Indexed OCR Text
Pages 561-580
وكان يَعِظُ ويُذَكِّرُ ، وجاوَرَ في سنة خمسٍ وستّين ، وتَعبَّدَ حتى دُفِنَ بمگّة ، سنةَ سبع وستّين وثلاث مئة ، ودُفنَ عند الفُضَيلِ، بيعَتْ كُتُبُهُ ، فَكَشفت تلك الكُتبُ عن أحْوال والله أعلم(١) . وسَمعتُه يقول : إن كان بعد الصدِّيقين مُوحِّدٌ فهو الخَلَّج . قال الذهبيُّ : وهذه وَرْطَةٌ أخرى ، بل قُتَلَ الحَلَجُ بسيفِ الشَّرع على الزَّندَقَة ، وقد جَمِعْتُ بَلاياهُ في جُزْأين، وقد كان النَّصْرَاباذي صحبَ الشِّبْليَّ ومَشى على حَذْوِهِ ، فوَاغَوْناه بالله . ومن كَلامِهِ : نِهاياتُ الأوْلياءِ بِداياتُ الأنْبياء(٢). وقال القُشَيْرِيُّ : سَمعتُ السُّلميَّ يقولُ: خَرجتُ إلى مَرْو في حياة الأستاذ أبي سَهْل الصُّعْلوكي، وكان له قبلَ خروجي أيّام الجُمَع بالغَدَواتِ مَجْلسُ دور القُرآن بختم ، فوجدتُه عند رجوعي قد رفع ذلك المَجْلس ، وعَقَد لابن العُقابي في ذلك الوقت مَجْلسَ القول ، فداخَلَني من ذلك شيءٌ، وكنتُ أقولُ في نفسي : اسْتبدَلَ مَجِلسَ الخَتم بمجلس القول - يَعْني الغناء - فقال لي يوماً : يا أبا عبد الرحمن : أيش يقولُ النَّاسُ لي؟ قلتُ: يقولون: رفعَ مَجْلسَ القُرآن ، ووضَعَ مَجلس القَولِ . فقال : مَنْ قالَ لِأُسْتاذِهِ : لِمَ ؟ لا يُفْلِحُ أبداً . قال الذهبيُّ: يَنْبَغي للمُريد أنْ لا يقولَ لأُسْتاذِهِ : لِمَ ، إذا عَلمَه مَعْصوماً لا يَجوزُ عليه الخَطأ ، أمَّا إذا كان الشيخُ غَيرَ مَعْصومٍ وكَرِهَ قولَ : لِمَ ؟ فإنَّه لا يُفْلِحُ أبداً ، قال اللهُ تَعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾(٣). وقال تَعالَى: ﴿وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾(٤)، ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْهَمَةِ﴾(٥) انظر السير: ( النّصْراباذي) ٢٦٣/١٦ -٢٦٧، وانظر النزهة: ٣/١٢٩٤. (١) (٢) انظر السير: ( النّصْراباذي) ٢٦٣/١٦ -٢٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٩٥. سورة المائدة ، الآية : ٢ . (٣) سورة العصر، الآية : ٣ . (٤) سورة البلد ، الآية : ١٧ . (٥) ٥٦١ بَلى هنا مُريدون أثقالٌ أنْكادٌ ، يَعتَرضون ولا يَقْتَدون ، ويَقولون ولا يَعمَلون ، فَهَؤلاء لا يُفْلِحون . قال الذهبيُّ: وللسُّلَميِّ سُؤالات للدَّارَقُطنيِّ عن أحْوالِ المَشايخ، والرُّوَاةِ سُؤالَ عارفٍ ، وفي الجُمْلة ففي تَصانيفِه أحاديثُ وحكاياتٌ مَوْضوعَةٌ، وفي (( حَقائق تفسيره )) أشياءَ لا تسوغُ أصْلاً، عدَّها بعضُ الأئمّة من زَنْدَقَة الباطنيَّة، وعَدَّها بعضُهم عِرْفاناً وحَقيقةً، نَعوذُ بالله من الضَلال ومن الكَلامِ بهَوى ، فإنَّ الخَيرَ كُلَّ الخَيرِ في مُتَابَعة السنَّة والتمَشُّك بهَدْي الصَّحابة والتابعين ، رضي الله عنهم . ماتَ السُّلَميُّ، سنةَ اثْنَتي عَشرة وأربع مئة بنيسابور، وكانت جنازَتُهُ مَشهودَةً(١). ١٥ - مَنْ غَلا في مُحارَبَة الصُّوفيّة : جاء في ترجمة غُلام خَليل ، قال ابنُ الأعْرابيّ: قَدمَ من وَاسِط غُلامُ خَليل ، فَذُكِرَت له هذه الشَّناعَات - يَعني خَوضَ الصُّوفيّة - ودَقائقَ الأحْوال التي يَذُمُّها أهلُ الأثَرِ ، وذُكرَ له قَولُهم بالمَحَبَّة ، ويَبْلُغُه قولَ بَعضهم: نحنُ نُحبُّ رَبَّنا ويُحِبُّنا، فأسْقَطَ عنَّا خَوْفَه بغلبةٍ حُبِّه - فكان يُنْكِرُ هذا الخَطأ بخَطأ أغْلَظَ منه، حتى جَعَلَ مَحبَّةَ الله بدْعَةً، وكان يقولُ : الخَوفُ أوْلَى بنا . قال: وليسَ كما تَوهَّم ، بلْ المَحبَّة والخَوفُ أصْلان ، لا يَخْلو المؤمنُ منهُما ، فلم يزَلْ يقُصُّ بهم ، ويُحَذِّرُ منهم ، ويُغْري بهم السُّلطانَ والعامَّة ، ويقولُ : كان عندنا بالبَصْرَة قومٌ يقولون بالحُلول، وقومٌ يقولون بالإباحَة ، وقومٌ يقولون كذا ، فانتَشَر في الأفْواه أن بِبَغْدادَ قَوماً يقولون بالزَّنْدَقَةِ . وكانت تَميلُ إليه والدةُ المَوَفَّق ، وكذلك الدّولَة والعَوام، لزُهْدِهِ وتَقَشُّفه، فأمَرَت المُخْتَسبَ أن يُطيعَ غُلامَ خَليل، فطَلبَ القَومَ ، وبَثَّ الأعْوانَ في طَلبِهم ، وكُتِبوا ، فكانوا نيّفاً وسَبعين نَفْساً ، فاخْتَفى عامّتُهم، وبعضُهم خلَّصَتْه العامّة ، وحُبِسَ منهم جماعةٌ مدّةٍ(٢) . (١) انظر السير: (السُّلَميّ) ٢٤٧/١٧ -٢٥٥، وانظر النزهة: ١/١٣٣٩. (٢) انظر السير: (غُلام خليل) ٢٨٢/١٣ -٢٨٥، وانظر النزهة: ٣/١٠٨٣. ٥٦٢ ١٦ - ضُلاَل نَسَبوا أنفسَهم إلى التَّصَوُّف : المعَلَّجِ : هو الحُسَينُ بنِ مَنصور بنُ مَحْمي ، أبو عبد الله ، الفارسيُّ ، البَيْضاويُّ الصُّوفيُّ، والبَيْضاءُ : مَدينةٌ ببلاد فارس ، وكان جَدُّه مَحْميٌّ مَجوسيّاً . وكان يصحِّح حالَه أبو العبّاس بن عطاء ، ومحمد بن خفيف ، وإبراهيم أبو القاسم النصر آباذي . وتَبَرَّأ منه سائرُ الصُّوفيّة والمَشايخ والعُلماء ، لِما سَترى من سوء سيرته ومُروقه ، ومنهم من نسبَه إلى الحُلول ، ومنهم من نَسبَه إلى الزَّنْدَقَة وإلى الشَّعْبَذَة والزَّوْكَرة ، وقد تَستَرَ به طائفةٌ من ذَوي الضَّلال والانْحِلال وانتَحلوه ورَوَّجوا به على الجُهَّال، نَسْألُ اللهَ العِصْمَة في الدين . قال أبو نصر السَّراج : صَحبَ الحَلَّجُ عَمرو بنَ عُثْمان ، وسَرقَ منه كُتُباً فيها شيءٌ من علم التَّصوُّف ، فدَعا عليه عَمرو : اللَّهُم اقطَعْ يَدِيْه ورجلَيه . قال ابنُ الوَليد : كان المَشايخُ يَستثْقلون كَلامَه ، ويَنالون منه لأنَّه كان يأخذُ نفسَه بأشياء تُخالِفُ الشَّريعَة، وطَرِيقَةَ الزهَّاد ، وكان يَدَّعي المَحبَّة لله، ويَظْهَرُ منه ما يُخالفُ دَعْواه . قال الذهبيُّ: ولا رَيبَ أنَّ اتِباعَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، عَلَمٌ لمَحَبَّة الله القَوْلِهِ تَعالَى: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾(١) . قال السُّلميُّ : سَمعتُ أبا عليٍّ الهَمَذانِيَّ يقولُ: سألتُ إبراهيمَ بنَ شَيْبانَ عن الخَلاَّج ، فقال: مَنْ أحَبَّ أنْ يَنظُرَ إلى ثَمَراتِ الدَّعَاوَى الفاسدة فليَنظُرْ إلى الخَلاَج وما صارَ إليه . قال النَّديمُ : كان يَعْرفُ في الكيمياء ، وكان مِقْداماً جَسوراً على السَّلاطين ، مُؤْتَكباً للعَظائم، يَرومُ إِقْلَابَ الدِّوَل، ويَدَّعي عند أصْحابِهِ الإلهيّة ، ويقولُ (١) سورة آل عمران، الآية: ٣١ . ٥٦٣ بالحُلولِ ، ويُظْهِرُ التَشَيُّعَ للمُلوكِ، ومَذاهبَ الصُّوفيّة للعَامَّة ، وفي تَضاعيف ذلك يَدَّعي أنْ الإلهيّة حلَّت فيه، تَعالَى اللهُ وتَقَدَّسَ عمَّا يقول(١). قال التَّنُوخِيُّ: أخْبَرَنا أبي قال : مِنْ مَخاريق الخَلاَجِ: أنَّه كان إذا أرادَ سَفراً ومَعه مَنْ يَتنمَّسُ عليه ويَهُوسُه، قدَّمَ قبلَ ذلك من أصْحابه الذين يَكشِفُ لهم الأمرَ ، ثمَّ يَمْضي إلى الصَّحْراءِ ، فَيَدْفِنُ فيها كَعْكاً ، وسُكَّراً وسَويقاً ، وفاكهةً يابِسَةً ، ويعلُّمُ على مَواضِعها بحَجَر ، فإذا خَرَجَ القَومُ وتَعِبُوا قال أصْحابُه : نُرِيدُ السَّاعَةَ كَذا وكَذا . فيَنْفَرِدُ ويُرَى أَنَّه يَدْعو ، ثمَّ يَجيءُ إلى المَوْضِعِ فِيُخْرِجُ الذَّفينَ المَطلُوبَ منه ، أخْبَرَني بذلكَ الجَمُّ الْغَفيرُ، وأَخْبَرُوني قالُوا: رُبَّما خَرَجَ إلى بَساتينِ البَلَدِ ، فَيُقدِّمُ مَنْ يَدْفنُ الفالوذَجَ الحار في الرُّقاقِ ، والسَّمَكَ السُّخنَ في الرُّقاقِ ، فإذا خَرَجَ طَلبَ منه الرَّجُلُ - في الحالِ - الذي دَفَنَه ، فيُخْرِجُه هو . وقال التَّنُوخِيُّ : أخْبَرَنا أبي : سَمعتُ أحمَدَ بنَ يُوسُفَ الأزْرِقُ: أنَّ الحَلَجَ لمَّا قَدمَ بَغدادَ اسْتَغْوَى خَلقَاً من النَّاسِ والرُّؤساءِ، وكانَ طَمَعُه في الرَّافِضَةِ أقْوَىْ لِدُخولِه في طَريقِهم ، فراسَلَ أبا سَهل ابنَ نوبخت يَسْتَغْويه وكانَ أَبُو سَهل فَطِناً ، فقالَ لِرَسُولِه : هذه المُعْجِزاتُ التي يُظْهِرُها يُمْكنُ فيها الحِيلِ ، ولَكِنِّي رَجَلٌ غَزِلُ ، ولا لذَّةَ لي أكْبَرُ من النِّساءِ ، وأنا مُبْتَلَىّ بالصَّلَعِ، فإِنْ جَعَلَ لي شَعْراً ورَدَّ لِحْيَتَي سَوداءَ ، آمَنْتُ بما يَدْعُوني إليه وقُلْتُ: إِنَّهُ بابُ الإِمَام ، وإنْ شَاءَ قُلتُ: إنَّه الإمامُ، وإنْ شاءَ قُلتُ : إنَّه النَّبيُّ ، وإنْ شاءَ قُلتُ: إِنَّه اللهُ ، فَأَيَسَ الحَلَّجُ منهُ وكَفَّ . وقالَ الفَقيهُ أبو عليّ بنُ البَناءِ: كانَ الحَلَّجُ قَد اذَّعَى أَنَّه إلَهٌ وأنَّه يَقولُ بِحُلُولٍ اللَّهُوتِ في النَّاسُوتِ، فَأَحْضَرَهُ الوَزِيرُ عليُّ بِنُ عيسَىْ فَلَمْ يَجْدَهُ - إذْ سَأْلَه - يُحْسِنُ القُرآنَ والفِقْهَ ولا الحَديثَ فقالَ: تَعَلُّمُكَ الفَرضَ والطَّهورَ أجْدَى عَليكَ من رَسائِلَ لا تَذْري ما تَقُولُ فيها. كَمْ تَكتُبُ - وَيْلَك - إلى النَّاسِ: تَبَارَكَ ذو النُّورِ الشَّعْشَعانيّ ؟! ما أَحْوَجَكَ إلىْ أَدَبٍ! وأمَرَ به فصُلِبَ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، ثمَّ في الغَربِيِّ، ووَجَدَ في كُتُبِه : إنِّي مُغْرِقُ قَومِ نُوحٍ ، ومُهْلِكُ عادٍ وثَمُودَ. (١) انظر السير: (الخَلاَّج) ١٤/ ٣١٣ - ٣٥٤، وانظر النزهة: ٤/١١٥٤. ٥٦٤ وكان يَقولُ للواحِدِ من أصْحابِهِ ، أنْتَ نُوحٌ ، ولآخَرَ : أنْتَ مُوسَى ولآخَرَ : أَنْتَ مُحمّدٌ . وقالَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى الرَّازي : سَمعتُ عَمَرَو بنَ عُثمانَ يَلْعِنُ الحَلَجَ ويَقولُ : لَوْ قَدَرْتُ عَليه لقَتَلتُه بِيَدِي . فَقُلتُ : أيش وَجَدَ الشَّيخُ عليه؟ قالَ : قَرأتُ آيَةً من كِتابِ الله فقال: يُمْكِنُنِي أنْ أُؤْلِّفَ مِثلَه . وقال أبُو يَعقُوبَ النُّعْمانيُّ: سَمعتُ أبا بكر مُحمّدَ بنَ داوُدَ الفَقيهَ يَقولُ : إنْ كانَ ما أَنْزَلَ اللهُ علىْ نَبِيِّهِ حَقاً، فما يَقولُ الحَلَجُ باطِلٌ، وكان شَديداً عَليه(١) . قالَ أَبُو القاسِم التَّنُوخِيّ: أخْبرَنا أبي: حَذَّثني حُسَينُ بنُ عَبَّاس عَمَّنْ حَضَرَ مَجلِسَ حامِد وجاؤُوهُ بدَفاتِرِ الحَلَّج، فيها : إنَّ الإنْسَانَ إذا أرادَ الحَجَّ فإنَّه يَسْتَغْني عنه بأنْ يَعمِدَ إلى بيتٍ في دارِهِ ، فَيَعْملُ فيه مِحْراباً ، ويَغْتَسلُ ويُحْرِمُ ويَقولُ كَذا وكذا ، ويُصَلِّي كَذا وكذا ، ويَطُوفُ بذلك البَيتِ ، فإذا فَرَغَ فقَد سَقَطَ عَنهُ الحَجُّ إلى الكَعْبةِ ، فأقَرَّ به الخَلاَّجُ وقالَ : هذا شيءٌ رَوَيتُه كَما سَمعتُه، فتَعَلَّقَ بذلكَ عليه الوَزِيرُ ، واسْتَفْتى القاضِيَينِ: أبا جَعفَر أحمدَ ابنَ البُهْلول، وأبا عُمَرَ مُحمّدَ ابنَ يُوسُف ، فقال أبو عُمَر: هَذه زَنْدَقَةٌ يَجبُ بها القَتْلُ. وقال أبو جَعفَر: لا يَجبُ بهذا قَتَلٌ إلاَّ أنْ يُقِرَّ أنَّ يَعْتَقِدُه، لأَنَّ النَّاسَ قد يَرْوُونَ الكُفرَ ولا يَعْتِقِدُونَه، وإنْ أخْبَرَ أنَّه يَعتَقِدُهُ اسْتُنِيبَ منه ، فإِنْ تابَ فلا شيء عليه، وإلاَّ قُتِلَ، فعَمِلَ الوَزيرُ على فَتْوَى أبي عُمَر على ما شاعَ وذاعَ من أمْرِهِ ، وظَهرَ من إلحادِهِ وكُفْرِه فاسْتُؤْذِنَ المُقْتَدِرُ في قَتْلِه ، وكان قد اسْتَغْوَىُ نَصْراً القشُوريَّ من طَريقِ الصَّلاحِ والدِّين، لا بما كان يَدعُو إليه ، فخَوَّفَ نَصرٌ السّيدةَ أُمَ المُقْتَدِر من قَتْلِه وقال: لا آمَنُ أنْ يَلْحَقَ ابنُكِ عُقوبَةُ هذا الصَّالِحِ. فمَنَعَت المُقتدرَ مِن قَتْلِهِ ، فَلَمْ يَقبَلْ، وأمَرَ حامِداً بقَتْلِه ، فحُمَّ المُقتدرُ يَومَه ذلك ، فازْدادَ نَصرٌ وأُمُ المُقْتدِرِ افْتِتَاناً، وتَشَكَّكَ المُقتدرُ ، فأنْفَذَ إلى حامد يَمنَعُه من قَتْلِهِ، فأخَّرَ ذلك أيّاماً إلى أنْ عُوفِيَ المُقتدرُ ، فَأَلَخَّ عليه حامدٌ وقال: يا أميرَ المؤمنينَ ، هذا إنْ بَقِيَ قَلَبَ الشَّريعَةَ، وارْتَدَّ خَلقٌ على يَدِهِ ، وأدَّى ذلكَ إلى زَوالِ سُلطانِك، فدَعْني أَقْتُلُهُ ، وإنْ (١) انظر السير: (الخَلاَّج) ٣١٣/١٤- ٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٥. ٥٦٥ أصابَكَ شَيءٌ فاقْتُلني، فأذِنَ له في قَتْلِه ، فقَتَلَه مِنْ يَومِه ، فلمَّا قُتِلَ قال أصْحابُه : ما قُتِلَ وإنَّما قُتِلَ بِرْذَوْنٌ كان لفُلان الكاتب ، نَفَقَ(١). يومَئِذٍ وهو يَعودُ إليْنا بعدَ مُدّة ، فصارَتْ هذه الجَهالَةُ مَقالَة طائِفَة . قال : وكانَ أكْثَرُ مَخاريق الحَلَّجِ أنَّه يُظْهِرُها كالمُعْجِزاتِ ، يَسْتَغْوِي بها ضَعَفَةَ النَّاسِ . ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُه، ثمَّ رِجلُه، ثمَّ حُزَّ رَأْسُهُ، وأُحْرِقَتْ جُنَّتُه، ونُصِبَ الرَّاسُ يَومَينِ بِيَغْدادَ ، ثمَّ حُمِلَ إلى خُراسَانَ وطِيفَ به . وأقْبَلَ أصْحابُه يَعِدُونَ أنْفُسَهُم بُرُجُوعِه بعدَ أَرْبَعينَ يَوماً . قال السُّلميُّ : وحُكِيَ عَنهُ أنَّه رُبِيَ واقِفَاً في المَوْقِفِ ، والنَّاسُ في الدُّعاءِ ، وهو يَقولُ : أُنَزِّهُكَ عمَّا قَرَفَكَ به عبادُك ، وأبْرَأُ إليكَ ممَّا وَحَدَّكَ به المُوَحِّدون . قال الذهبيُّ : هذا عَينُ الزَّندَقَة، فإنَّه تَبَرَّأَ ممَّا وَخَّدَ اللهَ به المُوخِّدون الذين هم الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ وسائِرُ الأمَّة، فهلْ وَخَّدوهُ تَعالَى إلاَّ بكلِمَةِ الإخلاصِ التي قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ قَالَهَا مِنْ قَلْبِهِ فقَدْ حَرُمَ مَالُهُ ودَمُهُ)) ، وهي : شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله . فإذا بَرىءَ الصُّوفيُّ منها، فهُو مَلْعونٌ زِنْدِيقٌ، وهو صُوفيُّ الزِّيِّ، والظاهِر، مُسَتِّرٌ بالنَّسَبِ إلى العارِفِينَ ، وفي الباطِنِ فُهُو من صُوفَيَّة الفَلَاسِفَة أعْداءِ الرُّسُلِ كمَا كانَ جَماعَةٌ في أيَّامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْتُسِبون إلى صُحْبَتِهِ وإلى مِلَّتِهِ ، وهُم في البَاطِنِ من مَرَدَةِ المُنافِقين، وقَد لا يَعْرِفُهُم نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم، ولا يَعْلَمُ بهم، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ اٌلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾(٢)، (٣). فإذا جازَ على سيِّدِ البَشَرِ أنْ لا يَعْلَمَ ببعضِ المنافقين ، وهم معه في المدينة سَنوات ، فالأوْلَى أنْ يَخْفَى حالُ جماعة من المنافقين الفارغين على دين الإسلام بعده عليه السلام على العُلماء من أمَّتِهِ ، فما يَنْبَغي لك يا فَقيهُ أنْ تُبادرَ إلى تَكْفيرِ المُسْلمٍ إلاَّ (١) نَفَق : أي مات. (٢) سورة التوبة ، الآية : ١٠١ . (٣) انظر السير: (الحَلاج) ١٤/ ٣١٣-٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٦. ٥٦٦ بُرْهانٍ قَطعي ، كما لا يَسُوعُ لك أنْ تَعْتقدَ العِرْفانَ والولاية فيمن قد تَبَرَهَنَ زَغَلُه ، وانْهَتَكَ باطِنُهُ وزَنْدَقَتَه، فلا هذا ولا هذا، بل العَدْلُ أنَّ مَنْ رَآه المسلمون صالحاً مُحْسِناً، فهو كذلك ، لأنَّهم شُهَداءُ الله في أرضِه، إذِ الأُمَّة لا تَجْتَمعُ علىُ ضَلالَة ، وأنَّ مَنْ رَآه المسلمون فاجراً أو مُنافِقاً أو مُبْطِلاً، فهو كذلك، وأَنَّ مَنْ كان طائفَةٌ من الأُمَّة تُضَلِّلُه، وطائفةٌ من الأُمَّة تُنْني عليه وتُبَجِّلُه، وطائفَةٌ ثالثةٌ تَقِفُ فيه وتَتَوَرَّع من الخَطِّ عليه ، فهو ممَّن يَنْبَغي أن يُعْرَضَ عنه، وأنْ يُفَوَّضَ أمرُه إلى الله، وأن يُستغفَر له في الجُمْلَة، لأنَّ إِسْلامَه أصْليٌّ بيَقين، وضَلالَه مَشْكوكٌ فيه، فبهذا تستَريحُ ويَصْفو قلبُك من الغِلِّ للمؤمنين . ثم اعْلم أنَّ أهْلَ القبلَة كلُّهم ، مؤمنُهم وفاسِقُهم وسُنيِّهم ومُبتدِعُهم - سِوى الصحابة - لم يُجْمعوا على مسلم بأنَّه سعيدٌ ناجٍ ، ولم يُجْمِعوا على مسلم بأنَّه شَقيٌّ هالك، فهذا الصدِّيقُ فردُ الأمَّة، قد عَلمتَ تَفَرُّقَهم فيه، وكذلك عُمَر، وكذلك عُثْمان ، وكذلك عليّ، وكذلك ابنُ الزُّبَير ، وكذلك الحَجَّاج ، وكذلك المَأمون ، وكذلك بِشْر المريسي، وكذلك أحمدُ بنُ حَنبَل ، والشَّافعي ، والبُخاري ، والنَّسَائِي، وهَلمَّ جرّا من الأعْيان في الخَيرِ والشَّر إلى يومك هذا ، فما من إمام كامل في الخَير إلاَّ وثَمَّ أُناسٌ من جَهَلة المسلمين ومُبْتدعيهم يَذُّونَه ويَحُطُّون عليه ، وما من رأسٍ في البدعَة والتجَهُم والرَّفْض إلاَّ وله أُناسٌ يَنْتُصرون له ، ويَذِبُون عنه ، ويَدينون بقَوله بهَوىّ وجَّهل، وإنَّما العِبرَةُ بقَول جُمهور الأُمَة الخالين من الهَوىُ والجَهْلِ المُتَصِفين بالوَرَع والعلم ، فتدبّر - يا عبد الله - نِحْلَة الحَلاَّج الذي هو رأسٌ من رؤوس القَرامطَة ودُعاة الزَّنْدَقَة، وأنْصِفْ وتَورَّع واتَّقِ ذلك، وحاسب نفسَك، فإنْ تَبَرهَن لك أنَّ شَمائلَ هذا المَّرْء شَمائلَ عَدوُّ للإسلامِ ، مُحبُّ للرئاسَة حَريصٍ على الظُّهور بباطل وبحقِّ ، فَتَبرأ من نِحْلَته ، وإنْ تَبَرَهَن لك، والعياذُ بالله، أنَّه كان - والحالةُ هذه - مُحِقَّاً هادياً مَهديّاً ، فجَدِّدْ إِسْلامَك واستَغِث بربِّك أن يُوفِّقك للحقِّ وأن يُتْبِّتَ قلبك على دينِه ، فإنَّما الهُدَى نورٌ يَقذفُه اللهُ في قلبٍ عبده المسلم ، ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله ، وإنْ شَكَكْتَ ولم تعرف حقيقته ، وتَبَرّأتَ ممَّا رُمِيَ به ، أَرَحْتَ نفسَك، ولمْ يَسْألكَ اللهُ عنه أصْلاً . ٥٦٧ وقال أبو عُمرَ بن حَيوَة : لمَّا خَرِجَ الحَلَّجُ ليُقْتَلِ، مَضَيتُ وزَاحَمتُ حتى رأيتُه ، فقال لأصْحابه : لا يَهُولنَّكم ، فإنِّي عائدٌ إليكم بعدَ ثَلاثين يوماً . فهذه حكايةٌ صَحيحة تُوضِّحُ لك أنَّ الحَلَأَجَ مُمَخْرَقٌ كذَّاب ، حتى عند قَتِلِهِ . وقال الصُّوليُّ : قيلَ : إِنَّه كان في أوَّل أمرِه يَدعُو إلى الرِّضا من آلٍ محمّد ، وكان يُري الجاهلَ أشْياء من شَعبَذَته، فإذا وَثِقَ منه دَعاهُ إلى أنَّه إلاه(١) . وقالَ ابنُ باكويه : سَمعتُ ابنَ خَفيف يُسألُ : ما تَعْتَقدُ في الحَلَّجِ ؟ قالَ : أعْتقدُ أنَّه رَجلٌ من المُسْلِمِين فَقَطْ . فِقِيلَ له : قد كَفَّرَهُ المَشايخُ وأكْثَرُ المُسلِمَينَ ، فقالَ : إنْ كانَ الذي رَأيْتُهُ مِنْهُ في الحَبْسِ لَمْ يَكُنْ تَوحِيداً ، فَلَيسَ في الدُّنيا تَوحيدٌ . قال الذهبيُّ : هذا غَلَطْ من ابنِ خَفيف، فإنَّ الحَلَّجَ عندَ قَتَلِهِ ما زالَ يُوَحِّدُ اللهَ ويَصيحُ : الله الله في دَمي، فأنا على الإسْلامِ. وتَبَرَّأ ممَّا سِوَى الإسْلام . والزِّنْدِيقُ فيُوَحِّدُ اللهَ عَلانِيَةً، ولكنَّ الزَّنْدَقَةَ في سِرِّهِ ، وَالمُنافِقُونَ فقد كانوا يُوَحِّدُونَ ويَصُومُونَ ويُصَلُّونَ عَلانِيَةً ، والنِّفاقُ في قُلوبِهِم ، والحَلَّجُ فما كان حِماراً حتى يُظْهرَ الزَّنِدَقَةَ بإزاء ابنِ خَفيف وأمْثالِه ، بلْ كان يَبُوحُ بذلك لمَنْ اسْتَوثَقَ مِنْ رِباطِه ، ويمكنُ أنْ يَكونَ تَزَندَقَ فِي وَقْتٍ ، ومَرَقَ وادَّعَى الإِلَهِيَّةَ، وعَمِلَ السِّحرَ والمَخاريقَ الباطِلَةَ مُدّة ، ثم لمَّا نَزَلَ به البَلاءُ ورَأَى المَوتَ الأحْمرَ أسْلَمَ ورَجَعَ إلى الحَقِّ ، واللهُ أعْلَمُ بسِرّه ، ولكن مَقالَتَه نَبرأُ إلى اللهِ مِنْها ، فإنَّهَا مَحْضُ الكُفرِ ، نَسألُ اللهَ العَفْوَ والعَافِيَةَ. كان مَقْتَلُ الحَلَّجِ فِي سَنَّةٍ تِسْعِ وثلاثٍ مِئَّةٍ(٢) . ١٧ - تَعليلٌ لَبَعضِ ما يَسْمَعُه بَعضُ زُمَّاد المُتصَوِّفَة من المُخاطَبات : جاء في ترجمة أحمد بن أبي الحَواريِّ ، قال الذهبيُّ : ثم إنَّ العابدَ العَريُّ من العِلْم، متىُ زَهدَ وتَبَثَّلَ وجاعَ ، وَخَلا بنفسِه، وتركَ اللَّحْمَ والِّمارَ ، واقْتَصَر على (١) انظر السير: (الخَلاج) ٣١٣/١٤-٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٨. (٢) انظر السير: (الخَلاَّج) ٣١٣/١٤ -٣٥٤، وانظر النزهة: ١/١١٥٩. ٥٦٨ الدُّقَّة والكِسْرَة، صَفَتْ حَواتُّه وَلَطُفَت، ولازَمَتْه خَطراتُ النفس ، وسمعَ خِطاباً يتوَلَّدُ من الجُوع والسَّهَر، لا وُجُودَ لذلك الخطاب - والله - في الخارج ، ووَلجَ الشّيطانُ في باطِنِهِ وخرجَ ، فَيَعْتَقِدُ أنَّه قد وصلَ ، وخُوطِبَ وارتَقَىْ ، فَيَتَمَكَّنُ منه الشَّيطانُ ، ويُوَسْوسُ له، فينظُرُ إلى المؤمنينَ بعَينِ الازْدِراء ، ويَتَذَكَّرُ ذُنوبَهم ، ويَنظُرُ إلى نفسِه بعينِ الكَمال، ورُبَّما آل به الأمرُ إلى أنْ يَعتَقدَ أنَّه وَلِيٍّ ، صاحبُ كَراماتٍ وتَمُّن ، ورُبَّما حصلَ له شَكٌّ، وتَزَلْزِلَ إيمانُهُ ، فالخلوَة والجُوع أبو جادٍ التََّقُّب ، وليس ذلك من شَرِيعَتنا في شيء ، بلى السلوك الكامل هو الوَرَعُ في القُوت، والوَرَعُ في المَنْطِق، وحِفْظُ اللَّسان، ومُلازَمَةُ الذِّكْر، وتَركُ مُخالَطة العامَّة ، والبُكاءُ على الخَطِيئَة ، والتِّلاوَة بالتَّرْتيل والتَّدَبُر، ومَقْتُ النَّس وذَمُّها في ذات الله، والإكثارُ من الصَّومِ المَشْروع، ودَوامُ التَّهَجُّد، والتَّواضُعُ للمسلمين ، وصلةُ الرَّحِم والسَّماحَة وكثرةُ البِشْر، والإنْفاقُ مع الخَصاصَةِ ، وقَولُ الحَقِّ المُرِّ برِفْق وتُؤَدَة، والأمرُ بالعُرْف، والأخذُ بالعَفو، والإعْراضُ عن الجَاهلين، والرِّباطُ بالثَّغْرِ ، وجِهادُ العَدوِّ ، وحَجُّ البَيتِ ، وتَناوُلُ الطيِّبات في الأحايين ، وكثرةُ الاستغفار في السَّحَر ، فهذه شَمائلُ الأولياء ، وصِفاتُ المحمَّديّين، أماتَنَا اللهُ على مَحبَّتِهم (١) . وقال ابنُ هِلالَة: جَلستُ عند نَجْمِ الدِّين الكُبْرى في الخلوَةِ مِراراً ، وشَاهَدتُ أمُوراً عَجِيبَةً ، وسَمعتُ مَنْ يُخاطِبُنِي بِأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ . قال الذهبيُّ : لا وُجودَ لمَنْ خاطَبَك في خلوتِك مع جُوعك المُفرط ، بلْ هو سَماعُ كلام في الدِّماغ الذي قد طاشَ وفاشَ وبقيَ قَرعة كما يَتمُّ للمُبَرْسَم (٢) والمَغْمور بالحُمّى والمَجْنون ، فاجْزِمْ بهذا واعبد اللهَ بالسُّنَن الثابتة تُفْلِحْ(٣). انظر السير: ( أحمد بن أبي الحَواريّ) ١٢/ ٨٥_٩٤، وانظر النزهة : ٢/٩٨٦. (١) (٢) البرسام : عِلّة يُهْذَى فيها . انظر السير: ( نَجم الدين الكُبرَى) ٢٢/ ١١١ -١١٤، وانظر النزهة : ١/١٦٧٠. (٣) ٥٦٩ ١٨ - الخَرَّاز أوّلُ مَنْ تكلَّم في مُصْطَلَح الفَناء والبقاء : جاء في ترجمة الخَرَّز ، قال الذهبيُّ : ويُقالُ إنَّه أوّل من تكلّم في عِلم الفَناء والبقاء(١)، فأيُّ سَكْتَة فاتَته، قصدَ خَيراً، فولّد أمراً كبيراً ، تَشبَّثَ به كلُّ اتِّحاديٍّ ضالٌ. وتُوقِّي سنة ستٍّ وثمانين ومئتين . قال السُّلميُّ : هو إمامُ القَوم في كل فنٍّ من عُلومِهم ، له في مبادىء أمره عجائبٌ وكَرامات، وهو أحْسَنُ القَوم كَلاماً ، خَلا الجُنَيد ، فإنَّه الإمامُ(٢). (١) انظر ما كتبه ابنُ القيم رحمه الله في ((مَدارج السّالكين)) (١٤٨/١ - ١٧٣) عن الفَناء وأقسامه ومَراتبه ، وما هو مذموم ، وما هو محمود . (٢) انظر السير: (الخَرّاز) ٤١٩/١٣-٤٢٢، وانظر النزهة: ٢/١٠٩٧. ٥٧٠ مَسائل عَقديّة مُتفَرِّقة ١- التجسيم : جاء في ترجمة الطَّلَمَنْكيِّ، قال الذهبيُّ : رأيتُ له كِتاباً في السنَّة في مُجلَّدين عامَّته جيِّ، وفي بَعضٍ تَبويبه ما لا يُوافَقُ عليه أبداً ، مثل : باب الجَنْب لله ، وذكرَ فيه : ﴿َحَسْرَ فَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبٍ اللَّهِ﴾(١)، (٢) . ٢ - التَّشْبيه : قال أبو سَهْل بنُ زياد القَطَّان، أخْبرَنا محمدُ بنُ إسْماعيل الترمذيّ، سَمعتُ نُعَيمَ بنَ حمَّاد يقول: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بخَلقِه فقد كَفَر، ومَنْ أنْكرَ ما وَصفَ به نفسَه فقد كَفَرِ، ولَيسَ في ما وَصَفَ اللهُ به نفسَه ولا رسُولُه تَشْبيه(٣). قال الإمامُ الذهبيُّ : هذا الكَلامُ حقٌّ ، نَعوذُ بالله من التَشْبِيه ومِن إنْكارِ أحاديثِ الصِّفات ، فمَا يُنكِرُ الثَّابتَ منها مَنْ فَقُهَ، وإنَّما بعد الإيمان بها هنا مَقامان مَذْمومان : (٤) . تَأْوِيلُها وصَرْفُها عن مَوضِع الخِطاب ، فما أوَّلَهَا السَّلَفُ ولا حَرَّفوا ألْفاظَها عن مَوَاضِعِها ، بل آمَنُوا بها ، وأمَرُوها كما جاءَت (٥) . المَقامُ الثاني: المُبالَغَةُ في إِثْباتِها ، وتَصَؤُّرِها من جِنسِ صِفاتِ البَشَر ، وتَشَكُلِها في الذُّهْن ، فهذا جَهلٌ وضَلالٌ ، وإنَّما الصِّفةُ تابعةٌ للمَوْصوفِ ، فإذا كانَ المَوْصوفُ سورة الزمر ، الآية : ٥٦ . (١) (٢) انظر السير : ( الطَّلمَنكي) ٥٦٦/١٧-٥٦٩، وانظر النزهة: ١/١٣٦٥. انظر السير: ( نُعيم بن حمّاد بن معاوية) ١٠/ ٥٩٥-٦١٢، وانظر النزهة: ٢/٨٩٩. (٣) (٤) انظر السير: ( نُعيم بن حمّاد بن معاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ٣/٨٩٩ .. انظر السير: ( نُعيم بن حمّاد بن مُعاوية) ١٠/ ٥٩٥ -٦١٢، وانظر النزهة : ٤/٨٩٩. (٥) ٥٧١ عَزَّ وجَلَّ لَمْ نَرَه ، ولا أخْبِرَنا أحدٌ أنَّه عاينَه مع قَولِه لنا في تَنزِيلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾(١). فكَيفَ بقي لأَذْهانِنا مَجالٌ في إِثْباتِ كَيفيّةِ البارىءِ ، تَعالى اللهُ عن ذلك ، فكذلك صِفاتُه المقدَّسَة ، نُقِرُ بها ونَعتَقدُ أنَّها حقٌّ ، ولا نُمثِّلُها أصْلاً ولا نَتَشكَّلُها(٢) . وقالَ الضِّياءُ سَمعتُ الحَافِظَ اليُونِينِيّ يقولُ: لمَّا كُنتُ أسْمَعُ شَناعَةَ الخَلقِ على الحَنَابِلَة بالتَّشْبِيهِ عَزَمْتُ على سُؤالِ الشَّيخِ المُوَفَّق - ابنَ قُدامَة - وبقيتُ أشْهُراً أريدُ أنْ أسْألَه، فصَعَدتُ مَعَه الجَبَلَ ، فلمَّا كُنَّا عندَ دَارِ ابنِ مُحارِب قُلتُ : يَا سَيِّدي ، وما نَطَقْتُ بأكْثَرَ مِنْ سَيِّدي ، فقالَ لي: التَّشْبِيهُ مُسْتَحيلٌ فَقُلتُ : لِمَ ؟ قالَ : لأنَّ مِنْ شَرْطِ التَّشْبِيهِ أنْ نَرَى الشَيءَ، ثمّ نُشَبَّهُه، مَنْ الذي رَأى الله ثمّ شَبَّهَه لنَا؟ !! ، وذَكَرَ الضِّياءُ حِكاياتٍ فِي كَرَامَاته(٣). ٣- تَعليلٌ لانتشار عِلم الكَلام في المَغْرب والأنْدَلُس: جاء في ترجمة أبي ذَرْ الهَرَوي ، قال الذهبيُّ : الحافظُ، الإمامُ ، المُجَوِّدُ ، العَلَأَّمَة، شَيخُ الحَرم ، أبو ذَر ، عبدُ بنُ أحمد بن محمد ، المَعْروف ببلدِه بابنِ السَّمَّاك ، الأنْصاريُّ، الخُرسانيُّ ، الهَرَويُّ ، المَالكيُّ ، صاحبُ التَّصانيف . قال : وُلدتُ سنة خمسٍ أو ستٍّ وخمسين وثلاث مئة . مات بمكّة ، سنة أربع وثلاثين وأربع مئة ، وكان على مَذْهَب مالك ومَذْهَب الأشْعَريّ(٤) . قال الذهبيُّ : أخذَ الكَلامَ ورأيَ أبي الحسَن عن القاضي أبي بَكْر بن الطيِّب ، وبثَّ ذلك بمكّة ، وحَملَه عنه المَغارِبَةُ إلى المَغْرِب ، والأندَلُس ، وقبل ذلك كانت عُلماء المَغْرب لا يَدخُلون في الكلام ، بل يُتَقِنونَ الفِقْهَ أو الحَديث ، أو العَربيّة ، سورة الشورى، الآية: ١١ . (١) انظر السير: ( نُعيم بن حمّاد بن مُعاوية) ٥٩٥/١٠ -٦١٢، وانظر النزهة: ١/٩٠٠. (٢) (٣) انظر السير: (ابن قَدامَة) ١٦٥/٢٢-١٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٦٨٢. انظر السير: ( أبو ذرْ الهَرَوي) ١٧/ ٥٥٤ - ٥٦٣، وانظر النزهة: ١/١٣٦١. (٤) ٥٧٢ ولا يَخوضون في المَعْقولات ، وعلى ذلك كان الأصيليُّ ، وأبو الوَليد بنُ الفَرَضي ، وأبو عُمر الطَّلَمَنكيُّ، ومَكِّي القَيْسيُّ، وأبو عمرو الدَّانيُّ، وأبو عُمر بن عبد البَرِّ ، والعُلماءُ(١). ٤ - التَّعَلُّق بالقُبور : (أ) أحوالُ العَوامِ المُتعلِّقين بالقُبور في القرن الثامن : جاء في ترجمة السيدة نفيسَة ، قال الذهبيُّ : ولِجَهَلة المِصْرتِين فيها اعْتِقادٌ يَتجاوزُ الوَصْف ، ولا يَجوزُ ممَّا فيه من الشِّرْك، ويَسْجُدون لها ، ويَلْتَمسون منها المَغْفِرَة ، وكان ذلك من دَسائس دُعاة العُبَيديّة(٢)، (٣). ( ب ) زيارةُ قبر النبيِّ : عن سُهَيل وسَعيد مولى المهري ، عن حَسن بن حَسَن بن عليّ أنَّه رأى رجلاً وقفَ على البيت الذي فيه قَبرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَدعو له ويُصلِّي عليه ، فقالَ للرجلِ : لا تَفْعَل فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تَّخِذُوا بَيْتِي عِيدَاً ، ولا تَجْعَلُوا بُيُوتَكمْ قُبُورَاً، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كِنْتُم ، فَإِنَّ صَلاتَكُم تَبْلُغُنِي )). قال الذهبيُّ : هذا مُرسَل ، وما استدَلَّ به حَسنٌّ في فَتَّواه باطلٌ من الدَّلالَةِ ، فمَنْ وَقَفَ عند الحُجْرَةِ المُقدَّسَة ذَلِيلاً مُسَلِّماً مُصَلِّياً على نبيّه ، فيا طُوبَى له ، فقد أحْسَنَ (١) انظر السير: (أبو ذَرْ الهَرَوي) ٥٥٤/١٧- ٥٦٣، وانظر النزهة: ٢/١٣٦١. (٢) قال صاحبُ التَّزهَة: قال ابنُ كثير في البداية والنهاية (٢٦٢/١٠): وإلى الآن قد بلغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً ، ولا سيَّما عَوام مصر ، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك ، وألفاظاً يجب أن يعرفوا أنها لا تجوز ، وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين ، وليست من سلالته ، والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات ، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها ، والمغالاة في البشر حرام ، ومن زعم أنها تفك من الخشب ، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله تعالى فهو مشرك ، رحمها الله وأكرمها . (٣) انظر السير : ( نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ١٠٦/١٠-١٠٧، وانظر النزهة : ٢/٨٥٦. ٥٧٣ الزِّيارَة، وأجْمَلَ في التَّذَلُّل والحُبِّ، وقد أتى بعبادَةٍ زائدة على مَنْ صَلَّى عليه في أرضِه، أو في صَلاتِه ، إذِ الزائرُ له أجرُ الزِّيارَة وأجْرُ الصَّلاة عليه، والمُصَلِّي عليه في سائر البلاد له أجْرُ الصَّلاة فقط . فمَنْ صَلَّى عليه واحدةً صَلَّى اللهُ عليه عَشْراً، ولكنَّ مَنْ زَارَه - صَلواتُ الله عليه - وأساء أدَبَ الزيارة، أو سَجَدَ للقَبرِ، أو فَعَلَ ما لا يُشْرَع، فهذا فعلَ حَسَناً وسَيْئاً ، فيُعَلَّم برفِق، واللهُ غَفورٌ رَحيم ، فوالله ما يَحْصُلُ الانْزعاجُ لمسلم، والصِّياحُ وتَقْبِيلُ الجُدْران ، وكَثْرَةُ البُكاء ، إلاَّ وهو مُحبٌّ لله ولرَسولِه، فحُتُّهُ المِعْيارُ والفَارِقُ بين أهْل الجَنَّة وأهْلِ النَّار، فزيارَةُ قَبِهِ صلى الله عليه وسلم من أفْضَلِ القُرَب، وشَدُّ الرِّحال إلىُ قُبُور الأنْبياء والأولياء، لئنْ سَلَّمْنا أنَّه غَيرُ مَأذونٍ فيه لعُموم قوله صَلَواتُ الله عليه: ((لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلاَّ إلى ثَلاثَة مَسَاجِد))، فشَدُّ الرِّحال إلى نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم مُستلزِمٌ لشَدِّ الرَّحْل إلى مَسْجِده، وذلك مَشْروعٌ بلا نِزاع، إذْ لا وُصُولَ إلى حُجْرَتِه إلاَّ بعد الدُّخُول إلى مَسْجِده ، فليَبْدأ بتَحِيَّة المَسْجد ، ثم بتَحِيَّة صاحب المَسْجِد، رَزَقَنَا اللهُ وإيّاكم ذلك، آمين (١) . ٥- ضَمَّةُ القَبْرِ : بَيَانُ أنَّ ضَمَّةُ القَبرِ بالنِّسْبَة للمؤمن الصَّالِحِ لَيست عَذاباً : عن عبدِ الرحمَن بنِ جابر ، عن أبيه: لمَّا انْتُهَوا إلىْ قَبِ سَعدِ بنِ مُعاذ ، نَزَلَ فيه أربعَةٌ: الحَارِثُ بنُ أَوْس، وأُسَيْدُ بنُ الحُضَير ، وأبو نائلَة ◌ِلْكان، وسَلَمَةُ بن سَلامَة بنِ وَقْش ، ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم واقِفٌ، فلمَّا وُضِعَ في قَبِرِهِ ، تَغْيَرَ وَجْهُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وسَبَّحَ ثلاثاً، فسَبَّحَ المسلمون حتى ارْتَجَّ البقيعُ ، ثمّ كَبَّرَ ثلاثاً ، وكَبَّرَ المسلمون ، فسُئلَ عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((تَضايَقَ عَلَى صَاحِبِكم القَبْرُ، وضُمَّ ضَمَّةً لَوْ نَجَا مِنْها أحَدٌ لَنَجَا هو ، ثُمَّ فَرَّجَ اللهُ عَنْهِ )) . (١) انظر السير: (الحَسَنْ) ٤٨٣/٤-٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٥٣٦. ٥٧٤ قال الذهبيُّ : هذه الضَمَّةُ لَيست من عَذاب القَبْر في شيء ، بلْ هو أمرٌ يجدُه المؤمنُ كما يجدُ ألَمَ فَقْد وَلِدِه وحَميِه في الدُّنيا، وكما يَجِدُ من ألَمِ مَرَضِه ، وأَلَمِ خُرُوجِ نَفْسِه ، وأَمِ سُؤالِه في قَبْرِهِ وامْتِحَانِهِ ، وأَلَمِ تأثُره ببُكاءِ أهْله عليه ، وأَلَمٍ قيامه مِن قَبْره، وألَمِ المَوْقِف وهَولِه، وألَمِ الوُرودِ على النَّار، ونَحْوِ ذلك . فهذه الأراجيفُ كلُّها قد تَنَالُ العَبدَ وما هي من عَذابِ القَبْرِ ، ولا من عَذاب جَهَنَم قطُّ ، ولكن العَبدَ التَّقيَّ يَرْفُقُ اللهُ به في بعض ذلك أو كُلِّه، ولا راحَةَ للمؤمن دُونَ لِقَاء رَبِّه. قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ﴾(١)، وقال: ﴿ وَأَنذِرُهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِ الْقُلُوبُ لَدَى اْخَنَاجِرِ﴾(٢) . فنسألُ اللهَ العَفْوَ والُّطْفَ الخَفي . ومع هذه الهزَّات، فسَعدٌ ممَّن نَعلمُ أنَّه من أهْلِ الجَنَّة، وأنَّه من أرْفَع الشُهَداء رضي الله عنه ، كأنَّك يا هذا تَظُرُّ أنَّ الفائزَ لا يَنالُه هَوْلٌ فِي الدَّارَين ، ولا رَوْعٌ ، ولا أَلَمٌ، ولا خَوْفٌ. سَل ربَّكَ العَافِيَةَ، وأنْ يَحْشُرَنا في زُمْرَة سَعد . عن عائشَةَ ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ ، لَنَجَا سَعدٌ))(٣). ٦ - كيف يُدفَن النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بَيتِ عائشةً مع کونِه صلی الله عليه وسلم نَهَى عن الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ وجَعْلِها مَقابر : قال قُتَنِيَةُ: حدَّثَنَا ابنُ لَهيعَة ، عن أبي الأسود ، عن عُروَة ، عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكم في بُيُوتِكم، ولا تَجْعَلُوهَا عَلَيْكم قُبُورًاً، كما اتَّخَذَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى فِي بُيُوتِهِم قُبُورَاً، وإنَّ البَيْتَ لَيْلَى فيه القُرآنُ فَيَتَرَاءَىْ لأَهْلِ السَّمَاءِ كمَا تَتَرَاءَى النُّجُومُ لأَهْلِ الأرْضِ » . قال الذهبيُّ : هذا حَديثٌ نَظيفُ الإِسْناد ، حَسَنُ المَثْنِ ، فيه النَّهْيُ عن الدَّفْنِ في الْبُيوتِ ، وله شاهدٌ من طَريقٍ آخَر ، وقد نَهَى عليه السلام أن يُبْنَى على القُبُورِ ، ولو (١) سورة مريم ، الآية : ٣٩. (٢) سورة غافر ، الآية : ١٨ . (٣) انظر السير: ( سَعد بن معاذ) ٢٧٩/١ -٢٩٧، وانظر النزهة : ٥/١٦٥. ٥٧٥ انْدَفَنَ النَّاسُ فِي بُيُوتِهِم ، لصارَتِ المَقْبَرَةُ والْبُيوتُ شَيئاً واحداً ، والصَّلاةُ فِي المَقْبَرَةِ فمَنْهِيٌّ عنها نَهْيَ كَرَاهِيَة ، أو نَهْيَ تَحْريم، وقد قال عليه السلام: ((أفْضَلُ صَلاةِ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ إلَّ المَكْتُوبَةِ )). فناسَبَ ذلك ألاَّ تُخَذَ المَساكِنُ قُبُوراً . وأمَّا دَفْتُهُ صلى الله عليه وسلم في بَيْتِ عائشَة فمُخْتَصٌّ به ، كما خُصَّ بَسْطِ قَطِيفَةٍ تَحْتَه فِي لَحْدِه، وكما خُصَّ بأنْ صَلُّوا عليه فُرادَى بِلا إمام ، فكان هو إمامَهم حيّاً ومَيِّاً في الدُّنْيا والآخِرَة ، وكما خُصَّ بتأخيرِ دَفْنِهِ يَومَين، ويُكْرَه تأخيرُ أُمَّتِهِ ، لأنَّه هو أُمِنَ عليه الثَّغْيِيرُ بخِلافِنا، ثم إنَّهم أخّرُوه حتى صَلُوا كُلُّهم عليه داخلَ بيتِهِ ، فطالَ لذلك الأمرُ ، ولأنَّهم تَردَّدُوا شَطَرَ اليوم الأوَّل في مَوْتِه حتىْ قَدَمَ أبو بكر الصِّديقُ من السُّنْحِ ، فهذا كان سَبَبُ التأخير(١) . ٧ - فِتْنَةٌ خَلْقِ القُرآن : (أ) فِتْنَة القَول بخَلْق القُرآن والمِحَنُّ التي صاحَبَتْها : قال ابنُ سَعدٍ : كان أبو مُسْهِرٍ راويَةَ سعيدِ بنِ عبد العَزِيزِ ، وكان أُشْخِصَ من دِمَشْقَ إِلى المَأْمُونِ بِالرَّقَّةِ، فسَأْلَه عن القُرآنِ، فقال: هُوَ كلامُ الله، وأبَى أنْ يقُولَ: مَخْلُوقٌ، فَدَعَا له بالنَّطْعِ والسَّيْفِ ليَضْرِبَ عُنْقَهُ ، فلمَّا رأى ذلكَ ، قال : مَخْلُوقٌ فَتَرَكَهُ من القَتْلِ، وقال:َ أمَا إِنَّكَ لَوْ قُلتَ ذاكَ قبلَ السَّيْفِ ، لقَبِلْتُ مِنْكَ، ولكنَّكَ تَخْرُجُ الآنَ فتقولُ : قُلتُ ذاكَ فَرَقاً من القَتْلِ، فأمَرَ بحَبْسِه بَبَغْدَادَ في رِبِيعِ الآخرِ سَنَةَ ثمَانِ عشرة وماتَ بعدَ قليلٍ في الحَبْسِ في غُرَّةِ رَجَبَ من السَّنَةِ ، فَشَهِدَهُ قَومٌ كثيرٌ منْ أهْلِ بَغْدَادَ (٢) . قال حَنْبَلٌ : حَضرتُ أبا عبد الله وابن مَعين ، عند عَفَّان بعدما دَعاه إسْحاقُ بنُ إبراهيم للمِحْنَة ، وكان أوّل مَنِ امْتُحِنَ من النَّاس عَفّان، فسألَه يَحْيَى من الغَد بعدما امْتُحِنَ ، وأبو عبد الله حاضرٌ ونَحنُ مَعه ، فقال : أخْبِرْنا بما قال لك إسْحاق ؟ قال : (١) انظر السير: (عبد الله بن لهيعة) ١١/٨ -٣١، وانظر النزهة: ١/٧٢٢. (٢) انظر السير: ( أبو مُسْهِر) ٢٢٨/١٠ -٢٣٨، وانظر النزهة: ٤/٨٧١. ٥٧٦ يا أبا زَكَريّا لَمْ أُسَوِّدْ وَجْهَكَ ولا وُجوهَ أصْحابِك ، إنَّي لم أجب ، فقال له : فكيف كان ؟ قال : دَعاني وقَرأ عليَّ الكتابَ الذي كتب به المأمون من الجَزِيرَة ، فإذا فيه : امْتَجِنْ عَفَّانَ ، وادْعُهُ إلى أن يقولَ : القُرآنُ كَذا وكذا ، فإنْ قالَ ذلك فأقِرَّه علىُ أمْرِه ، وإنْ لمْ يُجبْك إلى ما كتبتُ به إليك فاقْطَعْ عنه الذي يُجْرَىُ عليه - وكان المَأْمُونُ يُجْري على عَفَّانَ كلَّ شَهرٍ خَمسَ مئة دِرْهَم - فلمَّا قَرأْ عليَّ الكتابَ قال لي إِسْحاقُ : ما تَقُولُ ؟ فقَرأْتُ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾(١) حتى خَتَمْتُها، فقُلتُ : أمَخْلوقٌ هذا؟ فقال: يا شَيْخُ إِنَّ أميرَ المؤمنين يقولُ : إنَّكَ إنْ لم تُجِبْه إلى الذي يَدْعُوكَ إليه يَقْطَعُ عَنكَ ما يُجْري عليك. فقُلتُ: ﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾(٢) فسَكَتَ عَنِّي، وانْصَرِفْتُ، فسُرَّ بذلك أبو عبد الله ويَحْیَى . قال الذهبيُّ : هذه الحِكايَة تَدَلُّ على جَلالَة عَفَّان وارتفاع شأنِه عند الدَّولَة ، فإنَّ غَيْرَه امْتُحِنَ وقُيِّدَ وسُجِنَ ، وعَفَّن فما فَعَلوا معه غيرَ قَطْعِ الذَّراهم عنه (٣). قال القاسمُ بنُ أبي صالح : سَمعتُ إبراهيمَ بنَ ديزيل يقولُ: لمَّا دُعيَ عَفَّانُ للمِحْنَة كنتُ آخذاً بلجامِ حِمارِهِ ، فلمَّا حَضَرَ عُرِضَ عليه القَولُ ، فامْتَنعَ أنْ يُجيبَ ، فقيلَ له : يُحْبَسُ عَطاؤكَ - قال: وكان يُعْطَى كُلَّ شَهرِ ألفَ دِرْهم - فقال: ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾(٤)، فلمَّا رَجعَ إلى دارِهِ عَذَلَه نِساؤُه ومَنْ في دارِه ، قال : وكان في دارِه نَحْوَ أرْبَعينَ إنْساناً ، فدَقَّ عليهم داقُ البابَ ، فدخلَ عليهم رجلٌ شَبَّهْتُه بسمَّان أو زَيَّات، ومَعه كيسٌ فيه ألفُ دِرْهَم، فقال: يا أبا عُثْمان ثَبَتَكَ اللهُ كما ثَّتَّ الدِّين ، وهذا في كُلِّ شَهر (٥) . وجاء في ترجمة المُعْتَصِم ، قال الذهبيُّ: وامْتُحِنَ النَّاسُ بخَلقِ القُرآن، وكَتَبَ (١) سورة الإخلاص ، الآية : ١ . . سورة الذاريات ، الآية : ٢٢ . (٢) (٣) انظر السير: (عَفَّان) ٢٤٢/١٠ -٢٥٥، وانظر النزهة: ٣/٨٧٣. (٤) سورة الذاريات ، الآية : ٢٢. انظر السير: (عَفَّان) ٢٤٢/١٠ - ٢٥٥، وانظر النزهة: ١/٨٧٤. (٥) ٥٧٧ بذلك إلى الأمْصار ، وأخذَ بذلك المؤذِّنين وفُقَهاء المَكاتب ، ودامَ ذلك حتى أزالَه المُتَوَكِّلُ بعد أرْبَعةَ عَشرَ عامً(١) . وقال عُبَيْدُ الله بنُ يَحْيَى: حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أسْباط ، قال: حُملَ رجلٌ مُقِيَّدٌ ، فأُدخِلَ على ابنِ أبي دُواد بخُضورِ الوَائِقِ ، فقالَ لأحْمدَ : أخبرني عن ما دَعَوْتُمُ النَّاسَ إليه ، أَعَلِمَهُ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما دَعا إليه، أمْ شيءٌ لم يَعْلَمْه ؟ قال : بَلْ عَلِمَه . قال : فكانَ يَسَعُه أن لا يَدعوَ النَّاسَ إليه، وأنْتُم لا يَسَعُكم ؟! ، فبُهِتُوا ، وضَحِكَ الوَائِقُ ، وقامَ قابِضاً علىْ فَمِه، ودَخلَ مَجْلساً ، ومدَّ رجْلَيه وهو يقولُ : أمرٌ وَسِعَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَسْكُتَ عنه ولا يَسَعُنا!، ثم أمرَ أن يُعْطَى الشيخُ ثلاثَ مئة دينار ، وأنْ يُرَدَّ إلىُ بَلدِه(٢) . وفي سنة إحدى وثلاثين : قَتلَ أحْمدَ بنَ نصرِ الخُزاعيَّ الشَّهيدَ ظُلماً، وأمرَ بامْتِحان الأئمّة والمؤذِّنين بخَلْق القُرآن ، وافْتكَّ من أسْرِ الرُّوم أربعة آلاف وسثَّ مئة نفس ، فقال ابنُ أبي دُواد : مَنْ لمْ يقُل: القُرآنُ مَخْلوقٌ ، فلا تَّفْتَكُوه . وفيها جاءَ المَجوسُ الأرْدمانيُّون في مَراكب من ساحِل البَحْرِ الأعْظَم ، فدَخلوا إِشْبيليّة بالسَّيفِ ، ولمْ يَكنْ لها سورٌ بعدُ، فجهَّزَ لحَرْبهم أميرُ الأَنْدَلُس ، عبدُ الرحمن المَرْوانِيُّ، جَيشاً، فالتَّقَوا، فانْهَزَمَ الأرْدمانيُونَ وأُسِرَ منهم أربعةُ آلاف ، ولله الحَمدُ(٣). قال ابنُ عَمَّار المَوْصِليّ في ((تاريخِه)): قال لي عليُّ بنُ المَديني: ما يَمْنَعُك أنْ تُكَفِّرَ الجَهْميّة ، وكُنتُ أنا أوّلاً لا أُكَفِّرُهم؟ فلمَّا أجابَ عليٍّ إلى المِحْنَة ، كتبتُ إليه أُذَكِّرُه ما قال لي، وأُذَكِّرُه اللهَ. فأخْبَرَني رجلٌ عنه أنَّه بكى حين قَرأَ كتابي . ثم رأيتُه بعدُ فقال لي : ما في قَلبي ممَّ قلتُ وأَجَبتُ إلى أيِّ شيءٍ ، ولكنِّي خِفْتُ أنْ أُقْتَل ، (١) انظر السير: (المُعْتَصِم) ١٠/ ٢٩٠ -٣٠٦، وانظر النزهة: ٦/٨٧٨. (٢) انظر السير: (الواثق) ٣٠٦/١٠ -٣١٤، وانظر النزهة: ٤/٨٨٠. (٣) انظر السير: (الواثق) ٣٠٦/١٠-٣١٤، وانظر النزهة: ١/٨٨١. ٥٧٨ وتَعْلمُ ضَعْفي أنِّي لو ضُربتُ سَوْطاً واحداً لِمِثُ، أو نَحْوَ هذا(١). وقال ابنُ عَمَّار : ودَفعَ عَنِّي عليٍّ امْتِحَانَ ابنِ أبي دُواد إيايّ ، شَفْعَ فِيَّ ودَفعَ فِي غَیِرِ واحدٍ من أهْلِ الموصل من أجْلي ، فما أجابَ ديانةً إلاَّ خَوفا(٢) . وقال عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتِم : كان أبو زُرْعَة تركَ الرِّوايَةَ عن عليٍّ من أجْلِ ما بَدا منه في المِحْنَة ، وكان والدِي يَرْوي عنه لِنُرُوعِه عمَّا كان منه . قال أبي : كان عليٌّ عَلَماً في النَّاس في مَعْرِفَة الحَديث والعِلَل . قال الذهبيُّ : ويُرْوَى عن عبد الله بن أحمدَ ، أنَّ أباه أمْسَكَ عن الرِّوايَة عن ابن المَدِينِيِّ، ولمْ أَرَ ذلك، بلْ في (( مُسْنَدِهِ)) عنه أحاديثَ، وفي ((صَحيحِ البُخاري)) عنه جُملة وافِرَة . مات عليٌّ بنُ المَديني بسامراء في سنة أربع وثلاثين ومئتين(٣). قال الصُّولِيُّ : كان أحمدُ بنُ نَصْر الخُزاعِيّ وسَهلُ بنُ سَلامَة حين كان المَأمُونُ بخُرَاسَان بايَعَا النَّاسَ على الأمر بالمَعْروف والنَّهيِّ عن المُنكَرِ، ثم قَدِمَ المَأْمُونُ فبايَعَه سَهْلٌ، ولَزِمَ ابنُ نَصْرٍ بَيْتَه ، ثمَّ تَحَرَّك في آخِرِ أيام الوَائِقِ، واجتمَعَ إليه خَلْقٌ يَأْمُرُونَ بالمَعْروف ، قال : إلى أنْ مَلَكُوا بَغْدَادَ ، وتَعَدَّى رَجُلانِ موسِران من أصحابه فبَذَلا مالاً وعَزَما على الوُثُوبِ في سنة إحْدَى وثلاثين فنَمَا الخَبَرُ إلى نائِبٍ بَغْدَادَ إِسْحَاقَ بنِ إبْراهِيمَ، فَأَخَذَ أحمَدَ وصاحِبَيْه وجَمَاعَةً، ووَجَدَ في مَنزِل أحَدِهما أعْلامَاً ، وضَرَبَ خادِماً لأحْمَدَ، فَأَقَرَّ بأنَّ هؤلاء كانوا يَأْتُونَ أحمَدَ ليلاً ويُخْبرُونه بما عَمِلوا . فحُمِلُوا إِلَىْ سَامَرَّاء مُقَيَّدِين. فجَلَسَ الوَائِقُ لهم، وقال لأحمَدَ : دَعْ ما أُخِذْتَ له، ما تقُولُ في القُرآنِ ؟ : قال : كَلامُ الله . قال : أفَمَخْلُوقٌ هو ؟ قال: كَلامُ الله . قال : فَتَرَىُ رَبَّكَّ فِي الْقِيَامَةِ؟ قال: كَذَا جَاءَتِ الرِّوايَةُ . قال: وَيْحَك يُرَى كَمَا يُرَى المَحْدُودُ المُتَّجَسِّمُ، ويَخوِيه مكانٌ ويَحْصُرُه نَاظِرٌ؟ أنا كَفَرتُ بمَنْ هَذِهِ صِفَتُه ، ما تَقُولُون فيه ؟ (١) انظر السير: ( عليُّ بن المَديني) ١١/ ٤١ -٦٠، وانظر النزهة: ٣/٩٠٨. (٢) انظر السير: ( عليٌّ بن المَديني) ٤١/١١ -٦٠، وانظر النزهة: ٤/٩٠٨. انظر السير: ( عليٌّ بن المديني) ١١/ ٤١ -٦٠، وانظر النزهة: ٥/٩٠٨. (٣) ٥٧٩ فقال قاضي الجانِبِ الغَرْبيّ: هو حَلالُ الدَّمْ، ووَافَقَه فُقَهَاءُ ، فَأَظْهَرَ أحمَدُ ابنُ أبي دُواد أنَّه كارِهُ لقَتْله . وقال: شَيخٌ مُخْتَلٌ تَغَيَّرَ عَقلُه، يُؤَخَّر. قال الوَائِقُ: مَا أَرَاه إلَّ مُؤَدِياً لكُفْرِهِ قائماً بما يَعْتَقِدُه، ودَعَا بِالصَّمْصَامَة وقام ، وقال: أَحْتَسِبُ خُطَايَ إلى هذا الكَافِرِ ، فَضَرَبَ عُنُقَه بعد أن مَدُّوا له رَأْسَه بحَبْلٍ وهو مُقَيَّد ونُصِبَ رأسُه بالجانبِ الشَّرقِيّ، وتُتُبِّعَ أصحابُه فِسُجِنُوا(١) . وعُلِّقَ في أُذُنِ أحمدَ بنِ نَصْر ورقةٌ فيها : هذا رأسُ أحمد بن نصر ، دَعاهُ الإمامُ هارون إلى القَولِ بِخَلْقِ القُرآن، ونَفْي التشْبيه، فأبى إلاَّ المُعانَدَة، فجَعَلَه اللهُ إلى نارِه ، وكتبَ محمدُ بنُ عبد المَلك(٢). وقد كان ابنُ أبي دُوَاد يومَ المِخْنَة إلْباً على الإمام أحمد ، يقول : يا أميرَ المؤمنين ، اقْتُلْه، هو ضالٌّ مُضِلٌّ (٣). قال عبدُ الله بنُ أحمد : سَمعتُ أبي، سَمعتُ بِشْرَ بنَ الوَليد ، يقول : اسْتَتَبْتُ أحمدَ بنَ أبي دُوَاد من قَوله: القُرآنُ مَخْلوقٌ في ليلةٍ ثلاثَ مَرّات ، ثم يَرْجِع (٤) . وجاء في ترجمة الإمام أحمدَ بنِ حَنْبَل ، قال الإمامُ الذهبيُّ مُتحدِّثاً عن الفِتْنَة : الصَّدْعُ بالحَقِّ عظيمٌ، يَحْتَاجُ إلى قُوَّةٍ وإِخْلاصٍ، فالمُخْلِصُ بِلا قُوَّةٍ يَعْجِزُ عن القِيامِ به ، والقَويُّ بِلا إِخْلاصٍ يُخْذَلُ، فمَنْ قامَ بهما كاملاً، فهُوَ صِدِّيقٌ. ومَنْ ضَعُفَ ، فلا أقَلَّ من التَّلُمِ والإِنْكَارِ بالقَلْبِ ، ليْسَ وَرَاءَ ذلك إيمانٌ ، فلا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ . عن ثَوْبانَ قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أَخْوَفَ ما أخَافُ على أُمَّتِي الأئِمةُ المُضِلونَ ، وإذا وُضِعَ السَّيْفُ عليهِم، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُم إلى يومِ القِيامَةِ ، ولا تَزَالُ طائِفَةٌ من أُمَّتِي على الحَقِّ ظاهِرِينَ ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُمْ أوْ خَذَلَهُم حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ » انظر السير: ( الخُزاعيُّ) ١٦٦/١١ -١٦٩، وانظر النزهة: ٣/٩١٨. (١) انظر السير: ( الخُزاعيُّ) ١٦٦/١١-١٦٩، وانظر النزهة: ٢/٩١٩. (٢) انظر السير: ( أحمدُ بن أبى دُوَاد) ١٦٩/١١ -١٧١، وانظر النزهة : ١/٩٢١. (٣) (٤) انظر السير: (أحمدُ بن أبي دُوَاد) ١٦٩/١١ - ١٧١، وانظر النزهة: ٢/٩٢١. ٥٨٠