Indexed OCR Text

Pages 541-560

وعن عليٍّ بن هارون وآخر قالا : سمعنا الجُنَيدَ غير مرَّة يقول: عِلْمُنا مَضبوطٌ
بالكتاب والسنَّة ، مَنْ لَمْ يَحفَظِ الكتابَ، ويَكْتبِ الحَديثَ ، ولَمْ يَتَفَقَّه ، لا يُقْتَدى
به .
قال الخَلْدِيُّ : لَمْ نَرَ في شُيوخِنا مَنِ اجتمَعَ له علمٌ وحالٌ غيرَ الجُنَيد كانت له حالٌ
خَطيرةٌ، وعلمٌ غَزِيرٌ ، إذا رأيتَ حالَه رَجَّحْتَه على عِلْمِه، وإذا تَكلَّمَ رَجَّحْتَ عِلْمَه
على حالِهِ(١) .
وعن النُّوريِّ قال: مَنْ رأيتَه يَدَّعي مع الله حالةً تُخْرِجُ عن الشَّرْعِ، فلا تَقْرَبَنَّ
منه(٢) .
وقال يوسُفُ بنُ الحُسَين: إذا رَأيتَ المُريدَ يشْتَغْلُ بالرُّخَص فاعْلمْ أنَّه لا يَجيءُ منه
شيءٌ .
قال السلميُّ: كان - مع عِلْمِه وتَمام حالِه - هَجَرَهُ أهلُ الرَّي وتكلَّموا فيه بالقَبائح ،
خصوصاً الزُّهاد ، وأفشَوا أُموراً ، حتى بَلغَني أنَّ شَيخاً رأى في النَّومِ كأنَّ براءةٌ نَزَلَت
من السَّماء فيها مكتوبٌ: هذه بَراءَةٌ ليُوسُفَ بنِ الحُسَين ممّا قيل فيه. فسَكَتوا(٣).
وعن ابن الجَلاَء قال : آلةُ الفَقيرِ صِيانَةٌ فَقْرِهِ، وحِفْظِ سِرِّه، وأداءُ فَرْضِه .
تُوفِّيَ سَنة ستّ وثلاث مئة(٤) .
ومن كَلامِ الكَثَّانِيِّ ، قال : مَنْ يدخل في هذه المَفازَة يَحْتَاجُ إلى أربَعِ : حالٍ
تَحْميه ، وعلمٍ يَسُوسُه ، ووَرَعِ يَحْجُزُه ، وذِكرٍ يؤنسُه(٥) .
وقال : التصوُّفُ خُلُقٌ، فَمَنْ زادَ عليك في الخُلُق، زادَ عليك فِي النَّصَوُّف(٦).
انظر السير: ( الجُنَيد) ٦٦/١٤-٧٠، وانظر النزهة: ١/١١٣٣.
(١)
(٢)
انظر السير: ( النُّوريّ) ١٤/ ٧٠ -٧٧، وانظر النزهة : ٤/١١٣٤.
انظر السير: ( يوسُف بن الحُسين) ١٤/ ٢٤٨ -٢٥١، وانظر النزهة : ٧/١١٤٧.
(٣)
انظر السير: (ابنُ الجَلاَء) ٢٥١/١٤ -٢٥٢، وانظر النزهة : ٥/١١٤٨.
(٤)
انظر السير: ( الكتّاني) ٥٣٣/١٤-٥٣٥، وانظر النزهة : ١/١١٧٢.
(٥)
انظر السير: (الكتّاني) ١٤/ ٥٣٣ _ ٥٣٥، وانظر النزهة : ٢/١١٧٢.
(٦)
٥٤١

وعنه قال: من حُكْم المُريد أن يكونَ نَومُه غَلَبَة ، وأكْلُهُ فاقَة ، وكَلامُه ضَرورة .
قال الذهبيُّ: نَعم للصَّادقِ أن يُقِلَّ من الكَلام والأكْلِ والنَّوم والمُخالَطة، وأن يُكْثِرَ
من الأفرادِ ، والتَّواضُع، وذِكْرِ المَوت، وقَولِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١) .
وعن النَّهْرَ جُوريَّ: أفضلُ الأحْوالِ ما قارَن العلمَ(٢) .
وعن إبراهيمَ، قال القِرْميسينيُّ: مَنْ أرادَ أنْ يتعطَّلَ ويتَبَطَّل، فَلَيلْزَمِ الرُّخَص(٣).
وقال : علمُ الفَناء والبقاء يدورُ علىُ إِخْلاصِ الوَحْدَانِيَّة ، وصحَّة العُبوديّة ،
وما كان غيرَ هذا فهو من المُغالَطَة والزَّنْدَقَةِ(٤).
قال الذهبيُّ : صَدقتَ والله فإنَّ الفَناءَ والبقاءَ من تُزَّهات الصُّوفيَّة أطلَقَهُ بَعضُهم
فدخلَ من بابِهِ كلُّ إِلْحاديٍّ وكلُّ زِنْدِيق، وقالوا: ما سِوَى اللهَ باطِلٌ فانٍ ، واللهُ تَعالَى
هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثَمَّ شيءٌ غَيرُه .
ويقولُ شاعُرُهم :
ن بل أنت عينه
وما أنت غير الكو
ويقولُ الآخَرُ :
وما ثَمَّ إلاَّ الله ليسَ سِواهُ
فانظُرْ إلى هذا المُروقِ والضَّلال ، بل كلُّ ما سِوَى الله مُحْدَثٌ مَوْجودٌ .
قال اللهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(٥) .
وإنَّما أرادَ قُدَماءُ الصُّوفِيَّة بالفَناءِ نِسْيانَ المَخْلوقات وتَركَها وفَنَاءَ النَّفْس عن التَّشاغُل
بما سِوَى الله، ولا يُسَلَّمُ إليهم هذا أيضاً، بلْ أمَرَنا اللهُ ورسُولُه بالتَّشاغُل بالمَخْلوقات
انظر السير: ( الكتّاني) ١٤/ ٥٣٣ _٥٣٥، وانظر النزهة: ٣/١١٧٢.
(١)
انظر السير: ( النّهْرَ جوريّ) ٢٣٢/١٥-٢٣٣، وانظر النزهة : ٥/١٢٢٤.
(٢)
انظر السير: ( القِرْميسيني) ١٥/ ٣٩٢ -٣٩٤، وانظر النزهة: ٣/١٢٣٩.
(٣)
انظر السير: ( القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥ -٣٩٤، وانظر النزهة: ٤/١٢٣٩.
(٤)
(٥) سورة السجدة ، الاية : ٤ .
٥٤٢

ورُؤْيَتِها والإقْبالِ عليها وتَعْظيم خالِقِها، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾(١) .
وقال: ﴿ قُلِ أَنْظُرُ واْ مَاذَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ﴾(٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إليَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ)).
وكان يُحبُّ عائشةَ ، ويحبُّ أباها ، ويحبُّ أُسامَةَ ، ويحبُّ سِبْطَيْه ، ويحبُّ
الحَلْواءَ والعسَلَ ، ويحبُّ جَبَلَ أُحُدٍ ، ويحبُّ وَطَنَه ، ويحبُّ الأَنْصارَ ، إلى أشْيَاءَ
لا تُحْصَى ممَّا لا يغني المؤمن عنها قطُّ(٣).
وقال الذهبيُّ في ترجمة ابنِ الأعْرابيِّ: والعالِمُ إذا عَرِيَ من التَّصَوُّف والتأَلُّه ، فهو
فارغٌ ، كما أنَّ الصُّوفيَّ إذا عَرِيَ من عِلْمِ السنَّة ، زلَّ عن سَواء السبيل (٤) .
وقد كان ابنُ الأعْرابيِّ من عُلماء الصُّوفيَّةِ ، فَتَراهُ لا يَقبلُ شيئاً من اصطلاحات القَومِ
إلَّ بحُجَّة .
تُوفِّيَ بمكَّة، سَنةَ أربعين وثلاث مئة، وله أربعٌ وتسعون سنةً وأشهُر (٥).
وجاء في ترجمة ابنٍ نُجَيد ، قال أبو عبد الرحمن السُّلمي : جدِّي له طريقةٌ يَنفَردُ
بها من صَون الحال وتَلبيسِه، سمعتُه يقول : كلُّ حالٍ لا يكون عن نتيجةِ علمٍ وإنْ
جلَّ ، فإن ضَررَهُ على صاحبِه أكبرُ من نَفْعِهِ(٦) .
وجاء في ترجمة النَّصْراباذيِّ ، قال الحاكمُ : سمعتُه يقولُ : إنْ كان بعد الصِّديقين
موحِّدٌ فهو الحَلاَّجُ .
قال الذهبيُّ : وهذه وَرْطَةٌ أخْرى، بل قُتلَ الخَلاَجُ بسيفِ الشَّرع على الزَّندَقَة ،
(١) سورة الأعراف، الآية : ١٨٥.
(٢)
سورة يونس ، الآية : ١٠١ .
انظر السير: ( القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥ -٣٩٤، وانظر النزهة : ٥/١٢٣٩.
(٣)
انظر السير: ( ابنُ الأعْرابيّ) ٤٠٧/١٥-٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٢٤٣.
(٤)
انظر السير: ( ابنُ الأعْرابيّ) ١٥/ ٤٠٧-٤١٢، وانظر النزهة : ٥/١٢٤٣.
(٥)
(٦) انظر السير: (ابنُ نُجَيد) ١٤٦/١٦-١٤٨، وانظر النزهة: ٣/١٢٧٥.
٥٤٣

وقد جَمعْتُ بَلاياهُ في جُزْأين ، وقد كان النَّصْرَاباذي صحبَ الشُّبْليَّ ومَشى على
حَذْوِهِ ، فوَاغَوْتاه بالله .
ومن كَلامِه : نِهاياتُ الأوْلياء بداياتُ الأنْبياء(١) .
وقال : أصلُ التصَوُّف مُلازَمَةُ الكتاب والسنَّة ، وتَركُ الأَهْواء والبدَع ، ورُؤْيَةُ
أعْذارِ الخَلْقِ ، والمُداوَمَة على الأوْرادِ ، وتَرَكُ الرُّخَصِ (٢).
وجاء في ترجمة أبي عُثمانَ المَغْربِيِّ، قال السُّلميُّ: سَمِعْتُه يقولُ: عُلومُ الدَّقائق
عُلُومُ الشَّيَاطِين ، وأسْلمُ الطُرق من الاغترار لُزُومُ الشَّريعَة .
تُوفِّيَ سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة(٣) .
وقال ابنُ باكويه : نظرَ أبو عبد الله بنُ خَفيف يوماً إلى ابنٍ مَكْتوم وجماعة يَكتُبون
شيئاً ، فقال : ما هذا؟ قالوا : نَكتُبُ كذا وكذا ، قال : اشْتَغِلوا بتعَلُّم شيءٍ ،
ولا يَغُرِنَّكُم كَلامُ الصُّوفيّة ، فإِنِّي كنتُ أخبىءُ مَحْبَرَتِي فِي جَيبٍ مُرفَّعَتي ، والورَقُ في
حجزةِ سَراويلي وأذهبُ في الخِفْيَة إلى أهْلِ العِلْم ، فإذا عَلِموا بي ، خاصَموني ،
وقالوا : لا يُفْلح ، ثم احتاجوا إليَّ .
قال الذهبيُّ : قد كان هذا الشَّيخُ قد جَمَعَ بين العِلمِ والعَمَل، وعُلوِّ السَّنَد ،
والتَّمَشُّك بالسُّنَن، ومُتِّعَ بطول العُمر في الطَّاعَةِ(٤) .
وجاء في ترجمة الشُّلَميِّ، قال الخَشَّابُ : أصلُ التصوُّف مُلازَمَةُ الكتاب والسُّنَّة ،
وتَركُ الأهْواءِ والبِدَعِ ، وتَعْظيمُ حُرمات المَشايخ ، ورؤيةُ أعْذارِ الخَلْقِ ، والدَّوامُ على
الأورادِ .
قال القُشَيْرِيُّ : سَمعتُ أبا عبد الرحمن السُّلَمْيَّ يسْألُ أبا عَليٍّ الدَّقاق ، فقال:
الذِّكْرُ أتَمُ أمْ الفِكْرُ؟ فقال: ما الذي يُفْتَحُ للشيخ فيه؟ قال : أبو عبد الرحمن :
(١) انظر السير: (النَّصْراباذيّ) ٢٦٣/١٦ - ٢٦٧، وانظر النزهة: ١/١٢٩٥.
(٢) انظر السير: (النّصْراباذيّ) ٢٦٣/١٦ -٢٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٥.
انظر السير: ( أبو عُثمان المَغربي) ٣٢٠/١٦ -٣٢١، وانظر النزهة : ٥/١٢٩٧ .
(٣)
(٤) انظر السير: (ابنُ خَفيف) ١٦/ ٣٤٢ -٣٤٧، وانظر النزهة: ١/١٢٩٩.
٥٤٤

عندي الذِّكْرُ أَنَمُّ، لأنَّ الحقَّ يُوصَفُ بالذِّكْرِ، ولا يُوصَفُ بالفِكْرِ. فاسْتَحْسَنَه أبو عليّ(١).
وعن الرِّفاعيِّ ، قال: أقْرِبُ الطَّريق الانْكِسارُ والذُّلُّ والافْتِقارُ، تُعَظِّمُ أمْرَ الله ،
وتُشْفِقُ على خَلقِ الله ، وتَقْتَدي بسُنَّةَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم (٢) .
٤ - الصُّوفيَّةُ الأوائلُ لا يُحبُّون الانْحِرافَ والشَّطَح :
قال أبو نَصْر السَّرَّاجِ، صاحبُ ((اللّمع)): بَلغَني أنَّ أبا حَمْزَة البَغْداديَّ دخلَ على
الحارث المُحاسَبي ، فصاحَت شاةٌ : ماع . فشَهَقَ ، وقال : لَتَّيْكَ لَبَيْكَ يَا سَيِّدي .
فَغَضبَ الحارثُ، وأخذَ السِّكينَ ، وقال : إنْ لمْ تَتُّبْ أَذْبَحُك .
نقلَ الخَطيبُ وَفاتَه في سنة تسع وستين ومئتين .
وكذا ورّخه ابنُ الأعْرابيُّ ، وقال : جاء من طَرْسُوسَ ، فاجْتمعوا عليه بيَغْدادَ ،
وما زالَ مَقْبولاً ، حضَرَ جِنازَتَه أهلُ العِلْم والنُّسُك ، وغَسَّله جماعةٌ من بني هاشم ،
وقُدِّمَ الجُنَيْدُ في الصَّلاةِ عليه ، فامتَنَع ، فتقدَّمَ ولدُه، وكنتُ بائتاً في مَسْجده ليلةَ
مَوْته ، فأُخبِرْتُ أنَّه كان يَتلو حزْبَه ، حتى خَتمَ تلكَ اللَّيلة . وكان صاحبَ ليلٍ ، مُقدَّماً
في علم القُرآن ، وخاصةً في قِراءَة أبي عَمرو ، وحملَها عنه جماعةٌ . وكان سَببُ عِلَّتِهِ
أنَّ النَّاسَ كثروا ، فأُتيَ بكُرسي ، فجلسَ، ومرَّ في كلامه شيءٌ أعْجَبَه ، فردَّدَه وأُغْميَ
عليه، فسَقطَ، وقد كان هذا يُصيبُهُ كثيراً، فانصَرَفَ بين اثنين يومَ الجُمعَة، فَتَعلَّلَ
ودُفِنَ في الجُمعَة الثانية بعد الصَّلاة(٣).
٥- الصُّوفيّة الأوائل بُرآءٌ ممَّا أحْدَثَ المُتأخِّرون :
قال الذهبيُّ في ترجمة حاتم الأصَمّ : هكذا كانت نُكَتُ العارفين وإشاراتهُم ،
لا كما أحدَثَ المُتأخّرونَ من الفَناء والمَحْو والجَمع الذي آلَ بجَهَلَتِهم إلى الاتِّحاد ،
وعَدَمِ السِّوَى .
(١) انظر السير: (السُّلَمي) ٢٤٧/١٧ -٢٥٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٣٨.
(٢) انظر السير: (الرِّفاعيُّ) ٢١/ ٧٧ -٨٠، وانظر النزهة: ٣/١٦٠١.
(٣) انظر السير: ( أبو حَمزَة البغدادي) ١٦٥/١٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٤/١٠٦٧.
٥٤٥

تُوفِّيَ حاتمُ الأصمُّ ، رحمه الله ، سنَة سبع وثلاثين ومئتين(١) .
وقال القِرْميسينيُّ : علمُ الفَناء والبقاء يدورُ على إخلاصِ الوَحْدَانيَّة ، وصحَّة
العُبوديَّة ، وما كان غيرَ هذا فهو من المُغالَطَة والزَّنْدَقَةِ(٢).
قال الذهبيُّ : صَدقتَ والله فإنَّ الفَناءَ والبقاءَ من تُزَهات الصُّوفيَّة أطلَقَهُ بَعضُهم
فدخلَ من بابِهِ كلُّ إِلْحاديٍّ وكلُّ زِنْدِيق، وقالوا : ما سِوَى اللهَ باطِلٌ فانٍ ، واللهُ تَعالَى
هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثَمَّ شيءٌ غَيرُه .
ويقولُ شاعُرُهم :
ن بل أنت عينه
وما أنت غير الكو
ويقولُ الآخَرُ :
وما ثَمَّ إِلاَّ الله ليسَ سِواهُ
فانظُرْ إلى هذا المُروقِ والضَّلال، بل كلُّ ما سِوَى الله مُحْدَثٌ مَوْجودٌ .
قال اللهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾(٣) .
وإنَّما أرادَ قُدَماءُ الصُّوفيّة بالفَناءِ نِسْيانَ المَخْلوقات وتَركَها وفَنَاءَ النَّفْس عن التَّشاغُل
بما سِوَى الله، ولا يُسَلَّمُ إليهم هذا أيضاً، بلْ أمَرَنا اللهُ ورسُولُه بالتَّشاغُل بالمَخْلوقات
ورُؤْيَتِها والإقْبالِ عليها وتَعْظِيمِ خالِقِها، قال تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾ (٤) .
وقال: ﴿ قُلِ أَنْظُرُ واْمَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضَِّ﴾(٥).
(١) انظر السير: ( حاتم الأصَم) ١١/ ٤٨٤ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٩٦١.
انظر السير : ( القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥-٣٩٤، وانظر النزهة : ٤/١٢٣٩.
(٢)
(٣) سورة السجدة ، الآية : ٤ .
(٤) سورة الأعراف، الآية : ١٨٥.
(٥) سورة يونس، الآية : ١٠١ .
٥٤٦

وقال صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إليَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ )).
وكان يُحبُّ عائشةَ ، ويحبُّ أباها ، ويحبُ أُسامَةً، ويحبُ سِبْطَيْه ، ويحبُّ
الحَلْواءَ والعسَلَ، ويحبُّ جَبَلَ أُحُدٍ ، ويحبُّ وَطَنَه ، ويحبُّ الأنْصارَ ، إلى أشْيَاءَ
لا تُخْصَى ممَّا لا يغني المؤمن عنها قطُّ (١).
وقال ابنُ الأعْرابيّ : فإذا سَمعتَ الرَّجلَ يَسْألُ عن الجَمْع أو الفَناء ، أو يُجيبُ
فيهما ، فاعْلَمْ أنَّ فارغٌ ، ليسَ من أهْلِ ذلك، إذْ أهْلُهما لا يَسْألُونَ عنه لِعِلْمِهِم أنَّه
لا يُدرَكُ بالوَصْفِ (٢) .
٦ - بعضُ مُتأخِّري الصُّوفيَّة الصَّالحين :
(أ) الچِيلاني :
جاء في ترجمة الشيخ عبد القادر ، قال الذهبيُّ: الشيخُ، الإمامُ ، العالِمُ ،
الزَّاهِدُ، العارِفُ، القُدوَة، شَيخُ الإسْلامِ ، عَلمُ الأولياء ، مُحيي الدين ،
أبو محمد ، عبدُ القادِرِ بنُ أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيليُّ الحَنْبَليُّ ، شيخُ
بَغْداد .
مَوْلدُه بجيلان(٣) في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة .
قال السّمعانيُّ : كان عبدُ القادر - من أهلِ جيلان - إمامَ الحَنابلَةَ وشيخَهم في
عَصره ، فقيهٌ صالحٌ دَيِّنٌ خَيِّرٌ ، كثيرُ الذِّكْرِ ، دائمُ الفِكْرِ ، سَرِيعُ الدَّمْعَة ، وكان يَسكنُ
بابَ الأزَج في مَدرسَة بُنيَتْ له ، مَضينا لزيارته فخرجَ وقَعَدَ بين أصْحابه ، وخَتَموا
القُرآنَ ، فألقىْ دَرساً ما فَهمتُ منه شيئاً، وأعجَبُ من ذا أنَّ أصْحابَه قاموا وأعادوا
الدَّرس، فلعلَّهم فَهِموا لإلْفِهِم بكَلامه وعِباراتِه(٤).
(١) انظر السير: (القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥ -٣٩٤، وانظر النزهة: ٥/١٢٣٩.
(٢)
انظر السير: ( ابنُ الأعْرابيّ) ٤٠٧/١٥-٤١٢، وانظر النزهة : ١/١٢٤٣.
وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان ، ويُقال لها : كيل وكيلان ، والنسبة إليها جيلي وجيلاني وكيلاني .
(٣)
انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٥٧٣.
(٤)
٥٤٧

وعن محمد بن محمد المراتبيّ ، سَمعتُ الشيخَ أبا بَكْر العمادَ رحمَه اللهُ يقولُ :
كنتُ قرأتُ في أصولِ الدين ، فأوقَعَ عندي شَكّاً ، فقُلتُ : حتى أمضيَ إلى مَجلس
الشيخ عبد القادر ، فقد ذُكرَ أنَّه يتكلَّمُ عن الخَواطِر ، فمضيتُ وهو يتكلَّمُ ، فقال :
اعتقادُنا اعتقادُ السَّلَف الصَّالِحِ والصَحابَة . فقلتُ في نفسي: هذا قالَه اتَّفاقاً، فتكلَّمَ
ثم التَّفْتَ إلى ناحيتي فأعادَه ، فقلتُ : الواعظُ قد يَلْتَفِتُ ، فالتَفتَ إليَّ ثالثةً ، وقال :
يا أبا بَكْر ، فأعادَ القولَ، ثم قال: قُمْ قد جاءَ أبوكَ ، وقد كان غائباً، فقُمتُ مُبادِراً
وإذا أبي قد جاءَ(١).
وعن جمال الدين يَحْيَىِ بنِ الصَّيرَفيّ، سَمعتُ أبا البقاءِ النَّحْويَّ قال : حَضرتُ
مجلسَ الشيخ عبد القادر ، فقرؤوا بين يديه بالألحان ، فقُلتُ في نفسي : تُرَى لأيّ
شيءٍ ما يُنْكِرُ الشيخُ هذا؟ فقال: يَجيءُ واحدٌ قد قرأ أبواباً من الفِقْه يُنكِر . فقلتُ في
نفسي : لعلَّ أنَّه قصَدَ غَيْرِي ، فقال : إِيَّاكَ نَعْني بالقَولِ ، فَتُبتُ في نفسي من
اعتراضي ، فقال : قد قبلَ اللهُ تَوْبَتَك(٢) .
وسَمعتُ الإمامَ أبا العبّاس أحمدَ بنَ عبد الحَليم ، سَمعتُ الشيخَ عزَّ الدين
الفاروثي ، سمعتُ شَيخَنا شِهابَ الدين السُّهْرَوَرْدِيَّ يقولُ : عَزمتُ على الاشْتغالِ
بأُصول الدين ، فقُلتُ في نفسي : أستشيرُ الشيخَ عبد القادر ، فأتيتُه، فقال قبلَ أن
أَنطِقَ: يا عُمَرُ، ما هو من عُذَّة القَبرِ ، يا عُمَرُ ما هو من عُدَّة القبرِ(٣) .
وقال ابنُ النجَّار : قرأتُ بخطُّ أبي بَكْر عبد الله بن نَصر بن حَمزَة التَّْمِيِّ ، سَمعتُ
الشيخَ عبدَ القادر يقولُ : بَلغَتْ بي الضَّائقةُ في الغَلاء إلى أن بقيتُ أيّاماً لا آكلُ طَعاماً ،
بلْ أَتَبعُ المَنْبوذاتِ ، فخَرجْتُ يوماً إلى الشطِّ، فوَجدتُ قد سَبَقني الفُقَراءُ ،
فَضَعُفْتُ ، وعَجَزتُ عن التَّماسُك فدخَلتُ مَسْجداً، وقَعدتُ ، وكدتُ أُصافحُ
المَوتَ ، ودخلَ شابٌّ أعْجَمِيٌّ ومَعه خُبزٌ وشِواءٌ ، وجلسَ يأكُلُ ، فكنتُ أكادُ كُلَّمَا رَفعَ
(١) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٣.
(٢)
انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٥٧٤.
(٣) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٤.
٥٤٨

لُقْمَةٌ أنْتَحُ فَمي ، فالتَفَتَ فرآني، فقال : باسم الله، فأبيتُ ، فأقسَمَ عليَّ ، فأكلتُ
مُقصِّراً، وأخذَ يَسْألُني ، ما شُغْلك؟ ، ومن أين أنتَ ؟ فقلتُ: مُتَفَقِّهٌ من جيْلان ،
قالَ : وأنا من جيْلان ، فهلْ تَعرفُ لي شاباً جيلانيّاً اسْمُه عبدُ القادر، يُعْرَفُ بسبط
أبي عبد الله الصومعي الزَّاهد ؟ فقلتُ: أنا هو . فاضطرَبَ لذلك، وتغيَّرَ وَجهُه ،
وقال : والله يا أخي ، لقد وصلتُ إلى بَغْدَادَ ومَعي بقيَّةُ نَفَقَةٍ لي ، فسألتُ عنكَ ، فلمْ
يُرْشدني أحدٌ إلى أنْ نَفِدَت نَفَقَتي، وبقيتُ بعدَها ثلاثةَ أيَّام لا أجدُ ثَمنَ قُوتي إلاّ من
مالِك ، فلمَّا كان هذا اليوم الرابع قلتُ : قد تجاوزَتْني ثلاثة أيّام ، وحلّت المَيْتَة ،
فأخذْتُ من وَديعَتك ثمنَ هذا الخُبزَ والشِّواء ، فكُلْ طَيِّباً، فإنَّما هو لك ، وأنا ضَيْفُك
الآن ، فقلتُ: وما ذاك؟ قال : أمُّك وجَّهَت معي ثمانيةَ دَنانير، والله ما خُنْتُك فيها
إلى اليوم، فسكَّنْتُه، وطَيَّيتُ نَفَسَه، ودَفعتُ إليه شَيئاً منها (١) .
وقال ابنُ النجَّار : كتبَ إليَّ عبدُ الله بن أبي الحُسَين الجُبّائِيُّ قال: قال لي الشيخُ
عبدُ القادر : كنتُ في الصحراء أُكرِّرُ في الفِقْه وأنا في فاقةٍ ، فقال لي قائلٌ لمْ أَرَ
شَخْصَه : اقْتِرِضْ ما تَسْتعينُ به على طلب الفِقْه، فقلتُ : كيف أقْتَرِضُ وأنا فَقِيرٌ
ولا وفاء لي ؟ قال : اقْتِرِضْ وعلينا الوَفاء . فأتيتُ بقَّلاً ، فقلتُ: تُعاملُني بشرطِ إذا
سَهَّلَ اللهُ أعطَيْتُك ، وإنْ مِثُّ تَجعَلُني في حِلِّ، تُعْطيني كلَّ يومٍ رَغيفاً ورشاداً ، فَبَكى
وقال : أنا بحُكْمكَ ، فأخذتُ منه مدَّةً ، فضاقَ صَدري ، فأظَرُّ أنَّه قال : فقيل لي :
امضٍ إلىْ مَوْضع كذا، فأيَّ شيءٍ رأيتَ على الدَّكَّة فخذه وادفَعْه إلى البقَّل ، فلمَّا جئتُ
رأيتُ قطعةَ ذَهبٍ كبيرة فأعطَيتُها البَقْليَّ(٢).
قال الجُبّائِيُّ : وقال لي الشيخُ عبدُ القادر : كنتُ أُؤْمَرُ وأُنْهِى فِي النَّومِ والْيَقظَة ،
وكان يَغلبُ عليَّ الكلامُ ، ويَزدحمُ على قلبي إن لم أتكلّم به حتى أكادُ أختَنِقُ ،
ولا أقدر أسكُتُ ، وكان يجلِسُ عندي رجلان وثلاثةٌ ، ثم تَسامَعَ الناسُ بي ، وازدحَمَ
عليَّ الخَلقُ، حتى صارَ يحضُرُ مَجْلسي نَحوٌ من سبعينَ ألفاً، وقال : فَتَّشْتُ الأعْمالَ
(١) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٤.
(٢) انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ١/١٥٧٥.
٥٤٩
٠

كلَّها ، فما وجدتُ فيها أفضلَ من إطْعام الطَّعام ، أوَدُّ لو أنَ الدُّنيا بيدي فأُطْعِمُها
الجِياعَ ، كَفِّي مَثقوبَة لا تَضبطُ شَيْئاً ، لو جَاءَفي ألفُ دينار لم أُبيّها(١) .
قال الجُبائي : قال لي الشيخُ عبد القادر الجيلاني : أتمنَّى أن أكون في الصَّحاري
والبَراري كما كُنتُ في الأول لا أرى الخَلقَ ولا يَرَوني ، ثم قال: أرادَ اللهُ منِّي منفعةً
الخَلق فقد أسلمَ على يديَّ أكثرُ من خمس مئة ، وتابَ على يديَّ أكثرُ من مئة ألف ،
وهذا خيرٌ كثير(٢).
وتَردُ عليّ الأَثْقَالُ التي لوْ وُضِعَت على الجِبالِ تَفَسَّحَت فأضَعُ جَنبي على الأرضِ ،
وأقولُ: إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً، ثم أرفَعُ رأسي وقد انفَرَجَتْ عنِّي(٣).
وقال : إذا وُلدَ لي ولدٌ أخذْتُه على يَدِيَّ، وأقولُ: هذا مَيّتْ ، فَأُخْرِجُه من
قَلْبي ، فإذا ماتَ لم يُؤْثِّر عندي مَوْتُه شيئاً(٤) .
وقال الجُبّائِيُّ: كنتُ أسْمِعُ في ((الحِلْيَة)) على ابنِ ناصر ، فرقَّ قَلبي، وقلتُ :
اشْتَهَيتُ لو انقَطَعتُ، وأشْتِغِلُ بالعِبادَة ، ومَضيتُ فصلَّيتُ خلفَ الشَّيخِ عبدِ القادر ،
فلمَّا جَلَسْنا، نظرَ إليَّ وقال: إذا أردتَ الانقِطاعَ ، فلا تَنَقَطِع حتى تَتَفقَّهَ وتُجالِسَ
الشُّيوخَ وتَتَأْذَّبَ ، وإلاَّ فتنقَطعُ وأنتَ فُرَيْخٌ مَا رَيَّشْتَ(٥).
وعن أبي الثَّناء النهر ملكيِّ، قال : تحدَّثنا أنَّ الذُّبابَ ما يقعُ على الشيخِ عبدِ
القادر ، فأتَيْتُه ، فالتَفتَ إليَّ، وقال: أيشٍ يعمل عندي الذُّبابُ، لا دِبْسُ الدُّنيا،
ولا عَسَلُ الآخرة (٦) .
وقال أحمدُ بنُ ظَفَر بن هُبيرة : سألتُ جَدِّي أنْ أزورَ الشيخَ عبد القادر ، فأعطاني
مَبْلَغاً من الذَّهَبِ لأُعطيَه ، فلمَّا نزلَ عن المِنْبَرِ سَلَّمتُ عليه وتحَرَّجْتُ من دَفْع الذَّهبِ إليه
(١) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٥.
(٢)
انظر السير : ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٥.
انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٤/١٥٧٥.
(٣)
انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ٥/١٥٧٥ .
(٤)
انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ١/١٥٧٦.
(٥)
(٦) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٢/١٥٧٦.
٥٥٠

فِي ذَلِكَ الجَمع ، فقال : هاتِ ما مَعَكَ ولا عَليكَ من النَّاسِ ، وسَلَّمْ على الوَزيرِ .
قال صاحبُ ((مرَّةِ الزَّمان )» : كان سُكوتُ الشيخ عبد القادر أكثرَ من كَلامِه ، وكان
يتكلَّمُ على الخَواطِرِ، وظهرَ له صِيتٌ عَظيمٌ وقَبولٌ تَامٌّ ، وما كان يَخْرِجُ من مَدْرَسَتِهِ إلاَّ
يومَ الجُمعَة أو إلى الرِّباطِ، وتابَ على يده مُعظَمُ أهْلِ بَغْدادَ ، وأسْلَمَ خَلقٌ ، وكان
يَصْدَعُ بالحَقِّ على المِنْبَر ، وكان له كَراماتٌ ظاهرةٌ .
قال الذهبيُّ : ليسَ في كِبار المَشايخ مَن له أحْوالٌ وكَراماتٌ أكثرُ من الشيخِ عبدِ
القادر ، لكنَّ كَثيراً منها لا يَصِحُ ، وفي بَعضٍ ذلك أشْياءِ مُسْتَحيلةٌ(١) .
قال الجُبَّائيُّ: كان الشيخُ عبدُ القادر يقولُ : الخَلْقُ حِجَابُك عن نَفْسِك، ونَفْسُكَ
حجابُك عن ربِّك .
عاش الشيخُ عبدُ القادر تسعين سنة ، وانتقلَ إلى الله سنةَ إحْدى وستّين وخَمس
مئة ، وشَيَّعَه خلقٌ لا يُحْصَون ، ودُفنَ بمدرَسَته رحمه الله تعالى .
وفي الجُملة الشيخُ عبدُ القادر كَبير الشأن ، وعليه مآخذُ في بعض أقوالِهِ ودَعاويه ،
والله المَوْعِدُ ، وبعضُ ذلك مَكْذوبٌ عليه(٢) .
( ب ) السُّهْرَوَزْدُّ :
جاء في ترجمة السَّهْرَوَرْديِّ، قال الذهبيُّ : الشيخُ، الإمامُ ، العالِمُ، القُدْوَة ،
الزَّاهِدُ ، العارِفُ، المُحدِّثُ، شَيخُ الإسْلامِ، أَوْحَدُ الصُّوفيّة ، شِهابُ الدين
أبو حَفْص وأبو عبد الله عُمَر بنُ محمد بنِ عبد الله القُرَشيّ ، التَّيْمِيُّ ، البَكْريُّ ،
السُّهْرَ وَرْدِيُّ ، الصُّوفيُّ ثم البَغْداديُّ .
وُلدَ في سنة تسع وثلاثين وخمس مئة ، وقَدِمَ من سُهْرَوَرْد وهو شابٌّ أمْرَدٌ ، قال
ابنُ الذُّبيئيّ : قدِمَ بَغْدادَ وكان له في الطريقة قَدَمٌ ثابتٌ ، ولِسانٌ ناطِقٌ ، ووَلِيَ عدّةَ رُبُط
للصُّوفيّة ، ونُقِّذَ رسولاً إلى عدّة جهات .
(١) انظر السير: (الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة: ٣/١٥٧٦.
(٢) انظر السير: ( الشيخ عبد القادر الجيلاني) ٤٣٩/٢٠-٤٥١، وانظر النزهة : ٤/١٥٧٦.
٥٥١

قال ابنُ النجَّار : وكان شهابُ الدين شَيخَ وَقْته في عِلم الحَقيقَةِ ، وانتَهتْ إليه
الرِّياسَةُ في تَربية المُريدين ، ودُعاء الخَلْقِ إلى الله والتسليك ، صَحبَ عمَّه وسلك
طريق الرياضات والمُجاهَدات ، وقَرأَ الفِقْهَ والخِلافَ والعَربيّة ، وسَمعَ ، ثمَّ لازَمَ
الخلوَةَ والذِّكْر والصَّوم إلى أن خطر له عند علوٍّ سنِّه أن يَظهَرَ للنَّاسِ ويتكلّم ، فعقَدَ
مَجْلِسَ الوَعْظ بمدرسَة عمِّه ، فكان يتكلَّمُ بكلام مُفيدٍ من غير تَزْويق ، ويَحْضرُ عنده
خلقٌ عظيمٌ ، وظهرَ له القَبولُ من الخاصِّ والعامّ ، واشْتُهرَ اسْمُه ، وقُصِدَ من
الأَقْطار ، وظَهرَت بركاتُ أنْفاسِه على خَلقِ منِ العُصاة فتابوا، ووَصَل به خلقٌ
إلى الله، وصار أصحابُه كالنُّجوم. ثم إنَّه أُضِرَّ وأُفْعِدَ ، ومع هذا فما أخلَّ بالأوْرادِ
ودَوام الذِّكْر وحُضورِ الجُمَع في مَحَفَّة، والمُضيِّ إلى الحَجِّ ، إلى أن دخلَ في عَشْر
المئة وضَعُفَ فانقَطَع .
قال : وكان تامّ المروءَة ، كَبير النَّفْسِ ، ليس للمال عندَه قدرٌ ، لقد حصل له أُلُوفٌ
كثيرةٌ ، فلم يَدَّخِرْ شَيئاً، وماتَ ولمْ يُخلِّفْ كَفَناً، وكان مَلِيحَ الخَلْقِ والخُلُق ،
مُتَواضِعاً ، كاملَ الأوْصاف الجَميلة .
صنَّفَ في التَّصَوُّف كتاباً شرحَ فيه أحْوالَ القَوْم، وحدَّثَ به مَراراً، يعني ((عَوارِف
المَعارف)).
وقال ابنُ نُقُطَة : كان شيخَ العِراق في وَقْتِهِ ، صاحبَ مُجاهَدَة وإيثارٍ وطَريقٍ حَميدَةٍ
ومَروءَة تامّة ، وأوْرادٍ على كِبَر سنّه .
تُوفِّيَ الشيخُ شهابُ الدين رحمَه اللّهُ بَبَغْدَادَ سنةً اثنتين وثلاثين وستٍّ مئة (١) .
٧ - من الصُّوفيَّة مَنْ لم يُعرَف صَلاحُه إلاَّ بعد موته :
جاء في ترجمة ذي النُّون المِصْريِّ ، قال يوسُفُ بنُ أحمد البَغْداديُّ : كان أهلُ
ناحيتِهِ يُسَمُّونَ الزِّنْديق، فلمَّا ماتَ أظَلَّت الطَّيرُ جِنازَتَه، فاحْتَرموا بعدُ قَبْرَه(٢).
(١) انظر السير: (السُّهْرَ وَرْديّ) ٣٧٣/٢٢ -٣٧٨، وانظر النزهة: ١٧٠٤ _ ١٧٠٥.
(٢) انظر السير: (ذو النون المصري) ٥٣٢/١١-٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٩٦٧.
٥٥٢

٨- مَنْ أنّهمَ منهم بالزَّندَقة وهو منها براءٌ :
قال السُّلميُّ في (( مِحَن الصُّوفيّة)): ذو النُّون المِصْري أوّلُ مَنْ تَكلَّمَ بِبَلْدَته في
تَرتيبِ الأحوال، ومَقامات الأولياء ، فأنْكَرَ عليه عبدُ الله ابنُ عبد الحَكم ، وهَجَرَه
عُلماءُ مِصْرَ . وشاعَ أنَّه أحْدَثَ عِلْماً لم يَتكلَّمْ فيه السَّلْفُ وهَجَروه حتىْ رَمَوهُ بِالزَّنْدَقَة.
فقال أخُوه : إِنَّهم يقولون : إنَّكَ زِنْديقٌ، فقال: (١).
وَمَا لِي سِوَى الإطْراقِ والصَّمْتِ حِيلَةٌ
وَوَضْعي كَفِّي تَحْتَ خَدِّي وتَذْكاري
قال : وقال محمدُ بنُ الفَرْخِيّ : كنتُ مع ذي النُّون في زَوْرَقٍ ، فمَرَّ بنا زَوْرقٌ
آخر، فِقِيلَ لذي النُّون: إنَّ هؤلاء يَمُرُونَ إلى السلطان، يَشْهَدُون عليكَ بالكُفر .
فقال: اللَّهُمَّ إن كانوا كاذبين، فَغَرِّقهم، فانقَلَبَ الزَوْرَقُ وغَرِقُوا . فقلتُ له: فما بالُ
المَلَأَح؟ قال: لِمَ حَمَلَهم وهو يعلمُ قَصْدَهُم؟ ولأَنْ يقفُوا بين يَدَي الله غَرقَىْ خَيرٌ لهم
من أن يقفوا شُهُودَ زُور ، ثم انتَفَضَ وتَغَيَّر ، وقال : وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ لا أَدْعُو على
أحدٍ بعدها ثم دَعَاهُ أميرُ مصرَ ، وسَأَلَهُ عن اعتِقَادِهِ ، فَتَكَلَّمَ ، فَرَضِيَ أَمرَه وطَلَبَه
المتوكل ، فلمَّا سَمعَ كَلامَه ولِعَ به وأحَبَّه . وكان يقولُ: إذا ذُكِرَ الصَّالحونَ ، فَحَي
هلا بذي النون(٢) .
وقال أبو نعيم : سَمعتُ عُمرَ البنَّاءَ البَغْدادي بمكّة يَحْكِي مِحْنَةَ غُلام خليل ، قال :
نَسَبُوا الصُّوفِيَّة إلى الزَّنْدَقَة ، فأمر الخَليفةُ المُعْتَمدُ في سنة أربع وستِين ومئتين بالقَبْضِ
عليهم ، فأُخذَ في جُملَتهم النُّوريّ فأُدْخِلوا على الخَلِيفَةِ ، فأمرَ بضَرْب أعْناقِهم ، فبادَرَ
النُّورِيُّ إلى السَّيَّاف فقيل له في ذلك ، فقال : آثرتُ حياتَهم على نَفْسي ساعة ، فَتَوقَّف
السَّيَّفُ عن قَتْلِهِ، ورَفَعَ أمْرَه إلى الخَلِيفَة فردَّ الخَليفَةُ أمرَهم إلى قاضي القضاة
إِسْماعيلَ بنِ إِسْحاق ، فسَأَلَه أبو الحُسَين النُّوريّ عن مَسائل العبادات فأجاب ، ثم
قال : وبعد هذا ، فللَّه عِبادٌ يَنْطِقون بالله، ويأكُلُون بالله، ويَسْمَعون بالله ، فبَكَیُ
(١)
انظر السير: ( ذو النون المصري) ٥٣٢/١١ -٥٣٦، وانظر النزهة: ١/٩٦٨.
انظر السير: ( ذو النون المصري) ٥٣٢/١١ -٥٣٦، وانظر النزهة: ٢/٩٦٨.
(٢)
٥٥٣

إسْماعيلُ القاضي ، وقال : إن كان هؤلاء القَوْم زَنادِقَة ، فليسَ في الأرض مُؤَخِّدٌ ،
فَأَطْلَقوهم(١) .
٩ - تأؤُلُ الذهبيُّ لمَن نُسِبَتْ إليهم أقوالٌ لا تُقبَلُ شَرعاً :
جاء في ترجمة أبي يَزِيد البَسْطاميِّ ، قال الذهبيُّ : وجاء عنه أشياء مشكلة لا مَساغَ
لها، الشأنُ في ثُبُوتِها عنه، أو أنَّ قالَها في حال الدَّهْشَة والشُّكْر(٢)، والغَيبَة
والمَحْو ، فيُطوى ، ولا يُحْتَجُّ بها ، إذ ظاهرها إِلْحَادٌ ، مثل: سُبحاني ، وما في
الجُبَّة إلاَّ الله، ما النَّارُ؟ لأَسْتَندَنَّ إليها غَداً، وأقول: اجْعَلْني فداءً لأهْلِها ، وإلاَّ
بلعْتُها. ما الجَنَّة؟ لُعْبَةُ صِبْيان، ومُرادُ أهْلِ الدُّنيا. ما المُحدِّثون؟ إنْ خاطَبَهم رجلٌ
عن رجلٍ ، فقد خاطَبَنا القلبُ عن الرَّب .
وقال في اليهودِ : ما هؤلاء؟ هَبْهُم لي ، أيُّ شيءٍ هَؤلاء حتى تُعَذِّبَهم ؟
قال السُّلَميُّ في ((تاريخ الصُّوفيّة)»: تُوفِّيَ أبو يَزيد عن ثلاث وسبعين سنة ، وله
كلامٌ حَسَنٌّ في المُعامَلات(٣).
وجاء في ترجمة أبي حَمْزَة البغداديِّ ، قال الذهبيُّ : ولأبي حَمْزَة انْحِرافٌ وشَطَحٌ
له تأويل (٤) .
وقال الذهبيُّ في ترجمة ((الشِّبْليِّ)): وكان فَقيهاً عارِفاً بمَذْهَب مالك ، وكتبَ
الحديثَ عن طائفة، وقال الشِّعْرَ ، وله ألفاظٌ وحِكَمٌ وتَمُّن ، لكنَّه كان يحصُلُ له
جَفافُ دِماغ وسُكْر ، فيقولُ أشْيَاءَ يُعْتَذَرُ عنه فيها .
وقيل : إنَّ ابنَ مُجاهد قال له : أين في العِلْم إِفْسادُ ما يَنفع؟ قال: قولُه: ﴿فَطَفِقَ
مَسْتَطًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ (٥)، (٦) ، ولكن يا مقرىء أين معك أن المحبَّ لا يُعذِّبُ
انظر السير: ( النَّوريّ) ٧٠/١٤-٧٧، وانظر النزهة : ٢/١١٣٤.
(١)
(٢)
المقصود بالسُّكْر هنا : الشَّوقُ والوَلَهُ بالله تعالى .
(٣)
انظر السير: ( أبو يَزيد البَسْطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٤/١٠٥٥.
(٤)
انظر السير: ( أبو حَمزَة البغدادي) ١٦٥/١٣-١٦٨، وانظر النزهة: ٣/١٠٦٧.
(٥)
سورة ص ، الآية : ٣٣.
ذلك لأنه كان من شأن الشبلي إذا لبس شيئاً خَرَّق فيه موضعاً ، وفي الاستشهاد بالآية نظر .
(٦)
٥٥٤

حَبيبَه؟ فسكتَ ابنُ مُجاهد. قال: قوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَوْاْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُمُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾(١) .
وكان رحمه الله لَهِجاً بالشِّعْرِ الغَزِل والمَحَبَّة ، وله ذَوْقٌ في ذلك ، وله مُجاهَداتٌ
عَجِيبَة انحَرَفَ منها مِزاجُه .
قال الشُّلَميُّ: سَمعتُ محمدَ بنَ الحَسَن ، سَمعتُ الشِّبْليَّ يقول : أَعْرفُ مَنْ لمْ
يَدخُل في هذا الشَّأن حتى أنفقَ جميعَ مُلْكِه ، وغرَّق سبعين قِمَطْراً بخطِّه ، في دِجْلَة
التي تَرَوْنَ، وحَفِظَ ((المُوَطَّأ))، وتَلا بكذا وكذا قراءة يعني : نفسَه .
وسُئلَ: ما عَلامَةُ العارِف؟ قال: صدرُه مَشْروحٌ، وقَلْبُه مَجْروحٌ، وجِسْمُهُ مَطْروح.
تُوفِّيَ ببغدادَ سنةً أربع وثلاثين وثلاث مئة عن نيّف وثمانين سنة(٢).
١٠ - تَأْؤُلُ غيرُ الذهبيِّ لهؤلاء :
جاء في ترجمة ((أبي يَزِيد البَسْطامي))، قال السُّلَميُّ في ((تاريخ الصُّوفيّة)»: تُوفِّيَ
أبو يَزيد عن ثلاث وسبعين سنة ، وله كلامٌ حَسَنٌ في المُعامَلات .
ثم قال : ويُحْكَى عنه في الشَّطْحِ أشياء، منها ما لا يَصُ ، أو يكونُ مُقوَّلاً عليه ،
وكان يرجعُ إلى أحْوالٍ سَنِيَّة ، ثم ساقَ بإسْنادٍ له ، عن أبي يَزِيد ، قال: مَنْ نَظَرَ إلى
شاهِدي بعَينِ الاضطراب ، وإلى أوْقاتي بعَين الاغْتراب ، وإلى أحْوالي بعَين
الاسْتدراج ، وإلى كَلامي بعَين الافْتراء ، وإلى عِباراتي بعَين الاجْتراء ، وإلى نَفْسي
بعَين الازْدِراء ، فقد أخطأ النَّظَرَ فيَّ (٣).
١١ - ضَبطُ الذهبيِّ بَعضَ عِبارات الصُّوفيّة :
قال أبو محمّد الجَريريُ: سَمعتُ الجُنَيْدَ يقولُ : ما أخذْنا التصَوُّفَ عن القال
والقيل ، بلْ عن الجُوعِ ، وتَرْكِ الدُّنيا ، وقَطعِ المَألوفات (٤) .
(١)
سورة المائدة ، الآية : ١٨ .
انظر السير: (الشُّبْليُّ) ١٥/ ٣٦٧ -٣٦٩، وانظر النزهة : ٢/١٢٣٧.
(٢)
(٣)
انظر السير: ( أبو يَزيد البَسْطامي) ٨٦/١٣-٨٩، وانظر النزهة: ٥/١٠٥٥.
انظر السير: ( الجُنّيد) ٦٦/١٤ -٧٠، وانظر النزهة: ٤/١١٣٣.
(٤)
٥٥٥

قال الذهبيُّ : هذا حَسَنٌّ، ومُرادُه: قَطعُ أكثرِ المَألوفات، وتَركُ فُضول الدُّنيا ،
وجوعٌ بلا إِفْراطٍ ، أمَّ مَنْ بالَغَ في الجُوعِ كما يَفعَلُ الرُّهْبانُ ، ورَفضَ سائرَ الدُّنيا ،
ومَألوفاتِ النَّفْسِ من الغِذاءِ ، والنَّومِ ، وَالأهْلِ ، فقد عرَّضَ نفسَه لبَلاءٍ عَريض ،
ورُبّما خُولِطَ في عَقْلِه، وفاتَه بذلك كَثِيرٌ من الحَنيفيَّةِ السَّمْحَة ، وقد جَعلَ اللهُ لكل
شيءٍ قَدْراً ، والسَّعَادَةُ في مُتَابَعَة السُّنَن فَزِنِ الأمُورَ بالعَدْلِ ، وصُمْ وأفْطِرْ ، ونَمْ وقُمْ ،
والْزَمِ الوَرَعَ في القُوتِ ، وارْضَ بما قَسمَ اللهُلك، واصمُتْ إلَّ من خَيرٍ ، فرحمَةُ الله
على الجُنَيْدِ ، وأينَ مثلُ الجُنَيَّد في عِلْمِه وحَالِه ؟(١) .
١٢ - ذَعُّ الذهبيِّ بعضَ أفْعالِ المُتَصوِّفَة المخالفة للشَّرع :
جاء في ترجمة ابنِ عَطاء ، قال الذهبيُّ : وقِيلَ : إنَّ ابنَ عَطاء فقَدَ عَقلَه ثمانية عشرَ
عاماً ، ثم ثابَ إليه عَقلُه .
ثَبَّتَ اللهُ علينا عُقولَنا وإيمانَنَا، فمَنْ تَسبَّبَ في زَوالِ عَقلِهِ بِجُوعٍ ورياضَة صَعْبَة ،
وخَلْوَة ، فقد عَصىُ وأَئِمَ ، وضاهَى مَنْ أَزَالَ عَقلَه بعضَ يومٍ بسُكْرٍ ، فما أحْسَنَ التَّقيُّدَ
بِمُتَابَعة السُّنَن والعِلْم(٢) .
وقال الغَزاليُّ: وذَهبت الصُّوفيَّةُ إلى العُلومِ الإِلْهاميَّةِ دونَ التعليميّة ، فيجلِسُ فارغَ
القلبِ مَجْموعَ الهَمِّ يقولُ: الله الله الله، على الدَّوام ، فليُفَرِّغْ قلبَه ، ولا يَشْتَغِلُ بتِلاوَةٍ
ولا كُتبٍ حَديث، قال : فإذا بلَغَ هذا الحَدَّ ، التَزَم الخُلوَة في بيتٍ مُظْلِمٍ، وتدَثَّرَ
بكِسائه، فحينَذٍ يَسْمَعُ نداءَ الحقِّ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرْ﴾(٣)، و﴿ يَأَيُهَا الْمُزَّمِلُ﴾(٤).
قال الذهبيُّ: سَيِّدُ الخَلْقِ إِنَّمَا سَمِعَ ﴿يَّهَا الْمُؤَُّ ﴾(٥). من جِبْرِيلَ عن الله، وهذا
الأَحْمَقُ لمْ يَسْمَعْ نداءَ الحقِّ أَبَداً، بلْ سَمعَ شَيْطاناً ، أو سَمعَ شَيئاً لا حَقيقَةً من طَيْشٍ
(١) انظر السير: (الجُنيد) ٦٦/١٤ -٧٠، وانظر النزهة: ٥/١١٣٣.
(٢) انظر السير: (ابنُ عَطاء) ٢٥٥/١٤ -٢٥٦، وانظر النزهة: ٥/١١٤٩.
(٣)
سورة المدَّثِّر ، الآية : ١ .
(٤) سورة المُؤَّمِّل ، الآية: ١ .
(٥) سورة المدَّثِّر، الآية : ١.
٥٥٦

دِماغِه ، والتوفيقُ في الاعتصام بالسُّنَّة والإجماع .
قال ابنُ عَساكِرْ : حجَّ أبو حامد وأقامَ بالشَّام نَحْواً من عشر سِنينَ وصنَّفَ ، وأخذَ
نفسَه بالمُجاهَدَة ، وكان مُقامُه بدمشقَ في المَنارَةِ الغَربيّة من الجامع، سَمعَ « صَحيحَ
البُخاري )) من أبي سَهْل الحَفْصي ، وقَدِمَ دمشْقَ في سنَّة تسْع وثمانين .
قال أبو العبّاس أحمدُ الخطيبي : كنتُ في حلقَة الغَزاليِّ ، فقال : ماتَ أبي وخلَّفَ
لي ولأخي مقْداراً يَسيراً فَفَنَيَ بحيثُ تعذَّرَ علينا القُوتُ، فصِرْنا إلى مدرسَة نَطلُبُ
الفِقْهَ ، ليسَ المُرادُ سِوَى تَحْصيلِ الوَقْت ، فكان تعلُّمُنا لذلك ، لا لله، فأَبَىُ أن يَكونَ
إلاَّ لله .
وممَّا أُخِذَ عليه قال: إنَّ للقَدَرِ سِرَّاً نُهينا عن إفْشائه، فأيُّ سِرٍّ للقَدر؟ فإنْ كان
مُدْرَكاً بالنظَرِ ، وُصِلَ إليه ولا بُدَّ، وإنْ كان مُدْرَكاً بالخَبَر فما ثَبَتَ فيه شيءٌ ، وإنْ كان
يُذْرَكُ بالحالِ والعِرْفان، فهذه دَعْوَى مَحْضَة فلعلَّه عَنَى بإِفْشائه أنْ نُعَمِّق في القدَر ،
ونَبحَثَ فيه(١) .
١٣- ذَغُّ الذهبي بعضَ مُصْطَلحات التصَوُّف :
جاء في ترجمة الخَرَّاز، قال الذهبيُّ: ويقالُ: إنَّ الخرَّازَ أوّل مَنْ تَكلَّمَ في عِلم
الفَناء والبقاء(٢)، فأيُّ سَكْتَةٍ فاتَتْه، قصدَ خَيراً، فوَلّد أمراً كبيراً، تشبّث به كلُّ
اتحاديٍّ ضالٌ .
وتُوفِّيَ سنةَ سِتّ وثمانين ومئتين .
قال السُّلميُّ : هو إمامُ القَوم في كلٌّ فَنٌّ من عُلومِهم ، له في مَبادِىء أمره عجائبُ
وكَرامات، وهو أحْسَنُ القَوم كَلاماً ، خَلا الجُنَيْد، فإنَّه الإمامُ(٣) .
وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي : أخرجوا الحَكيمَ من تَرْمِذ ، وشَهدوا عليه
انظر السير: ( الغَزَّالي) ٣٢٢/١٩ -٣٤٦، وانظر النزهة: ١/١٤٨٣.
(١)
(٢)
انظر ما كتبه ابنُ القيّم رحمه اللهُ في (( مَدارج السّالكين)) (١٤٨/١ -١٧٣) عن الفَناء وأقسامه ومَراتبه ،
وما هو مذموم ، وما هو محمود .
انظر السير: ( الخَرَّاز) ٤١٩/١٣-٤٢٢، وانظر النزهة : ٢/١٠٩٧.
(٣)
٥٥٧

بالكُفرِ، وذلك بسَبب تَصْنِيفِه كتاب: ((خَتم الولاية))، وكتاب: (( عِلَلُ الشَّريعَة)»،
وقالوا : إنَّه يقولُ: إنَّ للأولياء خاتماً كالأنبياء لهم خاتم ، وإنَّ يُفَضِّلُ الوِلايَة على
النُُّوَّة، واحْتجَّ بحَديث: ((يَغْبِطُهُمُ النَّبُّونَ والشُّهَداء ». فَقَدِمَ بَلْغَ، فَقَبلوه لمُوافَقَتِهِ
لهم في المَذْهَب(١) .
وقال السُّلميُّ: هُجِرَ لتَصْنيفِه كتاب: ((خَتم الوِلايَة))، و(( عِلَلْ الشَّريعَة))،
ولَيسَ فيه ما يُوجِبُ ذلك ، ولكن لبُعْدِ فَهْمِهم عنه(٢) .
قال الذهبيُّ: كذا تُكُلِّمَ في السّلميِّ من أجلِ تأليفِه كتاب: ((حَقائقُ التَّفْسير))،
فيالَيْتَه لمْ يُؤْلِّفْه، فنَعوذُ بالله من الإشارات الحَلَّجِيَّة، والشَّطَحات البسْطاميَّة،
وتَصَوُّفِ الاتِّحاديَّة، فواحُزْناهُ علىْ غُرْبَة الإسْلام والسُّنَّة، قال اللهُ تَعالَى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَقَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾(٣)، (٤).
وقال القِرْميسينيُّ : علمُ الفَناء والبقاء يدورُ على إخْلاصِ الوَحْدانيَّة ، وصحَّة
العُبوديَّة ، وما كان غيرَ هذا فهو من المُغالَطَة والزَّنْدَقَةِ(٥).
قال الذهبيُّ : صَدقتَ والله فإنَّ الفَنَاءَ والبقاءَ من تُرَّهات الصُّوفيَّة أطلَقَهُ بَعضُهم
فدخلَ من بابِه كلُّ إِلْحاديٍّ وكلُّ زِنْديق ، وقالوا : ما سِوَى اللهَ باطِلٌ فانٍ ، واللهُ تَعالَى
هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثَمَّشيءٌ غَيرُه .
ويقولُ شاعُرُهم :
ن بلْ أنتَ عيْنُهُ
وما أنتَ غيرَ الكَو
ويقولُ الآخَرُ :
وما ثَمَّ إلَّ الله ليسَ سِواهُ
انظر السير: ( الحَكِيمُ التِّرْمذيّ) ٤٣٩/١٣-٤٤٢، وانظر النزهة : ٦/١١٠٠.
(١)
(٢)
انظر السير: ( الحَكيمُ التِّرْمذيّ) ٤٣٩/١٣ -٤٤٢، وانظر النزهة : ٧/١١٠٠ .
(٣)
سورة الأنعام ، الآية : : ١٥٣.
انظر السير: ( الحَكيمُ التِّرْمذيّ) ٤٣٩/١٣-٤٤٢، وانظر النزهة : ٨/١١٠٠.
(٤)
(٥)
انظر السير : ( القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥ -٣٩٤، وانظر النزهة : ٤/١٢٣٩.
٥٥٨

فانظُرْ إلى هذا المُروقِ والضَّلال ، بل كلُّ ما سِوَى الله مُحْدَثُ مَوْجودٌ .
قال اللهُ تَعالَى :
﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(١).
وإنَّما أرادَ قُدَماءُ الصُّوفيّة بالفَناءِ نِسْيانَ المَخْلوقات وتَركَها وفَنَاءَ النَّفْس عن التَّشاغُل
بما سِوَى الله، ولا يُسَلَّمُ إليهم هذا أيضاً ، بلْ أمَرَنا اللهُ ورسُولُه بالتَّشاغُل بالمَخْلوقات
ورُؤْيَتِها والإقْبالِ عليها وتَعْظِيمِ خالِقِها ، قال تَعَالَى :
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَهُ مِن شَىْءٍ﴾(٢).
وقال: ﴿قُلِ أَنْظُرُ واْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾(٣).
وقال: ((حُبِّبَ إليَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ)).
وكان يُحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أباها، ويحبُّ أُسَامَةَ، ويحبُّ سِبْطَيْه ، ويحبُّ
الحَلْواءَ والعسَلَ، ويحبُّ جَبَلَ أُحُدٍ ، ويحبُّ وَطَنَه ، ويحبُّ الأنْصارَ ، إلى أشْيَاءَ
لا تُحْصَى ممَّا لا يغني المؤمن عنها قطُّ (٤).
وقال ابنُ الأَعْرابيّ : فإذا سَمعتَ الرَّجلَ يَسْألُ عن الجَمْع أو الفَناء ، أو يُجيبُ
فيهما ، فاعْلَمْ أنَّه فارغٌ ، ليسَ من أهْلِ ذلك ، إذْ أهْلُهما لا يَسْألُونَ عنه لعِلْمِهِم أنَّه
لا يُدرَكُ بالوَصْفِ(٥) .
قال الذهبيُّ: إي والله، دقَّقُوا وعَمَّقوا، وخاضوا في أسْرارِ عَظيمة ، ما معهم
على دَعْواهم فيها سِوَىْ ظَنٍّ وخَيالٍ ، ولا وُجودَ لتلك الأحْوال من الفَناء والمَحْو
والصَّحْو والسُّكْر إلاَّ مُجرَّد خَطَرات ووَساوس ، ما تفؤَّه بعباراتِهِم صِدِّيقٌ ،
ولا صاحبٌ، ولا إمامٌ من التَّابعين ، فإنْ طالبْتَهم بدَعَاويهم مقَتوك ، وقالوا :
سورة السجدة ، الآية : ٤ .
(١)
(٢)
سورة الأعراف ، الآية : ١٨٥ .
(٣)
سورة يونس ، الآية : ١٠١ .
انظر السير: ( القِرْميسيني) ٣٩٢/١٥ -٣٩٤، وانظر النزهة : ٥/١٢٣٩.
(٤)
انظر السير: ( ابنُ الأعْرابي) ١٥/ ٤٠٧ -٤١٢، وانظر النزهة : ١/١٢٤٣.
(٥)
٥٥٩

مَحْجوبٌ، وإنْ سَلَّمتَ لهم قيادَك تخبَّطَ ما مَعكَ من الإيمان، وهَبطَ بك الحالُ على
الحَيْرَة والمُحال، ورَمَقْتَ العُبَّادَ بعَينِ المَقْتِ، وأهلَ القُرآن والحَديثِ بعَين البُعْد ،
وقُلتَ : مَساكين مَحْجُوبون . فلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١).
١٤ - رَدُ الذهبيّ علىٌ أُخْطاء بعض المُتَصَوِّفَة :
جاء في ترجمة النَّصْراباذيِّ، قال الذهبيُّ: ومع عِظَم محلّه كم من مرّة ضُربَ
وأُهينَ ، وكم حُبسَ ، فقيل له إنَّك تقول : الرُّوحُ غَيرُ مَخْلوقَة ، فقال : لا أقولُ ذا،
ولا أقولُ إنَّها مَخْلوقَة ، بلْ أقولُ : الرُّوحُ من أمرِ رَبِّي، فَجَهِدُوا به ، فقال : ما أقولُ
إلاَّ ما قالَ الله .
قال الذهبيُّ : هذه هَفْوَةٌ ، بلْ لا رَيبَ في خَلْقِها، ولمْ يَكُنْ سُؤالُ اليَهودِ لنَبيِّنا
صلى الله عليه وسلم عن خَلْقِها ، ولا قِدَمِها ، إنَّما سألوا عن ماهيتها وكَيفيَتَها ،
قال اللهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ (٢)، فهو مُبْدِعُ الأشْياءَ ومُوجِدُ كل فَصيح
وأعْجَم ، ذاته وحياته وروحه وجسده ، وهو الذي خلق الموتَ والحياةَ والنُّفُوسَ ،
سُبْحانَه(٣).
ثم قال السُّلميُّ : وقيلَ له : إنَّك ذَهبتَ إلى النَّاووس وطُفْتَ به وقُلْتَ : هذا
طَوافي فَتَنَقَّصْتَ بهذا الكَعْبَة !! قال: ولكنَّهما مَخْلوقان لكن بها فَضْلٌ ليسَ هُنا ،
وهذا كمن يُكْرِمُ كَلباً ، لأنَّه خَلْقُ الله ، فعُوتِبَ في ذلك سنين .
قال الذهبيُّ: هذه وَرْطَةٌ أخْرِىُ. أَفَتَكونُ قِبْلَة الإسْلامِ، كَقبرٍ يُطافُ به ، فقد لَعَنَ
رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ اتَّخَذَ قَبْراً مَسْجِداً .
قال السُّلَميُّ : سَمعتُ جَدِّي يقولُ : منذُ عَرفْتُ النَّصْراباذيَّ ما عَرفتُ له جاهليّة .
وقال الحاكمُ : هو لسانُ أهْلِ الحَقائق في عَصْرِهِ ، وصاحبُ الأحْوال الصَّحيحَة ،
(١) انظر السير: (ابنُ الأعْرابي) ٤٠٧/١٥-٤١٢، وانظر النزهة: ٢/١٢٤٣.
(٢) سورة الزُّمَر ، الآية : ٦٢.
(٣) انظر السير: (النّصْراباذي) ٢٦٣/١٦-٢٦٧، وانظر النزهة: ٢/١٢٩٤.
٥٦٠