(٢)
انظر السير: ( الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٨/٦٥٠.
(٣) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣١.
(٤) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣١.
١٩٧

والمَدَنيِّينَ في الغِناءِ والشَّامِّينَ في عِصْمَة الخُلَفاء ، فقد جَمعَ الشَّرَّ وكذا مَن أخَذَ في
البُيُوعِ الرِّبَوِيَّة بمَنْ يَتَحيَّلُ عليها ، وفي الطَّلاقِ ونِكَاحِ التَّحْليلِ بمَنْ تَوَسَّعَ فيه ، وشِبْهُ
ذلكَ، فقد تَعرَّضَ للانْحِلالِ، فَنَسألُ اللهَالعافيَّةَ والتَّوفِيقَ(١).
فالمُقْلَّدونَ صَحابةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، بشَرطِ ثُبُوتِ الإسْنادِ إليهم ،
ثم أئمَّةِ التَّابِعِين كعلْقَمةً، ومَسْروق، وعُبَيَدَة السلماني، وسَعيدِ بنِ المُسَيَّب ،
وأبي الشعثاء ، وسَعيدِ بنِ جُبير، وعُبَيدِ الله بنِ عَبد الله، وعُرْوَةَ، والقاسِمِ،
والشَّعْبِي، والحَسَن ، وابنِ سيرينَ وإبراهيمَ النَّخْعي .
ثم كالزُّهْريِّ، وأبي الزِّنَادِ ، وأيُّوبَ السِّخْتيانيِّ، وَرَبِيعَةَ وطَبقَتِهِم .
ثم كأبي حَنِيفَةَ ، ومالِكِ ، والأوْزاعيِّ، وابنِ جُرَيْجٍ ، ومَعْمَرٍ ، وابنٍ أبي عروبة ،
وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والحمَّادَين، وشُعْبَة ، واللَّيْثِ ، وابنِ الماجشُّون ، وابنِ
أبي ذِئْب .
ثم كابنِ المُبارَك ، ومُسْلمِ الزَّنجيِّ ، والقاضي أبي يوسُف ، والهِقل ابنِ زياد ،
ووَكيعٍ ، والوَليدِ بنِ مُسْلمٍ ، وطَبقَتِهِم .
ثم كالشَّافعيِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأحمَدَ ، وإِسْحاقَ، وأبي ثَوْرِ ، والبُويطي ،
وأبي بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَة .
ثم كالمُزَنِيِّ، وأبي بَكْرِ الأَثْرَم ، والبُخاريِّ، ودَاوُدَ بنِ عليٍّ، ومحمَّدِ ابنِ نَصْرٍ
المَرْوزيِّ ، وإبراهيمَ الحَربيِّ ، وإسْماعيلَ القاضي .
ثم كمُحمَّدٍ بنِ جَرير الطَّرِيِّ، وأبي بَكْرِ بنِ خُزَيْمَة ، وأبي عبَّاس بنِ سُرَيْج ،
وأبي بَكْرِ بِنِ المُنْذِر ، وأبي جَعْفَرَ الطَّحاويِّ، وأبي بَكْرِ الخَلاَّل(٢).
ثم من بعد هذا النَّمَط تَنَاقَصَ الاجتهادُ، ووُضِعَتِ المُخْتَصَراتُ، وأَخْلدَ الفُقهاءُ
إلى التَّقْليدِ، من غَيرِ نَظَرٍ فِي الأَعْلَم ، بل بحَسبِ الاتّفاقِ ، والتَّشَهِّي ، والتَّعْظِيمِ ،
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٣١.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٥/٧٣١.
١٩٨

والعادَةِ ، والبَلدِ فَلَوْ أرادَ الطَّالبُ اليومَ أنْ يَتَمذهَبَ في المَغْرِبِ لأبي حَنِيفَة، لعَسُرَ
عليه ، كما لَوْ أرادَ أنْ يَتَمَذهَبَ لابنِ حَنْبلِ بُخارِيٌّ، وسَمَرقَنْدِيٍّ ، لصَعُبَ عليه ، فلا
يجيءُ منه حَنْبَيٍّ، ولا من المَغْرِبِيِّ حَنفيٌّ، ولا من الهِنْدِيِّ مَالِكيٌّ ، وبكلِّ حال :
فإلىُ فِقْه مالك المُنْتُهى فعامَّة آرائِهِ مُسدَّدة ، ولوْ لَمْ يَكنْ له إلَّ حَسْمُ مادة الحِيَل ،
ومُراعاةُ المَقاصِدِ لكَفاهُ، ومَذهَبُه قد مَلأ المَغربَ، والأَنْدَلُسَ ، وكثيراً من بلادٍ مِصْرَ ،
وبَعضَ الشَّامِ ، واليَمنِ ، والسُّودانِ ، وبالبَصْرَة ، وبَغْدادَ ، والكُوفَة، وبَعضَ
خُراسان، وكذلكَ اشْتَهرَ مَذْهَبُ الأوْزاعيِّ مُدَّة ، وتَلَاشَىْ أصْحابُه ، وتَفانوا وكذلك
مَذْهَبُ سُفْيَانَ وغَيرُه مِمَّن سَمَّيْنا، ولَمْ يَبْقَ اليومَ إلاَّ هذه المَذاهبُ الأرْبَعَة وقلَّ مَنْ
يَنْهَضُ بمَعرِفَتِها كما يَنبغي، فَضلاً عن أنْ يَكونَ مُجتهداً(١).
وانْقَطِعَ أتْباعُ أبي ثَوْر بعد الثَّلاثِ مِثَة، وأصْحابُ داوُدَ إلاَّ القَليلُ، وبَقِيَ مَذْهَبُ
ابنِ جَرير إلى ما بَعدَ الأَرْبَعِ مِئَةٌ(٢) .
وقالَ الذهبيُّ أيضاً : ولا رَيبَ أنَّ كلَّ مَنْ أنسَ من نفسِهِ فِقْهاً، وسِعَةَ علمٍ ، وحُسْنَ
قَصْد فلا يَسَعُه الالتزامُ بمَذهَب واحدٍ في كُلِّ أقوالِه، لأنَّه قد تَبَرْهَن له مَذْهَبُ الغَير في
مَسائلَ، ولاحَ له الدَّليلُ، وقامَتْ عليه الحُجَّةُ، فلا يُقدِّد فيها إمامَه ، بَلْ يَعمَلُ بما
تَبَرْهَنَ، ويُقلِّدُ الإمامَ الآخَرَ بالبُرْهانِ ، لا بالتَّشَهِّي والغَرَضِ ، لكنَّه لا يُفْتي العامَّةَ إلاَّ
بِمَذْهَبٍ إمامِهِ ، أَوْ لِيَصْمُت فيما خَفي عليه دَليلُه .
وذَكرَ أحمدُ بنُ حَنْبل مالكاً ، فقَدَّمَه على الأوْزاعيِّ ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ ، وحمَّاد
والحَكَم ، في العلم وقال : هو إمامٌ في الحَديثِ ، وفي الفِقْه .
وقال أسَدُ بنُ الفُرات: إذا أرَدْتَ اللهَ والدَّارَ الآخِرَةَ فعَليكَ بِمَالِكِ .
وقد ذَكرَهُ أبو عَمٍو الدَّاني في (( طَبِقَاتِ القُرّاء)) وأنَّه تَلا على نافع ابن
أبي نُعيم(٣) .
(١)
انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٣٢.
(٢)
انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٢.
(٣) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٣.
١٩٩

وقال الشَّافعيُّ: كلُّ ما قُلْتُه فكانَ من رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خِلافُ قَولِي
ممَّا صَحَّ، فهو أوْلَىُ، ولا تُقُلِّدُوني(١) .
وقال ابنُ خلِّكان : كان أبو القاسم الدَّارَكي يُتْهَم بالاعْتِزِالِ ، وكان ربَّما يَختارُ في
الفَتْوَىُ، فيُقالُ له في ذلك، فيقولُ: وَنِحَكم! حَدَّثَ فُلانٌ عَن فُلانٍ ، عن رسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم بكَذا وكَذا والأخْذُ بالحَديثِ أوْلَى من الأخْذِ بقَولِ الشَّافعيِّ
وأبي حَنيفَة .
قال الذهبيُّ : هذا جيدٌ ، لكن بشرطِ أنْ يَكونَ قَد قالَ بذلكَ الحَديثِ إمامٌ من
نُظَراءِ هَذَين الإمامَين مثلُ مالكِ، أو سُفْيان ، أو الأوْزاعيّ وبأنْ يَكونَ الحَديثُ ثابتاً
سالِماً من عِلَّة، وبأن لا يَكونَ حُجَّةُ أبي حَنِيفَة والشَّافعيِّ حَديثاً صَحيحاً مُعارِضاً
للآخر .
أمَّا مَنْ أَخَذَ بحَديثٍ صَحيح وقد تَنَّكَّبَه سائرُ أئمَّة الاجْتهاد فلا، كخَبَر: ((فإِنْ
شَرِبَ في الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ))، وكحَديثِ ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ ».
تُوفِّيَ الدَّارَكيُّ بِبَغْدَادَ سَنةِ خَمسٍ وسَبعينَ وثَلاثِ مِتَة وهو في عَشْرِ الثَّمانينَ وكانَ ثِقةً
صَدوقاً .
ودَارَك : من أعْمال أصْبَهان (٢).
جاء في تَرجَمة ابنِ حَزْم ، قال الذهبيُّ : قيل إنه تَفَقَّه أولاً للشَّافِعِيِّ، ثم أدَّاهُ
اجْتهادُه إلى القَولِ بنَفْي القِياسِ كُلّه جَلِيِّه وخَفيِّه، والأخْذِ بظاهِرِ النَّص وعُموم الكِتاب
والحَديث ، والقَولِ بَالبَراءَة الأصْليّة، واسْتصْحابِ الحَال، وصَنَّفَ في ذَلك كُتباً
كثيرة، وناظَرَ عليه، وبَسَط لسانَه وقَلمَه، ولمْ يَتأذَّبْ مع الأئِمَّة في الخِطاب ، بلْ
فجَّجَ(٣) العِبارَة وسَبَّ وجدَّع(٤) ، فكان جَزاؤُه من جِنْسٍ فعلِه ، بحَيثُ إِنَّه أعْرَضَ عن
(١) انظر السير: (الإمام الشَّافعيّ) ٥/١٠-٩٩، وانظر النزهة: ٢/٨٤٨.
(٢) انظر السير: (الدَّارَكيّ) ٤٠٤/١٦ -٤٠٦، وانظر النزهة: ٤/١٣٠١.
(٣) المعنى أنه ساق العبارة فجّةً قاسية .
(٤) الجَدْع في الأصل: القَطْع، وهو كناية عن الذَّم والشَّتْم .
٢٠٠