Indexed OCR Text
Pages 441-460
وقال أبو داود عن إبراهيمَ بنِ طَهْمان : ثِقةٌ من أهْلِ سَرْخَس ، خرجَ يُريد الحَجَّ ، فقَدِمَ نيسابورَ ، فوَجدَهم على قول جَهْم ، فقال : الإقامة على هؤلاء أفضلُ من الحَجِّ ، فأقام فنقَلَهم من قول جَهْم إلى الإرجاء(١) . وقال صالحُ بن محمد جَزَرَة : ثقةٌ، حَسنُ الحَديث ، يَميل شيئاً إلى الإرجاء في الإيمان، حَبَّبَ الله حَديثَه إلى النَّاس، جَيِّدُ الرِّوايَة . وقال أبو الصَّلتِ عبدُ السَّلامِ بنُ صالح الهَرَوي: سَمعتُ سُفيانَ ابنَ عُيَيْنَة يقول : ما قَدِمَ علينا خُراسانِيٌّ أفضلُ من أبي رَجاء عبد الله ابنِ واقِد(٢) . قلتُ له : فإبراهيمُ بنُ طَهْمان ؟ قال : كان ذاكَ مُرْجِئاً ثم قال أبو الصَّلت : لمْ يكنْ ارْجاؤُهم هذا المَذهَبِ الخَبيث : أنَّ الإيمان قولٌ بلا عَمل، وأنَّ تَرْكَ العَملِ لا يَضُرُّ بالإيمان ، بل كان إرْجاؤُهم أنَّهم يَرجُونَ لأهل الكبائر الغُفرانَ ، رَداً على الخَوارِج وغَيرِهم ، الذين يُكفِّرون الناسَ بالذُّنوب ، وسَمعتُ وَكيعاً يقولُ: سَمعتُ الثَّوْريَّ يقولُ في آخر أمرِه : نحن نَرجو لجميع أهل الكبائر الذين يَدينُون دِيننَا، ويُصلُّونَ صَلاتنا ، وإنْ عَملوا أيَّ عَملٍ قال : وكان شَديداً على الجَهْميَّة(٣). (١) انظر السير: (إبراهيم بن طَهْمان) ٣٧٨/٧ -٣٨٥، وانظر النزهة: ٢/٧٠٥. (٢) انظر السير: (إبراهيم بن طَهْمان) ٣٧٨/٧ -٣٨٥، وانظر النزهة: ٣/٧٠٥ . (٣) انظر السير: (إبراهيم بن طَهْمان) ٧/ ٣٧٨ - ٣٨٥، وانظر النزهة: ٤/٧٠٥. ٤٤١ ثاني عَشَر : المُعْتَزِلَة ١ - من عَقائد المُعْتَزِلَة : قال ثُمامَةُ بنُ أشْرَس : المُقَلِّدون من أهلِ الكتابِ وعَبَدَة الأوثان لا يَدخُلونَ النَّارَ ، بل يَصيرونَ تُراباً ، وإنَّ مَنْ ماتَ مُسْلِماً وهو مُصِرٍّ علىْ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النَّارِ ، وإنَّ أَطْفالَ المؤمنينَ يُصَيَّرونَ تُراباً ، ولا يَدخلون جنَّةً . قال الذهبيُّ: قَبَّحَ اللهُ هذه النِّحْلَةِ(١) . ٢ - من عُلماء المُعْتَزِلَة: (أ) ثمامَةُ بنُ اشْرَس : قال الذهبيُّ في ترجمَة ((ثُمامَة بن أشْرس)): العلَّمَة أبو معن النُّميري البَصْريُّ المُتَكَلِّم ، من رُؤوس المُعْتِزِلَةَ، وكان نَديماً ظريفاً صاحبَ مُلَح، اتصَلَ بالرَّشيد ، ثم بالمَأمون رَوى عنه تلميذُه الجاحظُ(٢) . قال ثُمَامَةُ بنُ أَشْرَس : المُقَلِّدون من أهلِ الكتابِ وعَبَدَة الأوثان لا يَدخُلونَ النَّارَ ، بل يَصيرونَ تُراباً ، وإنَّ مَنْ ماتَ مُسْلِماً وهو مُصِرٍّ علىُ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النَّارِ ، وإنَّ أَطْفالَ المؤمنينَ يُصَيَّرونَ تُراباً ، ولا يَدخلون جنَّةً . قال الذهبيُّ: قَبَّحَ اللهُ هذه النِّحْلَةِ(٣). قال المُبَرِّدُ : قال ثُمامَةُ : خرجتُ إلى المأمونِ ، فرأيتُ مَجنوناً شُدَّ ، فقال : ما اسمُك ؟ قلتُ : ثُمامَة ، فقال: المُتكَلِّمُ؟ قلتُ : نَعم ، قال : جلستَ على هذه الآجُرَّة، ولم يأذن لك أهلُها، فقلتُ: رأيتُها مَبذُولة، قال: لعل لهم تَدبيراً غَير انظر السير: ( ثُمامَة بنُ أشْرَس) ٢٠٣/١٠ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٢/٨٦٨. (١) انظر السير: ( ثُمامَة بنُ أشْرَس) ١٠/ ٢٠٣ -٢٠٦، وانظر النزهة: ١/٨٦٨. (٢) انظر السير: ( ثُمامَة بنُ أَشْرَس) ٢٠٣/١٠ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٢/٨٦٨. (٣) ٤٤٢ البَذْلِ ، متى يجدُ النَّائمُ لذَّةَ النَّوم؟ إنْ قُلتَ: قبلَه، أحَلْتَ، لأنَّه يَقْطَانُ ، وإِنْ قُلتَ : في النَّوم، أبطَلتَ، إذْ النَّائمُ لا يَعْقل، وإنْ قُلتَ: بعدَه فقد خَرجَ عنه ، ولا يوجَدُ شيءٌ بَعدَ فَقْدِه ، قال: فما كان عندي فيها جَوابٌ(١) . وعنه قال : عُدتُ رجلاً ، وتَركتُ حِماري على بابه ، ثم خرجتُ فإذا صَبيُّ راكبُه ، فقلتُ : لِمَ رِكِبْتَه بغير إذني قال : خفتُ أن يَذْهَبَ ، قلتُ: لو ذهبَ كان أهْوَنَ عليَّ ، قال : فَهَبْهُ لي، وعُدَّ أنَّه ذَهبَ، واربَحْ شُكْري ، فلم أدْرِ ما أقول(٢). وقال الجاحظُ : حدَّثني ثُمَامَةُ، قال: شَهِدُتُ رجُلاً قدَّم خَصْمَه إلى والٍ ، فقال : أَصْلَحِكَ الله ، هذا ناصِبِيٌّ، رافِضِيٍّ، جَهْمِيٌّ، مُشَبَّةٌ، يَشْتمُ الحجَّاجَ بنَ الزُّبَيرِ الذي هدمَ الكَعْبَةَ على عليٍّ، ويَلْعَنُ مُعاويَةَ بنَ أبي طالب(٣) . وقالَ هَارُونُ الحَمَّالُ : حَدَّثنا مُحمَّدُ بنُ أبي كَبْشَة قال : كُنتُ فِي سَفِينَةٍ ، فسَمِعتُ هاتِفاً يقولُ: لا إلَهَ إلاَّ الله، كَذَبَ المَريسِيُّ على الله، ثُمَّ عادَ الصَّوتُ يَقولُ: لا إلَهَ إلاَّ الله، علىْ ثُمَامَةَ والمَرِيسِيِّ لَعْنةُ الله، قالَ: ومَعَنا رَجُلٌ من أصْحابِ المَريسِيِّ في المَرْكبِ، فَخَرَّ مَيّا(٤). ( ب ) أبو يُوسُف القَزوينيّ : قال الذهبيُّ في ترجمة ((أبو يوسُف القَزْوينيّ)): الشَّيخُ العلاَّمَة ، البارِعُ ، شَيخُ المُعْتَزِلَة وفاضِلُهم ، أبو يوسُف عبدُ السَّلام بنُ محمد بنُ يوسُف القَزْوينيُّ ، المُفَسِّرُ ، نزیلُ بغداد . وقال ابنُ عقيل في ((فُنونه)) : قدِمَ علينا من مِصْرَ القاضي أبو يوسُف القَزْويني ، وكان يَفْتخرُ بالاعْتزال ، ويتوسَّعُ في قَدْحِ العُلماء ، وله جُرْأةٌ ، وكان إذا قَصدَ بابَ نظام المُلك ، يقولُ استأذنوا لأبي يوسُف المُعْتَزليِّ ، وكان طَويلَ اللَّسان بعلمٍ تارة ، (١) انظر السير: (ثُمامَة بنُ أَشْرَس) ٢٠٣/١٠-٢٠٦، وانظر النزهة: ٣/٨٦٨. (٢) انظر السير: ( ثُمامَة بنُ أَشْرَس) ٢٠٣/١٠ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٤/٨٦٨. (٣) انظر السير: ( ثُمَامَة بنُ أشْرَس) ١٠/ ٢٠٣ -٢٠٦، وانظر النزهة: ٥/٨٦٨. (٤) انظر السير: (ثَمامَة بنُ أَشرَس) ٢٠٣/١٠-٢٠٦، وانظر النزهة: ٦/٨٦٨. ٤٤٣ وبسَفَهِ تارةً ، لم يكن مُحَقِّقاً إلاَّ في التفسير ، فإنَّه لَهجَ بذلك حتىْ جَمِعَ كتاباً بلغ خمسَ مئة مُجلَّد، فيه العجائبُ، رأيتُ منه مُجلَّدَةً في آيةٍ واحدة، وهي ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾(١) ، فذكرَ السِّحْرَ والملوك الذين نفَق عليهم السِّخْرُ، وتأثيراتِهِ وأنْواعِه(٢). وقال محمدُ بنُ عبد المَلك: مَلكَ من الكتب ما لم يملكْهُ أحدٌ قيلَ : ابتاعَها من مِصْرَ بالخُبزِ وقتَ القَحْطِ ، وحذَّثني عبدُ المحسن بنُ محمد أنَّه ابتاعَها بالأثْمان الغاليَة ، كان يَبتاعُ من كتب السيرافيِّ وكانت أزيدَ من أربعين ألف مُجلَّد ، فكان أبو يوسف يشتري في كل أسبوع بمئة دينار ، ويقول : قد بعتُ رَحْلي وما في بيتي وكان الرُّؤساء يَصِلونَه(٣) . وقيلَ : دخلَ الغَزاليُّ إليه، وجلسَ بينَ يَديه ، فقال: من أين أنتَ ؟ قال : من المدرسة ببغداد قال الغَزاليُ: لو قُلتَ : إنِّي من طوس لذكَر تَغْفيلَ أهلِ طوس ، ومن أنَّهم سألوا المأمونَ ، وتَوسَّلوا إليه بقبرِ أبيه عندهم، وطلَبوا أن يُحوِّلَ الكعبةَ إلى بلدِهم ، وأنَّه جاء عن بعضِهم أنَّه سُئلَ عن نَجْمِهِ ، فقال : بالتَّيْسِ ، فِقِيلَ له ، فقال : كان من سنتينٍ بِالجَديٍ ، والساعةَ قد كَبِرَ . وقال ابنُ ناصر : مات سنةَ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة (٤) . قالَ الْيَزِيدُّ وَآخَرُ : تَكلَّمَ عَمرُو بنُ عُبَيد في الوَعيدِ سَنةً ، فقالَ أبو عَمروٍ بنُ العَلَاءِ : إِنَّكَ لأَلْكَنُ الفَهمِ، إذْ صَيَّتَ الوَعيدَ الذي في أعْظِمِ شَيءٍ مِثْلَهُ في أَصْغَرِ شَيءٍ، فاعْلَمْ أنَّ النَّهيَ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ ليْسا سَواء وإنَّما نَهَى اللهُ عَنْهُمَا لِيَتِمَّ حُجَثُّه علىُ خَلِهِ ، ولِئلا يَعْدِلَ عنْ أمْرِهِ وَوَرَاءَ وَعيدِه عَفْوُهُ وكَرَمُه ثمَّ أَنْشَدَ : (١) سورة البقرة، الآية : ١٠٢ انظر السير: ( أبو يوسُف القَزْوينيّ) ٦١٦/١٨ -٦٢٠، وانظر النزهة : ٢/١٤٤٨. (٢) انظر السير: ( أبو يوسف القرْوينيّ) ٦١٦/١٨-٦٢٠، وانظر النزهة: ١/١٤٤٩. (٣) (٤) انظر السير: ( أبو يوسُف القزوينيّ) ٦١٦/١٨ -٦٢٠، وانظر النزهة: ٢/١٤٤٩. ٤٤٤ ولا أختَنِي (١) مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ ولا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَوْلَتِي وإِنِّي وإِنْ أَوْعَدْتُهُ وَوَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إنْعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي فقالَ عَمرُو بنُ عُبَيد: صَدَقتَ إنَّ العَربَ تَتَمدَّحُ بالوَفاءِ بالوَعِدِ والوَعيدِ ، وقد يُمْتَدَحُ بهما المَرءُ ، تَسَمَّعْ إلى قَولِهِم : يَبِيتُ مِنْ ثَأْرِهِ عَلىُ فَوْتٍ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ والوَعِيدَ ولا فقَدْ وافَقَ هذا قَولَه تَعالَى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّ حَقًّا فَهَلْ وَجَدَّثُمَّا وَعَدَرَبُّكُمْ حَقًَّ قَالُواْنَعَرَّ ﴾(٢). قالَ أبُو عَمرٍو : قَد وافَقَ الأوّلُ أخْبارَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم والحَديثُ يُفَسِّرُ القُرآنَ(٣). ولا أخْتَني : أي لا أُسْتَتَرُ خوفاً . (١) (٢) سورة الأعراف ، الآية : ٤٤. (٣) انظر السير: (أبو عمرو بن العَلاء) ٦/ ٤٠٧-٤١٠، وانظر النزهة: ١/٦٦٦. ٤٤٥ جماعاتٌ ضَالَّةٌ خَارجَةٌ عن الدِّين أولاً : الباطِنِيَّة ١- من عقائدهم : قال الذهبيُّ في ترجَمة الطَّلَمَنْكِيِّ: وأَلَّفَ كتاباً في الرَّدِ على الباطنيَّة ، فقال: ومنهم قومٌ تعبَّدوا بغير علمٍ ، وزَعَموا أنَّهم يَرونَ الجنَّةَ كلَّ ليلةٍ ، ويأكلُونَ من ثِمارِها ، وتَنَزَّلُ عليهم الحُورُ العِينُ، وأنَّهم يَلوذونَ بالعرشِ، ويرَونَ اللهَ بغيرِ واسِطةٍ ، ويُجالِسونَ(١). ٢ - مَن فَضَحَهم من علماء المسلمين : جاء في ترجمة المستظهر بالله ، قال الذهبيُّ : ولابنِ الباقِلانيِّ ، والغَزاليِّ ، وعبد الجبّار المُعْتَزليِّ كُتبٌ في فَضائحِ هؤلاء - يعني الباطنيَّة (٢). ٣- تاريخُهُم وأُمَراؤهم : (أ) ابنُ غطَّاش : جاء في ترجمة ((ابنِ غَطَّاش))، قال الذهبيُّ: طاغية الإسماعيلية(٣) ، هو الرئيسُ أحمد بنُ عبد الملك بن غَطَّاش العجمي كان أبوه من كبار دُعاة الباطنيَّة ، ومن أذكياء الأُدَباء ، له بلاغَة وسرعة جَواب ، استغوى جماعةً ثم هَلَك ، وخلَفَه في الرياسة ابنُه هذا ، فكان جاهلاً ، لكنه شجاعٌ مُطاع، تجمّع له أتباع ، وتحيَّلوا حتى مَلكوا قلعةَ أصْبَهان التي غرِمَ عليها السلطانُ (( مَلِكْشاه)) ألفي ألف دينار ، وصاروا يقطعون السُّبُل، والتفَّ عليهم كلُّ فاجر ، ودام البلاءُ بهم عشرُ سنين ، حتى نازَلَهم محمدُ بنُ مَلِكْشاه أشُهُراً ، فجاعوا ، ونزلَ كثيرٌ منهم بالأمان ، وعصى ابنُ غَطَّاش في بُرج (١) انظر السير: (الطَّلَمَنْكيّ) ٥٦٦/١٧-٥٦٩، وانظر النزهة: ٢/١٣٦٥. (٢) انظر السير: (المستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٣/١٤٩١. (٣) قال ابن الأثير: وهم الذين كانوا يُسمَّون قبل ذلك القرامطة . ٤٤٦ أياماً، وجرت أمورٌ طويلة، ثم أخِذَ وسُلغَ، وتأمَّرَ على الباطنية بعده ابنُ صبَّاح(١)، وكانوا بلاءً على المسلمين ، وقَتلوا عَدَداً من الأعيان بشغل السكين (٢). والتقى السلطانُ محمدُ بنُ مَلِكْشاه وأخوه بَرْكْيا رُوق مرات ، وغَلَت الأقطارُ بالباطنية ، وطاغوتهم الحسن بن الصَّبَّاحِ المَرْوزيّ الكاتب ، كان داعيةً لبني عُبَيد ، وتعَانَوْا شُغْلَ السكين ، وقَتلوا غِيلَةً عدةً من العلماء والأمراء وأخذوا القِلاعَ ، وحاربوا، وقَطعوا الطرقَ، وظَهروا أيضاً بالشام ، والتَفَّ عليهم كلُّ شَيطان ومارق ، وكلُّ ماكٍ ومُتحَيِّل(٣) . وقال الغزاليُّ في (( سِرِّ العَالَمين)»: شاهدتُ قصَّةَ الحَسَنِ ابنِ الصَّبَّاحِ لمَّا تَزَهَّدَ تَحتَ حِصْنِ الأَلَموتِ ، فكانَ أهلُ الحِصْنِ يَتَمِنَّونَ صُعودَه، ويَتَمِنَّعُ ويقولُ : أَما تَرَونَ المُنْكَرَ كَيفَ فَشَا، وفَسَدَ النَّاسُ ، فصَبا إليه خَلقٌ وَذَهَبَ أميرُ الحِصْنِ يَتَصِيَّدُ ، فَوَثَبَ على الحِصْنِ فَتَمَلَّكَه، وبَعَثَ إلى الأميرِ مَنْ قَتَلَه، وكَثُرَت قِلاعُهُم، واشْتَغَلَ عَنْهُم أولادُ مَلِكْشاه باخْتِلافِهم (٤) . (ب) عَبدُ الغَني : وجاء في ترجمة ((عبد النبيِّ))، قال الذهبيُّ : هو ابنُ المَهديِّ عليٍّ ابنِ مَهْدي ، كان أبوهُ قد وعظَ ، واشتغلَ ، ودعا إلى نفسه ، وجرت له أمور وغلبَ على اليمنِ ، وعسَفَ وظلمَ، وفَجَرَ ، وشقَّق بُطونَ الحبالى، وتمرَّدَ على الله، وكان من دُعاة الباطنية فقَصَمَه الله سنةَ نِيَِّ وخمسينَ . (١) هو الحسن بن صباح بن عليّ الإسماعيليّ صاحب الدعوة النزارية، وجدُّ أصحاب قلعة الموت ، قال الإمام الذهبيُّ في ((الميزان)) ١/ ٥٠٠ : كان من كبار الزنادقة ، ومن دُهاة العالم ، وله أخبار يطول شَرحُها لخصتها في تاريخي الكبير في ((حوادث سنة أربع وتسعين وأربع مئة ))، وأصله من مرو ، وقد أكثر التطواف ما بين مصر إلى بلد كاشغر ، يغوي الخلق ويُضلُّ الجَهَلة إلى أن صار منه ما صار ، وكان قوي المشاركة في الفلسفة والهندسة ، كثير المكر والحيل ، بَعيد الغَور ، لا بارك الله فيه . (٢) انظر السير: (ابنُ غَطَاش) ٢٦٧/١٩، وانظر النزهة: ١٤٧٦ / ابنُ غَطّاش . (٣) انظر السير: (المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٩١. (٤) انظر السير: (المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٢/١٤٩١. ٤٤٧ فقام بعده عبدُ النبيِّ هذا، ففعل كأبيه ، وسَبى الحريم ، وتَزَنْدِقَ وبنى على قبرِ أبيه المَهْدِيِّ قُبَّةً عظيمة، وزَخرَفَها، وعمل أستارَ الحَرير عليها ، وقناديل الذَّهب ، وأمرَ الناسَ بالحجِّ إليها، وأن يَحملَ كلُّ أحدٍ إليها مالاً ، ولمْ يَدَعْ أحدٌ زيارتها إلاَّ وقتله ، ومَنعَهم من حجِّ بيتِ الله ، فتجمّع بها أموالٌ لا تُحصَى ، وانهمك في الفواحش إلى أن أخذَه الله على يد شمسِ الدولة ، أخي السلطان صلاح الدين ، عذَّبَهُ، ثم قَتْلَه ، وأخذ خزائنَه ، فللَّهِ الحمدُ على مَصرع هذا الزِّنْديق ، وكان ذلك في قرب سنة سبعين وخمس مئة ، فإنَّ مُضيَّ شَمسِ الدولة تُوران شاه إلى اليمن وأخْذَها كان في سنة تسع وستين ، فأسرَ هذا المجرمَ وشَنَقَه وتملَّكَ زَبيدَ وعَدَنَ وصَنْعاءَ ولعبدِ النبيِّ أخبارٌ في الجَبَروتِ والعُتُوِّ، فلا رَحمَه الله(١). (ج ) ابنُ سنان : جاء في ترجمة ((سنان))، قال الذهبيُّ: هو راشدُ الدين ، كبيرُ الإسماعيلية وطاغوتهم ، أبو الحسن سنانُ بنُ سَلْمان بن محمد البَصْريُّ الباطنيُّ ، صاحبُ الدَّعْوَة النِّرَارِيَّة(٢) . وقال الذهبيُّ : الدعوةُ النِّزاريّة، نِسْبَةً إلى نِزار بن خليفة العُبَيدية المُسْتنصِر ، صِيَّرَهُ أبوهُ ولِيَّ عَهْدِه، وبثَّ له الدُّعاة، فمنهم صَبَّاح جدُّ أصحاب الألَمُوت، أحدُ شياطين الإنس ، ذو سَمتٍ وذلقٍ، وتَخَشُّع، وتَنَمُّش ، وله أتباعٌ، دخلَ الشامَ والسواحل في حدود ثمانين وأربع مئة ، فلم يتمَّ له مرامه ، فسار إلى العجم ، وخاطَبَ الغُتْمَ (٣) الصُّمَّ، فاستجابَ له خلقٌ، وكَثُرُوا، وأظهَروا شُغل السكين والوُثوب على الكبار ، ثم قصدَ قلعةَ الألَموت بقَزْوين ، وهي منيعة بأيدي قوم شُجْعان ، لكنَّم جَهَلةٌ فُقَراء ، فقال لهم : نحنُ قومٌ عُبَّدٌ مَساكين ، فأقاموا مدَّةً ، فمالوا إليهم ، ثم قال : (١) انظر السير: (عبدُ النبيِّ) ٢٠/ ٥٨٢-٥٨٣، وانظر النزهة: ١/١٥٨٦. (٢) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٧. (٣) الغتم: جمع أغتم، وهو الذي لا يُفصحُ شيئاً، وفي ((تاريخ الإسلام)»: وتكلم مع أهل الجبال والغتم الجهلة من تلك الأراضي . ٤٤٨ بِيْعُونا نصفَ قَلعَتكم بسَبعةِ آلاف دينار ، ففعلوا ، فدخلوها ، وكَثروا ، واستولى صبَّح على القلعة ، ومعه نحو الثلاث مئة، واشْتُهرَ بأنَّه يُفْسدُ الدين ، ويحلُّ من الإيمان ، فنهد له ملك تلك الناحية ، وحاصر القلعَةَ مع اشتغاله بلعبه وسُكْره ، فقال عليٌّ الْيَعْقوبيُّ من خَواص صَبَّاح : أيش يكون لي عليكم إذا قَتَلْتُه ؟ قالوا: يكون لك ذُكْرانٌ في تسابيحنا ، قال : رَضيتُ ، فأمرهم بالنزول ليلاً ، وقسَّمَهم أرباعاً في نواحي ذلك الجيش، ورتَبَ مع كل فرقة طُبولاً، وقال : إذا سمعتُم الصَّيْحَةَ فاضربوا الطبولَ ، فاختَبَطَ الجيشُ، فانتهَزَ الفُرصَة ، وهجمَ على الملك فقتله، وقُتْلَ ، وهرب العسكرُ فَحَوَتِ الصّبَّاحيةُ الخيامَ بما حَوت، واستغنَوا ، وعَظُمَ البلاء بهم ، ودامت الألموتُ مئةً وستينَ عاماً ، فكان سنان من نوَّابهم . فأمَّا نِزارٌ، فإنَّ عَمته عملت عليه(١) وعاهدت الأمراء أن تقيم أخاه صبياً ، فخاف نزار ، فهرب إلى الإسكندرية ، وجَرت له أمور وحروب ، ثم قُتْلَ ، وصار صبَّاح يقول : لم يمت ، بل اختفى ، وسيظهر ، ثم أحبلَ جاريةً ، وقال لهم : سَيظهرُ من بَطنِها، فأذعنوا له، واغتالوا أمراءَ وعُلماءَ(٢) ، وخافَتُهُم الملوكُ، وصانَعوهم بالأموال(٣). وبَعثَ صَبَّاحٌ الدَّاعي أبا مُحمّدٍ إِلى الشَّام، ومَعهُ جَماعَةٌ، فَقَوِيَ أمْرُه، واسْتَجابَ له الجبليّةُ، واسْتَوَلَوا علىْ قَلَعَةٍ من جَبَلِ السَّماقِ (٤). ثم هَلكَ هذا الدَّاعِي، وجَاءَ بَعدَه سِنانُ، فكانَ سَخطَةً وَبَلاءً، مُتَنَسِّكاً ، مُتَخَشِّعاً، واعِظاً، كان يَجلسُ على صَخْرةٍ كأنَّه صَخْرَةٌ لا يَتَحرَّكُ مِنْهُ سِوَى لِسَانُه ، فَرَبَطَهُم، وغَلَوا فيه ، واعْتَقدَ منهم فيه الإِلَهِيَّة، فَتَبَّأَ له ولِجَهْلِهِم ، فاسْتَغْواهُم بسِحْرٍ وسيمياءَ ، وكان له كُتبٌ كَثِيرةٌ ومُطالَعَةٌ ، وطالَتْ أيّامُه . (١) يعني عملت ضده . ذكر الذهبيُّ في ((تاريخ الإسلام)» أن الاغتيال بالسكاكين سُنّة سنها اليعقوبيُّ. (٢) (٣) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٧. (٤) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ -١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٨. ٤٤٩ وأمَّا الأَلَمُوت(١) فوَليَها بعدَ صَبَّحِ ابنُهُ مُحمّد، ثمَّ بَعدَهُ حَفيدُه الحَسَنُ بنُ مُحمّدٍ الذي أَظْهَرَ شِعارَ الإسْلام ، ونَبَذَ الانْحلالَ تَّقِيَّةً، وزَعَمَ أنَّه رَأى الإمامَ عَلَّاً ، فأمَرَه بإعادَةِ رسوم الدين، وقالَ لخَواصِّهِ : أَلَيْسَ الدينُ لي؟ قالوا : بلى ، قال : فتارَةً أضَعُ عَلَيكُمَ التّكاليفَ، وتارَةً أَرْفُضُها، قالوا: سَمِعنا وأطَعْنَا، واسْتَحْضَرَ فُقَهَاءَ وقُرَاءَ ليُعَلِّمُوهم (٢). نعم ، وكان سنان قد عرجَ من حجرٍ وقع عليه في الزلزلة الكبيرة زمنَ نور الدين ، فاجتمع إليه مُحبُّوه على ما حكى الموفقُ عبدُ اللطيف ليقتلوه ، فقال : ولِمَ تَقتلوني ؟ قالوا : لتَعودَ إلينا صَحيحاً، فشَكرَ لهم ، ودعا ، وقال : اصبروا عليَّ، ثم قتلهم بحيلةٍ ولمَّا أراد أن يحلَّهم من الإسلام ، نزل في رمضان إلى مَقْئَةٍ (٣) فأكلَ منها ، فأكلوا معه (٤) . أَوْصَى يَوماً أتْباعَه ، فقالَ: عَليكُم بالصَّفاءِ بَعضُكُمْ لِبَعضٍ، لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ أخَاهُ شَيئاً له، فأخَذَ هذا بِنتَ هذا، وأخَذَ هذا أُخْتَ هذا سِفاحاً ، وسَقُّوا نُفُوسَهم الصُّفاةَ ، فاسْتَدْعاهُمْ سِنانُ مَرَّةً ، وَقَتَلَ خَلْقَاً منهم(٥) . قال ابنُ العديم : تَمَكَّنَ في الحُصونِ وانْقَادُوا له ، وأخْبَرَنِي عليّ ابنُ الهَوَّاريّ أنَّ صَلاحَ الدِّينِ سَيَّرَ رَسُولاً إلى سِنانٍ يَتَهِدَّدُه، فقالَ للرسُولِ: سأُرِيكَ الرِّجالَ الذين ألْقَاهُ بِهِم ، فأَشَارَ إلى جَماعَةٍ أنْ يَرْمُوا أنْفُسَهم من الحِصْنِ من أعْلاه ، فألْقَوا نُفُوسَهم ، فَهَلَكُوا(٦) . قال : وبلغني أنَّه أحلَّ لهم وَطْءَ أُمَّهاتهم وأخواتهم وبناتهم ، وأسقطَ عنهم صومَ رمضان(٧) (١) انظر عن هذه القلعة وتاريخها ((دائرة المعارف الإسلامية)): ٣٧١/٤ (ط الجديدة). (٢) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٨. (٣) المقتأة: الموضع الذي يُزرع فيه القشّاء. انظر السير: ( سنان) ١٨٢/٢١ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٣/١٦٠٨. (٤) (٥) انظر السير : ( سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٩. (٦) انظر السير: (سنان) ١٨٢/٢١ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٢/١٦٠٩. (٧) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ -١٩٠، وانظر النزهة: ٣/١٦٠٩. ٤٥٠ و کتب سنانُ إلى صلاح الدين(١): ما مرَّ قطُّ على سَمعي توقُّعُهُ يا للرجالِ لأمرٍ هالَ مَقْطَعُهُ لا قامَ مَصْرعُ جَنْبي حين تَصْرَعُهُ فإذا الذي بقراعِ السَّيفِ هَذَّدنا استيقَظَتْ لأُسودِ البَرِّ أضْبُعُهُ قام الحَمامُ إلى البازي يُهَدِّدُه وقفتُ على تفصيلٍ كتابكم وجمله ، وعلمنا ما هذَّدنا به من قوله وعمله ، فيا لله العجبُ من ذبابة تطِنُّ في أُذُنِ فيلٍ ، وبَعوضَةٍ تَعُضُّ في التماثيلِ ، ولقد قالها مِنْ قبلِك قومٌ، فدَّرْنا عليهم، وما كان لهم من ناصرين ألِلْحَقِّ تدحضون ، وللباطلِ تَنْصرون؟!، وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَموا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلبون لئن صَدَرَ قولُك في قطع رأسي ، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي ، فتلك أمانيٍّ كاذبة ، وخيالاتٌ غير صائبة ، فإنَّ الجواهرَ لا تزولُ بالأعراض ، كما أنَّ الأرواحَ لا تَضْمَحلُّ بالأمراض ، وإنْ عُدنا إلى الظَّاهرِ، وعَدَلْنا عن الباطن، فلنا في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَة: (( ما أُوذِيَ نَبيّ ما أُوذِيتُ))(٢) ، وقد علمتَ ما جرى على عِتِرَته وشِيعَته، فالحالُ ما حالَ ، والأمرُ ما زالَ ، وقد علمتُم ظاهِرَ حالِنا، وكَيفيَّةَ رِجالِنا ، وما يتمَّنَّونَه من الفَوات ، ويَتَقَرَّبونَ به من حِياضٍ الموتِ ، وفي المَثَلِ ، أوَ للبطِّ تُهَدِّدُ بالشَّطُّ ؟ ، فَهَيِّء للبَلايا أسْباباً، وتدَرَّع للرَزايا جِلْباباً ، فلأظْهَرَنَّ عليكَ منك ، وتَكونُ كالباحثِ عن حَتْفِهِ بظلفِه، وما ذلك على الله بعزيز، فكُنْ لأمرِنا بالمِرْصادِ، واقْرِأُ أوَّلَ ((النَحْلِ)) (٣) وآخرَ ((ص))(٤). فدخلَ السُّلطانُ في مَرْضاة سنان ، مات سنان في سنة تسع وثمانين وخمس مئة (٥) . (١) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ٤/١٦٠٩ (٢) رُويَ بأسانيد ضعيفة من حديث أَنَس وبُريدَة، وجابر، انظر (( الجامع الصغير)) وشرحه ٤٣٠/٥- ٤٣١ . ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. (٣) ﴿وَعَلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . (٤) انظر السير: ( سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة : ٥/١٦٠٩. (٥) ٤٥١ ٤- مُحاولَة قَتَلهم الأُمَراء والخُلَفاء والوُزَراء وكلُّ مَنْ فيه خَيرٌ للإسْلام : جاء في ترجمة المُسْتعلي بالله العُبَيْدي ، قال الذهبيُّ : وفي دولته كَثُرَت الباطنيّة الملاحدَة الذين هم الإسماعيليَّة، وأخَذوا القُفُول (١) ، وتَمَلَّكوا قلعة أصْبَهان، وفَتكوا بعدد كثير من الكبار والعلماء ، وشَرعوا في شُغل السكِّين ، وجَرت لهم خُطوب وعجائب . وفي سنة خمس وتسعين وأربع مئة مات المُسْتَعلي وأقاموا وَلَدَه الآمر بأحكام الله منصوراً ، وله خمسُ سنين، وأَزِمَّةُ المُلك إلى الأفضَل أمير الجيوش، ويُقالُ : إنَّه سُمَّ وقُتْلَ سِوَّاً(٢)". وجاء في ترجمة ((نظام الملك)) ، قال الذهبيُّ: كان مَولدُه في سنة ثمان وأربع مئة ، وقُتْلَ صائماً في رمضان ، أتاه باطنيٍّ في هيئة صُوفيٍّ يُناوله قِصّة ، فأخذها منه ، فضربه بالسِكِّين في فؤادِهِ ، فَتَلِفَ ، وقَتلوا قاتلَه ، وذلك سنة خمس وثمانين وأربع مئة، بقرب نهاوَند ، وكان آخرُ قولِه : لا تَقتلوا قاتلي، قد عَفوتُ، لا إلَهَ إلاَّ الله . قال ابنُ خلِّكان : قد دَخلَ نظامُ الملك على المُقْتَدي بالله فأجلَسَه وقال له : يا حَسَنُ ، رَضِيَ اللهُ عَنكَ ، كَرِضا أمير المؤمنين عنك . وكان شافعيَّاً أشْعَريَّاً . وقيلَ : إِنْ قَتْلَه كان بتدبير من السُّلطان، فلم يُمْهَلْ بعدَه إلاَّ نَحو شهر(٣). والتقى السلطانُ محمدُ بنُ مَلِكْشاه وأخوه بَرْكْيا رُوق مرات ، وغَلَت الأقطارُ بالباطنية ، وطاغوتهم الحسن بن الصَّبَّاحِ المَرْوزيّ الكاتب ، كان داعيةً لبني عُبَيَد ، وتعَانَوْا شُغْلَ السكين ، وقتلوا غِيلَةً عدةً من العلماء والأمراء وأخذوا القِلاعَ، (١) جمع قافلة . (٢) انظر السير: (المُسْتَعْلي بالله) ١٩٦/١٥ -١٩٧، وانظر النزهة: ٣/١٢١٣. (٣) انظر السير: (نِظامُ المُلك) ١٩/ ٩٤ -٩٦، وانظر النزهة: ٥/١٤٦٤. ٤٥٢ وحاربوا ، وقَطعوا الطرقَ، وظَهروا أيضاً بالشام ، والتَفَّ عليهم كلُّ شَيطان ومارق ، وكلُّ ماكٍ ومُتحَيِّل(١) . وصارت الأمراء يلازمون لبس الدروع تحت الثياب خوفاً من فَتَك هؤلاء المَلاحِدَة، ورَكب السلطانُ بَرْكْيا رُوق في تطلُبهم ، ودَوَّخَهم ، حتى قتلَ جماعةً برآء ، سعى بهم الأعداء ، ودخلَ في ذلك أهلُ عانة ، واتُّهم إلْكيا الهرَّاسي بأنَّه منهم ، وحاشاه ، فأمر السلطانُ محمدٌ ابن مَلكْشاه بأن يُؤْخَذ حتى شَهدوا له بالخَير ، فأُطلِقٍ(٢) . وفي سنة خمس وتسعين وأربع مئة كانت حروبٌ بين الأخَوَين بَرْكْيا رُوق ومحمد ، وبلاءٌ وحصار ، ونازَلت الفِرَنجُ طَرَابُلْسَ ، فسارَ للكشف عنها جُندُ دمشقَ وحمصَ ، فانكسَروا ، ثم التقى العسكرُ، وبغدوين ، فهزَموه وقلَّ مَنْ نَجا من أبطاله، وظَفِرَ ثلاثةٌ من الباطنيّة على جَناح الدولة صاحب حمص ، فقتلوه في الجامع ، فنازَلتها الفِرَنجُ، فصولحوا على مال، وتسلَّمها شَمسُ المُلوكِ ، وقَتلت الباطنيَّةُ الأعزَّ ، وزيرَ بَرْكْيا رُوق(٣) . وفي أوّل سنة سبع وتسعين وأربع مئة وثبَ باطنيٌّ بجامع دمشقَ على صاحب المُوصل ، مَودود بن ألتونتكين ، فقتله ، وأُحرِقَ الباطنيُّ(٤) . وقد وقفَ لَيَحيى بنِ الملك تميم بن المُعزِّ بنِ باديس الحِمْيري ثلاثةُ غُرباء ، وزَعموا أنهم يعملون في الكيمياء فأحضَرَهم ليتفرَّج وأخلاهم ، وعنده قائدُ عسْكره ، إبراهيمُ ، والشريفُ أبو الحسن ، فسلَّ أحدُهم سكيناً ، وضرب الملك ، فما صنع شيئاً ، ورَفَسَه الملكُ دحرجه، ودخل مجلساً وأغلقَه، وقتلَ الآخرُ الشريفَ ، وشدَّ إبراهيمُ بسيفه عليهم ، ودخل المماليكُ ، وقتلوا الثلاثة ، وكانوا باطنيّة أظنُّ الآمرَ العُبَيْديَ ندبَهم لذلك (٥) . (١) انظر السير: (المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٩١. (٢) انظر السير: (المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ١/١٤٩٢. (٣) انظر السير : ( المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩-٤١٢، وانظر النزهة : ٢/١٤٩٢. انظر السير : ( المُسْتظهرُ بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٦/١٤٩٣. (٤) (٥) انظر السير: (صاحبُ إفريقية) ٤١٢/١٩-٤١٤، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٤. ٤٥٣ وجاء في ترجمة السُّمَيرميِّ ، قال الذهبيُّ : هو الوزيرُ الكبير ، أبو طالب عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ السُّمَيْرميِّ، وزيرُ السلطان محمد السلجوقي، صَدرٌ مُعظّم ، كبيرُ الشأن ، شَديد الوَطأة ، ذو عَسْف وظلم ، وسوء سيرة ، وقف مدرسةً بأصْبَهان ، وعملَ بها خزانة كتب نفيسة ، وكان يقول : قد استحييت من كثرة الظلم والتعدي ، ولمَّا عزم على السفر، أخذ الطالع ، وركب في موكب عظيم ، وبين يديه عِدَّة بالسيوف والحراب والدبابيس ، قال ابنُ النجار : فمرَّ بمَضيق ، وتقدَّمه الكلُّ وبقي منفرداً فوثب عليه باطنيٌّ من دكة ، فضربه بسكين ، فوقعت في البغلة وهرب ، فتَبعَه كُّ الأَعْوان ، فوَثْبَ عليه آخرُ فضربه في خاصرته وجذَبه رماه عن البَغلة إلى الأرض وجَرحَه في أماكن ، فرد الأعوان ، فوثب اثنان فحملا ، هما والقاتل عليهم ، فانهزم الجمع ، وبقي الوزيرُ ، فَكَرَّ قاتلُه، وجَرَّه ، والوزيرُ يستعطفُه ويتضرَّعُ له ، فما أقلَعَ حتى ذَبَحَه وهو يُكبِّرُ ويَصيح : أنا مسلمٌ موحِّدٌ فقُتلَ هو والثلاثةُ ، وحُملَ الوزيرُ إلى دار أخيه النَّصير ، ثم دُفنَ ، وذلك سنة ستَّ عشرة وخمس مئة(١) . وقيل : إنَّ الذي قتله عبدٌ كان للمؤيد الطُّغرائي وزير السلطان مسعود ، فإن السُّميرميَّ قتل أستاذه ظُلماً، ونَبَزَه بأنَّه فاسد الاعتقاد، وكلُّ قاتلٍ مَقتول(٢). قال ابنُ ناصر خرجَ المسترشدُ بالله سنة تسع وعشرين وخمس مئة إلى هَمَذان للإصلاح بين السلاطين ، واختلاف الجند ، وكان معه جمعٌ كثير من الأتراك ، فغَدَرَ به أكثرُهم، ولَحِقوا بمَسعود بن محمد ابن مَلِكْشاه ، ثم التقى الجَمعان ، فانهزمَ جَمِعُ المُسترشِد بالله وقُبضَ عليه ، وعلى خواصِّه، وحُملوا إلى قلعةٍ هناك ، فحُبسوا بها ، وبقي الخليفةُ مع السلطان مسعود ، وحُملَ معهم إلى مَراغة ، ثم إنَّ الباطنيّة ألَّفوا عليه جماعة من المَلَاحِدَة ، وكان قد أُنزِلَ ناحيةً من المعسكر ، فدخلوا عليه ، ففَتكوا به ، وبجماعةٍ كانوا على باب خَرَكَاهِه(٣)، وقُتُلُوا. وجاء الخبرُ إلى بغداد، فكَثُرَ النَّوحُ والبكاءُ بها، وعُملَ العَزاءُ . (١) انظر السير: (السُّمَيرميّ) ٤٣٢/١٩-٤٣٣، وانظر النزهة: ٣/١٤٩٥. (٢) انظر السير: (السُّمَيرميّ) ٤٣٢/١٩ -٤٣٣، وانظر النزهة : ١/١٤٩٦. (٣) الخركاء بالفارسية : الخيمة الكبيرة . ٤٥٤ قال الذهبيُّ : بُويعَ عندَ موتٍ أبيه سنة اثنتي عشرة وخمس مئة ، فكانت دولتُه سبع عشرةَ سنة وسبعة أشهر ، وعاش ستّاً وأربعين سنة فقيل : إنَّ الذين فَتكوا به جهّزَهم مَسعودٌ ، وكانوا سبعة عشر نفساً فأُمْسِكوا وقتلهم السلطانُ ، وأظهرَ الحُزنَ والجَزَع . وقيل : بعث السلطانُ سَنْجرُ بنُ ملِكْشاه إلى ابن أخيه مسعود يُوَبِّخُه على انتهاك حُرمة المُسترشِد ، ويأمُرُه بردِّه إلى مَقرَّ عِزِّه ، وأن يمشي بين يديه بالغاشية ويخضع ، ففعل ذلك ظاهراً ، وعملَ على قتلِهِ(١) . وجاء في ترجمة (( الراشد بالله ))، قال الذهبيُّ: كان حسنَ السيرة ، مُؤثراً للعَدلِ ، فَصيحاً عذبَ العبارة ، أديباً ، شاعراً ، جَواداً ، لم تَظُلْ أيامُه حتى خرجَ إلى الموصل ، ثم إلى أذربيجان ، وعاد إلى أصبهان ، فأقام على بابها مع السلطان داود ، محاصراً لها ، فقتله الملاحدةُ هناك ، وكان بعد خروجه من بغداد مجيءُ السلطان مسعود بن محمد ابن مِلَكْشاه فاجتمع بالأعيان ، وخَلعوا الراشد ، وبايعوا عمَّه المقتفي(٢). جاء في ترجمة ((تاج الملوك))، قال الذهبيُّ: ولمَّا علم ابنُ صبّاح صاحبُ الألَموتَ بما جرى على أشياعه الإسماعيلية بدمشقَ ، تنمَّرَ ، وندبَ طائفة لقتل تاج الملوك ، فعيَّنَ اثنين في زيِّ الجُندِ ، ثم قدما فاجتمعا بناسِ منهم أجنادٌ ، وتحيَّلا على أن صارا من السَّلحدانة ، وضمنوهما، ثم وَثَبًا عليه فقتلاه(٣). قال أبو يعلى القلانسيّ : وثبوا عليه في خامس جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين ، فضربَه الواحد بالسيف قصد رأسه ، فجرحه في رقبته جُرحاً سليماً ، وضربه الأخر بسكين في خاصرته ، فمرّت بين الجلد واللحم . قال الذهبيُّ : كان تعلَّل من ذلك، ولكنه تُوقِّي في رجب سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة (٤). (١) انظر السير: (المُستَرشد بالله) ٥٦١/١٩-٥٦٨، وانظر النزهة: ١/١٥١٥. (٢) انظر السير: (الرَّاشِدُ بالله) ٥٦٨/١٩-٥٧٣، وانظر النزهة: ٣/١٥١٦. ١ (٣) انظر السير: (تاج الملوك) ٥٧٣/١٩_ ٥٧٥، وانظر النزهة: ٣/١٥١٧. (٤) انظر السير: (تاج الملوك) ١٩/ ٥٧٣ - ٥٧٥، وانظر النزهة: ٤/١٥١٧. ٤٥٥ وجاء في ترجمة ((عَضُد الدين )) ، قال الذهبيُّ : وقد ◌ُزِلَ ثم أُعِيدَ ، وتمگَّن ثم تهَيَّأْ للحَجِّ ، وخرجَ في رابع ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين ، وكان قد هَيَّأ ستَّ مئة جَمَل، سَبَّل منها مئة، صاح الباطنيُّ: مظلومٌ! مظلومٌ! وتقرَّبَ، فزجَرَه الغِلْمانُ ، فقال : دَعُوه ، فتقدَّمَ إليه ، فضربَه بسكين في خاصِرَته ، فصاحَ الوَزِيرُ قَتْلَني ، وسَقطَ، وانكشَفَ رأسُه، فَغَطَّى رأسَه بكُمَّه، وضُربَ الباطنيُّ بسيفٍ، فعادَ وضربَ الوزيرَ، فَهَبَّرُوه بالسُّيوفِ وكان معَه اثنان، فأُحْرِقُوا، وحُملَ الوَزيرُ إلى دارٍ ، وجُرحَ الحاجِبُ ، وكان الوزيرُ قد رأى في النومِ أنَّه مُعانِقٌ عُثمانَ رضي الله عنه ، وحکی عنه ابنُه أنَّه اغتسَلَ قبلَ خُروجه، وقال: ذا غُسلُ النوم والإسلام ، فإنِّي مَقتولٌ بلا شَكٍّ ثم ماتَ بعد الظهر ، ومات الحاجبُ، وقيل: إنَّ الوزيرَ بقيَ يقولُ: الله! الله! كثيراً ، وقال : ادفنوني عند أبي(١). وجاء في ترجمة ((ابن قائد))، قال الذهبيُّ: قَدِمَ أَوَانا (٢) واعظٌّ باطنيُّ، فنالَ من الصحابة ، فحُملَ ابنُ قائدٍ في مِحفَّتِهِ، وصاحَ به : يا كلبُ انزِلْ، ورَجَمَتْهُ العامَّةُ ، فهربَ ، وحدَّثَ سِناناً(٣) بما تمَّ عليه، فنَدَبَ له اثنين فأتَيَاهُ، وتَعبَّدا معه أشْهُراً، ثم قَتلاه ، وقَتلا خادِمَه، وهَربا في البَساتين ، فنَكِرَهما فَلَّحٌ، فقَتَلَهُما ، ثم تُيُقِّنَ أنَّهما اللَّذانِ قَتلا الشيخَ بصفَتِهما، ثم أُحْرِقا(٤) . ٥- مُحارَبَةُ المُسلمينَ لهم وقَتلهم : جاء في ترجمة (( السلطان)) يَمين الدولة، قال أبو النَّضرِ القاميُّ: لمَّا قَدمَ التَّاهَرْتِيُّ الدَّاعي من مصرَ على السلطان يَدعوهُ سراً إلى مَذْهَب الباطنيَّة ، وكان التَّاهَرْتِيُّ يركبُ بَغْلاً ، يتلوَّن كل ساعة من كل لون ، ففهم السلطان سرَّ دَعوتهم ، فغَضبَ ، وقَتَلَ التَّاهَرْتِيَّ الخَبيث، وأهْدى بَغْلَه إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزْدي، (١) انظر السير: (عَضُد الدولة) ٧٥/٢١ -٧٧، وانظر النزهة: ١/١٦٠٠. (٢) قرية من نواحي دجيل شمالي بغداد مما يلي الموصل . (٣) يعني راشد الدين سنان بن سلمان كبير الإسماعيلية. (٤) انظر السير: (ابنُ قائد) ١٩٥/٢١، وانظر النزهة: ٣/١٦١١. ٤٥٦ شَيخ هراة، وقال: كان يَركَبُه رأسُ المُلْحِدين، فليَرْكبْه رأسُ المُوَحدِّين(١). وجاء في ترجمة (( رضوان))، صاحب حَلَب، قال الذهبيُّ : كان ذَميم السيرة ، قَرَّبَ الباطنية ، وعمل لهم دارَ دعوة بحلب ، وكَثروا ، وقَتلَ أخويه أبا طالب وبهراماً ، ثم هلك في سنة سبع وخمس مئة ، فتملَّك بعده أخوهُ الأخْرسُ إلب آرسلان ، وله ستَّ عشرة سنة ، فقَتلَ أخَوين له أيضاً ، وقتلَ رأسَ الباطنية أبا طاهر الصائغ ، وجماعةً من أعيانهم، وهربَ آخرون،، فقتلَ الأُمراءُ الأخْرسَ بعدَ سنة ، وملَّكوا أخاه سلطان شاه(٢) . وجاء في ترجمة ((المستظهر بالله ))، قال ابنُ الأثير : وفي سنة أربعمائة وأربع وتسعين ، أمر السلطانُ بَرْكْيا رُوق بقتل الباطنيَّة ، وهُم الإسماعيلية ، وهم الذين كانوا قَديماً يُسمَّونَ القَرامِطَةِ (٣). وقال أيضاً ، وتجرَّدَ بأصبهان للانتقام منهم الخُجَنْديُّ (٤) ، وجمع الجمَّ الغفيرَ بالأسلحة ، أمرَ بحفر أخاديدَ أُوقِدَتْ وفيها النيران ، وجعلوا يأتون بهم ويُلقُونهم في النَّار إلى أنْ قَتلوا منهم خَلْقاً كثيراً(٥) . وصارت الأمراءُ يلازمون لُبْسَ الدُّروع تحتَ الثَّاب خوفاً من فَتك هؤلاء المَلَاحِدَة ، وركب السلطان بَرْكْيا رُوق في تطلُّبِهم ، ودَوَّخَهم ، حتى قتل جماعةً برآء ، سعى بهم الأعداء ، ودخل في ذلك أهلُ عانة ، واتُّهم إلْكيا الهرَّاسي بأنه منهم ، وحاشاه ، فأمر السلطان محمدُ ابن ملكشاه بأن يُؤْخَذ حتى شَهدوا له بالخَير ، فأُطْلِقٍ(٦) . وقال الذهبيُّ في تَرْجَمَة طَغْتِكِين صاحِبٍ دِمَشْقَ الأتابك : قد كان طَغْتِكِينُ سَيْفاً انظر السير: ( السُّلطان) ٤٨٣/١٧-٤٩٥، وانظر النزهة: ٢/١٣٥٢. (١) (٢) انظر السير : ( رضوان) ٣١٥/١٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٧٩. انظر السير: ( المستظهر بالله ) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة : ٤/١٤٩١. (٣) هو أبو القاسم مسعود بن محمد الخُجَنْدي الفقيه الشَّافعيّ . (٤) (٥) انظر السير: (المستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ٥/١٤٩١. (٦) انظر السير: (المستظهر بالله) ٣٩٦/١٩ -٤١٢، وانظر النزهة: ١/١٤٩٢. ٤٥٧ مَسْلُولاً على الفِرَنْج ، ولكن له خَرْمَةٌ ، كان قد اسْتَفْحَلَ البَلاءُ بدَاعِي الإسْماعيليّة بَهْرام بالشَّام ، وكان يَطُوفُ المَدَائِنَ والقِلاعَ مُتَخَفِياً، ويُغْوي الأغْتَامَ والشُّطَّارَ ، ويَنْقَادُ له الجُهَالُ إلى أنْ ظَهَرَ بدِمَشْقَ بِتَقْرِيرٍ قَرَّرَهُ صاحبُ ماردين إيلغازي مع طَغْتِكِين، فأخَذَ يُكْرِمُهُ، ويُبَالِغُ، اتِّقَاءَ لِشَرِّه، فَتَبَعَهُ الغَوْغَاءُ، والسُّفَهَاءُ والفَلَأَحُونَ، وكَثُرُوا، ووَافَقَهُ الوَزِيرُ طاهرُ المزدقانيُّ ، وبَثَّ إليه سِرَّه، ثم الْتَمَسَ من المَلِكِ طَغْتِكِين قَلِعَةً يَحْتَمي بها فَأَعْطَاهُ بانياسَ في سَنةِ عِشْرينَ وَخَمسٍ مِئَة ، فعَظُمَ الخَطْبُ ، وَتَوَجَّعَ أهْلُ الخَيرِ ، وتَسَتَّروا مِنْ سَبِّهم، وكانوا قد قَتَلُوا عِدَّة من الكِبار، فما قَصَّرَ تاجُ المُلوكِ فقَتَلَ الوَزيرَ كَمَالَ الدّين طاهِرَ ابنَ سَعد المَذْكور سَنةَ ثلاثٍ وعِشْرِينَ بِالقَلْعَة ، ونَصبَ رَأْسَه، ورَكِبَ جُندَه، فوَضَعُوا السَّيفَ بدِمَشْقَ في المَلَاحِدَة الإسْماعيليّة ، فسبّكوا منهم في الحالِ نَحْواً من سِتّة آلافِ نَفْسٍ في الطُّرُقات، وكانوا قد تَظاهَروا ، وتَفَاقَمَ أمرُهُم، ورَاحَ في هذه الكائِنَةِ الصَّالِحُ بالطَّالِحِ (١). وأمَّا بَهْرام ، فتمرَّدَ وعَتا ، وقتلَ شابّاً من أهل وادي التيم اسمه برق ، فقام عشيرتُه ، وتحالفوا على أخذ الثأر، فحاربَهم بَهْرامُ فكبسوه ، وذبحوه إلى اللَّنَةَ(٢). وجاء في ترجمة ((تاج الملوك))، قال الذهبيُّ: تملّكَ بعدَ أبيه سنة اثنتين وعشرين ، وكان ذا حلمٍ وكرمٍ ، له أثر كبيرٌ في قتلِ الإسماعيلية ، وكان مَولدُه في سنة ثمان وسبعين وأربع مئة(٣) . ٦ - مَنْ قَرَّبهم من أُمَراء المسلمين : وجاء في ترجمة ((رضوان))، صاحب حَلَب ، قال الذهبيُّ: كان ذَميم السيرة ، قَرَّبَ الباطنية ، وعمل لهم دارَ دعوة بحلب ، وكَثروا ، وقَتلَ أخويه أبا طالب وبهراماً ، ثم هلك في سنة سبع وخمس مئة ، فتملَّك بعده أخوهُ الأخْرسُ إلب آرسلان ، وله ستَّ (١) انظر السير: (طُغْتِكين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٥. (٢) انظر السير: (طُغْتِكين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة : ١/١٥٠٦. (٣) انظر السير: (تاج الملوك) ١٩/ ٥٧٣ _ ٥٧٥، وانظر النزهة: ٢/١٥١٧. ٤٥٨ عشرة سنة ، فقَتلَ أخَوين له أيضاً ، وقتلَ رأسَ الباطنية أبا طاهر الصائغ ، وجماعةً من أعيانهم ، وهربَ آخرون،، فقتلَ الأُمراءُ الأخْرسَ بعدَ سنة ، وملَّكوا أخاه سلطان شاه(١) . وقال الذهبيُّ في تَرْجَمَة طَغْتِكِين صاحِبٍ دِمَشْقَ الأتابك: قد كان طَغْتِكِينُ سَيْفاً مَسْلُولاً على الفِرَنْج ، ولكن له خَرْمَةٌ ، كان قد اسْتَفْحَلَ البَلاءُ بدَاعِي الإسْماعيليَّةِ بَهْرام بِالشَّام ، وكان يَطُوفُ المَدائِنَ والقِلاعَ مُتَخَفِّاً ، ويُغْوي الأغْتَامَ والشُّطَّارَ ، ويَنْقَادُ له الجُهَالُ إلى أنْ ظَهَرَ بِدِمَشْقَ بِتَقْرِيرٍ قَزَّرَهُ صاحبُ ماردين إيلغازي مع طَغْتِكِين، فَأَخَذَ يُكْرِمُهُ، ويُبَالِغُ ، اتَّقَاءٌ لِشَرِّه، فَتَبَعَهُ الغَوْغَاءُ، والسُّفَهَاءُ والفَلَأَحُونَ، وكَثُرُوا ، ووَافَقَهُ الوَزِيرُ طاهرُ المزدقانِيُّ، وبَثَّ إليه سِرَّه، ثم الْتَمَسَ من المَلِكِ طَغْتِكِين قَلْعَةٌ يَحْتَمي بها فأعْطَاهُ بانياسَ فِي سَنةِ عِشْرِينَ وخَمسٍ مِثَّة، فَعَظُمَ الخَطْبُ ، وتَوَجَّعَ أَهْلُ الخَير ، وتَسَثَّرُوا مِنْ سَبِّهم، وكانوا قد قَتَلُوا عِدَّة من الكِبار، فما قَصَّرَ تاجُ المُلوكِ فقَتَلَ الوَزيرَ كَمَالَ الدّين طاهِرَ ابنَ سَعد المَذْكور سَنةَ ثلاثٍ وعِشْرِينَ بِالقَلْعَة ، ونَصبَ رَأْسَه، ورَكِبَ جُندَه، فَوَضَعُوا السَّيفَ بدِمَشْقَ في المَلَاحِدَة الإسْماعيليّة ، فسبّكوا منهم في الحالِ نَحْواً من سِتّة آلافِ نَفْسٍ في الطُّرُقات ، وكانوا قد تَظَاهَروا ، وتَفَاقَمَ أمرُهُم ، ورَاحَ في هذه الكائِنَةِ الصَّالِحُ بالطَّالِحِ(٢). ٧- عَلَاقَتُهم بالعُبَيْدِيِّين الفاطِمِيِّين : قال الذهبيُّ في ترجمة صاحب إفريقية ، الملك أبو طاهر يحيى ابن تميم : وقد وقفَ لَيَحْيِىُ بنِ الملك تميم بن المُعزِّ بنِ باديس الحِمْيري ثلاثةُ غُرباء ، وزَعموا أنهم يعملون في الكيمياء فأحضَرَهم ليتفرَّج وأخلاهم ، وعنده قائدُ عسْكره ، إبراهيمُ ، والشريفُ أبو الحسن ، فسلَّ أحدُهم سكيناً ، وضرب الملك ، فما صنع شيئاً ، ورَفَسَه الملكُ دحرجه ، ودخل مجلساً وأغلقَه ، وقتلَ الآخرُ الشريفَ ، وشدَّ إبراهيمُ بسيفه (١) انظر السير: (رضوان) ٣١٥/١٩-٣١٦، وانظر النزهة: ٢/١٤٧٩. (٢) انظر السير: (طُغْتِكين) ٥١٩/١٩-٥٢١، وانظر النزهة: ٣/١٥٠٥ . ٤٥٩ عليهم ، ودخل المماليكُ ، وقتلوا الثلاثة ، وكانوا باطنيّة أظنُّ الآمرَ العُبَيْديّ ندبَهم لذلك(١) . جاء في ترجمة ((سنان))، قال الذهبيُّ: هو راشدُ الدين، كبيرُ الإسماعيلية وطاغوتهم ، أبو الحسن سنانُ بنُ سَلْمان بن محمد البَصْريُّ الباطنيُّ، صاحبُ الدَّعْوَة النِّزاريّة(٢). وقال الذهبيُّ : الدعوةُ النِّزاريّة، نِسْبَةً إلى نِزار بن خليفة العُبَيدية المُسْتنصِر، صيََّهُ أبوهُ ولِيَّ عَهْدِه ، وبثَّ له الدُّعاة، فمنهم صَبَّاح جدُّ أصحاب الأَلَمُوت، أحدُ شياطين الإنس ، ذو سَمتٍ وذلقٍ ، وتَخَشُّع، وتَنَفُّش، وله أتباعٌ ، دخلَ الشامَ والسواحل في حدود ثمانين وأربع مئة ، فلم يتمَّ له مرامه ، فسار إلى العجم ، وخاطَبَ الغُثْمَ (٣) الصُّمَّ، فاستجابَ له خلقٌ، وكَثُرُوا، وأظهَروا شُغل السكين والؤُثوب على الكبار ، ثم قصدَ قلعةَ الألَموت بقَزْوين، وهي منيعة بأيدي قوم شُجْعان ، لكنَّم جَهَلةٌ فُقَراء ، فقال لهم : نحنُ قومٌ عُبَّدٌ مَساكين ، فأقاموا مدَّةً ، فمالوا إليهم ، ثم قال : بِيْعُونا نصفَ قَلَعَتكم بسَبعةِ آلاف دينار ، ففعلوا ، فدخلوها ، وكَثروا ، واستولى صبَّاح على القلعة ، ومعه نحو الثلاث مئة، واشْتُهرَ بأنَّه يُفْسدُ الدين ، ويحلُّ من الإيمان ، فنهد له ملك تلك الناحية ، وحاصر القلعَةَ مع اشتغاله بلعبه وسُكْره ، فقال عليٌّ الْيَعْقوبيُّ من خَواص صَبَّح : أيش يكون لي عليكم إذا قَتَلْتُه ؟ قالوا : يكون لك ذُكْرانٌ في تسابيحنا ، قال : رَضيتُ ، فأمرهم بالنزول ليلاً ، وقسَّمَهم أرباعاً في نواحي ذلك الجيش، ورتَبَ مع كل فرقة طُبولاً، وقال: إذا سمعتُم الصَّيْحَةَ ، فاضربوا الطبولَ ، فاختَبَطَ الجيشُ ، فانتهَزَ الفُرصَة، وهجمَ على الملك فقتله ، وقُتْلَ ، وهرب العسكرُ فحَوَت الصّبَّاحيةُ الخيامَ بما حَوت، واستغنَوا، وعَظُمَ البلاء بهم ، ودامت الألموتُ مئةً وستينَ عاماً ، فكان سنان من نوَّابهم . (١) انظر السير: (صاحب إفريقية) ٤١٢/١٩-٤١٤، وانظر النزهة: ٢/١٤٩٤. (٢) انظر السير: (سنان) ٢١/ ١٨٢ - ١٩٠، وانظر النزهة: ١/١٦٠٧. (٣) الغتم: جمع أغتم، وهو الذي لا يُفصحُ شيئاً، وفي ((تاريخ الإسلام)): وتكلم مع أهل الجبال والغتم الجهلة من تلك الأراضي . ٤٦٠