Indexed OCR Text

Pages 381-400

فَذَكَرَ المَدائِنِيُّ أنَّها كانت ذاتَ جَمالٍ ، وكان دَميماً فأعْجَبَتْه يَوماً فقالَت: أنا وأنْتَ
في الجَنَّةِ ، لأنَّكَ أُعْطيتَ فِشَكَرْتَ، وابْتُلِيتُ فصَبَرْتُ(١).
ومِن شِعْرِهِ في مَصْرَعٍ عليٍّ رضي الله عنه :
إلَّ لِيَبْلُغَ مِن ذِي العَرْشِ رِضْوانَا
يا ضَرْبَةٌ من تَقِيٍّ ما أرادَ بهَا
أوْفَى البَرِيَّةِ عندَ اللهِ مِیزانَا
إِنِّي لأَذْكُرُهُ حِينَاً فأحْسَبُهُ
لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُم بَغْياً وعُدْوانَا
أَكْرِمْ بِقَومٍ بُطُونُ الطَّيْرِ قَبْرَهمُ
فِبَلَغَ شِعْرُه عبدَ المَلِك ابنَ مَرْوانَ ، فأدْرَكَتْه حَمِيَّةٌ لِقَرابَتِهِ من عليٍّ رضي الله عنه فنَذَرَ
دَمَه ووَضَعَ عليه العُيونَ ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ أرضٌ ، فاسْتَجارَ برَوْحِ ابنِ زِنْبَاعٍ ، فأقامَ في
ضِيافَتِهِ ، فقالَ : مِمَّنْ أنتَ ؟ قال : من الأزْدِ فَبَقِيَ عنده سَنةً فَأعْجَبَه إعْجاباً شديداً ،
فسَمَرَ رَوحٌّ ليلةً عند أميرِ المُؤمِنِينَ ، فَتَذاكَرًا شِعْرَ عِمْرانِ هذا، فلمَّا انْصَرِفَ رَوحٌ ،
تَحدَّثَ مع عِمْرانَ بما جَرَى، فأنْشَدَه بقِيَّةَ القَصيدِ ، فلمَّا عادَ إلى عبدِ المَلِكِ قال : إنَّ
في ضِيافَتِي رَجلاً ما سَمِعتُ منه حديثاً قَطُّ إلاَّ وحَدَّثني به وبأحْسَن منه، ولقد أنْشَدَني
تِلكَ القَصيدَةَ كُلَّها قال: صِفْهُ لي، فوَصَفَه له قالَ : إِنَّكَ لَتَصِفُ عِمْرانَ بنَ حِطَّان ،
اعْرِضْ عليه أنْ يَلْقاني قال: فَهَرَبَ إلى الجَزِيرَةِ، ثمَّ لَحِقَ بعُمانَ فَأكْرَمُوهُ(٢).
وبَلَغَنا أنَّ الثَّوْرِيَّ كان كَثِيراً ما يَتَمثَّلُ بأبياتٍ عِمْرَانَ هذه :
أنَّهُم فيها عُراةٌ وجُوَّعُ
أَرَى أَشْقياءَ النَّاسِ لا يَسْأْمُونَهَا عَلى
سَحَابَةُ صَيْفٍ عن قَليلٍ تَفَشَّعُ
أراهَا وإنْ كانت تُحَبُّ فإنَّها
طَرِيقُهُم بادِي العَلامَةِ مَهْيَعُ
كَرَكْبٍ قَضَوْا حاجاتِهِم وَتَرَخَّلُوا
تُوفِّيَ عِمْرانُ ابنُ حِطَّان سَنةَ أرْبعٍ وثمانين(٣).
انظر السير: ( عِمْران بن حطان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٤/٤٨١.
(١)
انظر السير : ( عِمْران بن حطان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة : ٥/٤٨١.
(٢)
(٣) انظر السير: (عِمْران بن حطان) ٢١٤/٤ -٢١٦، وانظر النزهة: ٦/٤٨١.
٣٨١

٣- إِهَانَةُ الخَوارِج للأُمَراءِ ولَو كانوا صَحابة :
عن زِيادِ بنِ كُسَيْب قال : كُنتُ مع أبي بَكْرَة تَحتَ مِنْرِ ابنِ عامِر وهو يَخْطُبُ وعَليه
ثِيابٌ رِقاقٌ ، فقالَ أَبُو بِلال : انْظُرُوا إلىْ أمِيرِكُمْ يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ ، فقالَ أَبُو بَكْرَة:
اسْكُتْ، سَمعتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: (( مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ في
الأرْضِ أَهَانَهُ اللهُ)) .
أبُو بِلال: هو مِرْداسُ بنُ أُدَّةَ، مِنَ الخَوارِج (١).
٤ - مِن خَوارِجِ المَغْرِب :
جاءَ في تَرْجَمَة القائِمِ أبي القاسِم مُحمَّدٍ بنِ المَهْدِيِّ عُبَيْدِ الله ، صاحِبِ المَغْرِبِ ،
قالَ الذهبيُّ : خَرَجَ عليه في سَنةِ اثْنَتَينٍ وثلاثين وثلاثٍ مِئَة ، أبُو يَزِيدِ مَخْلَدُ بنُ كَيْدَادَ
البَرْبَرِيُّ وجَرَتْ بَينَهُما مَلَاحِمُ ، وحَصَرَه مَخْلَدُ بالمَهْدِيَّةِ ، وضَيَّقَ عليه ، واسْتَولَى على
بِلادِهِ ، ثمَّ وُسْوِسَ القائِمُ، واخْتَلَطَ وزالَ عَقلُه وكانَ شَيْطاناً مَرِيداً يَتَزَنْدَقُ(٢).
ذَكرَ القاضي عبدُ الجَبَّار المُتَكلِّمُ ، أنَّ القائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الأنْبياءِ وكان مُنادِيهِ يَصِيحُ :
الْعَنوا الغَارَ وما حَوَى وَبادَ عِدَّةً من العُلَماءِ وكان يُراسِلُ قَرامِطَةَ البَحْرَيْنِ ، ويأمُرُهم
بإِحْراقِ المَساجِدِ والمَصاحِفِ فَتَجَمَّعتْ الإِبَاضِيَّةُ(٣) والبَرْبَرُ على مَخْلَد، وأَقْبَلَ، وكانَ
ناسِكاً قَصيرَ الدَّلقِ(٤) يَركَبُ حِماراً، لَكنَّهُم خَوارِج، وقامَ معه خَلقٌ من السُّنَّةِ
والصُّلَحاءِ ، وكادَ أنْ يَتَمَلَّكَ العالَمَ، ورُكِّزَتْ بُنُودُهُم عند جامِعِ القَيْرَوانِ فيها: لا إلَهَ
إلاَّ الله، لا حُكْمَ إلَّ لله، وبَنْدانِ أصْفَرانِ فيهِما: نَصْرٌ من الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَنْدٌ لِمَخْلَد
فيه : اللَّهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ علىُ مَنْ سَبَّ نَبِيَّكَ وخَطَبَهُمْ أحْمَدُ بنُ أبي الوَليد، فخَضَّ على
انظر السير: ( عبد الله بن عامر) ١٨/٣-٢١، وانظر النزهة: ٥/٣٢٢.
(١)
(٢)
انظر السير: ( القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٣/١١٩٩.
من أكبر فرق الخوارج ، وهم أصحاب عبد الله بن يحيى بن إباض ، الملقب بطالب الحق ، من أهل
(٣)
اليمن ، خلع طاعة مروان بن محمد وبُويع له بالخلافة ، واستولى على صنعاء ومكة ، قُتل سنة
١٣٠ هـ .
(٤) الدَلق : ثوب متسع الأكمام طويلها .
٣٨٢

الجهادِ ، ثمَّ سارُوا ، ونازَلُوا المَهْدِيَّةَ ولمَّا الْتَّقَوا وأنْقَنَ مَخْلدٌ بالنَّصْرِ، تَحرَّكَتْ نَفَسُه
الخارجيّةُ ، وقال لأصْحابِه : انْكَشِفُوا عَن أهْلِ القَيْرَوانِ حتى يَنالَ منهُم عَدُّوُهم ،
ففعلوا ذلكَ فاسْتُشْهِدَ خَمسَةٌ وثمانونَ نَفْساً من العُلَماءِ ، والزُّهادِ .
وخَوارِجُ المَغْرِبِ إِيَاضِيَّةٌ مَنْسوبُونَ إلى عبدِ الله بنِ يَحْيَى بنِ إِيَاض الذي خَرَجَ في
أيّام مَرْوانَ الحِمار، وانْتُشَرَ أتْباعُه بالمَغْربِ، يَقولُ : أفْعَالُنا مَخْلوقَةٌ لنا ويُكَفِّرُ
بالكَّبائِرِ ، ويَقولُ : لَيسَ في القُرآنِ خُصوصٌ ، ومَنْ خالَفَه حَلَّ دَمَه .
وكانَ مَوتُ القائِمِ سَنةً أربع وثلاثينَ مَحْصوراً بالمَهْدِيَّةِ، لَكنْ قامَ بَعدَه ابنُهُ
المَنْصُورُ(١).
وعُوتِبَ بَعضُ العُلماءِ في الخُروجِ مع أبي يَزيد الخارِجِيِّ ، فقالَ: وكَيفَ لا أُخْرُجُ
وقد سَمعتُ الكُفرَ بأُذُنِي ؟ !! حَضَرَتُ عَقداً فيه جَمعٌ من سُنَّةٍ ومَشَارِقَة ، وفيهِم
أبو قُضاعَة الدَّاعِي ، فجاءَ رَئيسٌ ، فقالَ كَبِيرٌ منهُم : إلى هنا يا سَيِّدِي ارْتَفِعْ إلى جانِبٍ
رسُولِ اللهِ ، يَعْني أبا قُضاعَة، فما نَطَقَ أحَدٌ .
ووُجِدَ بِخَطِّ فَقيهٍ ، قال: في رَجَبٍ سَنةَ ٣٣١ هـ، قامَ المُكَوكب يَقْذِفُ الصَّحابَةَ ،
ويَطْعَنُ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وعُلِّقَتْ رُؤوسُ حَميرٍ وكِباشٍ على
الحَوانيتِ، كُتِبَ عليها أنَّهَا رُؤوسُ صَحابَةٍ (٢) .
وخَرَجَ أبو إِسْحَاقَ الفَقيهُ مع أبي يَزيد، وقال: هُمْ أهْلُ القِبْلَةِ وأولئِكَ لَيْسوا أهْلَ
قِبْلَةٍ ، وهُم بَنُو عَدُوِّ الله، فإِنْ ظَفِرْنا بهم، لَمْ نَدخُلْ تَحتَ طاعَةٍ أبي يَزِيدَ ، لأنَّه
خارجيٌّ(٣) .
وجاءَ في تَرْجمَة المَنْصورِ أبي طاهِرِ إسماعيلَ بنِ القائِمِ بنِ المَهْدِيِّ ، العُبَيْدِيِّ ،
الباطِنِيِّ، قال الذهبيُّ: وَلِيَ بعدَ أبيهِ ، وحارَبَ رَأْسَ الإِبَاضِيَّة أبا يَزِيد مَخْلدَ بنَ كَيْدَادَ
(١) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥ -١٥٦، وانظر النزهة: ٤/١١٩٩.
(٢) انظر السير: (القائِم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٠.
(٣) انظر السير: (القائم) ١٥٢/١٥-١٥٦، وانظر النزهة: ١/١٢٠١.
٣٨٣

الزَّاهِد، والْتَّقَى الجَمْعان مَرَّاتٍ ، وظَهَرَ مَخْلدُ على أكْثَرِ المَغْرِبِ ، ولَمْ يَبْقَ لِبَنِي عُبَيْد
سِوَى المَهْديَّة(١) .
فَنَهَضَ المَنْصورُ ، وأخْفَى مَوتَ أبيهِ ، وصَابَرَ الإِبَاضِيَّةَ حتىْ تَرَخَّلوا عنه، ونازَلُوا
مَدِينَةَ سُوسَةٍ ، فَبَرَزَ المَنصُورُ من المَهْدِيَّةِ ، والْتَّقَوا فانْكَسَرَ جَيشُ مَخْلد علىْ كَثْرَتِهِم ،
وأُسِرَ هو في سَنةِ ٣٣٦ هـ، فماتَ بعدَ الأسْرِ بأرْبَعةِ أيّامٍ من الجِراحِ، فسُلِخَ وحُشِيَ
قُطْناً ، وصُلِبَ .
وبَنَوْا مَدينَةَ المَنْصوريَّةِ مكانَ الوَقْعَةِ ، فَنَزَلَها المَنْصورُ .
وكان بَطَلاَ شُجاعاً، رابِطَ الجأشِ ، فَصيحاً مُفَوَّهاً يَرْتَجِلُ الخُطَبَ وفيه إِسْلامٌ في
الجُمْلَة وعَقلٌ بخِلافِ أبيهِ الزُّنْدِيقِ(٣) .
٥- قِصةُ وَهْبٍ بن مُنَبِّه ◌ِ- رَحِمَهُ الله -مع خارِجيٍّ وهِدایَتُه له :
قال داودُ بنُ قَيْسٍ : كان لي صَديقٌ يُقالُ له : أبُو شَمِر ذُو خَوْلان، فخَرَجتُ من
صَنْعَاءَ أُريدُ قَرْيَتَه ، فلمَّا دَنَوتُ منها وَجَدتُ كِتَاباً مَخْتوماً إلى أبي شَمِر، فجِثْتُهُ فَوَجَدتُه
مَهْموماً حَزيناً ، فسَألتُه عن ذَلكَ فقالَ: قَدِمَ رسُولٌ من صَنْعَاءَ ، فَذَكَرَ أنَّ أَصْدِقاءَ لي
كَتَبوا لي كتاباً فضَيَّعَه الرسُولُ ، قُلتُ: فَهَذا الكِتابُ، فقالَ: الحَمدُ لله، ففَضَّهُ
فَقَرَأْهُ ، فَقُلتُ : أقْرِتْنيه فقالَ : إنِّي لأَسْتَحْدِثُ سِنَّكَ ، قُلتُ : فمَا فِيه؟ قالَ : ضَرْبُ
الرِّقابِ قُلتُ: لَعَلَّ كَتَبَه إِلَيكَ ناسٌ حَرُورِيَّة في زَكاةِ مالِك ، قالَ : مِن أيْنَ تَعْرِفُهم ؟ !!
قُلتُ : إِنِّي وأصْحاباً لي نُجالِسُ وَهْبَ ابنَ مُنَبُّه، فيَقولُ لنا: احْذَرُوا أيُّها الأحْداثُ
الأَغْمارُ هؤلاء الحَرُوراء لا يُدْخِلُونَكُم في رَأيهِم المُخالِف، فإنَّهم عُرَّةٌ(٣) لهَذه
الأُمَّة ، فدَفَعَ إليَّ الكِتابَ فَقَرأْتُه، فإذا فيه : سَلامٌ عَليكَ، فإنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ،
ونُوصِيكَ بتَقْواه ، فإنَّ دِينَ الله رُشْدٌ وهُدَى، وإنَّ دِينَ الله طَاعَةُ الله ومُخالَفَةُ مَنْ خَالَفَ
(١) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٢/١٢٠٢.
(٢) انظر السير: (المنصور) ١٥٦/١٥-١٥٩، وانظر النزهة: ٣/١٢٠٢.
(٣) فلان عُرَّةُ أهلِه : أي شَرُّهم .
٣٨٤

سُنَّةَ نَبِيِّه فإذا جاءَكَ كِتابُنا، فانْظُرْ أنْ تُؤدِّي - إنْ شاءَ الله - ما افْتَرَضَ اللهُ عَليكَ من حَقِّه
تَسْتَحِقَّ بِذَلكَ وِلايَةَ الله، ووِلايَةَ أُوْليائِه والسَّلام.
قُلتُ له : فإِنِّي أَنْهاكَ عَنْهُم ، قالَ : فَكَيفَ أَتَبعُ قَولَكَ وأتْرِكُ قَولَ مَنْ هو أَقْدِمُ
مِنكَ ؟ قُلتُ : فَتُحِبُّ أنْ أُدْخِلَكَ علىُ وَهْبٍ حتى تَسمَعَ قَولَه؟ قالَ: نَعَم فَتَزَلنا إلى
صَنْعَاءَ، فأدْخَلتُه علىْ وَهْبٍ ، ومَسْعودُ ابنُ عَوْفٍ وَالٍ على اليَمَنِ من قِبَلِ عُرْوَة بن
مُحمّد ، فوَجدْنا عند وَهْبٍ نَفَراً، فقال لي بَعضُ النَّفَرِ : مَنْ هذا الشَّيخُ ؟ قُلْتُ : له
حاجَةٌ ، فقامَ القَومُ فقالَ وَهْبُ : ما حاجَتُكَ يا ذا خَوْلان؟ فَهَرَجَ(١) وجَبُنَ ، فقالَ لي
وَهْبٌ : عَبِّرْ عَنْهُ ، قُلتُ: إنَّه من أهْلِ القُرآنِ والصَّلاحِ واللهُ أعْلَمُ بسَرِيرَتِهِ ، فَأَخْبَرَني
أنَّه عَرَضَ له نَفَرٌ من أهْلِ حَرُوراءَ فقالوا له : زَكاتُك التي تُؤدِّيها إلى الأُمَراءِ لا تُجْزِىءُ
عَنكَ ، لأنَّهم لا يَضَعونَها في مَواضِعِها فأدِّها إلَيْنا ، ورَأيتُ يا أبا عبد الله أنَّ كَلامَكَ
أَشْفَى له من كَلامي، فقال : يا ذا خَوْلان، أتُريدُ أن تَكونَ بعد الكِبَرِ حَروريَّاً تَشْهَدُ
علىُ مَنْ هو خَيرٌ منك بالضَّلالَة ؟ فماذا أنت قائِلٌ لله غداً حين يَقِفُكَ اللهُ ومَنْ شَهِدتَ
عليه ؟ فاللهُ يَشْهَدُ له بالإيمانِ ، وأنتَ تَشْهَدُ عليه بالكُفْرِ، والله يَشْهَدُ له بالهُدَىُ وأنتَ
تَشْهَدُ عليه بالضَّلالَة، فأين تَقَعُ إذا خالَفَ رَأيُكَ أمرَ الله، وشَهادَتُكَ شَهادَةَ الله ؟
أخْبِرْني يا ذا خَوْلان ، ماذا يَقُولونَ لكَ؟ فتَكلَّمَ عند ذلك وقال لِوَهْبٍ : إنَّهم يَأْمُرُونَني
أن لا أَتَصَدَّقَ إلاَّ على مَنْ يَرَى رَأْيَهم ولا أسْتَغْفِرُ إلاَّ له فقالَ: صَدَقْتَ ، هذه مِحْنَتُهم
الكاذِبَة ، فأمَّا قَولُهم في الصَّدَقَة ، فإنَّه قد بَلَغَني أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
ذَكَرَ أنَّ امْرأةً من أهْلِ اليَمَنِ دَخَلت النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْها ، أَفَإِنْسانٌ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللهَ يُوَحِّدُه
ولا يُشْركُ به أحَبُّ إلى الله أن يُطْعِمَه من جُوعٍ، أو هِرَّة؟ والله يَقولُ: ﴿وَيُطِعِمُونَ الطَّعَامَ
عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا﴾(٢). الآيات.
وأمَّا قَولُهم لا يُسْتَغْفَرُ إلَّ لِمَنْ يَرىْ رَأْيَهم، أهُم خَيرٌ أم المَلائِكَة، والله يَقولُ :
(١) هَرَجَ في الحديث : خَلَطَ فيه .
(٢) سورة الإنسان ، الآية : ٨.
٣٨٥

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضُِّ﴾ (١)، فوالله ما فَعَلت المَلائِكَةُ ذلكَ حتى أُمِرُوا به ﴿لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾(٢)، وجاء مُيَسَّراً: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾(٣).
يا ذا خَوْلان إني قد أدْرَكْتُ صَدرَ الإسْلامِ ، فوالله ما كانت الخَوارِجُ جَماعَةٌ قَطُّ إلاَّ
فَرَّقَها اللهُ على شَرِّ حالاتِهم، وما أظْهَرَ أحَدٌ منهم قَولَه إلاَّ ضَرَبَ اللهُ عُنْقَه ، ولَوْ
مَكَّنَ اللهُ لهم من رَأْيِهِم لَفَسَدت الأرضُ ، وقُطِعَتِ السُّبُّلُ والحَجُّ ، ولعادَ أمرُ الإسْلامِ
جاهِليَّةً ، وإذاً لقامَ جَماعَةٌ ، كلٌّ منهم يَدْعُو إلى نَفْسِه الخِلافَة ، مع كلِّ واحِدٍ منهم أكثر
من عَشْرةِ آلافٍ يُقاتِلُ بَعضُهُم بَعضاً ويَشْهَدُ بَعضُهُم على بَعضٍ بالكُفْرِ ، حتى يُصْبِحُ
المُؤمِنُ خائِفاً على نَفْسِهِ ودِينِهِ ودَمِهِ ومالِهِ لا يَدري مع مَنْ يَكونُ ، قال تَعالَى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾(٤)، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٥) فَلَو كانوا مُؤْمِنِينَ لِنُصِرُوا، وقال: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَالَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾(٦)،
ألا يَسَعُك ياذا خَوْلان من أهْلِ القِبْلَة ما وَسِعَ نُوحاً من عَبَدَة الأصْنام، إذْ قالَ له قَومُه :
أَنْؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْدَلُونَ﴾ (٧) إلى أنْ قالَ: فقالَ ذُو خَوْلان: فما تَأْمُرُّني؟ قال :
انْظُر زَكاتَك فأدِّها إلى مَنْ وَلاَهُ الله أمرَ هذه الأُمَّة وجَمَعَهُم عليه ، فإنَّ المُلكَ من الله
وَحْدَه وبِيَدِهِ ، يُؤْتيه مَنْ يَشاءُ ، فإذا أدَّيْتَها إلى وَلِيِّ الأمرِ بَرِثْتَ منها، وإِنْ كانَ فَضلٌ
فَصِلْ به أرْحَامَك ومَوالِيكَ وجِيرانَك والضَّيفَ ، فقال: أَشْهَدُ أَنِّي نَزَلتُ عن رَأي
الحَروريَّة(٨) .
سورة الشورى ، الآية : ٥
(١)
سورة الأنبياء ، الآية : ٢٧ .
(٢)
(٣)
سورة غافر ، الآية : ٧ .
(٤)
سورة البقرة ، الآية : ٢٥١ .
سورة غافر ، الآية : ٥١ .
(٥)
سورة الصافات ، الآية : ١٧٣ .
(٦)
سورة الشعراء ، الآية : ١١١ .
(٧)
انظر السير: (وهب بن منبه) ٤/ ٥٥٤ - ٥٥٧، وانظر النزهة: ٣/٥٥٥ .
(٨)
٣٨٦

رابعاً : السَّالِمِيَّة
قال ابنُ عَساكِر: كانَ الأهْوازيُّ على مَذْهَب السَّالِمِيَّة(١) يَقولُ بالظَّاهِرِ ويَتَمسَّكُ
بالأحاديثِ الضعيفة التي تُقَوِّي رَأيَه .
قال الكتَّنيُّ: وكان مُكْثِراً من الحَديثِ، وَصَنَّفَ الكَثيرَ في القِراءاتِ وفي
أسانيدِها، له غَرائِبُ يَذْكُرُ أنَّه أخَذَها رِوايَةً وتِلاوَةً، ومِمَّن وَهَّاهُ ابنُ خَيْرون .
وقال الدَّاني : أَخَذَ القِراءاتِ عَرْضاً وسَماعاً من أصْحابِ ابنِ شَنَبُوذ وابنِ مُجاهِد
قال : وكانَ واسِعَ الرِّوايَة ، حافِظاً ضابِطاً ، أقْرَأَ دَهْراً بدِمَشْقَ .
قال الذهبيُّ : في نَفْسي أمورٌ من عُلُوِّه في القِراءاتِ(٢).
وقِيلَ : كان الإمامُ الزُّبَيْدِيُّ يَذْهَبُ إلى مَذْهَبِ السَّالِمِيّة، ويَقولُ : إنَّ الأَمْواتَ
يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبونَ ويَنكِحونَ في قُبُورِهم، وإِنَّ الشَّارِبَ والزَّاني لا يُلامُ لأَنَّ يَفعلُ
بقَضاءِ الله وقَدَرِه .
قال الذَّهبِيُّ : يَحْتَجُّ بِقِصةِ آدَمَ ومُوسَىْ عليهِما السَّلامُ، وَبِقَولِ آدَمُ : أَتَلُومُني ؟
وأنَّه حَجَّ موسى، ولَوْ سَلَّمنا أنَّ الزَّاني لا يُلامُ، فَعَلَيْنا أنْ نَحُدَّه ونُغَرِّبَه، ونَذُمَّ فِعْلَه ،
ونَرُدَّ شَهَادَتَه، ونَكْرَهَه، فإنْ تابَ واتَّقَىْ أحْبَيْناه واحْتَرَمْناه، فالنِّراعُ لَفْظيٌّ (٣).
(١) قال العَلَأَّمةُ الكَوْثَرُّ في تعليقه على ((تَبيين كذب المفتري)) ٩٦٣: السالميةُ فِرقة من المُشْبِّهة،
يقولون : إنَّ اللهَ تعالَى يُرى في صورة آدَمَيّ وإنَّه تعالَى يَقرأ على لسان كل قارىء وإنهم إذا سمعوا القُرآنَ
من قارىء يَروْنَ أنَّهم إنَّما يَسْمَعونَه من الله تعالَى ويَعتقِدون أنَّ المَيِّتَ يأكلُ في القَبرِ ويشرَبُ ويَنْكِحُ إِلى
غَيرِ ذلك، وهذه النِّحْلَة مَعروفَةٌ بالبَصْرة وسَوادِها بالسَّالِمِيَّ نِسْبَةً إلى مَقَالَةِ الْحَسَن بنِ مُحمّد بنِ
أحْمد بنِ سالم السَّالِمِيّ البَصْريّ وابنِهِ أبي عبد الله المُتَصَوِّف .
(٢) انظر السير: (الأهوازي) ١٣/١٨-١٨، وانظر النزهة: ٤/١٣٧٧.
(٣) انظر السير: (الزُّبَيدي) ٣١٦/٢٠ -٣١٩، وانظر النزهة: ٣/١٥٥٥.
٣٨٧

خامساً : الشِّيعَةُ والرَّوافِضُ
١ - التَّشَتُّعُ الخَفيفُ :
وقالَ أحمدُ بنُ عبد الله العِجْليّ : كان مَنصُورُ بنُ المُعْتَمِر أثْبَتَ أهْلِ الكُوفَة ،
لا يَخْتلفُ فيه أحَدٌ، صالِحٌ مُتَعَبِّدٌ، أُكْرِهَ على القَضاءِ فَقَضىُ شَهْرِينِ ، قال : وفيه
تَشَيُّعٌ قَليلٌ وكان قد عَمِشَ من البُكاءِ .
قال الذهبيُّ : تَشَيُّعُهُ حُبُّ وَوَلاءُ فقَطَ (١).
قال خَفصُ بنُ غياث، مِنْ طَريقِ عَليٍّ بنِ خَشْرَم، عنه: سَمعتُ شُرَيْكاً يقولُ :
قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، واسْتَخارَ المُسلِمونَ أبا بَكْرٍ ، فَلَوْ عَلِموا أنَّ فيهم
أحَداً أفْضَلَ منه كانوا قد غَشُّونا، ثم اسْتَخْلَفَ أبو بَكْر عُمَرَ ، فقامَ بما قام به من الحَقِّ
والعَدْلِ ، فلمَّا حَضَرَتْهُ الوَفاءُ ، جَعَلَ الأمرَ شُورَى بِينَ سِتَّةٍ ، فاجْتَمَعوا على عُثمانَ ،
فَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ فيهم أفْضَلَ منه كانوا قد غَشُّونا(٢).
قال عليُّ بنُ خَشْرم : فأخْبَرَني بَعضُ أصْحابِنا من أهْلِ الحَديثِ ، أَنَّه عَرضَ هذا
على عبدِ الله بنِ إذْريس ، فقالَ ابنُ إدريس : أنتَ سَمعتَ هذا من حَفْص ؟ قُلتُ :
نَعَمْ: قال: الحَمدُ لله الذي أنْطَقَ بهذا لسانَه، فوالله إنَّه لشِيعي، وإنَّ شُرَيْكاً
لَشِيعي(٣) .
قال الذهبيُّ : هذا التَّشَيُّعُ الذي لا مَحْذورَ فيه إنْ شاءَ الله إلاَّ من قَبِيلِ الكَلام فيمَنْ
حارَبَ عَليّاً رضي الله عنه من الصَّحابَة ، فإنَّه قَبِيحٌ يُؤْدَّبُ فاعِلُه، ولا نَذْكُرُ أحَداً من
الصَّحابَة إلاَّ بخَيرٍ ، ونَتَرضَّى عنهم ، ونقولُ: هم طائِفَةٌ من المُؤمنينَ بَغَتْ على الإمام
عَليٍّ رضي الله عنه، وذلك بنَصِّ قَولِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم لِعَمَّارِ: ((تَقْتُلُكَ
انظر السير: ( منصور بن المعتمر) ٤٠٢/٥ -٤١٢، وانظر النزهة : ٦١٧ /٧.
(١)
انظر السير: (شَرَيك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة: ١/٧٤٤.
(٢)
انظر السير: (شَرَيك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة: ٢/٧٤٤.
(٣)
٣٨٨

الفِتَةُ الْبَاغِيَّةُ))، فَنَسألُ اللهَ أنْ يَرْضى عن الجَميع، وألاَّ يَجْعَلَنا مِمَّنْ فِي قَلبه غِلٌّ
للمُؤمنينَ. ولا نَرْتابُ أنَّ عَليّاً أفْضَلُ مِمَّنْ حَارَبَه، وأنَّه أوْلَى بالحَقِّ رضي الله عنه(١).
قال الذهبيُّ: والظَّاهِرُ أنَّ وَكيعاً فيه تَشَيُّعُ يَسِيرٌ لا يَضُرُّ إنْ شَاءَ الله، فإنَّ كُوفيٌّ في
الجُمَلَة ، وقد صَنَّفَ كتابَ فَضائِلِ الصَّحابَة ، سَمعْناهُ قَدَّمَ فيه بابَ مَناقِبَ عليٍّ على
مَنَاقِبٍ عُثمانَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما (٢) .
وقال الوَزِيرُ ابنُ حِنْزابَة : سَمعتُ مُحمّدَ بنَ موسَى المَأمُونيّ - صاحبَ النَّسائيّ -
قال : سمعتُ قَوماً يُنْكِرونَ على أبي عبد الرَّحمَن النَّسائيّ كتابَ ((الخَصائِصْ)) لِعَليّ
رضي الله عنه، وتَرْكَه تَصْنِيفَ فَضَائِلَ الشَّيْخَينِ ، فَذَكَرتُ له ذلكَ ، فقالَ : دَخلتُ
دِمَشقَ والمُنْحَرِفُ بها عن عليٍّ كَثِيرٌ، فصَنَّفْتُ كتابَ ((الخَصائِصِ)) رَجَوتُ أنْ
يَهْديَهم اللهُ تَعالَى ثم إنَّه صَنَّفَ بعدَ ذلكَ فَضَائِلَ الصَّحابَة ، فِقِيلَ له وأنا أسْمَعُ : ألا
تُخْرِجْ فَضَائِلَ مُعاويَةَ رضي الله عنه؟ فقال: أيُّ شيءٍ أُخْرِجُ !! ؟ حَديثَ ((اللَّهُمَّ
لا تُشْبِعْ بَطْنَه )) فسَكتَ السَّائِلُ .
قال الذهبيُّ : لَعَلَّ أنْ يُقالَ : هذه مَنْقَبَةٌ لمُعاويَة لقَولِه صلى الله عليه وسلم :
((اللَّهُمَّ مَنْ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَيْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةٌ ».
قال الحاكِمُ: كَلامُ النَّسائيّ علىُ فِقْهِ الحَديثِ كَثِيرٌ، ومَنْ نَظَرَ في سُنِنِهِ تَحَيَّر في
حُسن كَلامِه(٣).
وعن حَمْزَةَ العَقْبِيّ المِصْريّ وغَيرِهِ ، أنَّ النَّسائيَّ خَرَجَ من مِصْرَ في آخِرِ عُمرِه إلى
دِمَشْقَ ، فَسُئِلَ بها عن مُعاويَة وما جاءَ في فَضَائِلِه، فقالَ: لا يَرْضَىْ رَأْساً برَأْسٍ حتى
يُفَضَّل؟ !! ، قال: فما زالُوا يَدْفَعونَ في حِضْنَهِ(٤) حتى أُخْرِجَ من المَسْجِد ، ثم حُملَ
إلى مَكَةَ فَتُوفِيَ بها ، كذا قال، وصَوابُه : إلى الرِّمْلَة .
انظر السير: (شَرَيك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة: ٣/٧٤٤.
(١)
(٢)
انظر السير: ( وَكيع) ٩/ ١٤٠ -١٦٨، وانظر النزهة: ٥/٨١٠.
انظر السير: (النَّسائيّ) ١٢٥/١٤ -١٣٥، وانظر النزهة: ٣/١١٣٧ .
(٣)
(٤) وهما جنباه، وفي شذرات الذهب (( خصيتيه)).
٣٨٩

قال أبو سَعيد بنُ يُونُس في ((تاريخِه )): كانَ أَبُو عبد الرَّحمَن النَّسائيّ إماماً حافِظاً
ثَبْتاً ، خَرَجَ من مِصْرَ في شَهرِ ذي القِعْدة من سَنةِ اثْنَينٍ وثلاثٍ مِئَة وتُوفِّيَ بفِلَسْطينَ في
يومِ الإِثْنَيْنِ لثلاثَ عَشرَةَ خَلتْ من صَفَرِ سَنةَ ثلاث(١) .
قال الذهبيُّ: ولَم يَكُنْ أحَدٌ فِي رَأْسِ الثلاثِ مِنَةَ أحْفَظَ من النَّسائيّ ، هو أخْذَقُ
بالحَديثِ وعِلَلِه ورِجالِه من مُسْلِمٍ ، ومن أبي دَاوُدَ ، ومن أبي عِيسَى وهو جارٍ في
مِضْمارِ البُخاريِّ، وأبي زُرْعَة إلاَّ أنَّ فيه قَليلَ تَشَيُّع وانْحِرافاً عن خُصُومِ الإمامِ عليٍّ ،
كمُعاويَةٍ وعَمٍو ، واللهُ يُسامِحُه .
وقد صَنَّفَ مُسْندَ عليٍّ وكِتاباً حافلاً في الكُنَى، وأمَّا كتابُ ((خَصائِص عليّ)) فهو
داخلٌ في (( سُنَتِهِ الكَبير)) وكذلكَ كتابُ ((عَملُ يَومِ ولَيلَة)) وهو مُجلّدٌ، وهو من جُمْلَة
((السُّنَنِ الكَبير)) في بَعضِ النُّسَخ، وله كتابُ ((التَّفْسير)) في مُجلّد، وكتابُ
((الضُّعَفاء )) وأشْياءَ والذي وَقَعَ لنا من سُنَتِهِ هو الكتابُ المُجْتَنَى منه، انْتِخابُ أبي بَكْر
ابن السُّنيّ(٢) .
٢- التَّشَيُّعُ الغَالي:
قال الإمامُ الذهبيُّ: بعدَما ذَكَرَ سِيرَةَ العَشْرَةِ المُبَشَّرِينَ فهذا ما تَسَّرَ من سِيرَةِ
العَشْرَةِ وهُم أفْضَلُ قُرَيْشٍ، وأفْضَلُ السَّابِقِينَ المُهاجِرِينَ، وأَفْضَلُ البَدْرِيِّينَ، وأَفْضَلُ
أصْحابِ الشَّجَرَة، وسادَةُ هذه الأمّة في الدُّنيا والآخِرَة، فَأَبْعَدَ اللهُ الرَّافِضَة،
ما أغْواهُم وأشَدَّ هَواهُم، كَيفَ اعْتَرَفوا بفَضْلٍ واحِدٍ منهم وبَخَسُوا التِّسْعَةَ حَقَّهم ،
وافْتَرَوْا عليهم بأنَّهم كَتَموا النَّصَ في عَليٍّ أنَّه الخَليفَة، فوالله ما جَرَى من ذلكَ شيءٌ ،
وأنَّهم زَوَّرُوا الأمرَ عَنه، بزَعْمِهِم، وخَالَفُوا نَبِيَّهم ، وبادَرُوا إلى بَيْعَةِ رَجلٍ من بَني
تَميم يَتَّجِرُ ويَتَكسَّبُ، لا لِرَغْبةٍ في أموالِهِ ولا لِرَهْبةٍ من عَشيرَتِهِ ورِجالِهِ ، وَيُحَكْ !!
أيَفْعِلُ هذا مَنْ له مِسْكَةُ عَقلٍ !! ؟ ولَو جازَ هذا على واحدٍ لمَا جازَ على جَماعَة ، ولَو
(١) انظر السير: (النَّسائيّ) ١٢٥/١٤ -١٣٥، وانظر النزهة: ٢/١١٣٨.
(٢) انظر السير: (النَّسائيّ) ١٢٥/١٤-١٣٥، وانظر النزهة: ١/١١٣٩.
٣٩٠

جازَ وُقوعُه من جَماعَة ، لاسْتَحالَ وُقوعُه، والحالَةُ هذه، من ألُوفٍ من سادَة
المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ ، وفُرْسانِ الأُمَّة وأبْطالِ الإسْلام ، لكن لا حِيلَةَ في بُرْءِ الرَّفضِ
فإِنَّه داءٌ مُزْمِن، والهُدَى نُورٌ يَقذِفُه الله في قَلبٍ مَنْ يَشاءُ ، فلا قُوَّةَ إلاَّ بالله(١).
قال الذهبيُّ في ترجَمة محمَّدٍ بنِ الحَنفيّة : كانت الشِّيعَةُ في زَمانِهِ تَتَغالَى فيه ،
وتَدَّعِي إمامَتَه، ولَقَّبُوهُ بالمَهْدِيِّ ، ويَزْعُمونَ أنَّه لَمْ يَمُتْ(٢) .
وكان أبو جَعْفَر مُحمّد الباقِرِ أحَدَ مَنْ جَمَعَ بين العِلْمِ والعَمَل والسُّؤْدَدِ ، والشَّرَف ،
والثِّقَة، والزَّزانَةَ، وكان أهْلاً للخِلافَة، وهو أحَدُ الأَئِمَّة الاثْنَي عَشر الذين تُبُجِّلُهم
الشِّيعَةُ الإماميّة وتقولُ بعِصْمَتِهِم وبمَعْرِفَتِهِم بجَميعِ الدِّينِ ، فلا عِصْمَةَ إلاَّ للمَلائِكَةِ
والنَّبِّينَ ، وكلُّ أحَد يُصِيبُ ويُخْطِىءُ، ويُؤْخَذُ منَ قَولِه ويُتْرَكُ سِوَى النبيِّ صلى الله
عليه وسلم ، فإنَّه مَعْصُومٌ ، مُؤْيَّدٌ بالوَحْي (٣) .
وكان النَّاسُ في الصَّدرِ الأوَّلِ بعدَ وَفْعَة صِفِّينَ على أقْسام : أهْلُ سُنَّة، وهُم أُولُو
العِلْمِ، وهُم مُحِبُّونَ الصَّحَابَة كافُّونَ عن الخَوضِ فيما شَجَرَ بَيْنَهم ، كَسَعْدٍ وابنٍ عُمَر
ومُحمّد بنِ مَسْلَمَة وأُمَمِّ ، ثم شِيعَة يَتَوالُونَ ويَنالُونَ مِمَّنْ حارَبُوا عَليّاً ويقولون : إنَّهم
مُسلِمون بُغاةٌ ظَلَمَةٌ، ثم نَواصِب وهم الذين حاربوا عَليّاً يومَ صِفِيْن ، ويُقِرُونَ بإسْلامِ
عَليٍّ وسابِقِيه ، ويَقُولُونَ: خَذَلَ الخَلِيفَةَ عُثمان .
فما عَلِمْتُ في ذلكَ الزَّمانِ شِيعيّاً كَفَّرَ مُعاوَةَ وحِزْبَهُ ، ولا ناصِبِيّاً كَفَّرَ عَليّاً وحِزْبَه ،
بِلْ دَخَلُوا فِي سَبُّ وبُغْضٍ ، ثم صارَ اليومَ شِيعَةُ زَمانِنا يُكَفِّرونَ الصَّحابَةِ ، ويَبْرَؤُونَ
منهم جَهْلاً وعُدْواناً ، ويَتَعدَّوْنَ إلى الصِّديقِ ، قاتَلَهُم الله، وأمَّا نَواصِبُ وَقْتِنا فقَليلٌ ،
وما عَلِمْتُ فيهم مَنْ يُكَفِّرُ عَليّاً ولا صَحابيًا(٤) .
انظر السير: ( سعيد بن زيد) ١٢٤/١ - ١٤٣، وانظر النزهة : ٢/١٤٠.
(١)
(٢)
انظر السير: ( ابن الحنفية) ١١٠/٤ -١٢٩، وانظر النزهة : ٢/٤٥٨.
انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ٢/٥٢١.
(٣)
(٤) انظر السير: (الفَأفاء) ٣٧٣/٥ -٣٧٤، وانظر النزهة: ٢/٦١٣.
٣٩١
٠

قال وَكيعٌ: حَسنُ بنُ صالح عندي إمامٌ ، فقيل له : إنَّه لا يَترجَّم على عُثمان
فقال : أفَتَرخَّمُ أنت على الحَجَّاجِ ؟(١).
قال الإمامُ الذهبيُّ: لا بارَكَ الله في هذا المِثالِ ومُرادُه: أنَّ تَرْكَ التَّرَخُمِ سُكوتٌ ،
والسَّاكِتُ لا يُنْسَبُ إليه قَولٌ، ولكنْ مَنْ سَكَتَ عن تَرُّم مثل الشَّهيدِ أميرِ المُؤمنينَ
عُثمان ، فإنَّ فيهِ شَيئاً من تَشَيُّع ، فمَنْ نَطَقَ فيه بِغَضِّ وتَنَقُّصٍ فهو شِيعيٌّ جَلْدٌ يُؤَدَّب ،
وإنْ تَرَفَّى إِلى الشَّيْخَينِ بِذَمِّ ، فهو رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ ، وكذا مَنْ تَعَرَّضَ للإمامِ عَلَيٍّ بِذَمِّ ،
فهو ناصِبِيٌّ يُعَزَّرْ، فإِنْ كَفَّرَه فهو خارِجِيٌّ مارِقٌ، بَلْ سَبِيلُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ للكُلِّ ونُحِبَّهم ،
ونَكُفَّ عمَّا شَجَرَ بينهم(٢) .
وقد كان عليُّ الرِّضَا كَبِيرَ الشَّأنِ، أهْلاً للخِلافَة ، ولكن كَذَبَت عليه وفيه الرَّافِضَةُ ،
وأَطْرُوهُ بما لا يَجُوزُ، وادَّعَوا فيه العِصْمَة، وغَلَتْ فيه ، وقد جَعَلَ الله لكلِّ شيءٍ
قَدْراً(٣) .
وعن صالِحِ جَزَرة ، قال : كان عَبَّادُ ابنُ يَعْقُوب الأسَدِيّ الرَّواجِنِيّ يَشْتِمُ عُثمانَ
رضي الله عنه، وسَمعتُهُ يَقُولُ: اللهُ أَعْدَلُ مِن أنْ يُدْخِلَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ الجَنَّةَ ، قَاتَلا
عَليّاً بعدَ أنْ بايَعاه(٤) .
وقال ابنُ جَرير : سمعتُه يقولُ: مَنْ لَمْ يَبْرَأْ في صَلاتِه كلَّ يومٍ من أَعْداءِ آلِ
مُحمّد، حُشِرَ مَعَهم .
قال الإمامُ الذهبيُّ: هذا الكَلامُ مَبْدَأُ الرَّفضِ، بَلْ نَكُفتُ، ونَسْتَغْفِرُ للأُمَّة، فإنَّ آلَ
مُحمّد في إِيَّاهم قد عادَى بَعضُهم بَعضاً واقْتَتَلوا على المُلكِ وتمَّتْ عَظائم ، فمِنْ أَيُّهِم
نَبَّرأ؟ !! (٥).
(١) انظر السير: (الحَسن بن صالح) ٣٦١/٧ -٣٧١، وانظر النزهة : ٧/٧٠٣.
(٢)
انظر السير: ( الحَسن بن صالح) ٣٦١/٧ -٣٧١، وانظر النزهة : ١/٧٠٤.
(٣)
انظر السير: ( علي الرِّضى) ٩/ ٣٨٧ -٣٩٣، وانظر النزهة: ٤/٨٣٢.
انظر السير: ( الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة: ١/٩٧٠.
(٤)
انظر السير: ( الرَّواجنيّ) ٥٣٦/١١-٥٣٨، وانظر النزهة : ٢/٩٧٠.
(٥)
٣٩٢

وقال ابنُ حَزْم : الإماميّةُ كُلُّهم على أنَّ القُرآنَ مُبَدَّلٌ ، وفيه زِيادَةٌ ونَقْصٌ سِوَى
المُرْتضَىُ، فإنَّ كَفَّرَ مَنْ قال ذلكَ ، وكذلكَ صاحِباهُ أبُو يَعْلى الطُّوسيّ ، وأبُو القاسِم
الرَّازي(١) .
قال الإمامُ الذهبيُّ : وفي تَواليفِه سَبُّ أصْحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم
فَتَعُوذُ بالله من عِلْمٍ لا يَنْفَعِ .
وقد تُوفِّي المُرْتَضَىُ فِي سَنةِ سِتٍّ وثلاثينَ وأَرْبِعٍ مِئَة (٢) .
٣- آلُ البَيتِ أهْلُ سُنَّ وجَماعَة، وهم بَريئُونَ من عَقائِدِ الشِّيعَة الغالِيَة والرَّافِضَة:
قال أبُو حازِمِ المَدَنيّ : ما رَأيتُ هاشِميّاً أفْقَهَ من عليٍّ بنِ الحُسَينِ ، سَمعتُهُ وقد
سُئِلَ : كَيفَ كانت مَنْزِلَةُ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ عند رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشارَ
بيَدِهِ إلى القَبْرِ ، ثم قال: بمَنْزِلَتِهِما منهُ السَّاعةِ(٣).
قال أبو نُعَيم : حَدَّثنا عيسى بنُ دينار - ثِقَةٌ - قال: سَألتُ أبا جَعفَرٍ عن المُخْتارِ ،
فقال: قامَ أبي على بابِ الكَعْبَة ، فَلَعَنَ المُخْتارَ، فِقِيلَ له : تَلْعَنُه وإنَّما ذُبِحَ فيكم ؟
قال : إنَّه كان يَكذِبُ على الله وعلىْ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم (٤) .
عن أبي جَعفَر ، قال: كُنَّا لَنُصَلِّي خَلفَهم - يَعني الأُمَويّة - من غَيرِ تُقْيَة، وأَشْهَدُ
على أبي أنَّه كان يُصَلِّي خَلفَهم من غَيرٍ تُقْيَةٍ (٥) .
قال ابنُ فُضَيل: عن سالِمِ بنِ أبي حَفْصَة : سألتُ أبا جَعْفَرٍ وابنَه جَعْفراً عن أبي بَكْر
وعُمَرَ ، فقالا لي: يا سالِم ، تَوَلَّهُما وابْرَأْ من عَدُوِّهِما، فإنَّهُما كانا إمَامَيْ هُدَى(٦) .
كان سالِم فيه تَشَيُّعٌ ظاهِرٌ، ومع هذا فيَبْثُ هذا القَولَ الحَقَّ وإنَّما يَعْرِفُ الفَضْلَ
انظر السير: (المُرتضى) ١٧/ ٥٨٨- ٥٩٠، وانظر النزهة: ٣/١٣٦٦.
(١)
(٢)
انظر السير: ( المُرتضى) ١٧ / ٥٨٨ - ٥٩٠، وانظر النزهة : ٤/١٣٦٦.
انظر السير: (عليٌّ بن الحُسين ) ٤٠١/٤ -٤٠٩، وانظر النزهة : ٥/٥١٩.
(٣)
انظر السير: (عليٌّ بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ١/٥٢٠.
(٤)
انظر السير: ( عليٌّ بن الحسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ٢/٥٢٠.
(٥)
(٦) انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ٤/٥٢١.
٣٩٣

الأهلِ الفَضلِ ذُو الفَضْلِ ، وكذلك ناقِلُها ابنُ فُضَيْل، شِيعيٌّ ثِقَةٌ ، فَعَثَّرَ الله شِيعَةَ زَمانِنا
ما أغْرَقَهُم في الجَهْلِ والكَذبِ ، فيَنالُونَ من الشَّيْخَينِ وَزِيرَيْ المُصْطَفَىُ صلى الله عليه
وسلم، ويَحْمِلونَ هذا القَولَ من الباقِرِ والصَّادِقِ على التُّقْيَةِ (١) .
عن عبدِ المَلكِ بنِ أبي سُلَيْمان: قُلتُ لمُحمّد بنٍ عليّ: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾(٢) قال: هُم أصْحابُ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم قُلتُ : إِنَّهم يَقولونَ: هُو عَليٌّ قال: عَليٍّ منهُم (٣) .
وقالَ شُبابَة : أنْبَأْنا بَشَّامٌ: سَمعتُ أبا جَعْفَرِ يقُولُ: كان الحَسَنُ والحُسَيْنُ يُصَلِّانِ
خَلفَ مَرْوانَ يَتبادَران الصَّفَ، وكان الحُسَينُ يَسُبُّ مَرْوانَ وهو على المِنْبَرِ حتى يَنِزِلَ
أفَتَّقْيَةٌ هذه؟ !! (٤).
وقال مُصْعبٌ الزُّبَيرُّ : كان فُضَيلُ بنُ مَرْزُوق يقولُ : سَمعتُ الحَسَنَ بنَ الحَسَن
يَقولُ لرجُلٍ من الرَّافِضَةِ: أَحِبُّونا فإنْ عَصَيْنا اللهَ فأَبْغِضُونا، فَلَوْ كانَ اللهُ نافِعاً أحَداً
بقَرابَتِه من رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بغَيرِ طاعَة لنَفَعَ أباهُ وأُمَّه(٥) .
وقال عيسَىُ بنُ يُونُس : جاءَت الرَّافِضَةُ زَيْداً ، فقالوا : تَبَرَّأ من أبي بَكْر وعُمَر حتى
نَنْصُرَكَ ، قالَ: بَلْ أَتَولاَهما، قالوا: إذاً نَرْفُضُك، فمِنْ ثَمَّ قِيلَ لهم : الرَّافِضَة ،
وأمَّا الزَّيْدِيَّة ، فقالوا بقَولِه، وحارَبوا مَعَه(٦).
وعن زَيْد بنِ عليٍّ ، قال : كانَ أَبُو بَكْر رضي الله عنه إمامَ الشَّاكِرِين، ثم تَلا:
﴿ وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾(٧)، ثم قالَ: البَراءَةُ من أبي بَكْر هي البَراءَةُ من عليّ (٨).
انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤ -٤٠٩، وانظر النزهة : ٥/٥٢١.
(١)
(٢)
سورة المائدة ، الآية : ٥٥ .
انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤/ ٤٠١-٤٠٩، وانظر النزهة: ١/٥٢٣.
(٣)
انظر السير: ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤-٤٠٩، وانظر النزهة: ٢/٥٢٣.
(٤)
(٥)
انظر السير: ( الحَسَن) ٤/ ٤٨٣ - ٤٨٧، وانظر النزهة: ٣/٥٣٧.
انظر السير: ( زيد بن عليّ) ٣٨٩/٥ -٣٩١، وانظر النزهة: ١/٦١٥.
(٦)
(٧) سورة آل عمران، الآية : ١٤٤ .
(٨) انظر السير: (زيد بن عليّ) ٣٨٩/٥-٣٩١، وانظر النزهة: ٣/٦١٥.
٣٩٤

وكان جَعْفرُ بنُ مُحمّد بنِ عليّ بنِ الحُسَين يَغْضَبُ من الرَّافِضَة، ويَمْقُتُهم إذا عَلِمَ
أنَّهم يَتَعرَّضونَ لجَدِّه أبي بَكْر ظاهِراً وباطِناً، هذا لا رَيْبَ فيه، ولكنَّ الرَّافِضَةَ قَومٌ
جَهَلةٌ قد هَوَىُ بهم الهَوَىُ في الهَاوِيَة فبُعْداً لهم .
وُلِدَ سَنَةَ ثَمانِينَ ورَأْىُ بَعضَ الصَّحَابَةِ ، أَحْسَبُه رَأى أنَسَ بنَ مالِك وسَهْلَ بنَ
سَعْد(١).
عن سالِمِ بنِ أبي حَفْصَة : سألتُ أبا جَعْفَرَ وابنَه جَعْفراً عن أبي بَكْر وعُمَرَ ، فقالا
لي : يا سالِم، تَوَلَّهُما وابْرَأْ من عَدُوِّهِما، فإنَّهُما كانا إمَامَيْ هُدَى ثم قال جَعفَرٌ :
يا سالِم ، أيَسُبُّ الرَّجُلُ جَدَّه ؟ !! لا نالَتَنِي شَفَاعَةُ مُحمّد صلى الله عليه وسلم يومَ
القيامَة إنْ لَمْ أَكُنْ أَتَوَلاهُما وأبْرِأُ من عَدُوِّهِما (٢).
٤ - إنْكارُ بعضُ آلِ البيتِ على الشِّيعَة ما غَلَوْا فيه :
وكان الشِّيعَةُ يقولونَ لابنِ الحَنَفيَّةِ: سَلامٌ عليكَ يا مَهْديّ ، فقال: أجَلْ أنا مَهْدِيٌّ
أهْديْ إلى الرُّشْد والخَيرِ ، اسْمِي مُحمّد، فقُولوا: سَلامٌ عليكَ يا مُحمّد أوْ يا أبًا
القاسِم .
وعن أبي جَمْرَة قال : سِرْنا مع ابنِ الحَنَفيَّة من الطَّائِف إلى أَيْلَةِ(٣) بعدَ مَوتِ ابنِ
عَبَّاس ، وكان عبدُ المَلِك قد كَتَبَ له على أنْ يَدخُلَ في أرْضِه هو وأصْحابُهُ ، حتى يَتَّفِقَ
النَّاسُ على رَجلٍ واحِدٍ ، فلمَّا قَدِمَ مُحمّد الشَّامَ ، كَتَبَ إليه عبدُ المَلِكِ ، إمّا أنْ تُبَايِعَني
وإمَّا أنْ تَخْرُجَ من أرْضِي - ونحنُ يَومئذٍ سَبعَةُ آلافٍ - فَبَعَثَ إليه : على أنْ تُؤَمِّنَ
أصْحابي، ففَعَل، فقامَ فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: اللهُ وَلِيُّ الأمُورِ كُلِّها
وحاكِمُها ، ما شاءَ اللهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، والذي نَفَسُ مُحمّد بَيَدِه لَيَعُودَنَّ فيهم
الأمرُ كما بَدَأ ، الحَمدُ لله الذي حَقَنَ دِماءَكم ، وأحْرَزَ دينَكم مَنْ أحَبَّ منكُم أنْ يأْتِيَ
(١) انظر السير: (جعفر بن محمد) ٢٥٥/٦-٢٧٠، وانظر النزهة: ٢/٦٤٧.
(٢) انظر السير: (جعفر بن محمد) ٢٥٥/٦ - ٢٧٠، وانظر النزهة: ٣/٦٤٧.
(٣) أيَة: مدينة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام ، وتُسمى اليوم العقبة.
٣٩٥

مَأْمَنَه إلى بَلَدِهِ آمِناً مَحْفوظاً فلْيَفْعَل، كلُّ ما هُو آتٍ قَرِيبٌ، عَجَّلْتُم بالأمرِ قبلَ نُزُولِه ،
والذي نَفَسي بيَدِه إنَّ في أصْلائِكُم لَمَنْ يُقاتِلُ معَ آلِ مُحمّد، أمرُ آلِ مُحمّد مُسْتَأْخَرٌ
قال : فَبَقِيَ في تِسْعِ مِئَة، فَأَحْرَمَ بِعُمْرَة وقَلَّدَ هَدْياً ، فلمَّا أرَدْنا أنْ نَدْخُلَ الحَرَمَ ، تَلَقَّتْنا
خَيلُ ابنِ الزُّبَيْرِ ، فَمَنَعَتْنا أنْ نَدخُلَ ، فَأرْسَلَ إليه مُحمّد : لقد خَرَجْتُ وما أُريدُ قِتالاً ،
ورَجَعتُ كذلك ، دَعْنا نَدخُلْ، فَلْنَقْضِ نُسُكَنا ثم لنَخْرُجِ عَنكَ، فأبى ، قال : ومَعَنا
الْبُدْنُ مُقلَّدةٌ فرَجَعْنا إلى المَدينَةِ ، فَكُنَّا بها حتى قَدِمَ الحَجَّاجُ ، وقَتَلَ ابنَ الزُّبَيْر ، ثم
سارَ إلى العِراقِ، فلمَّا سارَ مَضَينا فقَضَينا نُسُكَنا، وقد رَأيتُ القَمْلَ يَتَناثرُ من ابنِ
الحَنَفَيَّةِ ، قال: ثم رَجَعنا إلى المَدينَةِ فمَكَثَ ثلاثةَ أشْهُر ثم تُوُنِّي(١) .
وعن يَحْيَى بنِ سَعيد، عن عليٍّ بنِ الحُسَين: يا أهْلَ العِراق، أَحِبُّونا حُبَّ
الإسْلامِ، ولا تُحِبُّونا حُبَّ الأصْنامِ ، فما زالَ بنا حُبُّكُم حتى صارَ عليْنا شَيْئاً(٢).
وعن سالِمِ بنِ أبي حَفْصَة وكان يَتَرَفَّضُ ، قال : دخلتُ على أبي جَعْفَر وهو مَريضٌ
فقال - وأظُنُّ قالَ ذلكَ مِن أجْلي - : اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَلَّى وأُحِبُّ أبا بَكْر وعُمَرَ ، اللَّهُمَّ إِنْ
كان في نَفَسي غَيرُ هذا ، فلا نالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحمّد - يومَ القيامة - صلى الله عليه
وسلم(٣) .
وعن عُرْوَة بنِ عبدِ الله ، قال : سَألتُ أبا جَعْفَرٍ مُحمّد بنَ عليّ عن حِلْيَةِ السُّيوفِ ،
فقالَ : لا بأسَ به ، قد حَلَّى أبو بَكْر الصِّدِّيقُ سَيفَه ، قُلتُ: وتَقولُ الصِّدِّيقُ؟ !! ،
فوَثَبَ وَثْبَةً واسْتَقبَلَ القِبَلَة ثم قال: نَعَم الصِّدِّيق، نَعَم الصِّدِّيق، فمَنْ لَمْ يَقُلِ
الصِّدِّيق ، فلا صَدَّقَ اللهُ له قَولاً في الدُّنيا والآخِرَةِ(٤) .
وقال فُضَيلُ بنُ مَرْزوق: سَمعتُ الحَسَنَ بنَ الحَسَن يقولُ لِرِجُلٍ من الرَّافِضَة : إنَّ
قَتْلَكَ قُرْبَةٌ إلى الله، فقال : إنَّك تَمْزَحُ، فقال: والله ما هو منِّي بِمُزاح(٥) .
(١) انظر السير: (ابن الحنفيّة) ١١٠/٤-١٢٩، وانظر النزهة: ١/٤٦٠.
(٢)
انظر السير: ( عليّ بن الحُسين) ٣٨٦/٤ -٤٠١، وانظر النزهة : ٧/٥١٧.
انظر السير : ( أبو جعفر الباقر) ٤٠١/٤ _٤٠٩، وانظر النزهة: ٥/٥٢٢.
(٣)
انظر السير : ( أبو جعفر الباقر) ٤/ ٤٠١-٤٠٩، وانظر النزهة: ٤/٥٢٣.
(٤)
(٥) انظر السير: ( الحَسن بن الحَسن) ٤٨٣/٤ -٤٨٧، وانظر النزهة: ٢/٥٣٧.
٣٩٦

ورَوَىُ فُضَيلُ بنُ مَرْزوق، قال : سَمعتُ الحَسَنَ يقولُ : دَخَلَ عليَّ المُغيرَةُ بنُ
سَعيد - يَعني الذي أُحْرِقَ في الزَّنْدَقَة - فَذَكَرَ من قَرابَتي وشَبَهِي برَسُولِ الله صلى الله عليه
وسلم ـ وكُنتُ أُشَبَّهُ وأنا شابٌّ برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم - ثم لَعَنَ أبا بَكْر وعُمَرَ
فَقُلتُ : يا عَدُوَّ الله، أعِنْدي؟ !! ، ثم خَنَقْتُه - والله - حتىْ دَلَعَ لِسانُه.
تُوفِّيَ الحَسَنُ بنُ الحَسَن سَنةَ تِسِعٍ وتسعينَ .
وقِيلَ : كانت شِيعَةُ العِراقِ يُمَنُّونَ الحَسَنَ الإمارَةَ مع أنَّه كان يَبْغَضُهُمْ دِيانَةً وكان
يَصْلُحُ الخِلافَةِ(١).
٥- حُبُّ عَليٍّ وعُثمَانَ :
قال أبو الحُسَين أحمَدُ بنُ مُحمّد الواعِظُ، حَدَّثنا أبو العَبَّاس بنُ عُقْدَةَ إِمْلاءً سَنةً
ثلاثينَ وثلاثٍ مِئَة، حَذَّثنا عبدُ الله بنُ الحُسَين بنِ الحَسَن بنِ الأشْقَر قال: سَمعتُ
عَثَّمَ بنَ عليٍّ العامِرِيَّ قال: سَمعتُ سُفْيانَ ، وهو يقولُ: لا يَجْتَمعُ حُبُّ عليٍّ وعُثمانَ
إلاَّ في قُلوبِ نُبُلاءِ الرِّجال(٢).
قال الذهبيُّ : قد رُمِيَ ابنُ عُقْدَةَ بالتَّشَيُّع ، ولكنْ رِوايَتُه لهذا ونَحْوه يدُلُّ على عَدَم
غُلُوِّه في تَشَيِّعِه ، ومَنْ بَلَغَ في الحِفظِ والآثارِ مَبْلَغَ ابنِ عُقْدَة ثم يَكونُ في قَلِهِ غِلٌّ
للسَّابِقينَ الأوَّلينَ، فهُو مُعانِدٌ أَوْ زِنْدِيقٌ، واللهُ أعْلَم(٣).
٦- تَقدیمُ عُثمانَ على عليٍّ :
وقال أبو نُعَيم: سَمعتُ شَريكاً يقولُ: قُدِّمَ عُثمانُ يومَ قُدُّمَ، وهو أفْضَلُ
(٤)
القَومِ (٤) .
قال حَفصُ بنُ غياث ، مِنْ طَريقِ عَليٍّ بنِ خَشْرَم ، عنه : سَمعتُ شَريكاً يقولُ :
(١) انظر السير: (الحَسن بن الحَسن) ٤٨٣/٤ -٤٨٧، وانظر النزهة : ٤/٥٣٧.
(٢) انظر السير: (ابن عُقْدة) ٣٤٠/١٥ -٣٥٥، وانظر النزهة: ٢/١٢٣٤.
انظر السير: (ابن عُقّدة) ١٥/ ٣٤٠_٣٥٥، وانظر النزهة: ٣/١٢٣٤.
(٣)
(٤) انظر السير: (شرَيك) ٨/ ٢٠٠-٢١٦، وانظر النزهة: ٢/٧٤٣.
٣٩٧

قُبضَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، واسْتَخارَ المُسلِمونَ أبا بَكْرٍ ، فَلَوْ عَلِموا أنَّ فيهم
أَحَداً أفْضَلَ منه كانوا قد غَشُونا ، ثم اسْتَخْلَفَ أبو بَكْر عُمَرَ ، فقامَ بما قام به من الحَقِّ
والعَدْلِ ، فلمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، جَعَلَ الأمرَ شُورَى بينَ سِتَّةٍ ، فاجْتَمَعوا علىُ عُثمانَ ،
فَلَوْ عَلِموا أنَّ فيهم أفْضَلَ منه كانوا قد غَشُونا(١) .
قال الذهبيُّ : لَيسَ تَفْضِيلُ عليٍّ برَفْضٍ ولا هو بِدْعَة ، بل قد ذَهَبَ إليه خَلقٌ من
الصَّحابَة والتَّابِعِينَ ، فكُلٌّ مِنْ عُثمانَ وعليٍّ ذو فَضلٍ وسابِقَة وجِهاد ، وهما مُتقابِلانِ في
العِلمِ والجَلالَةِ ، ولَعلَّهُما في الآخِرَة مُتساويان في الدَّرجَة ، وهما من سادَة الشُّهَداء
رَضيَ الله عنهُما ولكنَّ جُمهُورَ الأُمَّة علىْ تَرجيح عُثمانَ على الإمام عليٍّ ، وإليه نَذْهَبُ
والخَطْبُ في ذلكَ يَسيرٌ ، والأفْضَلُ منهُما لا شَكَّ أبو بَكْر وعُمَر ،َ مَنْ خالَفَ في ذا فَهُو
شِيعِيٌّ جَلد، ومَنْ أَبْغَضَ الشَّيخَينِ واعْتَقَدَ صِحَّةَ إمامَتِهما فهو رَافِضيٍّ مَقيتٌ ، ومَنْ
سَبَّهُما واعْتَقَدَ أنَّهما لَيْسا بإمامَيْ هُدَى فهو من غُلاة الرَّافِضَة أَبْعَدَهم الله(٢).
٧ - لَيسَ تَقديمُ عليٍّ علىُ عُثمانَ بِدعَةً ولا رَفْضاً :
قال الدارَقُطْنيُّ: اخْتَلِفَ قَومٌ من أهْلِ بَغدادَ، فقال قومٌ: عُثمانُ أفْضَل، وقال
قومٌ : عليٍّ أَفْضَل، فَتَحاكَمُوا إليَّ، فأمْسَكتُ وقُلتُ : الإمساكُ خَيرٌ، ثم لَمْ أَ لِدِينِيَ
الشُّكوتَ ، وقُلتُ للذي اسْتَفْتاني: ارْجِعْ إليهِم، وقُل لهم: أبو الحَسَن يقولُ :
عُثمانُ أفْضَلُ من عليٍّ باتِّفاقِ جَماعَةِ أصْحابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، هذا
قَولُ أهْلِ السُّنَّةَ وهو أوَّلُ عَقْد يُحلُّ فِي الرَّفْض(٣).
قال الذهبيُّ : لَيسَ تَفْضِيلُ عليٍّ برَفْضٍ ولا هو بِدْعَة، بل قد ذَهَبَ إليه خَلقٌ من
الصَّحَابَة والتَّابِعِينَ ، فَكُلٌّ مِنْ عُثمانَ وعليٍّ ذو فَضلٍ وسابِقَة وجِهاد ، وهما مُتقابِلانِ في
العِلمِ والجَلالَةِ ، ولَعَلَّهُما في الآخِرَة مُتساويان في الدَّرجَة ، وهما من سادَة الشُّهَداء
رَضيَ الله عنهُما ولكنَّ جُمهُورَ الأُمَّة علىْ تَرجيحِ عُثمانَ على الإمامِ عليٍّ ، وإليه نَذْهَبُ
(١) انظر السير: (شريك) ٢٠٠/٨-٢١٦، وانظر النزهة: ١/٧٤٤.
(٢) انظر السير: (الدارَ قُطني) ٤٤٩/١٦-٤٦١، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٥.
(٣) انظر السير: (الدارَ قُطني) ٤٤٩/١٦-٤٦١، وانظر النزهة: ٢/١٣٠٥.
٣٩٨

والخَطْبُ في ذلكَ يَسيرٌ ، والأفْضَلُ منهُما لا شَكَّ أبو بَكْر وعُمَر ، مَنْ خالَفَ في ذا فهُو
شِيعِيٌّ جَلد، ومَنْ أَبْغَضَ الشَّيخَينِ واعْتَقَدَ صِحَّةَ إِمامَتِهما فهو رَافِضيٌّ مَقيتٌ ، ومَنْ
سَبَّهُما واعْتَقَدَ أنَّهما لَيْسا بإمامَيْ هُدَى فهو من غُلاة الرَّافِضَة أَبْعَدَهم الله(١) .
٨- تَفْضِيلُ أبي بكر وعُمَرَ على باقي الصَّحابة :
عن عليٍّ: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَظرَ إلى أبي بكر وعُمَر فقال: (( هذان
سَيِّدًا كهولِ أهلِ الجَنَّة من الأوَّلين والآخرين إلاَّ النَّبيِّين والمُرسَلين، لا تُخْبِرْهما
يا عليّ)» (٢) .
وقال ابنُ مَسْعود : قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً
لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خَليلاً ))(٣) .
ورَوىُ مثلَه ابنُ عبَّس فزادَ: (( ولكنْ أخي وصاحِبي في الله، سُدُّوا كلَّ خوخَةٍ (٤)
في المَسْجدِ إلَّ خوخَةَ أبي بكر )»(٥).
عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: ((أبو بكر سَيدُنا وخَيرُنا وأحَبُّنا إلى رسولِ الله
صلی الله علیه وسلم )) .
عن عبدِ الله بن شقيق قال : قلتُ لعائشة : أيُّ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
كان أحَبَّ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلتُ : ثم مَنْ ؟
قالت : عُمَرُ ، قلتُ: ثم مَنْ؟ قالت: أبو عُبَيْدَة ، قلتُ : ثم مَنْ ؟ فسَكتَت .
عن أبي سَعيد الخُذْريّ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَلسَ على المِنْبَر فقال :
((إِنَّ عَبداً خَيَّرَه اللهُ بينَ أنْ يُؤْتِيَه من زَهرَة الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَه فاخْتارَ ما عندَه))،
فقال أبو بكر : فَدَيْناكَ يا رسُولَ الله بآبائنا وأمَّهاتنا، قال : فَعَجِبْنا، فقال النَّاسُ:
(١) انظر السير: (الدارَ قُطني) ٤٤٩/١٦-٤٦١، وانظر النزهة: ٣/١٣٠٥.
(٢) انظر السير: (أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ١/٢٤.
انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق )، وانظر النزهة : ٢/٢٤.
(٣)
(٤) الخوخة : نافذة كبيرة بين دارين ، عليها باب يخترق بينهما .
(٥) انظر السير: (أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ٣/٢٤ .
٣٩٩

انظُرُوا إلى هذا الشَّيخ يُخْبرُ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن عَبدٍ خَيَّره اللهُ ، وهو
يقولُ : فَدَيْناكَ بآبائنا وأمَّهاتنا، قال : فكان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هو
المُخَيَّر ، وكان أبو بكر أعْلَمَنا به(١) .
وعن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لأَحَدٍ عِنْدَنا يَدٌ إلاَّ
كافَأْناهُ ما خَلا أبا بكر ، فإنَّ له عِندَنا يَداً يُكافِئُهُ اللهُ بها يومَ القيامَة، وما نَفَعَني مالٌ قَطُ
ما نَفَعَني مالُ أبي بكر، ولَوْ كنْتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكر خَليلاً ألا وإنَّ صاحِبكم
خَليلُ الله))(٢).
قال مُحمَّدُ بنُ جُبَيْرِ بنُ مُطْعَم : أخبرني أبي أنَّ امرأةً أتَتْ رسُولَ الله صلى الله عليه
وسلم فكلَّمَته في شيء، فأمَرَها بأمْرٍ ، فقالت : أرأيتَ يا رسُولَ الله إنْ لَمْ
أجدْكَ ؟(٣)، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنْ لَمْ تَجديني فَأْتِ أبا بكر))(٤) .
عن عائشةَ قالت: قال لي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في مَرَضه: ((أُدْعُ لي
أَبَاكِ وأخَاكِ حتى أكتُبَ كتاباً فإنِّي أخافُ أنْ يَتمَنَّى مُتَمِنٍّ ويقولَ قائلٌ ، ويأبَى اللهُ
والمؤمنونَ إلاَّ أبا بكر))(٥) .
وأخْرِجَ البُخاريُّ من حَديث أبي إدريسَ الخَولاني قال : سَمعتُ أبا الدَّرْداء يقولُ:
كان بينَ أبي بكر وعُمَرَ مُحاوَرَةٍ فَأَغْضَبَ أبو بَكر عُمَر، فانْصَرَفَ عنه عُمَرُ مُغْضَباً فاتَّبِعَه
أبو بكر يسْألُه أنْ يَستغفرَ له ، فلَمْ يَفعَل حتى أغلقَ بابَه في وجهه ، فأقبلَ أبو بكر إلى
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو الدَّرْداء : ونحن عنده، فقال رسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ((أمَّا صاحِبُكم هذا فقَد غامَر ))، قال: ونَدِمَ عُمرُ على ما كان
منه ، فأقبلَ حتىُ سَلَّمَ وجلسَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَصَّ على رسُولِ الله
صلى الله عليه وسلم الخَبرَ ، قال أبو الدَّرْداء : وغَضِبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
(١) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة : ٤/٢٤ .
(٢) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ٥/٢٤ .
(٣)
قال جُبير بن مطعم : كأنها تعني الموت .
(٤) انظر السير: ( أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ١/٢٥.
(٥) انظر السير: (أبو بكر الصدِّيق)، وانظر النزهة: ٢/٢٥.
٤٠٠