Indexed OCR Text

Pages 581-600

عن أبي سَعِيدٍ قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكمْ نَفْسَهُ
أَنْ يَرَى أَمْراً للهِ فيهِ مَقَالٌ، فَلا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا مَنَعَكَ ؟ !! فيَقُولُ: مَخَافَةٌ
النَّاسِ. فَيَقُولُ: فِيَّايَ كِنْتَ أحَقَّ أنْ تَخَافَ))(١) .
قال الإمامُ الذهبيُّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحدَةً ، ودِينُهُم قَائماً في خِلافَةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ
فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ قُفْلُ باب الفِتْنَةِ عُمَرُ رضي الله عنه، وانْكَسَرَ البَابُ، قَامَ رُؤوسُ الشَّرِّ على
الشَّهيدِ عُثْمانَ رضي الله عنه حتّى ذُبِحَ صَبْراً. وتَفَرَّقَتْ الكَلمَةُ وتَمَّتْ وَقْعَةُ الجَمَلِ ، ثم
وَقِعَةُ صِفّينَ، فَظَهَرتِ الخَوارِجُ، وكَفَّرَتْ سَادَةَ الصَّحَابَةِ ، ثم ظَهَرَت الرَّوافِضُ
والنَّواصِبُ(٢).
وفي آخِرِ زَمَنِ الصَّحابَةِ ظَهَرت القَدَريّة، ثم ظَهَرَتِ المُعْتَزِلَةُ بالبَصْرَة ، والجَهْميّة
والمُجَسِّمَة بخُراسَانِ في أثْناءِ عَصْرِ التَّابِعِين مع ظُهورِ السُّنَّةِ وأهْلِها إلى بَعدِ المِئَّتّين ،
فظَّهَرَ المَأمُونُ الخَلِيفَة - وكانَ ذَكيّاً مُتَكَلِّماً، له نَظَرَّ فِي المَعْقُولِ - فاسْتَجْلَبَ كُتُبَ
الأوائِل، وعَرَّبَ حِكْمَةَ اليُونانِ ، وقَامَ في ذلكَ وقَعَدَ ، وخَبَّ ووَضَعَ ، ورَفَعَت
الجَهْميَّةُ والمُعْتِزِلَةُ رُؤُوسَهَا، بلْ والشِّيعَةُ، وَآلَ به الحَالُ إلى أنْ حَمَلَ الأمَّةَ على القَولِ
بِخَلْقِ القُرآنِ ، وامْتَحَنَ العُلمَاءَ ، فَلَمْ يُمْهَلْ، وهَلكَ لعامِه، وخَلَّى بعدَه شَراً وبلاءً في
الدين . فإنَّ الأُمّة ما زالت على أنَّ القُرآنَ العَظيمَ كلامُ الله تَعالَى ووَحْيُه وتَنزِيلُه ،
لا يَعرفون غير ذلك، حتى نَبَغَ لهم القولُ بأنَّه كلامُ الله مَخْلوق مَجْعول ، وأنَّه إنَّما
يُضافُ إلى الله تَعالَى إضافةَ تَشْرِيف، كَبَيت الله، وناقَة الله . فأنكرَ ذلك العلماءُ ولَمْ
تكن الجَهْميَّة يَظهرون في دَولة المَهدي والرَّشيد والأَمين ، فلمَّا وَلِيَ المأمونُ ، كان
منهم ، وأظهَرَ المَقالة .
: رَوى أحمدُ بنُ إبراهيم الدَّوْرَقي ، عن محمدِ بنِ نوح : أنَّ الرَّشيدَ قالَ : بَلَغَني أنَّ
بِشْرَ بنَ غِياث المَريسي، يقولُ القُرآنُ مَخْلوق، فِلِلَّه عليَّ إنْ أَظْفَرَني اللهُ به، لأقْتُلَنَّه.
(١) .. انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٥/٩٣١.
(٢) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٢.
٥٨١

قال الدَّوْرَقيُّ : وكان مُتَوارياً أيام الرَّشيد، فلمَّا ماتَ الرَّشيدُ ظَهَرَ ودَعا إلى
الضَّلالَةِ(١).
قال الذهبيُّ: ثم إِنَّ المَأمونَ نَظرَ في الكَلام، وناظَر ، وبَقِيَ مُتَوقِّفاً في الدُّعاء إلى
بِدْعَته(٢) .
وقال أبو الفَرْجُ بنُ الجَوْزيّ: خَالَطَه قومٌ من المُعْتَزِلَةِ، فَحَسَّنوا له القَوْلَ بِخَلْقِ
القُرآن ، وكان يَتَردَّدُ ويُراقِبُ الشُّيوغَ ، ثم قَويَ عَزْمُه وامْتَحنَ النَّاسَ .
وعن ابنِ عَرْعَرَة ، حذَّثني ابنُ أكْثَم ، قال : قال لنا المَأمونُ : لَولا مَكانُ يَزِيدَ بنِ
هارون ، لأظْهَرتُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ ، فقال بعضُ جُلسائه : يا أميرَ المؤمنين ، ومَنْ
يَزِيدُ حتى يُتَّقَى؟ فقال: وَيْحَك !! إنِّي أخافُ إنْ أَظْهَرْتُه فيَرُدَّ عليَّ يَختلفُ الناسُ ،
وتَكونُ فِتنةً، وأنا أكْرِهُ الفِتنَةَ. فقال الرجلُ : فأنا أخْبُرُ ذلكَ منه ، قال له : نَعَم ،
فخرجَ إلى وَاسِط، فجاءَ إلى يَزِيدَ، وقال: يا أبا خالد، إنَّ أميرَ المؤمنين يُقرئُك
السَّلامَ ، ويقولُ لك : إنِّي أُريدُ أنْ أُظْهِرَ خَلقَ القُرآنِ ، فقال : كَذبتَ على أميرِ
المؤمنين . أميرُ المؤمنين لا يَحملُ النَّاسَ على ما لا يَعْرِفُونَه ، فإنْ كُنتَ صادقاً ،
فاقْعُد . فإذا اجْتَمَعَ النَّاسُ في المَجْلسِ ، فَقُلْ. قال: فلمَّا كان الغَدُ، اجتمعوا .
فقامَ ، فقال كمَقالَتِهِ ، فقال يَزِيدُ : كَذبتَ على أميرِ المؤمنين ، إنَّهُ لا يَحمِلُ النَّاسَ
على ما لا يَعرِفُونه، وما لَمْ يَقُلْ به أحَدٌ . قال : فَقَدِمَ ، وقال: يا أميرَ المؤمنين ،
كُنتَ أعْلمَ ، وقَصَّ عليه ، قال : وَيْحَكِ يُلْعَبُ بك !! .
قال صالحُ بنُ أحمد : سَمعتُ أبي يقولُ: لمَّا دَخَلْنا على إسْحاقَ ابنِ إبراهيمَ
للمِحْنة ، قَرأْ عَلينا كتابَ الذي صار إلى طَرَسُوس، يَعْني: المَأمونَ ، فكان فيما قُرِىءَ
علينا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾(٣).
(١) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٣٢.
(٢) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٣.
(٣) سورة الشورى، الآية : ١١.
٥٨٢

﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(١)، فقلتُ: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾(٢).
قال صالحٌ: ثم امتُحنَ القومُ، ووُجِّهَ بمن امتنَعَ إلى الحَبْس ، فأجابَ القومُ جَميعاً
غَيْرَ أرْبَعَة: أبي ، ومحمّد بن نُوح، والقَواريري ، والحَسن ابن حمّاد سجَّادة . ثم
أجابَ هذان ، وبقيَ أبي ومحمد في الحَبْس أيّاماً ، ثم جاء كتابٌ من طَرَسوس
بِحَمْلِهِما مُقَيِّدَين زَمِيلَين(٣).
وعن الأصَم ، حدَّثنا عبّاسُ الدُّوريُّ: سَمعتُ أبا جَعْفِرِ الأنْباري يقول: لمّا حُملَ
أحمدُ إلى المأمونِ ، أُخْبرتُ، فعَبرتُ الفُراتَ ، فإذا هو جالسٌ في الخان ، فسَلَّمتُ
عليه ، فقال: يا أبا جَعْفَر، تَعنَّيْتَ، فقلتُ: يا هذا أنتَ اليومَ رأسٌ ، والنَّاسُ
يَقْتَدونَ بك ، فوالله لئن أجبتَ إلى خَلقِ القُرآن لَيُجِيبَنَّ خَلقٌ ، وإنْ أنتَ لمْ تُجِبْ ،
لَيَمْتَنْعَنَّ خَلقٌ من النَّاسِ كَثير. ومع هذا فإنَّ الرجلَ إنْ لمْ يَقْتُلْكَ فإنَّكَ تموتُ ، لا بُدَّ
من المَوْت، فاتَّقِ اللهَ ولا تُجِبْ، فجَعلَ أحمدُ يَبْكي، ويقولُ: ما شاءَ الله . ثم
قال: يا أبا جَعْفَر، أَعدْ عليَّ، فأعَدتُ عليه، وهو يقولُ: ما شاء الله(٤).
وقال محمَّدُ بنُ إبراهيمَ البوشَنْجي : جَعلوا يُذاكرون أبا عبد الله بالرَّقة في التَّقيَّة
وما رُويَ فيها. فقال: كيف تَصْنَعون بحَديثِ خَبَّاب: ((إنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانَ يُنْشَرُ
أَخَذُهُم بالمِنْشَارِ ، لا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ )» فَأَيَسْنا منه (٥) .
وقال : لَستُ أُبالي بالحَبْس، وما هو ومَنْزلي إلاَّ واحدٌ، ولا قَتَلاً بالسَّيفِ إنَّما
أخافُ فِتْنَةَ السَّوْط. فسَمعَه بعضُ أهل الحَبْس ، فقال : لا عَليك يا أبا عبد الله ، فما
هما إلاَّ سَوْطان، ثم لا تَدري أين يَقعُ الباقي، فكأنَه سُرِّيَ عنه(٦) .
وعن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مُصْعَب ، وهو يومئذٍ صاحبُ شُرطَة المعتصم خِلافَةً
سورة الأنعام ، الآية ١٠٢ .
(١)
(٢)
سورة الشورى ، الآية : ١١ .
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٢/٩٣٣.
(٣)
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٣٣.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة : ١/٩٣٤.
انظر السير : ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٢/٩٣٤.
(٦)
٥٨٣

لأخيه إسْحاقَ بنِ إبراهيم ، قال : ما رأيتُ أحداً لم يُداخِلِ السُّلطانَ، ولا خَالَطَ
المُلوكَ ، كان أثْبَتَ قَلْباً من أحمدَ يومئذ ، ما نحنُ في عَينه إلاَّ كأمثال الذُّباب .
قال صالحُ بنُ أحمد : قال أبي: فلمَّا صِرْنا إلى أَذَنَةَ ، ورَحَلنا منها في جوف
اللَّيل ، وفُتْحَ لنا بابُها ، إذا رجلٌ قد دَخلَ . فقال: البُشْرَى! قد ماتَ الرجلُ - يَعْني
المَأمونَ - قال أبي : وكنتُ أدعو اللهَ ألا أراه .
وبَقيَ أحمدُ مَحْبوسَاً بالرَّقّة حتى بُريعَ المُعْتصمُ إِثْرَ مَوتِ أخيه ، فرُدَّ أحمدُ إلى
بَغْداد(١).
قال أبو عبد الله : ما رأيتُ أحداً على حَداثَة سِنِّه، وقدْرِ عِلْمِه أقوَمَ بأمر الله من
محمّدٍ بنِ نُوحٍ ، إنِّي لأرجو أن يكون قَدْ خُتمَ له بخَير ، قال لي ذاتَ يومٍ : يا أبا
عبد الله، الله . الله، إنَّكَ لَستَ مثلي. أنتَ رجلٌ يُقْتَدَى بك. قد مَذَّ الخَلقُ أعْناقَهم
إليك، لِمَا يكون منك، فَاتَّقِ اللهَ واثْبُتْ لأمر الله، أو نَحْو هذا. فماتَ ، وصَلَّيتُ
عليه ودَفَنْتُه .
قال صالحٌ: وصارَ أبي إلىْ بَغْدَادَ مُقِيَّداً، ثم حُبسَ في دارِ اكتُريت عند دار
عُمارة، ثم حُوِّلَ إلى حَيْسِ العامّة في درب المَوْصِليَّة . فقال : وذلك بعد مَوْتَ.
المَأمونِ بأربعةَ عَشر شَهراً ، حُوِّلتُ إلى دار إسْحاقَ ابنِ إبراهيمَ - يَعْني : نائبَ بغداد .
فلمَّا كان في اللَّيلة الرابعة ، وَجَّهَ - يَعْني المُعْتَصم - بِبُغا الكَبير إلى إسْحاقَ ، فأمرهُ
بحَملي إليه ، فأُدْخلتُ على إسْحاقَ ، فقال: يا أحمدُ إنَّها والله نَفْسُك، إنَّه لا يَقتُلُك
بالسَّيفِ ، إِنَّه قد آلَى، إنْ لَمْ تُجِبْهُ، أن يَضربَكَ ضَرباً بعد ضَرب وأنْ يَقْتُلَكَ في مَوضعِ
لا يُرى فيه شَمسٌ ولا قَمرٌ. أليسَ قد قال اللهُ تَعالَى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًا﴾(٢).
أفَيكونُ مَجْعولاً إلاَّ مَخْلوقاً؟ فقلتُ: فقد قال اللهُ تَعالَى: ﴿فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
مَأْكُولٍ﴾ (٣) ، أفخَلَقَهم؟ قال: فسكتَ، فلمَّا صِرْنا إِلى المَوْضع المَعروف بباب
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة : ٣/٩٣٤.
(١)
(٢)
سورة الزخرف ، الآية : ٣ .
(٣)
سورة الفيل ، الآية : ٥ .
٥٨٤

البُسْتان أُخرجتُ ، وجيءَ بدايةٍ فأُركبتُ وعليَّ الأقْيادُ ، ما مَعي مَن يُمْسِكُني ، فكِدتُ
غيرُ مرَّة أن أخِرَّ على وَجْهي لِثقلِ القيود . فجيءَ بي إلى دار المُعْتَصم ، فأُدخلتُ
حُجْرةً ، ثم أُدخلتُ بَيْتاً ، وأُقْفِلَ البابُ عليَّ فِي جَوفِ اللَّيل ، ولا سِراج، فأردتُ
الوُضوءَ ، فمَدَدتُ يَدي ، فإذا بإناءٍ فيه ماءٌ، وطسْتٌ مَوضوعٌ ، فَتَوَضأتُ وصَلَّيْتُ .
فلمَّا كان من الغَد ، أَخرجتُ تَكَّتِي، وشَدَدتُ بها الأقْيادَ أحْملُها وعطفتُ
سَراويلي . فجاء رسُولُ المُعْتَصم ، فقال : أَجبْ ، فأخذَ بيَدي ، وأدخلَني عليه ،
والتَّكَةُ في يدي ، أحْملُ بها الأقْيادَ ، وإذا هو جالسٌ ، وأحمدُ بنُ أبي دُوَاد حاضرٌ ،
وقد جَمعَ خَلقاً كَثيراً من أصْحابه ، فقال لي المُعْتَصمُ: ادْنُهُ . اذْنُه . فلم يَزَلْ يُدْنيني
حتى قَرُبتُ منه، ثم قال: اجْلسْ . فجَلَسْتُ ، وقد أثقَلَتْني الأقْيادُ ، فمَكثَ قَليلاً ، ثم
قُلتُ : أَتَأْذَنُ في الكلام ؟ قال : تكلَّمْ ، فقلتُ: إلى ما دَعا اللهُ ورسولُه ؟ فسَكتَ
هُنَيِّهَةً ، ثم قال : إلى شَهادة أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، فقُلتُ: فأنا أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله .
ثم قلتُ : إنَّ جَدَّكَ ابنَ عبّاس يقول : لَمَّا قَدمَ وَفْدُ عبد القَيْس على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، سَألوه عن الإيمان، فقال: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ ؟ » قالوا: اللهُ ورسولُه
أَعْلم، قال: ((شَهَادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً رَسُولُ الله، وإِقَامُ الصَّلاة،
وإِيتَاءُ الزَّكَاة، وأنْ تُعْطُوا الخُمْسَ مِنَ المَغْنَم)) . قال أبي: فقال - يَعْني المُعْتَصم:
لَوْلا أَنِّي وَجَدتُك في يَد مَنْ كان قَبْلِي، ما عَرَضْتُ لك(١) .
ثم قال : يا عبدَ الرحمَن بنَ إِسْحاق، أَلَمْ آمُرْكَ برَفْع المخْنَة ؟ فقلتُ : اللهُ أكْبر !!
إنَّ في هذا لَفَرَجاً للمُسلمين . ثم قال لهم : ناظِرِوه وكَلِّموه، يا عبدَ الرحمَن كَلِّمْه.
فقال : ما تَقولُ في القُرآن ؟ قلتُ : ما تَقُولُ أنتَ في عِلْمِ الله ؟ فسَكتَ ، فقال لي
بَعضُهم: أليسَ قال اللهُ تَعالَى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(٢) . والقُرآنُ أليسَ شَيئاً؟ فقلتُ :
قال اللهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّشَىْءٍ﴾(٣).
انظر السير : ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة : ٤/٩٣٤.
(١)
سورة الرعد ، الآية : ١٦ .
(٢)
(٣)
سورة الأحقاف ، الآية : ٢٥ .
٥٨٥

فدمَّرَت إلاَّ ما أرادَ الله. فقال بعضُهم: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾(١).
أَفَيكونُ مُحدَثٌ إلاَّ مخْلُوقاً. فقلتُ: قال اللهُ: ﴿صِّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾(٢) فالذكْرُ هو
القرآنُ، وتلك ليسَ فيها ألف ولام. وذَكرَ بعضُهم حَديثَ عِمْرانَ بنِ حُصَين : ((إنَّ اللهَ
خَلَقَ الذِّكرَ )) فقلتُ: هذا خطأٌ، حدَّثَنَا غَيرُ واحد: ((إنَّ اللهَكَتَبَ الذِّكرَ )). واحْتِجُوا
بحَديث ابنِ مَسْعود : (( مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ جَنَّةٍ ولا نَارٍ ولا سَماءٍ ولا أَرْضٍ أَعْظَمَ مَنْ آيَةِ
الكرْسِيِّ)) . فقلتُ: إنَّما وَقعَ الخَلقُ على الجَنَّ وَالنَّارِ والسَّماء والأرضِ ، ولمْ يَقعُ
على القُرآن . فقال بعضُهم : حَديثُ خَبَّاب: ((يا هَنَتَاه تَقَرَّب إلى اللهِ بما اسْتَطَعْتَ،
فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبَ إليهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليهِ مَنْ كلامِه)) . فقلتُ : هَكَذا هو .
قال صالحٌ : وجَعلَ ابنُ أبي دُوَادِ يَنظرُ إلى أبي كالمُغْضَب . قال أبي: وكان يتكلّمُ
هذا ، فأردُّ عليه . ويَتكلَّمُ هذا فأَرُدُّ عليه، فإذا انقطعَ الرجلُ منهم ، اعْتَرضَ ابنُ
أبي دُوَاد ، فيقولُ: يا أميرَ المؤمنين، هو والله ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدعٌ !! فيقولُ: كلِّموه ،
نَاظِروه . فيُكلِّمُني هذا، فأردُّ عليه، ويُكلِّمُني هذا فأرُدُّ عليه . فإذا انقَطَعوا ، يقول
المُعْتَصِمُ: وَيْحَكَ يا أحمَد، ما تَقُولُ؟ فأقولُ : يا أميرَ المؤمنين ، أَعْطوني شيئاً من
كتاب الله أو سُنَّة رَسولِه ، صلى الله عليه وسلم ، حتى أقولَ به . فطالَ المَجْلسُ ،
وقامَ ، ورُدِدْتُ إلى المَوْضِع .
فلمَّا أصْبحنا ، جاء رسولُه ، فأخذَ بيَدي حتى ذهبَ بي إليه ، فقال لهم : ناظِروه
وكَلِّموه ، فجعلوا يُناظِروني، فأرُدُّ عليهم ، فإذا جاؤوا بشيء من الكَلامِ ممَّا ليسَ في
الكتاب والسُّنَّة ، قلتُ : ما أدري ما هذا ، قال : فيقولون : يا أميرَ المؤمنين ، إذا
تَوَجَّهَتْ له الحُجَّة عَلينا، وإذا كلَّمْناه بشيء ، يقول: لا أدري ما هذا؟ فقال :
ناظِرِوه ، فقال رجلٌ: يا أحمدُ ، أراكَ تذكرُ الحَديثَ وتَنْتُحلُه ، فقلتُ : ما تقولُ في
قَوله: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِى أَوْلَادِ عُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ (٣) ، قال: خصَّ الله بها
سورة الأنبياء ، الآية : ٢ .
(١)
(٢)
سورة ص ، الآية : ١ .
سورة النساء ، الآية : ١١ .
(٣)
٥٨٦

المؤمنين ، قلتُ : ما تقولُ إنْ كان قاتلاً أو عَبْداً ؟ فسَكتَ ، وإنَّما احْتَجَجْتُ عليهم
بهذا، لأنَّهم كانوا يَحْتَجُونَ بظاهر القُرآن ، فحَيثُ قال لي: أراكَ تَنْتَحِلُ الحَديثَ ،
احْتَجَجْتُ بالقُرآن، يَعني: وإنَّ السُّنَّةَ خَصَّصَت القاتلَ والعَبْدَ، فأخْرَجَتَهُما من
العُموم ، قال : فلمْ يَزالوا كذلك إلىْ قُرْب الزَّوال، فلمَّا ضَجِرَ ، قال : قُوموا ، ثم
خَلابي ، وبعبدِ الرحمَنِ بنِ إسْحاق، فلمْ يَزَلْ يُكلِّمُني ، ثم قامَ ودَخلَ ، ورُدِدْتُ إلى
المَوْضع .
قال : فلما كانت الليلة الثالثة، قلتُ : خَليقٌ أنْ يَحْدُثَ غداً من أمري شيءٌ ،
فقلتُ للمُؤَكَّل بي : أُريدُ خَيطاً ، فجاءَني بخَيطِ ، فَشَدَدْتُ به الأَفْيادَ ، ورَدَدْتُ التَّكَّة
إلى سَراويلي مَخافَةً أَن يَحْدُثَ من أمْري شيءٌ فَأَتَعَرَّى . فلمَّا كان من الغد أُدخِلتُ إلى
الدَّار ، فإذا هي غاصَّةٌ فجَعَلتُ أدخلُ من مَوْضع إلى مَوْضع ، وقومٌ مَعَهم السُّيوف ،
وقَومٌ مَعَهم السِّياط وغَيرُ ذلك ، ولم يكنْ في اليومين الماضيين كَبيرُ أحدٍ من هَؤلاء .
فلما انتَهيتُ إليه قال : اقْعُد . ثم قال: ناظِرِوه ، كَلِّموه، فجَعَلوا يُناظِرِوني يَتكلَّمُ
هذا ، فأرُدُّ عليه، ويتكلَّمُ هذا، فأَرُدُّ عليه وجَعلَ صَوْتِي يَعْلو أصْواتَهم ، فَجَعَلَ
بعضُ مَنْ هو قائمٌ على رأسي يُومِىءُ إليَّ بِيَدِه، فلمَّا طالَ المَجْلسُ نَخَاني ثم خَلا بهم ،
ثم نَخَاهم ، ورَدَّني إلى عندِه، وقال: وَيْحَكَ يا أحمد! أَجِبْنِي حتى أُطلقَ عَنكَ
بيدي ، فَرَدَدْتُ عليه نَحْوَ رَدِّي، فقال: عليك، وذَكَرَ اللَّعْنَ ، خُذُوه ، اسْحَبوه ،
خَلِّمُوه. فسُحبتُ، وخُلِّعْتُ(١) .
قال : وقد صار إليَّ شَعْرٌ من شَعْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في كُمِّ قَميصي، فوَجَّه
إليَّ إِسْحاقُ بنُ إبراهيم، يقول: ما هذا المَصْرورُ؟ قلتُ : شَعْرٌ من شَعرِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم، وسَعَىُ بعضُهم ليَخْرِقَ القَميصَ عنِّي، فقال المُعْتَصمُ :
لا تَخْرقوه ، فتُزِعَ، فَظَنَنْتُ أنَه إنَّما دُرِىءَ عن القَميص الخَرق بالشَّعْرِ . قال : وجَلَسَ
المُعْتَصمُ على كُرسيٍّ ثم قال : العُقابَيْن والسِّياط ، فجِيءَ بالعُقابَين ، فمُدَّت يَدايَ ،
(١) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٩٣٦/١ - ٩٣٨.
٥٨٧

فقال: بعضُ مَنْ حَضَرَ خَلفي: خُذْ ناتِىءَ الخَشَبَتَين بِيَدَيك، وشُدَّ عليهما، فلمْ أَفْهَم
ما قال ، فتخَلَّعَتْ يَداي .
قال محمدُ بنُ إبراهيمَ البُوشَنْجي: ذكروا أنَّ المُعْتَصمَ ألانَ في أمر أحمد لمَّا عُلِّقَ
في العقابَين ، ورَأَىْ ثَبَاتَه وتَصْميمَه وصَلابته ، حتى أغْراهُ أحمدُ بنُ أبي دُوَاد ، وقال :
يا أميرَ المؤمنين، إنْ تَرَكَتَه، قيل: قد تَرَكَ مَذْهَبَ المَأمون، وسَخَّطَ قَوْلَه ، فهاجَه
ذلك علىْ ضَرْبِهِ .
قال صالحٌ : قال أبي: ولمَّا جيءَ بالسِّياط، نظرَ إليها المُعْتَصِمُ فقال : اثْتوني
بغَيرها، ثم قال للجَلاَّدين: تَقَدَّموا، فجعَلَ يتقدَّمُ إليَّ الرجلُ منهم، فَيَضْرِبُني
سَوْطَين، فيقولُ له : شُدَّ، قطَعَ اللهُ يَدَك، ثم يَتَنْخَّى ويتقدَّمُ آخرُ، فَيَضْرِبُي
سَوْطَين، وهو يقولُ في كلِّ ذلك : شُدَّ، قَطَعَ اللهُ يَدَك، فلمَّا ضُربتُ سَبعَةَ عَشرَ
سَوْطاً، قامَ إليَّ، يعني المُعْتَصمَ ، فقال: يا أحمدُ ، عَلَامَ تَقْتُلُ نَفْسَك؟ إنِّي والله
عَليكَ لَشَفيقٌ، وجَعَلَ عُجَيفُ يَنخَسُني بقائمَة سَيْفِه، وقال: أَتُريدُ أن تَغْلبَ هؤلاء
كلَّهم ؟ وجعلَ بعضُهم يقول : وَيْلَك !! إمامُكَ على رأسِك قائمٌ، وقال بعضُهم :
يا أميرَ المؤمنين دَمُهُ في عُنُقي، اقْتُلْه، وجَعَلوا يقولون : يا أميرَ المؤمنين أنتَ
صائمٌ، وأنتَ في الشَّمْسِ قائمٌ !! فقال لي: وَيْحَك يا أحمدُ ، ما تقولُ ؟ فأقول :
أعْطوني شيئاً من كتاب الله أو سُنَّة رسول الله أقولُ به ، فرجعَ وجلَسَ ، وقالَ للجَلَّد :
تقدَّم وأَوْجِعْ ، قَطَعَ اللهُ يَدَك ، ثم قامَ الثانية وجَعَلَ يقول : وَيْحَك يا أحمد : أَجْبْني ،
فَجَعَلوا يُقْبِلونَ عليَّ، ويقولون: يا أحمدُ، إمامُكَ على رأسِك قائمٌ!، وجَعَل عبدُ
الرحمن يقول : مَنْ صَنَعَ من أصْحابِك في هذا الأمر ما تَصنَع ؟ والمُعْتَصمُ يقولُ :
أجِبْني إلى شيء لك فيه أذْنَى فَرجِ حتَّى أطلقَ عنك بيدي ، ثم رجعَ ، وقال للجَلاَّد :
تقدَّم ، فجعلَ يَضْربُِّي سَوْطَين وَيَتَنَخَّى، وهو في خلال ذلك يقول: شُدَّ قَطَع اللهُ
يَدَكِ ، فَذَهبَ عَقلي، ثم أفَقْتُ بعد، فإذا الأقْيادُ قد أُطلِقَت عنّي. فقالَ لي رجلٌ مِمَّن
حضرَ : كَبَيْناكَ علىْ وَجْهِكَ، وطَرَحْنا على ظهرك باريَّةٌ(١) ودُسْناك! قال أبي : فما
(١) الحَصير المنسوج.
٥٨٨

شَعرِتُ بذلك، وأتَوني بسَويقٍ ، وقالوا : اشْرَبْ وتَقَيَّأْ ، فقلتُ : لا أُفْطِرُ، ثم جِيءَ
بي إلى دار إسْحاق بنِ إِبراهيم ، فحضَرت الظُّهرُ ، فتقدَّمَ ابنُ سَماعَة ، فصلَّى ، فلمَّا
انفَتَلَ من صَلاتِهِ ، وقال لي : صَليتَ والدَّمُ يَسيلُ فِي ثَوْنِك؟ قلتُ : قد صَلَّى عُمرُ ،
وجُرْحُه يَثْعَبُ دَماً(١) .
قال صالحٌ: ثم خُلِّيَ عنه ، فصار إلى مَنْزِلِه ، وكان مُكْتُه في السِّجْن منذ أُخذَ إلى
أن ضُربَ وخُلِّيَ عنه، ثمانية وعشرين شَهْراً، ولقد حدَّثَني أحدُ الرجلين اللذين كانا
معه ، قال : يا ابن أخي ، رحمَةُ الله على أبي عبد الله، والله ما رأيتُ أحداً يُشْبههُ،
ولقد جَعلتُ أقولُ له في وقت ما يُوجَّه إلينا بالطَّعام : يا أبا عبد الله ، أنتَ صائمٌ ،
وأنتَ في مَوْضع تَقَيَّة . ولقد عَطِشَ، فقالَ لصاحبِ الشَّراب: ناوِلني، فناوَلَه قَدَحاً
فيه ماءٌ وثَلجٌّ ، فأخَذَه ونَظَرَ فيه ، ثم ردَّه، ولمْ يَشْربْ، فجَعلتُ أعْجَبُ من صَبرِه على
الجوع والعطش ، وهو فیما هو فيه من الهَوْل !!
قال صالحٌ : فكنتُ ألتَمسُ وأحْتالُ أن أوصِلَ إليه طَعاماً أو رَغيفاً في تلك الأيّام ،
فلمْ أقْدِرْ ، وأخْبَرني رجلٌ حضَرَه : أنَّ تفقَّدَه في الأيام الثلاثة وهم يُناظِرونَه ، فما لَحَنَ
فِي كَلِمَة . قال : وما ظَنَنْتُ أنَّ أحداً يكونُ في مثل شَجاعَته وشدَّة قَلبه .
قال حَنْلٌ : سَمعتُ أبا عبد الله يقول : ذَهبَ عَقلي مِراراً ، فكان إذا رُفعَ عنِّي
الضَّربُ، رَجَعَتْ إليَّ نفسي، وإذا اسْتَرخَيتُ وسقَطْتُ، رُفعَ الضَّربُ أصابَتي ذلك
مِراراً ، ورأيتُه - يَعني المُعْتَصمَ - قاعداً في الشَّمسِ بغَيرِ مظَلَّة ، فسمعتُه وقد أفَقتُ ،
يقول : لابن أبي دُوَاد: لقد ارتكبتُ إِثْماً في أمر هذا الرجل . فقال: يا أميرَ
المؤمنين، إنَّه - والله كافرٌ مُشْرِكٌ، قد أشْرَكَ من غَيرِ وَجْه . فلا يَزالُ به حتى يَصْرِفَه
عمَّا يُريد . وقد كان أرادَ تَخْلِيَتَي بلا ضَرْبٍ ، فلمْ يَدَعْه ، ولا إسحاق ابن إبراهيم .
قال حَنْبَلٌ : وبَلغَني أنَّ المُعْتَصمَ قال لابنِ أبي دُوَاد بعدَما ضُربَ أبو عبد الله : كَمْ
ضُربَ ؟ قال : أربَعَة أو نَيفاً وثلاثين سَوْطاً(٢) .
أي : يجري ويتفجّر منه الدم .
(١)
(٢)
انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٩٣٨/١ - ٩٤٠.
٥٨٩

قال ابنُ أبي حاتِمٍ : حَدَّثني أحمَدُ بنُ سِنانٍ قال: بَلَغَنِي أَنَّ أحمدَ ابنَ حَنبَلٍ جَعَلَ
المُعْتَصِمَ في حِلِّ يومَ فَتَحَ عاصِمةَ بابك وظَفِرَ به ، أَوْ فِي فَتْحِ عَمُّورِيَةَ ، فقال : هو في
حِلِّ من ضَرْبِي (١) .
وقال ابنُ أبي حاتم : سَمعتُ أبا زرعَة يقول: دَعا المُعْتَصمُ بِعَمِّ أحمدَ ، ثم قال
للنَّاس: تَعْرفونَه؟ قالوا: نعم، هو أحمدُ بنُ حَنْبَل ، قال : فانظروا إليه ، أليسَ هو
صَحِيحُ البَدَن ؟ قالوا: نعم ، ولولا أنَّه فعل ذلك، لكنتُ أخافُ أنْ يَقعَ شيءٌ لا يُقَامُ
له ، قالوا : ولما قال: قد سَلَّمْتُه إليكم صَحِيحَ البَدَن، هَدأَ النَّاسُ وسَكَنوا .
قال الذهبيُّ: ما قال هذا مع تَمُّنِه في الخِلافَة وشَجاعَته إلاَّ عن أمرٍ كَبير كأنَّه
خافَ أنْ يَموتَ من الضَّرْب ، فتَخرجُ عليه العامَّة ، ولو خَرجَ عليه عامَّةُ بَغْداد لرِّيَّما
عَجزَ عنهم. وبَلَغَنا أنَّ المُعْتَصمَ نَدَمَ ، وأُسْقِطَ في يَدِه ، حتىْ صَلُحَ(٢) .
وسَمعتُه يقول: كلُّ مَنْ ذَكرَني ففي حِلِّ إلاَّ مُبتَدعاً ، وقد جَعَلتُ أبا إِسْحاقَ - يَعْني
المُعْتَصمَ - في حلِّ ، ورأيتُ اللهَ يقول: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ
لَكُمْ﴾(٣)، وأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعَفوِ في قِصّة مِسْطَح. قال
أبو عبد الله: وما يَنْفَعُك أنْ يُعذِّبَ اللهُ أخاكَ المسلم في سَببك؟ !! (٤).
مِحْنَةُ الوَاثق :
قال حَنْبِلٌ: لمْ يَزلْ أبو عبد الله بعد أنْ بَرىءَ من الضَّرب يَحضُرُ الجُمعَة
والجَماعَة ، ويُحدِّثُ ويُفْتي، حتى ماتَ المُعْتَصِمُ ، وَوَلَيَ ابنُهُ الوَائقُ فَأَظْهَر ما أَظْهَر
من المِحْنَةَ والمَيْل إلى أحمد بن أبي دُوَاد وأصْحابِهِ . فلمَّا اشْتدَّ الأمرُ على أهْلِ بَغْداد
وأظْهَرت القُضاةُ الفتنَة بخَلْق القُرآن ، وفُرِّقَ بين فَضْلِ الأنْماطيِّ وبينَ امرأتِهِ ، وبينَ
أبي صالح وبينَ امرأتِه ، كان أبو عبد الله يَشْهَدُ الجُمُعَة ، ويُعيدُ الصَّلاةَ إِذا رَجعَ ،
(١) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٠.
(٢)
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤٠.
(٣) سورة النور ، الآية : ٢٢ .
(٤) انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤٠.
٥٩٠

ويقولُ: تُؤْتَى الجُمعَة لفَضْلِها، والصَّلاةُ تُعادُ خَلفَ مَنْ قال بهذه المَقالَةِ(١).
وجاءَ نفرٌ إلى أبي عبد الله، وقالوا: هذا الأمرُ(٢) قد فَشا وتَفاقَم، ونحنُ نَخافُه
على أكثر من هذا، وذَكَروا ابنَ أبي دُوَاد، وأنَّه على أنْ يأمُرَ المُعلِّمِينَ بتَعليم الصِّبْيانَ
في المَكاتب : القُرآنُ كَذا وكذا، فنحنُ لا نَرَضَى بإمارَته . فمَنَعَهم من ذلك
وناظَرَهم. وحَكَىُ أحمدُ قَصْدَه في مُنَاظَرَتهم ، وأمَرَهم بالصَّبْر . قال : فَبَينا نحنُ في
أيام الواثق ، إذ جاء يَعقوبُ ليلاً برسالَةِ الأمير إسْحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله :
يقولُ لك الأميرُ : إنَّ أميرَ المؤمنين قد ذَكَرَكَ فلا يَجْتَمعَنَّ إليك أحدٌ ، ولا تُساكِنِّي
بأرضٍ ولا مَدينَة أنا فيها ، فاذْهَبْ حَيثُ شئتَ من أرضِ الله . قال : فاخْتَفى
أبو عبد الله بقيّةَ حياة الوَاثِقِ، وكانت تلك الفِتْنَة، وقُتِلَ أحمدُ بنُ نَصْر الخُزاعيّ ، ولمْ
يَزَلْ أبو عبد الله مُخْتَفياً في البيتِ لا يَخْرُج إلى الصَّلاة ولا إلىُ غَيْرِها حتىْ هَلَكَ
الوَاثقُ(٣).
وعن إبراهيمَ بنِ هانِىء ، قال : اخْتَفى أبو عبد الله عندي ثلاثاً ثم قال : اطلبْ لي
مَوْضِعاً ، قلتُ : لا آمَنُ عليك، قال : افْعَل، فإذا فَعَلْتَ ، أَفَدْتُك . فطلبتُ له
مَوْضِعاً ، فلمَّا خَرِجَ قال : اخْتَفىْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الغَارِ ثلاثةَ أيامٍ ثم
تَحوَّل (٤) .
وجاء في ترجمة البُوَيْطَيِّ ، قال الذهبيُّ : سُعيَ بالبُوَيْطِيِّ حتى كتبَ فيه ابنُ
أبي دُوَاد إلى وَالي مِصْرَ، فَامْتَحَنَه ، فلم يُجِبْ، وكان الوَالِي حَسَنَ الرَّأي فيه ، فقال
له : قُلْ فيما بَيْنِي وبَيْنَك، قال: إنَّه يَقْتَدي بي مئةُ ألف، ولا يَدْرُونَ المَعْنى، قال :
وقد كان أُمِرَ أنْ يُحْمَلَ إلى بَغْداد في أرْبَعِينَ رَطل حَديد(٥) .
وقال أبو الدَّحْداح الدِّمَشقيُّ: حدَّثنا الحُسَينُ بنُ حامد أنَّ كتاب المَأمونِ وَرَدَ على
انظر السير: (أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤١.
(١)
(٢)
أي القول بخلق القُرآن .
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٢/٩٤١.
(٣)
(٤)
انظر السير: ( أحمدُ بنُ حَنبل) ١١/ ١٧٧ -٣٥٨، وانظر النزهة: ٣/٩٤١.
انظر السير: ( البُوَيْطي) ١٢/ ٥٨-٦١، وانظر النزهة: ١/٩٨٢.
(٥)
٥٩١

إِسْحاقَ بنِ يَحْيى بنِ مُعاذ أميرِ دِمَشْق: أنْ أحْضِرْ المُحدِّثينَ بدِمَشْق فامْتَحنْهُم . قال
فأَحْضَرَ هشامَ بنَ عمّار، وسُليْمانَ ابنَ عبد الرحمن ، وابنَ ذَكْوان ، وابنَ
أبي الحَواريّ، فامتَحَنَهم امْتِحاناً ليسَ بالشَّديد، فأجابوا، خَلا أحمدَ بنَ
أبي الحَواريّ ، فجَعلَ يَرْفُقُ به ، ويقولُ : أليسَ السَّماواتُ مَخْلوقَةً ؟ أَلَيسَ الأرضُ
مَخْلوقَةٌ ، وأحمدُ يَأْبَى أنْ يُطيعَه، فسَجَنَه في دار الحِجارَة ، ثم أجابَ بعدُ فأطلقَه(١) .
وقال الحاكِمُ : حَدَّثنا طاهِرُ بنُ مُحمَّد الوَرَّاق ، سَمعتُ مُحمَّدَ ابنَ شاذِل يقولُ :
لِمَّا وَقَعَ بينَ مُحمَّدٍ بنِ يَحْيَى والبُخارِيِّ، دَخَلْتُ على البُخارِيِّ فقُلتُ : يا أبا عبدَ اللهِ
أَيشِ الحيلَةُ لنا فيما بَيْنَكَ وبينَ مُحمَّدَ ابنٍ يَحْتَى كُلُّ مَنْ يَخْتِلِفُ إِلَيْكَ يُطْرَدُ؟ ، فقال :
كَمْ يَعْتَرِي مُحمَّدَ ابنَ يَحْيَى الحَسَدُ في العِلْمِ . والعِلْمُ رِزْقُ الله يُعْطِيهِ مَنْ يَشاءُ .
فقُلتُ : هذه المَسْألَةُ التي تُحْكَى عَنْكَ؟ قال : يا بُنيَّ، هذه مَسْألةٌ مَشْؤومَةٌ ، رَأيْتُ
أحْمَدَ بنَ حَنْلَ وما نالَهُ في هذه المَسْأَلَة ، وجَعلتُ على نَفْسِي أن لا أتَكَلَّمَ فيها(٢) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : المَسْألَةُ هي أنَّ اللَّفْظَ مَخْلوقٌ، سُئِلَ عنها البُخاريُّ، فَوَقَفَ
فيها ، فلمَّا وَقَفَ واحْتَجَّ بأنَّ أفْعالَنَا مَخْلُوقَةٌ ، واسْتَدَلَّ لذلكَ، فَهِمَ منه الذُّهليُّ أنَّه
يُوَجِّهُ مَسْأَلَةَ اللَّفْظِ ، فَتَكَلَّمَ فيه، وأخَذَهُ بِلازِمِ قَوْلِهِ هو وغَيره(٣)، (٤).
قال الحاكِمُ : أَخْبَرَنا أبو عبدِ الله مُحمَّدُ بنُ يَعْقوبَ بنِ الأخْرَمِ سَمعتُ ابنَ عليٍّ
المَخْلَديّ ، سَمعتُ مُحمَّدَ بنَ يَحْيَى يقولُ : قد أَظْهَرَ هذا البُخَارِيُّ قَوْلَ اللَّفْظِيّةِ
واللَّفْظِيَّةُ عندي شَرٍّ من الجِهَميّة .
قال مُحمَّدُ بنُ نَصْر المَرْوزيُّ: سَمعتُهُ يقولُ : مَنْ زَعَمَ أَنِّي قُلتُ : لَفْظي بالقُرآنِ
(١) انظر السير: (أحمد بن أبي الحَواري) ٨٥/١٢- ٩٤، وانظر النزهة: ٣/٩٨٧.
(٢) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٧.
(٣) ولازم المذهب ليس بلازم كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء ، ونقل ابن ناصر الدين في
مقدمة كتابه (( الرد الوافر)) ٢٠ ، عن الإمام الذهبي - ووصفه بإمام التعديل والجرح، والمعتمد عليه
في المدح والقدح - كلمة جاء فيها: ونعوذ بالله من الهَوىُ والمِراء في الدين، وأن نكفِّرَ مُسْلماً مُوَحِّداً
بلازم قوله ، وهو يفر من ذلك اللازم ، وينزه ويعظم الرَّب.
(٤) انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة : ٤/١٠١٧.
٥٩٢

مَخْلُوقٌ فهُو كذَّابٌ ، فإِنِّي لَمْ أَقُلْهُ، فَقُلتَ له : يا أبا عبدَ الله ، قد خاضَ النَّاسُ في
هذا وأكْثَروا فيه، فقال: لَيْسَ إلاَّ ما أقُولُ(١).
قال : وسَمعتُ مُحمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الحافِظَ يقولُ: لمَّا اسْتَوَطَنَ البُخَارِيُّ نيسابُورَ
أَكْثَرَ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ الاخْتِلافَ إليه، فلمَّا وَقَعَ بينَ الذُّهليِّ والبُخاريِّ ما وَقَعَ في
مَسْألَةِ اللَّفْظِ ونادَى عليه ، ومَنَعَ النَّاسَ عنه، انْقَطَعَ عنه أكْثَرُ النَّاسِ غَيرَ مُسْلمٍ .
فقال الذُّهليُّ يوماً : ألا مَنْ قالَ باللَّفْظِ فلا يَحِلُّ له أنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَنَا فَأَخَذَ مُسْلِمٌ
رِداءَ فَوقَ عَمامَتِهِ وقام علىْ رُؤُوسِ النَّاسِ وبَعَثَ إلى الذُّهليِّ ما كَتَبَ عنه علىُ ظَهْرِ
جمَّال وكان مُسْلِمٌ يُظْهِرُ القَوْلَ بِاللَّفْظِ ولا يَكْتُمُه(٢).
وقال مُحمَّدُ بنُ أبي حاتِمٍ : أتىْ رَجلُ أبا عبدَ اللهِ البُخاريَّ، فقال : يا أبا عبدَ اللهِ ،
إِنَّ فُلاناً يُكَفِّرُكَ !!. فقال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا قَالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ:
يا كافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أحَدُهُمَا »(٣) .
وقال عبدُ الرَّحمَن بنُ أبي حاتِمٍ في (( الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ)) قَدِمَ مُحمَّدُ ابنُ إِسْماعيل
الرَّيَّ سَنَةَ خَمْسِينَ ومِئْتَيْنِ ، وسَمِعَ منه أَبِي وأبو زَرْعَةَ وتَرَكا حَديثَهُ عندَما كَتَبَ إليهِما
مُحمَّدُ بنُ يَحْيَى أنَّه أَظْهَرَ عندَهُم بنيسابُورَ أنَّ لَفْظَهُ بِالقُرآنِ مَخْلُوقٌ (٤).
قال الإمام الذهبيُّ : إنْ تَرَكا حَديثَه، أوْ لَمْ يَتْرُكَاهُ ، البُخاريُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُحْتَجّ به
في العَالَمِ (٥) .
قال أبو نعيم عبدُ الملك بنُ الحَسَنِ الإسْفَراييني ، ابنُ أخت أبي عَوانَةَ : سَمعتُ
أبي يقول لأبي عليّ النيسابوري الحافِظ: دَخلتُ أنا وأبو عَوانَةَ البَصْرَة، فقيلَ : إنَّ أبا
خَلِيفَة قد هُجِرَ، ويُدَّعَى عليه أنَّه قال : القُرآنُ مَخْلوق . فقال لي أبو عَوانَةَ: يا بُني!
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة : ١/١٠١٨.
(١)
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٣/١٠١٨.
(٢)
انظر السير : ( أبو عبد الله البُخاري) ١٢/ ٣٩١-٤٧١، وانظر النزهة: ٤/١٠١٨.
(٣)
انظر السير: ( أبو عبد الله البُخاري) ١٢/ ٣٩١ -٤٧١، وانظر النزهة: ٥/١٠١٩.
(٤)
(٥) انظر السير: (أبو عبد الله البُخاري) ٣٩١/١٢-٤٧١، وانظر النزهة: ٦/١٠١٩.
٥٩٣

لا بدَّ أنْ نَدخُلَ عليه، قال: فقالَ له أبو عَوانَةَ: ما تقولُ في القُرآن؟ فاحْمَرَّ وجهُهُ
وسَكتَ ، ثم قال : القُرآنُ كَلامُ الله غَيرُ مَخْلوق ، ومَنْ قال : مَخْلوقٌ ، فهو كافرٌ ،
وأنا تائبٌ إلى الله من كل ذنبٍ إلاَّ الكذبَ ، فإنِّي لمْ أكْذِب قَطُّ ، أَسْتغفرُ اللهَ . قال :
فقام أبو عليّ إلى أبي، فقبَّلَ رأسَه، ثم قال أبي: قام أبو عَوانَة إلى أبي خَليفَة ، فقبَّلَ
كَتِفَه .
تُوفِّيَ أبو خَليفَة سنة خمسٍ وثلاث مئة بالبَصْرَةِ(١) .
( ب ) مُناظَرَةٌ فِي خَلْقِ القُرآن :
جاءَ في تَرَجَمة الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل ، ثم قال المُعْتَصمُ: يا عبدَ الرحمَن بنَ
إِسْحاق، ألَمْ آمُرْكَ برَفْع المخْنَة ؟ فقال الإمامُ أحمدُ : اللهُ أكْبر !! إنَّ في هذا لَفَرَجاً
للمسلمين . ثم قال المُعْتَصمُ لهم: ناظِروه وكَلِّموه، يا عبدَ الرحمَن كَلِّمْه . فقال :
ما تَقولُ في القُرآن ؟ قلتُ : ما تَقولُ أنتَ في عِلْمِ الله ؟ فسَكتَ ، فقال لي بَعضُهم :
أليسَ قال اللهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾(٢). والقُرآنُ أليسَ شَيئاً؟ فقلتُ: قال اللهُ:
﴿ تُدَمِّرُ كُلَّشَىْءٍ﴾(٣) .
فدمَّرَت إلاَّ ما أرادَ الله. فقال بعضُهم: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾(٤)
أَفَيكونُ مُحدَثٌ إلاَّ مخْلُوقاً. فقلتُ: قال اللهُ: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾(٥) فالذكْرُ هو
القرآنُ، وتلك ليسَ فيها ألف ولام. وذَكرَ بعضُهم حَديثَ عِمْرانَ بنِ حُصَين: ((إنَّ اللهَ
خَلَقَ الذِّكرَ )) فقلتُ: هذا خَطأٌ، حدَّثَنَا غَيرُ واحد: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ الذِّكرَ )). واحْتُوا
بِحَديث ابنِ مَسْعود : (( مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ جَنَّةٍ ولا نَارٍ ولا سَماءٍ ولا أَرْضٍ أَعْظَمَ مَنْ آيَةِ
الكرْسِيِّ)) . فقلتُ: إنَّما وَقعَ الخَلقُ على الجَنَّةَ والنَّارِ والسَّماءِ والأرضِ، ولمْ
انظر السير: ( أبو خليفة) ٧/١٤-١١، وانظر النزهة : ٣/١١٢٢.
(١)
(٢)
سورة الرعد ، الآية : ١٦ .
سورة الأحقاف ، الآية : ٢٥ .
(٣)
سورة الأنبياء ، الآية : ٢ .
(٤)
سورة ص ، الآية : ١ .
(٥)
٥٩٤

يَقعْ على القُرآن. فقال بعضُهم: حَديثُ خَبَّب: (( يا هَنَتَاه تَقَرَّب إلى اللهِ بما
اسْتَطَعْتَ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبَ إليهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليهِ مَنْ كلامِه )) . فقلتُ : هَكَذا هو .
قال صالحٌ : وجَعلَ ابنُ أبي دُوَاد يَنظرُ إلى أبي كالمُغْضَب . قال أبي : وكان يتكلّمُ
هذا، فأردُّ عليه . ويَتكلَّمُ هذا فأرُدُّ عليه، فإذا انقَطعَ الرجلُ منهم ، اعْتَرضَ ابنُ
أبي دُوَاد ، فيقولُ: يا أميرَ المؤمنين، هو والله ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدعٌ !! فيقولُ : كلِّموه ،
نَاظِروه . فيُكلِّمُني هذا، فأردُّ عليه، ويُكلِّمُني هذا فأرُدُّ عليه . فإذا انقَطَعوا ، يقول
المُعْتَصِمُ : وَيْحَكَ يا أحمَد، ما تَقولُ ؟ فأقولُ : يا أميرَ المؤمنين ، أَعْطوني شيئاً من
كتاب الله أو سُنَّة رَسولِه ، صلى الله عليه وسلم ، حتى أقولَ به . فطالَ المَجْلسُ ،
وقامَ ، ورُدِدْتُ إِلى المَوْضِع .
فلمَّا أصْبحنا ، جاء رسولُه ، فأخذَ بيدي حتى ذهبَ بي إليه ، فقال لهم : ناظِروه
وكُلِّموه ، فجَعلوا يُناظِروني ، فأرُدُّ عليهم ، فإذا جاؤوا بشيء من الكَلامِ ممَّا ليسَ في
الكتاب والسُّنَّة ، قلتُ : ما أدري ما هذا ، قال : فيقولون : يا أميرَ المؤمنين ، إذا
تَوَجَّهَتْ له الحُجَّة عَلينا، وإذا كلَّمْناه بشيء ، يقول : لا أدري ما هذا؟ فقال :
ناظِروه ، فقال رجلٌ : يا أحمدُ ، أراكَ تذكرُ الحَديثَ وتَنْتُحلُه ، فقلتُ : ما تقولُ في
قَوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِّ﴾ (١) ، قال : خصَّ الله بها
المؤمنين ، قلتُ : ما تقولُ إنْ كان قاتلاً أو عَبْداً ؟ فسَكتَ ، وإنَّما احْتَجَجْتُ عليهم
بهذا ، لأنَّهم كانوا يَحْتَجُونَ بظاهر القُرآن، فحَيثُ قال لي : أراكَ تَنْتُحِلُ الحَديثَ ،
احْتَجَجْتُ بالقُرآن ، يَعني: وإنَّ السُّنَّة خَصَّصَت القاتلَ والعَبْدَ، فأخْرَجَتهُما من
العُموم، قال : فلمْ يَزالوا كذلك إلىْ قُرْب الزَّوال ، فلمَّا ضَجِرَ ، قال : قُوموا ، ثم
خَلابي ، وبعبدِ الرحمَنِ بنِ إسْحاق ، فلمْ يَزَلْ يُكلِّمُني، ثم قامَ ودَخلَ ، ورُدِدْتُ إلى
الموضع .
قال : فلما كانت الليلة الثالثة ، قلتُ : خَليقٌ أنْ يَحْدُثَ غداً من أمري شيءٌ ،
فقلتُ للمُوَكَّل بي : أُريدُ خَيطاً ، فجاءَني بخَيطٍ ، فَشَدَدْتُ به الأَفْيادَ، ورَدَدْتُ التَّكَّة
(١) سورة النساء ، الآية ١١.
٥٩٥

إلىْ سَراويلي مَخافَةَ أن يَحْدُثَ من أمْرِي شيءٌ فَأَتَعَرَّى . فلمَّا كان من الغد أُدخِلتُ إلى
الذَّار ، فإذا هي غاصَّةٌ فجَعَلتُ أدخلُ من مَوْضع إلى مَوْضع ، وقومٌ مَعَهم السُّيوف ،
وقَومٌ مَعَهم السِّياط وغَيرُ ذلك ، ولم يكنْ في اليومين الماضيين كَبيرُ أحدٍ من هَؤلاء .
فلما انتَهيتُ إليه قال: أقْعُد . ثم قال: ناظِرِوه، كَلِّموه، فجَعَلوا يُناظِروني يتكلّمُ
هذا ، فأرُدُّ عليه، ويتكلَّمُ هذا، فأرُدُّ عليه وجَعلَ صَوْتِي يَعْلو أصْواتَهم ، فَجَعَلَ
بعضُ مَنْ هو قائمٌ على رأسي يُومِىءُ إليَّ بِيَدِهِ ، فلمَّا طالَ المَجْلسُ نَخَاني ثم خَلا بهم ،
ثم نَخَاهم، ورَدَّني إلى عندِه ، وقال : وَيْحَكَ يا أحمد! أَجِبْنِي حتى أُطلقَ عَنْكَ
بيَدِي، فَرَدَدْتُ عليه نَحْوَ رَدِّي ، فقال: عليك، وذَكَرَ اللَّعْنَ، خُذُوه، اسْحَبوه ،
خَلِّعُوه . فسُحبتُ، وخُلِّعْتُ(١).
وقال طاهرُ بنُ خَفيف : سَمعتُ المُهْتَدِي بالله محمدَ بنَ الواثق ، يقول : كان
أبي إذا أرادَ أن يَقتُلَ أحداً، أحْضَرَنا، فأُتيَ بشيخ مَخْضوبٍ مُقِيَد، فقال أبي : ائذَنوا
لأبي عبد الله وأصْحابِهِ ، يَعني ابنَ أبي دُوَاد، قال : فأُدخِلَ الشيخُ ، فقال : السَّلامُ
عليك يا أميرَ المؤمنين ، فقال: لا سلَّمَ اللهُ عليكَ ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، بئسَ
ما أدَّبَكَ مُؤدِّبُك، قال اللهُ تَعالَى: ﴿ وَإِذَا حُبِِّثُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُذُوهَاَ﴾(٢)،
فقال ابنُ أبي دُوَاد : الرجلُ مُتكلُّم . قال له : كلِّمْه، فقال : يا شيخُ ما تقولُ في
القُرآن؟ قال: لمْ يُنْصِفْني، وليَ السُّؤال. قال : سَلْ، قال : ما تقولُ في القُرآن ؟
قال : مَخْلوقٌ . قال الشيخُ : هذا شيءٌ عَلِمَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر
وعُمَر ، والخُلفاءُ الراشدون، أمْ لم يَعْلَموه؟ قال: شيءٌ لمْ يَعْلَموه ، فقال :
سُبحانَ الله! شيءٌ لمْ يعْلَمْه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، عَلِمْتَه أنتَ ؟ فخَجِلَ ، فقال :
أقِلْني ، قال : المَسْألَةُ بحالِها . قال : نعم عَلِموه ، فقال : عَلِمِوه ولمْ يَدْعوا النَّاسَ
إليه ، قال : نعم . قال: ألا وَسِعَكَ ما وَسِعَهم ؟ قال : فقامَ أبي فدخلَ مَجْلساً ،
واسْتلقَى، وهو يقول: شيءٌ لمْ يَعْلَمْه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر وعُمر
(١) انظر السير: (أحمد بن حنبل) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٣٦.
(٢) سورة النساء ، الآية : ٨٦.
٥٩٦

وعُثمان وعَليّ ، ولا الخُلَفاء الراشدون، عَلمتَه أنت! سُبحانَ الله! شيءٌ عَلِموه ، ولمْ
يَدْعُوا النَّاسَ إليه، أفلا وَسِعَك ما وَسِعَهم؟ !! ثم أمرَ برفع قُودِه، وأنْ يُعْطَى مئة
دينار ، ويُؤْذَنَ له في الرُّجوع ، وسَقطَ من عَينه ابنُ أبي دُوَاد ، ولمْ يَمْتَحن بعدَها أبداً .
وهذه قصّة مَليحة، وإنْ كان في طَريقِها مَنْ يُجْهَل ولها شاهد(١).
(ج ) انتهاء فِتنة الامتحان بخَلْق القُرآن :
جاء في ترجمة المُتوَكل ، قال الذهبيُّ : وفي سنة أربع وثلاثين ومئتين أظْهَرَ
المُتْوَكَلُ السُّنّة وزَجرَ عنْ القولِ بخَلقِ القُرآن ، وكتبَ بذلك إلى الأمصار ، واسْتَقْدَم
المُحدِّثين إلى سامَرَّاء ، وأجْزَلَ صِلاتِهِم ورَوَوا أحاديثَ الرُّؤْيَة والصِّفات .
وفي سَنة ستِّ أحضرَ القُضاة من البُلْدان ليَعْقدَ بولاية العَهد لبنيه: المُنْتُصر محمد ،
٠
ثم للمُعْتَزِّ ، ثم للمُؤَّد إبراهيم ، وكانت الوَقْعَة بين المسلمين والرُّوم، ونَصر الله(٢).
وغضبَ المُتوَكلُ على أحمدَ بنِ أبي دُوَاد ، وصادَره، وسَجَنَ أصْحابَه ، وحُمُّلَ
ستّة عشر ألف درهم ، وافْتَقرَ هو وآله، ووَلِيَ يَحْيِىُ بنَ أُكْثم القَضاء ، وأطْلَقَ مَنْ تَبَقَّى
في الاعتقال مِمَّن امتنعَ عن القَول بخَلْقِ القُرآن ، وأُنْزِلَت عِظامُ أحمدَ بنِ نَصْرِ الشَّهيد ،
ودَفَنَها أقاربُه، وبَنَى قَصْرَ العروس بسامِرَّاء، وأنفَقَ عليه ثلاثين ألفَ ألفِ درهم ،
والتَمَسَ المُتوَكلُ من أحمدَ بنِ حَنْبَل أن يأتيه ، فَذَهبَ إلى سامِرَاءَ ولمْ يَجتمعْ به ،
اسْتَعْفى فأعْفاه، ودخلَ علىْ وَلِدِه المُعْتَزّ، فدعا له(٣).
(د) ردُ الذهبيِّ غُلقَّ بعض العُلماء في التكفير بسبب تلك الفتنة :
قال أبو داود : سألتُ أحمدَ بنَ صالح عمَّن قال : القُرآنُ كَلامُ الله ، ولا يقولُ
مَخْلوقٌ، ولا غيرَ مَخلوق . فقال : هذا شاكٌّ، والشَّاكُ كافر.
انظر السير: ( أحمد بن حنبل ) ١٧٧/١١ -٣٥٨، وانظر النزهة: ١/٩٤٦.
(١)
انظر السير: ( المُتوكل على الله) ٣٠/١٢-٤١، وانظر النزهة : ٩٧٧ /٤.
(٢)
انظر السير: ( المُتوكل على الله) ٣٠/١٢-٤١، وانظر النزهة : ٣/٩٧٨.
(٣)
٥٩٧

قال الذهبيُّ: بلْ هذا سَاكتٌ، ومَنْ سَكَتَ تَوَرُّعاً لا يُنْسَبُ إليه قَولٌ، ومَنْ سَكتَ
شاكّاً مُزْرياً على السَّلف، فهذا مُبْتَدِعٌ(١).
وقال محمدُ بنُ موسى المصري : سألتُ أحمدَ بنَ صالح ، فقلتُ : إنَّ قَوماً
يقولون : إنَّ لَفظَنا بالقُرآن غيرُ الملفوظ ، فقال: لَفظُنا بالقُرآن هو المَلْفوظ،
والحِكَايَةُ هي المَحْكيُّ ، وهو كَلامُ الله غيرُ مَخْلوق ، مَنْ قال : لَفْظي به مَخْلوقٌ ، فهو
كافرٌ .
قال الذهبيُّ : إنْ قال لَفظي، وعَنى به القُرآن ، فَنَعَم، وإنْ قال لَفظي وقَصَدَ به
تلَقُّظي وصَوْتِي وِفِعْلي أنَّه مَخْلوق ، فهذا مُصيبٌ ، فاللهُ تَعالَى خالِقُنا ، وخالقُ أفْعالِنا
وأدَواتِنا ، ولكن الكَفَّ عن هذا هو السُّنَّة، ويَكفي المَرْءَ أن يُؤمنَ بأنَّ القُرآنَ العَظيمَ
كَلامُ الله ووَحْيُه وتَنْزِيلُه على قَلب نَبِّه وأنَّه غيرُ مَخْلوق ، ومَعْلومٌ عند كلِّ ذي ذهنٍ
سَلِيمٍ أنَّ الجَماعَة إذا قَرؤوا السُّورَة، أنَّهم جميعاً قَرؤوا شَيئاً واحداً ، وأنَّ أصْواتَهم
وقِراءَتَهم وحَناجرَهم أشياءُ مُخْتلفَة ، فالمَقْروءُ كَلامُ ربِّهم، وقِراءتُهم وتَلِفُّظهم
ونَغَمَاتِهِم مُتباينَة، ومَنْ لمْ يَتصوَّر الفَرقَ بينَ التلفُّظ وبين المَلفوظ ، فدَعْه وأعْرضْ
عنه(٢)
قال الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَندَة في مسألة الإيمان: صَرَّحَ محمدُ بنُ نَصْر في كتاب
((الإيمان )) بأنَّ الإيمانَ مَخْلوق، وأنَّ الإقْرارَ، والشَّهادَةَ، وقِراءةَ القُرآن بلَفْظه
مَخْلوق. ثم قال : وهَجَرَه على ذلك عُلماءُ وَقْته وخالَفَه أئمَّةُ خُراسانَ والعِراق(٣).
قال الذهبيُّ : الخَوْضُ في ذلك لا يجوزُ ، وكذلك لا يجوزُ أنْ يُقالَ : الإيمانُ ،
والإقْرارُ، والقِراءةُ، والتَّلفُّظُ بالقُرآن غَيرُ مَخْلوق، فإنَّ اللهَ خَلقَ العِبادَ وأعْمَالَهم ،
والإيمانُ: فقَولٌ وعَمل، والقِراءَةُ والتَّلقُّظُ : من كَسْب القارىء، والمَقْروءُ
المَلْفوظُ: هو كَلامُ الله ووَحْيُه وتَنزيلُه، وهو غَيرُ مَخْلوق ، وكذلك كَلمَةُ الإيمان ،
انظر السير: (أحمد بن صالح) ١٦٠/١٢ -١٧٧، وانظر النزهة: ٢/٩٩١.
(١)
(٢) انظر السير: (أحمد بن صالح) ١٢/ ١٦٠ -١٧٧، وانظر النزهة: ٣/٩٩١.
(٣) انظر السير: (محمد بن نصر) ٣٣/١٤ -٤٠، وانظر النزهة: ١/١١٢٧.
٥٩٨

;
وهو قَوْلُ ((لا إلهَ إلاَّ الله، محمَّدٌ رَسُولُ الله)) داخلةٌ في القُرآن ، وما كان من القُرآن
فليس بمَخْلوق ، والتكلُّمُ بها من فِعْلِنا، وأفْعالُنا مَخْلوقَة، ولو أنَّا كُلما أخطأ إمامٌ في
اجْتهادِهِ في آحادِ المَسائل خطأً مَغْفوراً له، قُمْنا عليه، وبَدَّعْناه، وهَجَرْناه ، لما سَلِمَ
مَعنا لا ابنُ نَصْر، ولا ابنُ مَنْدَة ، ولا مَنْ هو أكْبرُ منهما، واللهُ هو هادي الخَلقِ إلى
الحَقِّ ، وهو أرْحَمُ الراحمين ، فنَعوذُ بالله من الهَوىُ والفَظاظَةِ(١).
(هـ) البُعدُ عن الخَوْض في هذه المسْألَة وأمْثالها أَوْلَى :
قال أحمدُ بنُ كامل القاضي : أخْبَرَني أبو عبد الله الوَرَّاق أنَّه كان يُوَرِّقُ على
داؤُدَ بنِ عليٍّ، وأنَّه سَمعَه يُسْألُ عن القُرآن، فقال: أمَّا الذي في اللَّوْحِ المَحْفوظِ فَغَيرُ
مَخْلوقٍ ، وأمَّا الذي هو بينَ النَّاس فمَخْلوق (٢) .
والخَوْضُ في هذا خَطِرٌ، نسألُ اللهَ السَّلامَة في الدين ، وفي المَسْألَة بُحوثٌ
طَوِيلَة، والكَفتُّ عَنها أَوْلَى، ولا سيَّما في هذه الأزْمنَةِ المُزْمِنَةَ(٣).
وقال الحاكمُ : سَمعتُ الأسْتاذَ أبا الوَليد يقول : قال لي أبي : أيُّ شيءٍ تَجْمَع ؟
قلتُ : أخرِّجُ على كتاب البُخاريّ ، فقال : عَليكَ بكتاب مُسْلم ، فإنَّه أكثرُ بَرَكَةً ، فإنَّ
البُخاريَّ كان يُنْسَبُ إلى اللَّفْظِ (٤).
قال محمدُ بنُ الذهبيّ: ومُسْلمٌ أيضاً نُسِبَ إلى اللَّفْظ ، ألا تراهُ كيف قام من
مَجْلس الذُّهْليِّ على رأسِ المَلأ لمَّا قال : ألا مَنْ كان يقولُ بقولِ محمّد بن إسماعيل ،
فلا يَقْرَبَنا ؟ فهذه مَسْألةٌ مُشْكلَة ، وقد كان أحمدُ بنُ حَنْبَل وغَيْرُه لا يَرَوْنَ الخَوْضَ في
هذه المَسْألة، مع أنَّ البُخاريَّ - رحمه اللهُ - ما صَرَّحَ بذلك، ولا قال: ألْفاظُنا
بالقُرآن مَخْلوقَة ، بلْ قال : أفْعالُنا مَخْلوقَة ، والمَقْروءُ المَلْفوظُ هو كَلامُ الله تَعَالَى ،
وليسَ بمَخْلوق ، فالشُّكوتُ عن تَوَسُّعِ العِبارات أسْلمُ للإنسان .
انظر السير: (محمد بن نَصر) ١٤/ ٣٣ - ٤٠، وانظر النزهة : ٢/١١٢٧.
(١)
(٢)
انظر السير: ( داوُد بن عليّ) ١٣/ ٩٧ - ١٠٨، وانظر النزهة: ٢/١٠٥٧.
انظر السير: (داوُد بن عليّ) ٩٧/١٣ -١٠٨، وانظر النزهة: ٣/١٠٥٧.
(٣)
انظر السير: ( أبو الوليد الفقيه) ٤٩٢/١٥-٤٩٦، وانظر النزهة: ٣/١٢٥٣.
(٤)
٥٩٩

ولقد كان أبو الوليد هذا من أركان الدين .
قال الحاكمُ: أرانا أبو الوَليد نَقَشَ خاتمه ((الله ثِقَة حَسَّان بن محمد))، وقال :
أرانا عبدُ الملك بنُ محمد بنِ عَديّ نَقَشَ خاتمه (( الله ثِقَة عبد الملك ابن محمد)»،
وقال: أرانا الرَّبيعُ نَقَشَ خاتمه ((اللهُ ثِقَة الرَّبيع بن سُليمان))، وقال: كان نَقَشُ خاتم
الشَّافعي: ((اللهُثِقَة محمد بن إدريس )) .
مات الوَليدُ سنةَ تَسْعٍ وثلاث مئة(١) عن اثنتين وسبعين سنة(٢).
(١) انظر السير: ٥٠٦/١٥_٥٠٨.
(٢) انظر السير: ( أبو الوليد الفَقيه) ٤٩٢/١٥-٤٩٦، وانظر النزهة: ٤/١٢٥٣.
٦٠٠