Indexed OCR Text

Pages 141-160

فقام أبو موسى يُصلي، وقَرَأَ قِراءةً حَسَنَة ، وقال : اللَّهُمَّ أنتَ المُؤمنُ تُحِبُّ المُؤمنَ ،
وأنتَ المُهيمنُ تُحِبُّ المُهيمنَ ، وأنتَ السَّلامُ تُحِبَّ السَّلام(١) .
وعن أبي نَضْرَة: قال عُمرُ لأبي موسى: شَوِّقْنا إلىْ رَبِّنا فقرأ فقالوا : الصَّلاة
فقالَ: أَوَلَسْنا في صَلاةِ(٢) .
وعن عَلقَمَةَ، قال : كُنتُ رجلاً قد أعطاني اللهُ حُسْنَ الصَّوتِ بالقُرآن ، وكان ابنُ
مَسْعود يُرسلُ إليَّ، فأقرأُ عليه، فإذا فَرَغْتُ من قراءَتي قال: زِدْنا فِداك أبي وأمي(٣).
وعن الأعْمَش قال: كان يَحْيِى بن وثَّب من أحْسَن النَّاس قراءَةٌ ، ربّما اشتَهيتُ أن
أُقْبَّلَ رأسَه من حُسْنٍ قراءتِه ، وكان إذا قرأ لا تُسْمَعُ في المسْجدِ حَرَكَةٌ ، كأنْ ليسَ في
المسْجدِ أحدٌ (٤).
وكان عبدُ الرحمن بنُ بِشْر مَوصُوفاً بطيبِ الصَّوتِ قال مَكَيُّ بنُ عَبْدان : كان
عبدُ الله بنُ طاهِر الأميرُ يَحضُرُ باللَّيلِ مُتَنَكِّراً إلى مَسْجدِ عبدِ الرحمَن ليَسمعَ قراءَتَه .
قال عبدُ الرحمن بنُ بِشْر : أقامَني يَحْبى القَطَّن في مَجلسِه ، فقال: ما حدَّثكم
عَنِّي هذا الصبيُّ فصَدِّقوه ، فإنَّه كَيِّس .
قال أبو حامد بنُ الشَّرقي : سَمعتُ عبدَ الرحمَن يقولُ : احْتلَمتُ فدعا أبي عبدَ
الرزَّاق وأصْحابَ الحَديثِ الغُرَباء فلمَّا فَرَغوا من الطَّعام قال : اشْهَدوا أنَّ ابني قد احْتَلمَ
وهو ذا يَسمَعُ من عبدِ الرزَّاق ، وقد سَمعَ من سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَة .
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا الإعْلامُ إيلامٌ للصَّبِيِّ، وتَحجيلٌ له(٥).
وقال ابنُ النجَّار : أكثَرتُ عن حَمْزَة بنِ عليٍّ ولازَمتُه ، وسَمعتُ منه من كُتبُ
القِراءاتِ والأدَب ، وكان ثقةٌ حُجَّةٌ نَبِيلاً مَوصُوفاً بحُسْنِ الأداء وطيبِ النَّغْمَة ، يَقصِدُه
(١) انظر السير: (أبو موسى الأشْعَري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٨/٢٨٠.
(٢) انظر السير: (أبو موسى الأشعري) ٢/ ٣٨٠ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٦/٢٨١.
(٣) انظر السير: (علقمة) ٥٣/٤-٦١، وانظر النزهة: ١/٤٤٤.
(٤) انظر السير: (يَحْيى بن وَثَاب) ٣٧٩/٤-٣٨٢، وانظر النزهة: ٣/٥١٤.
(٥) انظر السير: (عبد الرحمن بن بشْر) ٣٤٠/١٢-٣٤٤، وانظر النزهة: ٥/١٠٠٦.
١٤١

النَّاسُ فِي التَّراويح، ما رَأيتُ قارئاً أحْلَى نَغْمَةً منه، ولا أحْسَنَ تَجْوِيداً ، مع عُلِّو
سِنُّهُ، وانْقِلاع ثَنَِّهِ، وكان تامَّ المَعرفَة بوُجُوه القِراءاتِ وعِلَلِها وحِفْظِ أسانيدَها
وطُرقَها، وكانَت له مَعرِفَةٌ حَسنةٌ بالحَديث ، وكان دَمئاً لَطيفاً مُتودِّداً ، وكان في صِباهُ
من أحْسنِ أهلِ زَمانِهِ وأظْرَفِهم ، مع صِيانَةَ ونَزَاهَة، وكان من أحْسَنِ الشّيوخِ صُورَةً ،
وقد أكثرَ الشُّعَراءُ فِي وَصْفِه .
تُوقِّي في سنة اثنتين وستٍّ مئة(١).
١٣ - مَنْ وُصفَ من السّلف بطِيبٍ صَوْته :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة طَلْقِ بنِ حَبيب العَنزيّ : بَصْريّ ، زاهدٌ ، كبيرٌ ، من
العلماء العاملين
وكان طَيِّبَ الصَّوْتِ بالقُرآن، بَرّاً بوالديه(٢).
وقال الإمامُ الذهبيُّ في ترجمة عاصِمٍ بنِ أبي النُّجُود : وانتهت إليه رئاسةُ الإقْراء
بعد أبي عبد الرحمن السُّلمي شَيخِه، قال أبو بَكْر ابنُ عياش: لَمَّا هَلكَ
أبو عبد الرحمن ، جَلسَ عاصمٌ يُقرىءُ النَّاسَ وكان أحْسَنَ النَّاسِ صَوْتاً بالقُرآن حتى
كأنَّ فِي حَنْجَرتِهِ جَلَاجِلَ(٣) .
وقال يونُسُ: كَان وَرْشٌ جَيِّدَ القِراءَة ، حَسَنَ الصَّوْت، إذا قَرأْ يَهْمِزُ، وَيَمُدُّ ،
ويُشَدِّدُ ، ويُبَيِّنُ الإعْرابَ لا يَمَلُّهُ سَامِعُه(٤) .
وكان عبدُ الرحمن بنُ بِشْرِ مَوصُوفاً بطيبِ الصَّوتِ قال مَكَيُّ بنُ عَبْدان : كان
عبدُ الله بنُ طاهِر الأميرُ يَحضُرُ باللَّيل مُتَنَكِّراً إلى مَسْجدِ عبدِ الرحمَن لَيَسمِعَ قراءَتَه .
قال عبدُ الرحمن بنُ بِشْر : أقامَني يَحْيِى القَطَّان في مجلسِه ، فقال: ما حدَّثكم
عَنِّي هذا الصبيُّ فصَدِّقوه ، فإنَّ كَيِّس .
(١) انظر السير: (حَمِزَة بن عليّ) ٤٤١/٢١ -٤٤٢، وانظر النزهة: ٢/١٦٤٢.
(٢) انظر السير: (طَلْق بن حَبيب) ٦٠١/٤ -٦٠٣، وانظر النزهة: ٨/٢٦٦.
(٣) انظر السير: (عاصم بن أبي النُّجود) ٢٥٦/٥ -٢٦١، وانظر النزهة: ١/٥٩٩.
(٤) انظر السير: (وَرْش) ٢٩٥/٩-٢٩٦، وانظر النزهة: ١/٨٢٣.
١٤٢

قال أبو حامد بنُ الشَّرقي : سَمعتُ عبدَ الرحمَن يقولُ: احْتلَمتُ فدعا أبي عبدَ
الرزّاق وأصْحابَ الحَديثِ الغُرَباءِ فلمَّا فَرَغوا من الطَّعام قال: اشْهَدوا أنَّ ابني قد احْتَلمَ
وهو ذا يَسمَعُ من عبدِ الرَزَّاق ، وقد سَمِعَ من سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَة.
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا الإعْلامُ إيلامٌ للصَّبيِّ، وتَخجيلٌ له (١).
وجاء في ترجَمة أبي محمّد بنِ عبدِ الله بنِ عليٍّ بنِ أحمدَ سِبْطٍ أبي مَنصُور الخيَاط،
قال الإمامُ الذهبيُّ: وتَصدَّر للإقْراء، وصَنَّف الكُتبَ الشَّهيرة كـ: ((المُبِهِجْ))،
و((الإِيجَاز))، و((الكفاية)) وأَمَّ بمسجد ابن جَردةَ بضْعاً وخَمسينَ سنةً ، وكان من
أَطْيَبِ النَّاسِ صَوْتاً بالقُرآن، وخَتمَ عليه خَلقٌّ كَثير وقَرأَ عليه النَّحْوَ جَماعةٌ(٢) .
قال ابنُ الجَوْزيِّ: لمْ أسْمَعْ قارئاً قَطُّ أطْيبَ صَوْتاً منه، ولا أحْسَنَ أداءً على كِبَرِ
سِنِّه، وكان لَطيفَ الأخْلاقِ، ظاهِرَ الكياسَة والطَّرافَة حَسَنَ المُعاشَرَة للعَوامِّ
والخَواصِّ(٣) .
وقال السَّمْعانيُّ: كان مُتَواضِعاً مُتَوَدِّداً، حَسنَ القِراءَة في المِحْرابِ ، خُصُوصاً
لَيَاليَ رَمضانَ، وقد تَخرَّجَ عليه خَلقٌ، وخَتَموا عليه، وله تصانيفُ في القِراءاتِ
وخُولِفَ في بَعضِها ، وشَنَّعوا عليه ثم سَمعتُ أنَّه رَجعَ عن ذلك .
وقال أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي : ما رَأيتُ أكثرَ جَمعاً من جَمعِ جِنازَتِه .
تُوفِّي سَنَ إحْدى وأربعين وخَمسٍ مئة (٤) .
(١) انظر السير: (عبد الرحمن بن بشْر) ١٢/ ٣٤٠ -٣٤٤، وانظر النزهة: ٥/١٠٠٦.
(٢) انظر السير: ( أبو محمد، عبد الله بن عليّ بن أحمد، أخو سبط الخيّاط) ١٣٠/٢٠ -١٣٤، وانظر
النزهة : ١/١٥٣٧ .
(٣) انظر السير: ( أبو محمد، عبد الله بن عليّ بن أحمد، أخو سبط الخيّاط) ٢٠/ ١٣٠ - ١٣٤، وانظر
النزهة : ٢/١٥٣٧ .
(٤) انظر السير: ( أبو محمد، عبد الله بن عليّ بن أحمد، أخو سبط الخيّاط) ١٣٠/٢٠ - ١٣٤، وانظر
النزهة : ٣/١٥٣٧ .
١٤٣

١٤ - كيفيّة تَعَلُّم القُرآن :
عن عبدِ الله بنِ مَسْعود قال : كنَّا إذا تَعلَّمْنا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، عَشْرَ
آياتٍ لمْ نَتَعلَّمْ من العَشْرِ التي نَزَلَت بعدَها حتى نَعلَم ما فيها ، يَعني من العِلم (١).
وعن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله البَجَلي ، قال: كنَّا غِلْماناً حَزَاوِرَةً (٢) مع رسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم فتَعلَّمْنا الإيمانَ قبلَ أنْ نَتَعلَّمَ القُرآنَ، ثم تَعلَّمنا القُرآنَ ، فازْدَدْنا به
إيماناً .
بقيَ إلى حُدود سَنة سَبعين(٣).
وعن حَفْصَةَ بنتِ سِيرينَ ، قالت : قال لي أبو العَاليَة : قَرأْتُ القُرآنَ علىْ عُمرَ
رضي الله عنه ثلاثَ مِرَار (٤) .
وعن عطاء بنِ السَّائب ، أنَّ أبا عبد الرحمَنِ السُّلميَّ قالَ : أَخَذْنا القُرآنَ عن قَومِ
أخْبَرونا أنَّهم كانوا إذا تَعلَّموا عَشرَ آياتٍ لمْ يُجاوزُ وهنَّ إلى العَشْرِ الأُخَر حتى يَعلَمواً
ما فيهنَّ، فَكُنَّا نَتَعلَّمُ القُرآنَ والعَملَ به، وسَيرثُ القُرآنَ بعدَنا قَومٌ يَشْرَبُونَه شُرْبَ الماء
لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُم(٥) .
وقال الإمامُ الذهبيُّ: قرأ يَحْيَى بن وثَّابِ القُرآنَ كُلَّه على عُبَيْدِ ابنِ نُضَيْلَة صاحبٍ
علقَمَة فَتَحقَّظَ عليه كلَّ يومٍ آيَةً (٦) .
ورَوىُ مُجاهدُ بنُ جَبْر عن ابنِ عبَّاس، فأكثرَ وأطابَ ، وعنه أخَذَ القُرآنَ ،
والتَّفْسيرَ ، والفِقْهَ .
(١) انظر السير: (عبد الله بن مَسعود) ٤٦١/١ - ٥٠٠، وانظر النزهة: ٢/١٩٦.
(٢) الحزاورة: جمع حزور، وحَزوَّر: وهو الغُلام إذا قارب البلوغ ، والتاء التأنيث الجمع.
(٣)
انظر السير: ( جُندُب) ١/ ١٧٤ -١٧٥، وانظر النزهة: ٣/٣٦١.
انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ -٢١٣، وانظر النزهة : ٧/٤٧٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (أبو عبد الرحمن السُّلميّ) ٢٦٧/٤ -٢٧٢، وانظر النزهة: ٣/٤٩٥.
(٦) انظر السير: (يَحْيى بن وَثَّب) ٣٧٩/٤ -٣٨٢، وانظر النزهة: ١/٥١٤.
١٤٤

عن مُجاهِدٍ ، قالَ : عَرَضتُ القُرآنَ ثَلاثَ عَرَضاتٍ على ابنِ عِبَّاس ، أقِفُه عند كلِّ
آيَةٍ ، أسْالُهُ فيمَ نَزَلَت، وكَيفَ كانَت(١) .
وقال يَحْيِىُ بنُ آدَم ، عن أبي بَكْر بنِ عَيَّش قال : تَعلَّمتُ القُرآنَ من عاصِمِ خَمْساً
خَمْساً ، ولمْ أتعلَّمْ من غَيرِهِ ، ولا قَرأْتُ علىْ غَيرِهِ(٢) .
وعن أبي بَكْر قال: اخْتلَفتُ إلى عاصِم نَحْواً من ثلاث سنين ، في الحَرِّ والشِّتَاءِ
والمَطَرِ ، حتى رُبَّمَا اسْتَحْيَيتُ من أهْلِ مَسْجدٍ بَني كاهِل .
وعن أبي بَكْر بنِ عَيَّاش قال: الدُّخُولُ في العلمِ سَهلٌ ، لكنَّ الخُروجَ منه إلى الله
شَديد(٣).
ويُقالُ إنَّ وَرْشَاً تَلا على نافع أرْبَعَ خَتماتٍ فِي شَهرٍ واحِد .
مات ورْشٌ بِمِصْرَ في سنة سَبع وتسْعين ومئة (٤) .
وقيلَ : إِنَّ سُلَيْمَ بنَ عِيسَى تَلا علىْ حَمْزَةَ بنِ حَبيب عَشْرَ ختم .
ماتَ سُلَيمٌ سنةَ ثَمانٍ وثمانين ومئة (٥) .
١٥ - كيفيّة تَعليم القُرآن :
عن محمّدٍ بنِ كَعْب، قالَ : جَمَعَ القُرآنَ خمسةٌ: مُعَاذٌ ، وعُبَادَةُ بنُ الصَّامِت ،
وأبو الدَّرْداء، وأُبَيِّ ، وأبو أيُّوبَ فلمَّا كانَ زَمنَ عُمَر، كَتبَ إليه يَزِيدُ بنُ أبي سُفْيانَ :
إِنَّ أهْلَ الشَّام قد كَثُرُوا ، ومَلَؤوا المدائنَ ، واحتاجُوا إلى مَنْ يُعلِّمُهم القُرآنَ ويُفَقِّهُهم
فأعِنِّي برجالٍ يُعَلِّمُونَهم .
فِدَعا عُمَرُ الخَمسَةَ، فقال: إنَّ إخْوانَكُم قد اسْتعانُونِي مَنْ يُعَلِّمُهم القُرآن ،
(١) انظر السير: ( مُجاهِد بن جَبر) ٤٤٩/٤ -٤٥٧، وانظر النزهة: ٢/٥٣٠.
(٢)
انظر السير : ( أبو بكر بن عيّاش) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ٢/٧٨٧.
انظر السير: ( أبو بكر بن عياش) ٤٨٩/٨-٤٩٤، وانظر النزهة: ٣/٧٨٧.
(٣)
(٤) انظر السير: (ورش) ٢٩٥/٩ -٢٩٦، وانظر النزهة: ٢/٨٢٣.
(٥) انظر السير: ( سُليم بن عيسى) ٩/ ٣٧٥ -٣٧٦، وانظر النزهة: ٦/٨٣٠.
١٤٥

ويُفَقُّهُهم في الدِّين ، فأعينُوني يَرِحَمْكُم الله بثلاثَة مِنكُمْ إِنْ أحْبَيْتُم ، وإنِ انْتُدِبَ ثَلاثَةٌ
منکم فليخرُجوا .
فقالوا : ما كُنَّا لنَتَساهم ، هذا شَيخٌ كَبِير - لأبي أيُوبَ - وأمَّا هذا فسَقِيمٌ - لأُبَيِّ -
فخَرجَ مُعاذٌ وعُبَادَةُ ، وأبو الدَّرْداء .
فقال عمر : ابدَؤوا بحِمْصَ ، فإنَّكم سَتجدون النَّاسَ علىُ وُجُوهِ مُخْتلِفَة، منهم مَنْ
يُلَقَّن، فإذا رَأيْتُم ذلك ، فوَجِّهُوا إليه طائفةٌ من النَّاس ، فإذا رَضيتُم منهم ، فليُقِمْ بها
واحدٌ ، وليَخْرُج واحدٌ إلى دِمَشْقَ، والآخَرُ إلى فِلَسْطِينَ قال : فقَدِموا حِمْصَ فكانوا
بها ، حتى إذا رَضُوا من النَّاسِ، أقامَ بها عُبادَةُ بنُ الصَّامِت، وخَرجَ أبو الدَّرْداء إلى
دِمَشْقَ، ومُعاذٌ إلى فِلَسْطِينَ ، فماتَ في طاعُونِ عَمْواس ثم سارَ عُبادةُ بَعدُ إلى فِلَسْطِينَ
وبها مات ولَمْ يَزِلْ أبو الدَّرْداء بدِمَشْقَ حتى مات(١).
وعن مُسلمٍ بنِ مِشْكم : قال لي أبو الدَّرْداء : اعْدُدْ مَنْ في مَجلِسِنا قال : فجاءوا
ألفاً وسِتَّ مئة ونَيَّفاً ، فكانوا يَقْرَؤون ويَتَسابقون عَشرةً عَشرة، فإذا صَلَّى الصُّبْحَ انْفَتَلَ
وقَرأَ جُزءاً، فيُحْدِقُون به يَسمَعون ألفَاظَه وكان ابنُ عامِرِ مُقدَّماً فيهم .
وقال هشامُ بنُ عَمَّار : حدثنا يَزِيدُ بنُ أبي مالك ، عن أبيه ، قال : كان أبو الدَّرْداء
يُصَلِّي ، ثم يُقْرىءُ ويَقْرأ ، حتى إذا أرادَ القيامَ ، قال لأصْحابِهِ : هل من وَلِيمَةٍ أو
عَقيقَةٍ نَشْهَدُها؟ فإنْ قالوا : نَعَم ، وإلاَّ قال: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنّي صائِم وهو الذي
سَنَّ هذه الحِلَقَ للِقِراءَةِ(٢) .
وقيلَ : الذين في خَلقَة إقْراء أبي الدَّرْداء كانوا أزْيَدَ من ألفِ رَجلٍ ، ولكلِّ عَشرة
منهم مُلَقِّن وكان أبو الدَّرْداء يَطُوفُ عليهم قائماً ، فإذا أحْكَمَ الرجُلُ منهم ، تَحوَّلَ إلى
أبي الدَّرْداء - يَعني يَعْرضُ عليه(٣).
(١) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ٤/٢٧٠.
(٢) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢ -٣٥٣، وانظر النزهة: ٣/٢٧١.
(٣) انظر السير: (أبو الدَّرْداء) ٣٣٥/٢-٣٥٣، وانظر النزهة: ٥/٢٧٣.
١٤٦

١٦- زَمِنٌ قياسي لتَعَلُّم القُرآن :
وعن محمَّدٍ بنِ فُضَيل : عن أبيه ، عن أبي وَائل ، أنَّه تَعلَّمَ القُرآنَ في شَهْرين(١) .
١٧ - زَمنُ قراءَة خَتْمَة :
عن أُبَيِّ بنِ كَعْب قال : إنا لنَقْرَؤه في ثمانٍ ليالٍ ، يَعني القُرآنَ(٢).
وعن أبي المهلَّب : كان تَميمٌ الدَّاري يختم القرآن في سبع(٣) .
وقال أبو خلدَة خالدُ بنُ دينار : سَمعتُ أبا العاليَة يقولُ: كُنَّا عَبِيداً مَمْلوكين ، مِنَّا
مَنْ يُؤدِّي الضَّرائِبَ ، ومِنَّا مَنْ يَخْدمُ أهلَه، فَكُنَّا نَخْتِمُ كلَّ لَيلَة ، فشَقَّ عَلينا حتى شَكا
بَعْضُنا إلى بَعضٍ فَلَقينا أصحابَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فعَلَّمونا أنْ نَخْتمَ كلَّ
جُمُعَةٍ فصَلَّينا ونِمْنَا وَلَمْ يَشُقَّ عَلينا (٤) .
وقال عمرو بن عبد الرحمن بن مُحَيْرِيز : كان جدِّي عبد الله ابن مُحیریز یَختمُ في
كُلِّ جُمُعة ، ورُبَّما فَرَشنا له فلمْ يَنَمْ عليه(٥) .
وعن ابنٍ فُضَيل، عن أبيه قال: كان أبو إسحاقَ السَّبيعي يقرأُ القُرآن في كلِّ ثلاثٍ(٦).
١٨- کفْرَةٌ قراءته :
عن إبراهيمَ ، قالَ : كان الأسْوَدُ بنُ يَزِيد يَخْتُمُ القُرآنَ في رَمضانَ في كلِّ لَيَلتَين ،
وكان يَنامُ بين المَغربِ والعِشاء ، وكان يَخْتمُ القُرآنَ في غيرِ رَمضانَ في كلِّ ستٍّ
ليالٍ(٧) .
(١) انظر السير: (شَقيق بن سَلَمة) ١٦١/٤ -١٦٦، وانظر النزهة: ١/٤٦٩.
انظر السير: ( أُبَيّ بن كَعْب) ٣٨٩/١ -٤٠٢، وانظر النزهة: ٥/١٨١ .
(٢)
(٣)
انظر السير: ( تَميمُ الدَّاري) ٢/ ٤٤٢-٤٤٨، وانظر النزهة: ٤/٢٨٨.
انظر السير: ( أبو العالية) ٢٠٧/٤ - ٢١٣، وانظر النزهة : ١/٤٧٩.
(٤)
انظر السير: (عبد الله بن مُحيْريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة: ١/٥٣٩.
(٥)
انظر السير: ( أبو إسحاق السَّبيعي) ٣٩٢/٥-٤٠١، وانظر النزهة : ٧/٦١٥.
(٦)
(٧) انظر السير: (الأسود بن يزيد) ٥٠/٤-٥٣، وانظر النزهة: ٦/٤٤١.
١٤٧

وعن ابنٍ شَؤْذَب ، قال : كان عُرْوَةُ يَقرأُ رُبعَ القُرآن كلَّ يومٍ في المُصْحَف نَظراً ،
ويَقومُ به اللَّيلَ ، فما تَركَه إلاَّ ليلةَ قُطِعَتِ رِجُلُه، وكان وَقَعَ فيها الْآكِلَةِ فَنُشِرَت ، وكان
إذا كان أيّامَ الرُّطَب يَثْلِمُ حائطَه ، ثم يأَذَنُ لِلنَّاسِ فيه فيَدخُلُونَ يَأْكُلُونَ ويَحْمِلُون(١) .
وقال سَلامُ بنُ أبي مُطيع : كان قَتَادَةُ يَخْتمُ القُرآنَ في سَبع ، وإذا جاء رَمضانُ خَتمَ
في كلِّ ثلاث، فإذا جاءَ العَشرُ خَتمَ كلَّ ليلةٍ (٢).
وقال ابنُ المَديني: حَفرَ بِشْرُ بنُ مَنْصورَ قَبَرَه، وخَتمَ فيه القُرآنَ، وكان وِرْدُهُ ثُلث
القُرآن(٣).
وقد رُويَ من وُجوه مُتعدِّدَة ، أنَّ أبا بَكْر بنَ عيَّاش مَكثَ نَحواً من أرْبَعِينَ سَنةً يَختمُ
القُرآنَ في كلِّ يومٍ وَلَيَلَة مرَّة .
وهذه عبادةٌ يُخضَعُ لها ، ولكن مُتَابَعة السُّنَّةُ أَوْلَى فقد صَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم نَهَى عبدَ الله بنَ عَمرو أنْ يَقرأَ القُرآنَ في أقَلِّ من ثلاث وقال عليه السلام: ((لَمْ
يَفْقَة مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلاثٍ))(٤).
قال أبو العبَّاس بنُ مَسْروق: حدَّثنا يَخْيى الحماني ، قال : لَمَّا حَضرَتْ أبا بَكْر
الوَفاةُ ، بَكتْ أخْتُه ، فقالَ لها : ما يُبْكيكِ؟ انْظُري إلى تلكَ الزَّاوِيَة، فقد خَتمَ أخُوك
فيها ثمانيةَ عَشرَ ألفَ خَتمَةٍ (٥) .
وعن حُسَينِ العَنْقَزِيِّ قال: لَمَّا نَزَلَ بابنٍ إِذْرِيسَ المَوتُ، بَكَتْ بنتُه، فقالَ :
لا تَبَكي يا بُيَّة ، فقد خَتمتُ القُرآنَ في هذا البيت أرْبَعَةَ آلافٍ خَتمَةٍ (٦) .
وعن المأمُونِ : أنَّه تَلا في رَمضانَ ثلاثاً وثلاثين ختمَةٍ (٧) .
(١) انظر السير: (عُرْوة) ٤٢١/٤ - ٤٣٧، وانظر النزهة: ٤/٥٢٦.
(٢) انظر السير: (الخطيب) قَتَادَة/ ٥-٢٦٩، وانظر النزهة: ٨/٦٠٢.
انظر السير: ( بِشْر بن منصور) ٣٥٩/٨ -٣٦٢، وانظر النزهة : ٢/٧٦٤.
(٣)
انظر السير : ( أبو بكر بن عياش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة : ٥/٧٨٧.
(٤)
(٥) انظر السير: ( أبو بكر بن عيّاش) ٤٩٥/٨-٥٠٨، وانظر النزهة: ٦/٧٨٧.
(٦)
انظر السير: ( عبد الله بن إدريس) ٩/ ٤٢-٤٨، وانظر النزهة: ٣/٧٩٦.
(٧) انظر السير: (المأمون) ١٠/ ٢٧٢ -٢٩٠، وانظر النزهة: ٢/٨٧٦.
١٤٨

قال البَغَوُّ: حدَّثَنِي محمَّدُ بنُ زُهَير ، قال : كانَ أبي يَجمَعُنا في وَقتِ خَتِمِه
للقُرآنِ في شَهرِ رَمضان في كلِّ يومٍ ولَيْلَة ثَلاثَ مرَّات يَختمُ تسعينَ خَتمَةً في رَمضانَ .
مات رَحمهُ اللهُ في آخر سنة سَبع وخَمسينَ ومِئتين .
قال الذَّهبيُّ : مات عن بضْعِ وسَبعين سَنة .
يَا حَبَّذَا مَرُو وَمَا أَخرجَت.
من سادة العلم والدين(١).
وعن مُسبِّحٍ بنِ سَعيد قال : كان محمّدُ بنُ إسْماعيلَ يَخْتِمُ في رَمضانَ في النَّهار كلَّ
يوم خَتمةً ويَقومُ بعدَ التَّراويحِ كلَّ ثلاثِ ليالٍ بِخَتمَةٍ(٢).
وكان لأبي العبّاس بنِ عَطاء البَغْداديّ في كلِّ يَومٍ خَتْمَة ، وفي رَمَضانَ تِسْعُونَ
خَتْمَة ، وبَقِيَ في خَتْمَةٍ مُفْرَدَة بضعَ عَشرَةَ سَنةً يَتَفْهَمُ وَيَتَدََّ(٣) .
ويُقالُ : خَتمَ الكَثَّانِيُّ في الطَّواف اثني عشرَ ألفَ ختمَة ، وكان من الأولياء تُوفِّي
سنةَ اثنتين وعشرين وثلاثٍ مئة (٤) .
وقال أبو عبد الرحمن السُّلميّ : سَمعتُ الدَّارَقُطنيَّ، سَمعتُ أبا إسْحاق
إبراهيمَ بن محمّد النَّسْوي المعدل بمِصْرَ ، يقولُ: سَمعتُ أبا بَكْر بنَ الحَدَّاد ، يقولُ :
أخَذتُ نفسي بما رَواه الرَّبيعُ عن الشَّافعيِّ، أنَّه كان يَخْتمُ في رَمضانَ ستِين خَتمةً ،
سِوَىْ ما يَقرأُ فِي الصَّلاة ، فأكثرُ ما قَدرتُ عليه تسْعاً وخَمسين خَتمةً ، وأَتَيْتُ في غير
رَمضانَ بثلاثين ختمةً .
قال : ومات وصُلِّيَ عليه يومَ الأربعاء ، ودُفِنَ بسَفْحِ المُقَطَّم عند قَبِرِ وَالدَتِه ،
وحَضرَ جنازَتَه الملكُ أبو القاسم بنُ الإخْشِيذ ، وأبو المسك كافُور ، والأعْيانُ ، وكان
نَسيجَ وحدِه في حِفْظِ القُرآن واللُّغَة ، والتَّوَسُّع في عِلمِ الفِقْه وكانت له حلقةٌ من سنين
كثيرة يَغْشاها المُسلمونَ وكان جداً كلَّه، رَحمَه الله فما خلَّف بمصرَ بعدَه مثله .
(١) انظر السير: (زُهَيرُ بن محمّد بن قَمَير) ٣٦٠/١٢ -٣٦٢، وانظر النزهة: ٥/١٠٠٧.
(٢)
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاريّ) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٥.
(٣) انظر السير: (ابن عَطاء) ١٤ /٢٥٥-٢٥٦، وانظر النزهة: ٢/١١٤٩.
(٤) انظر السير: (الكتَّانيّ) ١٤/ ٥٣٣ _ ٥٣٥، وانظر النزهة: ٤/١١٧٢.
١٤٩

وفي ابنِ الحدَّاد يقولُ أحمدُ بنُ محمَّد الكَخَال :
تَفَتُّناً وَالتَّابِعِينَ تَزَهُّدا(١)
الشَّافِعِيَّ تَفَقُّهاً وَالأَصمَعِيَّ
وقال المؤتَمَنُ : سَمعتُ عبد المحسن الشِّيحيَّ يقول : كنتُ عَديلَ(٢) أبي بَكْر
الخَطيب من دِمَشْقَ إلى بَغْدادَ ، فكان له في كلِّ يومٍ وليلةٍ خَتمَةٍ (٣) .
١٩ - مَسَائلُ متفرّقة :
(أ) مَنْ قرأَ القُرآنَ في رَكعَة :
جاء في ترجَمَة أميرِ المؤمنينَ ، عُثْمانَ بنِ عَفَّنَ رضي الله عنه، قال الإمامُ
الذهبيُّ: صَحَّ من وُجوهٍ أنَّ عُثْمَانَ قَرأ القُرآنَ كُلَّه فِي رَكْعَةِ(٤) .
وعن هلالِ بنِ يساف ، قال: دَخلَ سَعيدُ بنُ جُبَير الكعبَةَ فقَرأَ القُرآنَ في رَكعَة .
عن عَمرو بنِ مَيْمون ، عن أبيه ، قال: ماتَ سَعيدُ بنُ جُبَير وما علىُ ظَهْر الأرض
أحدٌ إلاَّ وهو مُحْتَاجٌ إلىْ عِلْمِه(٥) .
وقد رُويَ من وَجْهَين : أنَّ أبا حَنِيفَة قَرأَ القُرآنَ كلَّه في رَكْعَة .
وعن أبي يوسُف قال : كان أبو حَنِيفَة رَبْعَةً، من أحْسَنِ الناسِ صورة ، وأبلغِهم
نطقاً، وأعذبِهم نغمة، وأبينهم عمَّا في نفسِهِ (٦) .
ويُحكَىُ أنَّ العَسَّال ما كان يَجلسُ لإِمْلاءِ الحَديث، ولا يَمَسُّ جُزءاً إلاَّ على
طَهارَة ، وأنَّه كان مرّةً مع صِهْره، فدَخلَ مَسجداً ، وشَرعَ في الصَّلاة فخَتمَ القُرآنَ في
رَكْعَةِ(٧) .
(١) انظر السير: (ابنُ الحَدَّاد) ٤٤٥/١٥ -٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٢٤٧.
(٢)
أي مُعادِلَه في الرُّكوب في المَحمل .
انظر السير: ( الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٤١٢.
(٣)
(٤)
انظر السير : ( عثمان بن عفان )، وانظر النزهة : ٣/٧٩ .
انظر السير: (سَعيدُ بن جُبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٥/٥٠٥.
(٥)
(٦) انظر السير: (أبو حنيفة) ٦/ ٣٩٠-٤٠٤، وانظر النزهة: ٨/٦٦٢.
(٧) انظر السير: (العَسَّال) ٦/١٦ -١٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٥.
١٥٠

وقال ابنُ باكُويَه : سمعتُ ابنَ خَفيف يقول : كنتُ في بدايتي رُبَّما أقرأُ في ركعةٍ
واحدة عشرةَ آلاف (قل هو الله أحد) ورُبَّما كنتُ أقرأُ في ركعةٍ القرآنَ كُلَّه(١) .
( ب ) التَّحْزينُ في قِراءتِه :
قال ابنُ الأعْرابيُّ: كان الغالِبُ على صالِحِ المُرِّيّ كثرةُ الذِّكر، والقِراءَة بالتَّحْزين
ويُقالُ: هو أوَّلُ مَنْ قَرأَ بِالبَصْرَةِ بِالتَّحْزِينَ(٢).
(ج ) القراءةُ بالألحانِ بذْعَة :
سُئلَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبل عن القِراءَة بالألْحانِ ، فقالَ : هذه بِدْعَةٌ لا تُسْمَع (٣).
وقال الأثْرَمُ : سألتُ أبا عبد الله عن التَّعْرِيفِ في الأمْصارِ ، يَجْتَمِعُونَ في المَساجدِ
يومَ عَرَفَة ، فقالَ: أرْجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ، فعَلَه غيرُ واحدٍ : الحَسنُ ، وبَكُرُ بن
عبدِ الله ، وثابتٌ، ومحمَّدُ ابنُ واسع، كانوا يَشْهَدون المَسْجدَ يومَ عَرَفَة ، وسَألتُه عن
القِراءَة بالألْحان، فقال: كلُّ شيء مُحدَثٌ فإنَّه لا يُعجِبُني، إلاَّ أنْ يَكونَ صَوتَ
الرجل لا يَتَكلَّفُه(٤) .
قال الحافظ عبدُ القادِر : وكان السِّلَفيُّ آمِراً بالمَعْروفِ ، ناهياً عن المُنْكر حتى إنَّه
قد أزَالَ من جِوارِهِ مُنْكراتٍ كثيرة ورأيتُه يوماً ، وقد جاءَ جَماعَةٌ من المُفْرئين
بالألْحانِ ، فأرادُوا أنْ يَقْرؤوا فمَنعَهم من ذلك ، وقال : هذه القِراءَةُ بدْعَة ، بل اقْرؤوا
تَرْتيلاً ، فقَرؤوا كما أمَرَهم(٥) .
(د) قِراءةُ اثنينٍ علىُ واحدٍ في الوقتِ نفسِه من سُورتينٍ مُخْتِلِفتين :
كان الإمامُ السَّخاويُّ مع سِعَة عُلومِه وفَضائِلِهِ دَيَّناً ، حَسنَ الأخْلاق ، مُحيَّباً إلى
(١) انظر السير: (ابنُ خَفيف) ١٦/ ٣٤٢ -٣٤٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٨.
(٢)
انظر السير: (صالح المُرَّي) ٨/ ٤٦-٤٨، وانظر النزهة : ٥/٧٢٥.
(٣)
انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٧/٩٢٩
انظر السير: ( الأثْرَم) ١٢ / ٦٢٣ - ٦٢٨، وانظر النزهة : ٦/١٠٤٠ .
(٤)
(٥) انظر السير: (السُّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ١/١٥٩٣.
١٥١

النَّاس، وافِرَ الحُرْمَةِ، مُطرحاً للتّكلُّف، ليسَ له شغلٌ إلَّ العِلم ونَشْره، شَرحَ
((الشَّاطِيَّة)) و((الرَّائيَّة)) وله كتابُ ((جَمال القُرَّاء))، وله النَّظْمُ والنَّثْر وكانَ يَتَرَّخصُ
في إقْراء اثْنَين فأكثر كلّ واحدٍ في سُورَة ، وفي هذا خِلافُ السُّنَّة، لأنَّنَا أُمِرْنا
بِالإِنْصَات إلى قارىء لنَفْهَمَ ونَعْقلَ ونَتَدبَّرَ .
وقد وَفِدَ على السُّلطانِ صَلاح الدِّين عَكا في سنة سِتٍّ وثمانين زَمَنَ المُحاصَرَة
فامْتَدَحَه بِقَصيدَة طَويلة ، واتَّفْقَ أنَّه امْتدح أيضاً الرَّشِيدَ الفارقَيَّ، وبينَ المَمْدوحَين في
المَوْت أزْيدُ من مئة عام .
قال الإمامُ أبو شامة : وفي سنة ثلاث وأربعين وسِتِّ مئة تُوفِّي شَيخُنا عَلمُ الدِّين
عَلَّمَةُ زَمانِهِ وشَيخُ أوانِه بمَنزِلِه بالتربة الصَّالحيّة(١).
(هـ) مُتَشابه القُرآن :
عن خالدِ بنِ خِدَاش قال : شَهدْتُ حَمَّادَ بنَ زَيْد في آخِرِ يوم ماتَ فيه ، فقالَ :
أُحدِّثكم بحَديث لمْ أحدِّث به قَطُّ ، إنِّي أكْرَهُ أنْ ألْقَى اللهَلمْ أُحدِّثُ به ، سَمعتُ أيُّوبَ
يُحدِّثُ عن عِكْرِمةَ قال: إنَّما أنْزَلَ اللهُ مُتَشْابِهَ القُرآنِ ليُضِلَّ به .
وقال الذهبيُّ : هذه عِبَارَةٌ رَدِيئَةٌ ، بلْ إنَّما أنْزَلَه الله تعالىُ لِيَهدِيَ به المؤمنينَ ،
وما يُضلُّ به إلاَّ الفاسِقِينَ ، كما أخْبَرَنا عزَّ وجَلَّ في سُورة البَقَرَة .
ماتَ عِكرِمَةُ بالمَدينة سَنةً خَمس ومئة .
خرَّجَ له مُسلمٌ مَقْرناً بطاؤُوس في الحَجِّ ، فالذين أهْدروه كبارٌ ، والذين احْتجُّوا به
كبارٌ واللهُ أعلَمُ بِالصَّواب (٢) .
(د) دُعَاء خَتْم القُرآن في السُّجود :
عن عبد الكَريم الشُّكَّري قال : كان عبدُ الله بن المبارك يُعجُبه إذا خَتمَ القُرآنَ أنْ
يَكونَ دُعاؤُه في السُّجود(٣).
(١) انظر السير: (السَّخاويّ) ١٢٢/٢٣-١٢٤، وانظر النزهة: ٣/١٧١٦.
(٢) انظر السير: (عِكرمَة) ١٢/٥ -٣٦، وانظر النزهة: ٢/٥٧٧.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٧٦٩/ ٧.
١٥٢

(ز) رُؤىُ تَحثُّ على الاعْتِناءِ بالقُرآن :
وعن نَوْفَل قال : رَأيتُ ابنَ المُبارَك في النَّوم ، فقلتُ : ما فَعَلَ اللهُ بك ؟ قال :
غَفرَ لي برِحْلَتي في الحَديث عَليكَ بالقُرآنِ عَليكَ بالَقُرآن .
ماتَ سنةَ إحْدى وثمانينَ ومئة (١) .
وعن عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ حَنْبَل ، سَمعتُ أبي ، يقولُ: رَأيتُ رَبَّ العِزَّة في
المَنام ، فقُلتُ: يا رَبِّ، ما أفْضَل ما تَقَرَّبَ به إليكَ المُتَقَرِّبون ؟ قال : بكَلامي
يا أحمَد قلتُ : يا رَبِّ ، بِفَهْمٍ ، أوْ بِغَيرِ فَهْم؟ قال: بفَهْم وبغَير فَهْم (٢).
قال السَّمْعانِيُّ: رُؤيَ أبو مَنْصور الخيَّاط بعدَ مَوْتِه، فقال: غَفَرَ الله لي بتَعْليمي
الصِّبْيانَ الفاتِحَة ماتَ سنةً تسع وتسعين وأربع مئة(٣) .
(ح) الدُّعابَةُ والمَزْحُ فيما يَتعلَّقُ بالقُرآن لا يَجوز :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمَة عُثمانَ بنِ أبي شَيْبَة : وهو مع ثقَتِهِ صاحبُ دُعابة حتى
فيما يتَصَّفُ من القُرآن العَظيم، سامَحَه الله(٤) .
وقال الدارَقُطْنيُّ: أخْبِرَنا أحمدُ بنُ كامل، حَدَّثني الحَسنُ بنُ الحباب أنَّ عُثمانَ
ابنَ أبي شَيْبة ، قَرأْ عَليهم في التَّفْسِير: ﴿أَلَمْتَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ﴾(٥) .
فقالَها : ألفْ لام ميم .
قال الذهبيُّ : هو : إمَّا سَبقُ لِسان، أو انْبساطٌ مُحَرَّم(٦).
وقال القاضي عليٌّ بنُ محمّد بنِ كاس ، حدَّثنا إبراهيمُ الخصَّاف قال : قَرأ عَلينا
(١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة: ١/٧٧٢.
(٢) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٥١.
(٣)
انظر السير : ( الخيَّاط) ٢٢٢/١٩ -٢٢٤، وانظر النزهة: ٥/١٤٧٣.
انظر السير: ( عثمان بن أبي شيبة) ١١/ ١٥١ -١٥٤، وانظر النزهة : ١/٩١٧.
(٤)
سورة الفيل ، الآية : ١ .
(٥)
(٦) انظر السير: (عثمان بن أبي شيبة) ١٥١/١١ -١٥٤، وانظر النزهة: ٣/٩١٧.
١٥٣

عُثمانُ بنُ أبي شَيْبَة في التَّفْسير: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِحَهَازِهِمْ جَعَلَ﴾ السَّفِينَة، فنادَوا
السِّقَايَةَ﴾(١).
فقال : أنا وأخي لا نَقْرأُ لعَاصِم .
وقد أكثرَ عنه البُخاريُّ في ((صَحِيحِه )).
وقال مُطَيِّن : ماتَ عُثمانُ بنُ أبي شَيْبَة في سَنةٍ تِسْع وثلاثين ومئتين(٢).
ثانياً : القِراءاتُ والتَّجْويد :
١ - مَنْ قَرأَ القُرآنَ بالقِراءاتِ العَشْرِ وَعُمْرُهُ عَشرُ سَنوات :
جاء في تَرجمَة أبي اليُمن زَيدِ بنِ الحَسنِ بنِ زَيدِ الكنديِّ ، قال الإمامُ الذهبيُّ :
حَفظَ القُرآنَ وهو صَغِيرٌ مُمَيِّر، وقَرَأَه بالرِّوَايات العَشْر، وله أعْوام، وهذا شَيءٌ
ما تَهَّأَ لأحَدٍ قَبَلَه ، ثم عاشَ حتى انتهى إليه عُلوُّ الإسْناد في القِراءاتِ والحَديث .
كان حَنْبَلَّاً ، فانْتُقلَ حَنفيّاً ، وبَرَعَ في الفِقْه ، وفي النَّحْو ، وأقْتَى ودَرَّس وصَنَّفَ ،
وله النَّظمُ والنَّثْر، وثِقَةٌ فِي نَفْلِه ، ظَريفاً كَيِّساً ، ذا دُعابَة وانْطِباع .
قال ابنُ النجَّار: وكان الملكُ المُعظَّم يَقرأُ عليه الأدَبَ ، ويَقصدُه في مَنزِلِه ويُعظِّمُه.
وكان بَهِيّاً وَقُوراً، أشْبَهَ بالوزراء من العُلماء لجَلالَته وعُلوِّ مَنزِلَتِهِ ، وكان أعلمَ أهلِ
زَمانِه بالنَّحْو، أظُنُّه يَحفَظُ (( كتابَ سيبَوَيْه)) ما دَخلتُ عليه قطُّ إلَّ وهو في يدِهِ
يُطالِعُه ، وكان في مُجلَّد واحد رَفيع يَقرؤُه بلا كلفَة وقد بلغَ التسْعين ، وكان قد مُتِّعَ
بسَمعِه وبَصرِه وقوَّتِه(٣) .
٢ - رُؤيا فيها حَثٌّ على قِراءاتٍ بَعَيْنِها :
عن أبي عُثمانَ المازِنِيِّ قالَ : رَأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّومِ ، فقَرأتُ
(١) سورة يوسف، الآية : ٧٠ .
(٢) انظر السير: (عثمان بن أبي شيبة) ١٥١/١١ -١٥٤، وانظر النزهة: ٤/٩١٧.
(٣) انظر السير: (الكنديّ) ٣٤/٢٢ -٤١، وانظر النزهة: ٢/١٦٦٣.
١٥٤

عليه سُورةَ طَهَ فقُلتُ: ﴿مكاناً سِوى﴾(١)، فقالَ: اقرأ ﴿سُوى﴾ قِراءَةَ يَعْقوبَ،
( يَعني الحَضْرَميَّ)(٢) .
٣- قِراءاةُ حَمْزَة بن حَبیب وما دارَ حَوْلها :
قال الثوريُّ: ما قَرأَ حَمْزَةُ حَرفاً بأثَر ( يَعنِي حَمْزَةَ بنَ حَبيب)(٣).
قال أسودُ بنُ سَالم : سَألتُ الكسائيَّ عن الهَمْزِ والإدغامِ ، أَلَكُمْ فيه إمامٌ ؟ قال :
نعَم حَمْزةُ كان يَهْمز ويَكسِر ، وهو إمامٌ ، لَوْ رَأيتَه لقرَّتْ عَينُكَ من نُسُكِهِ (٤) .
قال الذهبيُّ: كَره طائفةٌ من العُلماء قِراءةَ حَمْزَة لما فيها من السَّكتِ ، وفَرْطِ المَدِّ
واتِّباعِ الرَّسْم والاضْجاع(٥) ، وأشياءَ، ثم اسْتقرَّ اليومَ الاتِّفَاقُ علىْ قَبولِها وبَعضٌ كان
حَمْزَةَ لا يَراهُ(٦).
ويلَغَنا أنَّ رَجلاً قالَ له : يا أبا عمَارَة! رأيتُ رَجلاً من أصْحابِك ، هَمَزَ حتى انْقَطَعَ
زِرُّه فقالَ: لَمْ آمُرْهم بهذا كلِّه(٧) .
وعن حَمْزَة قال: إنَّ لهذا الثَّحْقيقِ حدَّاً يَنْتَهي إليه ثم يَكونُ قَبيحاً(٨).
وعن حَمْزَة : إنَّما الهَمِزَةُ رياضَة فإذا حَسَّنَهَا سَلَّها .
وفاتُه في سَنة ستٍّ وخَمسين ومئة ، رَحمَه الله ، ظَهرَ له نحوٌ من ثمانين حَديثاً ،
وكان من الأئمّة العَاملين(٩).
(١) سورة طه ، الآية : ٥٨.
(٢) انظر السير: (يَعْقوب) ١٦٩/١٠ - ١٧٤، وانظر النزهة: ٢/٨٦٣.
(٣) انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٩٠/٧ -٩٢، وانظر النزهة: ٥/٦٧٩.
انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٧/ ٩٠ - ٩٢، وانظر النزهة: ٦/٦٧٩.
(٤)
(٥)
الاضطجاع : الإمالة .
انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٧/ ٩٠ - ٩٢، وانظر النزهة: ٨/٦٧٩.
(٦)
(٧)
انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٧/ ٩٠ - ٩٢، وانظر النزهة: ٦٧٩ /٩.
انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٧/ ٩٠ - ٩٢، وانظر النزهة: ١٠/٦٧٩.
(٨)
(٩) انظر السير: ( حَمْزَة بن حَبيب) ٩٠/٧ -٩٢، وانظر النزهة: ١/٦٨٠.
١٥٥

وقال يَعْقوبُ بنُ شَيْبَة : سَمعتُ عليَّ بنَ المَديني، وجَعلَ يَذْمُّ قِراءةَ حَمْزَة ،
وقال : إنَّما نَزَلَ القُرآنُ بلُغَة قُريش وهي التَّفْخيم ، فقالَ له بِشْرُ بنُ موسَى: حذَّثنا
نَوْفَلُ، فقالَ ابنُ المَديني : نَوْفَلُ ثِقةٌ، قال : سَمعتُ عبدَ الله بنَ إذْريسَ يَقولُ
لحَمْزةَ : اتَّقِ اللهَ، فإنَّك رجلٌ تَتَأَلَّه، وهذه القِراءَةُ لَيسَت قِراءَةَ عبدِ الله، ولا قِراءَة
غَيرِه ، فقالَ حَمْزَةُ : أما إنِّي أتَحرَّجُ أنْ أقْرِأ بها في المِحْراب قُلتُ : لم ؟ قال : لأنَّها
لمْ تَكِنْ قِراءَةَ القَوْم قُلتُ : فما تَصنَعُ بها إذاً؟ قال : إنْ رَجَعتُ من سَفري لأتْرُكنَّها ثم
قال ابنُ إدريس : ما أسْتجيزُ أنْ أقولَ لمَنْ يَقرأُ لحَمْزَة : إنَّه صاحبُ سُنَّ قُلتُ : اشْتُهرَ
تَحذيرُ ابنِ إذْريس من ذلك واللهُ يَغفرُ له ، وقد تَلقَّى المُسلمونَ حُروَفه بالقَبولِ وأجْمَعوا
اليومَ عَليها(١) .
وقال أبو عُبيد الآجُرِّيْ : سَمعتُ أبا داودَ يقولُ : قال أحمدُ بنُ سنان : سَمعتُ عبدَ
الرحمَن بنَ مَهْدي يقولُ : لوْ كان لي عليه سُلطانٌ - على مَنْ يَقرأُ قِراءَةَ حَمْزَة -
لِأَوْجَعتُ ظَهرَه وبَطْنَه .
قال الإمامُ الذهبي : جاء نَحوُ هذا عن جَماعَةٍ(٢) وإنَّما ذلك عائدٌ إلى ما فيها من
قَبيل الأداء ، واللهُ أعلم، وقد اسْتقرَّ اليومَ الإجْماعُ على تَلقِّي قِراءَةٍ حَمْزَة بالقَبولِ(٣).
(١) انظر السير: (عبد الله بن إدريس) ٩/ ٤٢-٤٨، وانظر النزهة: ٥/٧٩٦.
(٢) قال ابن قدامة في ((المُغْني)) (٤٩٢/١) ولم يكره أحد قراءة أحد من العشرة إلاَّ قراءة حمزة
والكسائي ، لما فيهما من الكسر والإدغام والتكلّف وزيادة المدِّ وقال ابن الجزري في ((غاية النهاية )»
(٢٦٣/١): وأمّا ما ذكر عن عبد الله ابن إدريس وأحمد ابن حنبل من كراهة قراءة حمزة ، فإن ذلك
محمول على قراءة من سمعا منه ناقلاً عن حمزة ، وما آفة الأخبار إلاَّ رُواتُها وقال ابنُ مجاهد : قال
محمد بن الهيثم : والسبب في ذلك أن رجلاً ممّن قرأ على سُلَيم حضرٍ مجلس ابن إدريس ، فقرأ ،
فسمع ابنُ إدريس ألفاظاً فيها إفراطٌ في المَدِّ والهَمِزْ وغير ذلك من التكلُّف ، فكره ذلك ابنُ إدريس ،
وطعن فيه قال محمد بن الهيثم : وقد كان يكره هذا وينهَى عنه ، قلتُ : أما كراهته الإفراط من ذلك ،
فقد روينا عنه من طرق أنه كان يقول لمن يفرط عليه في المدِّ والهَمز : لا تفعل أما علمت أن ما كان
فوق البياض ، فهو بَرَص ، وما كان فوق الجُعودَة ، فهو قطط ، وما كان فوقَ القراءة ، فليس بقراءة .
(٣) انظر السير: (عبد الرحمن بن مَهدي) ٩/ ١٩٢ -٢٠٩، وانظر النزهة: ٣/٨١٨.
١٥٦

٤- مَسائلُ مَتفرِّقَة :
عن نافع قالَ : أدْرَكتُ عِدَّة من التابعين ، فنظرتُ إلى ما اجتمعَ عليه اثنانِ منهم
فأخَذتُهُ، وَمَا شَذَّ فيه واحدٌ تَركتُه، حتى ألَّفْتُ هذه القِراءَةِ(١).
واختارَ الكسائيُّ قراءَةً اشْتُهرَت ، وصارَت إحْدَى السَّبع .
قال الشافعيُّ : مَنْ أرادَ أنْ يَتَبَخَّرَ في النَّحْو ، فهو عيالٌ على الكسائيِّ .
قال ابنُ الأنْباري : اجتمعَ فيه أنَّه كانَ أعلَمَ النَّاسِ بالنَّحْو ، وأوْحَدَهم في الغَريب
وأوْحدَ في عِلمِ القُرآن ، كانوا يُكثِرون عليه حتى لا يَضبط عليهم ، فكان يَجمَّعُهم ،
ويَجلسُ على كُرسيٍّ، ويَتلو وهم يَضْبِطُون عنه حتى الوُقوَفَ(٢).
قال إسْحاقُ بن إبراهيمَ: سَمعتُ الكسائيَّ يَقرأُ القُرآنَ على النَّاسِ مرَّتَين(٣).
وعن خلفٍ ، قالَ : كنتُ أحضُرُ بين يَدي الكسائي وهو يَتْلُو ، ويُنَقِّطُونَ على قِراءَتِه
(٤)
مَصَاحِفَهم (٤) .
وكان يَعْقوبُ الحَضْرميَّ يُقرىءُ النَّاسَ عَلَانيَةً بِحَرْفِه بالبَصْرة في أيّامَ ابنِ عُيَيْنَةَ ،
وابنِ المُبارَك ، ويَحيى القَطَّان ، وابنِ مَهْدي ، والقاضي أبي يوسُف ، ومحمدِ بنِ
الحَسَن ، ويَحْيِى الْيَزيدي، وسُليم ، والشَّافعيِّ، ويَزيدِ بنِ هارُون ، وعَددٍ کثیر من
أئمّة الدِّين، فما بَلغَنا بعدَ الفَحْص والتَّنْقِيبِ أنَّ أحَداً من القُرَّاءِ ولا الفُقَهاءِ
ولا الصُّلَحاءِ ولا النُّحاةِ ولا الخُلَفاءِ كالرَّشيدِ والأمينِ والمَأمُونِ أَنْكَروا قراءَتَه ،
ولا مَنَعوه منها أصْلاً ، ولوْ أنْكرَ أحدٌ عليه لنُقِلَ ولاشْتهَر، بل مَدَحَها غيرُ واحدٍ ،
وأقْرأَ بها أصْحابَه بالعِراقِ، واسْتمرَّ إمامُ جامع البَصْرة بقراءَتِها في المِحْرابِ سَنين
مُتطاوِلَة، فما أنكرَ عليه مُسلمٌ، بلْ تَلقَّاها النَّاسُ بالقَبولِ، ولقد عُومِلَ حَمْزَة مع
جَلالَتْه بالإنْكارِ عليه في قراءَتِه من جماعةٍ من الكبار ، ولمْ يَجرِ مثلُ ذلك للحَضْرَميِّ
(١)
انظر السير: ( نافع) ٣٣٦/٧ - ٣٣٨، وانظر النزهة: ٣/٧٠١.
انظر السير: ( الكسائي) ٩/ ١٣١ - ١٣٤، وانظر النزهة: ٣/٨٠٦.
(٢)
انظر السير: ( الكسائي) ٩/ ١٣١ - ١٣٤، وانظر النزهة: ١/٨٠٧.
(٣)
(٤) انظر السير: (الكسائي) ٩/ ١٣١ -١٣٤، وانظر النزهة: ٢/٨٠٧.
١٥٧

أبداً ، حتى نَشأ طائفةٌ مُتأخِّرون لمْ يألَفُوها ، ولا عَرفُوها، فأنْكَروها، ومَنْ جَهلَ شيئاً
عاداه ، قالوا : لمْ تَتَّصِلْ بنا مُتواترةً ، قُلنا : اتَّصلَت بخَلقِ كثيرٍ متواترة ، وليسَ من
شَرْط الثَّواتُر أنْ يصلَ إلى كلِّ الأمَّة فعندَ القُرّاء أشياءُ مُتواتِرَة دُون غَيرِهم ، وعندُ الفُقَهاءِ
مَسائلُ مُتَواتِرَة عن أثمَّتِهِم لا يَدْربها القُرَّاءُ، وعند المُحدِّثين أحاديثُ مُتواتِرَة قد
لا يكونُ سَمعَها الفُقَهَاءُ، أو أفادَتهم ظَنَّاً فقط، وعند النُّحاةِ مَسائلُ قَطعيَّة ، وكذلك
اللُّغَويُون، وليس مَنْ جَهلَ علماً حُجَّةً على مَنْ عَلِمَه، وإنَّما يُقالُ للجاهِلِ : تَعلَّم ،
وسَلْ أهلَ العِلمٍ ، إنْ كنتَ لا تَعلم، لا يُقالُ للعالِمِ : اجْهَل ما تَعْلَم، رَزقَنَا اللهُ
وإِيَّاكم الإنْصافَ، فكثيرٌ من القِراءاتِ تدَّعون تواتُرها، وبالجَهْد أنْ تَقْدِروا علىُ غَيرِ
الآحادِ فيها، ونحنُ نَقُولُ: نَتَلُو بها وإنْ كانَت لا تُعرَف إلاَّ عن واحدٍ ، لكَونِها تُلقَِّت
بالقَبولِ ، فأفادَت العِلمَ ، وهذا واقعٌ في حُروفٍ كَثيرة ، وقِراءاتٍ عَديدَة ، ومَنِ ادَّعَىُ
تَواتُرَها فقد كابرَ الحِسَّ، أمَّ القُرآنُ العَظيمُ سُورُه وآياتُه فمُتَواتِرٌ، ولله الحَمدُ ،
مَحْفوظٌ من الله تَعالَى ، لا يَستطيعُ أحدٌ أنْ يُبدِّلَه ولا يَزِيدَ فيه آيةً ولا جُملةً مُستقلَّة ،
ولوْ فَعَلَ ذلكَ أحدٌ عَمْداً لانْسَلخَ من الدِّينِ ، قالَ اللهُ تَعالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
◌َفِظُونَ﴾(١).
وأوَّلُ مَنِ ادَّعَىُ أنَّ حَرْفَ يَعْقوبَ من الشَّاذُّ أبو عمرو الدَّاني، وخالَفَه في ذلك
أئمّةٌ ، وصارَ في الجُملَة في المَسْأَلَةِ خِلافٌ حادِثٌ واللهُ أعلم .
قال العلاَّمَةُ أبو حاتم السِّجِّسْتاني: يَعْقوبُ أعْلمُ مَنْ رَأيْنا بالحُروفِ والاخْتلافِ في
القُرآنِ وعِلَلِهِ ومَذاهِبِهِ ومَذاهبِ النَّحْو(٢) .
وجاء في ترجمة خَلفِ بنِ هِشام ، قال الإمامُ الذهبيُّ: وله اختيارٌ في الحُروف
صَحيحٌ ثابتٌ ليس بشاةٍّ أصْلاً ، ولا يَكادُ يَخْرجُ فيه عن القِراءاتِ السَّبْع ، وأخذَ عنه
خَلقٌ لا يُحْصَون(٣).
(١) سورة الحجر ، الآية : ٩ .
(٢) انظر السير: (يَعْقوب) ١٦٩/١٠ -١٧٤، وانظر النزهة: ٢/٨٦٢.
(٣) انظر السير: ( خَلفُ بن هشام) ٥٧٦/١٠- ٥٨٠، وانظر النزهة: ٢/٨٩٥.
١٥٨

وقال الذهبيُّ في تَرَجَمَة ابنِ شَنَبُوذ : اعْتمَدَه أبو عَمرٍو الذَّاني، والكبارُ ، وَثُوقاً
بنَقِلِه وإتْقَانِه لكنَّه كانَ له رأيٌّ في القِراءَةِ بالشَّوادِّ التي تُخالِفُ رَسْمَ الإمام ، فنَقموا عليه
لذلك، وبالَغوا وعَزَّروه والمسألةُ مُختَلَفٌ فيها في الجُملَة وما عارَضُوه أصْلاً فيما أقرأ
به ليَعْقوبَ(١)، ولا لأبي جَعْفَر (٢)، بلْ فيما خَرجَ عن المُصحَف العُثماني وقد ذكرتُ
ذلكَ مُطوَّلاً في طَبِقَاتِ الْقُرَّاءِ(٣).
قال أبو شامة : كان الرّفْقُ بابن شَنَبُوذ أولى، وكان اعتقالُه وإغْلاظُ القَولِ له كافياً
وليسَ كان بمُصيب فيما ذَهبَ إليه ، لكن أخْطاؤُه في واقِعَةٍ لا تُسقِطُ حَقَّه من حُرمَة أهلِ
القُرآنِ والعِلْم .
مات ابنُ شَنَبَوذ سَنةً ثمان وعشرين وثلاث مئة ، وهو في عَشْر الثمانين أو
جاوَزَه(٤) .
وقال السَّمْعانيُّ: كان أبو محمَّد عبدُ الله بنُ سبْطِ الخَيَّاط مُتَواضِعاً مُتوَدِّداً، حَسنَ
القِراءَة في المِحْرابِ ، خُصُوصاً لَيَالِيَ رَمضانَ ، وقد تَخْرَّجَ عليه خَلقٌ ، وخَتَموا
عليه ، وله تَصانيفُ في القِراءاتِ وخُولِفَ في بَعضِها ، وشَنَّعوا عليه ثم سَمعتُ أنَّه رَجعَ
عن ذلك .
وقال أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي : ما رَأيتُ أكثرَ جَمعاً من جَمعِ جِنازَتِه .
تُوفِّي سَنةً إحْدى وأربعين وخَمسٍ مئة(٥) .
وأقْرأ السَّخاويُّ النَّاسَ دَهْراً، وما أسْندَ القِراءاتِ عن الغَزْنَوَيِّ والكنْدِيِّ ، وكان
(١) يعقوب بن إسحاق، أحد القرَّاء العشرة، تُوفِّي سنة ٢٠٥ هـ.
(٢) أبو جَعْفر المَخْزومي، يزيدُ بن القَعْقاع، أحدُ القُرَّاء العشرة ، تابعيٌّ مَشهور كبير القدر ، تُوفِّي سنة
١٣٠ هـ .
(٣) انظر السير: (ابنُ شَنَبوذ) ٢٦٤/١٥ -٢٦٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٢٥.
(٤)
انظر السير: ( ابنُّ شنبوذ) ٢٦٤/١٥-٢٦٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٢٥.
(٥) انظر السير: (عبد الله بن عليّ بن أحمد، سبط الخيَّاط) ١٣٠/٢٠ - ١٣٤، وانظر النزهة :
٣/١٥٣٧.
١٥٩

أعْلَى إِسْناداً من الآخَرين ، امْتَنعَ من ذلك لأنَّه تَلا عليهما بـ ((المُبْهِج)) ولمْ يَكُنْ بَأَخَرَة
يَرى الإقْراءَ به ولا بما زادَ على السَّبْع ، فقيلَ: إنَّه اجْتَنبَ ذلكَ لمَنامِ رَآه .
وكان إمَاماً في العَربيّة ، بصيراً باللُّغَة ، فَقيهاً، مُفْتياً ، عَالِماً بالقِراءاتِ وعِلَلِها ،
مُجوِّداً لها ، بارِعاً في التَّفْسيرِ صَنَّفَ وأقْراً وأفادَ ، ورَوى الكثيرَ ، وبَعُدَ صيتُه وتَكاثَرَ
عليه القُرَاءُ(١).
(١) انظر السير: (السَّخاويّ) ١٢٢/٢٣-١٢٤، وانظر النزهة: ٢/١٧١٦.
١٦٠