Indexed OCR Text

Pages 161-180

(٢) التَّفْسِير
تَفْسیرُ آیات :
عن خالدِ الحذَّاء ، قال: سألَ الرجلُ الحَسَنَ البَصْريَّ فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكُ﴾(١) قال: أهلُ رَحمَتِهِ لا يَخْتِلِفون، ولذلكَ خَلقَهم ،
خَلقَ هؤلاءِ لجنَّتِهِ ، وخَلقَ هؤلاء لنارِه، فقُلتُ يا أبا سَعيد آدَمُ خُلِقَ للسَّماءِ أمْ
للأرْضِ ؟ قال : للأرضِ خُلِقَ ، قُلتُ: رَأيتَ لوِ اعْتصَمَ فلمْ يأكُلْ من الشَّجرَةِ ؟ قال :
لمْ يكنْ بُدُّ من أنْ يأكلَ منها إنَّه خُلقَ للأرضِ ، فَقُلتُ: ﴿مَآ أَتُمْ عَلَيْهِ يِفَتِينٌ (١٦) إِلَّا مَنْ هُوَ
صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) قال: نَعَم، الشَّياطينُ لا يُضلُّون إلاَّ مَنْ أحَبَّ اللهُ له أنْ يَصْلَى
الجَحيم(٣).
وعن سُفيانَ الثَّوري: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾(٤)، (٥) قال: نُسْبغُ عليهم النِّعَم ونَمْنَعُهُم
الشُّكْرَ (٦).
وعنه ﴿ وَمُلْكَاكِيرًا﴾ (٧) قال: اسْتِئِذَانُ المَلائِكَةِ عَليهم (٨) .
قال معدانُ - الذي يَقولُ فيه عبدُ الله بنُ المُبارَك: هُوَ من الأَبْدال(٩) سَألتُ النَّوْرِيَّ
(١) سورة هود، الآيتين : ١١٨، ١١٩.
(٢) سوة الصافات، الايتين : ١٦٢، ١٦٣ .
(٣) انظر السير: (الحَسن البَصْريّ) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ١/٥٦٢.
(٤)
سورة الأعراف ، الآية : ١٨٢ .
(٥)
سورة القلم ، الآية : ٤٤ .
انظر السير : ( سُفْيان) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة : ٥/٦٩٧.
(٦)
(٧)
سورة الإنسان ، الآية : ٢٠ .
انظر السير : ( سُفْيان) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٢/٦٩٩.
(٨)
قوم من عباد الله الصالحين ، يهتدون بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ، ويتصفون بحسن الخلق ،
(٩)
وصدق الورع ، وحسن النية ، وسلامة الصدر ، يستجيب الله دعاءهم ، ولا يخيب رجاءهم ، ورد في
حقهم أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أوردها السخاوي في (( المقاصد الحسنة)) ص ٨ - ١٠ ،
وتكلم عليها فراجعه .
١٦١

عن قَولِهِ تَعالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾(١)، فقال: عِلْمُهُ(٢).
تَفْسيرُ آيةٍ في ثلاثِ مئةٍ وستِّينَ مَجْلِساً :
قيلَ: إنَّ شَيخَ الإسلام عبد الله الهَرَوي عَقدَ على تَفسيرِ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَ﴾(٣) ثلاثَ مئة وسِتِّينَ مَجْلساً.
تُوفِّيَ شَيخُ الإسلامِ الهَرَويُّ سنةَ إحدى وثمانين وأربع مئة عن أربع وثمانين سَنةً
وأَشْهُر (٤) .
تَفْسیرُ آیةٍ في مُجلَّد :
وقال ابنُ عقيل في ((فُنونه)) : قدِمَ علينا من مِصْرَ القاضي أبو يوسُف القَزْويني ، وكان
يَفْتخرُ بالاعْتزال، ويتوسَّعُ فِي قَدْحِ العُلماء ، وله جُرْأةٌ ، وكان إذا قَصدَ بابَ نظام
المُلك، يقولُ : استأذنوا لأبي يوسُف المُعْتَزليِّ، وكان طَويلَ اللُّسان بعلمٍ تارة ، وبسَفَهِ
تارةً ، لم يكن مُحَقِّقاً إلاَّ في التفسير ، فإنَّه لَهجَ بذلك حتى جَمعَ كتاباً بلغ خمسَ مئة
مُجلَّد، فيه العَجائبُ، رأيتُ منه مُجلَّدَةً في آيةٍ واحدة، وهي ﴿ وَأَتَّبَعُواْمَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾(٥) ، فذكرَ السِّحْرَ والملوك الذين نفَق عليهم السِّخْرُ، وتأثيراتِهِ وأنْواعِه (٦).
أسبابُ نُزُول :
عن قَتَادَة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ﴾ (٧) قال: تَصدَّقَ عبدُ الرحمَنِ بنُ
عَوْف بشَطرِ مالِه أرْبَعةِ آلافٍ دينار فقال أُناسٌ من المنافقين: إنَّ عبدَ الرحمَن لعَظيمُ
الرِّياء(٨).
(١) سورة الحديد ، الآية : ٤ .
(٢)
انظر السير: ( سفيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة : ٩/٩٩٦.
(٣)
سورة الأنبياء ، الآية : ١٠١ .
انظر السير: ( شَيخُ الإسْلام) ١٨/ ٥٠٣-٥١٨، وانظر النزهة : ١/١٤٣٨.
(٤)
(٥)
سورة البقرة ، الآية : ١٠٢ .
انظر السير: ( أبو يوسف القَزْويني) ٦١٦/١٨ -٦٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٨.
(٦)
(٧)
سورة التوبة ، الآية : ٧٩ .
انظر السير: ( عبد الرحمن بن عَوْف) ٦٨/١-٩٢، وانظر النزهة: ٥/١٣٠.
(٨)
١٦٢

وعن أبي عُثمانَ أنَّ سَعدَ بنَ أبي وَقَّاص قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ فِيَّ ﴿ وَوَضَيْنَا الْإِنسَانَ
بِوَدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَالكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً﴾(١) قالَ: كُنْتُ بَراً بأمِّي ،
فلمَّا أسْلَمتُ، قالت : يا سَعدُ! ما هَذا الدِّينُ الذي قد أحْدَئتَ !! ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَك
هذا، أوْ لا آكُلُ ، ولا أشْربُ حتى أمُوتَ، فَتُعَيَّرَ بي، فيُقالُ: يَا قَاتِلَ أمِّهِ ، قُلتُ :
لا تَفْعَلي يا أُقَّه ، إنِّي لا أدَعُ دِيني هذا لشيء، فمَكَثَتْ يوماً لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ
ولَيلةً، وأصْبَحَتْ وقد جُهدَت، فلمَّا رَأيتُ ذلكَ، قُلتُ: يا أُمَّه! تَعْلَمينَ والله لوْ كانَ
لك مِئَةُ نَفْسٍ، فخَرجَت نَفْساً نَفْساً ، ما تركتُ ديني إنْ شِئتِ فكُلِي أو لا تَأْكُلي فلمَّا
رَأْتْ ذلكَ أكَّلَتْ(٢).
عن أسلم، عن أبيه قال : ما كنَّا نَدعو زَيدَ بنَ حارثة إلاَّ زَيْدَ ابن محمّد ، فنزلت :
﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَبَانِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾(٣).
وعن أبي عَمرو الشَيْباني قال: أخْبَرَني جَبَلَهُ بنُ حَارِثَة قال : قَدمتُ على رسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم فقُلتُ : يا رسُولَ الله! ابْعَثْ معي أخي زَيْداً قال صلى الله عليه
وسلم: ((هُوَ ذَا فإنِ انْطَلَقَ، لَمْ أَمْنَعْهُ)) ، فقال زيدٌ: لا والله! لا أخْتارُ عليكَ أحداً
أبداً قال : فرَأيتُ رَأْيَ أخِي أَفْضَلَ من رأيي (٤).
واستُشهد عبدُ الله بنُ عبدِ الله بن أَبِيِّ بن سَلول يَومَ اليَمامَة ، وقد ماتَ أبُوه سَنةً
تَسْع ، فألْبَسَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَميصَه وصَلَّى عليه، واسْتَغْفرَ له إكراماً
لولَدِه ، حتى نَزِلَت ﴿ وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾﴾ الآية(٥)، (٦).
وعن طَلْحَةِ بنِ خِرَاش، سَمِعَ جابِرًاً يقولُ : قال لي رسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم: (( ألا أُخْبِرُكَ أنَّ اللهَ كلمَ أبَاكَ كَفَاحَاً ، فقَالَ: يا عَبْدِي! سَلْنِي أُعْطِكَ ، قَالَ :
(١) سورة العنكبوت ، الآية: ٨.
(٢) انظر السير: (سعد بن أبي وَقَّاص) ١/ ٩٢ -١٢٤، وانظر النزهة: ٥/١٣٤.
(٣) سورة الأحزاب ، الآية : ٥ .
(٤)
انظر السير: (زيد بن حارثة) ٢٢٠/١ -٢٣٠، وانظر النزهة : ١/١٥٢.
(٥) سورة التوبة ، الآية : ٨٤.
(٦) انظر السير: (عبد الله بن عبد الله بن أَبَيّ) ٣٢١/١-٣٢٣، وانظر النزهة : ٥/١٧٠.
١٦٣

أَسْأَلُكَ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فأُقْتَلُ فِيْكَ ثانِياً ، فقَالَ: إنَّه قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُم إِلَيْهَا
لا يُرْجَعونَ قَالَ: يا رَبِّ! فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَ تَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(١)، (٢).
وعن سَعدٍ قال: كُنا مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سِتَّة نفر ، فقالَ
المشركون : اطْرُدْ هَؤلاء عَنكَ فَلا يَجْتَرِؤُونَ عَلينا، وكُنتُ أنا وابنُ مَسْعود وبِلالٌ
ورَجلٌ من هُذَيْل وَآخَران، فأنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَتَينَ(٣)، (٤).
وقال عُرْوَةُ : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع رِجالٍ من قُرَيش منهم عُتْبَة بن
رَبِيعَة، فجاء ابنُ أُمِّ مَكتومٍ يَسألُ عن شَيءٍ، فأعْرَضَ عنه، فَأَنْزِلَت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ) أَنْ
جَهُ اَلْأَعْمَى﴾ (٥)، (٦).
عن البَراءِ قالَ : لمَّا نَزَلَت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾ دَعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم
زَيْداً، وأمَرَه، فجاءَ بكَتف وكَتَبَها ، فجاءَ ابنُ أُمِّ مَكتوم ، فشَكا ضَرارَتَه ، فَنَزِلَت :
غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾(٧)، (٨).
وعن أبي عُبَيْدَة بنِ محمَّدٍ بنِ عَمَّارَ بنِ ياسِر قالَ: أَخَذَ المشركون عَمَّاراً ، فَلَمْ
يَترُكوهُ حتى نالَ من رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وذَكَرَ آلِهَتَهم بخَير ، فلمَّا أتى
النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قال: ما وَراءَك؟ قال: شَرٌ يا رسُولَ الله والله ما تُرِكْتُ
حتىْ نِلْتُ منكَ، وذَكرتُ آلِهَتَهم بخَيرٍ ، قال صلى الله عليه وسلم: ((فَكَيْفَ تَجِد
قَلْبَكَ؟ )) قال: مُطْمَئنٌ بالإيمان قال صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ))
(١) سورة آل عمران، الآية : ١٦٩.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن عمرو بن حرام) ٣٢٤/١-٣٢٨، وانظر النزهة : ٤/١٧٢.
(٣)
سورة الأنعام ، الايتان : ٥٢، ٥٣ .
انظر السير: (بلال بن رباح) ٣٤٧/١ - ٣٦٠، وانظر النزهة : ٤/١٧٥.
(٤)
(٥)
سورة عبس ، الآيتان : ١، ٢.
انظر السير: ( ابن أمِّ مَكتوم) ١/ ٣٦٠ _٣٦٥، وانظر النزهة: ٣/١٧٧.
(٦)
(٧) سورة النساء ، الآية : ٩٥ .
(٨) انظر السير: (ابن أمِّ مَكتوم) ٣٦٠/١ _٣٦٥، وانظر النزهة : ٥/١٧٧ .
١٦٤

وعن قَتَادَة: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾(١) نَزَلَت في عَمار (٢).
وعن أبي وَائِل ، قال لنا الأشْعَثُ بنُ قَيْس، فيَّ نَزِلَت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَئِنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾(٣) ، خاصَمتُ رجلاً إلىُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ:
((أَلَكَ بَيَّةٌ؟ )) قلتُ: لا قالَ صلى الله عليه وسلم: ((فَيَحْلِفُ؟)) قُلْتُ: إذاً يَحلفُ
فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ خَلَفَ عَلَى يَمِيِن فَاجِرَةٍ لِيَقْتَطِعَ بها مَالاً ، لَقِيَ اللهَ
وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ ))(٤) .
عن عامِرِ بنِ سَعْد ، عن أبيه : قال : ما سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
يَقولُ لأحَدٍ : أنَّه مِنْ أهْلِ الجَنَّة إلاَّ لعَبدِ الله بنِ سَلام، وفيه نَزَلَت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ
بَنِيِّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾(٥) ،(٦) .
وعن عبدِ الله بنِ سَلام، قال: قَعَدْنا نَفَرٌ من أصْحَابِ رسُولِ الله ، فتَذاكرْنا ،
فقُلنا: لَوْ نَعلَمُ أيُّ الأعْمَالِ أحَبُّ إلى الله، لعَمِلْنَا فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿ سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ
يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(٧) حتى
وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (
خَتمَها(٨) ، قال: فقَرأَها عَلينا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى خَتَمَهَا(٩).
وخرَّج التّرمِذيُّ من حَديثِ ابنِ عُمَرَ ، قالَ : قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
يَومَ أُحُدٍ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ أبا سُفْيَانَ! اللَّهُمَّ الْعَنِ الحارِثَ بنَ هِشام! اللَّهُمَّ الْعَنْ
صَفْوَانَ بِنَ أُمَيّة )) .
(١)
سورة النحل ، الآية : ١٠٦ .
انظر السير: ( عَمّار بن ياسر) ٤٠٦/١-٤٢٨، وانظر النزهة: ٣/١٨٤.
(٢)
(٣)
سورة آل عمران ، الآية : ٧٧.
(٤)
انظر السير: ( الأشْعَث بن قَيْس) ٢/ ٣٧-٤٣، وانظر النزهة: ٢/٢١٥.
(٥)
سورة الأحقاف ، الآية : ١٠ .
انظر السير: ( عبد الله بن سَلام) ٢/ ٤١٣-٤٢٦، وانظر النزهة : ١/٢٨٥.
(٦)
(٧)
سورة الصَّف، الآيتين : ٢،١ .
(٨)
أي قرأها ابنُ سَلام رضي الله عنه حتى خَتمها.
(٩) انظر السير: (عبد الله بن سَلام) ٢/ ٤١٣ -٤٢٦، وانظر النزهة: ٥/٢٨٥.
١٦٥

فَتَزَلَت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾(١) فتابَ عَليهِم، فأسْلَموا، فحَسُنَ
إِسْلامُهم .
قال الإمامُ الذهبيُّ : أَحَسَنُهم إِسْلاماً الحَارِثُ(٢).
وعَن زَيْدِ بنِ أرْقَم : كُنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزاة ، فسَمعتُ عبدَ الله
ابنَ أُبَيِّ بنِ سَلول يَقولُ: لا تُنْفِقُوا على مَنْ عند رسُولِ الله حَتّى يَنْفَضُّوا من عِندِهِ ولَئِنْ
رَجَعْنا إلى المَدِينَة ليُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فحَدَّثتُ به عَمِّي فأتَى النبيَّ صلى الله
عليه وسلم فأخْبَرَه ، فدَعاني رسُولُ الله، فأخْبَرَتُهُ، فَبَعثَ إلى عبدِ الله بنِ أُبَيِّ
وأصْحابِه ، فجَاؤُوا ، فحَلَفوا بالله ما قالوا ، فصَدَّقه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
وكذَّبني ، فدَخَلَني من ذلك هَمٌّ ، وقال لي عَمِّي: ما أرَدْتَ إلى أنْ كذَّبَكَ رسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم، ومَقتَك، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِذَا جَءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾(٣) فدَعاهُم
رسُولُ الله فقَرأْهَا عَليهِم ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ يا زَيْدُ)).
توفي زَيدُ بنُ أَرْقَم سنةً ستٌّ وسِتِين(٤) .
(١) سورة آل عمران ، الآية : ١٢٨.
انظر السير: ( صَفْوان بن أمية) ٥٦٢/٢-٥٦٧، وانظر النزهة: ١/٣٠٥.
(٢)
(٣)
سورة المنافقون ، الآية : ١ .
(٤) انظر السير: (زَيْد بن أرْقَم) ١٦٥/٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٤/٣٥٩.
١٦٦

(٣) الحديث
١ - تَفْسِيرُ أحاديث :
عن أبي هُريرة، يبلغ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيَضْرِبَنَّ النَّاسُ أَكْبَادَ
الإِبِلِ فِي طَلَبِ العِلْمِ ، فَلا يَجِدُونَ عَالِماً أَعْلِمَ مِنْ عَالِمِ المدِينَةِ )).
وذَكرَ أبو المُغِيرَة المَخْزومي أنَّ مَعْناه: ما دَامَ المُسلمونَ يَطلُبُونَ العِلمَ لا يَجدون
أعلَمَ من علم بالمَدينة فيكون على هذا : سَعيدُ بنُ المُسيِّب ، ثم بعدَه مَنْ هو من
شُيوخ مالِك ، ثم مالِك ، ثم مَنْ قام بعدَه بعلمِه ، وكان أعلمَ أصحابِهِ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : كان عالمَ المَدينَةَ في زَمانِهِ بعدَ رسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم، وصاحبِه ، زَيدُ بنُ ثابت ، وعائشةُ، ثم ابنُ عُمَر ، ثم سَعيدُ بنُ المُسيِّب ، ثم
الزُّهْري ، ثم عُبَيْدُ الله بنُ عُمَر ثم مالِك .
وعن ابنِ عُيَيْنَة قال : مالكٌ عالمُ أهلِ الحِجَاز ، وهو حُجَّةُ زَمانِهِ .
وقال الشَّافعيُّ - وصَدَقَ وبَرَّ - : إذا ذُكرَ العُلماءُ فمالكٌ النَّجْمُ .
ولم يكنْ بالمدينة عالم من بعد التَّابعين يُشْبِهُ مالكاً في العلمِ ، والفِقْه، والجَلالَة ،
والحِفْظ ، فقد كان بها بعد الصَّحابة مثلُ سَعيدِ بنِ المُسيِّب ، والفُقَهاء السَّبعَةِ (١)
والقاسِمُ، وسالِم ، وعِكرمَة ، ونافِع ، وطَبقَتهم ، ثم زَيد بن أسْلَم ، وابن شِهاب ،
وأبي الزِّناد ، ويَحيى بن سَعيد، وصَفْوان بن سليم، ورَبيعَة بن أبي عبد الرحْمَن ،
وطَبقَتهم ، فلمّا تَفَانوا ، اشْتهرَ ذكرُ مالك بها ، وابنِ أبِي ذِئْب ، وعبدِ العَزيز بنٍ
(١) الفقهاء السبعة نظم أسماءهم بعضهم بههذين البيتين :
إِذَا قِيلَ مِنْ في الفِقْهِ سَبعة أبْحُرٍ
رِوَايَتُهُمْ لَيسَت عَن العلمِ خَارِجَةً
فقُلْ هُم : عُبَيِدُ الله ، عروةُ قاسم
سَعِيدٌ، أَبُو بَكْرٍ ، سليمانُ ، خَارِجَةً
١٦٧

الماجشُون، وسُليمان بن بلال، وفُلَيْح بن سُليمان ، والدَّراورديِّ ، وأقْرانهم ، فكان
مالكٌ المُقدَّمَ فيهم على الإطلاق، والذي تُضْرَبُ إليه آباطُ الإبل من الآفاق، رَحمَه اللهُ
تَعالى(١).
وقال عبّاسُ الدُّورُّ ، سمعتُ يحيى بنَ مَعین یقولُ في قوله صلی الله عليه وسلم :
((لا تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا وَلَوْ كانَتْ عَلى قَتَبٍ )) قال: كانت المرأةُ في الجاهليّة إذا أرادَت أنْ
تَلدَ تقعدُ علىُ قَتْب ليكونَ أسْرِعَ لولادَتِها(٢) .
وقال الحاكمُ : سَمعتُ الحَسنَ بنِ أحمدَ بنِ موسَى ، سَمعتُ أبا عبد الله البُؤْشَنجي
- يقولُ في مَعْنىُ قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ كانَ القُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا مَسَّتْهُ
النَّارُ))، قال: مَعْناهُ: أنَّ مَنْ حَملَ القُرآنَ وقَرأَه، لَمْ تَمسَّهُ النَّارُ(٣).
وقال أبو سَعيد النقَّش : كان ابنُ سَمعون يرجِعُ إلى عِلمِ القُرآن وعِلمِ الظَّاهِرِ
مُتَمسِّكاً بالكِتابِ والسُّنَّة، لَقيتُه وحَضرْتُ مَجلِسَه، سَمعتهُ يُسألُ عن قوله: (( أنَا
جَلِيسُ مَنْ ذَكرَنِي )) قال: أنا صائنُه عن المَعْصِيَة، أنا مَعَه حيثُ يَذْكُرُني، أنا مُعينُه .
تُوقِّي ابن سَمعون سَنةً سَبع وثمانين وثلاث مئة(٤) .
٢- تَصْحیحُ عِبارَة رَدیئة جاءَت عن واحدٍ من السَّلف في نَقْدِ حَديثٍ من الأحاديث :
قال أبو أحمَد بنُ عَدي : سَمعتُ عَليَّ بنَ عبدِ الله الدَّاهريَّ يقولُ : سَألتُ ابنَ
أبي داود عن حَديثِ الطَّيْرِ(٥) ، فقال : إن صح حديث الطير فنبوَّةُ النبيِّ صلى الله عليه
(١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٢٦.
(٢)
انظر السير: ( يَحيى بن معين) ٧١/١١ -٩٦، وانظر النزهة : ٣/٩١٣.
(٣) انظر السير: (البُوْشنجيّ) ٥٨١/١٣-٥٨٩، وانظر النزهة: ٢/١١١٨.
انظر السير: ( ابنُ سَمْعون) ٥٠٥/١٦-٥١١، وانظر النزهة : ١/١٣١١.
(٤)
وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس قال : كنتُ أخدمُ
(٥)
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقدم له فرخ مشوي، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ ائتني
بأحبُّ خلقكَ إليك يأكلُ معي هذا الطير ، فقلتُ اجْعَلْه رجلاً من أهلي الأنصار ، فجاء عليٍّ ، فقلتُ
إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على حاجة ، ثم جاء فقلتُ ذلك ، فقال : اللَّهُمَّ ائتني كذلك ، فقلتُ
ذلك، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( افتح ، فدخل فقال صلی الله عليه وسلم : =
١٦٨

وسلم باطلٌ ، لأنَّه حَكَى عن حاجبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خِيانةً - يَعْنى أنَسَاً -
وحَاجِبُ النبيِّ لا يَكونُ خائناً .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هذه عبارةٌ رديئةٌ، وكلامٌ نحْسٌ، بل نُبُوَّة محمَّد صلى الله
عليه وسلم حَقٌّ قَطْعِيٍّ، إنْ صَحَّ خَبَرُ الطَّيْرِ، وإِنْ لَمْ يَصِحَّ ، وما وَجْهُ الارْتِباطِ ؟!
هذا أنَسٌ قد خَدمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَبلَ أنْ يَحْتِلِمَ ، وقَبلَ جَرَيان القَلَم ،
فيَجُوزُ أنْ تَكونَ قِصَّةُ الطَّائر في تِلكَ المُدَّةِ فَرْضَنا أنَّه كان مُحْتَلِماً ، ما هو بمَعْصُوم من
الخِيانَةَ، بلْ فَعَلَ هذه الجنايَةَ الَخفيفَة مُتأوّلاً، ثمَّ إِنَّه حَبَسَ عَلَّاً من الدُّخولِ كما
قِيلَ ، فكان ماذَا؟ والدَّعْوَةُ النَّبويّة قد نَفَذَت واسْتُجيبَت، فَلَوْ حَبَسَه، أو رَدَّه مَرَّات ،
ما بَقِيَ يُتَصوَّرُ أنْ يَدْخُلَ ويَأْكلَ مع المُصطفَى سِواهُ ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَكونَ النَّبيُّ صلى الله
عليه وسلم قَصدَ بقَولِه: ((إيتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ، يَأْكُلُ مَعِي)) عَدداً من الخِيَارِ ،
يَصدُقُ على مَجْمُوعِهِم أنَّهُم أحَبُّ النَّاسِ إلى الله، كمَا يَصُّ قَوْلُنا: أحَبُّ الخَّلْقِ
إلى الله الصَّالِحُونَ ، فيُقالُ: فَمَنْ أحَتُّهُم إلى الله؟ فَتَقُولُ: الصِّدِّيقُونَ والأنْبياءُ
فيُقالُ: فمَنْ أحَتُّهُم إلى الله ؟ فَتَقُولُ: مُحمَّدٌ وإبْراهِيمُ ومُوسَى، والخَطْبُ في ذلك
يَسيرٌ وأبو لُبابَة - مع جَلالتهِ - بدَتْ منه خِيانَةٌ، حَيثُ أشار لبَنِي قُرَيْظَة إلىْ حَلْقِهِ ،
وتابَ اللهُ عَليه وحاطِبٌ بدَت منه خيانةٌ ، فكاتَبَ قُرَيشاً بأمْرٍ تَخَفَّى به نَبيُّ الله صلى الله
عليه وسلم من غَزْوِهِم ، وغَفرَ اللهُ لحاطِب مع عِظَمٍ فِعْلِهِ رضي الله عنه وحَديثُ الطَّيرِ -
علىُ ضَعْفِه - فَلَه طُرقٌ جَمَّة، وقد أفْرَدتُها في جُزء، ولَمْ يَثْبُتْ، ولا أنا بالمُعْتَقِدِ
بُطْلانَه(١).
وقد أخطأ ابنُ أبي داود في عِبارَته وقولِه ، وله على خَطِئِهِ أجْرٌ واحدٌ ، ولَيسَ من
ما حبسكَ يا عليُّ ؟ فقال: إنَّه هذه آخر ثلاث كرَّات يردُّني أنس ، فقال صلى الله عليه وسلم :
=
ما حَملَكَ على مَا صَنعتَ ؟ قلتُ : أحْبَيْتُ أن يكونَ رجلاً من قومي ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن
الرجلَ محبٌّ قومَه))، وانظر أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث وقعت في المصباح ٣١٣/٣ ،
٣١٤ و(الفوائد المجموعة) ص ٣٨٢ ، وسيذكر المصنِّفُ رأیَه بعد قليل .
(١) انظر السير: (أبو بكر السِّجستانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ٥/١٠٧٣.
١٦٩

شَرط الثِّقَةِ أنْ لا يُخْطِىءَ ولا يَغْلَطَ ولا يَسْهِوَ ، والرجلُ فَمِنْ كِبَارِ عُلماء الإسْلام ، ومن
أَوْثَق الحُفَّاظ، رحمه الله تَعالى(١) .
٣- حَدیثیَّات :
قال أبو عمرُو بنُ الصَّلاحِ : رُوِّينا عن عَمروٍ بنِ عليِّ الفلاَس ، أنه قال : أُصَحُ
الأسانيد ابن سِيرينَ عن عَبِيدَةَ بنِ عَمرو عن عليّ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : لا تَفَؤُّقَ لهذا الإسناد مع قُوَّتِه على إبراهيم ، عن علقمة ، عن
عبدِ الله ، ولا على الزُّهْريِّ، عن سالمٍ ، عن أبيه ، ثم إنَّ هذين الإسْنادَين رُوي بهما
أحاديثُ جمَّة في الصِّحاح وليس كذلك الأوَّلُ، فما في ((الصَّحيحَين)) لعَبِيدَة عن عليٍّ
سِوَىُ حديثٍ واحد(٢) .
قال أبو داود : لَيسَ في أهْلِ الأهواءِ أصَُ حَديثاً من الخَوارِجِ ثُمَّ ذَكَرَ عِمْرانَ بنَ
حِطَّان، وأبا حَسَّانَ الأعْرَجَ(٣) .
وعن عليٍّ بنِ زَيْد، حذَّثني سَعيدُ بنُ المُسيِّب بنُ حَزْن أن جَدَّه حَزْناً أتى النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: (( ما اسْمُك؟)) قال: حَزْن ، قال صلى الله عليه
وسلم : ((بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ)) قال: يا رسولَ الله ، اسمٌ سمَّاني به أبَواي وعُرفْتُ به في
الناس ، فسَكتَ عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، قال سَعيدُ: فما زلْنا تُعرَفُ الحُزونَةَ
فينا أهلَ البَيْت(٤) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هذا حَديثٌ مُرسَل ، ومَراسيلُ سَعيد مُحتٌَّ بها لكن عليُّ بنُ
زَيْد لَيسَ بالحُجَّة وأمَّا الحَديثُ فمَرْويٌّ بإسناد صَحيح، مُتَّصل، ولفْظُه : أنَّ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم، قال له : (( ما اسْمُك؟)) قال: حَزْن قال: ((أنْتَ سَهْلٌ))
(١) انظر السير: ( أبو بكر السِّجسْتانيّ) ٢٢١/١٣ -٢٣٧، وانظر النزهة: ١/١٠٧٥.
(٢) انظر السير: (عَبِيدَة بن عَمرو) ٤٠/٤-٤٤، وانظر النزهة: ٢/٤٣٩.
(٣) انظر السير: (عمران بن حطان) ٢١٤/٤-٢١٦، وانظر النزهة: ١/٤٨١.
(٤) انظر السير: (سَعيد بن المُسَيِّب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٢/٤٨٢.
١٧٠

فقال: لا أُغيِّرُ اسْماً سمَّانيه أبي، قال سَعيدٌ: فما زالت تلك الحُزُونَةَ فينا بَعدُ(١)، (٢).
عن ابن عَوْن، قال : كان إبراهيمُ والشّعْبيُّ والحَسَنُ ، يأتونَ بالحَديثِ على
المَعاني ، وكان القاسِمُ وابنُ سيرين ورجاءُ يُعيدونَ الحَديثَ على حُروفِه(٣) .
وقال الذهبيُّ: مَراسيلُ الحَسَنِ البَصْري لَيسَت بذاك ، ولَمْ يَطْلُب الحَديثَ في
صِباه، وكان كَثيرَ الجِهَاد، وصَارَ كاتباً لأميرٍ خُراسَان الرَّبِيعِ بنِ زِيَاد .
وقال سُليمانُ التَّيْمِيّ : كان الحَسَنُ يَغْزُو، كان مُفْتِي البَصْرَة جابرُ بنُ زَيْد
أبو الشَّعْثاء ، ثم جاءَ الحَسَنُ فكان يُفْتي .
قال الإمامُ الذهبيُّ: كان رجلاً تامًّ الشَّكْل، مَلِيحَ الصُّورَة ، بَهيّاً، وكان من
الشُّجْعانِ المَوْصُوفین .
وعن أبي بُرْدَة ، قال: ما رَأيتُ أحداً أشْبَه بأصْحابِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم
منه - يَعْنِي الحَسَنَ البَصْري (٤) .
وعن ابنِ سِيرينَ ، قالَ : لقد أتى على النَّاسِ زَمانٌ وما يُسألُ عن إسْنادِ الحَديثِ ،
فلمَّا وَقَعَت الفِتْنَةُ سُئِلَ عن إسْنادِ الحَديثِ، فَيُنظَر مَنْ كانَ من أهْلِ البِدَعِ، تُرِكَ
حَديثُه(٥) .
وقال البُخاريُّ: أصَخُّ الأسَانيدِ : مَالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمَر(٦) .
قال الذهبيُّ في تَرْجَمَة قَتَادَةَ بن دعامة قُدوة المُفَسِّرين: هُوَ حُبَّةٌ بالإجْمَاعِ إذا بيَّنَ
السَّماعَ ، فإنَّه مُدَلِّسٌ مَعْروفٌ بِذَلكَ، وكان يَرَى القَدَرَ ، نَسْألُ اللهَ العَفْوَ، وَمَع هذا
فما تَوَقََّ أحَدٌ في صِدْقِهِ ، وعَدالَتِهِ، وحِفْظِهِ، ولَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثالَه مِمَّن تَلَّسَ بِدْعَة
(١) والحَزْنُ: ما غَلظ من الأرض ، وهو ضد السهل، واستعمل في الخُلُق ، يقال : فلانٌ حَزون ، أي في
خُلِقِهِ غِلظَة.
(٢) انظر السير: (سَعيد بن المُسَيِّب) ٢١٧/٤-٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨٢.
(٣) انظر السير: (رَجاء بن حَيْوَة) ٥٥٧/٤-٥٦١، وانظر النزهة: ٣/٥٥٨.
(٤)
انظر السير : ( الحَسَن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٢/٥٦٠.
انظر السير : ( محمد بن سيرين ) ٦٠٦/٤ - ٦٢٢، وانظر النزهة : ٦/٥٦٨ .
(٥)
(٦) انظر السير: (نافع) ٩٥/٥-١٠١، وانظر النزهة: ٧/٥٨٤.
١٧١

يُريدُ بها تَعْظِيمَ البَاري وتَنْزِيهَه، وبَذَلَ وُسْعَه، والله حَكَمٌ عَدْلٌ لَطيفٌ بعِبادِهِ ،
ولا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبِيرَ من أثِمَّةِ العِلْم إذا كَثُرَ صَوابُه، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحَقِّ ،
واتَّسَعَ عِلمُه، وظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاحُه ووَرَعُه واتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَه زَلَلُه،
ولا نُضَلِّلُهُ ونَطْرَحُه ، ونَنْسَى مَحاسِنَه، نَعَم ولا نَقْتَدي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ ونَرْجُو له
الثَّوبَةَ من ذلك(١) .
وجاء في تَرجمَة الأعْمَش ، قال الذهبيُّ : قد رَأى أنسَ بنَ مالك وحَکَی عنه ،
ورَوَى عَنه ، وعن عبدِ الله بنِ أبي أوْفَى على مَعْنَى التَّدْليس ، فإنَّ الرجلَ مع إمامته كان
مُدَلِّس(٢).
وعليُّ بنُ المَديني قال: قُلتُ لَيَحْبَى القَطَّان: إنَّ عبدَ الرَّحمَن بنَ ذَرٍّ قال: أنا
أُتْرُكُ من أهْلِ الحَديثِ كلَّ رأسٍ فِي بِدْعَة ، فضَحكَ يَحْيِى وقال: كَيفَ تَصنعُ بِقَتَادَة ؟
كَيفَ تَصنعُ بِعُمَر بنِ ذَرِّ كَيفَ تَصنعُ بابنِ رَوَّاد؟! وعدَّ يَحْيِى قَوماً أمْسَكتُ عن ذِكْرِهم ثم
قال يَحْيِىُ: إِنْ تَرَكَ هذا الضَّرْبَ تَرَكَ حَديثاً كثيراً(٣).
وجاء في ترجمة ابنِ إسْحاق ، قال الإمامُ الذهبيُّ: وقد أمْسَكَ عن الاحتجاجِ
برواياتِ ابنِ إِسْحاق غيرُ واحدٍ من العُلماء لأشْياءَ منها : تَشَيُّعه ، ونُسِبَ إلى القَدَر ،
ويُدلِّسُ في حَديثِهِ ، فأمَّا الصِّدْقُ فَلَيسَ بمَدُفُوعٍ عَنه (٤) .
وذكر البُخاريُّ هنا فَصلاً حَسَناً عن رجالِهِ ، وإبراهيمٍ بنِ سَعد ، وصالحِ بنِ كِيسَان
فقد أكْثَرَ عن ابنِ إِسْحاق قال البخاريُّ : ولَوْ صحَّ عن مالك تَناوُلُهُ من ابنِ إسْحاق
فَلَرُبَّما تكلَّمَ الإنْسانُ فِيَرمِي صاحبَه بشيءٍ واحد ولا يَتَّهِمُه في الأمُورِ كلِّها قال : وقال
إبراهيمُ بنُ المُنْذِر عن محمدِ بنِ فُلَيْح : نَهاني مالكٌ عن شَيخَينٍ من قُريش وقد أكثرَ
عنهما في ((المُوَطَّأ)) وهما ممَّن يُحْتَجُّ بهما ، ولمْ ينجُ كثيرٌ من النَّاسِ من كلامِ بَعضٍ
(١) انظر السير: (قَتَادَة) ٢٦٩/٥-٢٨٣، وانظر النزهة: ٤/٦٠١.
(٢)
انظر السير: ( الأعْمَش) ٢٢٦/٦-٢٤٨، وانظر النزهة: ٦/٦٤٣.
(٣) انظر السير: (عُمر بن ذَرّ) ٣٨٥/٦ - ٣٩٠، وانظر النزهة: ١/٦٦٠.
(٤) انظر السير: (ابن إسْحاق) ٣٣/٧ - ٥٥، وانظر النزهة: ٤/٦٧٤.
١٧٢

النَّاسِ فيهم نَحْو ما يُذكَر عن إبراهيمَ من كلامِه في الشَّعْبِيِّ وكلام الشَّعْبِيِّ في عِكْرِمَة
وفيمَن كان قبلَهم وتناول بعضِهِم في العِرْض والنَّفْس ولمْ يَلتَفِتْ أهلُ العلم في هذا
النَّحْو إلاَّ بَيَان وحَُّة ولمْ تَسْقُط عَدالَتُهم إلاَّ بُرْهانٍ ثابتٍ وحُبَّة ، والكَلامُ في هذا
کثیر(١) .
وذَكرَ بعضُ الحُفَّاظ أنَّ حَديثَ الأَوْزَاعِيِّ نَحْو من الألفِ - يَعني المُسْنَد - أمَّ المُرْسَل
والمَوْقُوف ، فألُوفٌ وهو في الشَّامِّين نَظيرُ مَعْمَر لليَمانِيِّين، ونَظيرُ الثَّوْرِيِّ للكُوفِيِّين ،
ونَظيرُ مالِك للمَدَنِيِّين، ونَظيرُ اللَّيْث للمِصْرِيِّين، ونَظيرُ حَمَّادِ بنِ سَلمَة للبَصْرِيِّين(٢).
وقال العجليُّ : هشامُ الدُّسْتوائي بَصْرِيٌّ ثقَةٌ، ثَبْت في الحَديث ، كان أرْوَى النَّاس
عن ثَلاثَة : قَتَادَة ، وحمَّادِ بنِ أبي سُليم ، ويَحْيى ابن أبي كَثير ، وكان يَقولُ بالقَدَرَ
ولَمْ يَكنْ يَدعُو إليه(٣) .
قال أبو أسامة : سَمعتُ مِسْعَراً يقولُ: إنَّ هذا الحَديثَ يَصُدُّكم عن ذِكرِ الله وعن
الصَّلاة ، فهلْ أنْتُم مُنتَهون ؟(٤) .
قال الإمامُ الذهبيُّ مُعقِّباً: هذه مسألةٌ مُختلَفٌ فيها: هل طَلبُ العِلم أفْضَل ، أو
صَلاةُ النَّافِلَة والتِّلاوَةِ والذِّكْرِ؟ فأمَّا مَنْ كانَ مُخلصاً لله في طَلبِ العِلم ، وذِهنُهُ جَيدٌ ،
فالعِلمُ أوْلَى ، ولكن مع حَظٍّ من صَلاةٍ وتَعَبُّد ، فإنْ رأيتَه مُجداً في طَلبِ العِلم لا حَظّ
له في القُرُبات، فهذا كَسْلانٌ مَهين ، وليسَ هو بصادقٍ في حُسن نِيَتِهِ ، وأمَّا مَنْ كانَ
طَلِبُهُ الحَديثَ والفِقهَ غِيَّةً ومَحبَّةً نَفَسانيّة فالعِبادَةُ في حقِّه أفْضَل، بل ما بَينها أفْعَلُ
تَفْضِيل ، وهذا تَقسيمٌ في الجُملَة، فقَلَّ - والله - مَنْ رَأيْتُهُ مُخلِصاً في طَلبِ العِلم ،
دَعْنا من هذا كُلِّه فليسَ طَلبُ الحَديثِ اليومَ على الوَضعِ المُتعارَف من حيِّرْ طَلبٍ
العِلم ، بلْ اصْطلاحٌ وطَلبُ أسانيدَ عاليَة وأخْذٌ عن شَيخِ لا يَعِي، وتَسميعٌ لِطِفْل يَلْعَب
انظر السير : ( ابن إسحاق) ٧/ ٣٣ - ٥٥، وانظر النزهة : ٥/٦٧٤ .
(١)
(٢)
انظر السير: ( الأوزاعيّ) ٧/ ١٠٧ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٣/٦٨٥.
(٣)
انظر السير: (هشام الدَّسْتوائي) ١٤٩/٧ -١٥٦، وانظر النزهة: ٣/٦٨٧.
(٤) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ٧/٦٨٩ ..
١٧٣

ولا يَفْهَم ، أو لرَضيع يَبْكي أو لفَقيهٍ يَتحدَّثُ مع حَدَثٍ، أو لآخَر يَنْسَخ وفاضلُهم
مشغولٌ عن الحَديثِ بَكتابَةِ الأسْماء أو بالتُّعاس ، والقارىءُ إنْ كانَ له مُشارَكةٌ فَلَيسَ
عندَه من الفَضيلَة أكثَرُ من قِراءَة ما في الجُزْءِ ، سواءٌ تَصَحَّفَ عليه الاسمُ ، أو اخْتبطَ
المَثْنُ ، أو كان من المَوْضوعاتِ فالعِلمُ عن هؤلاء بمعْزِلٍ، والعَملُ لا أكادُ أراهُ بْ
أَرَىْ أمُوراً سَيئةً، نَسألُ الله العَفْوَ(١).
وقال عبدُ الصَّمَدِ بنِ حسَّان: سَمعتُ سُفيانَ الثَّورِيَّ يَقولُ : الإسْنادُ سِلاحُ المؤمن
فمَنْ لمْ يَكنْ له سِلاحٌ ، فبأي شَيءٍ يُقاتِل؟(٢).
وقال الذهبيُّ : وبَعضُ الحُفَّظ ◌َروي حَديثَ عبدِ الله بنِ لَهِيعَة ، ويَذْكُرُه في
الشَّواهِد(٣)، والاعْتِبارات(٤)، والزُّهْدِ، والمَلاحِم(٥)، لا في الأصُول(٦)،(٧).
وبَعضُهم يُبالِغُ فِي وَهَنه، ولا يَنْبَغِي إِهْدَارُه، وتُتُجِنَّبُ تلكَ المَناكِير ، فإنَّه عَدلٌ
في نفسِهِ .
أعْرضَ أصْحابُ الصِّحاحِ عن رِواياتِهِ ، وأَخْرِجَ له أبو داود ، والتِّرْمذيُّ ،
والقَزوينيُّ ، وما رَواه عنه ابنُ وَهْب ، والمُقْرىء، والقُدَماءُ فهو أجْوَد (٨).
قال أبو داود عن أحمَدَ: ما كانَ مُحدِّثَ مِصْرَ إلاَّ ابنُ لَهيعَة .
انظر السير: ( مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٩٠.
(١)
(٢)
انظر السير: ( سُفيان) ٢٢٩/٧-٢٧٩، وانظر النزهة: ٨/٦٩٩.
الشَّواهد : أحاديث رُويَت بمعناها من طريق آخر عن صحابيٍّ آخر ، يُقالُ : رَوى الحديثَ الفُلاني ،
(٣)
وله شاهدٌ من روایة فلان .
(٤) الاعتبارات : أن يعمد الباحث إلى حديث، فيُعْنَى به ، يبحث عن طرقه ، فينظر : هل رواه راوٍ آخر
بلفظه أو معناه .
(٥)
الملاحم : الأحاديث التي وُضعت في المَغازي .
قال الحافظ ابن كثير في ((الباعث الحثيث)) ٦٣، ٦٤ ويُغتَفر في باب ((الشواهد والمتابعات من الرواية
(٦)
الضعيف القريب الضعف ما لا يُغتفَر في الأصول كما يقع في (( الصَّحيحَين)» وغيرهما مثل ذلك ولهذا
يقول الدَّارَ قُطنيُّ في بعض الضُّعَفاء: يَصْلِحُ للاعتبار ، أو لا يصلح أن يعتبر به .
(٧) انظر السير: (عبد الله بن لَهيعَة) ١١/٨ -٣١، وانظر النزهة: ٣/٧٢١.
(٨) وقال عبد الغني بن سعيد الأزدي: إذا روي العبادلة عن ابن لهيعَة، فهو صحيح : عبد الله ابن
المبارك ، وعبد الله بن وهب ، وعبد الله بن يزيد المقرىء .
١٧٤

وقال البخاريُّ عن يَحْيِى بن بُكَير : احْتَرقَ مَنزلُ ابنٍ لَهِيعَة وكُتبُه في سنة سَبعين .
قال الذهبيُّ: الظَّاهرُ أنَّه لمْ يَخْترق إلاَّ بَعضُ أصُولِهِ(١).
وعن يَحْيِىُّ بنِ مَعين قال: يُكتَب عن عبدِ الله بنِ لَهيعَة ما كان قبل احْتراقٍ كُتبه .
قال الذهبيُّ : عاش ثَمانياً وسَبعين سَنةً .
تُوفِّيَ سَنةَ أرْبع وسَبعين ومئة .
وكان من أوْعِيةِ العِلم ، ومن رُؤْسَاء أهلِ مِصْرَ ، ومُخْتَشميهِم ، أطْلَقَ المَنْصورُ ابنُ
عمَّار الواعظُ أراضيَ لَه (٢).
وقال يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَة : إسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاش ثِقَةٌ عند يَحْيَىُ بنِ مَعين وأصْحابِنا ،
فيمَا رَوى عن الشَّامِيِّين خاصَّةٌ ، وفي رِوايَتِه عن أهْلِ العِراقِ وأهْلِ المَدينَةِ اضْطرابٌ
كثير ، وكان عالماً بناحيته(٣).
وقالَ البُخاريُّ: إذا حَدَّثَ عن أهلِ بَلِدِهِ فصَحيحٌ ، وإذا حَدَّثَ عن غَيرِهم ففيه نَظرٌ
وُلدَ سَنةَ سِتٍّ ومئة .
وأمَّا وَفاةُ إسْماعيل ، فَفِي سَنة إحْدىُ وثَمانين ومئة (٤) .
وعن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَك قال: في صَحيحِ الحَديثِ شُغلٌ عن سَقِيمِه(٥).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرَجَمَة سُفيانِ بنِ عُيَيْنَة : قد كان سُفيانُ مَشهوراً بالتَّدْلیسِ ،
إلاَّ أنَّه لا يُدَلِّسُ إلاَّ عن ثِقَةٍ عندَه وسُفيانُ حُجَّةٌ مُطلَقاً، وحَديتُه في جَميعِ دَواوين
الإسْلام وكان سُفيانُ رَحمَه اللهُ صاحِبَ سُنَّة واتِّباع(٦).
(١) انظر السير: (عبد الله بن لَهيعَة) ١١/٨ -٣١، وانظر النزهة: ٤/٧٢١.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن لَهيعَة) ١١/٨ -٣١، وانظر النزهة: ٢/٧٢٢.
انظر السير: ( إسماعيل بن عيّاش) ٣١٢/٨-٣٢٨، وانظر النزهة: ١/٧٦١.
(٣)
انظر السير : ( إسماعيل بن عيّاش) ٣١٢/٨-٣٢٨، وانظر النزهة: ٢/٧٦١.
(٤)
انظر السير: ( عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٢/٧٦٩.
(٥)
(٦) انظر السير: (سُفيان بن عُيَيْنة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة: ٦/٧٨٤.
١٧٥

وقال أبو حاتم الرَّازي : كان غُنْدَر صَدوقاً مُؤدِّياً ، وفي حَديث شُعْبَة ثقةٌ ، وأمَّا في
غَيْر شُعْبَة، فيُكْتَبُ حَديثُه ، ولا يُحْتَجُّ به(١) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ: أصَُّ إِسْنادٍ بالعِراقِ وغيرِها ، أحمَدُ بنُ حَنْبَل ، عن وَكيعِ ،
عن سُفْيانَ ، عن مَنْصُورٍ ، عن إبراهيمَ ، عن عَلْقَمَة ، عن عبدِ الله ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، وفي ((المُسْند)) بهذا السَّند عِدَّة مُتون .
وقال عليُّ بنُ خَشْرَم سَمعتُ وَكيعاً يقول : لا يَكُلُ الرَّجلُ حتى يَكتبَ عَمَّنْ هو
فَوقَه وعَمَّن هو مثلَه، وعَمَّن هو دُونَه(٢) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ : كان يَحْبِىُ بنُ سَعيد مُتَعنَّاً في نَقْدِ الرِّجالِ، فإذا رَأْيتَه قد وَثَّق
شَيخاً فاعتمد عليه ، أمَّا إذا لَيَّن أحداً ، فتأنَّ في أمرِه حتى تَرىُ قَولَ غَيرِه فيه ، فقد لَيَّنَ
مثل : إسْرائيلَ، وهمَّام، وجَماعةً احْتَّ بهمُ الشَّيخان(٣).
وقال نُعيمُ بن حمّاد: قلتُ لعبدِ الرَّحمَن بنِ مَهْدي: كيفَ تَعرفُ الكذَّابَ ؟ قال :
كما يَعرِفُ الطَّيبُ المَجْنونَ(٤) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ : لا شَيءَ للوَاقِدِيِّ في الكُتبِ السِنَّة إلاَّ حَديثٌ ، عند ابنٍ
ماجَه ، حذَّثنا ابنُ أبي شَيْبَة، حدَّثنا شَيخٌ لنا ، فما جسَرَ ابنُ ماجَه أن يُفصِحَ به ،
وما ذاك إلاَّ لوَهَنِ الواقِدِيِّ عند العُلمَاء ، ويقولون: إنَّ ما رَواه عنه كاتبُه في
((الطَّبقاتِ)) هو أمثلُ قَليلاً من رِوايَة الغَيرِ عنه .
قال عباسٌ الدُّوريُّ: ماتَ الواقِدِيُّ وهو على القَضاء ، ولَيسَ له كَفنٌ، فَبَعثَ
المأمونُ بأكْفانِهِ(٥) .
(١) انظر السير: (غُنْدَر) ٩٨/٩ -١٠٢، وانظر النزهة: ٥/٨٠٢.
(٢) انظر السير: (وَكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، وانظر النزهة: ١٠/٨١١.
(٣)
انظر السير: ( يَحْبى القطّان) ١٧٥/٩ -١٨٨، وانظر النزهة: ٣/٨١٦.
انظر السير: ( عبد الرحمن بن مَهْدي) ١٩٢/٩ -٢٠٩، وانظر النزهة : ٥/٨١٧.
(٤)
(٥) انظر السير: (الواقديُّ) ٩/ ٤٥٤-٤٦٩، وانظر النزهة: ٣/٨٣٥.
١٧٦

وقد تَقرَّر أنَّ الواقِدِيَّ ضَعيفٌ، يُحتاجُ إليه في الغَزَوات، والتَّاريخ ونُورِدُ آثارَه من
غَيرِ احْتجاج ، أمَّا في الفَرائضِ ، فلا يَنبَغي أنْ يُذكَر ، فهذه الكُتبُ السَِّّة، ومُسْندُ
أحمَد، وعامَّةُ مَنْ جَمَعَ في الأحْكامِ ، نَرَاهُم يَتْرَخَّصُون في إخراجِ أحاديثَ أناسٍ
ضُعفاء ، بل ومَثْروكين، ومع هذا لا يُخرِّجون لمحمَّدِ بنِ عُمَر شَيئاً، مع أنَّ وَزنْهَ
عندي أنَّه مع ضَعِفِه يُكْتبُ حَديثُهُ ويُروَى لأنِّي لا أنَّهِمُه بالوَضْعِ ، وقَولُ مَنْ أَهْدَرَه فيه
مُجَازَفَةٌ من بَعضِ الوُجُوه كما أنَّه لا عِبْرَةَ بتَوْثيقِ مَنْ وَلَّقَه، كَيَزِيدٍ ، وأبي عُبَيَد ،
والصَّاغاني، والحَرْبِي، ومَعْن، وتَمَامُ عَشرَة مُحدِّثين، إذ قد انْعَقدَ الإجماعُ اليومَ
على أنَّه ليسَ بِحُجَّة، وأنَّ حَديثَه في عِداد الوَاهي، رَحمَه الله(١) .
ورَغبَ النَّاسُ فِي سَماعِ كُتُبٍ أحمَدَ بنِ حَرْب بنٍ فَيْروز ، ثم إنَّ أَّه ماتَت سنةً
عشرين ومئتين فحَجَّ ، وعاوَدَ الغَزْوَ ، وخرَجَ إلى بلادِ التِّرْك ، وافْتَتَحَ فَتْحاً عظيماً ،
غُبِطَ به فسَعى به الأعداءُ إلى ابنِ طاهِر ، فأَحْضَرَه ، ولمْ يأذَنْ له في الجُلوسِ وقالَ :
أَتَخْرُجُ وتَجمَعُ إلى نفسِك هذا الجَمْعِ، وتُخالِفُ أعْوانَ الُّلطانِ؟ ثمّ إنَّ ابنَ طاهِر
عَرَفَ صِدقَه ، فَتَركَه ، فسَارَ ، وجاوَرَ بِمَكة وكان تَنْتُحِلُه الكرَّامِيَّةُ، وتُعظِّمُه لأنَّهِ أسْتاذُ
محمَّدٍ بن كرَّام ، ولكنَّه سَليمُ الاعْتِقِادِ بحَمدِ الله(٢).
وقال ابنُ السَّمَّاك: حدَّثنا حَنْبلٌ ، قالَ : جَمعَنا أحمدُ بنُ حَنْبَل ، أنا وصالحٌ
وعبدُ الله، وقَرأَ عَلينا ((المُسْنَد))، وما سَمعَه غَيرُنا وقال: هذا الكتابُ جَمعتُه
وانْتُقَيتُه من أكثرٍ من سَبع مِئَة ألفٍ وخَمسينَ ألفاً فما اخْتلفَ المسلمونَ فيه من حَديثٍ
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فارْجِعُوا إليه فإنْ وجَدتمُوه فيه، وإلاَّ فلَيسَ بحُجَّة(٣).
وقال الإمامُ الذهبيُّ: في ((الصَّحيحَين)) أحاديثٌ قَليلَةٌ، لَيسَت في ((المُسْنَد ))،
لكن قد يُقالُ: لا تَرِدُ علىْ قَولِه؛ فإنَّ المسلمينَ ما اخْتلَفوا فيها، ثُمَّ ما يَلزَمُ من هذا
القَولِ: أنَّ ما وُجِدَ فيه أنْ يكون حُجَّة ، ففيه جُملةٌ من الأحاديث الضَّعِيفَة ممَّا يَسوغُ
(١)
انظر السير : ( الواقديُّ) ٩/ ٤٥٤-٤٦٩، وانظر النزهة : ٤/٨٣٥.
(٢)
انظر السير: ( أحمد بن حَرْب) ٣٢/١١ -٣٥، وانظر النزهة: ٢/٩٠٦.
انظر السير : ( أحمد بن حَنْبَل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٢/٩٤٨.
(٣)
١٧٧

نَقْلُها ، ولا يَجِب الاحْتجاجُ بها وفيه أحاديثُ مَعْدُودَة شِبه مَوْضُوعَة ، ولكنَّها قَطْرَةٌ في
بَحْر وفي غُضون ((المُسْنَد )) زياداتٌ جَمَّة لعبدِ الله بنِ أحمَد .
قال ابنُ الجَوْزي : وله - يَعْني: أبا عبدِ الله - من المُصنَّفات كتابُ (( نَفْي التَّشْبيه))
مُجَلَّدة، وكتابُ ((الإمامَة)) مُجَلَّدة صَغيرة، وكتابُ ((الرَّدِّ على الزَّنادِقَة)) ثلاثةُ
أجْزاء، وكتابُ ((الزُّهْد)) مُجَلَّد كَبير وكتابُ ((الرِّسالَة في الصَّلاة))، وكتابُ (( فَضائلِ
الصَّحَابَة )) مُجَلَّدة .
قال الإمامُ الذهبيُّ: كتابُ ((الرِّسالَة في الصَّلاة)) مَوْضوعٌ على الإمامِ أحمَدَ بنِ
حَنْبَل، وكتابُ (( فَضائلِ الصَّحابَة )) فيه زياداتٌ لعبدِ الله ابنِه ، ولأبي بكر القَطيعي
صاحبه(١) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجَمة ((الجاحِظِ )): يَظهَرُ من شَمائلِ الجاحِظِ أنَّه
يَخْتَلِقُ(٢) .
قال إسماعيلُ الصَّفار : حدَّثنا أبو العَيْناء ، قالَ : أنا والجاحِظُ وضَعْنَا حَديثَ
فَدَكَ(٣) ، فأدْخَلناه على الشُّيوخِ بَبَغْدادَ، فَقَبلوه إلاَّ ابنَ شَيْبَة العَلَوي، فإِنَّه قالَ:
لا يُشبهُ آخرُ هذا الحَديثِ أوَّلَه ثم قالَ الصَّفار : كان أبو العَيْناء يُحدِّثُ بهذا بعدما
تابَ .
قيل للجاحِظِ : كيفَ حالُك ؟ قال: يَتكلَّمُ الوَزيرُ برَأبي، وصِلاتُ الخَلِيفَة مُتواتِرَةٌ
إِليَّ ، وآكُلُ من الطَّيرِ أسْمنَها ، وألْبَسُ من الشِّابِ الْيَنَها وأنا صابرٌ حتى يأتِيَ اللهُ بالفَرَج
قيلَ : بل الفَرَجُ ما أنتَ فيه قال : بل أُحبُّ أنْ ألِيَ الخِلافَةَ، ويَخْتلِفُ إليَّ محمَّدُ بنُ
عبدِ المَلِك - يَعني الوزيرَ - وهو القائلُ:
ودَاءُ الجَهْلِ لَيْسَ له طَبِيبُ
سَقامُ الحِرصِ لَيْسَ له دواءٌ
وقد رَوى عنه ابنُ أبي داود حَديثاً واحداً .
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٨.
(١)
(٢) انظر السير: (الجَاحِظ) ٥٢٦/١١-٥٣٠، وانظر النزهة: ٢/٩٦٦.
(٣) قال ابنُ حَجَر : ما علمتُ ما أراد بحَديثٍ فَدَك
١٧٨

قالَ الإمامُ الذهبيُّ : كفانا الجاحِظُ المؤونَةَ، فما رَوَى من الحَديثِ إلَّ النَّزْرَ
اليَسير ، ولا هُو بمُتَّهم في الحَديثِ ، بلى في النَّفْسِ من حكاياتِهِ ولَهْجَتِهِ فِرُبَّما
جازَفَ ، وتلطُّخُه بغَيرِ بِدْعَة أمرٌ واضِحٌ، ولكنَّه أخباريٌّ عَلَّمَة صاحبُ فُنُونٍ وأَدَبٍ
باهِرِ، وذَكاءٍ بِيِّن ، عَفا اللهُ عنه (١) .
وقال الذهبيُّ في تَرجَمة الدُّهْليِّ: رَوى عَنه خَلائقُ، منهُم محمَّدُ ابنُ إسماعيلَ
البُخاريّ ، ويُدَلِّسُه كثيراً، لا يَقولُ: محمّدُ بنُ يَحيى، بل يقولُ: محمَّدٌ فقَط ، أو
محمَّدُ بنُ خالِد أو محمَّدُ بنُ عبدِ الله يَنسِبُهُ إلى الجَدِّ ، ويُعمِّي اسمَه لمَكان الواقع
بينهما ، غَفرَ اللهُ لهما .
وأكثرَ عَنه مُسلمٌ ، ثم فَسَدَ ما بينهما ، فامْتَنَعَ من الرِّوايَة عنه فما ضَرَّه ذلك عند الله
قال ابنُ أبي حاتم : كَتبَ عنه أبي بالرَّيِّ ، وقال : ثِقةٌ ثم قالَ عبدُ الرَّحمَن : هو
إمامٌ من أئمَّةِ المسلمين .
وكان أحمَدُ بنُ حَنْبَل يُثني عليه ، ويَنْشُرُ فَضلَه(٢).
وقال الحاكمُ: حدَّثنا أبو علي محمَّدُ بن عليٍّ بنِ عُمرَ المُذَكر، حدَّثنا أحمدُ بنُ
الأزْهَر ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، أخْبِرَنا مَعمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ
عُتْبَة ، عن ابنِ عبّاس، قال: نَظَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عَلَيٍّ بنِ
أبي طالبٍ، فقال : ((أنْتَ سَيِّدٌ في الدُّنْيا، سَيِّدٌ في الآخِرَة، حَبيبُكَ حَبيبي ، وعَدُوُك
عَدُوّي ، وَعَدُوّي عَدُوُ الله فالوَيلُ لِمَنْ أَبْغَضَكَ بَعْدي)) .
قال الحاكم : حدَّث به ابنُ الأزْهَر ببَغْدادَ في حياةٍ أحمَدَ وابنِ المَديني وابنِ مَعين ،
فأنْكَرَه مَنْ أَنْكَرَه، حتى تَبَيَّنَ للجَماعَة أنَّ أبا الأزْهَر بَرِيءُ السَّاحَة منه، فإنَّ مَحلَّه مَحلَّ
الصَّادقين .
لمَّا حدَّثَ أبو الأزْهَر بحَديثِهِ عن عبدِ الرَّزَّاق في الفَضائلِ ، أُخْبِرَ يَحْيِىُ بنُ مَعين
انظر السير: ( الجَاحِظ) ٥٢٦/١١-٥٣٠، وانظر النزهة: ٢/٩٦٦.
(١)
(٢) انظر السير: (الذُّهْليُّ وابتُه) ٢٧٣/١٢ - ٢٨٥، وانظر النزهة: ٢/٩٩٩.
١٧٩

بذلك ، فبيّنا هو عند يَحْيِىُ في جَماعَة أهْلِ الحَديث، إذ قالَ يَحْيِىُ: مَنْ هذا الكذَّابُ
النِّيسَابُوريّ الذي حدَّثَ بهذا عن عبدِ الرَّزَّاق؟ فقامَ أبو الأزْهَر، فقالَ: هو ذَا أنا
فَتَبَسَّمَ يَحْيِى ابنُ مَعين ، قال: أمَا إِنَّك لَسْتَ بَكَذَّاب، وتَعجَّبَ من سَلامَتِهِ ، وقالَ :
الذَّنْبُ لَغَيرِك فيه .
وسَمعتُ أبا أحمَدَ الحافِظَ يقولُ: سَمعتُ أبا حامِدَ بنَ الشَّرقي ، وسُئلَ عن حَديثِ
أبي الأزْهَر عن عبدِ الرَّزَّاق في فَضلِ عليٍّ، فقالَ: هذا حَديثٌ باطِلٌ ثم قالَ : والسَّببُ
فيه أنَّ مَعْمَراً كانَ له ابنُ أخِ رافِضيٍّ، وكانَ مَعْمَرُ يُمَكِّنُه من كُتُبِه ، فأدْخَلَ هذا عليه ،
وكانَ مَعْمَرُ رَجُلاً مَهيباً لا يَقدِرُ عليه أحدٌ في السُّؤال والمُراجَعَة ، فسَمِعَه عبدُ الرَّزَّاق في
كتابِ ابنِ أخي مَعْمَر .
قال الإمامُ الذهبيُّ : ولتَشتُّع عبد الرزاق سُرَّ بالحَديثِ ، وكتبه ، وما راجَع مَعْمَراً
فيه ، ولكنَّه ما جَسرَ أنْ يُحَدِّثَ به لمثلِ أحمدَ وابنِ مَعين وعليٍّ، بلْ ولا خَرَّجَه في
تَصانيفِه وحدَّث به وهو خائفٌ يَتَرَقَّب .
قال الحاكمُ : سَمعتُ محمَّدَ بنَ حامِد البزَّاز ، سَمعتُ مَكيَّ ابنَ عَبدان سَمعتُ أبا
الأزْهَر يقولُ: خَرِجَ عبدُ الرَّزَّاق إلىْ قَرِيتِهِ ، فبكَّرتُ إليه يَوماً حتى خَشِيتُ على نَفْسِي
من البُكور قالَ : فَوَصلتُ إليه قبلَ أنْ يَخرُجَ لصَلاةِ الصُّبحِ ، فلمَّا خَرجَ رآني ، فقال :
كنتَ البارحَةَ ها هُنا ؟ قلتُ : لا ، ولكنِّي خَرجتُ في الَّلَيَلِ ، فَأعْجَبَه ذلكَ ، فلمَّا فَرغَ
من صَلاةِ الصُّبحِ دَعاني ، قَرأَ عليَّ هذا الحَديثَ، وخَصَّني به دُونَ أصْحابي .
مات أبو الأزْهَر سنةَ ثلاثٍ وستِّينَ ومِئتين (١) .
وقال محمَّدُ بنُ إسْماعيلَ البُخاريّ: ما وَضَعتُ في كتابي ((الصَّحيح)) حَديثاً إلاَّ
اغْتَسَلتُ قبلَ ذلكَ ، وصَلَّيِتُ رَكعتَين(٢) .
وقالَ إبراهيمُ بنُ مَعْقِل ، سَمعتُ البُخاريَّ يقولُ: ما أدْخَلتُ في هذا الكتابِ إلاَّ
(١) انظر السير: (أحمدُ بنُ الأزْهَر) ٣٦٣/١٢ -٣٦٩، وانظر النزهة: ١/١٠٠٨.
(٢) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١١.
١٨٠