Indexed OCR Text

Pages 101-120

عنهم أو تَشَغْبُبٍ بهم، وقد جاءَني رجلٌ بجُزْء لابنِ حَزْم سمَّاه ((نكتُ الإسْلام)» فيه
دَواهي ، فَجَرَّدتُ عليه نَواهي، وجاءَني آخَرُ برسالة في الاعْتقاد فنَقضتُها برسالة
(( الغُرَّة)) والأمرُ أفْحَشُ من أنْ يُنقَض(١) .
وقال أبو مَرْوانَ بِنُ حَيَّان : لَمْ يكُ يُلطِّفُ صَدْعَه بما عنده بتعريض ولا بتدریج بل
يَصُ به مَنْ عارَضَه الجَندلَ(٢) ويُنشِقُهُ إِنْشَاقَ الخَرْدَل، فَتَنْفرُ عنه القُلوب وتُوقِعُ به
النُّدوب، حتى استُهدفَ لفُقهاءٍ وَقِتِه ، فتمالَؤُوا عليه، وأجْمَعُوا على تَضليلِه ،
وشَنَّعوا عليه وحَذَّروا سَلاطينَهم من فِتْنَتِهِ ونَهوا عَوامَّهم من الدُّنوِّ منه فطَفِقَ المُلوكُ
يُقصونَه عن قُرِبِهِم، ويُسيُِّونَه عن بلادِهم إلى أنِ انتَهَوا به مُنقَطْع أثرُه ببلدَةٍ من باديَة
لَيْلَة ، وهو في ذلك غيرُ مُرْتَدِع ولا راجِع ، يَبُثُ علمَه فيمن يَنتابُه من باديَة بلدِه من
عامَّة المُقتَبسين من أصاغِرِ الطَّلبَة، الذين لا يَخْشَونَ فيه المَلامَة يُحدِّثهم ، ويُفَقِّههم ،
ويُدارِسُهم ، حتىْ كَمَل من مُصنَّفَاتِهِ وِقْرُ بَعير، لمْ يَعُدْ أكثَرُها باديتَه لزُهْدِ الفُقَهاء
فيها ، حتى لأُحْرِقَ بَعضُها بإشْبيليّة ومُزِّقَت عَلانِيَةً .
وكان ممَّا يَزِيدُ فِي شَنَّتِهِ تَشَيِّعه لأُمَراءِ بني أُميَّة ماضيهِم وباقيهِم واعتقادُه لِصِحَّة
إمامَتهم ، حتى لنُسبَ إلى النَّصْبِ .
قال الذهبيُّ : قد أخَذَ المَنْطِقَ - أبْعدَه اللهُ من عِلمٍ - عن: محمّدِ ابنِ الحَسَن
المَذْحِجِيِّ، وأمْعَنَ فيه، فَزَلَزَلَه في أشياءَ ، ولي أنا مَيْلٌ إلى أبي محمّد لمَحبَّتِه في
الحَديثِ الصَّحيح، ومَعرفتِهِ به وإنْ كُنتُ لا أُوافِقُه في كَثِير ممَّا يَقولُه في الرِّجال
والعِلَل، والمَسائلِ البَشِعَة في الأُصولِ والفُروع ، وأَقْطَعُ بخَطِئِه في غَير ما مَسْألة ،
ولكن لا أُكَفِّرُه، ولا أُضَلِّلُه وأرجُو له العَفوَ والمُسامَحَة، وللمُسلمين، وأخْضَعُ لفَرطِ
ذَكائِه وسِعَة عُلومِه(٣) .
(١) انظر السير: ( ابن حَزْم) ١٨ / ١٨٤ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٣٩٧.
(٢) الجندل: ما يُقِلُّه الرجل من الحجارة .
(٣) انظر السير: ( ابن حَزْم) ١٨٤/١٨ -٢١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٠٢.
١٠١

٣١ - من أسباب بُروز بَعض العُلَماء:
(أ) مجموعة صفات تجدها في العالِم :
قيلَ للشَّعْبِيِّ: من أين لك كلُّ هذا العِلم ؟ قال : بنَفْي الاغْتمام ، والسَّيرِ في
البلادِ ، وصَبرٍ كصَبرِ الحَمام، ويُكور كبُكُورِ الغُراب(١).
وعن مالكِ ، قالَ : كان عُبَيدُ الله بنُ عبد الله من العُلماء ، وكان إذا دَخلَ في
صَلاتِهِ ، فَقَعدَ إليه إنْسانٌ، لمْ يُقِلْ عليه حتى يَفْرَغَ ، وإنَّ عليَّ بنَ الحُسين كان من
أهْلِ الفَضلِ ، وكان يأتيه فيَجلسُ إليه، فيُطَوِّلُ عُبَيْدُ الله في صَلاته ولا يَلتفتُ إليه ،
فقيلَ له : عليٍّ وهو مِمَّنْ هو منه فقال: لا بُدَّ لمَنْ طَلبَ هذا الأمْرَ أنْ يُعَنَّى به(٢).
( ب ) الحرص :
عن سَعيدٍ بنِ جُبَيَر قال : رُبَّما أتَيتُ ابنَ عَبَّاس ، فكتبتُ في صَحِيفَتي حتى أملأها ،
وكَتبتُ في نَعْلي حتى أملأها ، وكتبتُ في كَفِّي (٣).
(ج ) قناعَة النَّاس بهم :
قال بقيّة : حدَّثني ثَورٌ، قال: أهْلُ حِمْصَ يأخُذون كُتبَ ابنَ عائذ ، فما وجدوا
فيها من الأحْكام عَمدوا بها على باب المَسْجد ، قَناعَةً بها ورِضاً بحَديثِهِ (٤) .
وقال بقيّة: حدَّثني أرْطاةُ بنُ المُنْذِر ، قال : اقْتسَم رجالٌ من الجُندِ كُتبَ ابنِ عائذ
بينهم بالمِيزانِ لقَناعَته فيهم(٥) .
(د) تَمَيّز العالِم :
عن الزُّهْريِّ ، قال : ما جالَستُ أحداً من العُلماء إلاَّ أنِّي قد أَتَيتُ على ما عندَه ،
وقد كنتُ أخْتلفُ إلى عُرْوَةَ بنِ الزُّبَير حتى ما كنتُ أَسْمِعُ منه إلاَّ مُعاداً ما خَلا
(١) انظر السير: (الشَّعْبي) ٢٩٤/٤-٣١٩، وانظر النزهة: ١/٥٠١.
(٢)
انظر السير: ( عليٌّ بن الحُسين) ٣٨٦/٤-٤٠١، وانظر النزهة: ٣/٥١٧ .
(٣) انظر السير: (سعيد بن جُبير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة: ١/٥٠٧.
انظر السير: ( عبد الرحمن بن عائذ) ٤٨٧/٤-٤٨٩، وانظر النزهة: ٣/٥٣٨.
(٤)
(٥) انظر السير: (عبد الرحمن بن عائذ) ٤/ ٤٨٧-٤٨٩، وانظر النزهة: ٤/٥٣٨.
١٠٢

عُبَيْدُ الله بنُ عبد الله بن عُتْبة، فإنَّه لمْ آتِه إلاَّ وَجدتُ عندَه عِلماً طَرِيفاً(١).
وعن الرَّبيع بنِ أَنَس ، قال: أخْتلفُ إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَشرَ سِنينَ أو
ما شاءَ الله ، فَلَيسَ من يَومٍ إِلاَّ أَسْمِعُ منه ما لم أسْمِعْ قبلَ ذلك .
وقال عَوفٌ: ما رَأيتُ رجلاً أعْلمَ بطَريقِ الجَنَّة من الحَسَنِ(٢).
واجْتمعَ جَماعَةٌ مثلُ الفَضْلِ بنِ مُوسَى، ومَخْلَدُ بنُ الحُسَين ، فقالوا : تَعالَوا نَعدُّ
خِصالَ ابنِ المُبارَك من أبواب الخَير ، فقالوا : العِلمُ ، والفِقْهُ، والأدَبُ ، والنَّحوُ ،
واللُّغَةُ، والزُّهدُ ، والفَصاحَةُ، والشِّعرُ، وقيامُ اللَّيلِ، والعِبادةُ، والحَجُّ ، والغَزْوُ ،
والشَّجاعَةُ، والفُروسيَّةُ، والقُوَّةُ، وتَركُ الكَلام فيما لا يَعنيه ، والإنصافُ، وقِلَّةُ
الخِلافِ على أصْحابه (٣).
٣٢- مُتَفَرِّقات :
(أ) أمثلة على الخُلَفاء والأُمَراء والعُلَماء :
عبد الملك بن مروان :
عن نافع ، قال : لقد رأيتُ المَدينةَ وما بها شابٌّ أشَدُّ تَشميراً ولا أَفْقَهُ ولا أنْسَكُ
ولا أقْرأُ لكتّب الله من عبدِ المَلك (٤) .
وقال أبو الزِّناد : فُقَهاءُ المَدينةِ: سَعيدُ بنُ المُسَيِّب، وعبدُ المَلك، وعُروَةٌ
وقبيصةُ بنُ ذُؤيب(٥) .
عبد الله بن محمّد بن عبد الرحْمَان ((المَرْواني)):
قال محمَّدُ بنُ وَضَّاح : كان عبدُ الله بنُ محمّد المَرْوَانيُّ الأميرُ من الصَّالحين
المُتَّقين العالِمِين ، رَوى العلمَ كثيراً، وطالَعَ الرَّأيَ ، وأَبْصرَ الحَديثَ ، وحَفظَ
(١) انظر السير: ( عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة) ٤٧٥/٤-٤٧٩، وانظر النزهة: ٢/٥٣٥.
(٢) انظر السير: (الحَسن البَصْري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة: ٥/٥٦٠.
(٣) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة: ٣/٧٦٨.
انظر السير: ( عبد الملك بن مَرْوان) ٢٤٦/٤ -٢٤٩، وانظر النزهة : ٧/٤٨٩.
(٤)
(٥) انظر السير: (عبد الملك بن مَرْوان) ٢٤٦/٤ -٢٤٩، وانظر النزهة: ١/٤٩٠.
١٠٣

القُرآن ، وتَفقَّه ، وأكثرَ الصَّومَ ، كان يلتزمُ الصَّلواتِ في الجامع ، فيَمُّ بالصَّفِ ،
فيقومُ النَّاسُ له ، فَكَتبَ إليه سَعيدُ ابنُ حُمير : أيُّها الإمامُ أنتَ من المُثَّقين ، وإنَّما يَقومُ
النَّاسُ لرَبِّ العالمين، فلا تَرضَ من رَعيَّتَك بغيرِ الصَّواب، فإنَّ العِزَّةَ الله جَميعاً ، فأمَرَ
العامَّةَ بَتَركِ ذلك فلمْ يَنتهوا ، فحينئذِ ابْتَنى السَّاباطَ طَريقاً مَشْهوراً من قَصرِه إلى
المَقصُورة .
قال اليَسعُ بنُ حَزْم : اسْتُضعِفت دولةُ بني أميّة ، وقام بها ابنُ حَفصونَ ، وكان
نَصرانيَّ الأَصْلِ، فأسْلم وتَنَصَّح(١) وأَّب وحَشدَ، وصارت الأندلسُ شُعَلَةً تُضرَم ،
ولمْ يَبْقَ لبَني أميّة مِنبرٌ يُخطَب فيه إلاَّ مِنبَرُ قُرْطُبَة، والغاراتُ تُشنُّ عليها حتى قام عبدُ
الرّحمَنِ النَّاصِرُ ، فَتَراجَعَ الأمرُ .
مات عبدُ الله في سَنة ثلاثِ مئة ، وله اثْنتان وسبعون سَنةً(٢).
المُسْتَنّصِر بالله المروانيّ :
قال الذهبي في ترجمة المُسْتَنصِر بالله ((الحَكم بنِ عبدِ الرَّحمَن ابنِ محمّد)): كان
حَسنَ السِّيرَة، جامعاً للعِلم ، مُكرماً للأفاضِل ، كبيرَ القَدرِ ، ذا نَهْمَة مُفرِطَة في العِلم
والفَضائل ، عاكفاً على المُطالَعَةِ(٣).
جَمِعَ من الكُتبِ ما لمْ يَجمَعْه أحدٌ من المُلوك، لا قَبَلَه ولا بَعدَه ، وتَطلَّبَها ، وبَذلَ
في أثْمانِها الأَمْوالَ ، واشْتُريت له من البلادِ البَعيدة بأغْلَى الأثْمان ، مع صَفاءِ السَّريرَة
والعَقلِ والكَرَم ، وتَقَريبِ العُلماءِ(٤) .
ولقد ضَاقَت خَزائُهُ بالكُتب إلى أنْ صارَت إليه ، وَآثَرَها علىْ لَذَّاتِ المُلوك، فَغَزُرَ
علمُه ، ودَقَّ نَظرُه ، وكان له يَدٌ بيضاء في مَعْرِفَةِ الرِّجال والأنْسابِ ، والأخبارِ ، وقَلَّما
(١) تنصَّح: أي تشبَّه بالنُّصَحاء والنَّصُّح: كثرة النصح ، ومنه قول أكثم بن صيفي: إياكم والتنصُّح فإنه
يورث التهمة .
(٢) انظر السير: (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) ٢٦٤/٨ -٢٦٥، وانظر النزهة: ٣/٧٥٥.
(٣) انظر السير: ( الحكم بن عبد الرحمن بن محمد) ٢٦٩/٨-٢٧١، وانظر النزهة : ٤/٧٥٧.
(٤) انظر السير: ( الحكم بن عبد الرحمن بن محمد) ٢٦٩/٨ -٢٧١، وانظر النزهة: ١/٧٥٨.
١٠٤

تَجِدُ له كتاباً إلاَّ وله فيه قِراءَةٌ أو نَظرٌ، من أيِّ فَنَّ كان ويَكتبُ فيه نَسَبَ المُؤلِّف ،
ومَولِدَه ووَفاتَه ، ويأتي من ذلك بغَرائبَ لا تَكادُ تُوجَد(١) .
وقال الذهبي في موضع آخر : كان المُسْتَنْصِرُ بالله عالماً أخبارياً ، وَقوراً ، نَسيجَ
(٢)
وَحْدِه
وكان الحَكمُ مُوثَّقَاً في نَقَلِهِ ، قَلَّ أنْ تَجدَ له كتاباً إلاَّ وله فيه نَظَرٌ وفائدة ، ويَكُبُ
اسمَ مُؤْلِّفِهِ ونَسَبَه ومَولِدَه ، ويُغرب ويُفيد(٣) .
(ب ) الأُمَراء مُحِبُّوا العِلم :
جاء في تَرجَمة محمَّدٍ بنِ عبد الرَّحمَن بنِ الحَكم بنِ هِشام ((صاحب الأنْدِلُس))،
قال الذَّهبيُّ: كان مُحبَّاً للعلم، مُؤثراً لأصْحابِ الحَديث، مُكْرِماً لهم، حَسنَ
السِّيرَة، وهو الذي نَصرَ بَقيَّ بنَ مَخْلد الحافظَ على أهْلِ الرَّأي (٤).
قال بقيُّ بنُ مَخْلَد : ما كلَّمتُ أحداً من المُلوك أكمَلَ عَقلاً ، ولا أبْلغَ لَفظاً من
الأميرِ محمّد ، ولقد دَخلتُ عليه يوماً في مَجلسٍ خِلافَتَه ، فافْتَتَح الكلامَ بحَمدِ الله ،
والصَّلاة علىْ نَبِيِّه، ثم الخُلفاء، فحَلَّى كلَّ واحد بحِليته وصِفَته، وذكرَ مآثرَه بأفْصَحِ
لسان حتى انتَهى إلى نفسِه ، فحَمِدَ اللهَ على ما قَدَّره ، ثم سَكت .
قال الذهبيُّ: رأىْ مُصنَّفَ أبي بكر بن أبي شيبة، إذ نازَعَ أهلُ الرَّأْيِ بَقِيَ بنَ مَخْلَد
فأمرَ بنَسخِه ، وقال : لا تَسْتغني خِزانتنا عن هذا .
وكان ذَا رَأيٍ وحَزمٍ وشَجاعةٍ وإِقْدام .
بُويع عند مَوت والده في سنة ثمان وثلاثين ، وله إحْدى وثلاثون سنة ، وذلك بعَهْدٍ
من والده ، وأمُّه أمُّ وَلد .
(١) انظر السير: (الحكم بن عبد الرحمن بن محمد) ٢٦٩/٨ -٢٧١، وانظر النزهة : ٢/٧٥٨.
(٢) انظر السير: (المُسْتَنصر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة: ٤/١٢٩٠.
(٣) انظر السير: (المُسْتَنصِر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة: ٥/١٢٩٠.
(٤) انظر السير: (محمد بن عبد الرحمن بن الحكم) ٢٦٢/٨ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٢/٧٥٤.
١٠٥

وامتدت دَولَتُه، وقيلَ: إنَّه كان يَتوغَّلُ في بلاد الرُّوم ، ويَبقى في الغَزو السَّنَةَ
وأكثر(١) .
(ج) أغْنياء العُلَماء:
قال الذهبيُّ في ترجَمة الإمامِ مالِك : قال ابنُ أبي أوَيس : بيعَ ما في منزلِ خالي
مالِك من بُسُط ومِنصَّات ، ومَخاذَّ ، وغير ذلك، بما يُنيف على خمس مئة دينار(٢).
وقال محمَّدُ بنُ عيسى بنُ خَلف : خلَّف مالِكٌ خَمسَ مئة زَوج من النِّعال ، ولقد
اشْتَهى يوماً كساءً قُوصيّاً ، فما مات إلاَّ وعنده منها سَبعة، بُعثت إليه(٣).
وقال أبو عَمرو : تركَ من الناضِّ (٤) ألفَي دينار وستَّ مئة دينار ، وسَبعة وعشرين
ديناراً ، ومن الدَّراهم ألف درهم(٥) .
قال الذهبيُّ : قد كان هذا الإمامُ من الكُبَراء السُّعَداء ، والسَّادَة العُلماء ، ذا حِشْمَة
وتَجمُّل، وعَبيدٍ ، ودارٍ فَاخِرَة، ونِعْمَةٍ ظاهِرَة، ورِفْعَة في الدُّينا والآخرة كان يقبلُ
الهَدية ، ويأكلُ طيِّباً ويَعملُ صالحاً(٦) .
وقال قُتَيِّبَةُ : كان اللَّيْثُ بنُ سَعد يَسْتِغِلُّ عشرينَ ألفَ دينار في كلِّ سنة ، وقال :
ما وَجَبت عليَّ زكاةٌ قَطُّ وأعْطَى اللَّيثُ ابنَ لَهِيعَة ألفَ دينار، وأعْطَى مالِكاً ألفَ دينار
وأعْطَى مَنصورَ بنَ عمَّار الوَاعِظَ ألفَ دينار وجاريةً تَسوى ثلاثة مئة دينار(٧) .
وجاءت امرأةٌ إلى اللَّيث ، فقالت: يا أبا الحارث، إنَّ ابناً لي عَليلٌ، واشْتَهى
عَسلاً ، فقالَ: يا غُلام، اعْطِها مِرطاً من عَسل ، والمِرْطُ : عِشرون ومئة رَطل (٨).
(١) انظر السير: (محمد بن عبد الرحمن بن الحكم) ٢٦٢/٨ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٣/٧٥٤.
(٢) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٢/٧٣٨.
(٣)
انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٣/٧٣٨.
(٤)
الناضّ : النقد من الدنانير والدراهم .
(٥)
انظر السير: ( مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٤/٧٣٨.
(٦)
انظر السير: ( مالك الإمام ) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة : ٥/٧٣٨ .
(٧) انظر السير: (الليث بن سعد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة: ٣/٧٣٩.
انظر السير: ( الليث بن سعد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة : ٤/٧٣٩.
(٨)
١٠٦

وقال عبدُ الله بنُ صالح : صَحِبتُ اللَّيثَ عشرينَ سَنةً، لا يَتَغَدَّى ولا يَتعَشَّى إلاَّ مع
النَّاسِ وكان لا يأكلُ إلَّ بلَخمٍ إلاَّ أنْ يَمْرَضَ(١) .
وكان اللَيثُ له كلَّ يوم أربَعَةُ مَجالس يَجلسُ فيها : أمَّا أوَّلُها ، فيَجلسُ لنائبَة
السُّلطان في نوائبِه وحَوائجِهَ ، وكان اللَّيْثُ يَغشاهُ السُّلطانُ، فإذا أنْكَرَ من القاضي أمْراً
أو من السُّلطان ، كتبَ إلى أميرِ المؤمنين ، فيأتيه العَزلُ ، ويَجلسُ لأصحابِ
الحَديثِ ، وكان يقولُ: نَجِّحُوا أصْحابَ الحَوانيت(٢) ، فإنَّ قُلُوبَهم مُعَلَّقَةٌ بأسْواقِهِم ،
ويَجلسُ للمَسائل ، يَغشاهُ النَّاسُ، فَيَسألُونَه، ويَجلسُ لحَوائجِ النَّاس، لا يَسألُهُ أحَدٌ
فيَردُّه، كَبرَت حاجَتُه أو صَغُرَت وكان يُطعِمُ النَّاسَ في الشِّتاءِ الهَرائسَ بعَسَل النَّحْلِ
وسَمْنِ البَقَر ، وفي الصَّيفِ سَويقَ اللَّوْزِ في السُّكَّر(٣).
وقال محمَّدُ بنُ عليٍّ بنِ الحَسن بنِ شَقيق، سَمعتُ أبي قال : كان ابنُ المُبارَك إذا
كان وَقتُ الحَجِّ ، اجتمعَ إليه إخْوانُه من أهْلِ مَرْو ، فيقولون : نَصحبُك ، فيقولُ :
هاتوا نَفَقاتِكم ، فيأخُذُ نَفَقاتِهِم ، فيَجعلُها في صُندوقٍ ، ويُقفِلُ عليها ، ثم يَكتري له ،
ويُخرجُهم من مَرْوَ إلىْ بَغدادَ ، فلا يَزالُ يُنفِقُ عليهم ويُطعِمُهم أطْيَبَ الطَّعامِ ، وأَطْيَبَ
الحَلوَىُ، ثم يُخرجُهم من بغدادَ بأحْسنِ زِيٍّ وأكْملِ مُروءَة ، حتى يَصلوا إلى مَدينةِ
الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم ، فيقولُ لكُلِّ واحدٍ : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من
المَدِينَةِ من طُرَفِها؟ فيقولُ : كذا وكذا فيَشتري لهم ، ثم يُخرجُهم إلى مكة ، فإذا قَضوا
حَجَّهم ، قال لكلِّ واحدٍ منهم : ما أمَرَكَ عيالُك أنْ تَشتري لهم من مَتاع مكة ؟ فيقولُ :
كذا وكذا ، فيَشتري لهم ، ثم يُخْرجُهم من مكةَ ، فلا يَزالُ يُنفقُ عليهم إلى أنْ يَصيرُوا
إلى مَرْوَ ، فَيُجَصِّصُ بُيُوتَهم وأبوابَهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيَّام ، عَملَ لهم وَلِيمَةً
وكَساهم، فإذا أكَلوا وسُرُوا ، دَعا بالصُّندوقِ ، فَفَتحَه ودَفعَ إلى كُلِّ رجلٍ منهم
صُرَّتَه ، عليها اسْمُه .
(١) انظر السير: (اللَّيث بن سَعد) ١٣٦/٨-١٦٣، وانظر النزهة: ٥/٧٣٩.
(٢) أي ابدؤوا بهم .
(٣) انظر السير: (اللَّيث بن سعد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة: ٦/٧٣٩.
١٠٧

وقال محمَّدُ بنُ المُثَنَّى : سَمعتُ عبدَ الرَّحمَنِ بنَ مَهْدي يقولُ : ما رأتْ عَينايَ
مثلَ أرْبَعة : ما رأيتُ أحْفَظَ للحَديثِ من الثَّوْرِيِّ ، ولا أشدَّ تَقشُّفاً من شُعبة ،
ولا أعْقَلَ من مالِك ، ولا أنْصَحَ للأمّة من ابنِ المُبارَكِ(١) .
وقال الذهبيُّ : كان عبدُ الله بنُ المُبارَك غَنياً شَاكراً، رأسُ مالِهِ نَحوَ الأربع مئة
ألف(٢).
وقال بِشْرُ الحافي : كان المُعافَى صاحبَ دُنيا واسِعَةٍ وضِياع كثيرة(٣) .
وقال أبو نُعَيمُ الحافظُ : كان أحمدُ بنُ مَهْدي صاحبَ ضِياع وثَرْوَةٍ ، أَنْفَقَ على أهلِ
العِلمِ ثلاثَ مئةِ ألفِ دِرْهم .
وقال ابنُ النَّجَّار : كان أحمدُ بنُ مَهْدي من الأئمّة الثِّقَات وذَوي المَروءاتِ ، رَحلَ
إلى الشَّامِ ومِصْرَ والعِراق (٤) .
وجاء في ترجمة دَعْلَج قال الذهبيُّ: هو دَعْلَجُ بنُ أحمد بنِ دَعْلَج المُحَدِّثُ ،
الحُجَّةُ الفَقيهُ الإمامُ ، أبو محمَّد السِّجِسْتانيُّ، ثم البَغداديُّ التَّاجِرُ، ذُو الأمْوالِ
العَظيمة .
وُلدَ سنةً تسعٍ وخَمسينَ أو قَبلَها بقليل وسَمعَ بعد الثَّمانين ما لا يُوصَفُ كَثْرةً
بالحَرمَينِ ، والعِراقِ ، وخُراسانَ ، والنَّواحي حالَ جَولانِه في التِّجارَةِ(٥) .
قال الخَطيبُ : كان دَعْلَجٌ من ذَوي اليَسار ، له وُقوفٌ على أهْلِ الحَديث .
وقال الخَطيبُ : حَكَى لي أبو العَلاء الواسِطِيُّ ، أنَّ دَعْلَجاً سُئل عن مُفارَقِتِهِ مَكة ،
فقال: خَرجتُ لَيلةً من المَسجدِ ، فَتَقدَّم ثلاثةٌ من الأعْرابِ ، فقالوا: أخٌ لك من
خُراسان قَتلَ أخَانا ، فنَحنُ نَقْتُلك به ، فقُلتُ: اتَّقُوا اللهَ، فإنَّ خُراسانَ لَيست بمَدينَةٍ
(١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨-٤٢١، وانظر النزهة : ٤/٧٦٦.
(٢) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٢/٧٧٠.
(٣)
انظر السير: ( المُعافَى) ٩/ ٨٠-٨٦، وانظر النزهة: ٥/٨٠٠ .
(٤) انظر السير: (أحمد بن مَهْدي) ٥٩٧/١٢-٥٩٨، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٨.
(٥) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ١/١٢٦٦.
١٠٨

واحِدَة ، ولمْ أزَلْ بهم إلى أنْ اجْتَمعَ النَّاسُ وخَلُّوا عَنِّي فهذا كان سَببُ انْتِقِالي إلى
بَغْداد وكان يقولُ : ليسَ في الدُّنيا مثلُ داري ، وذلكَ لأنَّه ليسَ في الدُّنيا مثلُ بَغْدادَ ،
ولا ببَغْدَادَ مثلُ مَحِلَّةِ القَطيعة، ولا في القَطيعة مثلُ دَرْب أبي خَلَف ، وليسَ في الدَّرْب
مثلُ داري(١) .
ونقلَ أبو بَكْر الخَطيبُ حكايةً مُقتَضاها أنَّ رَجُلاً صلَّى الجُمعَةَ فرأىُ رجُلاً مُتَنَسِّكاً
لمْ يُصلِّ، فكلَّمَه ، فقال: اسْتُرْ عليَّ، لدَعْلَج عليَّ خَمسَةُ آلافٍ ، فلمَّا رأيتُه
أَحْدَثتُ، فبلغَ ذلك دَعْلَجاً، فطَلبَه إلى مَنزِلِه، وحلَّله من المال ، ووَصلَه بمثلها
لكَوْنه رَوَعَه(٢) .
وقال أحمدُ بنُ الحُسَينِ الوَاعِظُ ، قالَ : أَوْدَعَ أبو عبد الله بنُ أبي مُوسَى الهاشِميُّ
عَشرةَ آلافِ دينارٍ ليتيم ، فضاقَت يَدُه فأنْفَقَها وكَبُرَ الصَّبيُّ ، وأُذْنَ له في قَبضِ مالِه ،
قال ابنُ أبي موسى : فضاقَت عليَّ الأرضُ، وتَحَيَّرتُ، فبَكرتُ علىُ بَغْلَتي،
وقَصدتُ الكَرْخَ فانْتُهتْ بِي الْبَغْلةُ إلى دَرْبِ السلولي ووَقَفَتْ بي على بابِ مَسجِدٍ
دَعْلَج، فدَخِلتُ فصَلَّيْتُ خلفَه الفَجرَ ، فلمَّا انْفَتَلَ رَخَّبَ بي ، وقُمنا فدَخلنا دَارَه ،
فقُدِّمَت لنا هَريسَةٌ ، فأكلتُ وقَصَّرتُ ، فقالَ: أراكَ مُنقَبضاً، فأخْبَرَتُه، فقالَ: كُلْ
فإِنَّ حاجَتَك تُقْضَى، فلمَّا فَرَغْنا ، اسْتَدعَى بِالذَّهَبِ والمِيزانِ ، فَوَزَنَ لي عَشرةَ آلافِ
دينارٍ وقُمتُ أطيرُ فَرحاً، ثم سَلَّمتُ المالَ إلى الصَّبِيِّ بحَضرةِ قاضي القُضاة ، وعَظُمَ
الثَّنَاءُ عليَّ، فلمَّا عُدتُ إلى مَنزِلي اسْتدعاني أميرٌ من أولادِ الخَلِيفَة فقال : قد رَغبتُ
في مُعامَلَتِك وتَضْمِينِك أمْلاكي ، فضَمنَّتُها فرَبحتُ فِي سَنَتَي رِبحاً عظيماً وكَسبتُ في
ثلاث سنين ثلاثينَ ألفَ دينار، وحَملتُ لدَعْلَج المالَ، فقالَ: سُبحانَ الله ، والله
ما نَوَيتُ أخْذَها، حَلِّ بها الصِّبْيانَ ، فقلتُ : أيُّها الشَّيخُ ، أيشْ أصْلُ هذا المال حتى
تَهبَ لي عشرةَ آلافِ دينار ؟ فقال: نَشأتُ ، وحَفظتُ القُرآنَ ، وطَلبتُ الحَديثَ ،
وكُنتُ أَتَبَزَّزُ ، فوافاني تاجرٌ من البَحْرِ فقال: أنْتَ دَعْلَج ؟ قلتُ : نَعَم قال : قد رَغبتُ
(١) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ -٣٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٦.
(٢) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦_٣٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٦٦.
١٠٩

في تَسليمٍ مالي إليك مُضارَبةً ، فسلَّمَ إليَّ برنامجات بألفِ درهم ، وقال لي : ابْسُطْ
يَدَ فيه ولا تَعلمْ مَكاناً يُنفَقُ فيه المَتاعُ إلاَّ حَملْتَه ، ولمْ يَزِلْ يَتردَّدُ إليَّ سَنةً بعدَ سَنةٍ
يَحملُ إليَّ مثلُ هذا والبضاعَةُ تَنْمَى ثم قال: أنا كثيرُ الأسْفارِ في البَحرِ ، فإِنْ هَلكتُ
فهذا المالُ لكَ على أنْ تَصدَّقَ منه، وتَبني المَساجدَ ، فأنا أفعلُ مثل هذا ، وقد
ثُمَّرَ اللهُ تعالى المالَ في يَدِي ، فاكْتُم عليَّ ما عِشْتُ .
قال الحاكمُ : كان السُّلطانُ لا يَتعرَّضُ لتَركَةٍ، ثم لمْ يَصْبرْ عن أموالِ دَعْلَج ،
وقيلَ : لمْ يكنْ في الدُّنيا أيْسَرُ منه من الثُّجَّار ، وتَركوا أوْقافَه، رَحمَه الله .
ماتَ سنةَ إِحْدَى وخَمسينَ وثلاثٍ ومئة (١) .
(د) أحْوالُ بَعض العُلماء والمُتَعلِّمين في عَصر الذَّهبيّ :
وجاء في تَرجَمة عبدِ الحَميدِ بنِ جَعْفر ، قال ابنُ مَعين : كان عبدُ الحَميد ثقةً يُرْمَىُ
بالقَدر .
قال الذهبيُّ: قد لُطِخَ بالقَدرِ جماعةٌ وحَديثُهم في ((الصَّحيحَين)) أو أحَدِهما لأنَّهم
مَوْصُوفون بالصِّدقِ والإتقانِ .
ماتَ عبدُ الحَميد في سنةِ ثلاثٍ وخَمسٍ مئة (٢).
قال أبو أسامة : سَمعتُ مِسْعَراً يقولُ : إنَّ هذا الحَديثَ يَصُدُّكم عن ذِكرِ الله وعن
الصَّلاة ، فهلْ أَنتُم مُنتَهون ؟ (٣)
قال الإمامُ الذهبيُّ مُعقِّباً: هذه مسألةٌ مُختلَفٌ فيها: هل طَلبُ العِلم أفْضَل، أو
صَلاةُ النَّافِلَة والتِّلاوَة والذِّكْرِ؟ فأمَّا مَنْ كانَ مُخلصاً لله في طَلبِ العِلم ، وذِهنُهُ جَيدٌ ،
فالعِلمُ أَوْلَى ، ولكن مع حَظُّ من صَلاةٍ وتَعبُّد، فإنْ رأيتَه مُجداً في طَلبِ العِلم لا حَظّ
له في القُرُبات ، فهذا كَسْلانٌ مَهين ، وليسَ هو بصادقٍ في حُسن نِيَتِه ، وأمَّا مَنْ كانَ
(١) انظر السير: (دَعْلَج) ٣٠/١٦ _٣٥، وانظر النزهة : ٤/١٢٦٦.
(٢) انظر السير: (عبد الحميد بن جعفر) ٧/ ٢٠ -٢٢، وانظر النزهة : ٦٧٢ /٤.
(٣) انظر السير: (مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٨٩.
١١٠

طَلبُهُ الحَديثَ والفِقهَ غِيَّةً ومَحبَّةً نَفَسانيّة فالعِبادَةُ في حقِّه أفْضَل، بل ما بينها أفْعَلُ
تَفْضِيل، وهذا تَقسيمٌ في الجُمَلَة، فقَلَّ - والله - مَنْ رَأيْتُه مُخلِصاً في طَلبِ العِلم ،
دَعْنا من هذا كُلُّه فليسَ طَلبُ الحَديثِ اليومَ على الوَضعِ المُتعارَف من حيِّرُ طَلبٍ
العِلم ، بلْ اصْطلاحٌ وطَلبُ أسانيدَ عاليَة وأخْذٌ عن شَيخِ لا يَعِي ، وتَسميعٌ لِطِفْلِ يَلْعَب
ولا يَفْهَم ، أو لرَضيعٍ يَبْكِى أو لفَقيهِ يَتحدَّثُ مع حَدَّثٍ، أو لآخَر يَنسَخ وفاضلُهم
مشغولٌ عن الحَديثِ بَكتابَة الأسْماء أو بالنُّعاس ، والقارىءُ إنْ كانَ له مُشارَكٌ فَلَيسَ
عندَه من الفَضيلَة أكثَرُ من قِراءَة ما في الجُزْءِ، سواءٌ تَصَخَّفَ عليه الاسمُ ، أو اخْتبطَ
المَثْنُ ، أو كان من المَوْضوعاتِ فالعِلمُ عن هؤلاء بمعْزِلٍ، والعَملُ لا أكادُ أراهُ بلْ
أَرَىُ أمُوراً سَيئةً ، نَسألُ الله العَفْوَ(١).
وقال محمَّدُ بنُ يُوسُف الفِرْيابي : كنتُ أمشي مع ابنِ عُيَيْنَة ، فقال لي : يا محمَّدُ ،
ما يُزَهِّدني فيكَ إلاَّ طَلبُ الحَديث قلتُ: فأنتَ يا أبا محمَّد ، أيَّ شيءٍ كنتَ تَعمَلُ إلاَّ
طَلبَ الحَديثِ ؟ فقالَ: كُنْتُ إِذْ ذاكَ صَبِيَّاً لا أعْقِل (٢).
قال الذهبيُّ : إذا كان مثلُ هذا الإمام يقولُ هذه المَقالَةَ في زَمنِ التَّابعينَ ، أو
بَعدَهم بيَسير ، وطَلبُ الحَديثِ مَضبوطٌ بالاَتِّفاقِ ، والأخْذِ عن الأثْباتِ الأئمّة ، فكيفَ
لوْ رأى سُفيانُ رَحمَه الله طلبَةَ الحَديثِ في وَقِتِنا ، وما هم عليه من الهَنات والتَّخْبِيطِ ،
والأخذِ عن جَهَلَةِ بَني آدم ، وتَسميع ابنِ شَهر .
أمَّا الخِيَامُ فإنَّها كَخِيامِهِم
وأرَىْ نساءَ الحَيِّ غيرَ نِسائِها(٣)
وقال الذهبيُّ في تَرجمَة هُديةَ بنِ خالد الثَّوْبانيِّ: رافَقَ أخاه في الطَّبِ ، وتَشَارَكا
فِي ضَبطِ الكُتب ، فساغ له أنْ يَروي من كُتبٍ أخيه ، فكيفَ بالماضينَ لوْ رَأَوْنا اليومَ
نَسمعُ من أي صَحِيفَةٍ مُصحَّفَة على أجْهَلِ شَيخِ له إجازَة ، ونَروي من نُسخَةٍ أخرى
انظر السير: ( مِسْعَر) ١٦٣/٧ -١٧٣، وانظر النزهة: ١/٦٩٠.
(١)
انظر السير: ( سُفْيان بن عُيَيْنَة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة: ٣/٧٨٤.
(٢)
انظر السير: ( سُفْيان بن عُيَيْنَة) ٤٥٤/٨-٤٧٥، وانظر النزهة : ٤/٧٨٤.
(٣)
١١١

بَينهما من الاخْتلافِ والغَلطِ ألْوانٌ ، ففاضِلُنا يُصحِّحُ ما تَسَّرَ من حِفِظِهِ، وطالِبُنا
يَتشاغَلُ بكتابَةِ أسماءِ الأطْفال ، وعالِمُنا يَنسَخُ ، وشَيخُنا يَنامُ ، وطائفةٌ من الشَّبيبَة في
وادٍ آخَر من المُشارَكة والمحادثة لقد اشْتَفى بنا كلُّ مُبتَدِعٍ ومَبَّنا كُلُّ مُؤمنٍ أَفَهؤلاء
الغُثاء هم الذين يَحفَظون على الأُمّة دينَها !! ؟ كلاً والله فرَحِمَ اللهُ هُدبةَ ، وأينَ مثلُ
هُدبة ؟ نعم ما هو في الحِفْظِ كَشُعبَةٍ (١) .
وجاء في تَرجمَة القَطَّان، قالَ ابنُ فارس : سَمعتُ القَطَّنَ يَقولُ: أُصِبتُ
ببَصري ، وأظنُّ أنِّي عُوقِبتُ بكَثَرَةِ كَلامِي أيَّامَ الرِّحْلَةِ(٢) .
قال الذهبيُّ: صَدَقَ والله، فقد كانوا مع حُسْنِ القَصْد، وصِحَّة النّة - غالباً -
يَخافونَ من الكَلام، وإِظْهارِ المَعرِفَة والفَضيلَة ، واليومَ يُكثرون الكَلامَ مع نَقْصٍ
العِلمٍ، وسُوءِ القَصْدِ، ثمَّ إنَّ اللهَ يَفضَحُهم ويَلُوحُ جَهلُهم وهَواهُم واضْطرابُهم فيما
عَلِمُوه فَنَسألُ اللهَ الثَّوفيقَ والإِخْلاصَ .
تُوفِّيَ هذا الإمامُ في سنةِ خَمس وأربعينَ وثلاثٍ مئة (٣).
(هـ) عُلماء فِقِدوا أو ماتوا فَجأة :
قال الحاكمُ : قال الدَّغُوليُّ : في العُلماء جماعةٌ فُقدوا فَجأة فلمْ يُوجَدوا ، منهم :
عبدُ الرَّحمَن بنُ أبي ليلى، فُقدَ يومَ الجَماجم ، ومنهم : مَعْمَرُ بنُ راشِد ، ولمْ تُعرَف
له تُربَّةٌ قَطُّ، وبَدَلُ بنُ المُحبَّر افتُقدَ ولا يُدرَى أين ذهبَ، ثم سَمَّى جماعَةً ماتوا فَجأة
كالشَّعبيِّ، وحُميدِ الطَّويلِ ، والأوزاعيِّ.
قال الحاكمُ: سألتُ محمَّدَ بنَ عبد الرّحمَن بنَ الدَّغُولي عن وفاة جَدِّه فقال : في
سَنةٍ خمسٍ وعشرينَ وثلاثٍ مئة (٤) .
(١) انظر السير: (هُدبَة بن خالد) ٩٧/١١ -١٠٠، وانظر النزهة: ٢/٩١٤.
(٢)
انظر السير: ( القطان) ٤٦٣/١٥-٤٦٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٥٠.
انظر السير: ( القطان) ٤٦٣/١٥-٤٦٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٠.
(٣)
انظر السير: ( الدَّغُولي) ١٤ / ٥٥٧ -٥٦٢، وانظر النزهة: ٣/١١٧٣.
(٤)
١١٢

( و) مَنْ أَنْقَذَه العِلمُ من الأسر :
قال الذهبيُّ في تَرجمَة أبي المُظفَّر السَّمْعانيِّ: حَجَّ على البَرِّيَّة أيَّامَ انْقطَعَ الرَّكبُ ،
فأُخِذَ هو وجماعةٌ ، فصَبرَ إلى أنْ خلَّصَه اللهُ من الأعْرابِ ، وحَجَّ وصَحِبَ الزَّنْجَانِيَّ
كان يقولُ : أسَرونا فكنتُ أرْعَى جِمالَهم، فاتَّفْقَ أنَّ أميرَهم أرادَ أنْ يُزوِّجَ بنْتَه ،
فقالوا : نَحتاجُ أنْ نَرحَلَ إلى الحَضَرِ لأجْلِ مَنْ يَعقِدُ لنا فقال رجلٌ منَّا : هذا الذي
يَرعَىْ جِمالَكُم فَقِيهُ خُراسان، فسَألوني عن أشياءَ ، فأَجَبتُهم وكلَّمتُهم بالعَربيّة ،
فخَجُلُوا واعْتَذَروا ، فعَقدتُ لهم العَقْدَ ، وقلتُ الخُطبَةَ فَفَرحوا وسَألوني أنْ أقبلَ منهم
شَيْئاً ، فامتنعتُ ، فحَملُوني إلى مَكة وسَط العام .
قال عبدُ الغافِرِ في ((تاريخِه)) هو وَحيدُ عَصرِهِ فِي وَقِتِهِ فَضلاً وطَرِيقَةً وزُهداً
ووَرَعاً ، من بيتِ العِلمِ والزُّهدِ ، تَفَقَّهَ بأبيه، وصارَ من فُحولِ أهلِ النَّظَر وأخذَ يُطالِعُ
كتبَ الحَديثِ، وحَجَّ ورَجعَ وتَركَ طَريقَته التي ناظَر عليها ثلاثينَ سَنةً وَتَحوَّلَ شافِعِيَّاً ،
وأظْهرَ ذلك في سنة ثمانٍ وستِّين ، فاضْطَربَ أهلُ مَرْو ، وتَشْوَّشَ العَواتُ ، حتى وَرَدَت
الكُتبُ من الأميرِ بَلْخ ، في شأنِهِ والتَّشْديدِ عليه فخَرجَ من مَرْوَ وفي خدمته عدَّة من
الفُقهاء ، فصارَ إلى طُوسَ ، وقَصدَ نيسابُورَ فاسْتَقبَله الأصْحابُ اسْتقبالاً عظيماً أيَّام
نِظامِ المُلك، وعَميدِ الحَضرة أبي سَعد، فأكْرَموه ، وأُنزِلَ في عِزِّ وحِشْمَة وعُقْدَ له
مَجْلَسُ التَّذكيرِ في مَدرسة الشَّافعيّة ، وكان بَحْراً في الوَعْظِ ، حافِظاً فظَهرَ له القَبولُ ،
واسْتحكَمَ أمرُه في مَذهَبِ الشَّافعيِّ، ثم عادَ إلى مَرْوَ ، ودرَّسَ بها في مدرسة
الشَّافعيّة، وقدَّمه النِّظامُ على أقْرانِهِ، وظَهرَ له الأصْحابُ، وخَرجَ إلى أصْبَهانَ ، وهو
في ارْتِقاء .
تُوفِّيَ سنةً تسعٍ وثمانين وأربع مئة عاشَ ثلاثاً وستِّينَ سنةً رَحمَه الله(١).
(١) انظر السير: (أبو مُظَفَّر السَّمْعاني) ١١٤/١٩-١١٩، وانظر النزهة: ٣/١٤٦٧.
١١٣

الكتابةُ والكتُب
١ - الكتابةُ قَيِدٌ للمَعْلومات :
قال عبدُ الرزَّاق: أنبأنا مَعْمَرُ بنُ راشِد قال : حَدَّثتُ يَحْيَى بنَ أبي كثير بأحاديث
فقال : اكتُبْ حَديثَ كذا وكذا فقلتُ : أما تَكْرَهُ أنْ تَكتُبَ العلمَ يا أبا نَصْر ؟ فقال :
اكتُبْه لي فإنْ لمْ تَكنْ كتبتَ فقد ضيَّعتَ أو قال: عَجزتَ(١) .
٢ - نشأةُ الكتابَة العَربيّة :
قال ابنُ خلِّكان : رَوى الكلبيُّ والهَيثمُ بنُ عَديّ أنَّ النَّاقِلَ للكتابَة العَربيّة من الحِيرَةِ
إلى الحِجازِ هو حَرْبُ بنُ أُمَيَّةٍ فقيل لأبي سُفيانَ : مِمَّنْ أخذَ أَبُوكَ الكتابَةَ ؟ قال : من
ابنِ سدْرة ، وأخبرَه أنَّه أخذَها من واضِعِها مرامر بنِ مُرَّة ، قال: وكانت لحِمْيَر كتابةٌ
تُسمَّى المُسْنَدِ، حُروفُها مُنفَصِلَةٌ ، غيرُ مُتَّصلَة ، وكانوا يَمْنعونَ العامَّةَ من تَعلُّمِها ،
فلمَّا جاءَ الإسْلامُ ، لمْ يَكُنْ بجَميعِ اليَمنِ مَنْ يَقرأُ ويَكتبُ .
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا فيه نَظَرٌّ، فقد كان بها خَلقٌ من أحْبارِ اليهود يَكُبون
بالعِبْراني ، إلى أنْ قالَ : فجَميعُ كتاباتِ الأُمَمِ اثْنَتَا عشرةَ كتابةً ، وهي : العَرَبيَّة ،
والحِمْيَريَّةِ ، واليُونانيَّة ، والفارِسيّة ، والرُّوميَّة والسُّرْيانيَّة ، والقِبْطيّة، والبَرْبَرِيَّة ،
والأنْدَلُسيّة، والهِنْدِيَّة، والصِّينيّة، والعِبْرانيّة فخَمسٌ منها ذَهَبَت : الحِمْيَريَّة ،
واليُونانِيَّة ، والقِبْطيّة، والبَرْبَريَّة، والأَنْدَلُسيّة وثلاثٌ لا تُعرَف ببلادِ الإسْلام : الرُّومِيّة
والصِّينِيَّة ، والهِنْدِيَّة (٢).
(١) انظر السير: (مَعْمَر بن راشد) ٧/ ٥-١٨، وانظر النزهة: ٤/٦٧١.
(٢) انظر السير: (عليٌّ بنُ هلال بنُ البوَّاب) ٣١٥/١٧-٣٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٣٤٣.
١١٤

٣- کیف کتب النبيُّ صلی الله عليه وسلم اسْمَه يوم الحديبية مع كونه صلی الله عليه وسلم
أُميّاً :
قال محمدُ بنُ يَحْيَىُ بنُ مَنْدة: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي النَّضْر، حذَّثنا أبو عَقيل
الثَّقفي، حدَّثنا مُجالِدٌ، حدَّثنا عَونُ بنُ عبدِ الله ابنُ عُتْبَة، عن أبيه قال: (( مَا مَاتَ
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حَتّى قَرأَ وكَتَب))(١)، (٢).
قال الإمامُ الذهبيُّ: لمْ يَردْ أنَّه صلى الله عليه وسلم ، كَتبَ شَيئاً ، إلاَّ ما في
((صَحيح البُخاريّ)) من أنَّه يومَ صُلحِ الحُدَيْبَة كتبَ اسْمَه (( مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله )) واحْتجّ
بذلك القاضي أبو الوَليد الباجي ، وقام عليه طائفةٌ من فُقَهاء الأنْدَلُس بالإنكار ،
وبَدَّعُوه حتى كفَّرِه بعضُهم، والخَطبُ يَسير، فما خَرجَ عن كَونه أمّاً بكتابة اسْمِه
الكَريم ، فجماعَةٌ من المُلوك ما عَلموا من الكتابة سِوىَ مجرد العَلامَة ، وما عدَّهم
الناسُ بذلك كاتبين ، بل هم أميُّون فلا عِبرَة بالنَّادِر، وإنَّما الحُكمُ للغالب ، والله
تَعالَى فمن حِكمته لم يُلهِم نَبِيَّه تَعلُّم الكتابة ، ولا قراءة الكُتب حَسماً لماذَة المُبطِلین ،
كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَمْعُ بِيَمِنِكٌَ إِذَا لََّرْتَابَ
اُلْمُبْطِلُونَ﴾(٣).
ومع هذا فقد افْتروا وقالوا: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾(٤).
فانظر إلى قِحَة المُعانِد ، فمَنِ الذي كان بمكة وقت المَبْعَث يَدري أخبارَ الرُّسُل
والأمم الخالية ؟ ما كان بمكة أحدٌ بهذه الصِّفَة أصْلاً ، ثم ما المانع من تَعلُّم النبيِّ
صلى الله عليه وسلم ، كتابة اسمِهِ واسمٍ أبيه مع فَرْطِ ذَكائه وقوَّة فَهمه ، ودَوام مُجالَسته
لمن يَكتُب بين يديه الوَحْي والكُتبَ إلى مُلوك الطَّوائف، ثم هذا خاتَمُه في يده
(١) إسناده ضعيف لضعف مجالد - وهو ابن سعيد الهمداني الكوفي، وأورده الحافظ في ((الفتح))
(٣٨٦/٧ -٣٨٧)، وقد تحرف في مجالد إلى مجاهد ونسبه لابن أبي شيبة ، وضعَّفه .
(٢) انظر السير: (ابن مَنْدَة) ١٨٨/١٤ -١٩٣، وانظر النزهة: ٢/١١٤٠.
(٣) سورة العنكبوت ، الآية : ٤٨.
(٤) سورة الفرقان ، الآية : ٥ .
١١٥

ونَقْشُه : محمَّدٌ رسُولُ الله فلا يَظُنُّ عاقلٌ أنَّه عليه السلام ما تَعقَّل ذلك، فهذا كلُّه
يقتضي أنَّه عرف كتابة اسمِه واسم أبيه، وقد أَخْبِرَ اللهُ بأنَّه - صَلواتُ الله عليه - ما كان
يَدري ما الكتابُ ؟ ثم علَّمَه اللهُ تعالى ما لم يكنْ يَعلم ، ثم الكتابة صِفَةُ مَدْح ، قال
تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمْ الْإِنْسَنَ مَا لَزَّيََّمْ﴾(١).
فلمَّا بلَّغَ الرسالة ، ودخلَ النَّاسُ في دين الله أفْواجاً ، شاءَ اللهُ لنبيِّه أنْ يَتعلَّمَ الكتابَة
النادِرَة التي لا يخرج بمثلها عن أنْ يكونَ أُميّاً ثم هو القائل ((إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكتُبُ
ولا نَحْسِبُ)) ، فصدَق إخبارُه بذلك، إذِ الحكمُ للغالب ، فنَفى عنه وعن أمَّتِهِ الكتابة
والحِسابَ لنُدرَة ذلك فيهم وقلَّته ، وإلاَّ فقد كان فيهم كُتَّاب الوَحْي وغير ذلك ، وكان
فيهم مَنْ يَحْسِبُ وقال تعالى: ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلِسِِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾(٢).
ومن علَّمَهم الفَرائضَ وهي تَحْتَاجُ إلى حساب وعَوْل ، وهو عليه السلام فتَفى عن
الأمَّة الحسابَ، فعَلِمْنا أنَّ المَنفيَّ كَمالُ علم ذلك ودَقائقه التي يقومُ بها القِطُ
والأوائل ، فإنَّ ذلك ما لَمْ يَحْتَجْ إليه دينُ الإسْلامِ ولله الحَمدُ ، فإنَّ القِطَ عَمقوا في
الحساب والجَبْر، وأشياء تُضيِّعُ الزَّمان وأربابُ الهَيئة تكلَّموا في سَيرِ النُّجومِ والشَّمسِ
والقَمرِ ، والكُسوف والقِران(٣) بأمور طَويلة لمْ يأتِ الشَّرعُ بها، فلمَّا ذكرَ صلى الله
عليه وسلم الشُّهورَ ومَعرفَتَها ، بيَّنَ أنَّ مَعرِفَتَها ليسَت بالطُرقِ التي يَفعلُها المُنَجِّم
وأصْحابُ التَّقويم ، وأنَّ ذلكَ لا نَعبأُ به في دِينِنا ، ولا نَحسِبُ الشَّهرَ بذلك أبداً ثم بَيَّنَ
أنَّ الشَّهرَ بالرُّؤْيَة فقط، فيكونُ تسعاً وعشرين ، أو بتكملَة ثلاثين فلا نَحتاجُ مع الثلاثين
إلى تكلُّفِ رُؤية .
وأمَّا الشِّعرُ : فنزَّهَه اللهُ تَعالَى عن الشِّعرِ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى
لَمْ﴾ (٤).
(١) سورة العلق، الآيتين: (٤ - ٥).
(٢) سورة الإسراء ، الآية : ١٢ .
(٣) يعني قِرِانَ الكَواكب.
(٤) سورة يس ، الآية : ٦٩ .
١١٦

فما قال صلى الله عليه وسلم الشِّعرَ مع كثرَته وجَودَته في قُريش وجَرَيانِ قَرائحِهم
به ، وقد يَقعُ شيءٌ نادِرٌ في کَلامِه - عليه السلام - مَوْزوناً فما صارَ بذلك شاعراً قَطّ .
کقوله صلی الله عليه وسلم :
أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ
أنا النَّبيُّ لا كَذِبْ
وقوله صلى الله عليه وسلم :
وفي سَبيلِ اللهِ ما لَقِيتٍ
هَلْ أَنْتِ إلَّ إِصْبعٌ دَميتِ
ومثلُ هذا قد يَقعُ في كُتْبِ الفِقْهِ والطِّبِّ وغير ذلك ممَّا يقعُ اتَّفاقاً ولا يَقصِدُه
المؤلِّفُ ولا يَشعرُ به، أفيَقولُ مُسْلمٌ قَطُ: إنَّ قولَه تَعالَى: ﴿وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ
رَّاسِيَاتٍ﴾(١) هو بَيْتٌ؟! مَعاذَ الله! وإنَّما صادَفَ وَزْناً في الجُمَلَة، واللهُ أعْلم(٢) .
وقال القاضي عياض: ولمَّا تَكلَّمَ أبو الوليد ، سُليمانُ الباجيُّ ، في حَديثِ الكتابَة
يَومَ الحُدَيبيَة الذي في (( صَحيح البُخاري))، قال بظاهِرٍ لفظِه، فأنْكُرَ عليه الفَقيهُ
أبو بكر بنُ الصَّائغ وكفَّره بإجازَتِهِ الكَتْبَ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم النَّبيُّ
الأُميُّ وأنَّ تَكذيبٌ للقُرآن، فتَكلَّمَ في ذلك مَنْ لمْ يَفهَمِ الكَلامَ ، حتى أطلقوا عليه
الفِتنةَ، وقبَّحوا عند العامَّة ما أتى به، وتكلَّمَ به خُطباؤُهم في الجُمَع ، وقال
شاعرهم :
وقالَ : إِنَّ رسولَ اللهِ قَدْ كَتَبا
بَرِئْتُ ممَّنْ شَرَىْ دُنْيا بآخِرَةٍ
فصنَّفَ القاضي أبو الوَليد رسالةً بيَّن فيها أنَّ ذلكَ غَيرُ قادِحٍ في المُعْجِزَةِ ، فرَجعَ بها
جَماعَةٌ .
قال الإمامُ الذهبيُّ : يَجوزُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَكتبَ اسْمَه ليسَ
إلاَّ، ولا يَخرجُ بذلك عن كونِهِ أُميَّاً ، وقد قال عليه السلام: (( إنَّا أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ لا نَكتُبُ
(١) سورة سبأ، الآية : ١٣.
(٢) انظر السير: (ابن مَنْدَة) ١٨٨/١٤ -١٩٣، وانظر النزهة: ٣/١١٤٠.
١١٧

ولا نَحْسِبُ)) أي لأنَّ أكْثَرَهم كذلك، وقد كان فيهم الكَتبَةُ قليلاً وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ
فِىِ الْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾(١) فقوله عليه السلام: ((لا نَحْسِبُ)) حَقٌّ، ومع هذا فكان يَعرفُ
السِّنينَ والحِسَابَ وقَسْمَ الفَيء، وقِسْمَةَ المَواريثِ بالحِسَابِ العَربيِّ الفِطْريِّ لا بحسَابِ القِبْطِ
ولا الجَبْرِ والمُقابلة ، بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم، وقد كان سَيِّدَ الأذكياء، ويَبعُدُ
في العادة أنَّ الذَّكيَّ يُمْلي الوَحِيَ وكُتَبَ المُلوك وغيرَ ذلك علىْ كُتَّابِهِ ، ويَرَى اسْمَه الشَّريفَ في
خاتَمِه ، ولا يَعرفُ هَيئةَ ذلك مع الطُولِ ، ولا يَخرجُ بذلك عن أُميّته، وبَعضُ العُلماءِ عَدَّ
ما كَتبَه يومَ الحُدَيبيَّة من مُعْجزاتِه ، لكَونِهِ لا يَعرفُ الكتابَةَ وَكَتَبَ(٢) .
٤ - المُصَنِّفُ يَعرِضُ عَقْلَه على النَّاس :
قال المُؤتمَنُ : كان الخَطيبُ البَغدادي يَقولُ : مَنْ صَنَّفَ فقد جَعلَ عَقلَه علىُ طَبقِ
يَعرِضُه على النَّاس(٣) .
٥ - عَدمُ المُراجَعة بعد الكتابة والتَّصْنيف خَطأ :
كان أبو الفرج ابنُ الجَوْزي كَثيرَ الغَلطِ فيما يُصنِّفُه فإنَّه كان يَفرَغُ من الكتابِ
ولا يعتبرُه .
قال الإمامُ الذهبيُّ : هكذا هو له أوْهامٌ وألْوانٌ من تَرك المُراجَعَة ، وأخذِ العِلمِ من
صُحْفٍ وصَنَّفَ شَيئاً لوْ عاشَ عُمراً ثانياً ، لما لَحِقَ أنْ يُحَرِّرَه ويُثْقِنَهَ(٤) .
٦ - الأُنْس بكتُب العِلم :
رُويَ أنَّ أبا عبدِ الرحمَن عبدَ الله العُمَرِي كان يَلْزَمُ المَقْبَرَة كَثيراً، ومعه كتابٌ
يُطالِعُه، ويقولُ: لا أَوْعَظَ من قَبْرٍ ، ولا آنَسَ من كتابٍ ، ولا أسْلمَ من وَحْدة (٥) .
(١) سورة الجمعة، الآية : ٢ .
انظر السير: ( أبو الوَليد الباجي) ٥٣٥/١٨_٥٤٥، وانظر النزهة: ٢/١٤٣٩.
(٢)
(٣) انظر السير: (الخطيب) ٢٧٠/١٨ -٢٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٤١٣.
انظر السير: ( أبو الفرج ابن الجَوْزي) ٢١/ ٣٦٥ - ٣٨٤، وانظر النزهة: ١/١٦٣٦.
(٤)
(٥) انظر السير: (العُمَريّ) ٣٧٣/٨ -٣٧٨، وانظر النزهة : ٢/٧٦٥.
١١٨

وعن نُعيمِ بنِ حمَّاد قال : كان عبدُ الله ابنُ المُبارَك يُكثِرُ الجُلوسَ في بَيْتِه ، فقيل
له : ألا تَسْتَوْحِش؟ فقال: كيف أسْتَوْحِشُ وأنا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم
وأصْحابِه ؟!(١)
٧ - اعْتناء بعض العامَّة بكتُب العِلم :
قال الإمامُ الذهبيُّ في ترجَمة أبي إبراهيم إسماعيلَ بنِ يَحْيِى المُزَنِيِّ : وامتلأتٍ
البلادُ بـ(( مُخْتصَرِهِ )) في الفِقْه، شَرحَه عدَّةٌ من الكبارِ بحيثُ يُقالُ : كانت البكْرُ يكونُ
في جَهازِها نُسخَةٌ بـ(( مُخْتَصَر)) المُزَنِيِّ.
قال الشَّافعيُّ : المُزَنِيُّ ناصِرُ مَذْهَبِي (٢).
٨- أخْذُ كتب في السّفر یُستعان بها :
قال ابنُ أبي ذُهل : سَمعتُ أبا العِبَّاس محمدَ بنَ عبد الرحمَن الدَّغُولي يقولُ :
أرْبَعُ مُجلَّداتٍ لا تُفَارِقُني في السَّفَر، والحَضَر ، وإذا خَرجتُ من البلدِ : كتابُ
المُزَنِيِّ، وكتابُ ((العَين))، و((تاريخُ البُخاريِّ)) وكتابُ ((كليلة ودِمْنَةَ))(٣).
٩ - مَكتبَة عَظيمَة :
قال الإمامُ الذهبيُّ في تَرجمَة أبي عبدِ الله محمّدٍ بنِ عبدِ الله المُرْسي: قرأتُ بخَطُّ
الكنديِّ في تَذْكرَته أنَّ كتبَ المُرْسي كانت مُودَعَةً بدِمَشْقَ ، فرسَمَ الشُّلطانُ بَبَيْعِها ،
فكانوا في كلِّ ثُلاثاءَ يَحملون منها جُملةً إلى دار السَّعادة ، ويَحضُرُ العُلماءُ ، وبيعَت في
نحوٍ من سَنة ، وكان فيها نَفَائس، وأحْرَزت ثمناً عَظيماً، وصنَّفَ تَفْسيراً كبيراً لمْ
يُتمَّه .
تُوقِّي المُرسيُّ سنة خمس وخمسين وستِّ مئة بالعَريش وهو مُتوجِّه إلى دِمَشقَ (٤).
(١) انظر السير: (عبد الله بن المبارك) ٣٧٨/٨ -٤٢١، وانظر النزهة : ٢/٧٦٦.
(٢) انظر السير: (المُزَنيّ) ١٢/ ٤٩٢-٤٩٧، وانظر النزهة: ٥/١٠٢٣.
(٣) انظر السير: (الدَّغوليّ) ٥٥٧/١٤-٥٦٢، وانظر النزهة: ٢/١١٧٣.
(٤) انظر السير: (المُرْسي) ٣١٢/٢٣-٣١٨، وانظر النزهة: ٢/١٧٣٨.
١١٩

١٠ - مَكتبَة تَعفَّنَت بسَبب الرُّطوبة والتَّرك :
قال الحافظُ زَكيُّ الدِّين عبدُ العَظيم: كان السِّلَفَيُّ مُغْرىّ بجَمع الكُتب والاستكثارِ
منها وما كان يَصلُ إليه من المال كان يُخرِجُه في شِرائها ، وكان عندَه خَزائنُ كُتبٍ ،
ولا يَتَفرَّغُ لِلنَّظرِ فيها، فلمَّا ماتَ وَجدوا مُعظَم الكتب في الخَزائن قد عَفنتْ، والتَصقَ
بعضُها ببعض لنَداوَة الإسْكندَرَّة، فكانوا يَستخلِصُونَها بالفأسِ، فَتَلْفَ أكثَرُها (١).
١١ - بَعضُ مَنْ اعتَنَى بالكتُبِ وتَحْصيلِها :
وكان المُسْتنصِرُ بالله جيِّدَ السِّيرة ، وافِرَ الفَضيلة ، مُكرماً للوافدين عليه ، ذا غَرام
بالمُطالَعة وتحصيلِ الكُتب النَّفيسَة الكثيرة حقِّها وباطلِها بحيثُ أنَّها قارَبت نحواً من
مئتَي ألف سِفْر ، وكان يَنْطَوي على دين وخَير(٢) .
وكان باذِلاً للذَّهبِ في اسْتجلابِ الكُتب ، ويُعطي مَنْ يتَّجِرُ فيها ما شاء حتى ضاقَت
بها خَزائنُه ، لا لذَّة في غير ذلك(٣) .
وقال محمدُ بنُ عبد المَلك : مَلكَ من الكتب ما لم يملكْهُ أحدٌ قيلَ : ابتاعَها من
مِصْرَ بالخُبزِ وقتَ القَخْطِ ، وحذَّثني عبدُ المحسن بنُ محمد أنَّه ابتاعَها بالأثْمان
الغاليَة ، كان يَبتاعُ من كتب السيرافيِّ وكانت أزيدَ من أربعين ألف مُجلَّد ، فكان
أبو يوسف يشتري في كل أسبوع بمئة دينار ، ويقول : قد بعتُ رَحْلي وما في بيتي
وكان الرُّؤساء يَصِلونَه (٤) .
١٢-مَنْ وَصی بكتبه :
قال سَلَمَةُ بنُ واصِل : مات أبو قِلابَة رَحمَه الله بالشَّام ، فأوْصَىْ بكتبه لأُوبَ
السِّخْتياني فحُملت إليه(٥) .
(١) انظر السير: (السِّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٤/١٥٩٣.
(٢) انظر السير: (المُسْتَنْصِر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٠.
(٣) انظر السير: (المُسْتَنْصِر) ٢٣٠/١٦ -٢٣١، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٠.
انظر السير: ( أبو يوسف القَزْوينيّ) ٦١٦/١٨ -٦٢٠، وانظر النزهة: ١/١٤٤٩.
(٤)
(٥) انظر السير: ( أبو قلابة) ٤٦٨/٤- ٤٧٥، وانظر النزهة: ٧/٥٣٤.
١٢٠