Indexed OCR Text
Pages 61-80
وأَوْصِلْ إليهم حُقوقَهم فطأطأ رأسَه ، فقال أبو عُبَيّد الله: أيُّها الرَّجلُ ارْفَعْ إلينا حاجَتَك قلتُ : وما أرْفَع ، حدَّثَنَا إِسْماعيلُ بنُ أبي خالد ، قال : حَجَّ عُمرُ ، فقالَ لخازِنِه : كمْ أنْفَقْتَ؟ قال: بِضْعَةَ عشرَ دِرْهَماً وإنِّي أرى ها هُنا أُمُوراً لا تُطيقُها الجبالُ(١). الدُّخولُ عليهم لقضاء حاجات النَّاس وأمْرِهم بالمَعْروف ونَهِهِم عن المُنكر : عن رجاءٍ بِنِ حَيْوَة ، قال : كُنتُ واقفاً على بابٍ سُليمانَ إذْ أتاني آتٍ لمْ أَرَه قبلُ ولا بَعدُ ، فقال : يا رَجاء ، إنَّك قد ابتُليتَ بهذا وابتُلي بك، وفي قُرِبِهِ الوَتَغُ (٢) ، فَعَليك بالمَعروفِ وعَونِ الضَّعيفِ ، يا رَجاء ، مَنْ كانت له مَنزِلةٌ من سُلطان ، فرَفعَ حاجّةَ ضَعيفٍ لا يَستطيعُ رَفْعَها ، لَقِيَ اللهَ وقد شَدَّ قَدمَيه للحِسابِ بين يَدَه . قال الذهبيُّ : كان رَجاء كَبِيرَ المَنزِلَة عندَ سُليمانَ بنِ عبدِ المَلك، وعندَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيز ، وأجْرَى اللهُ على يَدَيه الخَيرات ثم إنَّه بَعدَ ذلكَ أُخِّرَ ، فَأَقْبلَ على شأنِه (٣). وقال الأصْمَعيُّ : دَخلَ عَطاءُ بنُ أبي رَباح على عبدِ المَلك ، وهو جالسٌ على السّرير، وحَولَه الأشْرافُ، وذلك بمَكة في وقتِ حَجِّه في خِلافَتِهِ ، فلمَّا بَصُر به عبدُ المَلك ، قامَ إليه فسلَّمَ عليه، وأجْلَسَه معه على السَّريرِ، وقَعدَ بينَ يَدَيْه، وقالَ: يا أبا مُحمَّد : حاجَتُك؟ قال: اتَّقِ اللهَ في حَرَمِ اللهِ وحَرَمِ رَسولِهِ ، فَتَعاهَدْه بالعِمارَة ، واتَّقِ اللهَ في أوْلادِ المُهاجِرينَ والأَنْصار ، فإنَّكَ بهم جَلسَتَ هذا المَجْلس ، واتَّقِ اللهَ في أهْلِ الثُّغور ، فإنَّهم حِصْنُ المُسلمين، وتَفَقَّد أمُورَ المُسلمينَ ، فإنَّكَ وَحْدَك المَسْؤُولُ عَنهم ، واتَّقِ اللهَ فيمَنْ على بابِك ، فلا تَغْفُل عنهم ، ولا تُغلقْ دُونَهم بابَك ، فقال له : أَفْعِلُ ، ثم نَهضَ وقامَ ، فقَبضَ عليه عبدُ المَلك وقالَ: يا أبا مُحمَّد! أَنما سَألْتَنا خَوائجَ غَيرِك ، وقد قَضَيناها ، فما حاجَتُك ؟ قال : ما لي إلى مَخْلوقٍ حاجَة ، (١) انظر السير: (سفيان الثَّوْري) ٢٢٩/٧ -٢٧٩، وانظر النزهة: ٤/٦٩٨. (٢) الوَتَغ : الهَلاك . (٣) انظر السير: (رَجاء بن حَيْوَة) ٥٥٧/٤ - ٥٦١، وانظر النزهة: ٦/٥٥٨. ٦١ ثم خَرجَ، فقال عبدُ المَلك: هذا وأبيك الشَّرفُ، هذا وأبيك السُّؤْدُد(١). وجاء في ترجمة الإفريقي ، قال الذهبيُّ: هو عبدُ الرَّحمَن بنُ زِياد ابنُ أنْعم ، الإمامُ، القُدوَةُ، شَيخُ الإسْلام، أبو أيُوبَ الشَّعباني الإفْريقي، قاضي إقْرِيقية وعالِمُها ، ومُحدِّثُها على سُوءِ حِفظِه . قال إسماعيلُ بنُ عيّاش : وَلِيَ السَّفَاحُ فَظَهرَ جَورٌ بإفريقية، فوَفِدَ ابنُ أنْعُم على أبي جَعْفرَ مُشْتَكياً ثم قال : جئتُ لأُعْلمَك بالجَوْرِ بِبَلِدِنا فإذا هو يَخرجُ من دارِك! فَغَضبَ وهمَّ به وقيل: قال له : كيف لي بأعْوان ؟! قال : أفليس عُمرُ بنُ عبد العَزيز كان يقولُ : الوالي بمَنزلةِ السوقِ يُجلَبُ إليه ما يُنفَقُ فيه؟ فأطْرَقَ طَويلاً ، فأومأ إليَّ الرَّبيعِ الحاجبِ بالخُروج . قال الذهبي : تُوفِّي سنة ست وخمسين ومئة وكان الثَّوْري يُعظُّمُه جداً(٢). تَعليمُهم والجَوابُ على أسْئلتِهم : قال أبو مُصْعَب : سَمعتُ مالكاً يقول : دَخلتُ على أبي جَعْفَر أميرِ المؤمنين ، وقد نزل على مثالٍ له - يَعني فرشه - وإذا على بساطِهِ دابتان ما تَروثان ولا تَبولان ، وجاء صَبِيٌّ يَخرجُ ثم يَرجعُ ، فقال لي : أتَدْري مَنْ هذا؟ قلتُ : لا قال : هذا ابني ، وإنَّما يَفزَعُ من هَيبتك، ثم ساءَلني عن أشياء منها حَلالٌ ومنها حَرامٌ ، ثم قال لي : أنتَ - والله - أعْقَلُ النَّاسِ، وأعْلمُ النَّاس قلتُ: لا والله يا أميرَ المؤمنين قال: بلى ولكنك تكتم ثم قال : والله لئن بقيتُ لأكْتُبَنَّ قَولَك كما تُكْتَبُ المَصاحف ، ولأبْعَثَنَّ به إلى الآفاق ، فلأحْمِلنَّهم عليه(٣) . وعن عُمر بنِ المحَبِّرِ الرُّعَيني ، قال : قَدَمَ المَهْدِي المَدينةَ ، فَبَعثَ إلى مالك ، فأتاه ، فقال لهارُون ومُوسَى: اسْمَعا منه ، فبَعثَ إليه، فلم يُجبْهما، فأعْلَما المَهْدي ، فكلمَه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، العلمُ يُؤتَى أهلُه ، فقال : صَدقَ (١) انظر السير: (عطاء بن أبي رباح) ٧٨/٥ -٨٨، وانظر النزهة: ١/٥٨٣. (٢) انظر السير: (الإفريقي) ٤١١/٦ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/٦٦٧. (٣) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ١/٧٢٧. ٦٢ مالكٌ، صِيرا إليه ، فلمَّا صارا إليه ، قال له مُؤدِّبُهما : إقرأ عَلينا فقال: إنَّ أهلَ المَدينة يَقرؤون على العَالِم ، كما يَقْرأ الصِّبْيانُ على المُعلم، فإذا أخْطَؤوا ، أفْتَاهُم فرَجَعُوا إلى المَهْدي ، فبعث إلى مالك، فكلمَه ، فقالَ : سَمعتُ ابنَ شِهاب يقول : جَمَعنا هذا العلمَ في الرَّوْضَة من رجالٍ ، وهم يا أميرَ المؤمنين: سَعيدُ بنُ المُسَيِّب ، وأبو سَلمَة ، وعُرْوَةُ ، والقاسِمُ ، وسَالِمُ ، وخارِجَةُ ابنُ زَيْد ، وسُليمان بنُ يَسار ، ونافعٌ، وعبدُ الرحمن بنُ هُرْمز، ومِن بعدِهم : أبو الزِّناد ، ورَبِيعَة، ويَحْيَى بن سَعيد ، وابن شِهاب ، كلُّ هؤلاء يُقرأ عليهم ولا يَقرؤون ، فقال : في هؤلاء قُدوَة ، صِيروا إليه فاقرؤوا عليه ففَعلوا(١) . ( ب) عَدمُ الدُّخولِ عَليهم وحَثُّ بَعضِهم بَعضاً على ذلك: قال جَعفَرُ بنُ بَرْقان : حدَّثنا مَيْمونُ بنُ مَهْران ، أنَّ عامرَ بنَ عبد قَيس ، بعثَ إليه أميرُ البَصْرَة: ما لَكَ لا تَأْكلُ الجُبنَ ؟ قال: إنَّا بأرضٍ فيها مَجُوسٌ، فما شَهدَ مُسْلِمان أنْ ليس فيه مَيْتَة أكلتُه قال: وما يَمنعُك أنْ تأتي الأُمَراء ؟ قال : إنَّ لدَى أبوابِكم طُلَّبُ الحاجات ، فادعوهم واقضُوا حاجاتِهِم، ودَعوا مَنْ لا حاجَةَ له إليكم(٢). وعن شَقيقٍ قال : كان ابنُ زياد يَراني مع مَسْروق فقال : إذا قَدِمتَ فالْقَني ، فأتيتُ عِلْقَمة فقالَ : إِنَّكَ لمْ تُصِبْ من دُنياهم شيئاً إلاَّ أصابوا من دِينِك ما هو أفضلَ منه ، ما أُحبُّ أنْ لي مع ألْفَيَّ ألفَين وإني أكرمُ الجُندِ عليه(٣). وقال فُضَيلُ بنُ جَعْفر : خَرجَ الحَسنُ البَصْريُّ من عند ابن هُبَيرة فإذا هو بالقُرَّاء على الباب فقال : ما يُجلِسُكم ها هنا؟ تُريدون الدُّخولَ على هؤلاء الخُبَثاء ، أما والله ما مُجالَسَتُهم مُجالَسَةُ الأبرار ، تَفَرَّقوا فرَّقَ اللهُ بين أرواحِكم وأجْسادِكم ، فقد فَرْطَحْتُمْ (٤) نِعالَكُم، وشَمَّرْتم ثِيابَكُم، وجَزَزْتم شُعورَكم، فضَحْتمُ القُرَّاءَ (١) انظر السير: (مالك الإمام) ٤٨/٨-١٣٥، وانظر النزهة: ٣/٧٢٧. (٢) انظر السير: (عامر بن عبد قيس) ١٥/٤ - ١٩، وانظر النزهة: ٢/٤٣٤. (٣) انظر السير: (علقمة) ٥٣/٤- ٦١، وانظر النزهة: ٤/٤٤٣. (٤) كل شيء عرّضته فقد فرطَحْتَه . ٦٣ فضَحَكم اللهُ، واللهِ لوْ زَهِدْتُم فيما عِندَهم، لرَغِبوا فيما عِندَكم ، ولَكنَّكم رَغِيْتم فيما عندهم فزَهَدوا فيكم ، أبْعدَ اللهُ مَنْ أبعد(١). وقال التبوذكي : سَمعتُ حمَّادَ بنَ سَلمَة يقولُ : إنْ دَعاكَ الأميرُ لتَقرأَ عليه (قل هو الله أحد) فلا تأتِهِ (٢). وعن ابنِ القاسِم قال: ليسَ في قُربِ الؤُلاةِ ولا في الدُّنوِّ منهم خَير (٣). مَنْ كان يَرفُض العِلاجَ حتى لا يَبرأ فيدخُل عليهم : حَكى العِزُّ - أخو ابنِ الأثير - قال: جاءَ مَغربيٌّ عالجَ أخي بدُهْن صَنعَه ، فبانَت ثَمرتُه، وتَمَّن من مَدِّ رجلَيه، فقال لي : أعْطِهِ ما يُرضيه واصْرِفه ، قلتُ : لماذا وقد ظَهرَ النُّجْحُ ؟ قال : هو كما تقولُ ، ولكنِّي في راحة من تَرْكِ هؤلاء الدَّولَة ، وقد سَكنتْ نَفَسي إلى الانْقطاع والدَّعَة ، وبالأمْسِ كنتُ أَذَلُّ بالسَّعْي إليهم ، وهنا فما يَجيئُوني إلاَّ فِي مَشُورَة مُهمَّة ، ولمْ يَبقَ من العُمرِ إلاَّ القَليل(٤) . تَغْییرُ مَنْ دَخلَ عليهم واتِّهامُهم : وعن هشامٍ بنِ عباد ، سَمعتُ جَعفرَ بنَ محمّد يقولُ: الفُقَهاءُ أمناءُ الرُّسُل ، فإذا رأيتُمْ الفَقَهَاءَ قَدَ رَكَنوا إلى السَّلاطين، فاتَّهِموهم(٥) . عَدُّهم الدُّخول على السَّلاطين خُذلاناً من الله : قال بِشْرُ بنُ الحارث : سَمعتُ المُعافَى يقولُ: سَمعتُ الثَّوريَّ يقولُ : إذا لمْ يَكُن لله في العَبدِ حاجَةٌ ، نَبَذَهُ إلى السُّلطان(٦). (١) انظر السير: ( الحَسن البصري) ٥٦٣/٤-٥٨٨، وانظر النزهة : ٤/٥٦٣. (٢) انظر السير: ( حمّاد بن سَلمة) ٧/ ٤٤٤-٤٥٦، وانظر النزهة : ٦/٧١٥. (٣) انظر السير: ( عبد الرحمن بن القاسم ) ٩/ ١٢٠ - ١٢٥، وانظر النزهة: ٥/٨٠٥. انظر السير: ( ابنُ الأثير) ٣٥٣/٢٢ -٣٥٦، وانظر النزهة : ١/١٦٥٥. (٤) (٥) انظر السير: (جعفر بن محمد) ٢٥٥/٦ - ٢٧٠، وانظر النزهة: ٥/٦٤٧. (٦) انظر السير: (المُعافَى) ٨٠/٩-٨٦، وانظر النزهة: ٤/٨٠٠. ٦٤ وقال عبدُ الله بنُ المُعْتَزِّ بالله : أشْقَى النَّاسِ أقْرَبُهم من السُّلطان، كما أنَّ أَقْرَبَ الأشْياءِ من النَّار أسْرَعُها احْتِراقاً(١) . الانْزِعاجُ إذا عَلموا أنَّ الأميرَ عَرفَهم : قال الحَسَنُ بنُ الرَّبيع : قُرىءَ كتابُ الخَليفة إلى ابنِ إذْرِيسَ ، وأنا حاضرٌ : من عبدِ الله هارونَ أميرِ المؤمنين إلى عبدِ الله بنِ إذْريس ، قال : فَشَهِقَ ابنُ إدريس شَهْقةٌ ، وسَقطَ بعد الظُّهْر ، فقُمنا إلى العَصر، وهو على حاله ، وانتَبَه قُبيلَ المَغرب ، وقد صَبْنا عليه الماءَ فلا شيء قال: إنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون ، صارَ يَعرفُني حتى يَكتُبَ إليَّ! أُّ ذَنبٍ بلغَ بي هذا ؟! مات ابنُ إدْريس بالكُوفَة سنة اثنتين وتسعين ومئة(٢). أقوالٌ بَليغة تُحذِّرُ من مُخالطة الشُّلطان : قال عبدُ الله بنُ المُعْتَزِّ بالله : مَنْ شَارَكَ السُّلطانَ في عِزِّ الدُّنيا ، شارَكَه في ذُلِّ الآخِرَة(٣) . وكان ابنُ الحَدَّاد يقولُ : القُربُ من السُّلطانِ فِي غَيرِ هذا الوَقتِ حَتْفٌ من الخُتوف فكيف اليوم ؟!(٤) . (ج ) عَدمُ قَبول أمْوالِهم وعَطاياهم : قال إبراهيمُ بنُ محمّد بنُ المُنْتَشِرِ : أَهْدَى خالدُ بنُ عبد الله ابنُ أُسَيْد عاملُ البَصْرة إلىْ عَمَّي مَسْروق ثلاثين ألفاً وهو يومئذ مُحْتَاجٌ فَلَمْ يَقبَلُها(٥) . وقال أحمدُ بنُ شَبُّويه : حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق قال : أكلَ مَعْمَرُ ابنُ راشِد من عند أهلِه (١) انظر السير: (عبد الله بن المُعْترِّ بالله) ١٤/ ٤٢-٤٤، وانظر النزهة: ٧/١١٢٨. (٢) انظر السير: (عبد الله بن إدريس) ٩/ ٤٢-٤٨، وانظر النزهة : ٤/٧٩٦. (٣) انظر السير: (عبد الله بن المُعْتزّ بالله) ١٤/ ٤٢-٤٤، وانظر النزهة: ٨/١١٢٨. (٤) انظر السير: (ابن الحدَّاد) ٢٠٥/١٤-٢١٤، وانظر النزهة: ١/١١٤٦. (٥) انظر السير: (مَسْروق) ٦٣/٤ -٦٩، وانظر النزهة: ٤/٤٤٥. ٦٥ فاكِهَةً ثم سألَ فقيلَ : هَديّةٌ من فُلانَة النوَّاحَة فقامَ فتَقيَّأ وبَعثَ إليه مَعْن والي اليَمَن بذَهبٍ فرَدَّه وقال لأَهْلِه : إنْ علمَ بهذا غَيرُنا لمْ يَجتَمعْ رأسي ورأسُك أبداً . مات مَعْمَرُ بنُ راشِد سَنةَ أربع وخمسين(١) . وبَعثَ ابنُ طاهِر حين ماتَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَل بأكْفانٍ وحَنوطٍ ، فأبى ابنُه صالِح أنْ يَقْبَلَه وقال: إنَّ أبي قد أَعَدَّ كَفْنَه وحَنوطَه، ورَدَّه، فراجَعَه ، فقال: إنَّ أميرَ المؤمنين أعْفَى أبا عبدِ الله ممَّا يَكْرَه، وهذا ممَّا يَكْرَه، فَلَسْتُ أقْبلُه (٢) . وقيل : إنَّ المُكتَفي أراد أَنْ يُحَبِّسَ وَقفاً تَجتمعُ عليه أقاويلُ العُلماء فأُحْضِرَ له ابنُ جَرير الطَّبَرِي ، فَأَمْلَى عليهم كتاباً لذلك ، فأُخْرِجَت له جائزةٌ ، فامْتَنَعَ من قَبولها ، فقيل له : لا بُدَّ من قضاء حاجَة قال: أسألُ أميرَ المؤمنين أنْ يَمْنعَ السُّؤالَ يومَ الجُمعَة ففعلَ ذلك(٣) . وذكرَ عُمرُ بنُ عَفيف يَحْيَى بنَ مُجاهد، فقال : كان من أهلِ العِلم والزُّهْد والتَّقَشُّف والعِبادة، وجَميل المَذْهَب ، لمْ تَرَ عَيني مثلَه في الزُّهْد والعِبادة ، يَلبسُ الصُّوفَ ، ويَمشي حافياً مَرَّة، ويَنْتعلُ مَرَّة فحَذَّثني محمدُ بنُ أبي عُثْمان ، عن أبيه أنَّ الحَكم المُسْتَنِصِر بالله أحبّ أنْ يَجتمعَ بَيَخْيَى بنِ مُجاهد الزَّاهد ، فلمْ يَقدِر عليه ، ووَجَّه إليه مَنْ يَتلطّفُ به ويَستَعطِفُه ، فقال: ما لي إليه حاجَة وإنَّما يَدخلُ على السُّلطان الوُزَراءُ، وأهلُ الهَيئة، وأيش يَعملُ بأصْحابِ الأطْمارِ الرَّثَّة، فوَجَّه إليه الحَكمُ جُبَّةَ صُوف وغَفَّارَة وقَميصاً من وَسَط الثِّاب ودَنانيرَ ، فلمَّا نَظَرَ إليها قال : ما لي ولهذه ؟ رُدُّوها على صاحِبها ، ولئن لمْ يَتركُوني سافَرْت ، فيَسَ من لقائِه وتَركَه ، وكان يجلسُ إلىْ مُؤدِّب بالجامِعِ يأَسُ به . تُوقِّي ابنُ مُجاهد سَنة سِتٍّ وستين وثلاثٍ مئة وهو ابنُ سَبعين سَنة أو نَحْوها(٤). (١) انظر السير: (مَعْمَر بن راشد) ٥/٧-١٨، وانظر النزهة: ٦/٦٧١. (٢) انظر السير: ( أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٢٦. (٣) انظر السير: (محمد بن جرير) ٢٦٧/١٤ - ٢٨٢، وانظر النزهة: ١/١١٥٠. (٤) انظر السير: (يَحْيَى بن مُجاهد) ٢٤٤/١٦ -٢٤٦، وانظر النزهة: ١/١٢٩٢. ٦٦ وقال غَيثُ بنُ عليٍّ الأرْمَنازِيّ: سَمعتُ مَنْ يَحكي أنَّ المَلكَ تاج الدولة تُنُش بنَ ألبْ أرْسلان زارَ الفَقيةَ نَصراً يَوماً ، فلمْ يَقمْ له، ولا الْتَفتَ إليه وكذا ابنُه المَلك دُقاق، فسَأْلَه عن أحَلِّ الأَمْوالِ التي يَتَصَرَّفُ فيها السُّلطان، قال: أحَلُّها أمْوالُ الجِزْيَة، فقامَ من عندِهِ ، وأَرْسلَ إليه بمَبلَغ ، وقال: هذا من الجِزْيَة ، فَفَرِّقْهُ على الأَصْحاب ، فلمَ يَقْبلْه ، وقالَ : لا حاجَةَ بنا إليه ، فلمَّا ذَهبَ الرَّسولُ لامَهُ الفَقيهُ نَصر المِصِّيصيّ ، وقال: قد عَلمتَ حاجَتَنا إليه، فقال: لا تَجْزَعْ من فَواتِهِ ، فسَوفَ يأتيكَ من الدُّنيا ما يَكْفيكَ فيما بعد ، فكانَ كما تَفَرَّسَ فيه . عاشَ نَّقاً وثمانين سَنة، رَحمَه الله ، ودُفِنَ بمَقْبِرَةٍ باب الصَّغير تُوفِّيَ سَنةَ تسعين وأربعمائة . قال الذهبيُّ : في مَجالِسِهِ غَلطاتٌ ، وأحاديثُ واهية(١). وعاشَ الفَقيهُ الخَبُوشانيّ عُمرَه لمْ يأخُذْ دِرْهَماً لمَلِك ، ولا من وَقْفٍ ، ودُفِنَ في الكِساءِ الذي صَحِبَه من بَلدِه ، وكان يَأْكُلُ من تاجِرٍ صَحِبَه من بَلدِه(٢). (د) رَفْضُ بَعض العُلماء مُقابلة الأُمَراء والكبراء : وجاءَ في ◌ِزَّةِ نَفْس سَعيدٍ بنِ المُسَيِّب وصَدِعِه بالحَقِّ : عن عِمْرانَ ابنِ عبدِ الله بنِ طَلْحَة الخُزاعيِّ، قال: حَجَّ عبدُ المَلك بنُ مَرْوان ، فلمَّا قَدِمَ المَدينَة ، ووَقفَ على بابِ المَسْجِدِ أَرْسَلَ إلى سَعيدِ بنِ المُسَيِّب رجلاً يَدعُوه ولا يُحَرِّكه ، فأتاهُ الرسُولُ وقال : أَجِبْ أميرَ المؤمنين ، واقِفٌ بالبابِ يُريدُ أنْ يُكلِّمَك فقالَ: ما لأمير المؤمنين إليَّ حاجَة، وما لي إليه حاجَة، وإنَّ حاجَتَه لي لِغَيرُ مَقْضِيَّة، فرَجعَ الرسولُ ، فأخْبَرَه فقال : ارْجِعْ فقُلْ له : إنَّما أُريدُ أنْ أُكَلِّمَكَ، ولا تُحَرِّكه فرَجعَ إليه ، فقال له: أَجِبْ أميرَ المؤمنين فرَدَّ عليه مثلَ ما قالَ أوَّلاً فقالَ : لَوْلا أنَّه تَقَدَّمَ إليَّ فيك ما ذَهبتُ إليه إلاَّ برأسِك ، يُرسلُ إليكَ أميرُ المؤمنين يُكَلِّمُكِ تَقولُ مثلَ هذا! فقال : إنْ كان يُريدُ أنْ (١) انظر السير: (الفَقيه نصر) ١٣٦/١٩ -١٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٧١. (٢) انظر السير: (الخَبُوشاني) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة : ٢/١٦١٣. ٦٧ . يَصْنعَ بي خَيراً ، فهو لك، وإنْ كان يُريدُ غَيرَ ذلك فلا أحُلُّ حَبْوَتي حتى يَقضيَ ما هو قاض، فأتاهُ فأخْبَرَه، فقال: رَحِمَ اللهُ أبا مُحمّد أبَى إلاَّ صَلابَةً . قال الذهبيُّ : كان عند سَعيدِ بنِ المُسَيِّب أمرٌ عَظيمٌ من بَنِي أُمَّيَّة وسُوء سِيرَتهم ، وكان لا يَقبلُ عَطاءَهم(١) . وقال الحاكِمُ : قَدِمَ شَقيقُ بنُ إبراهيمَ البَلْخِي نِيسَابُورَ في ثلاث مئة من الزُّهَّاد ، فِطَلبَ المَأْمُونُ أنْ يَجَمعَ به ، فامْتَنَعَ (٢) . وذكرَ عُمرُ بنُ عَفيف يَحْيَى بنَ مُجاهد ، فقال : كان من أهلِ العِلم والزُّهْد والتَّقَشُّف والعبادة، وجَميل المَذْهَب، لمْ تَرَ عَيني مثلَه في الزُّهْد والعِبادة ، يَلبسُ الصُّوفَ، ويَمشي حافياً مَرَّة ، ويَنْتعلُ مَرَّة فحَذَّثني محمدُ بنُ أبي عُثْمان ، عن أبيه أنَّ الحَكم المُسْتَنِصِر بالله أحبَّ أنْ يَجتمعَ بَيَحْيَى بنِ مُجاهد الزَّاهد ، فلمْ يَقدِر عليه ، ووَجَّه إليه مَنْ يَتلطّفُ به ويَستَعطِفُه ، فقال: ما لي إليه حاجَة وإنَّما يَدخلُ على السُّلطان الوُزَراءُ ، وأهلُ الهَيئة، وأيشٍ يَعملُ بأصْحابِ الأطْمارِ الرَّثَّة، فَوَجَّه إليه الحَكمُ جُبَّةً صُوف وغَفَّارَة وقَميصاً من وَسَطِ الثَّاب ودَنانيرَ ، فلمَّا نَظرَ إليها قال : ما لي ولهذه ؟ رُدُّوها على صاحِبها ، ولئن لمْ يَتركُوني سافَرْت ، فيتسَ من لقائه وتركه ، وكان يجلسُ إلىْ مُؤدِّب بالجامِعِ يأنَسُ به . تُوقِّي ابنُ مُجاهد سَنة سِتٍّ وستين وثلاثٍ مئة وهو ابنُ سَبعين سَنة أو نَحْوها(٣). مَنْ كان السُّلطانُ يَزِورُه فلا يُعَظِّمْه : وقال غَيْثُ بنُ عليٍّ الأرْمَنازِيّ: سَمعتُ مَنْ يَحكي أنَّ المَلكَ تاج الدولة تُتُش بنَ ألبْ أرْسلان زارَ الفَقيةَ نَصراً يَوماً ، فلمْ يَقمْ له ، ولا الْتَفتَ إليه وكذا ابنُه المَلك دُقاق، فسَأْلَه عن أحَلِّ الأَمْوالِ التي يَتَصَرَّفُ فيها السُّلطان، قال: أحَلُّها أمْوالُ الجِزْيَة ، فقامَ من عندِه ، وأرْسلَ إليه بمَبلَغ، وقال: هذا من الجِزْيَة ، ففَرِّقْهُ على (١) انظر السير: (سعيد بن المسيب) ٢١٧/٤ -٢٤٦، وانظر النزهة: ٣/٤٨٣. (٢) انظر السير: (شَقيق) ٣١٣/٩ -٣١٦، وانظر النزهة: ٢/٨٢٤. (٣) انظر السير: (يَحْيَى بن مُجاهد) ٢٤٤/١٦ -٢٤٦، وانظر النزهة: ١/١٢٩٢. ٦٨ الأَصْحاب ، فلمَ يَقْبلْه ، وقالَ : لا حاجَةَ بنا إليه ، فلمَّا ذَهبَ الرَّسولُ لامَهُ الفَقيهُ نَصر المِصِّيصيّ ، وقال : قد عَلمتَ حاجَتَنا إليه ، فقال: لا تَجْزَعْ من فَواتِه ، فسَوفَ يأتيكَ من الدُّنيا ما يَكْفيكَ فيما بعد ، فكانَ كما تَفَرَّسَ فيه . عاشَ نَّاً وثمانين سَنة ، رَحمَه الله، ودُفِنَ بِمَقْبرَةِ باب الصَّغير تُوقِّيَ سَنةً تسعين وأربعمائة . قال الذهبيُّ : في مَجالِسِه غَلطاتٌ ، وأحاديثُ واهيَةٍ (١). وقال أبو المُظَفَّر بنُ الجَوْزيّ : سَمعتُ مَشايخَ الحَرْبيَّة يَحكُونَ عن آبائِهم وأجْدادِهم أنَّ السُّلطانَ مَسْعوداً لمَّا أتىْ بَغدادَ، كان يُحبُّ زيارَةَ العُلماء والصَّالحينَ ، فالتَمسَ حُضورَ ابنِ الطَّلَّية (٢)، فقال للرَّسُولِ: أنا في هذا المَسْجد أنْظرُ داعيَ الله في النَّهارِ خَمسَ مَرَّاتٍ ، فَذَهبَ الرَّسُولُ ، فقال السُّلطانُ: أنا أَوْلَى بِالمَشْي إليه ، فزارَه ، فرآهُ يُصلِّي الضُّحَى، وكان يُطَوِّلها يُصلِّيها بثمانيَةِ أجْزاء ، فصلَّى معه بَعضَها ، فقال له الخادمُ : السُّلطانُ قائمٌ على رأسِك فقال : أين مَسْعود ؟ قال : ها أنا قال : يا مَسْعودُ، اعْدِلْ، وادُعُ لي ، اللهُ أكبر ثم دَخلَ في الصَّلاة فَبَكَى السُّلطانُ ، وَكَتَبَ وَرِقَةٌ بِخَطِّه بإزالَةَ المُكوسِ والضَّرائب ، وتابَ تَوْبَةً صادِقَةٍ . مات ابنُ الطَّلَايَة سَنةَ ثمان وأربعين وخَمسٍ مئة وحُمِلَ على الرُّؤوس ، وما خلَّفَ بعدَه مثلَه(٣) . قال الحَسنُ بنُ أحمدَ الأوقيُّ: حَضرَ عند مُحمّدَ بنِ أحمدَ السِّلَفيِّ السُّلطانُ صَلاحُ الدِّينِ وأخُوهُ المَلكُ العادِلُ لسَماعِ الحَديثَ ، فَتَحدَّثا، فَأَظْهَرَ لهما الكَرَاهَة وقال : أنْتُمَا تَتَحدَّثان، وحَديثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُقرَأُ؟! فأصْغَيا عند ذلك. (١) انظر السير: (الفقيه نصر) ١٣٦/١٩ -١٤٣، وانظر النزهة: ٢/١٤٧١. (٢) ذكر في ((الوافي)) و((المستفاد)) أن والدته كانت تطلي الورق عند عمله بالدقيق المعجون بالماء رقيقاً قبل صقله فاشتهرت بذلك . (٣) انظر السير: (ابن الطَّلاَّيَة) ٢٦٠/٢٠ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٣/١٥٤٩. ٦٩ قال الإمامُ الذهبيُّ : وقد حَدَّثَ السُّلطانُ عنه(١) . مَنْ كان لا يَقومُ الرُّؤساء إذا مَرُّوا ويُحذِّر من النَّظَر إليهم : وكان أحمدُ بنُ أبي الحَسن الرِّفاعيُّ لا يَقومُ للرُّؤساء ، ويقولُ : النَّظرُ إلى وُجُوهِهِمْ يُقَسِّي القَلبَ . وكان كَثيرَ الاسْتغفار ، عالي المِقْدار ، رَقيقَ القَلبِ ، غَزِيرَ الإخلاص . تُوفيَّ سَنةَ ثمانٍ وسَبعين وخمس مئة، رَحمَه الله(٢)، (٣). (هـ) الإغلاظُ عليهم إذا ظَلَموا أو فَسَقوا : جاء في تَرجمةِ الخَبُوشانيِّ، قال الذهبيُّ: قيلَ : التمَسَ محمدُ ابنُ مُوَفَّق الخَبوشاني من الشُّلطانِ إِسْقاطَ ضَرائبَ لا يُمكنُ إسْقاطُها ، وساءَ خُلقُه ، فقال : قُمْ لا نَصرَكَ الله! ووَكَزَه بعَصاه، فوَقَعَتْ، فوَجَمَ لذلك، ثم حَضرَ وَقْعَة ، فكُسِر ، فظَنَّ أنَّه بدُعائِه، فجاءَ وقَبَّل يدَيه، وسألَه العَفْو(٤). وجاءَه حاجِبُ نائبٍ مِصْرَ المُظَفَّر تَقَيِّ الدِّين عُمَرَ ، وقال له : تَقيُّ الدين يُسلِّمُ عَليك ، فقال الخَبُوشانيُّ : قُلْ: بلْ شَقيُّ الدِّين لا سَلَّمَ اللهُ عليه ، قال : إنَّه يَعتذرُ ويقولُ : لَيسَ له مَوضِعٌ لَبَيعِ المِزْر (٥) قال : يَكْذِبُ قال : إنْ كان ثَمَّ مَكانٌ فأرناه قال : (١) انظر السير: (السِّلَفيّ) ٥/٢١-٣٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٩٣. (٢) قال صاحب النزهة: قال المؤلف في ((العِبَر)) بعد هذا الكثير: ((ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء ، وقد كثر الزغل فيهم وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات ، وهذا لا عرفه الشيخ ولا صُلحاء أصحابه ، فنعوذ بالله من الشيطان)) (٢٣٣/٤)، وقال في ((تاريخ الإسلام)): (( ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيات حية ، والنزول في التنانير وهي تتضرم ناراً ، والدخول إلى الأفرنة ، وينام الواحد منهم في جانب الفرن ، والخباز يخبز في الجانب الآخر ، وتوقد لهم النار العظيمة ، ويُقام السَّماع فيرقصون عليها إلى أن تنطفىء )) . (٣) انظر السير: (الرِّفاعيّ) ٢١/ ٧٧ - ٨٠، وانظر النزهة: ٨/١٦٠١. (٤) انظر السير: (الخَبوشاني) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة: ٤/١٦١٢. (٥) قال صاحب النزهة : المِزْرُ: بكسر الميم ، نبيذٌ يتخذ من الذرة ، وقيل: من الشعير أو الحنطة كما في= ٧٠ اذْنُ، فَدَنا فأمْسَكَ بِشَعرِه ، وجَعلَ يَلِطِمُ على رأسِه ويقولُ: لَستُ مَزَّاراً فأعْرفَ مَواضِعَ المِزْر ، فخلَّصوه منه(١) . ( و) اعتذارُ السُّلطانُ للعالِمِ وتَقبيلُهُ يدَه طلباً للعَفو : جاء في تَرجمةِ الخَبُوشانيِّ، قال الذهبيُّ : قيلَ : التمَسَ محمدُ ابنُ مُوَفَّق الخَبوشاني من السُّلطانِ إسْقاطَ ضَرائبَ لا يُمكنُ إسْقاطُها، وساءَ خُلقُه ، فقال : قُمْ لا نَصرَكَ الله! ووَكَزَه بعَصاه ، فوَقَعَتْ، فوَجَمَ لذلك، ثم حَضرَ وَقْعَة ، فكُسِر ، فظَنَّ أنَّه بدُعائِهِ، فجاءَ وقَبَّل يدَيه، وسألَه العَفْو(٢). (ز) الدُّعاء لهم وكيفيَّتُه : قال سُلَيمانُ بنُ محمّد : سَمعتُ عبدَ الله بنَ عبدِ العَزِيزِ العُمَرِيَّ يقولُ : قال لي مُوسَى بنُ عيسَى: يُنْهَى إلى أميرِ المؤمنين أنَّك تَشْتُمه وتَدعُو عليه، فبِمَ اسْتَجَزْتَ هذا؟ قلتُ : أَمَا شَتْمُه ، فوالله هو أكْرَمُ من نَفَسي، لقَرابَتِهِ من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأمَّا الدُّعاءُ عليه ، فوالله ما قُلتُ: اللَّهمَّ إِنَّه قد أصْبحَ عِبْئاً ثقيلاً على أكْتافِنا فلا تُطِيقُه أبدانُنا، وقَذَىَ في جُفونِنا لا تَطَرِفُ عليه جُفونُنا ، وشَجَىَ في أَفْواهِنا لا تُسيغُه حُلوقُنَا، فَاكْفِنا مُؤْنَتَه، وفَرِّقْ بَبيننا وبينَه ولكنْ قُلتُ: اللَّهمَّ إنْ كان تَسمَّى بالرّشيدِ ليَرشُدَ ، فأرْشِدْهُ، أو لغيرِ ذلك فراجِعْ به ، اللَّهمَّ إنَّ له في الإسْلامِ بالعَبَّاسِ على كلِّ مُؤمِنٍ كفّاً ، وله بنَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم قَرابَة وَرَحِم ، فقَرِّبْه من كلِّ خَير ، وباعِدْهُ من كلِّ سُوء ، وأسْعِدْنا به ، وأصْلِحْه لنفسِه ولنا ، فقال مُوسَى: رَحمَك اللهُ أبا عبدِ الرَّحمَن ، كذاكَ لعَمْري الظُنُّ بك . ((النهاية)) لابن الأثير (٢٤/٤) وكأنه يشبه ( البيرة ) في أيامنا وكان لتقي الدين عمر ابن أخي السلطان = صلاح الدين مواضع يُباع فيها المزر على ما قيل ، فكتب الشيخ الخبوشاني ورقة إلى صلاح الدين يذكر له هذا ، فسيرها صلاح الدين إلى ابن أخيه وطلب منه إرضاء الشيخ ، فركب إليه ، وطلب منه حاجبه أن يقف بباب مدرسة الخبوشاني ريثما يهيء له الأمور فتحادث مع الشيخ بهذا الحديث المذكور . (١) نظر السير: (الخَبُوشاني) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة: ١/١٦١٣. (٢) انظر السير: (الخَبُوشاني) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧، وانظر النزهة : ٤/١٦١٢. ٧١ مات أبو عبدِ الرَّحمَن العُمَرِيُّ سَنةَ أربع وثمانين ومائة ، وله سِتُّ وسِتُّونَ سَنةً ، رَحمَه الله تعالى(١) . قال الفُضَيلُ بنُ عِياض : لَوْ أنَّ لي دَعوةً مُستجابَة ما جَعلتُها إلاّ في إمام : قال عبدُ الصَّمَد بنُ يَزِيد : سَمعتُ الفُضَيلَ بنَ عِياض يقولُ : لَوْ أنَّ لي دَعْوةً مُسْتجابَة ما جَعلتُها إلاَّ في إمامٍ ، فصَلاحُ الإمامِ صَلاحُ البلادِ والعِباد(٢). عدمُ الذُّعاء لهم إذا جارُوا : جاء في تَرجمةِ الخَبُوشانيِّ، قال الذهبيُّ : قيلَ: التمَسَ محمدُ ابنُ مُوَفَّق الخَبوشاني من السُّلطانِ إسْقاطَ ضَرائبَ لا يُمكنُ إسْقاطُها ، وساءَ خُلقُه ، فقال : قُمْ لا نَصرَكَ الله! ووَكَزَه بعَصاه، فوَقَعَتْ، فوَجَمَ لذلك، ثم حَضرَ وَقْعَة ، فَكُسِر ، فظَنَّ أنَّه بدُعائِه ، فجاءَ وقَبَّل يدَيه ، وسألَه العَفْو(٣). وقيل : إنَّ العادِلَ أتَى والشَّيخُ عبدُ الله بنُ عُثمان اليُونيني يَتَوَضَّأ ، فجَعلَ تحتَ سجادَتِه دَنانيرَ فرَدَّها ، وقال: يا أبو بكر (٤) كيف أدعو لكَ والخُمورُ دائرةٌ في دِمَشْقَ ؟ فَأَبْطَلَ ذلك(٥) . وقيلَ : جلسَ بين يدَيْهِ المُعَظَّمُ وطَلبَ الدُّعاءَ منه، فقالَ: يا عيسَىْ لا تَكُنْ نَحْس (٦) مثلَ أبيكَ أَظْهَرَ الزَّغَلَ (٧) وأفسدَ على النَّاسِ المُعامَلةَ(٨). (١) انظر السير: (العُمَريّ) ٣٧٣/٨-٣٧٨، وانظر النزهة : ٥/٧٦٥. (٢) انظر السير : ( الفُضَيل بن عياض) ٤٢١/٨ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٥/٧٧٧. (٣) انظر السير: ( الخَبوشاني) ٢٠٤/٢١ -٢٠٧ ، وانظر النزهة : ٤/١٦١٢. قال صاحب النزهة : هكذا في الأصل وفي تاريخ الإسلام بخط الذهبي ، فهي على الحكاية . (٤) (٥) انظر السير: ( اليُونيني) ٢٢/ ١٠١ - ١٠٣، وانظر النزهة : ٤/١٦٦٨. (٦) قال صاحب النزهة : هكذا في الأصل وفي تاريخ الإسلام بخط الذهبي، وصوابها (( نحساً)) ولكن أبقيناها لأنها من كلام الشيخ . (٧) العملة المغشوشة . (٨) انظر السير: (اليُونيني) ١٠١/٢٢ - ١٠٣، وانظر النزهة: ٥/١٦٦٨. ٧٢ مَنْ هاجَر من بلَده لأنَّهِ أُلْزِمَ في الخُطبة بوَصف الأُمَراء بصفات لَمْ يَرَها سائغة : قال أبو شامَة : أخْبرَنا السَّخاويُّ: أنَّ سَببَ انْتقالِ الشَّاطِيِّ من بلدِه أنَّه أُريدَ على الخَطابَةِ، فاحْتَجَّ بالحَجِّ ، وترك بلدَه، ولمْ يَعُدْ إليه تَوَرُّعاً ممَّا كانوا يُلزِمون الخُطَبَاءَ من ذِكرِهم الأُمَراءَ بأوصافٍ لمْ يَرَها سائغَة ، وصَبرَ علىُ فَقرٍ شَديد . قال السَّخاويُّ : أَقْطعُ بأنَّه كان مُكاشَفاً ، وأنَّه سألَ اللهَ كَفَّ حالِه . قال الأبَّارُ: تَصدَّرَ بِمِصْرَ، فعَظُم شأنُهُ، وبَعُدَ صِيتُه، انتَهت إليه رياسَةُ الإِقْراءِ ، وتُوفِّيَ بِمِصْرَ سَنةً تسعين وخمس مئة . وجاءَ عنه قالَ : لا يقرأُ أحَدٌ قَصيدَتي هذه إلاَّ ويَتفعُه اللهُ ، لأنَّنِي نَظَمتُها الله . وله قَصيدَةٌ داليّة نَحو خمس مئة بَيتٍ، مَنْ قَرأَها، أحاطَ علماً بـ ((التَّمهيد)) لابنِ عبدِ البَرُ(١). (ح) مُتفرِّقات في عَلاقة العُلماء بالمُلوكِ والأُمَراء : قال عبدُ السَّلامِ التَّوخيُّ المُلقَّب ((بسُخْنون)): ما أَقْبَحَ بالعالِمِ أنْ يأتي الأُمَراءَ ، واللهِ ما دَخلتُ على السُّلطانِ إلاَّ وإذا خَرجتُ حاسَبتُ نفسي ، فوَجدتُ عليها الدَّركَ(٢)، وأنتم تَرَوْنَ مُخالَفَتِي لَهَواه، وما ألْقَاهُ به من الغِلْظَة، واللهِ ما أخَذْتُ ، ولا لَبستُ لهم ثوباً(٣) . جاءَ في تَرجمَة بَكارِ بنِ قُتَيْبَة، قال الإمامُ الذهبيُّ: كان عَظيمَ الحُرْمَة ، واِفِرَ الجَلالَة، من العُلماء العاملين كان السُّلْطانُ يَنزلُ إليه، ويَحضُرُ مَجلِسَه(٤). وقال الذهبيُّ : كان وَلِيُّ العَهدِ المُوفَّقُ قد اسْتبدَّ بالأمور ، وضَيَّقَ على أخيه الخلفية (١) انظر السير: (الشَّاطبيّ) ٢٦١/٢١ - ٢٦٤، وانظر النزهة: ١/١٦١٨. (٢) بفتح الرَّاء وإسكانها : التَّبعَة . (٣) انظر السير: (سُخْنون) ٦٣/١٢ -٦٩، وانظر النزهة: ١/٩٨٣. (٤) انظر السير: (بكّار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢ - ٦٠٥، وانظر النزهة: ١/١٠٣٩. ٧٣ المُعْتمد : قال الصُّوليُّ: تَخْيَّل المُعْتمدُ من أخيه، فكاتَبَ أحمدَ بنَ طُولونَ ، واتَّفْقا ، وقال المُعْتمدُ(١): يَرى ما قَلَّ مُمْتَنِعاً عَليهِ أليسَ منَ العجائبِ أنَّ مثلي وما مِنْ ذاكَ شيءٌ في يَدَیْهِ وتُؤكَلُ بِاسْمِهِ الدُّنيا جَميعاً فبلغَنا أنَّ ابنَ طُولُونَ جَمعَ العُلماءَ والأَعْيانَ ، وقال : قد نَكثَ المُوَفَّقُ أبو أحمد بأميرِ المؤمنين، فاخْلَعوه من العَهدِ فخَلَعوه، إلاَّ بَكارَ ابنَ قُتَيْبَة ، وقال : أنتَ أَوْرِدْتَ عليَّ كتابَ المُعْتَمد بتَوَلِّيه العَهدَ ، فهاتِ كتاباً آخرَ منه بخَلعِه قال : إنَّه مَحْجورٌ عليه ومَقْهورٌ؟ قال : لا أدْري فقال له : غرَّكَ النَّاسُ بقَولِهِم : ما في الدُّنيا مثلُ بَكار ، أنتَ قد خَرِفْتَ ، وقَيَّدَه وحَبسَه، وأَخذَ منه جَميعَ عَطائِهِ من سِنِينَ ، فكان عَشرَةَ آلافِ دينار ، فقيلَ: إنَّها وُجِدَت بخُتومِها وحالِها، وبَلَغَ ذلك المُوَفَّق، فأمَرَ بلَعْنِ ابنِ طُولُونَ على المَنابِرِ(٢) . وقال أبو صَفْوان مُتحدثاً عن والدهِ أحمدَ بنِ إسْحاق : وَهَبَ المَأمونُ لأبي ثلاثينَ ألفاً ، وعَشرةَ أفْراسٍ وجارِيَةً ، فلمْ يَقبَلُها(٣) . وعن أبي بكر بن جابر خادم أبي داود السِّجسْتاني - رحمه الله - قال : كنتُ مع أبي داود بيَغْداد، فصلَيْنا المغرب، فجاءَه الأميرُ أبو أحمدَ المُوَفَّق - يَعني وَلَيَّ العَهد - فدخل ، ثم أقبلَ عليه أبو داود ، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ قال : خِلالٌ ثلاث قال : وما هي ؟ قال : تنتقلُ إلى البَصرة فتَنَّخذَها وطناً ليرحلَ إليك طلبةُ العلم، فتعمُر بك، فإنها قد خَرِبَتْ ، وانقطَعَ عنها النَّاسُ ، لِمَا جَرَى عليها من مِحْنَة الزِّنج فقال: هذه واحدة قال: وتَرْوي لأولادي ((السُّنَن)) قال: نعم ، هاتِ الثالثة قال : وتُفْرِد لهم مَجْلساً ، فإن أولاد الخلفاء لا يَقعُدون مع العامَّة قال : أمَّا هـذه فلا سبيلَ إليها ، لأنَّ النَّاسَ في العِلم سَواء . (١) انظر السير: (بكّار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢-٦٠٥، وانظر النزهة: ٢/١٠٣٩. (٢) انظر السير: (بكّار بن قتيبة) ٥٩٩/١٢-٦٠٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٣٩ . (٣) انظر السير: (أحمد بن إسحاق) ١٣/ ٣٧ -٤٠، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٠. ٧٤ قال ابنُ جابر : فکانوا یحضُرُون ویقعُدون في کمّ حيري ، علیه سِتْر ويسمعون مع العامَّة(١) . وقال ابنُ عَفيف : كان أبو إبراهيمَ إسْحاقُ بنُ إبراهيم التُّجيبي من أهلِ العِلمِ ، والفَهمِ ، والعَقلِ والدِّينِ المَتين، والزُّهْدِ والبُعْدِ من السُّلْطان، لا تأخُذُه في الله لَومَة لائم(٢) . وقال ابنُ الفَرْضي : كان أبو إبراهيم التُّجِيبي حافِظاً للفِقْه، صَدراً في الفُتْيا ، وَقُوراً، مَهيباً، لمْ يَكُنْ له بالحَديثِ كبيرُ علم، له كتاب (( مَعالِمُ الطَّهَارَة)) وكان الحَكمُ أميرُ المؤمنين مُعَظِّماً له وكان صَليباً قَليلَ الهَيبَة للمُلوك ، اغْتَابَ الحَكمُ رجلاً ، فسَكتَ أبو إبراهيم ونكَّسَ برأسِه فأقْصَرَ الحَكُمُ وفَهِمَ، وقد راوَدَه علىُ أنْ يأتيَه بولَدِه أحمدَ وهو صَبيٌّ ، فقال : لا يَصلُحُ الآن لذلك . تُوفِّي أبو إبراهيم سَنةَ اثنتَين وخمسين وثلاثٍ مئة(٣). جاءَ في تَرجمَة ابنِ الدَّاعي ، قال الذهبيُّ : بَرعَ في الرَّأَي على الإمام أبي الحَسنِ الكَرْخِي ، وأخَذَ علمَ الكَلامِ عن حُسَينِ بنِ عليٍّ البَصْري ، وأفْتَى ودَرَّسَ ، ووَلِيَ نقابة الطالبيِّين في دَولَة بني بُوَيَهُ، فعَدلَ وحُمدَ ، وكان مُعِزُّ الدَّولَة يُبالغ في تَعظيمِه ، وتَقَبيلِ يدِه ، لِعِبادَته وهَيْبَتِهِ، وكان فيه تَشَئُّعٌ بلا غُلُو(٤) . وقال أبو الثَّناء شُكْر العَضُدي : لمَّا دَخلَ عَضُد الدَّولة بغدادَ وقد هَلكَ أهلُها قَتَلاً وخَوفاً وجُوعاً للفِتن التي اتَّصَلَت بينَ السُّنَّة والشِّيعَة، فقال : آفة هؤلاء القُصَّاصُ ، فمَنعَهم ، قال : مَنْ خالَفَ أباحَ دَمَه ، فعَرفَ ابنُ سَمعونَ ، فجَلسَ على كُرْسيِّه فأمَرَني مَولايَ، فأحْضَرتُه، فدَخلَ رجلٌ عليه نورٌ، قال شُكْرُ : فجلسَ إلى جَنبي غير مُكْترِث ، فقلتُ : إنَّ هذا المَلك جَبَّارٌ عَظيمٌ، ما أُوْثِرُ لكَ مُخالَفتَه، وإنِّي مُوصلُكَ (١) انظر السير: (أبو داود) ٢٠٣/١٣-٢٢١، وانظر النزهة: ٢/١٠٧١. (٢) انظر السير: (التُّجيبيّ) ٧٩/١٦ - ٨٠، وانظر النزهة: ١/١٢٦٨. (٣) انظر السير: (التُّجيبيّ) ٧٩/١٦ -٨٠، وانظر النزهة: ٢/١٢٦٨. (٤) انظر السير: (ابن الدَّاعي) ١١٤/١٦-١١٦، وانظر النزهة: ١/١٢٧١. ٧٥ إليه ، فقَبِّل الأرضَ وتلَطَّف له واسْتِعِن بالله عليه ، فقال : الخَلقُ والأمرُ لله فمَضيتُ به إلى حُجرةٍ قد جَلسَ فيها المَلكُ وَحدَه ، فأَوْقَفتُه ثم دخلتُ أسْتأذِنُ ، فإذا هو إلى جانبِي، وحوَّلَ وَجهَه إلى دارِ عِزِّ الدَّولَة ثم تَلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ﴾ (١) ثم حوَّلَ وَجهَه وقَرأَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾(٢) ثم أخذَ في وَعْظِه فأتي بالعَجَب، فَدَمِعَت عَينُ المَلك، وما رَأيتُ ذلك منه قَطُّ وشركَ كُمَّه على وَجِهِه ، فلمَّا خرجَ أبو الحُسَين رَحمَه الله ، قالَ المَلكُ : اذْهَبْ بِثَلاثَة آلاف دِرْهَم وعَشرَة أثْوابٍ من الخزانَةَ فإنْ امْتَنعَ فقُلْ له : فَرَّقْها في أصْحابِك ، وإِنْ قَبِلَها فِثْنِي برأسِه ، ففَعَلتُ فقال: إنَّ ثيابي هذه فُصِّلَت من نحو أربعين سَنة ألْبَسُها يومَ خُروجي وأطْويها عند رُجُوعي، وفيها مُتَعَةٌ وبَفيَّةٌ ، ونَفَقَتي من أُجْرَةِ دارٍ خَلَّفَها أبي ، فما أصْنَعُ بهذا؟ قُلتُ : فَرَّقْها على أصْحابِك قال : ما في أصْحابي فَقيرٌ فعُدتُ فأخْبَرتُه، فقال: الحَمدُ لله الذي سَلَّمَه منَّا وسَلَّمَنا منه(٣). ١٩ - حَالُ العُلَماء مع طَلبَة العِلم: (أ) التَّلاميذُ الصَّالحون أفْضَلُ من الأبناءِ الطَّالحين : قال جَعْفرُ بنُ سُليمان ، حدَّثنا مالكُ بنُ دينار قال : أتَينا أنَساً أنا وثابتٌ ويَزِيدُ الرقاشي ، فَنَظرَ إلينا ، فقال: ما أشْبَهَكُم بأصْحابِ محمَّد صلى الله عليه وسلم لأنْتم أحَبُّ إليَّ من عدّة وَلدي إلاَّ أنْ يَكونوا في الفَضْلِ مثلَكم، إنِّي لأدْعُو لكم في الأسحار (٤). ( ب) عَدمُ قَبول الهدايا من الطَّلَبة : قال محمّدُ بنُ الحَجَّاج: كان رجلٌ يَسمَعُ مَعنا عند حَمَّادِ بنِ سَلمَة فَرَكبَ إلى الصِّين ، فلمَّا رَجعَ، أهْدَى إلى حَمَّادٍ هَديّة، فقال له حَمَّادٌ إنْ قَبلتُها، لمْ أُحَدِّثْكَ (١) سورة هود، الآية : ١٠٢. (٢) سورة يونس ، الآية : ١٤ . (٣) انظر السير: (ابن سَمْعون) ٥٠٥/١٦-٥١١، وانظر النزهة: ٥/١٣١٠. (٤) انظر السير: (مالك بن دينار) ٣٦٢/٥ -٣٦٤، وانظر النزهة: ٩/٦٠٩. ٧٦ بحَديثٍ ، وإنْ لمْ أقْبلْها، حَدَّثْتُك قال: لا تَقَبَلْها وحدِّثْني(١). (ج ) تَخصيصُ العالِم بعضَ طلبَته بأوقات لتَحْصيل العِلم : قال عبَّاسُ العَنْبري: كان يَحْيَى القَطَّن رُبّما قال: لا أُحدِّثُ شَهراً ولا أُحدِّثُ كذا ، فحُدِّثتُ أنَّه حدَّث ابنَ المَديني قبلَ انْقِضاء الشَّهر قال: فكلَّمتُ يَحْيَى في ذلك ، فقال : إنِّي أَسْتثني عَلياً، ونَحنُ نَستفيدُ منه أكثرَ ممَّا يَستفيدُ منَّا(٢). (د) الطَّالبُ المَحْبوب والطَّالبُ البَغيض: قال هشامُ بنُ مَنصور : سَمعتُ أحمدَ بنَ حَنْبل يقولُ : قال لي يَحْيَى ابنُ آدَم : يَجِيتُني الرجلُ ممَّن أَبْغَضُه، وأكرَهُ مَجيتَه، فأقرأُ عليه كل شيء معه ، لأَسْتريحَ منه ولا أراه ، ويَجيءُ الرجلُ أوَذُّه، فأُرَدِّدُه حتى يرجعَ إليَّ(٣). (هـ) عَدمُ الغَضب من طُلاَّبهم إن تَتْمَذوا على المُخالف لهم : عن عبدِ اللهِ بنِ محمّد الوَرَّاق قال : كنتُ في مجلسِ أحمدَ ابنِ حَنبل ، فقال : من أين أقْبَلتُم ؟ قُلنا : من مَجلسٍ أبي كريب ، فقال: اكْتُبُوا عنه، فإنَّه شَيخٌ صالحٌ ، فقُلنا : إنَّه يَطعنُ عليك قال: فأيُّ شيء حيلتي، شَيخٌ صالحٌ قد بُلِيَ بي (٤) . ٢٠- فَضْلُ العُلَماء العاملين : (أ) سَببٌ لهدايَة النَّاس : عن الأوزاعيِّ، قال: مَنْ كان مُقْتَدياً ، فليَقْتدِ بمثل ابن مُحَيْريز، إنَّ اللهَ لم يكن ليُضِلَّ أمَّةً فيها ابنُ مُحَيْریز(٥) . (١) انظر السير: (حمَّاد بن سَلمة) ٧/ ٤٤٤-٤٥٦، وانظر النزهة: ١/٧١٦. (٢) انظر السير: (عليٌّ بن المَديني) ٤١/١١ -٦٠، وانظر النزهة: ٣/٩٠٧. انظر السير : ( يَحْيى بن آدم) ٥٢٢/٩-٥٢٩، وانظر النزهة: ٢/٨٣٨. (٣) (٤) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤٧. (٥) انظر السير: (عبد الله بن مُحَيْريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة: ٦/٥٣٩. ٧٧ (ب) يُسْتَشَفَى بحَديثِهِم ، ويَنزلُ القَطْرُ من السَّماء بذكرهم : عن أحمدَ بنِ حَنْبَل قال : صَفْوانُ بنُ سُليم، من الثِّقات ، يُسْتَشْفَى بحَديثِهِ ، ويَنْزِلُ القَطْرُ من السَّماءِ بِذِكْرِه(١) . (ج ) سَببٌ لأمان النَّاس : عن رَجاءَ بنِ حَيْوَة ، قال: بقاءُ ابنُ مُحَيْرِيز، أمانٌ للنَّاس ماتَ فِي دَوْلَة الوَليد(٢). وقال أبو المَليح : قال رجلٌ لمَيْمونَ بنِ مِهْران: يا أبا أيوب! ما يَزالُ النَّاسُ بخَيرٍ ما أبقاك الله لهم ، قال: أقْبلْ على شأنِكْ، ما يَزالُ النَّاسُ بخَير ما اتَّقَوا ربَّهُم (٣). قال أبو عُثْمان سَعيدُ بنُ إسْماعيلَ الحِيَّرِي : حدَّثَنَا ابنُ خُزَيْمَة قال : كنتُ إِذا أُرَدتُ أن أُصَنَّفَ الشَّيءَ أدخلُ في الصَّلاة مُسْتَخيراً حتى يُفتَح لي، ثم أبْتَدىءُ التَّصْنيف ، ثم قال أبو عُثمان : إنَّ اللهَ ليَدفَعُ البلاءَ عن أهلِ المَدينة لمَكان أبي بكر محمّد بنِ إِسْحاق - يَعْني ابنَ خُزَيْمَةِ (٤) . (د) سَببٌّ لصَلاح النَّاس : قال هِلالُ بنُ خَبَّاب : قُلتُ لسَعيدِ بنِ جُبَير ما عَلامَة هَلاك النَّاس؟ قال: إذا ذَهبَ عُلماؤُهم (٥) . وقال ابنُ أبي حاتم : سَمعتُ يُونُسَ بنَ عبدِ الأعْلى يقولُ : أبو زُرْعَة وأبو حاتِم إماما خُراسان، ودَعَا لهما، وقال: بقاؤُهما صَلاحٌ للمُسْلمين(٦). (١) انظر السير: (صَفْوان بن سُليم) ٣٦٤/٥-٣٦٩، وانظر النزهة: ٣/٦١٠. (٢) انظر السير: ( عبد الله بن مُحَيْريز) ٤٩٤/٤-٤٩٦، وانظر النزهة: ٩/٥٣٩. (٣) انظر السير: ( مَيْمون بن مهران) ٧١/٥-٧٨، وانظر النزهة: ٢/٥٨٢. ٩ انظر السير: ( ابن خُزَيْمَة) ٣٦٥/١٤ -٣٨٢، وانظر النزهة : ٢/١١٦٠. (٤) انظر السير : (سَعيد بن جُبَير) ٣٢١/٤ -٣٤٣، وانظر النزهة : ٢/٥٠٦. (٥) (٦) انظر السير: (أبو حاتم الرَّازي) ٢٤٧/١٣ -٢٦٣، وانظر النزهة: ٣/١٠٧٥. ٧٨ (هـ) سَببٌ لنُزول نَصْر الله : قال مَسْلمةُ بنُ عبد المَلك أميرُ السَّرايا : برَجاءِ بنِ حَيْوَة وبأمثالِهِ نْصَرُ ماتَ رجاءُ سنة اثنتي عشرة ومئة(١) . ( و) يُتَقُّون الدین ممَّا عَلق به : يُرْوَىُ أنَّ هارونَ الرَّشيد أخذَ زِنْديقاً ليقتلَه ، فقال الرجلُ: أين أنتَ من ألفٍ حَديثٍ وَضَعْتُها ؟ قال : فأينَ أنتَ يا عَدوَّ الله من أبي إسْحاقَ الفَزاري وابنِ المُبارَك يَتخلَّلانِها، فيُخَرِّجانِها حَرفاً حَرفاً(٢) . (ز) يُصَحِّحون مَفاهيم العامَّة : قال عُثمانُ بنُ صالح : كان أهلُ مصرَ يَنْتَقِصُونَ عثمانَ بنَ عَقَّان ، حتى نَشأ فيهم اللَّيثُ بنُ سَعد فحَدَّثَهم بفَضائِلِه، فكَفُّوا وكان أهلُ حمْص يَنْتُقِصُون عَلِيًَّ حتى نَشأ فيهم إِسْماعيلُ بنُ عِيَّاش ، فحدَّثَهم بفضائلِ عليٍّ، فكَقُّوا عن ذلك(٣). (ح ) يُجَدِّدون الدین : قال الحاكمُ : سَمعتُ حسَّانَ بنَ محمَّد يقولُ : كنا في مجلس ابن سُرَيْج سنة ثلاث وثلاث مئة ، فقام إليه شيخٌ من أهل العلم فقال : أبشر أيها القاضي ، فإن اللهَ يَبعثُ على رأس كل مئة سنة من يجددُ - يَعني للأُمَّةِ - أمرَ دينِها ، وإن اللهَ تعالىُ بَعثَ على رأس المئة عُمرَ بنَ عبد العزيز وبعث على رأس المئتين مُحمَّدَ بنَ إدريسَ الشَّافعي ، وبعثَك على رأس الثلاث مئة ثم أنشأ يقول : عُمَرُ الخَلِيفَةُ ثمَّ حِلْفُ السُّؤْدَدِ اثْنانِ قد ذَهَبَا فبُورك فيهِما إِرتُ النُّبُوَّةِ وابنُ عمِّ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ الأَلمَعِيُّ مُحمَّدُ مِنْ بَعْدِهِم سُقْياً لتُرْبَةِ أحْمَدٍ أَبْشِرْ أبا العَبَّاسِ إِنَّكَ ثالثٌ (١) انظر السير: (رجاء بن حَيْوَة) ٤/ ٥٥٧- ٥٦١، وانظر النزهة: ٢/٥٥٩. (٢) انظر السير: (أبو إسحاق الفزاري) ٥٣٩/٨ -٥٤٣، وانظر النزهة: ٢/٧٩٠. (٣) انظر السير: (اللَّيثُ بنُ سَعد) ١٣٦/٨ -١٦٣، وانظر النزهة: ٢/٧٣٩. ٧٩ قال : فصاحَ أبو العَبَّاس، وبَكىَ، وقال: لقد نَعَى إليَّ نَفْسِي قال حسَّانُ الفَقيه فماتَ القاضي أبو العَبَّاس تلك السَّنة(١). قال الذهبيُّ : وقد كان على رأسِ الأربع مئة الشيخُ أبو حامد الإسْفراييني وعلى رأسِ الخَمسِ مئة أبو حامد الغزالي ، وعلىْ رَأَسِ الستِّ مئة الحافظُ عبدُ الغَني، وعلى رأسِ السبعِ مئة شَيخُنا أبو الفَتح ابنُ دَقيق العِيد . وإن جَعلتَ مَنْ يُجَدِّدُ لَفظاً يَصدُقُ على جماعة - وهو أقْوَى - فيكونُ على رأس المئة عُمِرُ بنُ عبدِ العَزيزِ خَليفَةُ الوَقتِ ، والقاسِمُ بنُ محمّد والحَسنُ البَصْري ، ومحمَّدُ بنُ سِيرين ، وأبو قِلابَة ، وطائفةٌ ، وعلى رأس المئتَينِ مع الشَّافعيِّ، يَزِيدُ بنُ هارُون ، وأبو داوُد الطَيالِسي، وأَشْهَبُ الفَقيهُ، وعِدَّة وعلى رأس الثلاثِ مئة مع ابنِ سُرَيْج ، أبو عبد الرَّحمَن النَّسائي، والحَسنُ بنُ سُفيان، وطائفة(٢) . وقال الخَطيبُ : حدَّثونا عن أبي حامد الإسْفَرايِيني ، وكان ثقةً ، حَضرتُ تَدْرِيسَه في مَسجد ابنِ المُبارك ، وسَمعتُ مَنْ يَذكُرُ أنَّه يَحضُر دَرْسَه سَبع مئة فَقيه وكان النَّاسُ يقولون : لَوْ رَآهُ الشافعيُّ ، لفَرِحَ به . قال ابنُ الصَّلاح: وعلى الشَّيخ أبي حامِد تأوَّلَ بعضُ العُلماءِ حَديثَ: ((إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّة عَلَى رَأْسٍ كَلِّ مِثَّةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَها)» ، فكان الشَّافعيُّ على رأسِ المِئْتَين، وابنُ سُرَيْج على رأسِ الثلاثِ مئة ، وأبو حامِد على رأس الأربعِ مئة(٣). كان بعضُ العُلماءِ يَعُدُّ أبا الطَّيِّب الصُّعْلُوكي المُجَدِّد للأُمَّة دينَها على رأسِ الأربعِ مئة، وبعضُهم عَدَّ ابنَ الباقِلاَّني وبعضُهم عَدَّ الشَّيخَ أبا حامِد الإسْفَراييني ، وهو أرجَحُ الثلاثة . تُوفِي الإمامُ أبو الطَّيِّب ، سَنةَ أربع وأربع مئة في عشرِ الثمانين رحمَه الله تعالى(٤). (١) انظر السير: (ابنُ سُرَيْجْ) ١٤/ ٢٠١ - ٢٠٤، وانظر النزهة: ٢/١١٤٣. (٢) انظر السير: ( ابنُ سُرَيْجْ) ١٤/ ٢٠١ - ٢٠٤، وانظر النزهة : ٣/١١٤٣ . انظر السير: ( أبو حامد الإسْفرايينيّ) ١٩٣/١٧ -١٩٧، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٦. (٣) انظر السير: ( الصُّعْلُوكيّ) ١٧ /٢٠٧ -٢٠٩، وانظر النزهة : ٥/١٣٣٧. (٤) ٨٠